Полный текст (717 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ومصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر؟
* وأين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟
* وأين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كلا سلاح، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل؟
إلى نحو ذلك من تساؤلات، تعبّر عن إنكارهم لظاهرة العناية.
كشف بطلان هذه الفكرة
أولاً: إن هذه التساؤلات التي طرحها الأبيقوريون منذ نيّف وعشرين قرناً، ويطرح نظيرها جميع منكري العناية الربانية، تدل على نظرة قاصرة جداً، حكموا بها على الوجود، الأمر الذي يسمح لنا بأن نقول: إن هذه النظرة نظرةٌ سخيفة ومحدودة، وينبغي أن لا تصدر مطلقاً عن ذي فكر عادي، فضلاً عن باحث فيلسوف.
إن الرؤية الناقصة القاصرة المحدودة، التي تتناول جانباً جزئياً صغيراً جداً، من المجموع الكلي الكبير، والتي لا تسمح لصاحبها بأن يدرك معاني الحكمة الكلية، تجعله يصدر أحكاماً باطلة، مبنية على رؤيته هذه.
فمن لم ير من الوجود إلا ما يسوؤه جلب إلى نفسه الاكتئاب، وغدا متشائماً، وحكم على الوجود بأن الشر هو الغالب فيه. وعكسه الذي لا يرى من الوجود إلا ما يسره، فإنه يبتهج بالحياة، ويتفاءل بكل شيء، ويحكم على الوجود بأن الخير هو الغالب فيه، وقد يطغيه ذلك.
لكن النظرة الإيمانية التي منحنا إياها الفهمُ الديني الصحيح الذي بينه لنا الإسلام، تعطي المؤمنين رؤية كلية شاملة، وهذه الرؤية تشاهد حكمة الله في الخلق، بدءاً من حياة الإنسان في دار الامتحان، وهي الدار الدنيا، حتى منازل الخلود في دار الجزاء، وهي الدار الآخرة.
فالإنسان في هذه الحياة مُبتلىً ممتحن، وبديهة الفكر تقرر أن
стр. 422
الإنسان ما دام قد خلق ليمتحن، وليكسب مقادير آخرته باختياره، فإنّ الامتحان في دار الحياة الدنيا هذه يستلزم أن يكون الإنسان فيها عرضة لقسمين من أقسام الامتحان، نظراً إلى أن إحساسه الشعوري قائم على محورين، محور اللذة ومستتبعاتها، ومحور الألم ومستتبعاته.
فالقسم الأول: هو ما يلذه أو يفرحه ويسرّه من محابّ في هذه الحياة الدنيا وهي النعم المادّية أو المعنوية التي تمتعه ليختبر بها حمده وشكره، واستقامته، وعدم بطره وطغيانه، فإذا كان من الناجحين في هذا الامتحان كان من الخالدين في السعادة يوم الدين.
والقسم الثاني: ما يؤلمه ويحزنه ويسوؤه من مكاره في هذه الحياة الدنيا، وهي المصائب التي تمسّه، ليختبر بها صبره واحتماله، ورضاه عن الله فيما تجري به مقاديره، واستقامته على طاعته، وثباته على إيمانه بربه وبكمال حكمته، رغم كل ما أصابه من مكاره.
إذن: فلا بد من وجود مصائب ومكاره في هذه الحياة الدنيا، ليستوفي الامتحان شروطه اللازمة له، بذل تقضي الحكمة.
هذه الحقيقة بينها الله لنا بقوله في سورة (الأنبياء مصحف/٧٣ نزول) :
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ .
وفي ظروف الحياة الدنيا قد تقضي الحكمة بمعاقبة بعض المسيئين والمجرمين، عناية بالمسيء حتى يتوب، أو تنبيهاً على قانون العدل الرباني، أو مكافأة للمظلوم وجبراً لخاطره. على أن الجزاء الأوفى مدّخر إلى يوم الدين، ونظير ذلك يكون في بعض صورة الثواب العجل.
وآلام الذين هم دون التكليف آلام إعداد وتربية، اقتضتها السنن الثابتة العامة.
فكلٌّ من النعم والمصائب في هذه الحياة الدنيا، إما أنها للامتحان
стр. 423
وهو الأصل، وإما أن تكون من معجّل الجزاء، وإما أن تكون للتربية، وكل ذلك مقرون بحكمة عظيمة.
فما زعمه منكرو العناية الإلهية باطل تماماً، وما ادّعوه من أن مصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر، فالفساد فيه آتٍ من وجهين:
الأول: أننا لا نجد هذه الدعوى منطبقة على الواقع الدنيوي انطباقاً كلياً، بل قد يحدث هذا وقد يحدث عكسه، وكلٌّ من الأمرين مشمول بقانون الابتلاء الرباني. هذا مع حصر النظر في ظروف الحياة الدنيا.
الثاني: أن قصة الوجود لا تنتهي بالموت في هذه الحياة الدنيا، بل الموت عبارة عن انتهاء مدة امتحان الإنسان، الموضوع موضع الامتحان في هذه الحياة.
وبعد ذلك تأتي الحياة الأخرى الخالدة، التي يكون فيها الجزاء الأوفى.
والدين الحق يكشف أن قانون الجزاء الرباني يومئذ، يتضمنه قول الله في الدين الخاتم:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
ولا بد أن نلاحظ في هذا الموضوع أن من لوازم الامتحان المستوفي لشروطه، تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في الحياة الدنيا، ليستوفوا عقابهم يوم الدين.
ويومئذٍ يكون التعويض عظيماً لمن وقعت عليهم الجرائم، إذا هم آمنوا بالله وعدله وحكمته واستقاموا على طاعته.
وليس معنى ذلك أن لا ينتصروا لأنفسهم في الحياة الدنيا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل ذلك من مسؤولياتهم في حدود استطاعتهم.
ولولا تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في ظروف هذه الحياة الدنيا، ما استوفى الامتحان الأمثل شروطه اللازمة.
стр. 424
فإذا تركنا موضوعات النعم والمصائب وأنواع الشرور التي يمارسها الناس بإرادتهم الحرة، والتي اقتضتها في هذه الحياة الدنيا مقتضيات الامتحان الأمثل، وانتقلنا إلى كل ظواهر الوجود الأخرى، فإننا نجد عناية الله ظاهرة في كل شيء.
هل يجد الباحثون في ظواهر الكون الكبير إلا التلاؤم التام بين الأشياء، وبينها وبين حاجات الأحياء؟
أليس لكل داء دواء، ولكل مرض وعلة وسيلة شفاء؟
أليس لكل حيّ ما يناسبه في الأرض من غذاء؟
أليست العناية الربانية هي التي أتقنت كل شيءٍ خلقته، من الذرّة إلى المجرّة. من الخلية إلى جسم الكائن الحيّ كله؟
لقد كفتنا العلوم الكونية المعاصرة المتعمقة التي قام بها العلماء المادّيون، فقد أثبتت بشكل قطعي ظاهرة العناية الربّانيّة، بما لا يدع مجالاً للشك مطلقاً.
فلسنا بحاجة إلى إثباتات عقلية، أو استدلالات نعتمد فيها على الظواهر السطحيّة للكائنات بالرؤية العادية.
وأقول أخيراً:
إن قصور النظر إلى الواقع لا يغير من كمال الواقع شيئاً.
ثانياً: قولهم: أين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟ قول سخيف.
* هل استوعب الإنسان الأرض كلها حتى يبحث عن غيرها؟
* إن الأرض كلها لهذه الحياة الأولى ليست أكثر من مختبر، لامتحان الوافدين إليه، وليست هي الجنة المعدة للخلود. فجنات النعيم فيها كل ما يطلب أصحابها، ومزيد لا يخطر على بالهم من فيض فضل الله وجَوده العظيم.
стр. 425
إن عدم فهم الحكمة من الخلق يوقع في الأغاليط الكثيرة.
* * *
ثالثاً: قولهم: أين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كل سلاح، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل؟ هو قولُ ينقضه واقع حال الإنسان، الذي سلّحه الخالق العظيم بالفكر، الذي يستخدم به كل ما في الكون المسخر له بقضاء الله وقدره.
ونقول: أليس من عناية الله بالإنسان أن سخّر له كل ما في الأرض، وما في السماء أيضاً، وقد ظهر ذلك في عصرنا عصر الكشوف العلمية التي جعلت الإنسان يجوب في الآفاق ويصل إلى القمر وغيره من الكواكب؟
أليس الإنسان هو المسلط بفكره ووسائله على كل كائنا البرّ والبحر؟
لقد كان مبلغهم من الرؤية قاصراً، فكان مبلغهم من العلم قليلاً.
والحمد لله الذي هدانا للحق بدينه الخاتم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
* * *
(٣)
"توماس هوبز" وماديته
من هو "توماس هوبز"؟
هو فيلسوف إنجليزي. أيد الحكم الملكي المطلق. وهو أول الماديين المحَدثين. عاش ما بين (١٥٨٨-١٦٧٩م) . ألف عدة مؤلفات منها: ١- "مبادئ القانون الطبيعي والسياسي" نشره سنة (١٦٤٠م) . ٢- "في الجسم" نشره سنة (١٦٥٥م) وهو يحتوي على المنطق والمبادئ الأساسية أو الفلسفة الأولى، ونظرية الحركات والمقادير، ونظرية الظواهر الطبيعية.
