← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل، ولا حرية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقررة. الخامس: لا حرية لمسلم ولا لذمي ولا لمعاهد ولا لمستأمن في دار الإسلام، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية، المجمع عليها، أو التشكيك فيها، أو تشويهها أو تحريفها، أو القيام بما يسيء لنظام الإسلام، أو لدولته، أو لجماعة المسلمين، لأن في ذلك نقضاً لما التزم به كل منهم. ولا حرية لأحد من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرمها الإسلام، أو لأشياء حرم الإسلام تناولها كالخمور، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه. ولا حرية لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرمة في الإسلام، كبنوك ربوية، أو بيوتٍ للقمار، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور، أو حانات لبيع الخمور وشربها، أو مصانع لصناعتها، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين. خاتمة: وتقع في موضوعات شتى مغالطات كثيرة، بسبب كسر الحدود الفاصلة بين الحق الباطل، والعدل والظلم، والخير والشر، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرية، والتلاعب بمفاهيمها، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة ومقبولة، وينجم عن ذلك شرٌّ مستطير، وفسادٌ عريض. * * *

стр. 212

الفصْل الثاني المُسَاوَاة ومن الشعارات التي أطلقتها الماسونية شعار المساواة، تضليلاً للناس، وفتنة لهم، لتقوم الصراعات بين الأفراد وبين الطبقات مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون الحق والعدل. وقامت ثورة الفرنسية التي دبرها المكر اليهودي تحمل شعارها المثلث، والمساواة أحد أركانه. واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها، ولكن اللعبة المضللة زحفت بالمساواة زحفاً بالمساواة زحفاً تعميمياً باطلاً، وناشراً لفسادٍ عريض. وقامت فتن عامة تطالب بتحقيق المساواة، ونجم عن ذلك خلخلة في نظام الحياة، وإفسادٌ للمجتمع البشري. وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكرين وعلماء وكتاب، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانية الصحيحة، وأحد المبادئ الإنسانية الصحيحة، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة، غفلة منهم، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي تروّجها وسائل الإعلام الشيطانية المضللة. وتحت هذا الشعار الخادع البراق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء، والضعفاء بمساواة الأقوياء، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة، والنساء

стр. 213

يطالبن بمساواة الرجال في كل شيء، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين، واضطربت الحياة، وقامت الثورات، واستثمرها اليهود لمصالحهم. المفهوم الإسلامي للمساواة: نظام الخلق تحكمه سنَّةُ التفاضل لا التساوي، فشعار المساواة بصيغته التعميمية يتنافى مع نظام الخلق، هو مطلب مناقض لمبدأ العدل، إلا في بعض الأحوال، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي. فالإسلام يحمل ويحمي مبدأ العدل، ومبدأ الإحسان، ولا يُقرّ المساواة على اعتبارها مبدأً عاماً، وقاعدة مطردة، إنما يُقرُّها حينما يقتضيها العدل، أو يتبرع بها المحسنون. وإنما يقتضي العدل المساواة حينما تكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كل الصفات، أو تكون المساواة في الصفات التي كان فيها التساوي، دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها. التفاضل سنة الله في الخلق: إننا لا نكاد نجد في الوجود شيئين ولو كانا من جنس واحد، أو من نوع واحد متساويين تماماً في كل صفاتهما، بل صفاتهما متفاضلة، فالدعوة إلى المساواة بينهما دعوة إلى الأخذ بأمرٍ باطل، وإلى إلغاء قانون العدل، وادعاء المساواة مع واقع التفاضل ادعاء كاذب، والتسوية بين المتفاضلين عمل ظالم مناقض لقانون العدل، وكلُّ ذلك مناقض لكلمة الله التشريعية، التي تمت صدقاً وعدلاً، قال الله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أما كلمة الله التكوينية فقد حددت لها الإرادة الربانية خلقاً متفاضلاً، وهذه ظواهر الخلق شواهد.

стр. 214

هل الزجاج والماسُ متساويان؟ أليست أحجار الماس متفاضلة فيما بينها؟. أليست أحجار الزجاج متفاضلة فيما بينها؟. هكذا نجد التفاضل في الشجر وفي الثمر، وبين أنواع الأحياء، وبني كل فرد وفرد آخر من كل نوع، وكذلك بين الناس. فهل يصح عقلاً أن ندعي التساوي بينها وهي في الواقع متفاضلة؟ إننا بذلك نكذب على الواقع، ونجانب الحق. وهل يصح عقلاً أن نسوي بينها في الأحكام مع تفاضلها؟ إنا بذلك نجانب مبدأ العدل ونصادمه، ونقيم أحكامنا على الظلم. فمطلب المساواة مع واقع التفاضل مطلب ظالم مخالف للحق والعدل. وقد دلت النصوص القرآنية على التفاضل في الخلق بين الأشياء، ويتبع ذلك التخالف في الحكم، وعدم جواز التسوية بين المتفاضلات. ١- ففي تفضيل الثمرات والزروع بعضها على بعضٍ في الأُكُل قال الله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢- وفي تفضيل بعض الناس على بعض فيما يُصيبون من عطاء الله، ليبتليهم فيه، قال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبكَ مَحْظُوراً * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ٣- ونهى الله المؤمنين عن تمنّي ما فضّل الله به بعض الناس على

стр. 215

بعض، فخاطهم بقوله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ٤- وبين الله حكمته في جعل الرجال قوّامين على النساء، ومنها أنه قد فضل في خصائص التكوين صنف الرجال على صنف النساء، فقال في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... *﴾ . ٥- وبين الله أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ليبلوهم فيما آتاهم، فقال تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ ... *﴾ . ٦- حتى الأنبياء والرسُل قد فضل الله في مِنَحه وعطاياه بعضهم على بعض، فقال تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ . وقال تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ... *﴾ . ٧- وفي تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير ممن خلق الله، قال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ فالتفاضل سنة الله في الخلق، يشهد به الواقع، وتثبته النصوص الربانية المنزلة.

стр. 216

التسوية بين المتفاضلات ظلم للحق: ولما كان منطق العقل وبرهان الواقع يقرران عدم التساوي بين المتفاضلات، كانت أحكام التسوية بينها أحكاماً ظالمة. وتأصيلاً للحق والعدل، ولئلا تُزيِّن للناس أفكار التسوية بين المتفاضلات، أنزل الله في كتابه نصوصاً ذوات عدد، تبين عدم التساوي بين طائفة من المتفاضلات في حقيقة أمرها، فمنها ما يلي: ١- قول الله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢- وقول الله تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ... *﴾ . ٣- وقول الله تعالى في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ ٤- وقول الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ *﴾ . ٥- ولمّا كان التفضيل التابع للعمل الأفضل من المكلفين المختارين، هو الأمر الذي يوجبه الحق والعدل، كان من العدل أن يفضل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين، فقال الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى

стр. 217

وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . وكان من العدل أن يفضّل الله من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل، على من أنفق بعد الفتح وقاتل، فقال الله في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) : ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . وكان من العدل أن لا يسوّي الله بين المسلمين والمجرمين، فقال الله تعالى في سورة (القلم/٦٨ مصحف/٢ نزول) : ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ . نظرات حول مواقع التساوي: أما الأمور التي هي متساوية في واقع الحال فالحق يقضي بالتسوية بينها. فالناس متساوون في عبوديتهم لله، فهم متساوون بين يديه. والناس متساوون في حق الحياة إلا إذا كان منهم ما يقتضي إهدار دمائهم، أو إنزال قيمتها، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم. والخصمان في مجلس القضاء لهما من رعاية القاضي حقان متساويان، فينبغي التسوية بينهما في مجلس القضاء. والأصل تساوي الناس في حق العمل والكسب والتعلم والسبق لاغتنام خيرات الدنيا والآخرة، فالعدل يقضي بإتاحة الفرص لهم جميعاً بنسبة متساوية، ثمّ يكون لكل بحسب ما يقدم من عمل أو جهد أو أي كسب إرادي أو سبق في علم أو خلق أو رأي أو إخلاص أو غير ذلك مما له قيمة تُقدّر.

