← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

واستطاع بعد قراءتها أن يلتقط من أقواله ما يكشف عن النهايات الفكرية التي انتهى إليها. إنه بعد أن درس الفيزياء، وعلم الحياة، وعلم النفس، والمنطق الرياضي، انتهى إلى أن "مذهب التشكيك في الوجود مستحيل نفسياً". ومع ذلك فإن الإنسان عاجز عن أن يحيط إلا بأقل قدر من المعرفة. ويقول بالنسبة إلى الفلسفة: "تدعي الفلسفة منذ القدم ادعاءات كبيرة، ولكن حصيلتها أقل بكثير بالنسبة إلى العلوم الأخرى ". ويقول "رسل": "عن تصورنا العلمي للكون، لا تدعمه حواسُّنا التجريبية، بل هو عالم مستنبط كلياً ". ويبلغ به الأمر إلى أن يقول: " إن أفكار الناس لا توجد إلا في مخيلاتهم فحسب". أي: إن التجربة لا تستطيع أن تثبت مطابقة هذه الأفكار للواقع. وانتهى "رسل" أيضاً إلى أن التجربة قد أعطيت لها الأهمية الكبرى، ولذلك يجب أن تخضع "التجريبية" باعتبارها فلسفةً لتحديات مهمة. يقول هذا حتى في النظريات والقوانين العلمية.

стр. 457

ومع ذلك فإنه يختار لنفسه مذهب الإلحاد، ويعتمد على افتراضات لا يمكن إخضاعها للتجربة بحال من الأحوال، وذلك بالنسبة إلى نشأة الكون والحياة. ويرجح الداروينية مع أنها من وجهة نظره فكرة استنباطية لا تدعمها التجربة، ولا تزيد على أنها فكرة في مخيلات أصحابها. ويقول أيضاً: " لقد وجدت معظم الفلاسفة قد أخطؤوا في فهم الشيء الذي يمكن استنباطه بالتجربة فحسب، والشيء الذي لا يمكن استنباطه بالتجربة ". ويقول أيضاً: " لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر. لقد كانت لأعمال "نيوتن" أربعة تخيلات أساسية، هي: المكان، والزمان، والمادة، والقوة. وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسياً في علم الطبيعة الحديث. فقد كان الزمان والمكان من الأشياء الجامدة والمستقلة عند "نيوتن" والآن قد تمَّ تبديلهما بما يُسمى "المكان-الزمان" والذي لا يعتبر جوهرياً أساسياً، وإنما هو نظام للروابط، وأصبحت "المادة" شكلاً لسلسلة الوقائع، وأصبحت "القوة" الآن "الطاقة". والطاقة نفسها شيء لا يمكن فصله عن المادة الباقية. والسبب كان هو الشكل الفلسفي لما كان يسميه علماء الطبيعة بالقوة، وقد أصبح هذا التصور قديماً، إن لم أقل: إنه قد مات فعلاً، إلا أن هذه الفكرة لم تعد قوية كما كانت من قبل". ويقول "رسل" أيضاً: "إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً، وعند رفض هذا النوع من

стр. 458

الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل". ويقول أيضاً: " إن العلوم تشمل كلا العالمين: الحقيقي والعالم المتخيّل وجوده. وكلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية يتم استنباطها بناءً على المشاهدة. والحقيقة أنه لا يمكن رفض مذهب الشك الكلي إطلاقاً، إلا أنه مع ذلك يصعب قبول التشكيك الكلي في نفس الوقت". ويقول أيضاً: "إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية (في النظريات أو الآراء) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون بكثرة وبدون جدوى". ونظراً إلى واقع حال "رسل" التائه عن الحقيقة، استطاع البروفسور "ألان وود" أن يقرظه بقوله: "برتراندرسل فيلسوف بدون فلسفة". كشف الزيف سأقتصر على كشف أهم ما في أقوال "رسل" وفلسفته من زيوف في الكواشف التالية، عنواناً على سائر زيوفه: الكاشف الأول: لقد اكتشفنا من أقوال "رسل" أن فلسفته تعتمد على الاعتراف بأن العلوم متى تجاوزت منطقة المدركات الحسية فإنها لا تملك معارف يقينية، ولكن مع ذلك لا بد من قبول هذه المعارف التي يتوصّل إليها بالاستنباط، وإن لم تكن يقينية، لئلا تتعطل الحياة العملية، وتقف عن الإنجاز، إذ لا سبيل إلى اليقين فيها. فليس هو في هذا من الذين لا يقبلون إلا ما يدرك بالحس المباشر أو غير المباشر، وإنما يجعل ما يتوصل إليه من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية، لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين. فما الذي صدّه إذن عن الإيمان بالله ، والإيمان باليوم الآخر

стр. 459

الذي هو من لوازم حكمته وعدله، مع أن الأدلة الاستنباطية الترجيحية هنا - إن رُفِض اعتبارها يقينية- أقوى بكثير من التخيلات الأخرى، التي يفسر بها الملحدون نشأة الكون وتطوره، ونشأة الحياة وتطورها؟! هنا تظهر عقدة الهوى والتعصب ضد الدين، عند "رسل" وعند سائر الملحدين. وهذا التعصب لديهم، لا تدعمه أية أدلة مرجّحة لقضية الإلحاد، بل ليس للإلحاد في الحقيقة أي دليل، غير مجرد سفسطات وتخيلات تقوم في رؤوس أصحابها فقط. إن التفسير البديل لقضية الإيمان بالخلق الربّاني إنما هو فرضية الارتقاء الذاتي، وأزلية المادة. أما أزلية المادة فقضية مرفوضة علمياً ومنطقياً. وأما الارتقاء الذاتي فيعبّر عنه "السير آرثر كيث" - كما سبق - بقوله: "الارتقاء غير ثابت، ولا يمكن إثباته، ونحن نؤمن بهذه النظرية لأن البديل الوحيد هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهو أمرٌ لا يمكن حتى التفكير فيه". لكن: لماذا لا يمكن التفكير فيه؟ والجواب الوحيد: لأنه لا يسمح له هواه بأن يعترف بالله الخالق، وبأن يخضع له بعد ذلك خضوع العبادة والطاعة. فتمرده وتمرد نظرائه الملحدين إنما هو تمرد المستكبرين المعاندين، أو تمرد طالبي الفجور في الأرض، دون أن يشعروا بأن فوقهم رقيباً محاسباً، عزيزاً حكيماً.

стр. 460

وهم يدعون إلى الإلحاد لإضلال الجاهلين، الذين لم تكشف لهم أضواء المعرفة طريق الحق. ما أعجب سلطان الهوى، وسلطان التعصب، وسلطان الالتزام بالمبادئ الحزبية على الناس!!. إن هذه المؤثرات التي تجنح بهم عن سواء السبيل، تسوقهم إلى الشقاء الأبدي والعذاب الأليم، وتجعلهم يؤثرون الضلالة على الهدى، والظلمات على النور. الكاشف الثاني: لقد سقط "رسل" في سخف استدلالي مفضوح جداً، حين احتج على عدم جدوى النظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية، على عدم الحاجة إلى مشرعين أخلاقيين، بمثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير، إذ قال: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين، وإنما هي تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب. إنه بهذا الاستدلال قد لعب لعبة التعميم الفاسد مرتين: الأولى: حين جعل هذا المثال كافياً لإلغاء حاجة البشرية إلى التشريعات الأخلاقية. أظن أن مثل هذا الاستدلال لا يقبله أطفال المتعلمين فضلاً عن عقلاء الناس ومثقفيهم، وذلك لأن الناس جميعاً يلاحظون أن للإنسان نوعين من السلوك: أما أحدهما فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته، وهو مع ذلك ينطبق على المبادئ الأخلاقية، ولا يتعارض معها، ومن ذلك عاطفة الأم التي تتحرك بلهفة لشفاء طفلها المريض. وأما الثاني فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته، لكنه يتعارض مع المبادئ الأخلاقية (الحق والواجب والفضيلة والجمال) ويدخل في هذا

стр. 461

النوع الثاني آلاف الأمثلة من السلوك الإنساني. إن أمثلة العدوان على الحقوق، وظلم الناس للناس، وجنوح الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار، أمور تدفع إليها الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار، أمور تدفع إليها الأهواء والشهوات أو العواطف الخاصة، فهي تتلاءم معها، إلا أنها تنافى مع المبادئ الأخلاقية، فهي تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين. فماذا يقول "رسل" وأشياعه، لو ضربنا آلاف الأمثلة التي يحتاج فيها البشر إلى تشريعات أخلاقية، وهذه الأمثلة مأخوذة من واقع سلوك المجرمين، والمنحرفين، والظالمين في الأرض، ومأخوذة من كثر من صور السلوك الإنساني التي تتكرر آلاف المرات، في كل مجتمع مهما صغر، وتكاد تكون هي الظاهرة الغالبة في كل سلوك إنساني، تدفع إليه دوافع لا تلتقي أهواؤها مع الدوافع الأخلاقية النبيلة على طريق واحد، فيلاحَظ من سلوك الناس فيها فعل الشرّ والإثم والبغي والعدوان، لا فعل الخير والحق والعدل والفيلة وما هو حسن. إن هواه في محاربة الدين والأخلاق قد أسقطه في تفاهات فكرية لا يسقط بمثلها الصغار جداً، فضلاً عن الكبار والعلماء وأعلام الرجال الباحثين. وكلمته التي قالها في شأن الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها: إنها لا تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب. نقول في مقابلها: إن الذين يموتون على أيدي الأطباء المهرة، وفي المستشفيات المختلفة، نتيجة الإهمال والرغبة بابتزاز الأموال، لا يحتاجون إلى أطباء مهرة، وأمهات حانيات رؤومات، وإنما يحتاجون إلى تشريعات أخلاقية صارمة، ومراقبين أخلاقيين، يأخذون على أيديهم. الثانية: حين لعب لعبة الزحف التعميمي، من النظريات الأخلاقية التجريدية التي بدأ بها كلامه، والتي قال عنها: "إنها غير ذات جدوى"،