стр. 426
آراؤه المادية
ليس في آرائه المادية شيء جديد، بل هي نقل عن مادية الماديين الإغريق، "ديموقريطس" و"أبيقور" والأبيقوريين.
فلا تستحق أن تفرد بعرض ونقد.
كل ما في أمره أنه أول الماديين المحدَثين، الذين أحيوا مادّية ديموقريطس والأبيقرويين اليونانيين.
* * *
(٤)
دافيد هيوم وآراؤه الإلحادية
من هو دافيد هيوم؟
هو فيلسوف اسكتلندي ملحد. عاش ما بين (١٧١١ - ١٧٧٦ م) . تخرج في جامعة "أدنبرة". عمل بالتجارة فلم يحقق النجاح الذي كان يرجوه. عين كاتماً للسر بالسفارة الإنجليزية في باريس. ثمّ وزيراً لاسكتلاندا لكنه ترك هذا المنصب بعد عام واحد، وتفرّغ للكتابة والتأليف.
من مؤلفاته: ١-"رسالة في الطبيعة البشرية". ٢- "مقالات سياسية". ٣- "محاورات في الدين الطبيعي". ٤- "تاريخ إنكلترا". ٥- "بحث في العقل البشري".
ما يُهمنا عرضه من آرائه الإلحادية
قدّم "هيوم" آراءً فلسفية بناها على إنكاره لوجود الله الرب الخالق، وإنكاره لأسس الأخلاق، فمن أفكاره ما يلي:
١- أنكر فكرة السببيّة بين الأشياء، وقرر أن العادة هي التي توهم الإنسان بالارتباط السببي، إذ يلاحظ في العادة سبق ما يسميه سبباً على ما يسميه مُسبباً.
стр. 427
فالسببيّة وفق فكرة "هيوم" ذاتية محضة، أي: يصطنعها الإنسان اصطناعاً بمحض تخيّله، فهي غير موضوعية، وهي خدعة من الخيال الذي يميل إلى فرض رابطة بين الأشياء والحوادث، فالسببيّة ليس لها وجود إلاّ في الذهن الذي يتركها.
٢- ومن أفكاره أن العالم الخارجي عن إدراك الإنسان وهم باطل، فالإنسان لا يعلم عن العالم الخارجي إلا ما في ذهنه من مدركات حسيّة.
وهذه الأفكار وأشباهها قد انتهت بهذا الملحد إلى رفض كلّ دليل ينهض على وجود الرب الخالق.
يقول في كتابه "محاورات في الدين الطبيعي":
"إننا لا نعلم عن العلة شيئاً إلا أنها الحادثة السابقة التي نشاهدها قبل حدوث معلولها. وإذن فلا بد من مشاهدة الحادثتين معاً السابقة واللاحقة على السواء. إننا نستدل من وجود الساعة على وجود صانعها، لأننا رأينا الساعة والصانع كليهما، وإذن فوجود الكون لا يقوم دليلاً على وجود صانعه، إلا إذا رأينا الصانع والمصنوع جميعاً ".
وردّد هيوم الوسوسة الشيطانية القديمة بقوله:
" إذا كان لا بد لنا من البحث عن علة لكل شيء لوجب إذن أن نبحث عن علة للإله نفسه".
٣- ولهدم أصول الأخلاق ذكر "هيوم" أن سلوك الإنسان عمل آليٌّ محض، وأنه لا يوجد ما يُسمَّى بالإرادة الحرة.
وزعم أن الدافع الأساسي لسلوك الإنسان هو اللذة والألم فقط، وبهما يميّز الإنسان بين الخير والشر، وليس العقل هو الذي يوجّه أعمال الإنسان.
وزعم أن الفضيلة هي ما يثير في الشخص اللذة.
стр. 428
لمحة من كشف الزيف
أولاً: إن أفكار هيوم في إنكار السببية تقوم على الادعاء المجرد من أي دليل. وقد استغل فيها أن الأسباب الكونية لا تستطيع أن تفعل بذواتها مسبباتها، لعدم وجود الارتباط العقلي بينها وبين مسبّباتها، إلا أن تأثيراتها الظاهرة الصورية تنبّه على وجود السبب الحقيقيّ الفعّال، وهو الخالق البارئ المصور.
لكن "هيوم" لعب لعبة التعميم الفاسد، فاتخذ من إبطال فاعلية الأسباب الصوريّة بذواتها، وسيلة لإنكار كل سبب حقيقيٍّ، وكل علة حقيقية.
ثانياًً: ادّعاؤه أن البحث عن علة لكل شيء في هذا الكون، يجرّ إلى البحث عن علة لله نفسه، ادعاءٌ باطل.
وذلك لأن ادعاءه قائم على قياس فاسد، وهو قياس الأزلي الأبدي الذي هو واجب الوجود لذاته، ويستحيل في العقل عدمه، على الكون الحادث، الذي لم يكن ثمّ كان، ولا بد من البحثِ عن علة انتقاله من العدم إلى الوجود.
ثالثاً: ادّعاؤه أن سلوك الإنسان عمل آلي محض، ولا يخضع لإرادة حرةٍ في الإنسان، ادعاءٌ يبطله شعور الناس جميعاً بالتفريق بين العمل الإرادي والعمل الآلي في ذواتهم. ويبطلُه أن الناس قادرون على أن يسلكوا بإرادتهم أنواعاً من السلوك تخالف ما تدعوهم إليه مطالب لذاتهم، ويتحملون في ذلك آلاماً، والموجّه لهم في ذلك هو منطق العقل، ورعاية المصلحة المستقبلة.
ألا يتحمل العقلاء آلام العمليات الجراحية الطبية، ويسعون لها
стр. 429
بإرادتهم الحرة، لأن عقولهم هدتهم إلى ضرورة تحمل هذه الآلام من أجل صحتهم، ولو أنهم استجابوا لآلية الألم لما قبلوا ذلك؟
وآلاف الأمثلة في سلوك الناس من هذا القبيل.
وأفكار "هيوم" في أن سلوك الإنسان آليٌّ محضٌ خاضع لدوافع اللذة والألم، من شأنها أن تطلق الوحش البشري الشهويّ الغضبيّ من قفصه العقلي والوجداني، ليدمّر المجتمع البشري.
ولا يخفى على الباحث الخبير ما وراء أفكار "هيوم" هذه من دوافع شريرة تدميرية، وما فيها من زيف مراد ترفضه العقول السليمة، والطباع المستقيمة.
على أن أفكاره تقريرية لا تقترن بأي دليل، لا من العقل ولا من الحسّ، ولا من التجربة العلمية.
* * *
(٥)
شوبنهور وآراؤه الإلحادية
من هو "شوبنهور"؟
هو "آرثر شوبنهور". فيلسوف ألماني تشاؤمي ملحد. عاش ما بين (١٧٨٨-١٨٦٠م) .
ما يُهمُّنا عرضه من آرائه
١- قدّم "شوبنهور" آراءً فلسفيّةً بناها على إنكاره لوجود الرب الخالق العليم الحكيم المختار.
لقد عزل عن تصوره حقيقة الله وصفاته الجليلة، فلم يلاحظ حكمته العظيمة في تصاريفه ومقاديره في خلقه.
فتجسمت بين عينيه وتعاظمت في نفسه متاعب الحياة مشقياتها
стр. 430
وآلامها، ولم يجد بعد هذا مبرراً لوجود حياة أخرى غير هذه الحياة، مادام الوجود لا يسير وفق منهج حكيم، بحسب تصوره ذي النظر القاصر.
ولم يجد للآلام والمتاعب وأنواع الشقاء في هذه الحياة تفسيراً يبرّرها، فرفض الرأي الفلسفيّ القائل: "عن الكون عقلٌ يتصرف".
عندئذٍ بدا له أن يعلل الوجود بأنه إرادةٌ عمياء، ذات مطالب، ومن مطالبها بقاء الحياة في الأنواع دون اكتراث بالأفراد، وأن العقل أداة من أدوات الإرادة، فالإرادة العمياء تريد أولاً، ثمّ تستخدم العقل ليجد لها في منطقه مبرراته. وإرادة بقاء الحياة تستلزم أن يمرّ الأحياء على جسور الآلام والشقاء.
فحياة الناس شقاء في شقاء، وآلام في آلام.
ولذلك أعجبه من آراء الفلسفة اليونانية، أن اللذات كلها تخلص من الآلام.
ففكرته في تعليل أحداث الكون وكل ما يجري فيه قامت على أساس "أن العالم إرادة فقط" بلا علم ولا حكمة ولا عناية ولا رحمة ولا عدل. وقد ترتب على هذه الإرادة العمياء كفاح وجهاد وكدح متواصل، وهذه الأمور لا بد أن ينتج عنها بؤسٌ وشقاء.
وبالمنظار نفسه نظر إلى الدافع الجنسي، فرآه إرادةً عمياء، هدفها أن تهدم بالنسل عدوّها الذي هو الموت، وسمّى ذلك إرادة النسل، رغم ما يتضمّن التناسل من عناء وتضحية.