стр. 218

والناس متساوون في إنسانيتهم، فلا فضل لعرق على عرق، ولا لقوم على قوم، ولا لأهل لون على أهل لون آخر، ولا لأهل لسان على أهل لسان آخر، من أجل أعراقهم، أو أقوامهم، أو ألوانهم، أو ألسنتهم، فكلهم من آدم، وهو الأب الأول لهم جميعاً، وكلهم مخلوقون لله . وهكذا كل قضية يكون الحق فيها بين فريقين متساوياً، فقاعدة العدل توجب التسوية بينهما، وكل تفاضل على غير أساس من الحق والواقع في مفاهيم الناس فهو في الإسلام ظلم اجتماعي، كمفاهيم التفاضل الطبقي الذي يزعم الطبقيون أنه يورث. أما إذا كان الواقع متفاضلاً فالعدل يوجب التفضيل، كالذكاء والجمال، والقوة، وحسن الخلق الفطري أو المكتسب، وغير ذلك مما لا حصر له. فالإسلام يقوم في الحقوق على مبدأ العدل، لا على مبدأ المساواة، وفي بيان الواقع يقوم على ما هو الحق في واقع الحال، لا على التسوية مطلقاً، وإن كان الواقع متفاضلاً، فلا يمكن أن يساوي النقص الكامل، ولا أن يستوي الحق والباطل، ولا العالم والجاهل، ولا يمكن أن يتساوى الذهب والقصدير، ولا المسك والجير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، ولا الطيب والخبيث، ولا الأحياء ولا الأموات، ولا الذين آمنوا وعملوا صالحاً، والذين كفروا وعملوا السيئات. ما جاء في بروتوكولات كهنة صهيون حول الحرية والمساواة: جاء في البروتوكول الأول ما يلي: " لقد كنا قديماً أول من هتف بكلمات (الحرية والمساواة والإخاء) وما انفكت هذه الكلمات ترددها ببغاوات جاهلة، يتجمهرون من كل حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية، التي حكموا عن طريقها ازدهار العالم، وحرية الفرد الشخصية الحقيقية التي كانت من قبل في حما يحفظها من أن يخنقها السفلة.

стр. 219

ولم يفهم الذين يدعون الذكاء وسعة الإدراك من غير اليهود المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات، ولم يتبينوا عواقبها، ولم يلاحظوا ما فيها من تناقض في المعنى، كما لم يدركوا أن الطبيعة نفسها تخلوا من المساواة، وأن الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل والشخصية والأخلاق والطاقة وغيرها. إن صيحتنا: (الحرية والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملة من زوايا العالم الأربع عن طريق وكلائنا المغفلين، وقد حملت هذه الفرق أوليتنا في نشوة، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الأميين (غير اليهود) وتحطم سلامهم واستقرارهم ووحدتهم، مدمّرة بذلك أسس الدول، وقد جلب هذا العمل النصر لنا". * * *

стр. 220

الفصْل الثالث التقَدّميَّة والرَّجْعيَّة من الكلمات الفضفاضة التي ليست لها دلالات منطقية محددة، كلمتا: "التقدمية والرجعية". التقدمية: أما كلمة التقدمية فقد استغل فيها معنى التقدم إلى الأمام الذي هو مزيّةٌ وفضيلة في بعض الأحوال، لتُطلق إطلاقاً تعميمياً باطلاً وفاسداً، موهماً بأن كل تقدم هو أمرٌ خيرٌ وحسنٌ ولو إلى الحضيض والشقاء والهلاك والعذاب الأليم. ولكن تُطوَى هذه النهايات التعيسة، ويُجعل بينها وبين شعار التقدمية حجاب، ليتابع السائرون وراء هذا الشعار مسيرتهم بقيادة المضلين والمفسدين، وهم عميان عن رؤية نهاياتهم، لا يرون إلا الألوان والأصباغ والزخارف التي وضعت على لوحة شعار التقدمية، ولا يسمعون إلا أصوات الجلاجل التي علقت على حافات لوحة الشعار، فهي تعطي أصواتها، ومختلف أشكال زينتها مع حركة المسيرة، وأصوات طبول المطبلين، وأصوات مزامير النافخين لتحريض موكب المسيرة على متابعة السير، ومعها أصوات المغفلين والمستأجرين الذين يرددون بغباءٍ شعار التقدمية. والعميانُ السائرون، وقد نُشرت بينهم وبين نهاياتهم التعيسة حجُبٌ من ضباب الأوهام، والأكاذيب، وزخرف القول، والأماني الكواذب، وشُدَّت حواسُّهم للاستمتاع الحاضر بإباحية الشهوات.

стр. 221

ولكن إلى أين هذا التقدّم؟. يقولون: إلى التقدم الحضاري، فإذا هو العري والخمر، والقمار والحشيش، والفسق والفجور، والسلبُ والنهب، ثمّ العداوة والبغضاء والتقاتل، ثمّ نبذُ كل فضيلة، وارتكاب كل رذيلة. يقولون: إلى التقدم العلمي، فإذا الموجه له من العلوم، الفلسفة المفسدة لموازين العقول، والناشرة للإلحاد بالله، والهادمة للأخلاق، والمدمّرة للقيم الحقيقية، والمحرضة على الإباحية، وعلى الجريمة، بفلسفة القوة مرة، وفلسفة اللذة أخرى، وفلسفة المنفعة مرة ثالثة، وبالفردية وأنانيتها حيناً، وبالجماعية المزورة حيناً آخر، ومن الفلسفة المادية المغرقة في ماديتها، إلى الروحانيات المسرفة ورياضاتها العجيبة المعذبة للأجساد، إلى غير ذلك من ضلالات. وإذا الموجه له من العلوم كل ما ينشر الرذيلة والسقوط الخلقي، ويساهم بتمكين الأشرار من امتلاك القوى المادية الهائلة، التي تجعلهم أباطرة البغي والطغيان في الأرض. يقولون: إلى التقدم في إعداد القوة، ورفع مستوى الكفايات القتالية، فإذا هو الدمار والخراب بالظلم والعدوان، وإطلاق الأنانيات الفردية والقومية والمذهبية والحزبية. يقولون: على التقدم الفكري والحرية الفكرية، فإذا هو الكفر بالله، والكفر بكل الفضائل والقيم، وصناعة الإنسان الشيطاني المجرم، الذي تحرّكه شهواته وأهواؤه وأنانيته ونفسه الجبارة المجرمة الأمارة بالسوء، وإذا هو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. هذا هو شعار التقديمة، في معظم تطبيقاته على أيدي قادته ودعاته، وأيدي حَملته وحُمَاته. فما هو هذا التقدم في مقاييس الحقّ والخير والفضيلة والجمال؟. إنه تقدمٌ حقاً ولكن إلى الجحيم، والقادة المضلون اللذين يسوقون

стр. 222

أتباعهم بين أيديهم، أو يجرونهم وراءهم يقدُمونهم يوم الدين، فيوردونهم النار، كما يَقْدُم فرعونُ قومه، قال الله في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ تحديد مفهوم التقدّم: التقدم - بالتحليل اللغوي والمنطقي - هو كلمة عامة غير محددة الاتجاه، فهي تصلُح للتقدم في كل اتجاه. وأما قيمة التقدّم فتكشفها غاية مسيرته، فإن كانت الغاية سعادة وخيراً، وكان التقدم فضيلة وعقلاً، وإن كانت الغاية شقاءً وشراً، كان التقدم رذيلة وجهلاً وحماقة، وإن كان التقدم إلى ما لا فائدة فيه ولا مضرة، كان التقدم جهداً ضائعاً، يخسر فيه المتقدم عمراً وطاقة، والعمر والطاقة هما رأسمال الإنسان في حياته. وهكذا يُقوِّم التقدّم بغاية المسيرة فيه، فليس له لون واحد ثابتٌ يُقوَّمُ به، إنه مثل إناء الزجاج الصافي الشفاف، الذي لا لون له، فهو يتلوَّن بلون ما يوضع فيه. أفيشرب الإنسان أي شرابٍ من إناء زجاجي شفاف، لمجرد كونه إناءً زجاجياً؟!. أفلا يمكن أن يكون الذي قد وضع فيه هو سمٌّ قاتل؟!. ما هكذا يتصرف الحذِرُ العاقل. الرجعية: ونظير كلمة التقدمية كلمة "الرجعية" فقد استغل المضللون فيها معنىً أولياً ساذجاً، ينفرُ الساذج منه لأول وهلة، فهو يكره أن يُتَّهم بأنه يرجع إلى

