Полный текст (717 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
العقل محجوب في حدوده التي لا يستطيع أن يتعداها، لكنه لا يمكن أن يكون وراء العقل أشياء يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالتها.
فالفرق كبير بين ما لا يدركه العقل، فهو لا يتناوله بنفي ولا إثبات، لأنه ليس من الأمور التي يتناولها بأحكامه، وبين ما يحكم العقل حكماً قاطعاً بنفيه أو إثباته.
إن من الأشياء التي لا يمكن أن يكون وضعها فيما وراء العقل على خلاف وضعها في أحكام العقل القاطعة، لأنها من المستحيلات العقلية: أن يكون لله تعالى شريك، أو أن يكون في مقدور الخالق أن يخلق مثل ذاته سبحانه، أو أن يجعل الحادث قديماً، أو ما أشبه ذلك.
رابعاً: ما له دلائل وقرائن من العقل تؤيده فإن موقف العقل منه موقف الشاهد المؤيد والمسلم.
خامساً: التسليم التام في كل ما يقول فيه العقل: لا أدري. ويكون ذلك إذا لم يكن لدى العقل من الأدلة الظاهرة في مقاييسه ما يستطيع إثباته به، وليس لديه منها ما يستطيع نفيه به.
وهذا التسليم تصديق لشهادة النص الديني الثابت من جهة الرواية، وفق أصول تحقيق المستندات الإخبارية، وتصديق شهادة النص الديني الثابت بيقين له مستند عقلي قاطع، وذلك لأن العقل يقول:
ما جربته من أنباء الإسلام الصحيحة النسبة إليه بشكل يقيني، لم أجد فيها إلا الحق، وكل ما وجدته فيها مما أستطيع الوصول إلى حقيقته الواقعة بنفسي كان حقاً وصدقاً.
ولأن العقل يقول أيضاً:
إن من يملك تغيير سنن الكون الثابتة، بما يجريه من معجزات على أيدي أنبيائه ورسله، ليعلمني بأن الكون كله خاضع لقدرته وإرادته، وليعلمني بأن أخباره التي يبلغها أنبياؤه ورسله أخبار صادقة، لا يمكن أن
стр. 177
تكون أخباره عن الغيوب التي لا أستطيع الوصول إليها بنفسي أخباراً مخالفة لحقيقة الغيب وواقعه.
لكل ذلك فإنه يجب التسليم بها تسليماً قاطعاً لا يداخله ريب.
* * *
منهج الإسلام في المعرفة:
يقوم الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي على قضيةٍ واحدة، وهي: أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة.
١- فما كان مطابقاً للواقع والحقيقة فهو حقٌّ، وما كان مبايناً للواقع والحقيقة فهو باطل.
٢- وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه، ومخالفة من بعض الوجوه، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة، ومن الباطل على مقدار المخالفة.
٣- وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة لبعض الواقع والحقيقة فقط، دون أن يكون فيها مخالفة ما، ولم يقترن بها ادعاء المطابقة لكامل الواقع والحقيقة، فهي إذن المعرفة الناقصة مع كونها حقاً.
هذا هو الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي، ثمّ تأتي وراءه قاعدة كلية، وهي: أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة.
والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع، وبالواقع تقاس النتائج، فإن اكتشفنا ولو بعد حين أن الواقع كان على خلاف ما تصورنا صححنا مفاهيمنا حتى تكون مطابقة له.
على هذا الأساس الأول وهذه القاعدة الكلية قام بناء الفكر الإسلامي، المقرر والمعتمد من كتاب الله وسنة رسوله المجتبى.
стр. 178
الوسائل:
أما وسائل المعرفة التي يجب اعتمادها في الفكر الإسلامي فتتلخص بثلاث وسائل، وهي الوسائل التالية:
الوسيلة الأولى: المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.
الوسيلة الثانية: الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج البرهانية أو المقبولة.
الوسيلة الثالثة: الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبيٌّ من أنبياء الله مؤيد من الله بالمعجزات الباهرات، ومن الخبر الصادق قطعاً ما يبلغه عن الوحي هذا النبي.
ويعترضنا هنا سؤال، وهو:
إذا كان الهدف الأول والأساسي هو أن تكون المعرفة مطابقة للواقع والحقيقة، فماذا نصنع حينما تختلف نتائج وسائل المعرفة حول موضوع واحد، أو حول نقطة أو جزء من موضوع من موضوعات المعرفة؟.
o هل نعتمد وسيلة الإدراك الحسي ونطرح ما عداها؟.
o أو نعتمد وسيلة الاستنتاج والاستدلال العقلي؟.
o أو نعتمد وسيلة الخبر الصحيح الصادق؟.
o أو ماذا نصنع؟؟.
وبالدقة العلمية يمكن الإجابة على هذا السؤال بما يلي:
حينما يكون دليل وسيلة من هذه الوسائل هو الدليل الأقوى في الموضوع الذي هو مجال البحث، فإنه يجب اعتماده وترجيحه، حتى يأتي ما يزيد عليه قوة ورجحانا.
فإذا كان دليل الحس قائماً على مشاهدةٍ صحيحةٍ يقينيةٍ خالية من
стр. 179
احتمال الخطأ، يتوافق الحس في إدراكها، كان دليل الحس هو الذي ينبغي اعتماده.
ومن ثَمَّ يُعادُ النظر في دليل الاستدلال العقلي، إذا كان الخلاف معه. أو يُعاد النظر في دليل الخبر الصادق إذا كان الخلاف معه.
وإعادة النظر في دليل الخبر الصادق، قد لا تحتاج أكثر من تصحيح فهم النص، والنظر في فهمه ضمن قواعد فهم النصوص بما يتفق مع النتائج اليقينية التي قدمها دليل الحس.
وذلك لأن الغاية من استخدام وسائل المعرفة إنما هو الوصول إلى معرفة مطابقة للواقع، وليس من الممكن أن يتناقض الواقع مع نفسه.
وحينما يظهر خلاف أو تناقض في النتائج التي قدمتها الوسائل، فلا بُدّ أن خطأً قد دخل حتماً في بعضها أو في كلها، وعندئذ لا مناص من مراجعة الأدلة والتمحيص فيها، وإعادة النظر وزيادة التحري عن الحقيقة لاكتشاف مواقع الخطأ والخلل. وتظل المراجعة مفتوحة حتى يتم اكتشاف المخطئ منها، ثمّ ما يُثبِت منها الواقع والحقيقة بصفةٍ يقينية يكون هو الجدير بالاعتماد، ثُم يعاد النظر في غيره حتى نصححه وننتهي إلى التوافق التام في النتائج، فمن المستحيل في منطق الوجود أن تتناقض الأدلة اليقينية في معطياتها العملية، وحينما نجد التناقض في هذه المعطيات فلا بد من وجود خلل أو خطأ في بعض الأدلة أو في كلها.
وتخضع النصوص الدينية لحكم هذا المنهج العلمي، لأن الحقيقة الواقعة في الوجود هي من خلق الله ، والله محيط بكل شيءٍ علماً، وحينما يخبرنا عن شيءٍ منها فلا بد أن يكون خبره مطابقاً لما عليه في الواقع، لأنه يستحيل الجهل أو الكذب عليه .
والمشكلة قد تأتي-كما سبق إيضاحه- من الخطأ في فهم النص الديني الثابت، وفهم النص الديني عمل اجتهادي إنساني، وهذا الفهم الإنساني للنص قد يصيب وقد يخطئ، فإذا أخطأ الاجتهاد في الفهم
стр. 180
فليس معنى خطئه أن النص هو المخطئ، ولكن المخطئ هو الإنسان غير المعصوم، الذي اجتهد في فهم معنى النص، وفي هذه الحالة علينا أن نراجع فهمنا للنص، ونعيد تدبرنا له، حتى نصل إلى المعنى اليقيني الذي تم الوصول إليه بيقين عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي.
ولا يكون التعصب للاجتهاد الذي أخطأ فيه صاحبه إلا خدمة للذين يحاولون بكل ما يستطيعون من جهد أن يثبتوا التناقض بين ما يأتي به الدين، وبين الحقائق التي تأتي بها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي، لطعن الدين من أساسه، ونسف قواعده القائمة على الحق، وإشاعة الإلحاد، والمادية التي لا تؤمن بالله.