ورأى أن إرادة التناسل تسر في مجالها مستقلّة عن العقل سيراً أعمى. فأعضاء التناسل في تصور "شوبنهور" هي بؤرة الإرادة بعينها، وهي المركز الذي يقابله المخّ الذي يمثّل المعرفة من ناحية أخرى. وأعضاء التناسل هي أساس حفظ الحياة، لأنها تتضمّن حياة لا تنتهي، ومن أجل هذا عبدها اليونان واليهود منذ القدم.
стр. 431
ورأى "شوبنهور" أن العلاقة بين الجنسين هي في الواقع النقطة المركزية الخفيّة لكل عمل وسلوك، وهي تتجلى في كل شيء، برغم ما نحاول سترها به من الأقنعة. إنها سبب الحروب، وهي الغاية من السلام، وهي أساس الجد، وهي الغاية من المزاح، وهي الينبوع الفيّاض لمستلمح النكات، وهي مفتاح كل تلميح، ومعنى كل ما غمض من العبارات ... إننا نراها لا تني في رفع نفسها لتكون سيدة العالم سيادة وراثيّة حقيقيّة ... إنها لتهزأ من السيطرة عليها سيطرة تنزل بها إلى منزلة من الحياة ثانوية فرعية.
وقال "شوبنهور":
"يجب أن نعتبر الغريزة الجنسية روح شجرة النوع التي تنمو عليها حياة الفرد ... ولئن أردنا أن نهزم الإرادة هزيمة منكرة لا يكون لها قيام بعدها، فلن يكون لنا هذا إلا في استئصال معين الحياة".
أي: في مقاومة إرادة النسل.
وأفاض "شوبنهور" فيما أسماه إرادة التناسل إفاضة مسرفة.
٢- وخبط "شوبنهور" في أودية الأوهام الفكرية، والخرافات التصورية، معللاً بها الوجود وأحداثه بعيداً عن قضية الإيمان بالله، فانتهى به الأمر إلى تقرير أن العالم شرٌّ، وذلك للأسباب التاليات:
السبب الأول: أن الإرادة لا تنتهي مطالبها، وبذلك يظل الإنسان في شقاء مستمر، فما يحققه اليوم لا يرضيه ولا يقنعه، إذ يتجدد لديه مطلب جديد يشقى لتحقيقه من جديد، فهو دوماً ينقل شقاء اليوم إلى الغد.
كشف علة دائه هنا
كان من الممكن أن يكون في يده مفتاح السعادة لو أراد، وأن يتحوّل
стр. 432
شقاؤه إلى ابتهاج وأمل وطمأنينة وراحة نفس، لو أنه آمن بالله واليوم الآخر.
لأنه حينئذٍ يربط كلّ مطالب إرادته المتجددة والتي لا تنتهي، بالحياة الأخرى، فيعملُ لها، ويسعد بما يعمل، وتستمرّ لديه لذّات الأمل، مع راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، فإيمانه بالله واليوم الآخر يجعله مطمئناً بأنه سيحصل على كل ما يتصور من مطالب، وكل ما يتجدد لديه منها مهما اشتط في التخيل والتصور، مع مزيد لم يخطر على قلبه، ولا يخطر على قلب أو تصور أحد سواه من الناس.
وقد خلق الله في الإنسان هذه الطموحات الواسعة، ولم يجعل في الحياة الدنيا وسائل لتحقيقها، لتكون دافعاً له حتى يرتبط بالحياة الأخرى، ولتكون مساعداً له على تجديد إيمانه وتثبيته، والعمل الصالح الذي يظفره بتحقيق كل طموحاته المتجدّدة، وفوقها مزيد.
لكن الكفر بالله وباليوم الآخر، قد جرّه إلى ربط كلّ طموحاته المتجدّدة بالحياة الدنيا، وهي لم تتهيأْ لتحقيقها، فجرّه ذلك إلى مشاعر الشقاء التي عانى منها، ويعاني منها كل كافر بالله واليوم الآخر.
стр. 433
السبب الثاني: أن الألم هو الدافع الأساسي لهذا العالم وحقيقته الجوهرية، وليست اللذة إلا امتناعاً سلبياً للألم.
ورأى أن أرسطو قد أصاب إذْ قال: إنه لا ينبغي للحكيم أن ينشد اللذة، وحسبه أن يتخلص من الألم والشقاء.
كشف علة خطئه هنا
ترجع علة خطئه هنا إلى رؤيته الناقصة الجزئية المحدودة، التي جعلته لا يرى من المشاعر إلا مشاعر الألم والشقاء به.
وقد جرّه إلى هذه الرؤية الناقصة الجزئية، حالته النفسية المكتئبة الشقية، التي جلبها إليه في الحقيقة كفره بالله واليوم الآخر.
مع أن المشاعر التي يحسّ الناس بها جميعاً تتدرج على سلم متعدد الدرجات.
* فأوسطه الراحة والسكينة والطمأنينة، ومن أمثلتها راحة النائم حينما لا تهزّه الرؤى، وراحة الراضي عن الله فيما تجري به مقاديره، والراحة النفسية التي تجلبها صلاة الخاشع.
* وفوق الأوسط من هذا السلم درجات إيجابيات حركة اللذة، وما يصاحبها من سعادة.
* ودون الأوسط من هذا السلم دركات إيجابيات حركة الألم وما يصاحبه من شقاء. وهي دركات متنازلات، بعضها أشدّ من بعض.
* وقد تجتمع مشاعر اللذة والألم في وقت واحد باختلاف مصادرهما، كالزاني الخائف، والمريض المتألم الذي يستمتع بلذة سمع أو بصر أو لمس أو ذوق، فتخفف اللذة من شدة مشاعر الألم، ويخفف الألم من نسبة الإحساس باللذة.
والمفاهيم الإسلامية في القرآن والسنة قد أبانت هذه القسمة الثلاثية للمشاعر الإنسانية.
* فأبانت الأوسط بتعبيراتها عن السكينة والطمأنينة والراحة، منها قول الله في سورة (النبأ مصحف/٨٠ نزول) :
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ أي: راحة.
* وأبانت إيجابيات اللذة، ومتَعها في الحياة الدنيا، ونعيمها المقيم في الآخرة.
* وأبانت إيجابيات الألم، ومسّ عذابه في الحياة الدنيا، وشدّته الكبرى لمستحقيه يوم الدين.
ووجود اللذة والألم في الحياة الدنيا ضروريان للامتحان فيها.
стр. 434
السبب الثالث: أنه كلما علا الكائن العضوي في سلم الارتقاء وارتفع، ازداد ما يعانيه من ألم، وأن زيادة معرفته لا تحل من الإشكال شيئاً.
السبب الرابع: أنه لا تكاد الحاجة والألم يسمحان للإنسان بشيء من الراحة، حتى يشعر بالسآمة على الفور، فلا يكون له غنىً عن التسلية.
وكشف علة خطئه في هذين السببين: الثالث والرابع، يستدعي إعادة بيان علة دائه التي سبق كشفها تعقيباً على السبب الأول.
السبب الخامس: أن القتال في الحياة لا ينقطع، إنها بين قاتل ومقتول، حتى إن الكائن الحي قد يقتل نفسه ليبقى النوع.
كشف خطئه هنا
يرجع خطؤه هنا أيضاً إلى رؤيته الناقصة القاصرة للوجود، وللحكمة منه.
إنه لو أبصر أن الحياة الدنيا كلها بمثابة جسر صغير أُعدّ للامتحان فقط. وأن الحياة الأخرى التي ستأتي وراء هذا الجسر، ووراء الفاصل الزمني الذي بعده وهو برزخ انتظار قبل البعث، إنما هي الحياة الأبدية الخالدة بتقدير الرب الخالق.
إنه لو أبصر ذلك لأدرك أن كل ما يجري في هذه الحياة الدنيا ضروري جداً، لاستيفاء شروط الامتحان الأمثل للإنسان.
فهل يصنع الناس امتحاناتهم ومسابقاتهم فيما بينهم دون عقبات ومتاعب، وموجبات جهادٍ وكفاح.
إنه لو أبصر ما جاءت به المفاهيم الدينية الحقة، لأدرك أن الموت لا بد منه في هذه الحياة الدنيا، وأن الحي الذي لا يموت مقتولاً يموت حتف أنفه لا محالة: "كل نفس ذائقة الموت".
ولأدرك أن تمكين القاتل من اتخاذ وسائل لقتل الحي، هو عنصر من
стр. 435
عناصر امتحان الإنسان أمام نوازع غضبه، ومطامعه، وأهوائه وشهواته.
ولما كان من أول عناصر امتحان إرادة الإنسان، امتحانها في الاعتقاد بالحق الأكبر الذي تقوم عليه الأدلة الفكرية البرهانية، وهو الله وصفاته وأسماؤه الحسنى، وحكمته في مقاديره، وحقه في طاعته وعبادته، ورجاء ثوابه وخوف عقابه، كان من لوازم هذا الامتحان، أن تكون مع الأدلة الفكرية البرهانية شبهات توضع في الوجود، لتكون بمثابة الغطاء الرقيق على اللغز الغيبي عن الحواس، الواضح للأفكار، ليصلوا إليه عقلياً ووجدانايً، فيؤمنوا به.