стр. 223

الوراء، ويغفلُ عن سبْرِ احتمالات الرجوع وتقويم كلٍّ منها بقيمته الحقيقية، التي تعتمد على موازين الحق والخير والفضيلة والجمال. الرجوع مثل التقدم، هو من الأمور النسبية، التي ليس لها حقيقة ثابتة دواماً، فما هو وراء الإنسان إذا اقترب منه وظهره إلى جهته كان اقترابُه منه رُجوعاً، وإذا أدار إليه صدره ثمّ اقترب منه كان ذلك تقدّماً. والرّجوع تقدّر قيمته بحسب غاية مسيرته وحركته، فإذا كانت الغاية سعادةً وخيراً، كان الرجوعُ فضيلةً وعقلاً، وإذا كانت الغايةُ شقاءً وشرّاً، كان الرجوعُ رذيلةً وجهلاً وحماقةً، وإذا كان الرجوعُ إلى ما لا فائدة فيه ولا مضرَّة، كان الرُّجوعُ جهداً ضائعاً. فالرجوع عن الباطل إلى الحق من أكبر الفضائل وأكثرها تعبيراً عن خلق الإنسان الرفيع. والرجوع إلى صراط الهدى بعد تنكبُّه والانحراف عنه من فضائل السلوك المثلى، وهو من التوبة التي تعيد الإنسان إلى الصحة بعد المرض، وإذا كان كلُّ بني آدم خطّاءً، فإن خير الخطّائين التوابون، وهم الرجاعون إلى الطاعة والاستقامة بعد الانحراف والمعصية، كما جاء في الحديث الصحيح: "كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون". ومن تاب إلى الله - أي: رجع إلى ربّه بالامتثال والطاعة - تاب الله عليه - أي: رجع الله مقبلاً عليه ومنعماً عليه بعفوه ورحمته وعوائده وفضله. ومن انحدر من القمة إلى ما دونها حتى الحضيض، فمن الخير له أن يرجع إلى القمة التي كان عليها، وهذا الرجوع هو الذي يعيده إلى المجد والعلاء. ومن فقد عِزَّةً أو مكانةً اجتماعية أو مالاً أو شيئاً حبيباً عنده، فمن سعادته أن يرجع ذلك إليه. ومن تراجع ليتفادى خطراً مقبلاً عليه فَنَجَا، كان تراجعه من كمال عقله وحكمته.

стр. 224

ومن ارتدّ عن دينه الحقّ فمن عقله وحكمته وسعادته أن يرجع إليه، ولا يتمادى في غيّه. إن التضليل في شعار الرجعية التي يتّهم بها الخصومُ خصومَهم، ويخوّف بها المضللون أهل الاستقامة، آتٍ من التعميم الباطل الفاسد، الذي يزحف بالكلمة من المساحة التي تكون فيها ذميمة إلى المساحة التي تكون فيها حميدة، وتكون فيها هي الفضيلة وهي الحق والخير والكمال. الفتنة بالشعارات: ويقع المفتونون بالشعارات المزخرفة المزينة، أو بالشعارات المشوّهة المقبّحة، في حبائل شياطين الضلال والإفساد في الأرض، فيتقدّمون إلى هلاكهم اغتراراً بشعار التقدّمية المزخرف المزوّق المزيّن بالباطل، ويحذّرون من الرجوع إلى الحق والفضيلة والخير والكمال والعلاء والجمال، أو المحافظة على مواقعهم فيها، اغتراراً بشعار الرجعية المشوه المقبّح بالباطل، وباستخدامه في الاصطلاح العامي شتيمة ونقيصة يحذَرُ الإنسان أن تُلصقَ به في أعراف الناس. * * *

стр. 225

الفصْل الرابع الاشتِراكيّة من الألفاظ العامّة الفضفاضة، التي تنطبق على مفاهيم ذوات مستويات متفاوتات، كلمة "الاشتراكية" فهي مذاهب مختلفة، منها المعتدل ومنها المغالي، ومنها الوطني ومنها الأممي. فهي في بعض حدودها الدنيا، وضمن مفهوم عامّ، قد تلتقي مع أحكام الإسلام في نظامه المالي أو الاقتصادي، مثل اشتراك الناس في الماء العام، وفي الهواء، وفي الكلأ النابت في الأراضي العامّة، ويسمّى الكلأ المباح عند الفقهاء، ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي، ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية، لصالح الفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ . ومثل تدخل الدولة لحماية العمّال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط. ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه، ونحو ذلك. ويوسّع بعض الاشتراكيين من مفهوم الاشتراكية، حتى تتناول تأميم المرافق العامة ولو بالمصادرة الظالمة، والاستيلاء دون تعويض مكافئ لحقوق أصحابها، وهذا مخالف للإسلام. ويوسّع اشتراكيون آخرون هذا المفهوم، حتى تتناول الاشتراكية تأميم المصانع الكبرى، ولو بالمصادرة الظالمة، وحتى تتناول مصادرة الأرض وتوزيعها بصورة ظالمة جائرة، وفاسدة مفسدة، وهذا مخالف لأحكام الإسلام.

стр. 226

وهكذا تتسع دائرتها، حتى تصل إلى حضيض الشيوعية المسمّاة بالاشتراكية العلمية، التي تلغي الملكية الفردية للأرض، ولكل وسائل الإنتاج، ولكل النقود المالية، وتجعلها ملكاً للدولة، وتقرّر قاعدتها الشائعة: " من كلٍّ بحسب طاقته، ولكلٍّ بحسب حاجته". ويحمل مروجو الشيوعية شعار الاشتراكية بين المسلمين، مظهرين من دوائرها دائرة المستوى الأدنى، الذي قد لا يتنافى مع أحكام الإسلام. وينخدع بذلك منخدعون كثيرون من العمال والفلاحين والكادحين وموظفي الدولة، وبعض الطلبة الناشئين، وكلّ من يشعر بأنه مظلوم في مجتمعه بكسبه، أو تغريه الاشتراكية بكسب أفضل، وتتهيج ببريق هذا الشعار عواطف الفقراء والكادحين، ونوازغ الحاسدين والحاقدين، ويظنُّ البرآء منهم أن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام. ثمّ بالتدريج يوسعون من دائرة المفهوم الاشتراكي شيئاً فشيئاً، حتى يبلغوا به الحضيض الأسفل أو قريباً منه. ويومئذٍ تأتي التطبيقات الطاحنة، ويذوق المنخدعون بالأمس ويلات تطبيقات الشعار الذي كانوا قد فرحوا به، وطبّلوا له وزمروا، وظنوا أن تطبيقاته ستجعلهم في بحبوحة من العيش، وستشفي نفوسهم من ظالميهم الإقطاعيين، والرأسماليين، و"البورجوازيين". لقد جرّهم خداع الشراع البراق، واستدرجهم بشبكته، حتى قذفهم في جحيم التطبيقات الاشتراكية المشحونة بالظلم والعذاب. * * *

стр. 227

الفصْل الخامِسْ الوَطنيَّة وَالقَوميَّة وَالإنسَانيّة وموقف الإسلام من كلٍّ منها (١) مقدمة عامة: دعوات "الوطنية" و"القومية" و"الإنسانية" على الرغم من اختلاف دوائرها، واختلاف مفاهيمها، واختلاف عوامل الترابط بين أفراد كلّ منها، تقوم جميعها على مفاهيم خاصة ذات روابط ضعيفة، في تكوين الأمّة ذات الكيان الواحد، سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وغير ذلك، أو ما يمكن تحقيقه من هذه الأمور في الواقع، وأدناها وحدة المشاعر، واتجاه الولاء، والتآخي والتعاون، وعدم الاعتراف النفسي بالفوارق المباينة لمضامين الدعوة. * فدعوة "الوطنية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى الأرض. * ودعوة "القومية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى القوم. * ودعوة "الإنسانية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى النوع الإنساني، أي: الانتماء نسباً إلى الأب الأعلى لهذه المجموعة البشرية، مع الاشتراك في الصفات التي يختص بها هذا النوع. ويلزم من الأخذ بدعوة من هذه الدعوات طرح كل عوامل الافتراق الأخرى، إذا تعارضت مع وحدة الرابط الذي تشتمل عليه الدعوة منها، ولو كانت هذه العوامل أعمق في كيان الإنسان، وألصق بذاتيته من مضامين هذه الدعوات، ولو كانت روابطها أقوى وأكثر من روابطه. فإذا كانت العقائد الإيمانية، أو المبادئ الأخلاقية، أو مناهج السلوك

