← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

في سلسلة أعداء الإسلام ٦ كواشف زيوف في المذاهب الفكريّة المعاصرة دراسة علميّة نقدية تحليليّة بمنظار إسْلامي لزيوف كبريات الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة وأئمتها عبد الرّحمن حسن حَبَنّكة الميداني

стр. 2

لولا أنّ الإسلام حقّ بذاته، مؤيّد بتأييد الله، محفوظ بحفظه، لم تبق منه بقيّة تصارع قوى الشرّ في الأرض، الّتي ما تركت سبيلاً من المكر به إلاّ سلكته، ولا سَبباَ لإطفاء نوره إلاّ أخذت به، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

стр. 3

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال الله في أواسط العهد المدني في سورة (الصف / ٦١ مصحف / ١٠٩ نزول) : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *﴾ . وقال الله في أواخر العهد المدني في سورة (التوبة / ٩ مصحف / ١١٣ نزول) : ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدينِ كُلهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . النص الأول يشير إلى إعداد الكافرين الوسائل التمهيدية ابتغاء إطفاء نور الله بأفواههم. والنص الثاني يشير إلى إرادة الكافرين إطفاء نور الله بأفواههم بعد أن استكملوا إعداد الوسائل بحسب تصورهم. لذلك كان النصّ الأول مشتملاً على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بهدوء المتمكن الواثق من قوة نفسه وعجز عدوه، وكان النص الثاني مشتملاً على قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بتعبير فيه حركة الناهض بكل قوته لقمع عدوه، وإحباط وسائله، وإدحاض باطله. * * *

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فاتِحَة الكِتَاب الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. والصلاة والسلام على سيدنا وقائدنا محمد خاتم رسل الله، الذي اجتباه ربّه واصطفاه، وأرسله بخاتمة رسالاته للناس، فأظهر به وبمن اتّبعه بإحسان دينه الحقّ على الدين كلّه، وعلى كل فكرة ومذهب مناقض له، بالحجّة والبرهان، وبما يكتشف الناس على الدوام من سيّئات وويلات تطبيقات الأديان والمذاهب المخالفة. اللهم أرنا الحق حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا وسدّدنا يا ربّ العالمين. وبعد فإن الفتنة المعاصرة الكبرى آتية من الآراء والأفكار والشعارات والمذاهب الفكرية المعاصرة، التي تناولت حرمات العقائد الدينيّة الربّانية الكبرى، وتناولت مقدّسات المبادئ والأخلاق، بالتقويض والهدم، والتشويه والرجم. وعبثت بالنظم ومناهج السلوك الإنساني الفردي والاجتماعي، التي جاءت بها الشرائع الربانية، وأكملها الله بالرسالة الخاتمة، التي بعث محمداً خاتم أنبيائه ورسله. وقد انتشرت هذه المحدَثات الفكرية المعاصرة مع تفجّر منجزات الحضارة الماديّة المعاصرة التي بدأت منذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي في الغرب وما زالت تتسارع بصورة مذهلة حتى وقتنا هذا.

стр. 5

وقد أثبت المتتبعون من أهل البحث أن اليهود يحملون كبر نشرها في العالم، وظهر هذا في مخططاتهم السرية، وفي كون أئمة معظم هذه المذاهب المعاصرة هم من اليهود. وكانت الدراسات الفلسفية والنفسية والاجتماعية، هي المجالات الخاصبة، التي أُسست فيها هذه الآراء والأفكار والمذاهب الفكرية المعاصرة، مع بعض مجالات أخرى. وجرَّت هذه المحدثات الفكرية المعاصرة التي عبثت بالعقائد الدينية، والمبادئ والأخلاق والنظم ومناهج السلوك، للأمم والشعوب بلاءً كبيراً، وشراً مستطيراً، وأمست منذرة بانهيار ساحق، ودمار ماحق، وكثير من هذه المحدثات هو من دفائن الأولين، من الكافرين والفاسقين والمجرمين، والمهلَكين المدمر عليهم. وصار لزاماً على دعاة الحق وأهل الفكر أن يكشفوا للناس زيوف هذه المذاهب، وما اشتملت عليه من باطل كثير. وقد حمّل الله الأمة الإسلامية مسؤولية دعوة الخلق إلى الحق، وتبصير الناس به، ليكونوا يوم القيامة شهداء على الناس. وإن ثقل هذه المسؤولية يقع على علماء المسلمين ومفكريهم وباحثيهم، إذْ لا سعادة للبشرية إلا باتباع منهج الله، الذي بلغهم عن خاتم رسل الله محمد وحملهم اله مسؤولية تبليغه وبيانه. وقد بدأ المفكرون الإسلاميون، بحمد الله، يتحملون هذه المسؤولية، ويجاهدون في سبيل الله جهاداً فكرياً، ويحاولون القيام بواجبهم في هذا المجال على قدر استطاعتهم، فظهرت مقالات وبحوث وكتب ورسائل جامعية مشكورة. ولكن لا يزال العمل في هذا المجال - كما أرى - في المراحل الأولى من الطريق الطويل.

стр. 6

وإني ما زلت منذ مطلع العام الدراسي (١٣٩٧ - ١٣٩٨ هجرية) أقوم بتدريس مادة " المذاهب الفكرية المعاصرة " في جامعة أم القرى بمكة المكرمة (جامعة الملك عبد العزيز: سابقاً) على مستوى الدراسة الجامعية، ومستوى الدراسات العليا، التي تُعِدّ لنيل شهادة الماجستير فالدكتوراه. وكتبت في هذه المادة مذكرات للطلاب والطالبات، لتكون بين أيديهم شارحة بعض الموضوعات فيها. ومنذ حين وفي عزمي على أن أستكمل هذه المذكرات، حتى تستوعب الموضوعات والعناصر التي ينبغي أن تشتمل عليها مادة " المذاهب الفكرية المعاصرة "، وأن أرتبها وأصنّفها تصنيفاً يجعلها صالحة لإخراجها في كتاب ملتزم بمنهجية التصنيف والتبويب والتقسيم والترتيب المنطقي. وكانت تشغلني عن استكمال تصنيفه مشاغل أخرى نافعة إن شاء الله، ظهرت ثمراتها في عدة مؤلفات. إلى أن أذن الله ، فأقدرني على متابعة العمل بفضله وجوده وكرمه، ومعونته وتوفيقه، ولا حول ولا قوة إلا به. وكان شهر رمضان الميمون في مكة المكرمة من سنة (١٤٠٤ هجرية) شهر بركة وفتح، وعون من العلي القدير، فتفرغت فيه لمتابعة العمل في هذا الكتاب، حتى قطعت فيه من أشواط السعي بنسبة خمسة إلى سبعة. ثمّ سافرت مع أسرتي في إجازة الصيف إلى تركيا، فانقطعت عن العمل في إتمام الكتاب. ولم يتهيا لي بعد العودة من الإجازة الصيفية التفرغ الكامل لإتمام العمل، لكني صرت أقتطع أوقاتاً للعمل، وانتهبها انتهاباً، حتى أذن الله بإكمال الكتاب في اليوم الأول من شهر صفر سنة (١٤٠٥) هجرية. وإذ قم تم الكتاب بفضل الله ومنه وكرمه، فإني أقدمه لقراء العربية، لا سيما المسلمون الذين يُهمهم أن يعرفوا زيوف الأفكار التي غزتهم في