وقد تأتي المشكلة أيضاً من كون النص الديني نصاً غير ثابت ثبوتاً قطعياً، إذ لم تتوافر له الروايات الصحيحة التي تجعله قطعي الثبوت، وبدهيٌّ في هذه الحالة أن يكون الدليل الحسيُّ اليقيني، أو الدليل العقلي اليقيني، أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية، فإن أمكن فهم النص ولو تأويلاً بما يتفق مع النتائج اليقينية للأدلة الأخرى فعلنا. وإلا أخذنا بالنتائج اليقينية حتماً، وتركنا النص ودلالته، ولا يضرُّنا هذا في الدين شيئاً، لأن قبولنا له من الأساس وهو خبر ظنيٌّ لا قطعيٌّ قد كان بصفة ترجيحية، لا بصفة قطعية.
فإذا سأل سائل فقال: هل لنا أن نؤوّل النصوص الدينية أو نخصصها بدليل الحس أو بدليل العقل حتى تكون دلالتها مطابقة للواقع والحقيقة؟.
كان جوابنا بالإيجاب حتماً، وبأن هذا العمل من القواعد المقررة في علوم الشريعة الإسلامية، كما سبق بيانه.
يقول علماء أصول الفقه في أبواب تخصيص العام: " لا خلاف في جواز تخصيص العموم ".
ويقررون في أبواب تأويل الظاهر: "أنه يجوز التأويل متى كان دليله
стр. 181
أرجح من دليل العمل بالظاهر، ويجب التأويل متى كان دليله دليلاً قاطعاً لا يجوز العدول عنه".
ويذكرون من أدلة تخصيص العموم: "دليل الحس، ودليل العقل".
ونظير ذلك يكون في تأويل الظاهر، فيتمُّ التأويل بناءً على دليل الحس أو دليل العقل.
تحذير من الجنوح أو الإسراف لدى تطبيق هذا المنهج:
هذا هو منهجنا الإسلامي فيما يتعلق بالنصوص الدينية ودلالاتها على حقائق الأشياء.
ولكن يجب الحذر الشديد لدى تطبيق هذا المنهج، حتى لا يدخل علينا الدس الماكر باسم الحقائق العلمية التي توصّلت إليها نتائج البحث العلمي بالوسائل الإنسانية البحتة.
فكثيرٌ من النتائج التي تُقرر على أنها حقائق علمية عند أصحاب البحث العلمي المادي لا تعدو أنها فرضيات، أو نظريات قابلة للتعديل أو التغيير أو النقض الكلي، وليست حقائق علمية عند أصحابها، أو لدى النقاد من أئمة البحث العلمي المتجرد النزيه.
بَيْدَ أن أصحاب الأهواء، أو صغار المثقفين الذين لا يقدرون المعارف العلمية حق قدرها، وينخدعون بدعايات الترويج التجاري أو السياسي للفرضيات أو النظريات العلمية، قد يزعمون أنها حقائق ويقينيات علمية، وليست هي في الواقع كذلك، ثمّ يحملونها حمل الببغاوات، أو حَمْلَ الأجراء، ثمّ يقولون: إن بين الحقائق العلمية وبين النصوص الدينية تناقضاً، ويقصدون بالحقائق العلمية هذه الفرضيات، أو النظريات التي لم تثبت بعدُ في نظر واضعيها أو المعتقدين بها ثبوتاً يقينياً أو نهائياً، فضلاً عن أن تكون يقينيات في نظر غيرهم من المعارضين أو الناقدين الحياديين.
стр. 182
وأمام هذه الفرضيات أو النظريات، لا نجد أنفسنا ملزمين علمياً بتحديد معاني النصوص الدينية، التي تتناول الموضوع نفسه، تحديداً قاطعاً.
والخطة المثلى تسمح لنا بأن نطرح احتمالات دلالاتها طرحاً غير مقترن بترجيح ولا تثبيت.
وحينما نرى أن نرجح والحالة هذه فيجب علينا أن لا نجزم، وأن نترك الجزم لمستقبل البحث العلمي المتجرد النزيه، وننتظر إثبات الحقيقة العلمية بوسيلة يقينية، فالمضمون لا يتعلق به حكم شرعيٌ يجب العمل به، فلا ضير إذن من التريث والأناة، هذا إذا لم يكن النص الديني قاطعاً في دلالته ويقيني الثبوت.
أما إذا كان النص الديني قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو كان من الأمور المتعلقة بالتشريع والأحكام الدينية، أو كان مضمونه يتعلق بغيبيات اعتقادية، لا تملك الوسائل الإنسانية الوصول إليها، مهما تقدمت هذه الوسائل وتطورت مستقبلاً، فإنه يجب الأخذ بمضمونه وفق أصول الاجتهاد في فهم النصوص. فاليقيني من كل ذلك نسلم به تسليماً تاماً، وغير اليقيني نضعه في المستوى الذي تقتضيه قوة ثبوت النص وقوة دلالته، وفق قواعد فهم النصوص المقررة لدى علماء أصول الفقه واستنباط الأحكام.
خاتمة:
فليس بعد هذا التحليل لموقف العلم الإنساني والدين من الحقيقة، أن يزعم وجود التناقض بين الإسلام والعلم الإنساني، في المنهج الذي يجب اعتماده للوصول إلى معرفة الحقائق، أو في النتائج اليقينية المقطوع بها التي يقررها الدين، والأخرى التي تنتهي إليها وسائل البحث العلمي الإنساني.
إن أي مضلل لا يستطيع إثبات ادعائه وجود التناقض هذا، إلا على
стр. 183
أساس من المغالطات والأكاذيب وزخرف من القول، وصناعة الجدال بالباطل.
فمن المستحيل وجود التناقض بين الحقائق التي تأتي عن طريق الدين، والحقائق التي تأتي عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية البحتة.
* * *
стр. 184
الفصْل الثاني
مَزاعِمُ المُضلِّين لِهَدْم أسُس الأخلاَق
وأبنيتها وتطبيقاتها في المجتمع
لما كانت الأخلاق في المجتمع الإنساني تمثل معاقد الترابط الاجتماعي بين الناس، وأسس قوانين العدل الحامية للحقوق بين الناس، كان من مهام أصحاب المذاهب المعاصرة الرامية إلى تدمير المجتمعات المتماسكة، بغية السيطرة عليها، أن يبذلوا ما يستطيعون من جهد ومكر وكيد لتدمير الأخلاق وقوانين العدل المبنية عليها، في هذه المجتمعات، من مختلف النواحي الفكرية والنفسية والتطبيقية.
ومن وسائلهم إلى ذلك أمران:
الأمر الأول: توجيه الافتراءات والأكاذيب والشتائم ضد مفاهيم الأخلاق السائدة في المجتمعات، وضد تطبيقاتها في السلوك.
الأمر الثاني: بث الأفكار والآراء والفلسفات المشحونة بالزيوف والمغالطات، لزلزلة أسس الأخلاق وقواعدها، وقوانين العدل المشتقة منها، أو المنبثقة عنها، ثمّ نسفها من جذورها.
١- أما الأمر الأول: وهو توجيه الافتراءات والأكاذيب والشتائم، فأهمُّها ما نجده لدى الشيوعيين، إذ يتهم أئمتهم الأخلاق والقوانين المنبثقة عنها بأنها أوهام صنعها أصحاب مصالح طبقية، ليستروا بها مصالحهم، وبأنها نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة، فهي غير ذات قِيَمٍ حقيقية، لذلك يجب عدم الاكتراث بها، بل تجب محاربتها.
стр. 185
٢- وأما الأمر الثاني: وهو بث الأفكار والآراء والفلسفات المشحونة
стр. 186
بالزيوف والمغالطات، لنسف الأخلاق والقوانين، ففيما يلي بيانه وكشف زيوفه.
أخبث ما في هذه الآراء التي روجها الماديون الملحدون وجنودهم ادعاء أن الأخلاق أمور اعتبارية ليس لها قيمُ ذاتية، فهي لا ثبات لها، لذلك فهي تختلف من شعب إلى شعب، ومن أمةٍ إلى أمة، ومن زمانٍ إلى زمان، فبعض الأمور تعتبر منافية لمكارم الأخلاق عند شعب آخر، أو أمةٍ أخرى، وبعض الأمور كانت في زمانٍ مضى أموراً منافيةً لمكارم الأخلاق، ثمّ صارت بعد ذلك أموراً غير منافية لها.
قالوا: وهذا يدل على أن الأخلاق مفاهيم اعتبارية تتواضع عليها الأمم والشعوب، وليس لها ثبات في حقيقتها، وليس لمقاييسها ثبات.
ويقولون أحياناً: إن الأخلاق أمور نسبية، ويقصدون بنسبيتها أن العمل الخلقي ق يكون فضيلة إذا فعله فريق من الناس، فإذا فعله فريق آخر كان رذيلة خلقية، فهو بالنسبة إلى صدوره من الفريق الأول أمرٌ حسن وخير، وبالنسبة إلى صدوره من الفريق الثاني أمرٌ قبيح وشر.