стр. 462

إلى التشريعات الأخلاقية العملية التي أنهى بها كلامه، بعد أن احتج بمثال الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها، واعتبر بذلك النظريات الأخلاقية التجريدية تشمل بمفهومها التشريعات الأخلاقية العملية التي تضبط سلوك الناس عن الانحراف، بتوجيه قانوني ومراقبة اجتماعية. فهو كمن قال: نحن لا نحتاج إلى الفلسفة النظرية لأصل اللغات. إذن فنحن لا نحتاج في اللغة العربية إلى قواعد النحو وتطبيقاتها على الكلام العربي. هذا زحف تعميمي فاسد، ينتقل به الزاحف من موضوع إلى موضوع، ومن قضية إلى قضية أخرى مباينة لها تماماً، والجسر بينها قد يكون كلمة موجودة في كل القضيتين، لكنها في إحداهما غير تماماً في الأخرى. إن مثل "رسل" لا يخفى عليه فساد مثل هذا التعميم، لكنه إذا أراد التضليل تغابى، لعل تغابيه يكون حيلة ينخدع بها الأغبياء، فيأخذون فكرته التي طرحها بالقبول، ويعتقدونها مبدأ، وبذلك يكون قد وصل إلى هدفه من تضليلهم. الكاشف الثالث: جاء إلى الحقيقة المهمة التي كشف عنها الدين، وأقرتها العقول الإنسانية الحصيفة، خلال التاريخ الإنساني الطويل، وهي التي تثبت تكريم الإنسان وارتفاع قيمته بالنسبة إلى سائر الكائنات المدركة بالحواس، وذلك بسبب ما لديه من خصائص علمية، وأدوات معرفة، وما لديه من صفات نفسية، وأهمها حرية الإرادة، بما لديه من قدرات فكرية ونظام جسدي يستطيع بهما السيطرة على الأرض بكل ما فيها، والانتفاع من كثير من الطاقات المنبثة في السماء والأرض. جاء "رسل" إلى هذه الحقيقة المهمة، فألغاها بمجرد توجيه كلمة الإنكار، لقيمة هذا الإنسان وبمجرد الإعلان بأن الإنسان جزء لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة.

стр. 463

إن الاعتراف بقيمة الإنسان في هذا الوجود ينبه الفكر الإنساني، على أن هذا الكائن لم يمنح هذه القيمة، ولم يُعط هذا التكريم، ولم يزود بجملة الخصائص الممتازة التي زود بها، إلا ليوضع موضع الامتحان في ظروف هذه الحياة. والاستدلالات المنطقية ترشد الفكر المستنير من خلال هذا المنطلق، إلى قضيتين: الأولى: قضية الإيمان بالرب الخالق الواهب، الذي منح الإنسان خصائصه، وفضله وكرمه. الثانية: ما يستتبعه الامتحان من ضرورة إقرار مبدأ الجزاء، لأن الامتحان بلا جزاء عبث، والإيمان بالجزاء يشق الطريق إلى الإيمان باليوم الآخر. ولما كان من الأهداف الرئيسية لفلسفة "رسل" والمقررة في خطته سلفاً، أن يزلزل لدى قُرّائه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، وما تستتبعه هذه العقيدة من مفاهيم، كان عليه أن يأتي إلى كل الجذور الفكرية التي يمكن أن تهدي العقل البشري إلى هذه العقيدة، فيقتلعها، ولكنه لا يجد حجة منطقية يقتلعها بها. إذن: فلْيَلْبَس ثوب الفلسفة العميقة العقيمة، وليقدم آراءه الفلسفية أقوالاً تقريرية لا دليل عليها، فهذه الأقوال المزيفة سيكون لها قيمة لدى الأغرار المفتونين بزخرف الفلسفات المعاصرة، ما دام الذي يقدمها فيلسوفاً مرموقاً جداً، وصاحب مؤلفات روجتها وسائل الإعلام المغرضة المضللة ترويجاً عظيماً، وتقبّلتها الرؤوس الفارغة من الموازين الصحيحة. كيف ينكر "رسل" قيمة هذا الإنسان، ويعتبره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟! إن هذا الإنكار لأمر عجيب أن يصدر من مثله علماً وفلسفة.

стр. 464

أي كائن آخر في هذا الكون المشهود لنا استطاع أن يتوصل بالملاحظة والتجربة والاستنباط إلى كوامن قوى الكون، ويستخدمها في أغراضه الخيرة والشريرة؟! أمع كل ما وصل إليه الإنسان، من منجزات علمية وحضارية رآها فيلسوف القرن العشرين الميلادي بكل حواسه، يظل الإنسان في نظره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟!. إنني لا أعتقد مطلقاً أن تكون هذه عقيدته الداخلية، إنما هي أقوال يصدرها ليفتن بها الذين يثقون بفلسفته من أجيال هذا العصر، خدمة للمخطط الرامي إلى نشر الإلحاد في الأرض، وتدمير القيم الأخلاقية. الكاشف الرابع: زعم "رسل" أن العلم - الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا- لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله، أو بخلود النفس. ولقد عرفنا أنه حصر "العلم" بالعلم التجريبي، المستمد من الكون المادي، وما تعطيه التجربة بشكل مباشر. وهذا يعني أنه يرفض الاستنباط والاستنتاج العقلي، مع أنه قد ناقض نفسه في هذا الموضوع بالذات، إذ قال: " إن تصورنا العلمي للكون لا تدعمه حواسنا التجريبية، بل هو عالم متسنبط كلياً". وإذ قال أيضاً: " إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه، يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل". وإذ قال أيضاً: " كلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد، فبعض الأشياء في العلوم

стр. 465

حقائق مشاهدة، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية، يتم استنباطها بناءً على المشاهدة". وزعم أيضاً أن الكون بدأ من السديم، ودار عبثاً في أحقاب مديدة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، وسوف يصطدم بعضه ببعض، ويعود بعد ذلك إلى مثل ما كان عليه أولاً. هنا نقول له كاشِفين زيوفَه: ترى هل فسح العلم لديه مجالاً لهذه المزاعم الخيالية، التي لا يقدم العلم شيئاً منها، بعد أن لم يفسح المجال للاعتقاد بوجود الله أو بخلود النفس بحسب زعمه؟!! إنه يقفل أسوار العلم، ويحصره في المعطيات التجريبية المباشرة، فيبعد عنه قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر، التي يستنبطها العقل استنباطاً، ويستنتجها استنتاجاً يقينياً، بعد مشاهدته ظواهر الطبيعة، وآيات الله في الكون، وبعد رجوعه إلى موازين الفكر الثابتة، التي تتفق عليها عقول الناس جميعاً. فيزعم أن العلم لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله، أو بخلود النفس. ثمّ يأتي في مقابل ذلك فيقدم مزاعم خيالية، دون استدلال علمي، ودون استنباط عقلي، ومن المعلوم أن العلوم التجريبية لم تثبت شيئاً من هذه المزاعم. ثمّ يأتي أيضاً في غير قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر، فيقرر أن التجريدات العلمية العليا التي يتم استنباطها بناءً على المشاهدة لا يجوز رفضها، وإلا فسوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل. إنه هنا في هذه القضايا استطاع أن يدرك أن العلم يفسح مجالاً للتجريدات العلمية العليا، ورأى أن الاعتقاد بها أمر ضروري. ما بالُه زعم أن العلم لا يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله، أو بخلود النفس، مع أن هاتين القضيتين هما من التجريدات العلمية العليا، التي لا

стр. 466

يقتصر استنباطها على فئة العلماء، بل يتوصل إلى إدراكها معظم الناس، بل كل الناس لو وجهوا أفكارهم للبحث عنها؟ هذا تناقض منطقي سقط فيه "رسل" وما أسقطه فيه إلا هواه الموجه ضد قضية الإيمان بالله واليوم الآخر. الكاشف الخامس: زعم "رسل" أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة، إذ لو كان الخلود هو المصير الذي ينتصر النفس بعد الموت، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟ ما أشد ضعف هذا الاستدلال لإبطال فكرة بقاء الروح بعد الموت، ولإبطال فكرة الحياة الآخرة والخلود فيها. إذا كانت ظروف هذه الحياة الدنيا تستدعي كون الجسد المادي هو الوعاء أو الثوب الذي تظهر به في الماديات حركة الروح، وتظهر به نشاطاتها. وإذا كانت خطة الخالق الحكيم القدير قضت ذلك. فهل يفيد ذلك أن الروح قد عجزت عن أن توجد مستقلة عن الجسد؟! إن هذا الفهم السطحي القاصر هو من لوازم الانغلاق في حدود بعض ظواهر المدركات الحسية، على أن التعمق القليل فيها يكشف أن معظم الماديات أوعية لطاقات هائلة، وهذه الطاقات ليس لها وجود مستقل في غير أوعيتها. يضاف إلى ذلك أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقاً بالانغلاق في حدود المادة. إن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير ممكن الوجود، فعدم الوجود فعلاً لا يدل على استحالة الوجود.