стр. 228

في الحياة، من أسباب الافتراق فيجب بمقتضى دعوة "الوطنية- أو القومية- أو الإنسانية" على الآخذ بواحد منها أن ينبذ كل سوابق العقائد الإيمانية، والمبادئ الأخلاقية، ومناهج السلوك، ويتجرد منها. * ليكون التقاء الآخذين بمبدأ "الوطنية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق. * وليكون التقاء الآخذين بمبدأ "القومية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق. * وليكون التقاء الآخذين بمبدأ "الإنسانية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق. إن دعوة "الوطنية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة عاطفة حب الوطن. ودعوة "القومية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة عاطفة الاعتزاز بالقوم وأمجادهم، والحرص على مكانتهم ومصالحهم. ودعوة "الإنسانية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة العاطفة الإنسانية العامة. لكنّ الاقتصار على رباط أيّ دائرة من دوائر هذه الدعوات لا يكفي لإقامة رباط حقيقي دائم وفعّال، دون أن يكون عرضة للانفصام، لدى وجود أي تنافر اعتقادي، أو تضاد وتباين منهجي، أو تناقض أو تضادّ مصلحي. فمن غير الممكن في الواقع الإنساني أن يتجرّد الناس من عقولهم وأفكارهم ومفاهيمهم في الحياة، حول النشأة، والواجب، والمصير، أو يُلغوا حاجتهم إلى مناهج سلوك أخلاقية وتنظيمية، أو يتفقوا فيما بينهم على منهاج واحد، أو يتجردوا من أهوائهم، وشهواتهم، ونزعاتهم، ونزغاتهم، ومصالحهم، وأنانياتهم المختلفة الدوائر (الفردية، والأسرية، والقبلية، والقومية، والحزبية، وغيرها) . وقد أكدت الملاحظة الفكرية، والتجربة الاجتماعية، أن أيّة دعوة من هذه الدعوات الثلاث ليست أكثر من حيلة مرحليّة، هدف الدعاة إليها سلخ

стр. 229

الناس من أديانهم، وأخلاقهم، ومناهج حياتهم القومية، وكل انتماءاتهم التابعة من عقولهم وقلوبهم وعواطفهم العميقة الراسخة في وجداناتهم. إن الدعاة إلى هذه المبادئ أو الشعارات الخادعات، قد دلهم ذكاؤهم الشيطاني على أن الناس متى انسلخوا من أديانهم، وأخلاقهم، ونظمهم، ومناهج حياتهم القومية، وقواعد إيمانهم، وسوابق انتمائهم المبنيّة على أسس فكرية ووجدانية تفككت روابطهم الاجتماعية المتينة، وغدوا أفارداً منبثين. عندئذٍ يأتي المخططون لنشر هذه الدعوات الزيوف، وهم في حالة تكاتف جماعي سري بينهم، فيغلبون بوحدتهم الجماعية الأشتات المنبثة من الناس. ثمّ يحزمونها حزماً سياسياً واحداً قوياً قاهراً، ثمّ يسوقونها كقطعان الأنعام، ويضعون لها النظم والقوانين التي يلزمونها بها، ويضبطون بها حركات حياتها، ضبط السادة للعبيد، وضبط راعي الغنم لغنمه. ومروجو هذه الدعوات بين المسلمين، رغم وجود التناقض فيما بينها، هم أعداء الإسلام وأعداء وحدة المسلمين، على اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم، وتعارض المصالح فيما بينهم، وكأن لسان حالهم جميعأً يقول للمسلمين: خذوا أي مبدأٍ آخر غير الإسلام، إن المهم حقاً هو أن تنبذوا إسلامكم ووحدة أمتكم الإسلامية. نظرة تحليلية حول هذه الشعارات الثلاثة: ١- إن حب أرض الوطن عاطفة إنسانية، قد تكون قويّةً عند الإنسان، وقد تكون ضعيفة، ويختلف ذلك باختلاف الأفراد، وبحسب قوّة العناصر التي تشدّ الإنسان إلى أرض الوطن أو ضعفها، والتي سيأتي شرحها إن شاء الله في الفقرة الخاصة بالوطنية. إن حب رسولنا محمد لمكة المكرمة قد كان عظيماً، لكن لما اقتضت منه مبادئه الهجرة منها هاجر، وتوجّه إلى الكعبة وخاطب الكعبة بقوله: "والله لإنك لأحب أرض الله إليّ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله،

стр. 230

ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت". رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي رواية صحيحة الإسناد: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عدي. وعن ابن عباس قال: "قال رسول الله لمكة: " ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك" رواه الترمذي بإسناد صحيح. وتضعف عاطفة حب أرض الوطن جداً، إذا كانت روابط الإنسان الاجتماعية والمصلحية، والدينية، موصولة بأرض غيرها. وتغذي العاطفة الوطنية مطامع الغرباء في أرض الوطن، وأعمالهم لسلبه، أو سلب خيراته، أو السيطرة عليه وعلى أهله وأصحاب الحقوق فيه. ودائرة الوطنية قد تجمع قوميات مختلفة متنافسة، أو متعادية متصارعة فيما بينها. وقد تجمع أدياناً ومذاهب مختلفة، أتباعهما متجافون، أو متنافرون، أو متعادون متصارعون، أو متنافسون متحاسدون. وقد يكون الوطن مسلوباً أو مجزأً، وقد يكون أهله مشتتين في غيره، ولكن قد يظل حبهم له ثابتاً، وتظل رغبتهم في استرجاعه أو العودة إليه أو توحيده في حالة حياة دائمة، ويقظة، وحركة عاملة، ما دامت عوامل التغذية مستمرّة. * * * ٢- أما حب القوم الذين ينتمون إلى تجمع بشري يؤلف بينهم جدٌّ أعلى لهم، أو تؤلف بينهم لغة واحدة، وتاريخ واحد، ومصالح مشتركة واحدة، ونحو ذلك، فهو أيضاً عاطفة أو نزعة موجودة في الناس، برزتها الأنانية الفردية، ومنبتها المصالح الإنسانية، وبعض نزعات الاعتزاز والافتخار لديه بالعرق، وبيئتها الأنانية الأسرية، فالقبلية، وتتسع حتى تكون قومية.

стр. 231

وتغذي العاطفة القومية صراعات أعدائها من أقوام آخرين، ومطامعهم فيهم، أو في أموالهم، أو في بلدانهم، ومساكنهم. ورغم أن العاطفة القومية أقوى في الإنسان من العاطفة الوطنية، لأنها تنبع من أنانيته الفردية، وتتسع إلى أنانيته الأسرية، فالقبلية، حتى تصل إلى دائرة القومية، إلا أنها قد تضعف حتى تضمحل أحياناً، إذا كانت روابط الإنسان الاجتماعية والمصلحية والدينية موصولة بغير قومه شركاء العرق، أو شركاء اللغة، والتاريخ. ودائرة القومية قد تجمع أدياناً ومذاهب مختلفة، وقد يكون أتباعها متنافرين متصارعين متعادين، أو متنافسين متحاسدين، وقد تكون موزعة في أوطان كثيرة، حتى تشمل أوطان الناس جميعاً. فبين الوطنية والقومية تلاقٍ في بعض عناصرهما وافتراق في بعض عناصرهما، كدائرتين متلاقيتين تلاقياً جزئياً، فكلٌّ منهما أعم من جهة وأخص من جهة. فبينهما عموم وخصوص من وجه، كما يقول المناطقة، القومية أعم من جهة أن المنتمين إلى القومية الواحدة قد يكونون موزعين في أوطانٍ شتى، وأخص من جهة انحصارها في قومٍ دون غيرهم، والوطنية أعم من جهة اشتمالها على عدة قوميات، وأخص من جهة انحصارها في أرض ذات حدود معينة. * * * ٣- وأما الإنسانية فهي نزعي ترتقي فوق النزعة القومية، بدوافع يُخيَّل

стр. 232

أنها مثالية، إلا أن قوتها في الناس أضعف من قوة النزعة القومية، نظراً إلى أن مصالح النزعة الإنسانية قد تسير في اتجاه مضاد لمصالح النزعة القومية، والإنسان بتلقائيته مشدود بقوةٍ إلى مصالح أنانيته الفردية فالأسرية فالقبلية فالقومية أولاً، ثمّ ينظر أخيراً شطر الإنسانية بوجه عام. واتجاه شطر الإنسانية العامة، يمثل في الناس أضعف الروابط إن لم يكن مدعوماً بروابط إيمانية، وروابط خلقية ومنهجية وتنظيمية، وعلاقات مصلحية حياتية، وغائية مصيرية. ودائرة "الإنسانية" تجمع كل أصناف الناس، على اختلاف قومياتهم وألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم ومذاهبهم، ولو تباينت وتناقضت، ولو كانت كتلهم متنافرة متعادية متصارعة. وليس "للإنسانية" وطن خاص، فالأرض كلها وطن لمن أعطى كل ولائه للإنسانية. فالإنسانية مع القومية والوطنية تمثل الدائرة الأوسع الشاملة لدائرتيهما: تقويم روابط هذه الدائرة برؤية إسلامية: إن خيط الارتباط الإنساني وحده دون مبادئ وروابط عقدية فكرية ووجدانية ومصلحية، يقطّعه أقل شدٍ من رابط قوميٍ في اتجاه مضادّ.