стр. 7

هذا العصر، عن طريق المذاهب الفكرية المعاصرة، ليكونوا على بصيرة بها، وليبصروا بها الأجيال الصاعدة من أجيال الأمة الإسلامية، ولتكون لديهم القدرة على حماية أنفسهم وأمتهم، ومقارعة خصومهم بالحجج المنطقية، والبراهين والقواطع. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل , والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. مكة المكرمة غرة صفر ١٤٠٥ هجرية عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

стр. 8

خِطّةُ الكِتَابْ نظرت في الأفكار والآراء والشعارات والاتجاهات والتيارات والمذاهب المعاصرة، ذات الأهداف الرامية إلى هدم الدين والأخلاق والنظم الاجتماعية ذات الكيانات والأبنية الثابتة المستقرة، وسيلة إلى تمكين المفسدين في الأرض، الطامعين بخيراتها، من السيطرة على الشعوب والعلو في الأرض، واستغلال خيراتها، والتحكم بمقدراتها. ونظرت في الأفكار والمذاهب التي أفرزها الاتجاه العلماني المعادي للدين، أو المهمل له، بقصد هدم الدين، وبدون قصد لذلك. ونظرت في أسباب نشأة هذه المحدَثات المعاصرة، ومناخ ترعرعها، وعوامل ظهورها القوي، في هذه الحقبة من الدهر. وبحثت عن أهمّ وأخطر المفسدين المضلين في الأرض. ونظرت في وسائل التضليل الفكري، التي يتّخذها المضلّون المفسدون في الأرض. واكتشفت أن أخلاط هذه المحدثات المبتعدات الفكرية، ترجع إلى: ١- افتراءات تروج ضد الدين والأخلاق، ثمّ النظم والقوانين والأحكام وأنواع السلوك المنبثقة عن الدين والأخلاق. ٢- شعارات تخدع الجماهير، بما لها من بريق يُغْرِي، فتتعلق بها النفوس، وقد يكون لها مساحات جزئية محدودة، هي فيها حقٌ وخير.

стр. 9

وتأتي لعبة التضليل، فتستغلُّ عموم لفظ الشعار، وتزحف به شيئاً فشيئاً، حتى يعم مساحات فكرية هو فيها باطل وشر. وتنطلي الحيلة على الجماهير فتردد الشعار، ملاحظة المساحة التي هو فيها حق وخير، ومعممة تعميماً باطلاً، حتى تتولد لديها بالترديد الببغاوي القناعة بصحة الشعار في كل المساحات التي يمكن أن يتناولها عمومه. وبعض هذه الشعارات تحوّل فصار اتجاهاً أو مذهباً، يوجه بصورة عشوائية كل تصرفات من آمن به، ولو لم يكن في حقيقة أمره كافياً لأن يكون مذهباً ذا أسس ومفاهيم عامة، وقواعد ومناهج للسلوك. ٣- آراء وأفكار وتعليلات وتفسيرات فلسفية، هندسة في العلوم، من اعتقدها وسلم بصحتها كانت في نفسه: * بمثابة معول يهدم لديه عقائد الإيمان بالله، وبما جاء به رسل الله، أو يهدم لديه الأخلاق الكريمة وأسسها، أو يهدم لديه القيم التي تربطه بالجماعة. * أو بمثابة باعث شيطاني، يوقد فيه نيران الثورة الحاقدة على مجتمعه، ونظم مجتمعه , وقيم مجتمعه , وسائر المبادئ والقِيَم المسلم بها، أو المتواضع عليها. ثمّ غذت هذه الآراء والأفكار والتعليلات والتفسيرات الفلسفية المندسّة في العلوم مذاهب جزئية، ضمن مسائل العلوم التي هي مندسة فيها، دون أن يكون للعلوم التجريبية أو الوصفية علاقة بها، باعتبارها أفكاراً فلسفية تخيُّلية، لا تجريبية، ولا وصفية، ولا تثبتها براهين عقلية. ٤- مذاهب فكرية كبيرة، إلا أنها غير شاملة لجوانب الحياة كلها، فتوجد أخلاط منها في مختلف الشعوب، وفي مختلف الملل والمذاهب والأديان. ٥- مذاهب فكرية كليّة، مستجمعة لجملة قواعد ومفاهيم نظرية،

стр. 10

وأسس وقواعد وأنظمة لمناهج السلوك الفردي والاجتماعي في الحياة. وهي لدى المؤمنين بها بمثابة دين مهيمن على جميع تصرفاتهم. * * * تأملت في هذا كله فرأيت أن العمل المنهجي يتطلب مني أن أقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وضمن كل قسم منها أبواب وفصول. فالقسم الأول جعلته للمقدمات العامة التي تشتمل على التعريف بمناخ نشأة الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة، المناقضة للدين، ولمكارم الأخلاق، وللنظم الاجتماعية التي تنبثق عنهما، أو تستند إليهما. ووسائل التضليل التي يستخدمها المضللون لترويج الشعارات والآراء والأفكار والمذاهب الفكرية المعاصرة المزيفة. والقسم الثاني جعلته لعرض أهم الشعارات البرّاقة المزيفة الباطلة ولأفكار ولآراء ولمذاهب فكرية معاصرة جرئية منبثة وموزعة في علوم مختلفة، مع كشف زيوفها، وتعريفٍ بأئمتها. والقسم الثالث جعلته للمذاهب الفكرية الكبيرة، ذات التأثير المهيمن على سلوك شعوب وأمم ودول، مع كشف زيوفها، وتعريف بأئمتها. ومن الله التوفيق، وعليه الاتكال، وهو المستعان في كلّ أمر.

стр. 11

القِسمُ الأوّل مِنَ الكِتَاب مقدمات عامة وفيه بابان: الباب الأول: تعريف بمناخ نشأة الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة المناقضة للدين ولمكارم الأخلاق وللنظم الاجتماعية التي تستند إليهما. الباب الثاني: وسائل التضليل لترويج الشعارات والآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة المزيفة.