стр. 467

فما بالك بالحكم على الواقع بأنه غير موجود، وبأنه مستحيل، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جداً؟!. إن هذه المادّية السطحيّة ذات النظر القاصر، حتى من وجهة نظر العلميين المادّيين، فضلاً عن الذين يؤمنون بأن في الوجود الكبير حقائق كبرى، لا تستطيع الوسائل العلمية التجريبية أن تتوصل إلى إدراكها وإثباتها، وإنما ثبتها العقل بتأملاته الاستنباطية، القائمة على اللوازم المنطقية، والبراهين العقلية. أبهذا الاستدلال الواهن الواهي جداً يقرر الفيلسوف "رسل" إمام ملاحدة هذا العصر: أن فكرة خلود النفس فكرة بالغة البطلان والاستحالة؟! إنه لسخف عجيب، ومسلك من أمثاله غريب!! الكاشف السادس: حين سُئِل "رسل": هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ وأجاب بالنفي، ثمّ شرح جوابه بالمقولة التي سبق ذكرها لدى عرض آرائه. لم يقدّم غير الإنكار، وادّعاء أنه من الصعب اكتشاف مبرر عقلي لهذه الحياة بعد الموت، وادعاء بأنه ليس له مرتكز أو أساس علمي. وأكرر هنا ما كتبته في كتاب "صراع مع الملاحدة حتى العظم" فأقول: لا بدّ أن نضع كلام "رسل" تحت مناظير البحث العلمي، لنرى قيمته من الوجهة العلمية. ليس غريباً على "رسل" بعد أن اختار سبيل الإلحاد بالله، واعتبار الكون ظاهرة مادية بحتة، على خلاف ما قدّمته الأدلة البرهانية العقلية، والاستنباطية من الظاهرات الكونية، أن يصعب عليه - في الإطار المادي الصرف - اكتشاف المبرّر العقلي للحياة بعد الموت. وليس غريباً عليه بعد ذلك أن لا يجد لعقيدة الحياة بعد الموت، وعقيدة الدار الآخرة للحساب والجزاء، مرتكزاً علمياً يستند إليه.

стр. 468

إن من ينكر حياة كائن ما بغير دليل، يجد من الصعب عليه أن يكتشف المبرِّر العقلي لوجود إرادة لهذا الكائن، لأن إرادته فرع لتصور حياته، وبعد إنكار الأصل يكون إنكار الفرع شيئاً طبيعياً، ومذهباً سهلاً، لكن هذا الإنكار لا يعبّر عن الواقع بحالٍ من الأحوال. إن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء، في دار غير هذه الدار، قضية تعتمد على أصلين: الأصل الأول: الإيمان بالله الخالق وعلمه وقدرته وحكمته وعدله، فمن آمن بالله وبحكمته وعدله، وضحت له ضرورة الجزاء، بعد ظروف الامتحان في هذه الحياة الدنيا. الأصل الثاني: الإيمان بالوحي الرباني، وما جاء عنه من أخبار على لسان المرسلين. فمن آمن بالله وبرسله، كان لزاماً عليه أن يصدّق بالأخبار التي تأتي عنه على لسان رسله. ومنها الأخبار التي تبين وقائع المستقبل الذي قضاه الله بمقتضى حكمته، فهو آتٍ لا محالة كما قضى وكما أخبر. إن قضية الجزاء قضية عقلية لا محالة، وهي مستندة إلى القضية العقلية الأولى، وهي الإيمان بالله وكمال صفاته، ومنها حكمته التي لزم منها أن لا يكون الامتحان في هذه الدنيا عبثاً، فلا بد بعد الامتحان من حساب وجزاء، في حياة غير هذه الحياة. لكن الدار الآخرة وما فيها من جنة ونار قضية خبرية، تستند إلى ما اختاره الخالق، فوضعه في خطة الخلق، وجعل له زماناً يتم فيه تنفيذه. وهي ليست قضية عقلية بحتة، حتى نبحث في نطاق العقل عن دليل يدل عليها، دون الاستناد إلى خبر عن الله صاحب الخطة. لو أن عالماً من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان بري غريب رآه بعينيه، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له، ثمّ جاء سماك فقال:

стр. 469

لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم، فأنا لم أشاهد في البحر نظيره، لما كان كلامه أكثر سقوطاً من ناحية الاستدلال العلمي من كلام "برتراند رسل"، إذ أنكر وجود الحياة بعد الموت في ظروف غير ظروف هذه الحياة الدنيا، على الرغم من أن هذا الرجل فيلسوف وعالم واسع الاطلاع، إلا أن الهوى قد يحوّل العقل الفيلسوف الكبير، إلى عقل هذا السماك. وأضرب مثلاً آخر يشابه إنكار "رسل". لو أن شركة "مرسيدس" الألمانية، وضعت في خطتها أن تنتج سيارة بعد ربع قرن، ذات صفات معينة حددتها، ورسمتها، وقدمت فيها لعملائها بعض مصوراتها، وذكرت لهم قرارها في ذلك، وقدمت لهم عروض مبيعات رخيصة الثمن على طريقة السلف، أو السلم. ثمّ جاء حوذي عربة نقل تجرها البغال في الأدغال، فقال: لا أجد المبرر العقلي لإمكان وجود هذا النوع من السيارات التي قررت إنتاجها شركة "مرسديس" التي لا أعرفها ولا أؤمن بوجودها. ألا يوجد تطابق كبير بين حال هذا الحوذي في إنكاره، وحال "رسل" الفيلسوف الكبير؟. فاعجب للهوى كيف يسقط صاحبه!! لقد أراد "رسل" أن يخضع الدار الآخرة، والحياة الأخرى، للمقاييس التجريبية التي نخضع لها ظواهر هذا الكون المادّية، في ظروف الحياة الدنيا التي نعيش الآن فيها، مع أن الدار الآخرة، والحياة الأخرى، لا تخضعان منذ الآن لهذه المقاييس، وهما عنا وراء ستار الغيب الذي أخبر عنه خالقه وواضع خطته القدير العليم الحكيم. إن "رسل" بقياسه هذا يشبه من يزن الضغط الجوي بميزان البقال، أو يزن الكثافة بميزان الحرارة، أو يقيس الذكاء بمساحة الجمجمة، أو يزن بحور الشعر بالسانتمتر.

стр. 470

ما هو مبلغ إنكار أي فيلسوف من الصحة، إذا هو أنكر قراراً أصدرته دولة كبيرة قادرة، بأنها ستنشئ في برنامج خطتها لربع قرن، مدينة نموذجية بديعة جداً، ولا تسكن فيها إلا الصالحين من شعبها، وسجوناً لمعاقبة الجانحين والخارجين على قوانينها وأنظمتها؟! فإذا قال فيلسوف كبير: لا أجد مبرراً عقلياً أو علمياً يؤكد أن مَنْشَأَتين من هذا القبيل ستحدثان، أفيكون كلامه مقبولاً لدى العقلاء الذين علموا بقرار الدولة؟. كان الأحرى به أن يبني إنكاره لقضية الحياة بعد الموت، والدار الآخرة، على إنكاره لخالق الكون، وذلك لأنه بجحوده للأساس الأول لزمه أن يجحد كل ما يلزم عنه، وعندئذٍ تكون مناقشته من مواقع هذا الأساس، لا مما يتفرع عنه ويُبنى عليه. إن من يعتبر أن أساس الوجود مادة لا حياة فيها، ولا علم ولا إرادة ولا حكمة، لا بد أن يتصور أن الكون لا يمكن أن يهتم بآماله ورغباته وآلامه وسائر مشاعره، فيقول مقالة "رسل": "لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا، فليس لنا حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً فعواطفنا وآمالنا". لكننا إذا تعمّقنا في دراسة نفوس الملاحدة، الذين أنكروا وجود الله جحوداً، بعد النظر في الأدلة على وجوده، نجد أنهم هم الذين يريدون أن يكيّفوا الكون وفق رغباتهم وأهوائهم، وذلك لأن الإيمان بالدار الآخرة والحياة الآخرة، إنما هو إيمان بمحكمة العدل الرباني، وما تستتبع من جزاء، والرغبات الإنسانية لو تركت وشأنها لحلا لها أن تتخلص من قانون الجزاء لكي تنطلق في فجورها دون أن تقف في طريقها حدود أو ضوابط. فقضية الإنكار هي القضية التي تحاول إخضاع الواقع الكوني للأهواء والعواطف والرغبات والشهوات، لا قضية الإيمان باليوم الآخر. وقد كشف القرآن هذه الحقيقة من حقائق نفوس المنكرين، فقال الله

стр. 471

عزّ وجلّ في سورة (القيامة/٧٥ مصحف/٣١ نزول) : ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ بهذا التحليل تبين لنا أن الأمر على عكس ما ادّعاه "رسل" تماماً، إذ أن عقيدة الدار الآخرة عقيدة قائمة على مفهوم الجزاء والعدل، والإنسان ميال بأهوائه وشهواته إلى أن يصرف عن تصوره قانون العدل الرباني وما يتصل به، لينطلق في حياته فاجراً، دون أن تقف في طريقه تصوّرات قانون العدل. لكن الله غر مستعد لأن يغير من سننه وأحكامه ومقاديره القائمة على أسس من علمه وحكمته وعدله ورحمته وفضله، تلبيةً لرغبات الفاجرين. فما حاول أن يستند إليه "رسل" هو في الحقيقة دليل ضدّه، وليس دليلاً له، هذا إذا قبلنا بالمنهج الذي سلكه في الاستدلال. الكاشف السابع: ما صبّه "رسل" من شتائم ضد الدين , إذ زعم أن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب، كلام كذب على الدين. وذلك لأن الدين يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الأول: الهداية الفكرية للتي هي أقوم، وهي تشتمل على وسائل الإقناع، والتعليم، والتربية المختلفة، وإيجاد الحافز الذاتي للفعل حباً بالخير، وابتغاء مرضاة الله. الثاني: الترغيب بالثواب العظيم، لمن آمن واستقام، وبهذا الترغيب يمارس المؤمن الاستقامة وفعل الخير والأعمال الصالحة، مدفوعاً بحافز الأمل الكبير فيما أعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات، من أجر عظيم، وثواب جزيل، في جنة الخلد، دار النعيم المقيم الذي لا نهاية له. الثالث: الترهيب من العقاب بالعدل، الذي رتبه الله للذين كفروا ويعملون السيئات.