стр. 233

والرابط الوطني شبيه بالرابط الإنساني إلا أنه محصور بحدود الوطن، ومقرون بنزعة حب الأرض. وحبل الارتباط القومي وحده دون مبادئ وروابط عقدية فكرية ووجداني ومصلحية يقطعه شدٌّ من رابط قَبَلِيّ في اتجاه مضادّ، لأن الرابط القبلي أقوى من الرابط القومي. وحبل الارتباط القبلي وحده دون مبادئ وعقائد ومصالح، يقطّعه شدٌّ من رابط أسريّ في اتجاه مضادّ، لأن الرابط الأسري أقوى من الرابط القبلي. وحبل الارتباط الأسري وحده دون مبادئ وعقائد ومصالح، يقطّعه شدٌّ من الأنانية الفردية. وبالنظر الشامل إلى عناصر الإنسانية وعناصر القومية وعناصر الوطنية، نلاحظ أن دائرة الإنسانية أعم من دائرتي القومية والوطنية معاً، في جوانبهما الإيجابية، فحين تدعو القومية لمقاومة أعدائها من الأقوام الآخرين، تدعو الإنسانية نظرياً إلى التوادّ والتآخي الإنساني. وحين تدعو الوطنية إلى مقاومة أعداء وطنها، تدعو الإنسانية نظرياً إلى التواد والتآخي الإنساني، والتسامح، مع نظرة الوطنية نظرة إنسانية في حدود دائرة الوطن فقط، أي: إن نظرة الوطنية لا تعترف بالفوارق القومية والعرقية والدينية والمذهبية داخل الوطن. ثمّ إن كل خيوط وحبال الارتباط الوطني والقومي والإنساني يقطّعها شد من رابط ديني لدين رباني صحيح، إذا كان سيره في اتجاه مضاد لاتجاهات مسيراتها. أما إذا كانت مسيراتها في اتجاه مسيرة الدين الصحيح، أو المذهب الفكري مع مناهج السلوك ومصالح الحياة، فإنها تكون حينئذٍ قوىً موازرة ومدعّمة ومضاعفة من القوة، والإسلام لا يلغيها حينئذ، بل يعطيها من الصلة على مقاديرها بالعدل والإحسان. فالدين الإسلامي لا يلغي أصول الارتباط الإنسانية، والقومية

стр. 234

والقبلية والأسرية (الرحمية) ، والوطنية، بل قد أمر الإسلام بصلة الرحم عموماً، وبصلة القوم وأمر بالعطف الإنساني، وحرّض على حماية أوطان المسلمين والدفاع عنها، إذا كان ذلك لا يتعارض مع عقائده، وعباداته، وأخلاقه، وأحكام شرائعه، ونظام المجتمع الإسلامي، أو كان يخدم أهداف الإسلام. فإن شدّت هذه الارتباطات إلى ولاءات، ولقاءات وأعمال، ومناصرات، تتنافى مع عقائد الإسلام، وعباداته، وسائر الأحكام والنظم الإسلامية، ظل الارتباط الإسلامي على قوّته ومتانته، وتقطّعت هي. لأن الرابط الإسلامي أقوى منها جميعاً. فالرابط الإسلامي يجمع عناصر الارتباط الشاملة لأخطر وأهم ما في الإنسان من معاقد ترابط، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. * * * نظرة موجزة حول بناء الأمة الإسلامية: بناء الأمة الإسلامية يقوم على الأسس والعناصر التالية: الأول: أعضاء الأمة الإسلامية الواحدة أعضاءٌ إنسانيون، يتلاقون من أفراد المجموعة البشرية كلها، من كل أقوامها، وشعوبها، وقبائلها، وألوانها، ولغاتها، ومواطنها. والفوارق القومية والعرقية والعنصرية واللونية اللغوية والوطنية، فوارق مُلغاةٌ في كفاية المشاركة بالعضوية الكاملة في الأمة الإسلامية، وهي فوارق طبيعية خلقها الله في أصناف الناس، ليتعارفوا، لا ليتفاضلوا على أساسها، ولا ليتناكروا، ولا ليتخالفوا، ولا ليتفاخر بعضهم على بعض، ولا ليتقاطعوا ويتدابروا، ولا لتظهر فيهم العصبيات، فلا عصبيات في الإسلام. الثاني: الأرض كلها أو أيّة رقعة منها تصلح لأن تكون وطناً للأمة الإسلامية كلها أو بعضها.

стр. 235

وحيث قامة أمة إسلامية ذات كيان ودولة، فأرضهم تدخل تحت عنوان: "وطن إسلامي". الثالث: الرباط الكلي الناظم لكل أعضاء الأمة الإسلامية هو عهد الإسلام، بالدخول في هذا الدين الرباني الذي بلّغه محمد بن عبد الله، كتابُه القرآن، وكلمةُ الدخول فيه والانتماء إليه والتسليم لأوامره ونواهيه، شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهذا الرباط رباط كلّي قويّ متين، شامل للروابط التفصيلية التالية المهيمنة على كل كيان الإنسان من داخله، وكل أركانه، ومعظم ما يهمّه في حياته. إن أعظم العناصر التي يتكون منها كيان الإنسان الداخلي، وأركانه الرئيسية، النفسية والجسدية هي: الفكر ومفاهيمه - القلب ومعتقداته وعواطفه وحركاته الإرادية - النفس وأخلاقها وأهواؤها وأمانيها وآلامها وحركاتها الإرادية - الجسد وحاجاته ومطالبه في الحياة وأنواع سلوكه الإرادي -. وعظمة الإسلام أنه يعقد بين أفراد الأمة الإسلامية بأربطة متعددة متشابكة، تصل بين أفكارهم والمفاهيم التي تهيمن عليها، وبين قلوبهم والعقائد التي تهيمن عليها، وما يطلب منها من أعمال قلوب تتحكم بها الإرادة، وما يصدر عنها من عواطف تولّدها العقائدة، وبين نفوسهم وما تكتسبه من مشاعر مشتركة، بسبب الوحدة الفكرية، والوحدة الاعتقادية، والأنماط التربوية الواحدة التي يتولاها الإسلام بمناهجه، وبين صور سلوكهم في حركات حياتهم الظاهرة، بسبب هيمنة شرائع الإسلام وأحكامه ونظمه الشاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية، يضاف إلى ذلك إيجاد المناخات الملائمة للمشاركة في المصالح والمنافع ومطالب الحياة. وبنظرة تفصيلية مقسمة، نلاحظ أن الإسلام يعمل على عقد الوحدة بين الأفراد الإنسانيين، المنتمين إليه، المؤمنين بعقائده، المسلمين لأحكامه

стр. 236

وشرائعه، في أوامره ونواهيه، بالروابط التالية: الرابط الأول: الوحدة الفكرية الاعتقادية. الرابط الثاني: وحدة مصادر التشريع وأسس التصور لمفاهيم الحياة، التي تشمل الجوانب الإنسانية المختلفة. الرابط الثالث: وحدة العناصر الأساسية والرئيسية لمناهج السلوك في الحياة، الداخلية الباطنة، والخارجية الظاهرة. الرابط الرابع: التقاء المصالح والأهداف، والمشاركة في الآلام والآمال مشاركة حقيقية نابعة من عمق الوحدة الفكرية الاعتقادية، ومن عمق الوجدان. الرابط الخامس: مشاعر التآخي والتوادّ السعيد، حتى مستوى مشاعر الجسدية الواحدة، التي حث عليها الإسلام، وجعلها أحد مظاهر المجتمع الإسلامي. الرابط السادس: الواجب الرباني الذي يفرض وحدة الجماعة الإسلامية، لتبليغ دين الله، وإقامة العدل في الناس. الرابط السابع: مشاعر المصير المشترك الذي تمثله الأمة الربانية الواحدة في الحياة الدنيا، وأمة السعادة في دار النعيم المقيم في الآخرة. وفوق هذه الروابط وشائج مؤازرة كثيرة متداخلة في شبكة لا نظير لها. أما شرح هذه الروابط والوشائج مع تفصيلات أخرى فيجدها القارئ في كتابي "الأمة الربانية الواحدة".