стр. 12

الباب الأول تَعريفٌ بمَنَاخِ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة مقدمة عامة. الفصل الأول: مناخ نشأتها في أوروبا. الفصل الثاني: تحرّك اليهود مستغلين المناخ الملائم في أوروبا. الفصل الثالث: أسباب تَقَبُّلِ شعوب الأمة الإسلامية، لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة.

стр. 13

مَقَدِّمَة عَامَّة مما يساعد على تقبل الأفكار والمذاهب الفاسدة الضارة وجود المناخ المناسب لنشأتها وانتشارها. إن المناخ المناسب لانتشار الجراثيم الضارة، والأمراض الوبائية، يتجلي بانحجاب نور الشمس، وتراكم القذارات، والرطوبة، وتكاثف السكان، ونقص الغذاء. كذلك نشأة المذاهب والأفكار الباطلة الفاسدة المفسدة، وكذلك انتشارها. إنها تنشأ وتنتشر حينما تغيب شمس الهداية الحقة، أو تحجبها حجب كثيفة، وتتراكم قذارات الأعمال الفاسدة، والانحرافات الخلقية، والظلم الاجتماعي، والضغط السياسي الظالم الآثم، والاضطهادات الجائرة، والأنانيات المفرطة، والفوارق الطبقية الفاحشة التي لا تقوم على قواعد الحق والعدل , والمولدة لصنوف الحقد، والحسد، والكراهية، والراغبة بالانتقام، ولو عن طريق الثورة المدمرة. يضاف إلى ذلك تمكين عناصر الشر والفساد المجرمة من أن تعيث في الأرض فساداً، وتنشر بين الجاهلين ضلالاتها، وتستدرج ذوي العقول الصغيرة إلى شبكاتها، وذوي المطامع الكبيرة إلى مغرياتها. وقد نشأت وانتشرت المذاهب الفكرية المعاصرة في الغرب أولاً، ثمّ امتدت إلى مختلف شعوب العالم، ثمّ زحفت بويلاتها وألوان زيوفها وفجورها إلى شعوب الأمة الإسلامية.

стр. 14

فعلينا أن ندرس المناخ الذي هيأ لنشأتها وانتشارها في الغرب أولاً، ثمّ ندرس المناخ المناسب الذي جعل شعوب الأمة الإسلامية تتقبل وافداتها، أو تستوردها أحياناً، وجعلها تسمح بانتشارها بين ناشئتها، رغم زيوفها ومفاسدها وشرورها الكثيرة. * * *

стр. 15

الفصْل الأوّل مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا باستطاعة الباحث أن يكتشف أهم العوامل التي هيأت المناخ المناسب لانتشار المذاهب الفكرية المعاصرة في أوروبا. ويمكن إيجازها بالعوامل التالية: العامل الأول: التحريف في أسس الدين الذي أنزله الله على عيسى ﵇، عقيدة وشريعة. أ - فالإيمان بالله الواحد خالق الكون، وبأن عيسى عبد الله ورسوله، قد صار في عقيدة النصارى إيماناً بإله مثلث يتجسد، أو يحل بالإنسان، وهو ثلاثة أقانيم (الآب والابن والروح القدس) . ب - والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة، وهذه المبتدعات حملها النصارى مفاهيم غيبية، وفسروها بأن لها أسراراً مقدسة، وجعلوا لها طقوسا تمارس في مناسباتها، ويجب احترامها. جـ - والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وهي تحلِّل وتُحرم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله أو بيانات الرسول ﵇. فدين من هذا القبيل مقطوع الصلة بالحق وبما أنزل الله من الحق، غير مؤهل لأن يكون له سلطان على العقول والنفوس في عصور التنور

стр. 16

الفكري، والتقدم الحضاري، وانتشار العلوم والمعارف المستندة إلى أدلة إثبات عقلية أو حسية تجريبية. العامل الثاني: الفتح الإسلامي الذي أيقظ العالم الغربي من سباته، ثمّ الفكر الإسلامي الذي امتد فأثار الإعجاب بمناهجه العقلية والعلمية القائمة على الحق، وعلى الأدلة البرهانية في القضايا النظرية، حتى في المسائل الدينية الكبرى، فضلاً عن القضايا الكونية القائمة على البحث والملاحظة والتجربة، للاستفادة مما سخر الله للناس في الكون، والتعرف على سنن الله فيه، واكتشاف القوانين الثابتة التي طبع الله كونه عليها. العامل الثالث: طغيان رجال الكنيسة، وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، ويهيمنون بها على الجماهير الأمية الساذجة. ثمّ اضطهادهم الشنيع المريع لكل من يخالف أوامرهم السنية، أو يخالف التعليمات الكنسية المرعية المبتدعة في الدين، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى ولو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهدات العلمية المادية. العامل الرابع: الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي. ولما اصطدم هذا الاتجاه بجمود الكنيسة ومقاومتها للعلماء، حاول رويداً رويداً، فكرياً ثمّ عملياً، أن يعزل الكنيسة عن شؤون السياسة، الذي صادف هوى ملوك الغرب وزعمائه السياسيين الذين لا دين لهم، ثمّ عن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام، الذي صادف هوى الشباب والشابات، بعد تغذيتهم بنزعة الحرية العمياء، كما صادف هوى كل الذين يصانعون الدين مصانعة وهم لا يؤمنون به.

стр. 17

وبهذا العزل ينحصر سلطان الكنيسة في شؤون الدين الغيبية والروحية، وفي مراسيمه وطقوسه الخاصة. * * * (١) تفصيل العامل الأول بإيجاز وهو تحريف الدين عقيدة وشريعة، وتحوله إلى أوضاع بشرية مشحونة بالخرافات. استقرت العقيدة النصرانية الرسمية المؤيدة من الكنائس الغربية والشرقية، على فكرة التثليث التي عملت دسائس اليهود منذ القرن الأول الميلادي على إدخالها في المسيحية. كما استقرت على تحريفات أخرى دخلت في أحكامها وتطبيقاتها بعوامل شتى، منها ما كان مكراً مقصوداً من أعداء المسيحية الذين دخلوا فيها نفاقاً، ليفسدوها من داخلها، ومنها ما كان من المسيحيين أنفسهم، ومن رجال الكهنوت فيهم، استجابة لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم ومنافعهم الدنيوية الخاصة، أو استجابة لضغوط ذوي السلطان والجاه، من ملوكهم وزعمائهم وأغنيائهم وقادتهم العسكريين. وفيما يلي لمحة عن تاريخ التحريف الذي دخل في المسيحية، فأفسد أصولها الربانية التي أنزلها الله على عيسى ﵇. ١ - دسائس "بولس": من الذين احتلوا مركزاً مهماً من مراكز الصدارة في الديانة النصرانية رجل اسمه "بولس". وبولس هذا قصته في النصرانية قصة عجيبة غريبة، إنه صاحب الشأن الخطير في تحريف الديانة النصرانية عن أصولها الربانية الصحيحة التي أنزلها الله على عيسى ﵇.