стр. 472

وقد أعتد الله لهذا العقاب بالعدل، داراً للجزاء الأكبر، بعد ظروف هذه الحياة الدنيا. وهذا الترهيب نفسُه مقرون بالترغيب في التوبة، والعفو، والغفران، وتكفير السيئات لمن تاب واستغفر، ما دامت ظروف الامتحان قائمة في هذه الحياة الدنيا. وباستطاعة أي إنسان أن يستدرك أمره، فيتوب من ذنبه، ويستغفر الدين، على خلاف ما زعم "رسل". أما وجود الجانب الترهيبي فهو ضرورة، لا تستقيم المجتمعات البشرية، ولا تتحقق، إلا به. فهل صحيح كما زعم "رسل" أن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب؟ وهل صحيح أن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم؟. الواقع أن أعظم قسط من الشر في العالم، هو ما يمارسه الملاحدة الماديون الذين لا دين لهم. ومها اقترب الإنسان من الاستمساك بالعقائد والشرائع الدينية الصحيحة خفت الشرور عنده. وأقل الناس في الدنيا شراً، وأكثرهم خيراً هم المؤمنون بالله واليوم الآخر، الملتزمون تعاليم الدين الحق، وهم يرجون ثواب الله ويخشون عقابه. وقد عرفنا في تاريخ البشرية أن المحرومين من فضائل الأخلاق هم الذين ينفرون من الدين، لأنه يفرض عليهم الأخذ بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وكلما اشتد في الإنسان الانهيار الخلقي ابتعد عن الدين

стр. 473

حتى دركة الإلحاد والكفر بالله واليوم الآخر. وبرهان ذلك الملاحدة الشيوعيون، من مستوى الفرد الشيوعي، حتى أكبر دولة شيوعية ملحدة، وكذلك سائر الماديين الملحدين. أما النضج العقلي الصحيح فمن ثمراته الإيمان بالحق، ولما كان الدين الصحيح هو مجمع عناصر الحق الكبرى، التي تكشف مبدأ الإنسان وواجبه ومصيره، كان نوابغ الدهر المتمتعون بالنضج العقلي الصحيح، قمة الآخذين بالدين، والمستمسكين بتعاليمه، والداعين إليه. وأما زعم "رسل": "أن المعايير الدينية تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث". فلست أدري عن أي معايير يتحدث، إنه لم يذكر لنا معياراً واحداً من معايير الدين التي يرى أنها تناهض جميع المعايير الإنسانية الخيرة، التي يجب - فيما يرى - أن تسود عالمنا الحديث؟!. إن من أسس معايير الدين التي نعلمها، وجوب إحقاق الحق وإبطال الباطل، ووجوب إقامة العدل في الأرض، ووجوب الدعوة إلى فعل الخير وترك الشر. ونجد من أسس معايير الدين تكريم الإنسان، ونشر الإحسان في الأرض، ونجد فضائل التعاون والتآخي والنظام وإتقان العمل، ونجد محاربة الفحشاء والمنكر والبغي، ومقاومة الرذائل، لأن من شأنها جلب الشرور للإنسانية. ونجد من أسس معايير الدين العمل على إسعاد البشرية ورفاهيتها، وإزالة العداوات والبغضاء التي تولّدها أنانيات أفراداها وجماعاتها، إلى غير ذلك من معايير لا تجد البشرية أكمل منها ولا أفضل ... فعن أي المعايير الدينية يتحدث، حتى نناقشه في ادّعائه بأنها تناهض جميع المعايير الإنسانية الخيرة؟!. أهكذا تُطلَق الشتائم دون أي دليل، ودون ذكر أي مثال واحد للمدعي؟

стр. 474

ومع ذلك فإن أحكام "رسل" تأتي أحكاماً تقريرية لها صفة الشمول والعموم. أهذا هو المنهج العلمي الرصين للفيلسوف الكبير؟!. واعجباً!! منطق الملحدينْ * * * منطقٌ مبتكر من عُواءِ الكلابْ * * * أو قرون البقرْ فاسخري يا عقولْ * * * واهزؤوا يا بَشَرْ الكاشف الثامن: زعم "رسل" أن حرية الاختيار في الإنسان تغنيه عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها، مدّعياً أن إرادته الحرة تدفعه إلى أن يقيم لنفسه مُثلاً عليا، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيّرة تسير على هدي المعرفة والمحبة الإنسانية. هذه الدعوى الباطلة التي قدّمها دون أي دليل، منقوضة ببرهان التحليل النفسي، وبرهان الواقع. أما التحليل النفسي فيثبت أن الإرادة الحرة في الإنسان قوة موجهة للسلوك الإنساني حقاً، إلا أنها تقع تحت تأثير باعثين داخل نفسه: فتقع تحت تأثير العقل الهادي إلى الخير أحياناً، وتقع تحت تأثير الأهواء والشهوات والنزعات النفسية المختلفة أحياناً أخرى، وعندئذ يضعف باعث العقل أو يُغشى عليه، فتفسد رؤيته. فو ترك الإنسان وشأنه دون ضوابط أو روادع أخلاقية تحدّ سلوكه في طرق الخير والفضيلة وكل ما هو نافع ومفيد، لكانت إرادته الحرة عرضة لمؤثرات أهوائه وشهواته وأنانياته ونزغاته الجاحنة إلى سُبل الشرّ، بنسبة أعظم بكثير من تأثرها بالمعرفة النافعة والمحبة الإنسانية. وما من إنسان إلا يعرف هذا من نفسه، ومن كل من عرف من الناس. وأما برهان الواقع فيقدمه واقع حال الظالمين والطغاة والبغاة

стр. 475

والمجرمين وكل العصاة في الأرض. وهؤلاء هم النسبة الأكثر في مجموعات الذين لا يخشون الله واليوم الآخر، ولا تحد من انطلاق إرادتهم الحرة ضوابط أخلاقية مقرونة برجاء ثواب، أو خوف عقاب. الكاشف التاسع: السلوك الأفضل الذي رآه "رسل" هو الإباحية الجنسية، وصور الزواج الجماعي. ولذلك اعتبر أن التشريعات الأخلاقية الجنسية إنما ترتكز على تصورات خرافية باطلة. إنه يدعو إلى هذه الإباحية الفوضوية، رغم ما فيها من شرور صحية واجتماعية، وانتكاس للمجتمع البشري، ومنافاة للشروط السليمة التي تضمن سعادة الجنس البشري واستقراره وطمأنينته، وسعادة الأسر والأنسال. على أننا نقول: إن من هان عليه أن يجحد الحقائق الكبرى، التي تتصل بمبدأ الإنسان وواجبه ومصيره، لا بد أن يجد الإباحية الجنسية أمراً سهلاً، فقد أبعد عن تصوّراته وظيفته في الحياة، وأنه عبد مخلوق ممتحن، وأن عليه إذا أراد أن يجتاز الامتحان بنجاح أن يؤمن بربّه أولاً، ثمّ يعبده ثانياً، فيطيعه ولا يعصيه، والطاعة تكون بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. ويلاحظ هنا أن المكر الشيطاني يعتمد على تزيين ما تستحليه النفوس، ودغدغة مواطن الشهوات، لإيقاظها وتهييجها، وتبرير انطلاقها الوقح الفاجر، وإغضاء النظر عن العواقب الوخيمة التي تنتج عن ذلك. الكاشف العاشر: اعترف "رسل" بأن السعادة هي المطلب الأسمى للإنسان في هذا الوجود. إلا أنه أراد أن يضلل قراءه، إذ حاول الإيهام بأن السبيل الوحيد للوصول إلى السعادة هو الانطلاق الفاجر الوقح إلى تلبية رغبات النفوس وأهوائها وشهواتها، دون اكتراث بعوامل الخوف من الجزاء. وجعل هذا الانطلاق الفاجر الوقح من فضائل الشجاعة والإقدام،