стр. 237

(٢) الوطنية شعار معاصر، حاول مروجوه بين المسلمين توجيه ولاءِ سكّان أو أصحاب الوطن الواحد بصفةٍ جماعية مشتركة لأرض وطنهم ذات الحدود المعيّنة، وشحنهم بالتعصب لها انتماءً، والدفاع عنها حتى درجة فدائها بالنفس، مهما اختلفت عقائدهم، ولغاتهم، وأعراقهم، وقومياتهم. وقد يصعب رسم حدود الوطن بصورة ثابتة دواماً، لأنها خاضعة للتبدّل والتغير بتبدل الأحداث السياسية والعسكرية، وتبدّل المشاعر النفسية أحياناً. أما حب الأرض فهو عاطفة إنسانية قديمة، تولّدها عدة مشاعر، يبرز لنا منها بوضوح عناصر أربعة: العنصر الأول: التملك، وحقُّ الاستيطان التاريخي، للفرد ولأسرته، ولأجداده وقومه، والأمة التي ينتمي إليها، وهو حقّ موروث، أو حق الاستيطان المكتسب للفرد ولذريته. وقد تعارف الناس على أن من يملك حق المواطنة فهو عضوٌ من الأمة مالكة الوطن ملكاً عاماً مشاعاً، ويتولى المفوضون منها بالإدارة السياسية، إدارة هذا الملك العامّ المشاع. بخلاف نزلاء الوطن وضيوفه والمقيمين فيه بعهد أو أمانٍ أو ذمة، فإنهم قد يملكون حق الإقامة، لكنهم لا يملكون حق المواطنة. فمن يملك حق المواطنة فهو أحد مالكي الوطن، ولو لم يكن مالكاً فيه ملكاً شخصياً شبراً واحداً. ومن لا يملك حق المواطنة فلا ملك له في الوطن العام المشاع، ولو كان له فيه ملك شخصي، كدار، أو حديقة، أو أرض زراعية، أو مصنع، أو متجر، أو نحو ذلك.

стр. 238

العنصر الثاني: الارتباط بالأرض بدافع ديني، ويكون ذلك إذا كان للأرض أهمية دينية في تصور الإنسان أو عقيدته. كأن تكون الأرض قبلته في صلاته، أو محجّة، أو بلد الرسول الذي يؤمن به ويتبع شريعته، أو مهبط الوحي الذي آمن بما جاء عنه، أو قاعدة انطلاق الأمة الدينية التي ينتمي إليها. العنصر الثالث: الذكريات الحلوة وإيلافها، فمن عاش في أرض وكان له فيها ذكريات حلوة، أحبها وتعلقت عاطفته بها، وكان له أُنْس بزيارتها من حينٍ لآخر، ويجد نفسه مدفوعة لحمايتها والدفاع عنها. العنصر الرابع: ما يكون في الأرض من آثار تاريخية وحضارية تتصل بأمجاد الإنسان نفسه، أو أمجاد أسرته، أو قبيلته، أو قومه، أو الأمة التي ينتمي إليها. فهذه الآثار تشد الإنسان إلى الأرض، عن طريق الوشائج التي تشده إلى أسرته أو قومه أو أمته التي ينتمي إليها، وهي وشائج عاطفية لا عقلية، فهي فرع من فروع الانتماء إلى القوم أو إلى الأمة. وبالمفهوم المعاصر للوطنية الذي روّجه الطامعون بسلخ المسلمين من حقوقهم في السيادة على الأوطان الإسلامية، اتسع شعار الوطنية، حتى صار في المفهوم الشائع يضم كل سكان الوطن الواحد، ولو كانوا في الأصل نزلاء، أو ضيوفه، أو مقيمين فيه، بعهد أو أمان أو ذمة. وبهذا التوسيع المقصود الذي يراد به كيد المسلمين مالكي الأوطان الحقيقيين، غدا هؤلاء النزلاء والضيوف المقيمون بعهد أو أمان أو ذمة لهم في الملكية العامة للوطن حقوق متساوية لحقوق مالكيه الأصليين. وبمكر مدبر انطلقت عبارة: "الدين لله والوطن للجميع". وأطلق مروجو شعار الوطنية بين المسلمين حديثاً لا أصل له، نسبوه إلى النبي، وهو: "حب الوطن من الإيمان".

стр. 239

وهذا التوسيع في حق الملكية العامة المشاعة للوطن، جر إلى التسليم بحق الجميع في إدارته السياسية. ولما كان هؤلاء الجميع مختلفي الأديان والمبادئ والعقائد، وقد صار لهم جميعاً الحق في الإدارة السياسية للوطن الواحد، بمقتضى مكيدة الزحف الانتقالي من فكرة إلى فكرة، كان لا بد من اللجوء إلى مكيدة أخرى، هي المناداة بفصل الدين عن السياسة، والمناداة بعلمانية الدولة. ثمّ إن الأخذ بعلمانية الدولة التي تتضمن إبعاد الدين عن الإدارة السياسية لبلاد المسلمين وأوطانهم، قد مكّن الطوائف غير المسلمة فيها من الوصول إلى مراكز الإدارة السياسية، والقوة العسكرية، حتى مستوى القمة أو قريباً منها. وتدخلت ألاعيب كيدية كثيرة خارجية وداخلية معادية للإسلام والمسلمين، في تهيئة الظروف السياسية، وتقبلت جماهير المسلمين ذلك ببراءة وغفلة وحسن نية، وكان بعض قادتهم السياسيين والعسكريين وغيرهم عملاء وأجراء لأعدائهم. ثمّ لما تمكنت هذه الطوائف غير المسلمة من القوى الفعالة داخل بعض بلاد المسلمين، كشفت الأقنعة عن وجوهها التي كانت تخادع بها، وتدّعي الإخاء الوطني، وصارت تدعي أن الوطن لها، وأخذت تنبش الدفائن لتستخرج مزاعم تاريخية قديمة، سابقة للفتح الإسلامي، وهذه المزاعم لا أساس لها من الصحة. ثمّ أخذت تفرض سلطانها بالقوة في هذه البلاد، مؤيَّدةً من الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين، وحارب الأكثرية المسلمة بضراوة وحق، وأخذت تحرمها من حقوقها في أوطانها، حتى جعلتها بمثابة أقليات مستضعفة. ونسفت الطوائف غير المسلمة بعد تمكنها أفكار الحق الوطني

стр. 240

القائم على العلمانية نسفاً، ونسفت الإخاء الوطني، وأظهرت تعصبها الطائفي المقيت، القائم على الانتماء لأديانها وعقائدها التقليدية الموروثة. وكانت لعبة شعار الوطنية مكيدة انخدع بها جمع غفير من المسلمين ببراءة وسلامة صدر، حتى استلّ أعداؤهم منهم معظم حقوقهم، ومعظم مقدّراتهم. * * * (٣) القومية دوافع الانتماء القومي: الاعتزاز بالقوم، والانتماء إليهم، والدفاع عنهم ظاهرة إنسانية قديمة، إذا اتفقت معها المبادئ الفكرية الاعتقادية، والمصالح والمنافع المتبادلة بين أفراد القوم وأسرهم وقبائلهم، استمرّت وتأصّلت في المجتمع، وإذا اختلفت معها المبادئ الفكرية الاعتقادية، والمصالح والمنافع، وسارت في اتجاهات معاكسة، أصاب هذه الظاهرة الخلل، وتعرّضت للانتكاسات، وظهرت في المجتمع الصراعات والتناقضات، ثمّ الانقسامات، وأنواع الانفصال. أمّا دوافع هذه الظاهرة في النفس الإنسانية فيمكن أن نكشف منها ما يلي: الدافع الأول: الأنانية التي تبدأ بالفرد، وتتسع مع اتساع دوائر المجتمع حتى تصل إلى دوائر القوم، الذين يجمعهم أصل واحد، ولغة واحدة، وقد يُنسى الأصل أو يُهمل بالتقادم واختلاط الأصول والأعراق، وتبقى اللغة، رابطاً يرمز إلى وحدة الأصل. وبعض القبائل قد حافظت على أصولها وأعراقها وأنسابها، وقد يتسامح بعضها بإدخال الموالي معها، أو إدخال من تناسبه وتصاهره، كما هو الحال في كثير من القبائل داخل الجزيرة العربية.