стр. 18

كان هذا الرجل يهودياً طرطوسياً من الفريسيين، وكان اسمه "شاوُل" وهو لم يرَ عيسى ﵇، ولا سمعه يدعو الناس ويبشر بدين الله، مع أنه قد أدرك زمانه. وكان في أول عهده من كبار أعداء النصارى الذين آمنوا بعيسى وصدقوه واتبعوه، حتى كان ممن أنزل بهم ألواناً من الاضطهاد والقتل والتعذيب. وبعد أن رفع الله عيسى ﵇ إليه بمدة من الزمن أعلن "بولس = شاوُل" هذا بشكل مفاجئ دخوله في النصرانية، وأحاط دخوله فيها بادعاءات غريبة جرت له، ومشاهدات روحية خاصة ادعى فيها أن يسوع بنوره الباهر هبط عليه عندما كان قادماً من دمشق وقريباً منها. وقال له: لماذا تضطهدني؟ . فقال "بولس = شاول" وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له: " قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل "وبعد أن قاده رفاقه إلى دمشق، واستقر فيها، أتاه حنانيّاً، وكان هذا رجلاً مشهوداً له بالتقوى من جميع اليهود السكان كما يذكر "بولس" فأخبره بأن الله قد اختاره ليعلم الدين ويكرز بالمسيحية، أي: يعظ بها ويدعو إليها. جاء في الإصحاح التاسع من أعمال الرسل ما يلي: " (١) أما شاوُل فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب ... " " (٣) وفي ذهابه حدث أن اقترب إلى دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء (٤) فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له: شاوُل شاوُل لماذا

стр. 19

تضطهدني؟ . (٥) فقال: من أنت يا سيد؟ . فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.... (٦) فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ . فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل ... " " (١٩) ... وكان شاول مع التلاميذ الذين في دمشق أياماً (٢٠) وللوقت جعل يكرز في المجاميع بالمسيح أن هذا هو ابن الله (٢١) فبهت جميع الذين كانوا يسمعون وقالوا: أليس هذا هو الذي أهلك في أورشليم الذين يدعون بهذا الاسم؟. ويروي الإصحاح الثاني والعشرين من أعمال الرسل عن "بولس=شاول" أنه قال: " (٣) أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية، ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدباً عن رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي. وكنت غيوراً لله كما أنتم جميعكم اليوم. (٤) واضطهدت هذا الطريق حتى الموت، مقيداً ومسلماً إلى السجون رجالاً ونساءً. (٥) كما يشهد لي أيضاً رئيس الكهنة وجميع المشيخة الذين إذ أخدت أيضاً منهم رسائل للإخوة إلى دمشق ذهبت لآتي بالذين هناك إلى أورشليم مقيدين لكي يعاقبوا. (٦) فحدث لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق أنه نحو نصف النهار بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم. (٧) فسقطت على الأرض وسمعت صوتاً قائلاً لي: شاول شاول لماذا تضطهدني؟. (٨) فأجبت من أنت يا سيد؟. فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده. (٩) والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني. (١٠) فقلت: ماذا أفعل يا رب؟ . فقال لي الرب: قم واذهب إلى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل. (١١) وإذ كنت لا أبصر من أجل بهاء ذلك النور اقتادني بيدي الذين كانوا معي فجئت إلى دمشق (١٢) ثمّ إن حنانياً رجلاً تقياً حسب الناموس ومشهوداً له من جميع اليهود السكان (١٣) أتى إلي ووقف وقال لي: أيها الأخ شاول أبصر. ففي تلك الساعة نظرت إليه (١٤) فقال: إله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته وتبصر البار وتسمع صوتاً من

стр. 20

فمه. (١٥) لأنك ستكون شاهداً لجميع الناس بما رأيت وسمعت. (١٦) والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب". ومنذ ذلك الحين نشط بالدعوة إلى المسيحية معلناً أن عيسى هو ابن اله، حتى صار المعلم الأول في المسيحية، وداعيتها النشيط، وأخذ ينشر أنه يتلقى التعاليم المسيحية إلهاماً، ويستر بهذه الدعوى ما يعلمه الناس عنه من أنه لم يكن من تلاميذ المسيح، ولم يجتمع به، ولم يسمع منه، ويفتح لنفسه بهذه الدعوى الكاذبة مجال التلاعب بأصول الدين. والتحريف فيه وفق مخطط يهودي لكل ما ليس بيهودي، ولو كان منزلاً من عند الله. وصار هذا الرجل اليهودي في تاريخ المسيحية أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقاد النصارى بعد رفع المسيح، وأُلهموا بالتبشير بالمسيحية، كما ألهموا مبادئها، ويسمي النصارى هؤلاء السبعين رسلاً، أي: رسلاً للتبشير بالمسيحية في الأقطار. وتفاقم تأثير "بولس" حتى صار معلماً لـ"مرقس" أحد كتاب الأناجيل الأربعة، إذ لازمه ملازمة التلميذ لأستاذه، وصار معلماً لـ"لوقا" أحد كتاب الأناجيل الأربعة أيضاً، قالوا: وكان "لوقا" التلميذ الحبيب والرفيق الملازم لـ"بولس" وليس هو من أصل يهودي. وفكرة أن عيسى "ابن الله" لم تكن قد عرفت من قبل "بولس". ولكن بعد أن دخل المسيحية منافقاً، وأحل نفسه منها في مركز المعلم الأول الذي يتلقى تعالمي الدين إلهاماً، أخذ يطوف في الأقاليم يبشر بالمسيحية الجديدة، ضمن خطة، فيها دهاء كبير، فيلقي الخطب، وينشيء الرسائل، حتى كانت رسائله هي الرسائل التعليمية، بما حوت من مبادئ اعتقادية وشرائع عملية. قالوا: وقد قُتل في اضطهادات "نيرون" سنة (٦٦ أو ٦٧م) . وبهذه الخطة الماكرة استطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة

стр. 21

المسيحية، دون أن يستطيع أحدٌ معارضته، لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقياً إلهامياً ورحياً، وصدقوه في ذلك، وأدخل في المسيحية ما أدخل، وحرف فيها ما حرف، وكاد دين الله أيما كيد. ٢ - نشأة الكاثوليكية: بعد أن أدخل اليهودي "شاول=بولس" بمكره الخبيث على الديانة النصارنية فكرة تأليه عيسى ﵇ وأنه ابن الله، لم يسيطر هذا التحريف على عقائد كل النصارى، بل اقتصر على طائفة قليلة منهم، أما الكثرة الكاثرة منهم فقد كانوا موحدين، يؤمنون بأن عيسى ﵇ عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم. ولكن دعاة النصرانية بعد أن رفع الله عيسى إليه، لم يستطيعوا أن يجاهروا بدعوتهم، واقتصر عملهم على الدعوة السرية خوفاً من الدولة الرومانية الوثنية، التي خافت على سلطانها منهم فكانت في كثير من الأحيان تضطهد أتباع عيسى ﵇، وكل من ينتمي إلى المسيحية، ولجأ المسيحيون إلى بناء الأديرة والصوامع في الجبال والمواطن النائية، ليعبدوا فيها ربهم، وفق ما يفهمون من دنيهم، وحين يخف الضغط عليهم وتكف الدولة عن اضطهادهم ينشطون في بناء الكنائس في المدن. وبسبب النشاط السري للدعوة على امتداد الإمبراطورية الرومانية لم يظهر للإنجيل الرباني الذي أنزله الله على عيسى ﵇ أثر مادي يوثق به، لقد فقد منذ العصور الأولى للديانة النصرانية، كما حقق ذلك العلماء الباحثون، ويجد القارئ في إنجيل "متى" وإنجيل "مرقس" وبعض رسائل "بولس=شاول" فقرات تشير إليه. اضطهاد المسيحين: مرت على المسيحيين أدوار من الاضطهاد الديني الذي كان يشتد ويخف من حين لآخر وذلك منذ رفع المسيح عيسى ﵇، حتى أوائل القرن الرابع الميلادي. وبلغ الاضطهاد الروماني لهم ذروته في العهود التالية:

стр. 22

أولاً: في عهد الإمبراطور الروماني "نيرون" الذي اعتلى عرش الإمبراطورية من سنة (٥٤) إلى سنة (٦٨) ميلادية. ولقد لفق لهم تهمة حرق مدينة روما، فأنزل بهم أنواع العذاب، وتفنن في ذلك، وكان يحكم عليهم بالقتل الجماعي، ومنذ ذلك الحين بدأ اضطهاد الرومان للمسيحيين يأخذ طابع العنف الجماعي. ثانياً: في عهد الإمبراطور "تراجان" الذي حكم من سنة (٩٨) إلى سنة (١١٧) ميلادية. وفي عهده كان المسيحيون يصلون في الخفاء هرباً من اضطهاده، وأمر هذا الحاكم بمنع الاجتماعات السرية، وأنزل بهم ألوان الذل والعذاب لذلك. وكان بعض ولاة هذا الإمبراطور يحكم بعقوبة الإعدام على من تثبت عليه التهمة بأنه مسيحي. ثالثاً: في عهد الإمبراطور "ديكيوس" الذي حكم من سنة (٢٤٩) إلى سنة (٢٥١) ميلادية. وقد أصدر هذا الإمبراطور أمراً باضطهاد عام للمسيحيين. رابعاً: في عهد الإمبراطور "دقلديانوس" الذي حكم من سنة (٢٨٤) إلى سنة (٣٠٥) ميلادية. فقد أمر هذا الإمبراطور بهدم كنائسهم في مصر، وإحراق كتبهم، وسجن أساقفتهم ورعاتهم، قالوا: وقد قتل منهم نحو ثلاثمائة ألف قبطي. إن هذا الاضطهاد قد جعل المسيحيين في هذه الأحقاب يستخفون بدعوتهم، ويفقدون كثيراً من كتبهم، ويجعل ديانتهم عرضة للضياع والتحريف، لا سيما ما كان من قِبَلِ أعدائهم اليهود الذين كانوا يدخلون في المسيحية نفاقاً.

стр. 23

وبسبب الاستخفاء والسرية ودسائس المنافقين من يهود وغيرهم، وجهل كثير من المنتمين إلى المسيحية، انقسم المسيحيون إلى طوائف متعددة، وفرق متباينة في مذاهبها الاعتقادية. فمنهم الموحدون، ومنهم اعتقدوا ألوهية المسيح عيسى، وآخرون اعتقدوا أن المسيح ابن الله، ومنهم من لفق فكرة الأقانيم الثلاثة: "الأب والابن وروح القدس" وجعلها إلهاً واحداً. إلى غير ذلك من معتقدات. ولكن ظروف الاضطهاد الذي كان ينزل بهم جميعاً لم يسمح لطوائفهم بأن تتصارع فيما بينها تصارعاً سافراً. قسطنطين الأول الأكبر واعتناقه المسيحية: ثمّ جاء الإمبراطور الروماني "قسطنطين الأول الأكبر" الذي وصل إلى عرش الإمبراطورية على جسر من أشلاء النصارى الذين بذلوا دماءهم من أجل إيصاله إلى الحكم ليظفروا بعطفه على النصرانية متى صار إمبراطوراً، وقد حكم الإمبراطورية من سنة (٣٠٦) إلى سنة (٣٣٧) ميلادية، فبدا له بعد ست سنوات من حكمه، أي: في سنة (٣١٣م) أن يعتنق المسيحية، دون أن يبتعد كثيراً عن وثنية روما التي كانت دين أسلافه، وهي عقيدة وثنية قائمة على التثليث، وكان هذا ثمرة تأييد النصارى له. فأصدر مرسوماً بذلك، ولبست الوثنية الرومانية منذ ذلك الحين ثوب المسيحية، وثم ثمّ عطف الإمبراطور على المسيحيين، وسمح لهم بإعلان طقوسهم وعباداتهم، وربما دفعه إلى ذلك أيضاً خوفه على عرش الإمبراطورية من أن يسقط في أيدي المسيحيين، الذين تكاثروا تكاثراً عظيماً في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، رغم أنواع الاضطهاد الذي كان قد سُلّط عليهم فيما سبق. ولما شعر المسيحيون بأنهم ملكوا حريتهم الدينية، وحرية التبشير بالمسيحية، ظهرت خلافات طوائفهم المختلفة، وبدأت الصراعات المذهبية تظهر بينهم، ولما رأى الإمبراطور "قسطنطين" طوائفهم المختلفة، وأخذت تظهر صراعاتهم المذهبية، أراد أن يتدخل في شؤون الكنيسة، ليعتمد مذهب إحدى الطوائف المتصارعة المختصمة فيما بينها، والتي يكفر بعضها