أما الإرادة التي لم تستجب لنوازع الكبر ورغبات الفجور، فإنها تستفتي الفكر الحَصيف، المحفوظ والمؤيّد بالفطرة النظيفة، والوجدان السليم، فتطرح الغطاء الرقيق، ولا تعتبره مشكلة في مجال الامتحان، بل تأخذ المضمون الذي هو الحقيقة، وتعتبر الغطاء التمويهي الرقيق من لوازم طبيعة الامتحان الأمثل.
أما الإرادة التي استجابت لنوازع الكبر أو رغبات الفجور في الأرض، فإنها تتخذ من هذا الغطاء الرقيق مشكلة، فتتشبث به لإنكار الحقيقة، التي هي المضمون الذي دلت عليه البراهين العقلية.
أفيترك المضمون الحق من أجل غلالة شبهة، لا تثبت أمام أي فكر باحث، قادر على إيجاد تفسير سليم لها، تجعلها متلائمة مع المضمون؟!
ويمكن أن نقول هنا: إن وجود الحيوانات القاتلة المفترسة في عالم الأحياء، هو غلالة من هذه الغلالات، التي يختبر فيها فكر الإنسان وإرادته، أمام قضية الإيمان بالله وبحكمته.
على أن ملك الموت هو قاتل على كل حال، بمعنى أنه قابض للروح، سواء أجاء مع علة مرض، أو مع سكتة قلبية، أو مع سقوط من شاهق، أو مع ضربة سيف، أو مع عضة أنياب حيوانٍ مفترس، أو مع قبضة مخالب طير كاسر، أو في فم حوت آكل، أو مع غير ذلك من قواتل.
стр. 436
تعقيب أخير
لقد تنازعت "شوبنهور" كل هذه التخبُّطات الفكرية والنفسية، فمزّقته أشتاتاً، ورمته على جمرات الشقاء، وأشواك الآلام،، لأنه عزل عن تصوره قضية الإيمان بالرب الخالق، القدير العليم الحكيم المختار، والإيمان بحكمة الابتلاء، وما يستتبع الابتلاء من جزاء في حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة.
لذلك رأى الحياة الدنيا تعاسةً وشقاءً وشراً، ولا غرو أن هذه المشاعر المشقية لأصحابها، هي من الجزاء المعجل الذي يُعاقب به الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
* * *
(٦)
"كارل ماركس" وآراؤه الإلحادية في مذهبه الشامل
من هو "كارل ماركس"؟
هو مؤسس الشيوعية المعاصرة (أو ما يُسمى بالاشتراكية العلمية) . والشيوعية مذهب اقتصادي اجتماعي وضع له أساس اعتقاديٌّ فكري، قائم على إنكار وجود رب خالق لهذا الكون، وأن المادة هي كل الوجود، وأن أحداثها وتغيُّراتها مع أحداث التاريخ الإنساني تخضع لقانون جبريّ مزعوم في المادة، على أنه صفة من صفاتها الذاتية، أساسه فكرة فلسفية عنوانها "الماديّة الجدلية".
وهو يهودي ألماني، عاش ما بين (١٨١٨ - ١٨٨٣ م) . كان أبوه محامياً في ألمانيا، فصدر قرار بمنعه من ممارسة المحاماة بسبب يهوديته، فاعتنق المسيحية نفاقاً، وعمّد أبناءه الثمانية وقد كان "كارل" في السادسة من عمره. لم يواصل دراسته الجامعية. وكان صاحب مزاج خاص. عاش على نفقة أبيه أولاً، ثم على ما كانت تعطيه أمه وأخته المريضة. ثم على
стр. 437
ما كان يبذله له صديقه ورفيقه في تأسيس الشيوعية "إنجلز". من أساتذته الكبار الذين أثروا فيه اليهودي (موسى هس) رائد الصهيونية. تخلّى عن جنسيته الألمانية سنة ١٨٤٥م.
ألف كتاب "المسألة اليهودية" وكتاب "رأس المال". تعرض من أجل بعض ما كتب لهجوم اليهود والمسيحيين عليه، لكن رائد الصهيونية "موسى هس" دافع عنه، منبهاً على أن التراث اليهودي موجود في صلب مذهبه. وهذا يدل على أن التوجيه لتأسيس الشيوعية نابع من قيادة الحركة الصهيونية الخفية.
أسس المذهب الشامل الذي طرحه "كارل ماركس"
يتناول مذهبه الشامل الذي طرحه ما يلي:
الأول: إنكار وجود الله، واعتبار المادة أزلية أبدية، وهي كل شيء في الوجود.
الثانية: تفسير حركة المادة وتغيراتها بما يُسمّى بـ"المادية الجدلية"، وهي فكرة اقتبسها "ماركس" من الفيلسوف المثالي "هيجل" وحذف منها ما ذكره "هيجل" من أن سنة الخالق في الخلق تجري وفق النظام الجدلي الذي تصوره. وزعم "ماركس" أن الإنسان هو الذي اخترع من عنده فكرة الرب الخالق.
الثالث: التفسير المادي للتاريخ الإنساني، ويتلخّص بادّعائه أن التاريخ الإنساني خاضع أيضاً لنظام "المادية الجدلية" الذي زعم أن طبيعة المادة والحياة التي هي نتاج المادة، بحسب زعمه، خاضعة له.
الرابع: "الاشتراكية العلمية" أو "الشيوعية" وهي المذهب الاقتصادي الذي يقوم على إلغاء الملكية الفردية إلغاءً كاملاً في نهاية التطبيقات الاشتراكية، وجعل الدول الممثلة للمجتمع هي المالكة لكل شيء، والقاعدة الاقتصادية التي تطبق على الجميع هي: "من كل حسب استطاعته، ولكل حسب حاجته".
стр. 438
الخامس: السبيل لإقامة الدولة الشيوعية هو سبيل الثورة المدمرة، والوقوف ضد أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي قبل إقامتها.
السادس: النظام الاجتماعي في الدولة الشيوعية نظام تطلق فيه الحريات الشخصية على أوسع مدى، بشرط أن لا تمس المبادئ الشيوعية أو نظام دولتها، وأوامرها. وحينما تصل الدولة الشيوعية إلى غايتها المرسومة لها، تلغى الأسرة، وتكون العلاقات والممارسات الجنسية مشاعاً، فكل الرجال لكل النساء، أما الذرية فهي للدولة الشيوعية.
السابع: الأخلاق والقيم التقليدية المتعارف عليها بين الناس تلغى، وتقوم بدلها أخلاق الطاعة للدولة الشيوعية وتنفيذ أوامرها وبرامجها، وكل ما يحقق المجتمع الشيوعي، مهما كان منافياً للأخلاق التقليدية.
الثامن: النظام السياسي والإداري الذي تقوم عليه الدولة الشيوعية، هو الديكتاتورية الاستبدادية الصارمة، التي تتولاها قيادة جماعية، تقع في رأس هرم الحزب الشيوعي، وتُسمَّى "ديكتاتورية" طبقة "البروليتاريا".
كشف الزيف
إنّ كشف الزيوف التي اشتملت عليها آراء "كارل ماركس" في المذهب الشامل الذي طرحه، يتناول موضوعات كثيرة مختلفة.
ويجد القارئ كشف زيوفها في مواضع عديدة من هذا الكتاب بحسب موضوعاتها.
على أن النقد الرئيسي الشامل لها أنها ادعاءات تقريرية، لا تعتمد مطلقاً على أي دليل عقلي أو علمي حسي تجريبي.
وكل ما قدمه دعاوى وآراء بدون بينات، أو أدلتها وهمية.
يضاف إلى ذلك أن آراءه ذاتَ الآثار التطبيقية قد كشف الواقع التطبيقي فسادها وبطلانها، وواقع الدولة الشيوعية برهان على ذلك.
* * *
стр. 439
(٧)
بخنر ومادّيته الملحدة
من هو بخنر؟
هو "لودفج بخنر" طبيب وفيلسوف ألماني ملحد، عاش ما بين (١٨٢٤-١٨٩٩م) .
اتخذ من المادية المتطرفة مذهباً له، فقاوم الميتافيزيقا المثالية، وأنكر الغيبيّات، وأعلن الإلحاد، وتشبّث بأذيال المادة والحسيات.
كتب في آرائه الفلسفية كتباً: ١-"القوة والمادة" أصدره سنة (١٨٦٤م) . ٢- "الطبيعة والمؤرخ" أصدره سنة (١٨٥٧م) .
أرغم بسبب آرائه المتطرفة المتعلقة بالمادة المنكرة للدين، على ترك منصبه بجامعة "توبنجن" فاشتغل بالطب والتأليف.
آراؤه المادية الإلحادية تشبه آراء سائر المادّيين الملحدين، وأحكامه فيها أحكام تقريرية ادعائية، ليس فيها تفسيرات منطقية، وغير مقترنة بأدلة عقلية أو علمية.
وهو في إنكاره للميتافيزقا، وكل ما هو غيب عن الإدراك الحسّيّ لا يقدّم غير النفي والإنكار والجحود.