ويضربون لذلك أمثلة مشحونة بالزيوف، ومغلفة من ظاهرها بالمغالطات.
* * *
وحين يتبصر الباحث في أقوال هؤلاء الرامية إلى تدمير أسس الأخلاق، وأبنيتها، وتطبيقاتها، والقوانين والنظم المنبثقة عنها، يستطيع أن يكتشف عناصر المغالطات التي يلتجئون إليها، وما في دعاواهم من زيف لا يقبل به العقلاء، ذوو الإدراك السليم والانصياع للحق.
ومغالطتهم في هذا الموضوع ترجع إلى عدة أمور، أهمُّها:
* مدُّ عُنوان الأخلاق مداً يشمل التقاليد والعادات والآداب، وبعض الأحكام الدينية التي لا علاقة لها بموضوع الأخلاق من حيث ذاتها.
стр. 187
* مفاهيم بعض الناس للأخلاق ولأسسها، مع أنها مفاهيم غير صحيحة.
* اضطراب الفكر الفلسفي في تحديد المبادئ التي يرجع إليها الأخلاق، كالقوة، والمنفعة، واللذة، وغيرها.
ومن التعميم الفاسد الذي يطلقونه ويقررونه، ومن مفاهيم بعض الناس غير الصحيحة للأخلاق، ومن اضطراب الفكر الفلسفي في تحديده للمبادئ التي ترجع إليها الأخلاق، يجد المضلون أمامهم مجالاً مُهَيّأً لاستغلال أمثلة تدخل في هذه الأُطر العامة الموسّعة بالباطل، وهذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل، ولا تظهر فيها قِيمٌ خلقية ثابتة، لأنها في الحقيقة ليست من الأخلاق، وإنما دُسَّت في الأخلاق تزييفاً لنقض الأخلاق بها.
واللعبة تتم على الوجه التالي:
o هذه أمثلة من مفردات الأخلاق التي يؤمن بها الأخلاقيون.
o هذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل، فليس لها قيم ثابتة.
o إذن فالأخلاق كلها أمور ذات مفاهيم متغيرة متبدلة.
o إذن فالأخلاق كلها ليس لها قيم ثابتة.
o إذن فالأخلاق أمور اعتبارية، أو نسبية.
وبلعبة المغالطة هذه يسهل على مدمري الأخلاق في المجتمعات الإنسانية، إفساد الأجيال، حتى تتمرد على جميع الضوابط الخلقية، التي تُمثّل في الأمم قوى مترابطة وتماسكها، وعناصر الدفع لارتقائها الإنساني، وشروط المحافظة على أمجادها الموروثة والمتجددة بأعمالها.
* * *
شرح وتحليل:
منشأ المشكلة يرجع إلى الخطأ في تحديد مفهوم الأخلاق، وتحديد دوافعها وغاياتها، وتحديد مستوياتها، من قِبَل كثير من الناس، وفيهم كثير من الباحثين في علم الأخلاق، من فلاسفة ومفكرين.
стр. 188
وهذا هو الذي يفتح الثغرة الفكرية التي يعبُر منها الخبثاء الماكرون، ليهدموا الأبنية الأخلاقية الحصينة التي تتمتع بها الشعوب العريقة بأمجادها، لا سيما المسلمون الذين سبق أن رفعتهم الأخلاق العظيمة إلى قمة مجد لم يطاولهم فيها أحد.
وحين يتبصر الباحث بالأسس الأخلاقية، التي تم فيها تحديد مستوياتها، وفق المفاهيم المقتبسة من التعاليم الإسلامية، يتبين له بوضوح تساقط أقوال الذين يزعمون أن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وأنها من الأمور التي تتواضع عليها الأمم، وأنها ليست ذات قيم حقيقية، أو حقائق ثابتة.
فالباحث المتحري للحقيقة يستطيع أن يكتشف بسرعة عناصر المغالطة التي يصطنعها هؤلاء المضللون، إذ يأتون بأمثلة جزئية يزعمون أنها من الأخلاق، ثمّ يثبتون أنها أمور اعتبارية أو نسبية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها، ثمّ ينقضون بها ثبات الأخلاق نقضاً كلياً، بطريقة تعميمية لا يقبل بها العلم، حتى على افتراض أن هذه الأمثلة هي من الأخلاق فعلاً، لأنه لا يجوز علميّاً الحكمُ على النوع كله من خلال الحكم على بعض أفراه، ما لم يثبت أن سائر الأفراد مشتركة بمثل الصفة التي كانت علة صدور الحكم على بعض الأفراد.
إن مغالطتهم هذه تشبه مغالطة من يأتي بمجموعة من القرود، ويلبسها لباس بني آدم، ويدخلها بين مجموعاتهم ثمّ يقول: إن الناس جميعهم لهم صفات القرود، بدليل أن هذا الإنسان - ويشير إلى بعض قروده - له صفات القرود، بدليل أن هذا الإنسان - ويشير إلى فرد آخر من هذه المجموعة المزيفة- له صفات القرود. وهكذا يأتي بأمثلة متعددة من هذا العنصر الدخيل، ثمّ يصدر حكمه التعميمي في مغالطة أخرى، فيقول: ومن هذا يتبين لنا أن جميع الناس لهم صفات القرود.
إن هذه العملية قد تضمنت مغالطة مركبة تمت على مرحلتين:
المرحلة الأولى: إدخال عنصر ليس من البشر تحت عنوان البشر.
стр. 189
المرحلة الثانية: تعميم الحكم الذي يَصدر على هذا العنصر الدخيل، وجعله شاملاً للناس جميعاً.
وهذا مثال مطابق تماماً لمغالطتهم في موضوع الأخلاق، فهي أيضاً تشتمل على إدخال ما ليس من أفراد الأخلاق تحت عنوان الأخلاق، ثمّ تعميمهم حكمهم على هذه الأفراد الدخيلة، وجعله شاملاً لجميع أفراد الأخلاق الحقيقية.
نماذج من الأمثلة التي يدخلونها في الأخلاق وهي ليست منها:
فمن الأمثلة الجزئية التي يدخلونها في الأخلاق وليست منها، وغرضهم من ذلك التمهيد لنقض الأخلاق بها، ما يلي:
١- يقولون: إن أكل لحم الميتة أمر لا يعتبر منافياً للأخلاق عند بعض القبائل، بينما يعتبر منافياً للأخلاق عند الذين لا يأكلون لحم الميتة، حتى حين تأكل بعض القبائل موتاها من الناس فإن لها في ذلك مبرراتها الاقتصادية، إذ ترى أن انتفاعها بلحوم موتاها خير من تركها للدود، وخير من دفنها في التراب، وتركها تتعفن وتتفسخ وتتحلل.
وهذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية، وليس لها قيم حقيقية ثابتة، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة.
٢- ويقولون: إن بعض الأمم تحرم شرب بعض أنواع من الأشربة، كالخمور، وتعتبر شربها عملاً منافياً للأخلاق، بينما ترى أمم أخرى أنه لا شيء في شربها.
٣- ويقولون: إن بروز المرأة بزينتها، وتعريها من ثيابها، وعرضها مفاتنها للرجال الأجانب، أمرٌ لا يعتبر منافياً للأخلاق عند كثير من الشعوب، بينما يعتبر عند شعوب أخرى من الرذائل الخلقية.
ويأتون بمثال تعدد الزوجات وإباحته عند أمة وتحريمه عند أمة أخرى.
стр. 190
٤- ويقولون: إن دعم مراعاة الأنظمة المتبعة في الطعام والشراب واللباس عند بعض الأمم، يعتبر من الأمور المستنكرة جداً، والمنافية للأخلاق، بينما ترى أمم أخرى خلاف ذلك، إذ ترى أن ترك الإنسان حراً يتصرف كما يحلو له في طعامه وشرابه ولباسه هو الفضيلة الخلقية.
ويأتون بأمثلة الطقوس في البلاد الأقيانوسية، ومنها تحريمهم الطعام تحت سقف، والمكث في المسكن إذا كان الإنسان مريضاً، وتحريمهم استعمال الأيدي في تناول الطعام بعد فراغ الإنسان من حلق شعره، أو بعد فراغه من صنع زورق، وهكذا يوردون أمثلة هي من العادات والتقاليد الاجتماعية، أو من الظواهر الجمالية، أو من الأحكام الدينية لدين صحيح أو لدين وضعي من وضع البشر.
قالوا: وكل هذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية، وليست لها قيم حقيقية مطلقة ثابتة، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى، ومن أمة إلى أمة أخرى.