стр. 476

وزعم أن الإنسان يقهر بهذه الشجاعة وعوامل الخوف والإرهاب، اللذين دأبت الحياة والشرائع الأخلاقية على التلويح بهما في وجه الإنسان. ولكن ماذا سيحصل لو أن الإنسان خلع حياءه، ولم يبق لديه خوف من الجزاء، وانطلق في الحياة انطلاقاً فاجراً، تدفعه إليه أهواؤه وشهواته وأنانياته؟ إنه حتماً سيكون وحش مسعور، وبانطلاق الوحوش المسعورة من كل مكان يعم الظلم والطغيان، والفسق والفجور والعصيان، ويكثر القتل، وتنهار أبنية الحضارة. أليس هذا هو حال المجرمين في الأرض وقطاع الطرق؟ نعم: هذه هي النتيجة التي يريدها هذا الفيلسوف وأمثاله، ومنظمات التدمير البشري التي دفعته لإطلاق قنابل التدمير الإلحادية، والإباحية غير الأخلاقية. الكاشف الحادي عشر: من الخرافات التي تلبس ثوب العلم، خرافة دراسة الإنسان ذي العقل والإرادة الحرة، ذات الاختيارات المتناقضة في الأفراد، وفي الفرد الواحد بأزمان مختلفة، كدراسة الأشياء غير ذات الإرادات الحرة، والمسيرة بطبائعها الجبرية. وعلى هذه الخرافة قامت أبنية الفكر الإلحادي، والفكر المادي بوجه عام. واعتماد عليها قال "رسل": "إن تحقيق السعادة على وجهها الأكمل للإنسان لا تتم إلا بدراسة الطبيعة، حتى في صورته الإنسانية دراسة علمية". أي: كما تدرس في المعامل الأشياء في الطبيعة، كسلوك الذرة،

стр. 477

وسلوك الخلية، وكما يدرس النبات، وتدرس الحشرات، والأسماك والضفادع، وغير ذلك من الكائنات في الطبيعة. هذا التوجيه الخرافي يدعو إلى إطلاق السلوك الإنساني دون أي ضابط، ثمّ إلى دراسته كما هو في الواقع، واعتبار هذا الواقع هو الصورة الكاملة الصحيحة لسلوك الناس، وبه تتحقق سعادة الإنسان، أي: ولو استشرت قوة الأقوياء، وأهلكت معظم البشرية، وظلمتهم وعذبتهم واستعبدتهم. الكاشف الثاني عشر: كلام "رسل" عن تطور الكون من السديم الذي دار عبثاً، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن من إتقان عجيب عن طريق المصادفة، وأنه سيعود إلى ما كان عليه عند انطلاقته الأولى، وأنه لا أمل لكائن بعد ذلك بشيء، كلام خيالي صرف، وهو لا يعبّر بحال من الأحوال عن أية حقيقة علمية. إنه محض تخيل يجري نظيره في خيال أي كاتب لقصة خرافية. إن مدعي الالتزام بالمناهج العلمية يزعمون أن العلم هو ما تقدمه التجربة، ويخضع للاختبار المعملي، حتى إن "رسل" قد حصر العلم - كما سبق بيانه - في العلوم الطبيعية وحدها، فما باله هنا يتجاوز حدود العلوم الطبيعية والمعارف العقلية إلى الخيال المحض، ثمّ يجعل من هذا الخيال حقيقة علمية. وما بال الملاحدة يعتبرون مثل هذه القصة الخيالية التي تتحدّث عن الكون من الأزل إلى الأبد، هي النظرة العلمية، مع أن موضوعها لا يمكن إخضاعه لا للتجربة، ولا للملاحظة، ولا للاستنتاج العقلي. إنهم يجعلون الاستنتاج العقلي المنطقي خارج قوس النظرة العلمية، لأن الاستنتاج العقلي المنطقي مهما كان دليله برهانياً، ليس ثمرة التجربة الحسية. فلماذا إذن يجعلون الأوهام الخيالية الخرافية داخل قوس النظرة العلمية، وهي غير ذات قيمة مطلقاً، لا عند العقل ولا عند الحس، إنه

стр. 478

الهوى والتَعَصُّب الأعمى ضدّ قضيّة الإيمان بالله الخالق؟ ما أبعد المناهج العلمية عن القصص التقريرية الخيالية، التي تستنتجها أخيلة الكتاب والأدباء والشعراء، أو أخيلة واضعي الآراء والمذاهب الباطلة، لأغراض معينة!! أين الأمانة الفكرية والأمانة العلمية التي يزعمونها؟!. أهذا هو المنهج العلمي السليم لديهم؟!. لا بد أن يكتسحهم الحق كما اكتسح الذين من قبلهم من أهل الضلال في تاريخ البشرية، ولا بد أن يقذفهم كما يقذف السيل الزبد. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ... *﴾ . ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ . * * *

стр. 479

الفصل الثالث أسُسُ الفِكْر المادّي الإلحَادي (١) مقدمة مَثَلُ المادّيين والملحدين عامّة وما ارْتَدَوه من مصطلحات لفظية أسماءً لمذاهبهم التي افترقت عناوينها انسجاماً مع حدود المواقع التي وقفت عندها من المادة، كمثل مجموعة من التائهين في الفيافي، وصلوا إلى مدينة عظيمة ذات سور محيط بها، ولهذا السور أبواب. وتفرّق هؤلاء حول سور المدينة، ولم يرد أحدٌ منهم أن يدخل باباً من أبوابها، ليشاهد داخل المدينة، بل وقف عند حدود منزله الذي نزله حول السور. واتفق الجميع على أن المدينة هي ما يشاهدون من سورها الخارجي فقط، وأنه ليس داخل السور شيء مطلقاً، أو ليس داخل السور شيء ذو قيمة، وكل ما يُدَّعَى داخل السور إنما هو من صناعة الأوهام. ولم يسمح واحد من هؤلاء لنفسه بأن ينظر في منظار كاشف لبعض ما في باطن السور، أو أن يرتقي سُلَّماً أو شجرةً أو برجاً ليرى شيئاً مما هو في باطن السور، ولا أن ينظر في ثقب في السور ينفذ إلى الداخل، فيطّلع على أي شيءٍ موجود فيه. فالذين وقفوا عند حقل القرنفل الكائن ظاهر الجانب الغربي من

стр. 480

السور، وأخذوا يفسرون المدينة من خلال دراسة الموقع الذي هم فيه أسموا أنفسهم "القرنفلية". والذين وقفوا عند حقل الشعير الكائن ظاهر الجانب الشرقي من السور، وأخذوا يفسرون المدينة من خلال دراسة الموقع الذي هم فيه أسموا أنفسهم "الشعيرية". والذين وقفوا عند بركة الطحالب الكائنة ظاهر الجانب الشمالي للسور، وأخذوا يفسرون المدينة من خلال الموقع الذي هم فيه، أسموا أنفسهم "الطحالبية". والذين وقفوا عند شجرات الزيزفون الكائنة ظاهر الجانب الجنوبي للسور، وأخذوا يفسرون المدينة من خلال الموقع الذي هم فيه، أسموا أنفسهم "الزيزفونية". وكلُّ من اتخذ موقعاً له صفة متميزة جعل لنفسه اسماً مشتقاً من هذه الصفة. مع أنهم جميعاً مشتركون في مذهب واحد هو رفض الدخول إلى المدينة، ورفض البحث عن حقيقتها من داخلها، وإنكار ما رفضوا البحث عنه، ومشتركون جميعاً في الإصرار على الوقوف عند السور الخارجي، ولكن منهم من صغر موقعه، ومنهم من وسعه، ومنهم من جعله لمحيط السور كله. كذلك المادية والماديون، والإلحاد والملحدون بوجه عام، وما اتخذوه لأنفسهم من أسماء ومصطلحات ومذاهب فلسفية. (٢) نظرة حول بعض الأسماء والمصطلحات التي اتخذها الماديون استخدم الماديون والملحدون بشكل عام مصطلحات مختلفة، واصطنعوا منها أسماءً لمذاهبهم، وافترقوا بها إلى عدة مذاهب فلسفية.

стр. 481

وتحت هذه المصطلحات اللفظية والأسماء المختلفة اشتغل كلُّ فريق منهم بتبرير جانب من جوانب المادة أوقف فِكْرَهُ عنده، وأخذ يدور في فلسفته السوفسطائية حوله، ويجر وراء المصطلح اللفظي الرئيسي حشداً آخر من المصطلحات اللفظية الفرعية، ليتكامل بها هيكل المذهب المصطنع، وليغوص قُرَاؤه في دوّامة المصطلحات، ويتيهوا في أقبيتها المظلمة، وسراديبها التي لا يرى السائر فيها أي بصيص من نور. وبعد الرحلة الطويلة في ظلمات هذه المصطلحات يخرج الخارجون منها على أقسام: ١- قسم حسن الذاكرة منطمس البصيرة، يخرج وفي ذاكرته ألفاظ ومصطلحات كما هي، فهو يرددها في المجتمعات العلمية، والمؤسسات التعليمية، ترديداً ببغاوياً كما حفظها، ويظنُّ أنّه يحمل علماً جماً. ٢- وقسم أنهكت فكره الظلمات والمتاهات، فخرج وقد أضاع عمره، وبدد جهده، وخسر ميزانه الفكري الذي فطره الله عليه، ولم يستفد من رحلته الفلسفية شيئاً ذا قيمة حقيقية، ولم يصب فهماً سليما مستقيماً، لأي شيء أجهد فيه فكره خلال رحلته الفلسفية الطويلة. أما الرّجّةُ الفكرية المزلزلة لثوابت الفكر وموازينه الفطرية في هذه الرحلة، فقد أوصلته إلى الهدف المقصود منها، وهو الكفر بكل القيم الحقيقية، من دين، وخلق، وحقائق فكرية ثابتة، ولكن في ثوب فيلسوف، أو عالم، أو حامل شهادة علمية عليا "وهذا في عصرنا عصر الفتنة بالألقاب العلمية". ٣- وقسم قليل جداً يخرج محافظاً على فطرته الفكرية، وملكاته المكتسبة النافعة، ذات الموازين الصحيحة، كاشفاً لأنواع وصور الزيف التي انطوت عليها هذه المذاهب. لقد دخل حينما دخل وفي يده مصباح نقدي كشاف، وظل محافظاً عليه، غير متأثر بالأشباح التي تصطنعها الأوهام النفسية للسائرين في