* * *
(٨)
"نيتشه" وأفكاره الإلحادية
من هو "نيتشه"؟
هو "فردريك نيتشه". فيلسوف ألماني ملحد. يعاني من نزعة الكبر والعجب بالنفس وعقدة العظمة إلى حد مشاعر الربوبية، عاش ما بين (١٨٤٤-١٩٠٠م) . وهو من سلالة قساوسة. تخرّج بجامعة "بون". وعين
стр. 440
أستاذاً بجامعة "بال" بسويسرا. ثمّ استقال من الجامعة أخيراً وتفرّغ للتأليف.
يدّعي واضعو الدستور الشيطاني اليهودي، أنه أحد وكلائهم الذين نشروا الإلحاد وعملوا على هدم الأخلاق في فكر الأميين "الجوييم".
تأثر "نيتشه" أول الأمر بفلسفة "شوبنهور". ثمّ فيسنة (١٨٧٤ م) بدأ إعجابه بفلسفته يتبدد، حتى سقطت من نفسه كلياً.
ثمّ صار "نيتشه" يفقد أصدقاءه واحداً فواحداً، حتى أمسى في عزلة تامة عن كل العالم، وغدا الناس لا يحفلون به، ولا يقرؤون شيئاً مما يكتب، وغدا الناشرون لا يقبلون طبع كتبه.
وازداد إهمال الناس له، وجفاء القراء لكتبه، فزاد ذلك من آلامه، وغاظه وأثار غضبه الشديد، وكان المرض ملازماً له.
ثمّ استولى عليه جنون العظمة، حتى ظنّ نفسه الإله: "ديوزينوس". وفي سنة (١٨٨٩م) حل به الجنون الحقيقي. ثم هلك في (٢٥/٨/١٩٠٠م) .
أبرز آرائه وأفكاره الفلسفية
أولاً: اعتبرت فلسفة "نيتشه" العقل عاجزاً عن إدراك حقيقة الوجود.
стр. 441
فألغى مبادئ الفكر، وادّعى أنها ليست سوى أوهام، وإن كانت ضرورية لحياة الناس، لكنّها لا تعبّر عن الحقيقة.
وقال: إن العقل في حياة الإنسان لا حاجة إليه، وهو خطر.
وقال: إن الذي يمكن تصوّره عقلياً لا بد أن يكون وهماً لا حقيقة له.
وزعم أن معظم ما في الحياة يسير بدون عقل.
ثانياً: أنكر "نيتشه" عالم الظواهر، كما أنكر عالم الحقائق، وقضى عليهما معاً.
وزعم أن الوجود الحقيقي كلّه ينحصر في "الصيرورة" أي: التغيّر الدائم، و"الحياة" و"الطبيعة". وزعم أن هذه الثلاثة ذات معنى واحد.
وزعم أن "الصيرورة" التي هي الوجود، وهي الواقع الآني الراهن، ليس لها غاية تنتهي إليها، بل هي غاية في نفسها، وهي كلّ شيء، ولا شيء وراءها.
ثالثاً: وزعم أن المعرفة والوجود الحقيقي يتنافيان ويتناقضان.
إذن فلا يمكن أن تكون المعرفة الإنسانية مطابقة للحقيقة بحال من الأحوال، إذ هما دائماً متنافيان متناقضان.
رابعاً: زعم أن القوة هي الفضيلة العظمى في الوجود، بل هي الفضيلة الوحيدة، فدعا إلى القوة، وجعل القوة وحدها دون الرحمة والشفقة هي محور الأخلاق.
ومن أجل ذلك سمّيَ فيلسوف القوة.
وقال: "الخير هو كل ما يزيد الشعور بالقوة، هو إرادة القوة، هو القوة نفسها. والشر هو كل ما ينشأ عن الضعف، هو الضعف ".
خامساً: أخذ بمذهب التطوّر الذاتي الصاعد، وهو مذهب النشوء
стр. 442
والارتقاء، فزعم أن كل صنف يخلق صنفاً أرقى منه، فالحيوان في خلق كل صنف منه لصنف أعلى قد وصل في آخر الأمر لخلق الإنسان، فعلى الإنسان أن يخلق الصنف الأعلى منه، وهو "السوبرمان" أي: الإنسان الأعلى.
سادساًً: ويقول بالنسبة إلى ما بعد الموت: "أما الجزع مما بعد الموت فليس له ما يبرره، لأنه ليس بعد الموت شيء، وما بعد الموت لا يعنينا بعد".
وسيطر مفهوم القوة على كل مشاعره، حتى رأى الموت الإرادي مظهراً من مظاهر هذه القوة المجيدة، وبذلك كان من الداعين إلى الانتحار حينما يكون الوقت مناسباً لاختيار الموت، أي: متى وجد الإنسان أن الحياة لم يَعُد لها هدف لديه. فهو يقول على لسان "زرادشت":
"كثير من الناس يموتون في وقت متأخر جداً، وبعضهم يموتون في وقت مبكر جداً، ولا زال هذا القول: (مت في الوقت المناسب) يبدو غريباً".
لكنه مع رأيه هذا، ورغم أمراضه وعلله الكثيرة، وآلامه في حياته، فقد كان متفائلاً يحبّ الحياة، ويحرص عليها. وأدركه الجنون ولم ينتحر.
سابعاً: دعا إلى خلق الإنسان الأعلى "السوبر مان" وقال:
"إنني أدعوكم بدعوة الإنسان الأعلى، فإن الإنسان شيء يجب أن يُعلى عليه، فماذا عملتم من أجل العلاء عليه؟.
إن كل الكائنات حتى الآن قد خلقت شيئاً أعلى منها، فهل تريدون أنتم أن تكونوا جزراً لهذا المد العظيم، وتفضلون الرجوع إلى الحيوانية على العلاء على الإنسانية؟! ".
فالغاية من الإنسانية عنده هي خلق هذا الإنسان الأعلى.
стр. 443
وإذْ دعا الناس إلى خلق الإنسان الأعلى طالبهم بأن لا يتركوا الأمر فوضى للانتخاب الطبيعي.
لكنه رأى أن ذلك يتم بطرائق التربية التي ترفع الفرد وتسمو به، وبتحسين النسل البشري، باختيار الممتازين من الرجال والنساء للتزواج، وأن يكون الزواج أساسه اختيار الأرقى من النساء بشرياً، للأرقى من الرجال بشرياً، حتى يخلق الزوجان بإرادتيهما إنساناً أرقى منهما، وهكذا. وهاجم الزواج الذي يقوم على أساس الحب، ورأى أن من الواجب أن نجعل الحب مانعاً من الزواج، فخير الرجال لخير النساء، أما الحب فنتركه لحثالة البشر، إذ ليس الغرض من الزواج مجرّد النسل، بل يجب أن يكون وسيلة للتسامي والرقي.
وسمى هذا الزواج الذي دعا إليه: إرادة اثنين ليخلقا إنساناً يسمو على خالقيه.
ثامناً: بعد هذه الأفكار والآراء المشوشة المختلطة الفاسدة، التي هدم بها العقل وكل مبادئ الفكر بأقوال خيالية فلسفية، توصّل إلى هدفه المراد من وضع هذه الأفكار الباطلة، فزعم أنه لا بد من وضع قيم جديدة للوصول إلى خلق الإنسان الأعلى، وهذه القيم تتلخص بأن يكون الإنسان حراً، قد حطم كل القيود، وبدد ما أسماه بالأوهام الثقيلة الخطيرة، التي أتت بها المذاهب الأخلاقية، والدينية، والفلسفية. وبذلك جحد كل القيم التقليدية، ودعا إلى جحدها.
وأراد أن يرفع الإنسان الأعلى فوق الناس، والأخلاق، والقوانين، والتقويم التقليدي للأشياء.
وهذه الحال تقتضي من الإنسان ألا يظل متعلقاً بشخص ما، ولا بوطن معين، ولا بأي نوع من أنواع الشفقة والعطف ونحو ذلك.
والإنسان في الأخلاق الجديدة التي أرادها، هو فوق كل قيمة، وكل قانون، وكل ما يعتقده عامة الناس، ولا يعنيه قال الناس عن هذا الشيء:
стр. 444
إنه خير، أو قالوا عن الآخر: إنه شر. لأن مهمته الرئيسية أن يكون هو خالقاً للقيم، يضع للأشياء من القيم ما يريد، مما يؤدي إلى تحقيق الغاية من الإنسانية، فهو حرٌّ في أن يضع شرعة القيم التي يرتئيها في الأخلاق، والسياسة، والفلسفة، وغير ذلك.
وزعم أن هذا الإنسان الأعلى هو الذي يحدد معتقدات العصر بأكمله، ويعطي للحضارة صورتها، ويخلق القيم في حرية تامة، غير آبه للخير والشر، والحق والباطل، فهو كل شيء، يخلُق الأخلاق، ويحدّد الحق بإرادته، ويفرض على الناس ما يضع لهم من قيم فرضاً، وليس عليهم هم إلا أن يطيعوه، فالطاعة أولى فضائل الذين ليسوا هم من طبقة الإنسان الأعلى.
وتمنى في نفسه أن يكون ذلك الإنسان الأعلى الذي لم يولد بعد.
وربما كان يحلُم بأن يأخذ صفة الإله، فاستولى عليه جنون العظمة بعنف قاتل.