وحين يورد المضلون مثل هذه الأمثلة الجزئية، لا يعرجون على أخلاق الصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء بالعهد والوعد، والكرم، والشجاعة وأمثالها، ولا يذكرون الرذائل الخلقية المضادة لها، كالكذب، والجور، والظلم، والخيانة، والغدر، والشح، والجبن في المواطن التي تحسن فيها الشجاعة، وأمثالها.
المناقشة:
لدى تحليل الأمثلة التي يذكرونها لنقض الأخلاق بها، يلاحظ الباحث الفاحص أنها ليست في الحقيقة من فروع الأخلاق، وإنما ترجع إلى أصول أخرى.
فالمنع من أكل لحم الميتة مثلاً، أو شرب الخمور يرجع إلى أنه
стр. 191
حكم دينيٌّ، لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا، وهو من ناحية أخرى حكم تقتضيه موجبات الحماية الصحية.
فإدخاله في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلطٌ فكري، أو مغالطة وتزييف.
وحجاب المرأة وإلزامها بالحشمة، وعدم عرض زينتها ومفاتن جسمها للرجال الأجانب، حكم ديني لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا، وهو أيضاً أمر اقتضته قاعدة سد الذرائع، فهو يساعد على درء الفتنة، وحماية المجتمع من أن تنتشر فيه الفاحشة، التي يتولد عن انتشارها اختلاط الأنساب، وتفكك الأسر، وانهيار المجتمعات.
فإدخال هذا الموضوع في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلطٌ فكري، أو مغالطة وتزييف.
وتتعدد الزوجات حكم ديني روعيت فيه مصالح إنسانية لا دخل له في الأخلاق.
ومراعاة الأنظمة المتبعة عند بعض الأمم في الطعام والشراب واللباس، أمرٌ من الآداب الجمالية الحضارية لديهم، وليس فرعاً من فروع الأخلاق.
فإدخاله في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلط فكري، أو مغالطة وتزييف.
أليس عجيباً أن يدخلوا مثل هذه الأمثلة في باب الأخلاق مع أنها في جوهرها من أبواب غير باب الأخلاق، فهي إما أحكام دينية، أو طقوس وعادات وتقاليد؟! وإدخالها في باب الأخلاق مغالطة.
ولستر مغالطتهم التي يدخلون بها في الأخلاق ما ليس منها، تمهيداً لنسف الأخلاق من جذورها، يعتمدون على مفاهيم بعض الناس الخاطئة للأخلاق، إذ يعتبرون أن هذه المفاهيم جزء من حقيقة الأخلاق.
стр. 192
مع أن مفاهيم الناس قد تصدق وقد تكذب، فهي لا تمثل جزءاً من حقيقة الشيء الذي هو موضوع البحث، وإنما تمثل مقدار إدراك أصحابها لحقيقة الشيء، وهذا الإدراك قد يكون مطابقاً لحقيقة الشيء، وقد يكون مخالفاً لها، وقد يكون كاملاً وقد يكون ناقصاً، وهو لا يؤثر بحالٍ من الأحوال على حقيقة الشيء.
لقد كان للفلاسفة القدماء مفاهيم عن السماء، وهذه المفاهيم مخالفة لواقع حال السماء، ومع ذلك فإن أي ذي عقل سليم لا يقبل اعتبار هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة السماء.
وللناس مفاهيم كثيرة باطلة عن الخالق، ولا يجوز مطلقاً أن تكون هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة الخالق.
وينكر كروية الأرض منكرون، ولكن مفاهيمهم هذه لا يمكن أن تجعل الأرض في واقع حالها غير كروية.
على مثل هذا الغلط الفكري يدخل كثير من الناس في الأخلاق ما هو ليس من الأخلاق، كتقاليد، وعادات، وأحكام وضعية، ليس لها أسس ولا جذور تجعلها نابعة من الأسس الخلقية، أو منبثقة عنها.
كذلك يجحد كثير من الناس بعض ما هو من الأخلاق فعلاً، فيزعم أنه لا داعي للتقيد بقواعد الأخلاق فيها.
فهل يؤثر هؤلاء أو هؤلاء على الحقيقة المطلقة للأخلاق؟!.
إن مفاهيم الناس ليست هي التي تصنع الحقائق، بل وظيفتها أن تعمل على إدراك الحقائق، حتى تكون صورة الحقائق فيها مطابقة لما هي عليه في الواقع.
وما قيمة مفاهيم الناس حول حقيقة من الحقائق، ولنفرض أن بعض الناس استحسنوا رذائل الأخلاق، ولم يجدوا أي رادع من ضمائرهم يردعهم عنها، فمارسوا الظلم بمثل الجرأة التي يمارسون بها العدل،
стр. 193
ومارسوا الخيانة بمثل الجرأة التي يمارسونها بها الأمانة، ومارسوا قسوة القلب بمثل الجرأة التي يمارسون بها الشفقة والرمة، ومارسوا الكذب الضار بمثل الجرأة التي يمارسون بها الصدق النافع، أفيغير ذلك واقع حال الرذائل فيجعلها من قبيل الفضائل؟!.
كم نشاهد من شعوب تألف القذارات، وتعيش فيها، ولا تشعر بأنها تعمل عملاً غير مستحسن أو غير جميل، فهل تغير مفاهيمهم من واقع حال القذارة القبيح شيئاً؟!.
إن فساد مفاهيم الناس حول حقيقة من حقائق المعرفة لا يغير من واقع حال هذه الحقيقة شيئاً، وجميع حقائق المعرفة تتعرض لمشكلة فساد مفاهيم الناس عنها، وفساد تصور الناس لها.
ويوجد سبب آخر للخطأ الذي يقع فيه الباحثون في علم الأخلاق، هو اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، ونسبوا إلى هذا المقياس العصمة عن الخطأ مع أنه مقياس غير كافٍ وحده، فقد يخطئ، وقد يُصابُ عند بعض الناس بعلةٍ من العلل المرَضِيَّة، فيعشى أو يعمى، أو تختلُّ عنده الرؤية، فيصدّر أحكاماً فاسدة.
* * *
تلخيص لأسباب الغلط أو المغالطة:
مما سبق يتضح أن أسباب الغلط أو المغالطة عند القائلين بأن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وليس لها ثبات ولا قيمٌ حقيقية مطلقة، ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعميم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني، فلم يميّزوا الظواهر الخلقية، عن الظواهر الجمالية والأدبية، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن التعاليم والأحكام المدنية أو الدينية البحتة، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق، فأفضى
стр. 194
ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية أو نسبية.
الأمر الثاني: أنهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، مع أن في كثير من هذه المفاهيم أخطاءً فادحة، وفساداً كبيراً، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها، ويرجع أيضاً إلى أمور أخرى غير ذلك.
والتحري العلمي يطالب الباحثين بأن يتتبعوا جوهر الحقيقة، حيث توجد الحقيقة، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون , وينكرها منكرون، ويتشكك فيها متشككون، ويتلاعب بها متلاعبون، ومع ذلك تبقى على ثباتها، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها.
الأمر الثالث: اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، مع أن هذه عرضة للصواب والخطأ، كما سبق بيان ذلك.
* * *
تلخيص طريقة دُهاة التضليل لهدم الأخلاق:
ويمكن تلخيص طريقة دُهاة التضليل لهدم الأبنية الأخلاقية، والقوانين والأنظمة المنبثقة عنها بالوسائل الأربعة التالية:
الوسيلة الأولى: إقناع الأجيال بأن الأخلاق أمور اعتبارية، ونسبية، وهي متغيرة متبدلة، ولا ثبات لها، وليس لها حقائق مطلقة لا تتغير.
الوسيلة الثانية: أن يستغلوا بخبث بعض الآراء والأفكار الفلسفية، التي من شأنها تقليل قيمة الأخلاق في نفوس الناس، إذ تقيمها على أسس واهنة ضعيفة، أو على شفا جرف هار.
ومتى قامت في نفوس الناس على مثل ذلك تداعت الأبنية الأخلاقية
стр. 195
التقليدية، ثمّ انهارت، وحلت محلها أنانيات فوضوية، تعتمد على القوة والحيلة، والإباحية المطلقة لكل شيء مستطاع، فلا خير إلا ما تدعمه القوة، ولا شر إلا ما تضعف القوة عن تحقيقه.
الوسيلة الثالثة: أن يلفقوا من عند أنفسهم آراءً وأفكاراً فلسفية، يطلقون عليها اسم "نظريات" تزييفاً للحقيقة، ثمّ يخدعون بها الناس، لا سيما الناشئون منهم، ويستغلون فيهم رغبات المراهقة بالتمرد على الحق والواجب، تطلعاً لمجد موهوم.