стр. 24

بعضاً، فدعا إلى مجمع كنسي عالمي، وهو ما يعرف باسم "مجمع مسكوني". فانعقد هذا المجمع المسكوني الأول بأمره في "نيقية" سنة (٣٢٥) ميلادية فكان يُعرف هذا المجمع في التاريخ المسيحي بمجمع نيقية. مجمع نيقية: وفد إلى مجمع "نيقية" الذي دعا إليه "قسطنطين" من مختلف البلدان (٢٠٤٨) من البطارقة والأساقفة، ودار النقاش فيه حول شخص المسيح عيسى ﵇. فطائفة تقول: إن المسيح عيسى ﵇ رسول من عند الله كسائر الرسل، وهو ابن الإنسان، وعبد من عباد الله اصطفاه الله بالرسالة، وزعيم هذه الطائفة "أريوس". وقد انضم إلى رأيه ممن حضر المجمع أكثر من سبعمائة بطرق وأسقف. وطائفة تقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وزعيم هذه الطائفة "سابليوس". وطائفة تقول: إن المسيح إله، وهم الملتزمون بأقوال "بولس=شاول" الذي سبق الحديث عنه. إلى غير ذلك من مذاهب ولدها الغلو في عيسى ﵇، ولفقتها الأوهام المنبثقة من كون عيسى قد وُلد من أم فقط بلا أب على خلاف المعتاد، ومن تعليق صلبه مع أنه إله أو جزء من الإله أو ابن الله كما صوره لهم الغلو فيه. وهكذا الأوهام يجر بعضها بعضاً وتتولد الخرافات

стр. 25

الكثيرة، وتتراكب الأخطاء، والأغاليط، والعقائد الباطلة، والمفاهيم الفاسدة. وسمع "قسطنطين" مقال كل طائفة، فعجب من هذا الخلاف، وأمرهم أن يتناظروا، وقد أخلى داراً للمناظرة. ولما كان القائلون بألوهية المسيح وبفكرة التثليث ملتقين مع فكرة "قسطنطين" الوثنية السابقة، فقد صادف هواه، وربما كان للقائلين بالتثليث من أتباع "بولس=شاول" صاحب التحريف الأول في النصرانية، تأثير على الإمبراطور، فقد يكون بعضهم قد صار من المقربين إليه، ومن حاشيته ومستشاريه، فزين له اعتماد مذهب أهل التثليث. فأحصى "قسطنطين" القائلين بالتثليث في هذا المجمع المسكوني الأول، فوجدهم (٣١٨) فجمعهم في مجلس خاص بهم، وجلس في وسطهم، وأخذ خاتمة وسيفه وقضيبه، فدفعها إليهم، وقال لهم: "قد سلطتكم على مملكتي، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه، مما فيه قوام الدين , وصلاح المؤمنين ". فبارك هؤلاء الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له " أظهر دين النصرانية، وذب عنه". وأمر "قسطنطين" بأن تكون هذه العقيدة هي الدين العام، ومن ثمّ ولدت "الكاثوليكية" ديناً رسمياً للدولة الرومانية، وترجمة هذه اللفظة "الدين العام". وسلط الإمبراطور "قسطنطين" معتنقي هذا الدين على مخالفيهم، مع العلم بأن المخالفين كانوا هم الكثرة الكاثرة التي لم تتأثر بدسائس بولس، وأقر هؤلاء أربع مخطوطات هي التي تعرف بالأناجيل الأربعة، من ضمن نحو مئة مخطوطة أمر الإمبراطور بتحريقها، وهذه المخطوطات قد أحضرها إلى المجمع كبار البطارقة المدعوين إليه، باعتباره وثائق دينية تؤيد مذاهبهم.

стр. 26

أما الموحدون الذين يؤمنون بأن عيسى عبد الله ورسوله فقد انضموا إلى "أريوس" وأطلق عليهم اسم "أريوسيين" أو "أريسيين". وظل أريوس مخالفاً معارضاً بعنف قرارات المجمع المسكوني القائلة بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث، وبأن عيسى ابن الله، ومعلناً بشرية المسيح، وبأنه ابن الإنسان، ومجاهراً بأن الله واحد لا شريك له، وبأنه منزّه عن الحلول بأحد. وصمود "أريوس" على العقيدة الصحيحة زعزع مركز الإمبراطور وأقلقه، ولذلك دعا إلى عقد المجمع المسكوني الثاني، واقتصر هذا المجلس على القائلين بالتثليث، ليناقشوا "أريوس". إلا أن هذا المؤمن الموحد صمد صمود الأبطال، فحكموا عليه بالكفر والنفي، وأخذوا ينكلون بمن كان يقول بقوله، ويحرفون أناجيلهم وكنائسهم، حتى أرغموا الناس على التظاهر بقبول العقيدة الكاثوليكية. آراء المؤرخين والمفكرين الغربيين فيما انتهت إليه النصرانية: ١- يقول الأمريكي "درابر" كما جاء في كتاب "تاريخ الصراع بين الدين والعلم": "دخلت الوثنية والشرك في النصرانية، بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام، وكذلك كان قسطنطين، فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره سنة (٣٣٧م) . إن الجماعة النصرانية وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع

стр. 27

جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت بمبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء - هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى الإسلام على منافسته الوثنية قضاءً باتاً، ونشر عقائده خالصة بغير غبش. وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا ولم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين (النصراني والوثني) أن يوحدهما، ويؤلف بينهما، حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني في عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها ". ٢- ويقول "جرين برنتن" كما جاء في كتابه "أفكار ورجال": "إن المسيحية الظافرة في مجمع "نيقية" - وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم - مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل ". * * * (٢) تفصيل العامل الثاني بإيجاز وهو تأثير الفتح الإسلامي، والفكر الإسلامي الذي انتشر معه، وامتد بعده. لما ظهر الإسلام، واتفقت عقيدته وعقيدة الموحدين من النصارى الذين ليس لهم سلطان رسمي في كنائس الإمبراطورية الرومية، دخل معظم هؤلاء الموحدين ومعهم كثيرون من سائر الطوائف النصرانية في الإسلام، فكانوا من المؤمنين بخاتمة رسالات الله للناس، وبخاتمة رسل الله. واستقرت العقيدة النصرانية الرسمية على الكاثوليكية، ثمّ ظهرت في