تاسعاً: تصور "نيتشه" أن مزاعمه التي طرحها في رداء فلسفي قد ألغت من أفكار الناس عقيدة الإيمان بالله ، فأعلن أن الله قد مات ... نعوذ بالله من مقالته.
وقال على لسان "زرادشت":
"إذا كان هنالك آلهة، فكيف أطيق أن لا أكون إلهاً؟ وإذن فلا آلهة هناك".
وقال أيضاً:
"لقد ماتت الآلهة جميعاً، ونريد الآن أن يعيش السوبرمان ... ".
وقال أيضاً:
"إني أهيب بكم يا إخواني أن تخلصوا عهدكم للأرض، وأن لا تصدّقوا من يحدثونكم عن أملٍ سماوي، إنهم ينفثون فيكم السم بذلك، سواءٌ أعلموا بذلك أم لم يعلموا".
стр. 445
عاشراً: وزعم أن الوجود يسير في دورات متطابقة، فهو يكرّر نفسه باستمرار، وجعل وجود الإنسان الأعلى "السوبرمان" هو نهاية دورة الوجود، ليعود بعد ذلك إلى نقطة البداية.
وقال: "إن التكرار الأبدي موعده بعد وجود الإنسان الأعلى، فسيعود كل شيء بالتفصيل الدقيق مرة ومرة، إلى ما لا نهاية له، حتى "نيتشه" سيعود، وهذه الأمة الألمانية التي يعيش بين ظهرانيها، والتي تمجّد الدم والحديد ستعود ... ".
حادي عشر: ويظهر أن الغرور وجنون العظمة قد ضربا دماغ "نيتشه" بعنف، حتى تمثل الربوبية في نفسه، وأوصله ذلك إلى الجنون الحقيقي، فعاش أواخر حياته مجنوناً، ومات جنوناً.
كشف الزيف
ما أظنني بحاجة إلى كشف زيوف آرائه وأفكاره، فهي من الخبط والخلط والتخريف، وإنكار الحقائق، ما يجعل الناظر إلهيا يؤمن بفسادها وبطلانها مباشرة، ولا يحتاج من يكشف له زيوفها.
ومع ذلك فسأقتصر على ذكر كاشفين عامين:
الكاشف الأول: أن "نيتشه" قدَّم آراءه الفلسفية، وضلالاته التخريفيّة، وإنكاراته للحقائق الجليات، أقوالاً ادّعائية تقريرية، غير مقترنة بأي دليل يشهد لها.
فهي لدى التقويم الفكري لا وزن لها مطلقاً.
الكاشف الثاني: يكفي لردّ أفكاره وآرائه أن نطبق عليها ما قاله هو عن الفكر والعقل، وعن عالم الظواهر وعالم الحقائق.
ألم يلغ مبادئ الفكر وموازين العقل؟
إذن: فنصيب أفكاره من ذلك أنها ملغاة، بمقتضى حكمه هو، فهو لا يؤمن ها ابتداءً.
стр. 446
وقد كان المفروض فيه أن لا يكون متناقضاً مع نفسه، فلا يبحث قضايا، ولا يقدم أفكاراً مجالها الفكر وتصوراته وتخيلاته.
ألم يعتبر كل ما يمكن تصوره عقلياً لا بد أن يكون وهماً لا حقيقة له؟
إذن: فأفكاره وآراؤه وهمٌ في وهم، بمقتضى حكمه هو، إنه يعتقد أنها كذلك بمقتضى حكمه هو، إنه يعتقد أنها كذلك بمقتضى مبدئه، فلماذا نناقشها، وهو نفسه يقدمها ويعتقد أنها وهم لا حقيقة له؟.
ألم ينكر عالم الظواهر وعالم الحقائق؟
إذن: فآراؤه وأفكاره لا قيمة لها مطلقاً من وجهة نظره هو، لأنها تصف بالوهم والتخريف أشياء هي: إما من عالم الظواهر، أو من عالم الحقائق، هذا هو حكمه عليها.
فما شأن الباحثين بكشف زيوف آرائه وأفكاره وكل فلسفته، ما دام هو لا يرى فيها شيئاً يصف الحقيقة؟ فهي من وجهة نظره هو -وهو صاحبها- زيوف كلها، ووهم في وهم.
ويكفي لإسقاط أقوال أي إنسان، أن نطبق عليها اعتقاده فيها.
أما إن كان يقدّم آراءه هذه معتبراً أنها مفاهيم صحيحة، فإنه بذلك يكون متناقضاً مع نفسه تماماً.
وحسب التناقض مع النفس دليلاً على بطلان أصل الادعاء.
تعليق أخير
يبدو أن أساليب أغاليطه الفكرية الكثيرة على الرغم من ذكائه الشديد، ترجع إلى رؤيته السريعة الناقصة للأشياء، وأحكامه التعميمية السريعة، المقرونتين بغروره بنفسه، وإعجابه برأيه، واعتداده بذاته اعتداداً مفرطاً، الأمر الذي سبب له جنون العظمة. ثمّ هو لا يستقر طويلاً في بحث أي موضوع يعالجه، بل يتنقل في موضوعاته الفكرية تنقلاً سريعاً، فيراها رؤى
стр. 447
ناقصة سريعة، ويصدر فيها أحكاماً تعميمية سريعة باطلة، ويقفز عنها إلى غيرها، وهكذا.
فتجد في مقولاته تعبيرات ذكية، ولكنها تشبه ذكاء الأدباء الساخرين، والشعراء الخياليين، لا الحكماء والفلاسفة العقلاء المتأنين.
* * *
(٩)
"سبنسر" وآراؤه الإلحادية
من هو "سبنسر"؟
هو "هربرت سبنسر". فيلسوف إنكليزي ملحد. عاش ما بين (١٨٢٠-١٩٠٣م) . قيل: هو أعظم فيلسوف إنكليزي في القرن التاسع عشر. ورث نزعة الإلحاد عن أبيه وعن جده لأبيه، فقد كان أبوه يأبى أن يفسر أي شيء بما فوق الطبيعة من قوى، حتى قال عنه أحد أصدقائه: إنه لا يدين بدين، ولا يؤمن بشيء.
نشأ "سبنسر" كسولاً غير مهتم بالتعلم، وكان ينفر من مدارس العلم، حتى أمضى معظم شبابه دون أن يتعلم شيئاً ذا أهمية في معاهد العلم. وبعد الثلاثين من عمره حاول أن يقرأ ما كتبه الفيلسوف "كانت" ثمّ لم يعجبه، وحكم عليه بأنه مغفل. ولم يقرأ كتاباً واحداً من العلوم إلى آخره.
أخيراً اتجه إلى تأليف كتبه معتمداً على مواهبه الفطرية، وملاحظاته المباشرة.
سيطر عليه الفكر الإلحادي، وملأت ناظريه الأشياء المادية، وظن أنها كل شيء في الوجود.
من مؤلفاته: "المبادئ الأولى".
стр. 448
أبرز آرائه الإلحادية
أولاً: رأى في فكرة التطور الذاتي ما أغراه بأن لديها تفسير كل ظواهر الوجود، فاتجه إلى تعليل كل شيء بمبدأ التطور من السديم الغازي إلى الإنسان، ثمّ الرجعة إلى نقطة البدء، ثمّ تبدأ المسيرة ثانية وثالثة إلى ما لا نهاية له من المرات، وكل تكوين جديد لا بد أن ينتهي بالفناء والموت.
ثانياً: رأى أن الحياة، والعقل، والمجتمع، والأخلاق، خاضعة للتطور.
ورأى أن العقل قاصر عاجزٌ عن إدراك الحقيقة، فزعم أن الحقيقة مغلقة لا يمكن إدراكها، فقال في مقدمة كتابه: "المبادئ الأولى" ما يلي:
" إن كل دراسة تقصد إلى البحث في حقيقة الكون واستقصاء علته، لا بد أن تنتهي إلى مرحلة يقف حيالها العقل عاجزاً، لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئاً، سواء أسلك إلى ذلك سبيل الدين أو العلم أو ما شئت من سبل.
هذا ملحد يحاول أن يقنعك بأن العالم وجد بذاته، لم ينشأ عن علة، وليس له بدء ولا ختام، فلا يسعك إلا أن تقابل قوله هذا بالجحود والإنكار، لأن العقل لا يسيغ معلولاً بغير علة، وموجوداً سار في الحياة شوطاً لا بداية له.
ثمّ استمع إلى هذا الناسك المتدين، ها هو ذا يقص عليك علة الكون، وكيف نشأ، فخالق الكون عنده هو الله، ولكنه لم يفسر بهذا الرأي من المشلة شيئاً، ولم يزد على صاحبه سوى أن أرجعها خطوةً على الوراء.
стр. 449
وكأني بك تسائله في سذاجة الطفل: ومن أوجد الله؟ فالدين بصورتيه -الإيمان والإلحاد- لم يستطع أن يقدم تعليلاً واضحاً مقبولاً ... ".