стр. 241

لكن معظم الشعوب قد اختلطت أعراقها، فمن الصعب تجميع قومٍ متحدي الأصل العرقي القبلي، في غير الذين حافظوا على أصولهم العرقية من القبائل. الدفاع الثاني: عاطفة الرحم الموجودة في فطرة الإنسان نحو أصوله وفروعه وسائر قرابته، وقد تمتدّ إلى كل أفراد القوم امتداداً متناقض القوة، حتى تكون في أطرافها مثل الشعيرات الدقيقة جداً، من حبلٍ منقوض مبثوث من آخره، مجموع مُبْرمٍ من أوله، فهو من أوله المبرَم رباط الرحم القريبة، وهو من آخره المنقوض المبثوث شعيرات الصلات بأفراد القوم البعيدين، ولكل من الأوساط مقدار منها بحسب قربه أو بعده، وتكاد تسقط العاطفة الرحمية حين لا يبقى من الرباط القومي إلا رمز وحدة اللغة، وتبقى حينئذٍ العاطفة الإنسانية، أو ما يزيد عليها قليلاً من قوّة الرابط اللغوي. الدافع الثالث: مطلب الحماية وتحقيق الأمن، في مواجهة أعداء القوم وخصومهم، والطامعين بهم، أو بأرضهم وخيراتهم. ويسقط هذا الدافع حين لا يجد الإنسان لدى قومه الحماية التي يرجوها. الدافع الرابع: مطلب التعاون لتأمين المصالح المشتركة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. ويسقط هذا الدافع حين لا يجد الإنسان لدى قومه ما يحقق له المصالح التي يرجوها. * * * ظهور شعار القومية في أوروبا: أما شعار "القومية" فهو شعار معاصر، ظهر في أوروبّا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

стр. 242

وكان ظهور القومية في أوروبا بديلاً للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه العلماني، وضعف الرابط الديني شعبياً، وبتره سياسياً بتراً كلياً. لقد كان لا بد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي، على الرغم من كون هذا الرابط الديني في أوروبّا قد كان رابطاً واهياً، لأن عناصره عقيدة محرفة، ومفاهيم وضيعة مليئة بالأغاليط، وعصبية موروثة. أما وقد تقطّع الرابط بسيادة الاتجاه العلماني، فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي، لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية. وساعد على إظهار الرابط القومي وبعثه من مدفنه، الذين كانوا من قبل قد حاربوا الدين والأخلاق والنظم الاجتماعية، وأقنعوا أوروبا بالاتجاه للعلمانية، والأخذ بها. وقامت في أوروبا صراعات ذات نزعات قومية، لعبت بها كتابات موجّهة ضمن مخطط مرسوم، وقد ظهرت هذه الكتابات بأقلام طائفة من الفلاسفة، وعلماء الاجتماع، وعلماء السياسة. وكان من آثار هذه النزعات القومية أن جمعت أشتاتاً، وفرّقت مجتمعين، وحركت مطامع استعمارية ذات دوافع قومية، وغيرت حدود أوطان على الخريطة السياسية. ثمّ أقبل القرن العشرون الميلادي، وقامت فيه حربان عالميتان كبريان دمرتا دماراً عظيماً، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العامّ، إذ تفجّرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قوي في فرنسا وبريطانيا وغيرها.

стр. 243

ثمّ خبت وقدة النزعات القومية، واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية، ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين، لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية. وبقايا الدين فيهم أمست شخصية. ولمّا أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كلّه، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبّرة. * * * ظهور شعار القوميات بين الشعوب الإسلامية في هذا العصر: وضمن مخطّط المكايد الخطيرة التي دبّرت ضدّ الإسلام والأمّة الإسلامية قامت بين المسلمين دعوات القوميات، كالقومية العربية بين العرب، والقومية الطورانية بين الأتراك، والقومية الكردية بين الأكراد، والقومية الفارسية بين الفرس، والقومية الشركسية بين الشركس، ونحو ذلك ... ومن العجيب أن أئمة دعوة القومية العربية بين العرب لم يكونوا من أصول عربية، ثمّ كان الذين حملوا شعاراتها بقوة داخل الشعوب العربية هم من الطوائف غير المسلمة، وانساق معهم مفتونون من أبناء المسلمين،

стр. 244

من الذين تأثروا بالفكر الأوروبي الحديث، وبدسائس المستشرقين والمبشرين والمستعمرين، ومن الذين حَلاَ لهم التحلل من شرائع الإسلام، وأحكامه. وبالنزعة القومية مع الاتجاه العلماني نجحت المكايد التي دبّرت لإسقاط الخلافة الإسلامية، وتمكين الدول الاستعمارية من الاستيلاء على معظم البلدان العربية وشعوبها. ثمّ قامت التكتلات القومية، ثمّ الأحزاب والمنظمات القومية، لتحقيق الاتجاه العلماني، وإقامة الرابط القومي بدل رابط الدين الإسلامي، الذي كان هو السائد في الشعوب العربية، ونشطت هذه التكتلات والأحزاب والمنظمات القومية في أعمالها نشاطاً عظيماً، موجهاً من الدول الاستعمارية ومدعوماً من قبلها. وانطلت حيلهم على المغفلين من أبناء المسلمين، وآمن بأفكارهم التي نشروها وزينوها مثقفون من أبناء المسلمين، علّمتهم وربّتهم المدرسة الغربية، وانسلخوا من الدين الإسلامي إلى العلمانية، آخذين بالمادية الغربية، أو المادية الشرقية. وضمن شعار الوحدة القومية المقرون بالعلمانية، مع الدعم الاستعماري، والمكايد الدولية المدبر، أقبل المتظاهرون بالانتماء إلى العروبة والاعتزاز بها، والمتعصّبون سرّاً لطوائفهم المعادية للإسلام والمسلمين، فتسللّوا بالحيلة والمسكنة وأساليب الذكاء، إلى مراكز القوة التعليمية والإدارية والسياسية والعسكرية، حتى قبضوا على معظم نواصيها، وركبوا أقوى ظهورها. ومن حيلهم أنهم اتخذوا الذي انسلخوا من الإسلام من أبناء المسلمين مطايا مرحلية، فاجتازوا على ظهورهم المسافة من مواقعهم في الصفوف الأخيرة، إلى مواقع الصفوف الأولى، فمنصّات القيادة، ضمن جماهير المسلمين المخدوعين بالمطايا.

стр. 245

واستخدمت المكايد الدولية والطائفية المحلية القوميات لإشعال نيران الثورات والحروب والصراعات ذات النزعات القومية. ولما وصلت الأقلية الطائفية غير المسلمة إلى مراكز القوة الفعلية، كشفوا الأقنعة عن وجوههم، وكشروا عن أنيابهم، ونبذوا الأكثرية المسلمة، وفرضوا عليها استعباداً وإذلالاً، وانطلقوا بجرأة تامّة، وصراحة غير متوارية، ينفذون رغبات الدول الاستعمارية، ورغبات الصهيونية، ورغبات كلّ أعداء الإسلام والمسلمين، وأعداء الشعوب العربية. * * * نظرة تحليلية إلى دعوة القومية: لمّا أريد للقومية أن تكون رابطاً لتكوين أمة، بديلاً للدين أولاً وبالذات، ثمّ للوطنية، أو وحدة الدولة، أو وحدة المذهب الاجتماعي أو الاقتصادي تغطية وتلبيساً، أخذ المفكرون فيها يبحثون عن سند فكري أو نفسيّ لهذه القومية المعاصرة، فطرحت آراء متعدّدة، وقامت مناظرات وجدليّات، وبرز من الأفكار لتحديد عناصر القومية ما يلي: ١- وحدة الأصل والعرق. ٢- وحدة اللغة. ٣- وحدة التاريخ. ٤- وحدة الثقافة. ٥- المصالح المشتركة. ٦- وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل. وأخذو مفلسفو القومية من الجرمانيين يركّزون على عنصر وحدة العرق، وظهرت نزعة تفوّق العرق الجرماني، وانطلقت القومية الألمانية على هذا الأساس، وجرّت للعالم حروباً طاحنة، كان المخططون لنشر