стр. 28

تاريخ المسيحية بعض الحركات الإصلاحية، التي لم تستطع تغيير جوهر التحريف الذي أمسى هو العقيدة المسيحية. ١- ففي القرن الثامن الميلادي في "سبتمانيا" - وهي مقاطعة فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط - ظهرت حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأنه ليس للقسس حق في ذلك، وما على الإنسان إلا أن يضرع الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم. وظاهر أن هذه الحركة متأثرة بامتداد التعاليم الإسلامية، التي ليس فيها خرافة الاعتراف والغفران أمام أحد من الناس، لكن العصاة يتوبون إلى الله ويستغفرونه دون أن يكون بينهم وبينه وسطاء، وهو وحده الذي إن شاء غفر لهم. ٢- وفي القرنين الثامن والتاسع للميلاد ظهر مذهب نصراني يفرض تقديس الصور والتماثيل، حتى أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث في سنة (٧٢٦م) أمراً يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل. وأصدر أمراً آخر في سنة (٧٣٠م) يقرر فيه أن تقديس الصور والتماثيل وثنية. وكذلك كان "قسطنطين" الخامس، و"ليو" الرابع. ويرى بعض المؤرخين أن ظهور هذا المذهب قد كان بتأثير امتداد الفكر الإسلامي، ويقولون: إن "كلوديوس" أسقف "تورين" والذي عين أسقفاً سنة (٨٢٨م) قد كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته، ومن المؤكد أنه تأثر بالإسلام لأنه ولد وربي في الأندلس الإسلامية.

стр. 29

٣- وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهرت "البروتستانتية" فرقة من فرق النصارى، إذ خرجت على الكنيسة الكاثوليكية، وأعطت الفرد حرية التقدير، وأبرزت مسؤولية الفرد تجاه الله وحده، وليس تجاه الكنيسة. وزعيم الإصلاح "البروتستانتي" في المسيحية هو القسيس "مارتن لوثر" الذي عاش ما بين (١٤٨٣ - ١٥٤٦م) . نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة "ايرفورت" سنة (١٥٠٥م) وبدأ يدرس القانون. ثمّ تحول عنه ودخل ديراً للرهبان الأغسطينيين. ورسم قسيساً سنة (١٥٠٧م) . ثمّ عين راعياً لكنيسة "فيتنبرج" بألمانيا. زار روما سنة (١٥١٠م) فساءه الانحلال الروحي المتفشي في الأوساط الكنسية العليا. فأخذ يفكر يخطط لإصلاح عقيدة الكنيسة وطرق العبادة فيها. وفي سنة (١٥١٧م) تحدى "تيتزل" الذي كان يبيع صكوك الغفران. واحتجاجاً على مفاسد رجال الكنيسة علق على أبواب كنيسة القلعة خمساً وتسعين قضيةً أثارت غضب السلطات الكنسية. فطلبوا منه سحب احتجاجاته فرفض، وأعلن مقاومته الصريحة لبعض العقائد المرعية. فأصدر البابا قراراً بحرمانه من غفران الكنيسة، فلما تلقاه "لوثر" أحرقه علانية. فالمذهب "البوتستانتي" ثمرة حركة "مارتن لوثر" إلا أن هذا المذهب لم يصل إلى إصلاح أصل العقيدة التي دخل إليها التحريف، فلم يمس عقيدة التثليث، ولا عقيدة الصلب والفداء، ولا غير ذلك من تحريفات جوهرية في الدين. ٤ - وكان للفتح الإسلامي تأثير كبير في الفكر الأوروبي بوجه عام، إذ قامت الحضارة الرائعة الرائدة في العواصم الإسلامية، وكان للدولة الإسلامية في الأندلس مجد عظيم امتدت أنواره إلى أوروبا الغارقة في الظلمات. لقد كان الفتح الإسلامي المجيد، وما جاء بعده من بناء حضاري

стр. 30

رائع بحسب زمنه، من أعظم الأسباب التي نبهت الشعوب الأوروبية إلى ضرورة الأخذ بالأسباب التي أخذ بها المسلمون. وبالبحث وجد مفكروهم أن المسلمين اعتمدوا في بناء حضارتهم الرائدة على البحث العلمي الصحيح، والتجارب العملية، فبعثوا بعوثهم إلى عواصم العالم الإسلامي، بغية اقتباس العلم، ومعرفة ما لدى المسلمين من نهضة حضارية، ووجدت بعوثهم أن الدين الإسلامي قد دفع المسلمين من الأبواب العريضة لاقتباس المعارف، والكشف عن أسرار الكون، وأسباب الظواهر التي تجري فيه، ومعرفة القوانين التي فطر الله الأشياء وطبعها عليها، ليتمكنوا من استخدامها، والانتفاع منها في صنع الوسائل الحضارية. وعادت هذه البعوث إلى بلادها تنادي بضرورة الأخذ بأسباب العلم والمعرفة، للوصول إلى مواقع القوة، وقيام النهضة الحضارية التي تحاكي ثمّ تسابق نهضة المسلمين، وتوقف انتشار الإسلام وامتداد الدولة الإسلامية الكبرى. واستجاب بعض مفكريهم لهذه النداءات، وشجع بعض ملوكهم هذه النهضة الفكرية، وحاول هؤلاء فصل النهضة العلمية عن سلطان الأديرة والكنائس، واتجهوا لتأسيس جامعات علمية قائمة على غير هوى رجال الكهنوت المسيحي. حتى شهدت أوربا الإمبراطور "فردريك" الثاني، الذي اعتلى عرش إيطاليا، وكان يلقب بأعجوبة الدنيا، يتمرد على سلطة البابا، ويفتح بلاطه لعلماء المسلمين ومفكريهم، ثمّ ذهب إعجابه بنهضة المسلمين

стр. 31

الفكرية والحضارية إلى إدخال تقاليدهم وعاداتهم في بلاطه. وفي سنة (١٢٢٤م) أسس جامعة "نابولي". وكانت هذه الجامعة تدرس فلسفة الفيلسوف العربي "ابن رشد" وفلسفة الفيلسوف اليوناني "أرسطو" المنقولة بأقلام المترجمين المسلمين، وكانت تعتمد على الدروس التي وضعها علماء من المسلمين مثل: "ابن سينا، والرازي، والفارابي" وغيرهم. والإمبراطور "فردريك" هذا، هو الذي أدخل الأرقام العربية، وعلم الجبر إلى أوروبا. وكانت جامعة "نابولي" وجامعة "ساليرنو" النافذتين اللتين انتقلت منهما النهضة الفكرية إلى جامعات "باريس" و"بولونيا" و"اكسفورد" ثمّ منها إلى جميع أنحاء أوربا. ثمّ اتسع احتكاك الأوروبيين الثقافي بالمسلمين في الأندلس، وفي القاهرة، ودمشق، وبغداد، وسائر العواصم الإسلامية، والمدن الكبرى في العالم الإسلامي، عن طريق التجارات، والرحلات، والسفارات. وزاد الاحتكاك توسعاً وعمقاً أيام الحروب الصليبية، التي دامت قرابة قرنين من الزمان. وكان كل ذلك موقظاً لأوروبا من سباتها العميق التي كانت فيه. وقام رسل النهضة الحديثة يحرضون على بناء الحضارة، ويعملون على بنائها، ووقف رجال الكنيسة في وجه هذه النهضة معارضين، واشتدت المعركة بين الفريقين، وسجل التاريخ أقبح صور التعنت الجاهل من قبل رجال الكنيسة ضد رواد العلم والحضارة. لكن رجال الفكر والعلم في البلاد الأوروبية أخذوا ينهلون من مناهل علوم المسلمين، وصارت الجامعات تتنافس في اقتناء الكتب العربية، وكان