стр. 482

الظلمات، وخرج حينما خرج وفي يده مدونة ضخمة سجل فيها حشد الأكاذيب والمغالطات والتخريفات الذي يرتدي ثوب العلم والبحث العلمي زوراً وبهتاناً وتضليلاً للناس. صور من أسمائهم ومصطلحاتهم أ- تشبث فريق بادعاء أن الوجود كله منحصر في الوجود المادي، وأنه ليس وراء هذا الوجود المادي وما ظهر فيه من نبات وحياة ووعي حتى الوعي الإنساني الرفيع، وجودٌ آخر لموجودٍ ذي قوة وهيمنةٍ وسلطان وعلم وحكمة وقهر فوق الخلائق. وقد ارتدى هؤلاء الاسم العام للمادية، فأطلق عليهم أنهم "ماديون". وأخذ فريق من هؤلاء يعللون تغيرات المادة بأنها تغيرات تحصل بأسباب ذاتية ترجع إلى طبيعة المادة، فأطلق عليهم أنهم "طبيعيون". وأخذ فريق آخر يعللون تغيرات المادة بالآلية في حركة ذرات المادة، فأطلق عليهم أنهم أصحاب المذهب "الآلي". وادعى فريق آخر أن المادة ترجع في أصلها إلى ذرات صغيرة جداً متجانسة متماثلة، وأن التغيرات فيها ترجع إلى شكل التأليف والتركيب بينها، فأطلق عليهم أنهم أصحاب المذهب "الذري". ب- وأوقف فريق من الماديين أنفسهم عند حدود ما يُحسُّون به فقط، وأرادوا أن يصرفوا أذهانهم وتصوّراتهم عن غيره، فأُطلقَ عليهم أنهم "حِسّيون". ويردّد فريق من هؤلاء كلمة الواقع المدرك بالحسّ أو الواقع المدرك، أو الواقع الملموس، وأشباه هذه العبارات، فأطلق عليهم أنهم "واقعيون". وتشبثوا بمصطلح "الواقعية" واصطنعوا من وراء ذلك أفكاراً ومصطلحا أخرى، وتبريرات لما أسموه بمذهب "الواقعية". وبعض هؤلاء ارتدى اسم "الوضعية".

стр. 483

جـ- وأراد فريق إلغاء خطط الفكر السابقة لظهور الأحداث، ليوقف الأفكار عن الانتقال من الظواهر الكونية المتقنة، إلى الإيمان بالرب الخالق، فزعم أن الأشياء توجد أولاً، ثمّ تصنع الأفكار ماهياتها بأحكام ذاتية غير موضوعية، وارتدى لذلك مصطلح "الوجودية" واصطنع وراء ذك جملة أفكار ومصطلحات أخرى، وأطلق على هذا المذهب اسم "المذهب الوجودي"، وأطلق على أنصاره أنهم "وجوديون". إلى غير ذلك مما يعثر به قارئ كتب الفلسفة من أسماء، ومصطلحات، وتتنوع المصطلحات بحسب حدود المواقف الفكرية من جهة، وبحسب وجهة النظر التي ضلّ بها أصحابها أو أرادوا التضليل بها، وتثبيت أفكار متّبعيهم ضمن دائرتها. (٣) مزاعم المادية في أفكارها الرئيسيّة باستطاعتنا أن نلخص الفكر المادي بالمزاعم التاليات التي زعمها الماديون، وحاولوا أن يقرروها، ويصطنعوا لها فلسفات، ويؤيدوها بما يستطيعون من سفسطات ومغالطات وتمويهات وإيهامات وتشكيكات بآراء المخالفين. أولاً: تزعم المادية أن الوجود كله منحصرٌ في الكون المادي الخاضع للإدراك الحسي، ولو عن طريق الوسائل المادية المكبرة للدقائق الصغيرة. أو عن طريق ما يتوصل إليه الاستنتاج الفكري من أصل للمادّة، أو قوانين لها، ويلجؤون إلى قبول ذلك اضطراراً حينما تلزمهم الأدلة العلميةُ به. وحينما يقرر علماء البحث الكوني أن المادة طاقة تشكلت بوضع خاصّ فصارت مادة، فإن الملاحدة الماديين يقولون: وماذا في الأمر؟ ، إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة. هكذا قال "لينين". ثانياً: وتزعم المادية أن المادة الأولى للكون مادةٌ عديمة الحياة،

стр. 484

عديمة الإدراك، عديمة الفكر، عديمة الإحساس، وأنها بالتطور الذاتي ارتقت صفاتها حتى وصل الكون إلى ما هو عليه الآن. ثالثاً: وتزعم المادية أن المادة الأولى للكون الأزلية، فهي إذن أبدية، وحين تدمغهم أدلة حدوث الكون يقولون: لا نعرف كيف وجد الكون، كما لا يعرف المؤمنون بالله كيف وُجد الخالق، ويقيسون هنا قياساً فاسداً، إذ يقيسون الأزلي الذي لا بُدَّ من وجوده عقلاً، ووجوده هو الأصل، على الحادث المسبوق بالعدم، والذي لا يصح وجوده عقلاً ما لم يوجده الأزلي. ويقول الماديون، لا توجد علة للكون، والطبيعة بنظامها التام خرجت من العماء الصرف، أي: من العدم الكلي، ويلتزمون بهذا الادعاء قبول المستحيل العقلي البدهي الاستحالة. فإذا سألت الماديين: كيف يُنتج العماء الصرف أو العدم الكلي شيئاً موجوداً له صفات وخصائص وأوزان وحجوم وطاقاتٌ وقوى؟. قالوا: لا ندري، لكن الأمر هكذا. وإذا سألتهم: كيف يُنتج العماء الصرف أو العدم الكلي نظاماً بديعاً؟ . وكيف يظهر القصد الحكيم من غير ذي إرادة وعلم وحكمة؟. وكيف تتفجر الحياة من غير ذي حياة؟ . قالوا: لا ندري، لكن الأمر هكذا. وقالوا: هو النشوء والارتقاء. وقالوا: هي طبيعة المادة متى تشكلت بوضع خاص. وقالوا: هي المصادفة. وكذبوا في كل ذلك، والواقع يرفضه، ومنطق العقل يرفضه. رابعاً: وتزعم المادية أن الإحساس في الحياة إلى درجة وعي الذات ووعي ما يجري حولها من الكون، حتى مستوى الفكر العالي في الإنسان، إنما كان نتيجة تطور المادة تطوراً ذاتياً ارتقائيا ًوبناءً؛ على هذا تزعم المادية أن الأفكار إنما هي انعكاس حركة المادة على الدماغ، وأن المعرفة صورة يصطنعها الدماغ بإحداث الروابط بين الصور التي تنعكس عليه من المادة.

стр. 485

خامساً: وتزعم المادية أن الحياة ظهرت في الكون المادية نتيجة المصادفة، دون خطة سابقة من عليم حكيم، ودون قضاء وقدر من مريد ومختار، ودون قدرة خالقة من خالقٍ قدير. وتزعم أن الحياة ثمرة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية المستمرة، فهي أثر تركيب خاص معقد للمادة. وما زالوا يصرون على هذا الزعم، مع أن القرار العلمي الأخير الذي اتفق عليه العلماء الشرقيون، والغربيون الماديون ينص على أن العلم عاجز عن إيجاد أدنى صورة من صور الحياة، بتخليقها من المادة التي لا حياة فيها. وقد أنفق الاتحاد السوفييتي خلال ستين عاماً من الشيوعية، ستين ملياراً على مخابر علوم الحياة، ليثبتوا ادعاء العقيدة الماركسية بأن الحياة ما هي إلا تفاعل كيماوي، فباؤوا بالخيبة. وصدر قرارهم العلمي في سنة (١٩٦٩م) الذي قُدِّم إلى القيادة السوفيتية، وقد تضمن ما يلي: " ليس للعلم قدرة على أن يثبت أن الحياة نتيجة تفاعل كيماوي.. ولا نستطيع أن نوجد الحياة في الأشياء الحية من إنسان وحيوان ونبات إلا بالخلايا التي لا نستطيع أن نوجدها.." وابتهج بهذا القرار السوفييتي علماء مخابر علوم الحياة في أمريكا، فدعوا العلماء السوفييت إلى أمريكا وعقد الفريقان اجتماعاً نتج عنه إصدار بيان مشترك جاء فيه: "العلم عاجز عن إيجاد الحياة، وعاجز عن أن يعرف إلا بعض مظاهر المادة". سادساً: وتزعم المادية أنه لا وجود لشيء اسمه الروح على اعتبار أن هذه الروح مباينة في طبيعتها للمادة. وتزعم أن المادة حينما تكون في تركيب معين تكون الحياة من معطياتها، وكلما ارتقى هذا التركيب ارتقت معطيات