ثمّ ذكر مثل ذلك عن العلم، وأنه عاجز عن شرح حقائق الكون، ثمّ قال:
" قل للعلم أن يكف عن إثبات الله وإنكاره، فليس اللاهوت ميدانه الذي يصول فيه ويجول، وقل للدين أن يكف عن مناشدة العقل، لأنه لا يستقيم مع نهجه في التفكير، تر الدين والعلم أخوين متصافحين، لكل منهما حلبةٌ ومجال ... ".
ثالثاً: اعترف "سبنسر" في أواخر حياته بتأثير المادية في انهيار الأخلاق، فقال للشيخ "محمد عبده" حين زاره في "إنكلترا":
" إن الإنكليز الآن دون ما كانوا عليه من عشرين سنة، فهم يرجعون القهقرى في الأخلاق، وسبب ذلك تقدم الأفكار المادية، التي أفسدت أخلاق اللاتين من قبلنا، ثمّ سرت إلينا عدواها، وستفعل ذلك في سائر شعوب أوروبا، ولا أمل في صد هذا التيار المادي، ولا بد أن يأخذ مده غاية حده ... إن الحق عند أهل أوروبا الآن للقوة ... ".
نقد آراء سبنسر
من الملاحظ أن إلحاده لا يقوم على أي دليل، فلقد أعلن عجز العقل عن إدراك الحقيقة، واعترف بأنه لم يستطع أن يجد ما يقنعه بالإلحاد، ولا أن يجد ما يقنعه بالله تعالى. وأقول: لو أنه استهدى بهدي الأدلة التي أرشد إليها القرآن لأبصر قضية الإيمان بالله تعالى ذات أدلة مقنعة له ولغيره، ومروية لظمأ العقول والنفوس والقلوب.
أما المشكلة الساذجة التي عبّر عنها بتساؤلها: ومن أوجد الله؟ وهي الوسوسة الشيطانية القديمة.
стр. 450
فالعقدة الفكرية فيها أنه هو وأمثاله قاسوا واجب الوجود الأزلي، على الموجد الحادث المسبوق بالعدم، فواجب الوجود، أي: الذي يوجب العقل أن يكون موجوداً أزلاً وأبداً، يستحيل في العقل تصور عدمه. لأن العقل يقرر أن العدم المطلق لا يمكن أن يكون هو الأصل، ولو كان هو الأصل لم يوجد شيء مطلقاً، فالعدم لا يتحول بنفسه إلى الوجود. لكن الكون يشتمل على صفات تثبت أنه حادث، فهو إذن بحاجة إلى مُحدث خالق، وهو الله الموجود الأزلي.
* * *
(٩)
"برتراندرسل" وآراؤه الإلحادية
من هو "برتراندرسل"؟
هو فيلسوف إنكليزي ملحد معاصر. وذو تأثير قوي في ميدان الدراسات الفلسفية. عاش ما بين: (١٨٧٣ - ١٩٧٠م) . وهو من أسرة ارستقراطية معروفة. كان جده رئيساً للوزارة الإنجليزية، على مبدأ الأحرار. وقد أثار حرباً شعواء ليظفر بحرية التجارة، وبالتعليم العام المجاني، وبتحرير طائفة اليهود.
كان "برتراندرسل" أشهر الفلاسفة الذين عرفهم الفكر الفلسفي أثناء الفترة الممتدة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
كتب في مختلف مجالات الفكر الفلسفي، وكتب في غيرها أيضاً، وكان ذا نشاط تأليفي غير عادي، وقد ظل صاحب الخطوة الأولى لدى الذين يطلقون على أنفسهم تقدميين من المثقفين المعاصرين الملاحدة في أوروبا وذيولها.
стр. 451
وهو ذو تطرف سياسي. ومتطرف جداً في إلحاده. وقد بسط أفكاره السياسية والإلحادية المتطرفة في كتابات أدبية مؤثرة.
أثرت كتاباته السهلة على العامة، وأثرت كتاباته العميقة على الفكر الأوروبي المعاصر كله.
استعراض لأهم آرائه وأفكاره وحركة فكره الفلسفية:
أولاً: سار في فلسفته ضمن أطوار، من المثالية إلى الوضعية. وقد ركز اهتمامه أخيراً على المذهب الوضعي، فصار يرى أن المعرفة تظل مستحيلة ما لم نستعن في محاولة الوصول إليها بمناهج الطبيعة.
وواقعية "رسل" قريبة من الواقعية الملاحظة في مذهب "هيوم" التجريبي.
وقد سيطر على فلسفته مذهب الشك، حتى كاد الشك المطبق يخيم على جميع جوانب فلسفته.
وعلى الرغم من حدة ذكائه، وسعة اطلاعه، عجز عن أن يضع مذهباً فلسفياً متناسقاً، يربط بين جميع آرائه ونظرياته، وعجز أيضاً عن تحاشي الوقوع في التناقض، إذ يلمس الباحث القارئ لكتبه، ظاهرة التناقض جلية في بعض جوانب فلسفته.
لقد تبنى مواقف فكرية كان من سماتها التغير المتواصل، فلم يكن يثبت عند موقف منها. وانتهى إلى الادعاء بأنه يستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة، فحصر المعرفة في العلوم الطبيعية وحدها، ثمّ أخذ يتشكك حتى في قيمة تلك المعرفة، وهو في ذلك يقول:
стр. 452
"حتى المعرفة التي تمدنا بها علوم الطبيعة لا تعدو أن تكون مجرد معرفة احتمالية".
ثانياً: رفض "رسل" مثالية "هيجل" كلها رفضاً قاطعأً، وادعى أن العالم الواقع يتألف من مجرد معطيات حسية تترابط فيما بينها بواسطة علاقات منطقية صرفة. وزعم أن المادة وإن كان لها وجود واقعي ملموس، فمن المستحيل إدراكها إدراكاً مباشراً.
ومضى "رسل" في بلورته لنظريته في المعرفة دون أن يخرج بها عن النظرية الأفلاطونية الكلاسيكية، بيد أنه ينتهي فيما بعد إلى التسليم بعجزه عن تقديم حلول قاطعة لمشكلة المعرفة في جملتها، نظراً إلى ما يكتنف تلك المحاولة في رأيه من صعوبات جمة، فنراه يقترب من الموقف نفسه الذي انتهت إليه الوضعية قبله.
واعترف "رسل" بأن آراءه في علم النفس قد جاءت مغرقة في نزعتها المادية، ومع ذلك فإنه لم يتبنَّ وجهة نظر مادية خالصة في هذا المجال.
ثالثاً: ذهب إلى اعتبار الإنسان جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة. وزعم أن العقل الإنساني خاضع للقوانين الطبيعية، إذ اعتبرها متحكمة في جميع ضروب الفكر.
وزعم أن العلم الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا، لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله، أو بخلود النفس.
وزعم أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة، إذ لو كان
стр. 453
الخلود هو المصير الذي ينتظر النفس بعد الموت، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟ .
رابعاً: أفرط "برتراندرسل" إفراطاً شديداً في صب هجومه على الدين قائلاً:
" إن الدين لا يقوم إلا على عوامل الترهيب والتلويح بالعقاب، وبالتالي فإن الدين يشكل ضرباً من ضروب الشر التي تملأ هذا العالم. وهذا هو السبب في أننا نجد أن أولئك الذين لم يبلغوا بعدُ درجة كافية من النضج الأخلاقي والعقلي هم وحدهم الذين ما زالوا يتمسكون بالمعايير الدينية التي تناهض بطبيعتها جميع المعايير الإنسانية الخيرة التي يجب أن تسود عالمنا الحديث.
خامساً: يرى "رسل" أن للإنسان إرادة حرة تدفعه إلى أن يقيم لنفسه في الحياة مثلاً عليا، يطمح بها إلى تحقيق حياة خيرة، تسير على هدى المعرفة والمحبة الإنسانية، ومن شأن حرية الاختيار هذه أن تغني الإنسان عن البحث عن نظريات أخلاقية لا طائل وراءها.
وإذ زعم أنه لا جدوى للنظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية، فقد بدا له أن يقدم برهاناً على ذلك مثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير، فقال: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء
стр. 454
طفلها إلى مشرعين أخلاقيين، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب.
وللتشجيع على الإباحية الجنسية، زعم "رسل" أن القواعد الأخلاقية قد أخذت ترتكز اليوم شيئاً فشيئاً على تصورات خرافية باطلة. منها على سبيل المثال ما نشاهده من انحراف في سن التشريعات الأخلاقية الجنسية، المتمثلة اتجاه المجتمعات الحديثة إلى تحريم جميع صور الزواج الجماعي، وقصره على صورته الواحدية، وفي استهجان الزنى، ومحاربة الزانين.
وزعم أن السعادة التي هي الغاية التي يجب أن تطمح الإنسانية إليها، لا سبيل إلى بلوغها إلا بقهر عوامل الخوف والإرهاب اللذين دأبت الأديان والشرائع الأخلاقية على التلويح بهما في وجه الإنسان، وذلك بالوقوف في وجههما بفضائل الشجاعة والإقدام، وتقويتهما عن طريق التربية، وخلع الكمالات على الإنسان بالتحلي بشتى القيم ...