وقد تطول فترة المراهقة عند بعض الناشئين، حتى تكستح عمر الشباب منهم، وجزءاً من عمر الكهولة، وسبب ذلك الاستسلام التام لعواصف طور المراهقة، ووجود المغذيات الشيطانية الخبيثة، وضعف التربية الإسلامية، أو انعدامها.
ومتى وجدت هذه الظروف المواتية لنمو الشر، فليس من البعيد أن يصير الإنسان شيخاً في سنة وجسمه، ويبقى مراهقاً في علقه ونفسه.
الوسيلة الرابعة: اتخاذ الوسائل العملية التطبيقية لإفساد أخلاق الأمم، وأهمها الغمس في بيئات موبوءة بالأخلاق الفاسدة، حتى تكون الانحرافات عادات مستطابات.
* * *
نظرة حول المفاهيم الإسلامية:
لقد ميزت المفاهيم الإسلامية الأخلاق عما سواها، وميزت السلوك الأخلاقي عن سائر أنواع السلوك الإنساني، فلم تعمم تعميماً فاسداً، ولم تدخل في مفردات الأخلاق ما ليس منها.
وهي أيضاً لم تعتمد على مفاهيم الناس المختلفة، ولم تتخذها مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي.
وأما العقل والضمير فإن المفاهيم الإسلامية لم تُهْمِلْهما، وإنما قرنتهما
стр. 196
بعاصم يردها إلى الصواب، كلما أخطأ سبيل الحق والهداية والرشاد، وهذا العاصم هو الوحي الذي نزل بدين الله لعباده، وشرائعه لخلقه، وتعاليمه التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها تنزيل من عزيز حكيم، وقد بلغها رسله، أما صورتها المثلى المحفوظة من التغيير فهي ما ثبت في نصوص الشريعة الإسلامية، المنزلة على رسول الله صلوات الله وسلاماته عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
فمن تبصّر بالأصول العامة للأخلاق في المفاهيم الإسلامية، وتبصّر بأن الأخلاق الإسلامية مقترنة بالوصايا والأوامر والنواهي الربانية، وتبصّر بأن هذه الوصايا والأوامر والنواهي محفوفة بقانون الجزاء الإلهي بالثواب أو بالعقاب، فإنه لا بد أن يظهر له بجلاء أن الأخلاق الإسلامية هي حقائق في ذاتها، وهي ثابتة ما دام نظام الكون، ونظام الحياة، ونظام الخير والشر، أموراً مستمرّة ثابتة، وهي ضمن المفاهيم الإسلامية الصحيحة غير قابلة للتغير أو التبدل من شعب إلى شعب، ومن أمة إلى أمة، ومن زمان إلى زمان.
أما الأمة الإسلامية فهي أمة واحدة، وهي لا تتواضع فيما بينها على مفاهيم تخالف المفاهيم التي بينها الإسلام، والتي أوضحها في شرائعه ووصاياه.
وإذا رجعنا إلى مفردات الأخلاق الإسلامية، وجدنا أن كل واحدة منها - ضمن شروطها وقيودها وضوابطها - ذات حقيقة ثابتة، وهي غير قابلة في المنطق السليم للتحول من حسن إلى قبيح، أو من قبيح إلى حسن. إن حسنها حسنٌ في كل زمان، وقبيحها قبيح في كل زمان، ولا يؤثر على حقيقتها أن تتواضع بعض الأمم على تقبيح الحسن منها، أو تحسين القبيح، تأثراً بالأهواء، أو بالشهوات، أو بالتقاليد العمياء.
إن الإسلام يقرر مثلاً أن حب الحق وكراهية الباطل فضيلة خلقية، ويقرر أن كراهية الحق وحب الباطل رذيلة خلقية، فهل يشك إنسانٌ سويٌّ عاقل في أن هذه الحقيقة حقيقة ثابتة غير قابلة للتحول ولا للتغير، وإن
стр. 197
تواضع على خلافها جماعة ذات أهواء؟!.
وهكذا سائر الأمثلة الأخلاقية الإسلامية.
* * *
تطلع عقلاء الغرب إلى الأمة الإسلامية لحل مشكلة إشراف العالم على الانهيار:
أصبح الكثير من عقلاء الغرب ومفكريهم يرددون عبارات تطلعهم إلى الأمة الإسلامية التي تملك ميراثاً فكرياً خلقياً عظيماً، وبقايا تطبيقات له، لحل مشكلة الانهيار الأخلاقي السائد في الغرب، والذي أمسى يشمل مختلف نواحي الحياة المعاصرة، ويهدد بأخطار فادحة جداً.
ومن ذلك ما صرح به الدكتور "شون ماكبرايد" الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة (١٩٧٤م) . وجائزة لينين للسلام سنة (١٩٧٧م) . والمدالية الأمريكية للعدالة سنة (١٩٧٨م) وجائزة داغ همرشولد سنة (١٩٨٠م) . وهو رئيس مكتب حركة السلام في جنيف. وعضو مؤسس لمجموعة العفو الدولية. وهو وزير خارجية سابق في بلده "إيرلندا". وقد عمل مساعداً للسكرتير العام للأمم المتحدة ...
فقد جاء في تصريحه لمندوب جريدة الشرق الأوسط المنشور بعددها الصادر في (١٧-٤-١٩٨٤م) ما يلي:
١- يعتقد "ماكبرايد" أن كمية العنف والمشاكل المتنامية في العالم حالياً، والتي يقابلها فقر كامل في توفير الحلول المناسبة، إنما ترجع إلى أسباب عديدة، في رأسها الانهيار التام في المسؤوليات الأخلاقية من جانب الحكومات، فقضايا محاكمات رؤساء الجمهوريات ورؤساء الدول بسبب الرشاوى والفساد أصبحت شيئاً عادياً.
وهذا الاتجاه في الانهيار والذي بدأ منذ الحرب العالمية الثانية، قد جاء في وقت غير ملائم، وذلك لأن الإنسان في هذه الفترة قد توصل إلى اختراع أسلحة يمكنها أن تبيد كل الجنس البشري.
стр. 198
وساهم في الوصول إلى هذا الوضع التشجيع المعلن والخفي من جانب المجمع الصناعي والعسكري القوي والمؤثر لاستمرار الأزمات والحروب، وذلك حتى يتمكن من تسويق الأسلحة التي ينتجها، ويجني مزيداً من الثروة، حتى أنَّ ما ينفق على الأسلحة في العالم الثالث أكثر مما ينفق على شراء القمح.
٢- ويرى أيضاً أن السبب الأساسي للانهيار الكبير في المسؤولية الأخلاقية، يعود إلى التطور المذهل، والسريع، والمتلاحق، في مجال العلوم التطبيقية، الذي لم يواكبه تطور مماثل في مجال العلوم الإنسانية.
فبسبب هذا التطور المادي السريع تزداد الحاجة إلى معادل أخلاقي مماثل، ففي الوقت الذي توصَّل فيه الإنسان إلى اختراع أسلحة نووية، يمكنها إبادة الحياة على هذا الكوكب، يتطلب الأمر أن ترتفع المسؤولية الأخلاقية بمثل هذا المستوى، لكن هذا غير حاصل.
ففي الغرب عموماً نجد أن المجتمعات الغربية تعيش في مرحلة الحريات لا تحدها أية قيود: فتعاطي المخدرات، والخمور، والحرية الجنسية أصبحت أموراً معتادة في الحياة اليومية. وكل ذلك يرجع إلى غياب المعادل الأخلاقي للتطور المادي الذي يعيشه الغرب.
ويرجع هذا بمقدارٍ ما إلى أن المؤسسات الدينية والأخلاقية تأخذ وقتاً أطول في التكيف مع المتغيرات، ومواكبة الظروف المستجدة.
٣- ويقول أيضاً: في الغرب إحساس بالتفوق، واختصاصيو الكمبيوتر مثلاً يقولون: إنه في غضون عامين مثلاً يمكن إنتاج نوع من الكمبيوتر يتفوق على كل شيء. ومن يسيطر على هذا الكمبيوتر يمكنه أن يكون في موقف أقوى من شخص لا يملكه. ومن هنا يتزايد الإحساس بضرورة وجود المعادل الأخلاقي، الذي يمكنه ضبط هذا التقدم التكنولوجي.
٤- ويخاطب العرب والمسلمين فيقول: أنتم محظوظون في هذا الجزء من العالم، لأن الإسلام والقيم الأخلاقية لا زالت ضاربة جذورها في
стр. 199
مجتمعاتكم، ولهذا فأنتم تواجهون تحديين:
* حماية قيمكم الدينية والأخلاقية من أن تتأثر بنوع القيم السائدة حالياً في الغرب. وقد نجح الإسلام حتى الآن في تجنب الآثار السلبية للحضارة الغربية. لكن السؤال هو: هل ستتمكنون من الاستمرار في الحفاظ على نقاوة مجتمعاتكم، في عصر البرامج التلفزيونية، والتي ستُبَثُّ عبر الأقمار الصناعية؟.