стр. 486

الحياة من المشاعر النفسية والإرادة واللذة والألم والأفكار. سابعاً: وتزعم المادية أن الإنسان هو الذي اخترع بتخيله فكرة الرب الخالق القدير المهيمن العليم الحكيم العدل المعين عند الملمات، المجازي على الحسنة وعلى السيئة. الواقع أنه لا وجود لهذا الرب الخالق. هذه هي خلاصة أصول مزاعم المادية، وهي جميعها دعاوى تقريرية لا دليل عليها مطلقاً. وتتفرع عن هذه المزاعم الأصول مزاعم فرعية كثيرة، تتساقط من تلقاء نفسها متى ظهر تساقط هذه المزاعم الأصول. تلخيص موقف الماديين ويتلخص موقف الماديين بأنهم يقولون: إن أصل الوجود كله مادة لها طاقة، أو طاقة تشكلت مادة. وهذه المادة عديمة الوعي والإرادة والتدبير، وليس وراءها عقلٌ يدبرها، ولا إرادة تهيمن عليها وتسيرها، ولا قصد يوجه مسيرتها، ولا علم يحيط بكل ذرة من ذراتها، وكل حركة من حركاتها، وليس لها علة من قبل عليم حكيم مريد قد أبدعها، ونظم حركتها، ووضع قوانينها. ويحاول الماديون إقناع أنفسهم ومن يستجيب لهم، بأن اكتشاف العلماء لحلقات الاتصال بين ظاهرات الطبيعة كافٍ لحل كل تساؤلٍ حول مصدر المادة، وحول سر نظام عملها وإتقان صنعها، وزعموا أن هذا يغنيهم عن إثبات حاجة المادة إلى قوة غيبية عليمة حكيمة مريدة مختارة. لقد تعلق الماديون بذيول المادة، واندفعوا وراء الوهم الخادع الذي سيطر على مشاعرهم، وعلقوا أنفسهم بسرابها، وصبروا على ظمأ أفكارهم وقلوبهم الشديد الذي لم يُرْوِهِ سراب المادة، وتظاهروا كذباً وزوراً وتزييفاً لحقيقة ما في نفوسهم بأن أسئلتهم قد انتهت عند حدود معرفة الروابط بين

стр. 487

الظاهرات السببية، التي هي في حقيقتها أسباب ظاهرية وليست عللاً حقيقية. إن الروابط بين الظاهرات عاجزة عن تفسير الكون، والقوانين نفسها التي توصل إليها العلماء تحتاج إلى تفسير ما دامت لا تنتهي إلى الإرادة العليمة الحكيمة القادرة. إنهم اتجهوا هذا الاتجاه الناقص الباطل عقلياً وعلمياً، ليفروا من الاعتراف بالحقيقة الكبرى، وهي وجود الله ، وذلك لئلا يلتزموا تبعات هذا الاعتراف. (٤) نظرة عامة حول حجج الماديين وجدلياتهم أ- مقدمة ١- لا يقدم الماديون لأي دعوى من المزاعم التي زعموها أي دليلٍ عقلي أو عملي، غير محاولات الطعن بأدلة مخالفيهم في مذهبهم المقتصر على إثبات الوجود المادي وإنكار ما سواه، وإنكار الرب الخالق على أي تصور من تصورات المثبتين له، أصابوا في تصورهم أو أخطؤوا. ٢- كل ما يقدمه الماديون لإثبات أفكارهم لا يخرج عن ادعاءات لا دليل عليها، لا من البديهة، ولا من النظر العقلي، ولا من وسائل العلوم الطبيعية الكونية. إنها قضايا تقريرية يحكمون بها من عند أنفسهم، دون أن يشهد لهم دليل صحيح بشيء منها، وظواهر الكون وقوانين الطبيعة التي توصلت إليها العلوم التجريبية، لا تسمح لهم مطلقاً بأن يفسروا الكون بأي زعم من المزاعم التي قدموها في تقريراتهم. ومع ذلك يزعمون لأنفسهم العلمية، ويحتكرونها لمناهجهم على سبيل الادعاء الكاذب، ويدّعون أنهم يتقيدون بالإثباتات العلمية القائمة

стр. 488

على التجربة والملاحظة والمشاهدة الحسية. ٣- سبيل الماديين لتأييد أفكارهم وإدْحاض أفكار مخالفيهم - على طول خط مناظراتهم - يتلخص بالأكاذيب، وصناعة المغالطات، وترديد الدعاوى، والثرثرة بالأقوال المزخرفة، وادعاء العلمية، ومواجهة المخالفين بالنقد اللاذع، وبالهزء والسخرية، وبالشتائم، والاتهام بالرجعية والجمود والتخلف العلمي والفكري، ونحو هذه المسالك القذرة. ٤- الفلسفة الجادة، والعقول العلمية عند كل المنصفين، تدين الماديين بالسطحية، والتخلف العلمي، والمكابرة، والتعصب، والتقليد الأعمى، واتباع الهوى، والرغبة بإطلاق البهمية المفترسة المدمرة في الإنسان. ب- اضطراب الماديين في تفسيراتهم واضطرب الماديون في تفسيراتهم لتعليل الوجود المادي وما فيه من تغيرات وحدوثات. وكلما اكتشف العلم حلقة سببية من حلقات أسباب الظواهر الطبيعية في الكون، قال الماديون: انتصرت المادية، وتأكدت صحة المذهب المادي، ثم يخيب أملهم حين يعجزون عن تفسير هذا السبب وإدراك ماهيته. أمثلة من أقوالهم المضطربة ١- قال الفلكيون منهم: يكفينا قانون الجاذبية في تعليل الكون. مع أن قانون الجاذبية نفسه غيبيٌ غير مشهود الذات، وهو نفسه يحتاج إلى تعليل، وليس هو القانون الأول الذي يمكن أن تعلل به كل الظاهرات. ٢- وقال الطبيعيون منهم: يكفينا قانون المادة والقوة عن الاعتقاد بقوة غيبية كبرى تدبر العالم، وتهيمن عليه، وترجع إليها كل تصاريفه. ٣- وقال الكيميائيون منهم: تكفينا خصائص الذرة وصفاتها، وألفة

стр. 489

العناصر، في معرفة نسبة التكوين المادي. ٤- وقال الميكانيكيون منهم: تكفينا سنن القوة والطاقة، لمعرفة حقيقة القوى المنبثة في الطبيعة. ٥- وحين كشف "غاليليو" من ظواهر الكون دوران الأرض حول الشمس، قال الماديون: انتصرت المادية. وماذا في هذا الكشف غير الوصول إلى معرفة ظاهرة من الظواهر التي لا حصر لها في هذا الكون؟ ّ ٦- وحين كشف الفلكيون بوسائلهم حركة الأجرام السماوية، وضبطوا ما توصلوا إليه منها، قال الماديون: انتصرت المادية. وماذا في هذا الكشف إلا التوسع في معرفة الظواهر التي تحتاج هي أيضاً إلى تفسير وتعليل؟! ٧- وحين علل "تشارلس داروين" في كتابه "أصل الأنواع" ظاهرة وجود الكائنات الحية، واختلاف أنواعها بفكرة النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي، قال الماديون: انتصرت المادية. مع أن هذه الفكرة لم تثبت علمياً ولا سبيل إلى إثباتها، ولو أنها ثبتت فعلاً فهي نفسها تحتاج إلى تفسير وتعليل من سبب غيرها يستند إلى إرادة وعلم وحكمة. ٨- وحين قدّم "آينشتاين" آراءه في النظرية النسبية، قال الماديون: انتصرت المادية. مع أن النظرية النسبية لا تعلل وجود الكون، ولا اختلاف ظاهراته، إنما هي فقرة من فقرات نظام الكون المحكم.

стр. 490

تعليق على أقوال الماديين يقول الماديون مقالاتهم بأفواههم لا بعقولهم وقلوبهم، إذ لا يوجد في أي مكتشف علمي صحيح أي دليل ينصر الفكر المادي المناقض لقضية الإيمان بالله الخالق المهيمن. فلا دوران الأرض حول الشمس يعلل الكون وجوداً وتطوراً ونظاماً. ولا أفكار النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي لو صحت تعلل وجود الكون وتطوره ونظامه، إذ هي أيضاً بحاجة إلى تفسير وتعليل. ولا النظرية النسبي، ولا علوم الذرة والطاقة، ولا سائر القوانين المكتشفة تصلح لتعليل وجود الكون، وتطوره، ونظامه، وإتقان صنعته، وظاهرة الحكمة المدركة من خلال كل شيءٍ فيه. إنه لا يشفي العقول والصدور في تعليل هذا الكون إلا الإيمان بموجود أكبر أزلي أبدي، قدير عليم حكيم، يفعل ما يشاء ويختار، له كل صفات الكمال، وهو منزه عن كل صفات النقصان. ويحاول الماديون الإقناع بصحة مذهبهم المادي، معتمدين في هذا الإقناع على أن اكتشاف النزر اليسير الذي اكتشف من السنن الكونية الجزئية التي يفسر الطبيعيون بها بعض الظاهرات الكونية، كافٍ في تعليل الكون كله، وفي تعليل ظاهرة الوجود الحادث كلها. ويبين الربانيون أن الكون لا يمكن تعليله ببضع سنن اكتشفت من سننه، وهي أنفسها بحاجة إلى تعليل، ولا يزال العلم الإنساني بها ناقصاً وغامضاً، وغير كاشف لماهيات الأسباب والعلل، وما دامت الأسباب والعلل سنناً وقوانين لا تملك علماً ولا حكمة ولا إرادة ولا اختياراً، فإنها لن تكون كافية لتعليل تصاريف الكون المتقن المحكم الذي يتجلى فيه القصد، وتظهر فيه العناية. إن التعليل مثلاً بالجاذبية، أو النشوء والارتقاء لو ثبت، أو بغير ذلك