سادساً: سئل "برتراندرسل": هل يحيا الإنسان بعد الموت؟
فأجاب بالنفي، وشرح جوابه بقوله:
"عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم، وليس من خلال ضباب العاطفة، نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار
стр. 455
الحياة بعد الموت، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكزٍ أو أساسٍ علمي. ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت. لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكن لهم الحب، يعطينا أكبر العزاء عند موتهم، ولكني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفه وآمالنا، ولا أحسب أن من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية".
سابعاً: كتب "رسل" قصة أدبية، ذكر فيها أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة، بطريق المصادفة، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون، يعود به كل شيء إلى سديم، كما كان أولاً.
وعلق الملحد "صادق جلال العظم" على هذه القصة الخيالية، التي سماها قطعة أدبية جميلة فقال:
" هذا المقطع الذي كتبه "رسل" يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره. نشوء الحياة وتطورها. أصل الإنسان ونشأته وتطوره. نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها. وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم، ولا أمل لكائن بعدها بشيء، إنه من السديم وإلى السديم يعود".
ثامناً: ذكر "وحيد الدين خان"، أنه قرأ كل أعمال "برتراندرسل"
стр. 456
واستطاع بعد قراءتها أن يلتقط من أقواله ما يكشف عن النهايات الفكرية التي انتهى إليها.
إنه بعد أن درس الفيزياء، وعلم الحياة، وعلم النفس، والمنطق الرياضي، انتهى إلى أن "مذهب التشكيك في الوجود مستحيل نفسياً". ومع ذلك فإن الإنسان عاجز عن أن يحيط إلا بأقل قدر من المعرفة.
ويقول بالنسبة إلى الفلسفة:
"تدعي الفلسفة منذ القدم ادعاءات كبيرة، ولكن حصيلتها أقل بكثير بالنسبة إلى العلوم الأخرى ".
ويقول "رسل":
"عن تصورنا العلمي للكون، لا تدعمه حواسُّنا التجريبية، بل هو عالم مستنبط كلياً ".
ويبلغ به الأمر إلى أن يقول:
" إن أفكار الناس لا توجد إلا في مخيلاتهم فحسب".
أي: إن التجربة لا تستطيع أن تثبت مطابقة هذه الأفكار للواقع.
وانتهى "رسل" أيضاً إلى أن التجربة قد أعطيت لها الأهمية الكبرى، ولذلك يجب أن تخضع "التجريبية" باعتبارها فلسفةً لتحديات مهمة. يقول هذا حتى في النظريات والقوانين العلمية.
стр. 457
ومع ذلك فإنه يختار لنفسه مذهب الإلحاد، ويعتمد على افتراضات لا يمكن إخضاعها للتجربة بحال من الأحوال، وذلك بالنسبة إلى نشأة الكون والحياة. ويرجح الداروينية مع أنها من وجهة نظره فكرة استنباطية لا تدعمها التجربة، ولا تزيد على أنها فكرة في مخيلات أصحابها.
ويقول أيضاً:
" لقد وجدت معظم الفلاسفة قد أخطؤوا في فهم الشيء الذي يمكن استنباطه بالتجربة فحسب، والشيء الذي لا يمكن استنباطه بالتجربة ".
ويقول أيضاً:
" لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر. لقد كانت لأعمال "نيوتن" أربعة تخيلات أساسية، هي: المكان، والزمان، والمادة، والقوة.
وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسياً في علم الطبيعة الحديث. فقد كان الزمان والمكان من الأشياء الجامدة والمستقلة عند "نيوتن" والآن قد تمَّ تبديلهما بما يُسمى "المكان-الزمان" والذي لا يعتبر جوهرياً أساسياً، وإنما هو نظام للروابط، وأصبحت "المادة" شكلاً لسلسلة الوقائع، وأصبحت "القوة" الآن "الطاقة". والطاقة نفسها شيء لا يمكن فصله عن المادة الباقية. والسبب كان هو الشكل الفلسفي لما كان يسميه علماء الطبيعة بالقوة، وقد أصبح هذا التصور قديماً، إن لم أقل: إنه قد مات فعلاً، إلا أن هذه الفكرة لم تعد قوية كما كانت من قبل".
ويقول "رسل" أيضاً:
"إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً، وعند رفض هذا النوع من
стр. 458
الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل".
ويقول أيضاً:
" إن العلوم تشمل كلا العالمين: الحقيقي والعالم المتخيّل وجوده. وكلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية يتم استنباطها بناءً على المشاهدة. والحقيقة أنه لا يمكن رفض مذهب الشك الكلي إطلاقاً، إلا أنه مع ذلك يصعب قبول التشكيك الكلي في نفس الوقت".
ويقول أيضاً:
"إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية (في النظريات أو الآراء) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون بكثرة وبدون جدوى".
ونظراً إلى واقع حال "رسل" التائه عن الحقيقة، استطاع البروفسور "ألان وود" أن يقرظه بقوله: "برتراندرسل فيلسوف بدون فلسفة".
كشف الزيف
سأقتصر على كشف أهم ما في أقوال "رسل" وفلسفته من زيوف في الكواشف التالية، عنواناً على سائر زيوفه:
الكاشف الأول: لقد اكتشفنا من أقوال "رسل" أن فلسفته تعتمد على الاعتراف بأن العلوم متى تجاوزت منطقة المدركات الحسية فإنها لا تملك معارف يقينية، ولكن مع ذلك لا بد من قبول هذه المعارف التي يتوصّل إليها بالاستنباط، وإن لم تكن يقينية، لئلا تتعطل الحياة العملية، وتقف عن الإنجاز، إذ لا سبيل إلى اليقين فيها.
فليس هو في هذا من الذين لا يقبلون إلا ما يدرك بالحس المباشر أو غير المباشر، وإنما يجعل ما يتوصل إليه من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية، لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين.
فما الذي صدّه إذن عن الإيمان بالله ، والإيمان باليوم الآخر
стр. 459
الذي هو من لوازم حكمته وعدله، مع أن الأدلة الاستنباطية الترجيحية هنا - إن رُفِض اعتبارها يقينية- أقوى بكثير من التخيلات الأخرى، التي يفسر بها الملحدون نشأة الكون وتطوره، ونشأة الحياة وتطورها؟!
هنا تظهر عقدة الهوى والتعصب ضد الدين، عند "رسل" وعند سائر الملحدين.
وهذا التعصب لديهم، لا تدعمه أية أدلة مرجّحة لقضية الإلحاد، بل ليس للإلحاد في الحقيقة أي دليل، غير مجرد سفسطات وتخيلات تقوم في رؤوس أصحابها فقط.
إن التفسير البديل لقضية الإيمان بالخلق الربّاني إنما هو فرضية الارتقاء الذاتي، وأزلية المادة.
أما أزلية المادة فقضية مرفوضة علمياً ومنطقياً.
وأما الارتقاء الذاتي فيعبّر عنه "السير آرثر كيث" - كما سبق - بقوله:
"الارتقاء غير ثابت، ولا يمكن إثباته، ونحن نؤمن بهذه النظرية لأن البديل الوحيد هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهو أمرٌ لا يمكن حتى التفكير فيه".
لكن: لماذا لا يمكن التفكير فيه؟
والجواب الوحيد: لأنه لا يسمح له هواه بأن يعترف بالله الخالق، وبأن يخضع له بعد ذلك خضوع العبادة والطاعة.
فتمرده وتمرد نظرائه الملحدين إنما هو تمرد المستكبرين المعاندين، أو تمرد طالبي الفجور في الأرض، دون أن يشعروا بأن فوقهم رقيباً محاسباً، عزيزاً حكيماً.
стр. 460
وهم يدعون إلى الإلحاد لإضلال الجاهلين، الذين لم تكشف لهم أضواء المعرفة طريق الحق.
ما أعجب سلطان الهوى، وسلطان التعصب، وسلطان الالتزام بالمبادئ الحزبية على الناس!!.
إن هذه المؤثرات التي تجنح بهم عن سواء السبيل، تسوقهم إلى الشقاء الأبدي والعذاب الأليم، وتجعلهم يؤثرون الضلالة على الهدى، والظلمات على النور.
الكاشف الثاني: لقد سقط "رسل" في سخف استدلالي مفضوح جداً، حين احتج على عدم جدوى النظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية، على عدم الحاجة إلى مشرعين أخلاقيين، بمثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير، إذ قال: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين، وإنما هي تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب.
إنه بهذا الاستدلال قد لعب لعبة التعميم الفاسد مرتين:
الأولى: حين جعل هذا المثال كافياً لإلغاء حاجة البشرية إلى التشريعات الأخلاقية.
أظن أن مثل هذا الاستدلال لا يقبله أطفال المتعلمين فضلاً عن عقلاء الناس ومثقفيهم، وذلك لأن الناس جميعاً يلاحظون أن للإنسان نوعين من السلوك:
أما أحدهما فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته، وهو مع ذلك ينطبق على المبادئ الأخلاقية، ولا يتعارض معها، ومن ذلك عاطفة الأم التي تتحرك بلهفة لشفاء طفلها المريض.
وأما الثاني فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته، لكنه يتعارض مع المبادئ الأخلاقية (الحق والواجب والفضيلة والجمال) ويدخل في هذا
следующие страницы →