* كذلك هناك السعي إلى بناء الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية في العالم، ليس عن طريق فرض القيم الإسلامية، وإنما بإعطاء المثل الخير، وفتح الطريق أمام شباب العالم الحائر.
هذا ما صرح به "شون ماكبرايد" فهل نقوم نحن المسلمين بتحمّل مسؤولياتنا تجاه العالم، فنعلم الناس الإسلام، ومكارم الأخلاق فيه بتقديم القدوة الحسنة، والمثل الخيّر؟ ولا نستورد الانحلال الخلقي الذي استشرى داؤه الشنيع في الغرب.
* * *
ومن المفيد أن أشير إلى أن المفكر الفرنسي "رجاء جارودي" روجيه جاردوي سابقاً الذي كان شيوعياً ومن الله عليه بالهداية، أصبح يعلن في مقالاته ومحاضراته أن الحضارة الغربية في أزمة خطيرة، وأن المنهج الأمريكي والمنهج السوفياتي قد أثبتا فشلهما، وأن العالم يسوده الآن الخوف على استمراره وبقائه، وأن الإسلام هو الأمل الوحيد لإنقاذ العالم.
стр. 200
البَاب الثَالثْ
خِدَاع الشِّعَارَات
التي يتولد عنها في الرأي العام مسلمات خاطئات وموقف الإسلام من كلٍّ منها
وفيه مقدمة وخمسة فصول:
١- المقدمة: حول خطة المضلين في استغلال ألفاظ عامة فضفاضة.
٢- الفصل الأول: الحريّة.
٣- الفصل الثاني: المساواة.
٤- الفصل الثالث: التقدمية والرجعية.
٥- الفصل الرابع: الاشتراكية.
٦- الفصل الخامس: الوطنية، والقومية، والإنسانية.
стр. 201
المقدمة
حول خطة المضلين في استغلال ألفاظ عامة فضفاضة
من أخطر وسائل التجهيل المعار تعمُّد الغموض في المعاني، ودلالات الألفاظ المستخدمة في أساليب التعبير، وتعمّد جعلها رجراجة مائعة قابلة للتغير والتبدل والانسياح والزحف، ثمّ استغلال ذلك بمكر عند الرغبة بالتضليل.
بخلاف منهج الإسلام القائم على تحديد المعاني، وتحديد دلالات المصطلحات، وضبط التعريفات ضبطاً تاماً، حتى لا يدخل في المعرّف ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو منه، ويشترط علماء المسلمين في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً، أي: جامعاً لكل عناصر المعرّف داخل التعريف، مانعاً من دخول ما ليس منه فيه.
يستغل المضللون - عن طريق لعبة ذكاء شيطاني فيه مكرٌ كُبَّار - ألفاظاً عامةً فضفاضة، قابلة للمط والاتساع، حتى استيعاب دلالة كل منها لأمور متخالفةٍ ومتضادةٍ ومتناقضةٍ أحياناً.
ويكون لكلٍّ من هذه الألفاظ جانبٌ ذو مساحة مقبولة معقولة في حكم إيجابي، من أصل المساحة العامة لدلالته الكلية، أما ما وراء هذه المساحة فيكون على العكس من ذلك، إذ قد يكون أمراً مفروضاً غير مقبول ولا معقول، والأخذ به إيجابياً ضلالةٌ وغيّ، والحكم المنطقي الملائم له هو الحكم السلبي، وقد يكون أمراً لم تثبت بعدُ إيجابيته ولا سلبيَّتُه بدليل صحيح.
стр. 202
وتكون الجماهير من الناس في حالة عناء، أو في حالة رغبةٍ ملحّة، وهذه الحالة تستدعي المطالبة الشديدة، أو السعي الحثيث لتحقيق الجانب المقبول المعقول، الذي يدل عليه اللفظ العام الفضفاض ضمن دلالته العامة.
وهنا تأتي لعبة المضللين، فيرددون اللفظ العام الفضفاض، ويتخذونه شعاراً براقاً، ويحاولون تثبيت أنظار الجماهير - وفيهم أهل الفكر والرأي والعلم - ضمن دلالة اللفظ التي تتناول الجانب المقبول المعقول. ويحاولون في الوقت نفسه صرف هذه الأنظار عن دلالته على مساحات أخرى غير مقبولة ولا معقولة، أو غير مُسَلَّم بها. ويبررون ذلك بالمصلحة الراهنة، وبأن الظروف الوقتية لا تسمح بمعالجته بفلسفة شاملة، ومنطقيّة دقيقة.
ويقبل أهل الفكر التعليل المطروح، والتبرير المزعوم، على أساس أن القضية هي من قبيل العلاج الوقتي، الذي يستدعي التغاضيَ وعدمَ التحقيق والتدقيق، للخلاص من المعاناة القائمة، أو لتحقيق الرغبة الملحّة.
وينطلق الشعار، وتردده الجماهير بدون تفكير، في المناسبات التي تستدعي ترديده وفي غيرها، ويمر الزمن، وتنصرف الأفكار الحصيفة عن محاكمة دلالته بمنطقيةٍ وبحث علميٍ، في كل المساحات الفكرية التي يتناولها.
وهنا يزحف المضللون زحفاً تعميمياً، فينتقلون من المساحة المقبولة المعقولة، إلى المساحات الأخرى شيئاً فشيئاً، بحسب تقبُّل الجماهير لهذا الزحف، وهَضْمِه وتحوَُلِه من فكر إلى سلوك.
ثمّ يُمْسِي الزحفُ التعميميّ مقبولاً بصفة عامة لدى الجماهير، وتستشري تطبيقاته في أنواع السلوك، ويغدو الشعار من المسلَّمات اللاتي لا يجوز أن تناقش، ومن المبادئ المقررة التي قبلها العلماء والمفكرون من قَبْلُ، ولم يعترضوا عليها.
стр. 203
وإذْ صار الشعارُ مبدأً مقبولاً يردّده الصغار والكبار، والجهَّال والعلماء، والعامة والمفكرون، فعلى الجميع أن يقبلوا إيجابيته في كل المساحات الفكرية التي يَدُلُّ عليها، رغم أن البديهة العقلية لدى كل الناس تقرّر سلبيّته حتماً في بعض هذه المساحات، ولا تُسلّم به في مساحات أخرى، إذْ لم يقم لديها الدليل على إيجابيته أو سلبيته فيها.
ومن هذه الشعارات كلمات:
(الحرية - المساواة - التقدمية - الرجعية - الاشتراكية - التطوّر الحضاري - الوطنية - القومية - العلمانية -) إلى غير ذلك من ألفاظ، وما أكثر الشعارات البراقة المضللة في عالمنا المعاصر.
وفي مقولات تاليات تحليل منطقي علمي لبعض هذه الشعارات الفضفاضة وتعميماتها الباطلة.
* * *
стр. 204
الفصْل الأوّل
الحُريّة
في ظروف الاستبداد الدكتاتوري الذي كان سائداً في أوروبا قبل الثورة الفرنسية، وإبّان مصادرةِ حرّيّات الطبقات الضعيفة في المجتمع، وحريات الأفراد الذين لا يملكون انتزاع حقوقهم في معظم المجتمعات الغربية، انطلق دعاة الحرية ينادون بها مبدأً إنسانياً، وأخذت فئات كثيرة تروجها.
واستغلت المنظمات ذات المصالح الخاصة الرامية إلى تقويض النظم الإدارية، والمؤسسات الدينية، والنظم الاجتماعية ومؤسساتها، لتكون لها السيطرة الشاملة بعد ذلك. استغلت شعارَ الحرية، فوسعت دائرتها شيئاً فشيئاً، دون أن تشعر الجماهير بمكيدة التوسيع التعميمي المنافي لمنطق العقل، ولمبادئ الأخلاق، ولمصالح الناس أفراداً وجماعات، ولنظام الخلق وقوانين الوجود الجبرية فيما عدا الأعمال الإرادية للمخلوق، وغفل عن ذلك أيضاً كثير من أهل الفكر والعلم.
وصادمت الماسونية والمكر اليهودي فيها شعار الحرية، وجعلته أحد مبادئها، ثمّ قامت الثورة الفرنسية التي كان المكر اليهودي وراء تدبيرها والتخطيط لها، وتحريك القوى لاندلاعها، وتنظيم المنظمات لتفجيرها، والتربص لاستثمارها، واستغلالها، والانقضاض على غنائمها بعد قيامها ونجاحها، فجعلت هذه الثورة الحرية واحداً من شعارها المثلث: "الحرية - المساواة - الإخاء".