стр. 491

من أسباب وقوانين، لا يكفي في بيان السبب الحقيقي النهائي المقنع لتساؤلات الفكر. إن التعليل بهذه الأسباب يشبه تعليل انعقاد الأجنة في الأرحام بالاتصال الجنسي بين الذكر والأنثى، وتعليل النبات بزرع الحب في الأرض، وسقيه بالماء، وإمداده بالشروط اللازمة لظهور النبات ونمائه. إن هذه الأسباب أسبابٌ وضعت في نظام الخلق للعملية الحقيقية ... وبها ستر الخالق أفعاله في خلقه، ليمتحن أولي الأفكار بالإيمان به، وهو غيب عن حواسهم، ولا تصلح هذه الأسباب لأن تكون أسباباً حقيقية تعمل من ذواتها. إن السبب الحقيقي شيء آخر غير هذه الأسباب الوسيطة حتماً، إن هذه الأسباب لا تشتمل على مقتضيات عقلية تستلزم مسبباتها، فلا بد من الانتقال منها إلى السبب الحقيقي، وهذا الانتقال يوصل حتماً إلى إثبات قضية الخلق الرباني، وبذلك تطمئن فطر العقول والقلوب والنفوس، إذ به تنتهي إلى الجواب المقنع المسكت القاطع لأي تساؤلٍ منطقي مقبول. إن جاذبية "نيوتن" وكيمياء "لافوازيه" ونظام "لا بلاس" ونسبية "آينشتاين" وأشباهها، إنما تكشف عن أنظمةٍ وأسباب وسيطة، وضعها خالق الكون، وجعل تصاريف خلقه ضمنها، وهي بذواتها لا تصلح لتعليل وجود الكون، وتطوره، وما يجري فيه من تصاريف تعليلاً حقيقياً مقنعاً وشافياً، ولا تصلح لتفسير استمرار نظامه الدقيق، وثبات قوانينه، وما يبدو في كل جزء من أجزائه من حكمة مقصودة. * * *

стр. 492

الفصل الرابع كشفُ زيُوف أفْكار المادّيّين وَجَدَليَّتِهِم اقتصرت في هذا الفصل على ستة كواشف رأيتها رئيسية وكافية لإسقاط أفكار الماديين الألحادية، وإسقاط جدلياتهم ومقولاتهم، وللباحث المتتبع أن يضيف إليها ما يراه من كواشف أخرى. وفيما يلي بيانها (١) الكاشف الأول حول الأسباب الصورية أو الوسطية والسبب الحقيقي أهم أدلة الماديين محاولاتهم الرامية إلى تعليل الظواهر الكونية بالأسباب الكونية التي يكتشفونها علمياً، أو يستنتجونها استنتاجاً عقلياً، ويسمونها قوانين طبيعية، مع أن هذه الأسباب أو ما يسمونه بالقوانين الطبيعية تحتاج هي أنفسها إلى تعليل، إذْ ليس من صفاتها الذاتية صفة الأزلية، ولا صفة العلم والإرادة والاختيار الحكيم. ولبيان مدى ضعف الأسباب المادية عن تعليل حوادث الكون، وعدم صلاحيتها لتعليلٍ حقيقيٍ مقنع، أقدم الشرح التحليلي التالي: إن قوانين السببية المادية تعلل حدوث الظواهر الكونية بوصفها أسباباً

стр. 493

صورية أو وسيطة، تم بموجبها تنظيم تغيرات الكون وأحداثه، لا بوصفها أسباباً حقيقية. لذلك كانت البديهة العقلية الفطرية تتطلب باستمرار متابعة حلقات سلسلة الأسباب المادية، حتى تنتهي إلى السبب الحقيقي الفعال، وهو لا بد أن يكون سبباً ذا إرادة وقدرة، ثم إذا كان العمل حكيماً، فلا بد أن يكون سبباً ذا إرادة وقدرة وعلم وحكمة، وهذه من لوازم صفة الحياة. ومتى وصل الفكر بطريقة منطقية سليمة إلى مُسبّب ذي حياةٍ وإرادة وقدرة وعلم وحكمة، وصل إلى القناعة الكافية بأن هذا المسبب يصلح لأن يكون هو المسبب الحقيقي، الذي يتوقف الفكر عنده عن متابعة السؤال عن السبب الحقيقي. أما الحلقات السببية التي قامت بينه وبين الظاهرة التي حدثت، فهي جميعها من قبيل الوسائل أو الأسباب الصورية أو الوسطية، ولا تصلح لأن تكون هي السبب الحقيقي الذي يورث القناعة، ولا تُنهي تساؤلات الفكر، ولا تُروي ظمأه إلى معرفة السبب الحقيقي. قد يعض الكلب الحجر الذي رآه يتجه نحوه ليصيبه، أما الإنسان المفكر فإنه يبحث عن الذي رمى الحجر نحوه بقصد، فإذا عرفه واستبان أنه قد قصد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتقم منه دفاعاً عن نفسه، ولم يفكر بالانتقام من الحجر مطلقاً. وهنا نقول: إن الماديين الذين يقفون عند الأسباب المادية للظواهر الكونية التي يتجلى فيها القصد، ولا يبحثون عن السبب الحقيقي، مع أن هذه الأسباب تحتاج هي أنفسها إلى أسباب تفسر ظاهراتها وتعلل حدوثها، إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعض الحجر الذي قُذف عليه.

стр. 494

وحين يرى العالم الباحث عظاماً قديمة في مكانٍ ما من الأرض، يعزو وجودها إلى سبب، هو كونها عظام حيوان كان حياً يوماً ما، وحين تجتمع لديه مجموعة عظام يمكن أن يتألف منها هيكل عظمي لحيوان ذي صفات خاصة، فإنه يفكر في تأليفها وتجميعها، حتى يستخرج الهيكل العظمي الكامل لذلك الحيوان. ثم إذا رأى ظاهرة تدل على أن الحيوان تعرض لكسرٍ في جسمه، بسبب أثر سهم أو صدمة أو عضة حيوان مفترس، فإنه يفكر في البحث عن سبب موته. ثم يتساءل أيضاً عن سبب وجود هذه العظام في المكان الذي وجدها فيه، وهكذا يتسلل مع الأسباب حتى يكتشف جملة معارف، وحتى ينتهي إلى موقف تنقطع عنده أسئلته. وهذا الموقف: إما أن يكون أمراً لا يحتاج إلى تفسير، باعتبار أن الضرورة العقلية تقضي به. وإما أن يكون أثراً لذي حياة وإرادة وغيرهما من الصفات التي تتطلبها طبيعة الظاهرة الملاحظة. وفي الظواهر الكونية نقول: ١- إن ينابيع الأرض تأتي من مخازن مياه فيها، وهي تجويفات في باطنها، وفي جبالها. ٢- ومخازن الأرض هذه قد تجمعت المياه فيها مما تسرب في مساربها من مياه الأمطار والثلوج. ٣- أما الأمطار والثلوج فهي من السحب، وتنزل منها على سطح الأرض بأسباب. ٤- وأما السُحب فهي تتجمع من تبخر مياه البحار وغيرها، وتأتلف وتجري في السماء بوساطة الرياح. ٥- وأما تبخر المياه فيكون بتأثير حرارة أشعة الشمس أو سبب آخر. ٦- وأما الرياح فتوجهها عوامل لها أسبابها.

стр. 495

٧- وأما الشمس فهي تدفع أشعتها بسبب النيران العظيمة الملتهبة فيها، إذ هي كتلة نارية ملتهبة. وهكذا لا يقف الفكر عن البحث عن الأسباب، ولا يقنعه أي سبب مادي يعتبره هو السبب الأخير، بل يرى كل سبب مادي غير صالح لأن يكون سبباً ذاتياً كافياً للوقوف عنده، إذ هو في حركته السببية يحتاج أيضاً إلى سبب. لكن متى وصل الفكر إلى فاعل ذي إرادة وقدرة وصفات تؤهله لأن يكون هو السبب الحقيقي وقف عنده واكتفى، ورأى ذلك مقنعاً وكافياً لتعليل حدوث الظاهرة، وارتوى ظمؤُهُ إلى معرفة السبب الحقيقي، أما الوسائل أو الأسباب الوسيطة التي لا تملك إرادة الفعل بذواتها فلم تكن لتروي ظمأه. وبناءً على هذا نستطيع معرفة أن السبب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: السبب الذي هو من قبيل الوسائل، أو الأسباب الصورية أو الوسيطة، وهو سبب غير حقيقي، إذ هو لدى التحليل سبب فاعل باستخدام غيره له، لا فاعل بذاته. القسم الثاني: السبب الذي يفعل بذاته، ولو عن طريق استخدام الأسباب الوسيطة، وهذا هو السبب الحقيقي. ويمكن أن نفهم هذين القسمين بوضوحٍ عن طريق المثال التالي: إن الرصاصة التي قتلت قد كانت سبباً وسيطاً للقتل فهي سبب غير حقيقي. والبارود الذي اشتعل في الأنبوبة النحاسية فدفع الرصاصة، قد كان سبباً وسيطاً للدفع، فهو سبب غير حقيقي. و"الكبسولة" التي أشعلت البارود في الأنبوبة قد كانت سبباً وسيطاً للإشعال، فهي سبب غير حقيقي.
следующие страницы →