стр. 246

القوميات يعرفون أنها ستجرّ إلى أمثال هذه الحروب. وظهرت بعض قوميات عرقية أخرى، منها ما أدى إلى اجتماع متفرقات دويلات، ومنها ما أدى إلى انفصال أقوام وتكوين دول مستقلة. ثمّ قامت في الغرب أبحاث علمية أكّدت أن وحدة الأصل والعرق من الأمور التي لا تتحقق، وعمّم هؤلاء الباحثون أحكامهم على كل الشعوب، بيد أن التعميم يفتقر إلى أدلة إثبات، وإن كان هذا لا يعنيني في هذا المجال. ولمّا زحفت الفكرة القومية إلى الشعوب الإسلامية، أراد دعاتها أن يفصّلوا عناصرها تفصيلاً يتناسب مع خطة عزل الدين الإسلامي ومقاومته، وجمع أكبر قدر ممكن من غير المسلمين في إطار القومية التي يدعون إلهيا، وإضعاف مركز الأكثرية العرقية التي تدين بالإسلام. لقد كان لزاماً عليهم في الدرجة الأولى استعباد عنصر وحدة الدين، لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع. ثمّ نظروا إلى الهيكل الاجتماعي الذي أرادوا أن يلبسوه لباس القومية، ففصلوا عناصر القومية على وفقه. فحذفوا من القومية عنصر وحدة الأصل والعرق، ولو تحقق، حذفاً كليّاً، لئلا يكون داعياً إلى احتلال المعروفين بسلامة أعراقهم القومية مركز الصف الأول، وهؤلاء هم الأكثرية المسلمة، واحتلالُهم مركز الصف الأول من شأنه أن يُبقي للإسلام ثقلاً حقيقيّاً داخل نزعة القومية، وهذا أمر يعارضونه أشدّ المعارضة، ويقاومونه أعنف المقاومة، إنهم لم يأتوا بنزعة القومية إلا لقتل الإسلام بها في نفوس المسلمين. ولما حذفوا عنصر وحدة الأصل والعرق انتقلوا إلى التأكيد على عنصر

стр. 247

وحدة اللغة، وقدم مفلسفوهم الأدلة على قوة هذا العنصر في توثيق الرابطة القومية، وتكوين الأمة القومية. واعترضتهم مشكلة المهاجرين من بلاد عربية هم أو أجدادهم، وهم لا يحسنون اللغة العربية، وقد صارت لغتهم لغةً أخرى ويهمهم تكثير الأقليات غير المسلمة بهم في البلاد العربية، فوضعوا لهم فكرة استرجاعهم إلى الانتماء للأصل العربي، حتى يكتسبوا بهم ثقلاً للأقليات غير المسلمة، وقد جاء هذا متأخراً عن تدوين أفكار القومية. وغدت وحدة اللغة قابلة للتمطيط، فمن كانت لغة آبائه أو أجداده العربية فهو عربي، ومن كان ينطق العربية فهو عبي، ولو لم تكن أصوله عربية، ويُغضُّ النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى. أما العنصر الثاني الذي ركّزوا عليه، وجعلوا له دوراً مهماً في تكوين الأمة القومية، فهو عنصر "وحدة التاريخ". قال ساطع الحصري: إن "وحدة الأصل" يجب أن تخرج من كل تعريف يتعلق بمعنى الأمة، فمن الأوفق الاستعاضة عن ذلك بـ"وحدة التاريخ" لأن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين "القرابة المعنوية" ... وفي توليد "وهم وحدة الأصل" الذي يسود الأذهان هـ. ونلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين عنصر "وحدة التاريخ" على واقع الشعوب العربية، نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين، لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب، مسلميهم وغير مسلميهم، فغير المسلمين من العرب قد يغيظهم جداً تاريخ العرب المسلمين، بل قد يحقدون عليه، وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم، إنما هو تاريخ خصومهم أو أعدائهم، فكيف يكون أحد العناصر التي تربطهم بالأمة العربية. هؤلاء لهم تاريخ خاصّ بهم غير تاريخ العرب المسلمين، ولو عاشوا بينهم أقلية.

стр. 248

وحينما يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين، يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية، البائدة والعاربة والمستعربة، ويجمعون مقتطفات من التاريخ العربي بعد الإسلام، بشرط أن لا يكون فيها تأثير إسلامي. ويهتمون بإظهار ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين من العرب، وتزيينه وتحسينه، وإضفاء الألقاب الفخمة عليه، مما يجعل له في أذهان دارسيه ذكريات أمجاد، وللأقليات الطائفية النصيب الأوفى من هذا التاريخ المنتقى بعناية فائقة. إذن: فللإيهام بصحة انطباق عنصر "وحدة التاريخ" على كل الناطقين باللغة العربية، مسح القوميون من التاريخ العربي الذي كتبوه ودرّسوه في مناهج التعليم كل ما هو إسلامي مجيد، وسلطوا الأضواء على غيره ممجدين معظمين، وإن اضطروا إلى ذكر تاريخ العرب المسلمين مرّوا عليه كالبرق الخاطف، وأبرزوا منه هنواته فقط. ولا يهمل مفلسفو القومية العربية العناصر التالية: o وحدة المشاعر والمنازع. o وحدة الآلام والآمال. o وحدة الثقافة. ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية "لوحدة اللغة" و"وحدة التاريخ". ويصرّون على حذف "وحدة الدين" وهذا في مقدمة ما يحذفون من عناصر، ثمّ يحذفون مما يذكر الناس من عناصر تكوين الأمم: وحدة الدولة، ووحدة الحياة الاقتصادية، ووحدة الأرض، أي الاشتراك في الرقعة الجغرافية، لأن هدفهم الآن نشر القومية. يقول "ساطع الحصري" كبير مفلسفي القومية العربية، مبيناً الحقائق التي توصل إليها بعد درس وتمحيص النظريات المختلفة، وبعد استعراض واستنطاق الوقائع التاريخية:

стр. 249

" إن أسّ الأساس في تكوين الأمة، وبناء القومية، هو وحدة اللغة، ووحدة التاريخ. لأن الوحدة في هذين الميدانين، هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع، ووحدة الآلام والآمال، ووحدة الثقافة ... وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمّة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن: لا وحدة الدين، ولا وحدة الدولة، ولا وحدة الحياة الاقتصادية، تدخل بين مقوّمات الأمة الأساسية. كما أنّ "الاشتراك في الرقعة الجغرافية" أيضاً، لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية. وإذا أردنا أن نعيّن عمل كلٍّ من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة، قلنا: اللغة: تكوّن روح الأمة وحياتها. التاريخ: يكوّن ذاكرة الأمة وشعورها. " انتهى. واستناداً إلى هذه الأسس التي وضعوها، وحدّدوا بها عناصر القومية العربية، نصّوا على الأركان التي يجب على القوميّ أن يعرفها ويؤمن بها أشدّ الإيمان، وأهمّها ما يلي: " إن كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية، هو عربي ... ومهما كان اسم الدولة التي يحمل جنسيتها وتابعيتها بصورة رسمية. ومهما كانت الديانة التي يدين بها، والمذهب الذي ينتمي إليه. ومهما كان أصله ونسبه، وتاريخ حياة أسرته ... فهو عربي. والعروبة ليست خاصة بأبناء الجزيرة العربية، ولا مختصة بالمسلمين وحدهم.

стр. 250

بل إنها تشمل كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية. سواءٌ أكان مصرياً، أو كويتياً، أم مراكشياً ... وسواءً أكان مسلماً، أم مسيحياً. وسواء أكان سنياً، أم جعفرياً، أم درزياً. وسواءٌ أكان كاثوليكياً، أم أرثوذكسياً، أم بروتستانتياً.. فهو من أبناء العروبة، ما دام ينتسب إلى بلاد عربية، ويتكلم باللغة العربية..". وهكذا استطاعت الفكرة القومية بحيلتها الكَيْدِيَّة، أن تسلب المسلمين العرب، وهم الكثرة الكاثرة، كثيراً من حقوقهم السياسية والإدارية، والاقتصادية، وحقوقهم في السيادة على أرضهم، وغير ذلك، لصالح الأقليات غير المسلمة، التي لم تكن تحلم بها. وكان من شأن هذه الأقليات بعد ذلك أن استغلت فكرة القومية لصالح طوائفها، دون أن تتنازل شعرة واحدة عن عصبياتها الطائفية المضادة للإسلام والمسلمين، ووقائع الأحداث في كثير من البلاد العربية تشهد بذلك. لقد ظهر بما لا يدع مجالاً للشك لدى التطبيق على المجتمع البشري، أن شعار القومية بكل عناصرها لم يستطع أن يوحّد بين أتباع الأديان والمذاهب والمبادئ المتناقضة المتعارضة، فثبت سقوط الفكرة من أساسها، وثبت أن عناصر القومية غير صالحة لتكوين أمة، أفرادُها يتّبعون مبادئ ومذاهب ومناهج وعقائد متباينة متناقضة متضادّة الاتجاهات. ولا يستطيع الإنسان أن يكون خالياً على الدوام من مبدأ، وعقيدة في الحياة، ومذهب في السلوك يسير على وفقه، ولن يتفق الناس على مبدأ وعقيدة ومذهب، لأنهم لا يستطيعون توحيد أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم، ولا يستطيعون التخلّص من أنانيتهم الضيقة أو الموسعة قليلاً.
следующие страницы →