стр. 205
واندفعت الجماهير مفتونة بشعار الحرية، وهي لا ترى من معاني الحرية إلى مساحة محدودة مقبولة معقولة، يتحقق لها بها الخلاص من الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه، والخلاص من الاستبداد الضاغط عليها، والقاهر لإرادتها بقوى ظالمة آثمة، طاغية غاشمة.
ونشط شياطين الإنس بقيادة المردة من يهود يروجون لشعار الحرية، ويوسعون من مساحة دلالتها شيئاً فشيئاً، حتى تشمل كل سلوك فردي أو جماعي يحقق أهداف الإفساد في الأرض، وتدمير كل القيم الدينية والخلقية، وإماتة الوازع الديني والخلقي في الأفراد، وتحطيم النظم الاجتماعية الإدارية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بغية إضعاف البشرية، وتمكين اليهود في العالم من السيطرة التامة عليها بعد إضعافها وتفتيتها، وبثها بثاً متنافراً متبايناً متعادياً متصارعاً متقاتلاً.
ونجم عن إطلاق شعار الحرية دون أن تكون محصورة في المساحة التي تكون فيها نافعة وصالحة، انطلاق الوحش البشري مفسداً مدمراً محطماً الفضائل، والأخلاق، والقيم الدينية، والنظم الاجتماعية، ومحطّماً مبادئ الحق والعدل، ومستغلاً شعار الحرية لتبرير كل فسادٍ وإفساد، ولاستخدام القوة التي تعتمد عليها الثورات مع ما تشعله من فتن، لمصادرة حياة خصومها، وأمنهم ومالهم وحقهم، ولمحاربة كل منصف يحب الحق والعدل والفضيلة، ويطالب بسيادة هذه القيم.
وفهم المجرمون الحرية على معنى إطلاق أيديهم في ارتكاب الجرائم على ما يشتهون، قتلاً وسلباً، وظلماً وعدواناً.
وفهم الفاسقون والفاسقات الحرية على معنى أن لهم الحق الكامل في أن يفسقوا ويفجروا على ما يشتهون، دون أن يكون لأحدٍ أو جهةٍ ما حق في محاسبتهم ومعاقبتهم، أو كفهم عن فسقهم وإباحيتهم التي لا تحدها حدود.
وفهم محتالو سلب الأموال الحرية على معنى إطلاق أيديهم في ألوان
стр. 206
الغش والاحتكارات، وحيل المضاربات، وخُدَعِ القمار، وأشباه ذلك، لسلب الناس أموالهم وهم غافلون.
وفهم العمال والصناع والأجراء الحرية على معنى استخدام تكتُّلاتهم وتنظيماتهم للوصول إلى الاستيلاء على أموال أرباب العمل، ومصانعهم، وممتلكاتهم، ونهبها وسلبها، أو استحقاق الأجور المرتفعة دون أن يقوموا بعلم يستحقون عليه الأجور التي يطالبون بتقاضيها.
وفهمت النساء الحرية على معنى انطلاقهن من ضوابط العفة، وتمردهن وانسياحهن بحسب أهوائهن، وتفلتهن من كل واجب اجتماعي، وكل ضابط خلقي.
وفهمَ المراهقون والمراهقات، والفتيان والفتيات الحرية على معنى الانفلات الأرعن، والتمرد على الرعاة من الأسرة، وعلى المربين والمعلمين.
وصار كل ضابط للسلوك من سلطة مدنية أو عسكرية أو قانونية أو دينية أو أسرية عدواً للحرية، في مفهوم حملة شعار الحرية الذين أطلقوها من حدودها المقبولة المعقولة، وعَمَّموها تعميماً مدمراً للإنسانية وكرامتها، ومخرجاً للإنسانية عن موقعه الذي وضعه الله فيه موضع الابتلاء المسْتَتْبَع بالحسابِ والجزاء، وقاذفاً به إلى مستوى الأنعام أو أضل سبيلاً.
هذا هو ما كان المفسدون في الأرض قد أرادوه وخططوا له، وأطلقوا من أجله شعار الحرية، ووسعوا من مساحتها حتى عمَّموها تعميماً فاسداً مفسداً، مصادماً للحق والخير والفضيلة والجمال والكمال.
إن الحرية مثل النار لا تستخدم إلا ضمن حدود وضوابط، وبحذر شديد، ومراقبة تامة، وإلا أكلت الأخضر واليابس، وابتلعت كل شيء أتت عليه.
إن الحرية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذاتُ مجالٍ محدود، وهذا المجال المحدود لا يجوز تجاوزه ولا تعديه، لا في منطق العقل، ولا
стр. 207
في منطق مصلحة الإنسان في ذاته، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري.
فإذا تجاوزت حدودها كانت وحشاً مفترساً، أو ناراً هائجة ثائرة محرقة، أو سيلاً عرماً مدمراً، وكانت نذير شؤمٍ وخراب، وفوضى واضطراب، وصراعات بشرية تدمر الحضارات، وتمهد لأن تَحُلَّ بهم سنة الله في الذين خلوا من قبلهم، إهلاكٌ عامٌّ وعذاب أليم.
إن الحرية المقبولة المعقولة التي يقرها الإسلام تقع ضمن المجالات التاليات، وعلى وفق القيود المبينة فيها.
المجال الأول: حرّيّة الاعتقاد، فالإنسان المسؤول المكلف حرٌّ في هذه الحياة الدنيا في أن يؤمن بقلبه بما يشاء، من حقٍّ أو باطل، لكنه مُلاحَقٌ بالمسؤولية عند الله عن اختياره الذي كان حُراً فيه، وكانت حريته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا.
وهي هنا حرية الممتحن المسؤول، وليست حرية مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء.
دل على هذه الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء عند الله عدة آيات قرآنية، منها قول الله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ... ﴾ .
ومنها قول الله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ... ﴾ .
المجال الثاني: حرية العبادة على وفق الاعتقاد، والحرية هنا كسابقتها هي حرية الممتحن المسؤول الملاحق عند الله بالحساب والجزاء، وليست حرية مطلقةً خالية من المسؤولية والجزاء.
دلّ على هذه الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء الرباني، قول الله في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) :
стр. 208
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ *﴾
وقول الله في سورة (فصّلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
المجال الثالث: حرّيةُ اختيار ما يُريدُ الإنسانُ ويَشْتَهِي ويهوى مما أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن.
وهذه الحرية غير ملاحقة بالمسؤولية، ما لم ينجم عنها لدى استعمال تركُ واجب، أو فعل محرّم، أو عدوان على حقِّ الغير فرداً كان أو جماعة.
وإنما كانت الحرية في هذا المجال غير مُلاحقةٍ بالمسؤولية لأنّ الربّ الخالق الذي له الخلق والأمر، قد منحها ذلك، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصنافٍ أو أفرادٍ داخلة في دائرة المباحات التي أباحها، وأنزل فيها إذناً شرعياً في دائرة المباحات التي أباحها بفعل أو ترك.
وما أباح الله من سلوك شخصي لا علاقة للمجتمع به، أو لا يمسّ إنساناً بضرر، فلا حق لأحدٍ أيّاً كان بأن يحرمه منه، أو يمنعه عنه.
ومن الخير للمجتمع أن يترك هذا المجال مفتوحاً للناس، يُعبّرون فيه عن حريّاتهم الخاصة، ويشعرون فيه باستقلاليتهم.
المجال الرابع: حرية تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه، ما لم يكن مضللاً بباطل واضح البطلان، أو داعياً لضُرٍّ أو شرٍّ أو أذى، أو مشجّعاً على إدحاض الحق ونصرة الباطل، ونشر الظلم والعدوان والفساد في الأرض.
стр. 209
المجال الخامس: كل ما للإنسان فيه حقٌّّ مشروع واضح للجميع ولا يحتاج إثباته إلى دعوى قضائية، فإنه يملك الحرية في الحصول عليه بوسيلة مشروعة، لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة فيها لما أمر الله به أو لما نهى عنه.
وأما ما لا حق للإنسان فيه فمن حق المجتمع أن يحجر على حريته فيه.
أمثلة:
١- من حق الإنسان العمل لكسب ما قسم الله له من رزق، لاستعماله فيما أمرالله به أو أذن فيه.
فهو إذن يملك الحرية في العمل لكسب رزقه في المجالات التي لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى، ولا مخالفة لما أمر الله به ولما نهى الله عنه.
وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لكسب رزقه ضمن هذه المجالات، وأن لا يحجر على حريته تلك، ومن ذلك السعي للحصول على عمل مأجور لدى الدولة أو أيَّة مؤسسة عامة، ومستحقُّ العمل هو الأكثر كفاية للقيام به، ما دامت الشروط العامة متوافرة فيه.
٢- ومن حق الإنسان ذي الباءة أن يتزوج، فهو إذن يملك الحرية في أن يسعى في اختيار زوجة يستطيع الحصول على موافقتها وموافقة ولي أمرها، من اللواتي أذن الله في شريعته لعباده بأن يتزوج منهن.
وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لاختيار الزوجة التي تلائمه، ضمن ما أذن الله له، وأن لا يحجر عليه حريّته في هذا المجال.
٣- ومن حقّ الإنسان أن يتزوّد من العلم والمعرفة بما يشاء من كل نافع مفيد، أمر الله به أو أذن في تعلّمه.
стр. 210
فهو إذن يملك الحرية في أن يسعى في تحصيل العلم الذي يريد ضمن حدود الإذن الرباني.
وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لتحصيل ما يشاء من علم مأذون به شرعاً، على مقدار ما يملك من قدراتٍ تمكّنه من ذلك التحصيل.
٤- ومن الحقوق المشروعة للإنسان حق مطالبته بحقوقه التي هي له، وحق الاعتراض على ظلم لَحِقَ به، وحق الشكوى ضد من ظلمه، وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ربما يكون واجباً عليه في كثير من الأحوال، فمن حقه ممارسته، وحقُّ توجيه النصح لغيره محكوماً أو حاكماً، رعيةً أو سلطاناً.
الحجر على الحرية:
إذا عرفن المجالات التي يملك فيها الإنسان الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء، والحرية غير الملاحقة بالمسؤولية، يتضح لنا ما يلي:
الأول: إنه لا حرية في ظلم ولا عدوان ولا هضم لحقوق الآخرين.
الثاني: لا حرية في مخالفة الحق والعدل الخير في كل سلوك عملي ذي أثر مادي يضر المجتمع أو يؤذيه أو يفسد نظامه.
الثالث: لا حرية لمن آمن برسالة الإسلام، وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه، في أن يخالف أحكامه بترك فرائضه وارتكاب محرماته، وإلا كان عرضةً للملاحقة بالمسؤولية، وبالجزاء المقرر في أحكامه من قبل سلطة الدولة الإسلامية، إذا كانت المخالفة لها عقوبة دنيوية مقررة في الإسلام. ومما يخالف أحكام الإسلام، الانتحار، أو ارتكاب ما يضر بجسم الإنسان أو نفسه أو ملكاته الفكرية.
الرابع: من أعلن دخوله في الإسلام، فقد أعلن التزامه به وبأحكامه، فلا حرية له بعد ذلك في الردة عنه، وإلا فهو ملاحقٌ بعد استتابته
стр. 211
بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل، ولا حرية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقررة.
الخامس: لا حرية لمسلم ولا لذمي ولا لمعاهد ولا لمستأمن في دار الإسلام، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية، المجمع عليها، أو التشكيك فيها، أو تشويهها أو تحريفها، أو القيام بما يسيء لنظام الإسلام، أو لدولته، أو لجماعة المسلمين، لأن في ذلك نقضاً لما التزم به كل منهم.
ولا حرية لأحد من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرمها الإسلام، أو لأشياء حرم الإسلام تناولها كالخمور، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه.
ولا حرية لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرمة في الإسلام، كبنوك ربوية، أو بيوتٍ للقمار، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور، أو حانات لبيع الخمور وشربها، أو مصانع لصناعتها، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين.
خاتمة:
وتقع في موضوعات شتى مغالطات كثيرة، بسبب كسر الحدود الفاصلة بين الحق الباطل، والعدل والظلم، والخير والشر، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرية، والتلاعب بمفاهيمها، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة ومقبولة، وينجم عن ذلك شرٌّ مستطير، وفسادٌ عريض.
* * *
стр. 212
الفصْل الثاني
المُسَاوَاة
ومن الشعارات التي أطلقتها الماسونية شعار المساواة، تضليلاً للناس، وفتنة لهم، لتقوم الصراعات بين الأفراد وبين الطبقات مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون الحق والعدل.
وقامت ثورة الفرنسية التي دبرها المكر اليهودي تحمل شعارها المثلث، والمساواة أحد أركانه.
واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها، ولكن اللعبة المضللة زحفت بالمساواة زحفاً بالمساواة زحفاً تعميمياً باطلاً، وناشراً لفسادٍ عريض.
وقامت فتن عامة تطالب بتحقيق المساواة، ونجم عن ذلك خلخلة في نظام الحياة، وإفسادٌ للمجتمع البشري.
وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكرين وعلماء وكتاب، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانية الصحيحة، وأحد المبادئ الإنسانية الصحيحة، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة، غفلة منهم، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي تروّجها وسائل الإعلام الشيطانية المضللة.
وتحت هذا الشعار الخادع البراق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء، والضعفاء بمساواة الأقوياء، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة، والنساء
стр. 213
يطالبن بمساواة الرجال في كل شيء، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين، واضطربت الحياة، وقامت الثورات، واستثمرها اليهود لمصالحهم.
المفهوم الإسلامي للمساواة:
نظام الخلق تحكمه سنَّةُ التفاضل لا التساوي، فشعار المساواة بصيغته التعميمية يتنافى مع نظام الخلق، هو مطلب مناقض لمبدأ العدل، إلا في بعض الأحوال، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي.
فالإسلام يحمل ويحمي مبدأ العدل، ومبدأ الإحسان، ولا يُقرّ المساواة على اعتبارها مبدأً عاماً، وقاعدة مطردة، إنما يُقرُّها حينما يقتضيها العدل، أو يتبرع بها المحسنون.
وإنما يقتضي العدل المساواة حينما تكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كل الصفات، أو تكون المساواة في الصفات التي كان فيها التساوي، دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها.
التفاضل سنة الله في الخلق:
إننا لا نكاد نجد في الوجود شيئين ولو كانا من جنس واحد، أو من نوع واحد متساويين تماماً في كل صفاتهما، بل صفاتهما متفاضلة، فالدعوة إلى المساواة بينهما دعوة إلى الأخذ بأمرٍ باطل، وإلى إلغاء قانون العدل، وادعاء المساواة مع واقع التفاضل ادعاء كاذب، والتسوية بين المتفاضلين عمل ظالم مناقض لقانون العدل، وكلُّ ذلك مناقض لكلمة الله التشريعية، التي تمت صدقاً وعدلاً، قال الله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
أما كلمة الله التكوينية فقد حددت لها الإرادة الربانية خلقاً متفاضلاً، وهذه ظواهر الخلق شواهد.
стр. 214
هل الزجاج والماسُ متساويان؟
أليست أحجار الماس متفاضلة فيما بينها؟.
أليست أحجار الزجاج متفاضلة فيما بينها؟.
هكذا نجد التفاضل في الشجر وفي الثمر، وبين أنواع الأحياء، وبني كل فرد وفرد آخر من كل نوع، وكذلك بين الناس.
فهل يصح عقلاً أن ندعي التساوي بينها وهي في الواقع متفاضلة؟ إننا بذلك نكذب على الواقع، ونجانب الحق.
وهل يصح عقلاً أن نسوي بينها في الأحكام مع تفاضلها؟ إنا بذلك نجانب مبدأ العدل ونصادمه، ونقيم أحكامنا على الظلم.
فمطلب المساواة مع واقع التفاضل مطلب ظالم مخالف للحق والعدل.
وقد دلت النصوص القرآنية على التفاضل في الخلق بين الأشياء، ويتبع ذلك التخالف في الحكم، وعدم جواز التسوية بين المتفاضلات.
١- ففي تفضيل الثمرات والزروع بعضها على بعضٍ في الأُكُل قال الله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
٢- وفي تفضيل بعض الناس على بعض فيما يُصيبون من عطاء الله، ليبتليهم فيه، قال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبكَ مَحْظُوراً * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
٣- ونهى الله المؤمنين عن تمنّي ما فضّل الله به بعض الناس على
стр. 215
بعض، فخاطهم بقوله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
٤- وبين الله حكمته في جعل الرجال قوّامين على النساء، ومنها أنه قد فضل في خصائص التكوين صنف الرجال على صنف النساء، فقال في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... *﴾ .
٥- وبين الله أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ليبلوهم فيما آتاهم، فقال تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ ... *﴾ .
٦- حتى الأنبياء والرسُل قد فضل الله في مِنَحه وعطاياه بعضهم على بعض، فقال تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ .
وقال تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ... *﴾ .
٧- وفي تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير ممن خلق الله، قال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
فالتفاضل سنة الله في الخلق، يشهد به الواقع، وتثبته النصوص الربانية المنزلة.
следующие страницы →