стр. 32

فريق من علماء الغرب يصرح بأن معرفة اللغة العربية ضرورية لمن يريد أن يحيط بحقائق العلم. وأثارت اليغرة "بتراك" فقال لقومه " ماذا نقول؟ استطاع "ششرون" أن يكون خطيباً بعد "ديموستين" وصار "فيجرل" شاعراً بعد "هوميروس" وأنتم تتوهمون مع ذلك بأنه لن ينبغ أحد بعد العرب. نحن ضاهينا اليونان، حتى إننا سبقناهم في بعض الأحيان، وضاهينا وسبقنا بذلك جميع الأمم، وأنتم تقولون الآن: إننا لن نضاهي العرب!! ". وثيقة تاريخية: وثيقة حفظها التاريخ شاهداً على سبق المسلمين الحضاري العلمي للغرب، ورغبة الغرب في اقتباس العلم منهم، وهي رسالة من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى هشام الثالث الخليفة في الأندلس على المسلمين. ونص الوثيقة كما يلي: " من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام. بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أركانها الأربعة، ولقد وضعنا ابنة

стр. 33

شقيقنا الأمير "دوبانت" على رأس بعثة من بنات أشراف انكلترا، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف، لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة، وحدبٍ من اللواتي ستوفرن على تعليمهن ... ولقد أرفقت مع الأمير الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص ... من خادمكم المطيع جورج. م. أ اعتراف عالم غربي معاصر: جاء في كتاب "محاضرات في تاريخ العلوم" تأليف الدكتور "فؤاد سزكين" ما مضمونه: أن "شبرجس" أثبت بالأدلة أن الجامعات التي نشأت فجأة في أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلادي قد كانت كلها تقليداً مطلقاً للجامعات الإسلامية، وقد عقب بهذا التحقيق على ما جاء في كتاب لزميل له من العلماء الألمان المعاصرين، إذ زعم فيه أن نشأة هذه الجامعات في أوروبا قد كان ابتكاراً دون أي أثر خارجي، إذ لم يكن لها نماذج سابقة عند الإغريق القدماء، ولا عند الرومان ولا عند البيزنطيين. * * * (٣) تفصيل العامل الثالث بإيجاز هو طغيان رجال الكنيسة وفساد أحوالهم، وجمودهم المتعنت، واضطهادهم لمخالفيهم. جذر الطغيان: وضع رجال الكهنوت المسيحي الأولون نظاماً هرمياً معقداً دقيقاً صارماً لسلطات رجال الكنيسة، وبهذا النظام الهرمي المعقد سيطر رجال الكنيسة على الكنائس المسيحية من القاعدة إلى القمة، وهيمنوا به على شعب الكنيسة، ثمّ كان لهم به نفوذ واسع في البلاط الإمبراطوري، وفي

стр. 34

مختلف أجهزة الحكم، بسبب دعمهم للطامعين بالسلطان، وإيصالهم إليه بسلطتهم الدينية على شع الكنيسة وتأييدهم لهم، حتى صارت البابوات يتوجون الملوك والأباطرة، ويملون إرادتهم في تأييد من يريدون تأييده من ذوي السلطان، وفي تعيين أنصارهم ومؤيديهم في أجهزة الحكم، ويستغلون خضوع رجال السلطة الإدارية لهم في تحقيق شهواتهم، ومنافعهم، ومصالحهم الدنيوية، وما تتجه له أهواؤهم. هذا الوضع المغري بالاستبداد والتسلط، قد أعطى رجال الكنيسة قوة غير عادية، وهذه القوة المتفوقة تصاحبها عادة مشاعر الاستعلاء والاستغناء، ثمّ يتولد عن ذلك طغيان عنيف في التصرف، خاصة حينما يكون الخوف من حساب الله وعقابه منعدماً، بموجب الثغرات الكثيرات الموجودة في المفاهيم النصرانية التي يراها المعتقدون بها ديناً صحيحاً، وهي منسوبة إلى الدين زوراً وبهتاناً. وهذا الطغيان قد كان له في أوساط رجال الكنيسة من قاعدتها العريضة حتى قمة هرمها حيث مركز البابوية، مظاهر كثيرة في مختلف المجالات، وفيما يلي تفصيل موجز لذلك: تفصيل موجز لظواهر طغيان رجال الكنيسة: كان لطغيان رجال الكنيسة عدة ظواهر شملت المجالات التالية: الطغيان الديني الذي جر إلى احتكار العلم واضطهاد مخالفي آرائهم من علماء الكون - الطغيان السياسي- التهالك على جمع المال - الإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات - وفيما يلي تفصيل موجز لذلك. * * * الطغيان الديني: تسلم رجال الكنيسة سلطة دينية عظيمة تكاد تكون سلطةً مطلقة، دون أن يكون لديهم دين صحيح ثابت بمصادر صحيحة، ذات نصوص قطعية النسبة إلى رسول الله عيسى ﵇، أو نصوص قطعية النسبة إلى

стр. 35

رسل الله من بني إسرائيل قبل عيسى ﵇. فدفعهم هذا إلى اعتماد قرارات تصدرها المجامع الكنسية، في الأحكام الدينية المختلفة، سواء أكان ذلك في العقائد، أو في العبادات، أو في التشريعات، أسوة بما كان في المجمع المسكوني الأول، الذي قُررت فيه عقيدة التثليث، وأُقرت عقيدة الصلب والفداء. ومع الرغبة بإنقاذ الدين من حالة الضياع والنسيان، اتلي مسَّت أحكامه وشرائعه، المنزلة على لسان عيسى وقبله، وجد رجال الكنيسة هذه السلطة المطلقة تحقق لهم ربوبية على شعب الكنيسة، وبها يصلون إلى ما يهوون ويشتهون. ثمّ دفعهم هذا إلى اعتماد القرارات والأوامر التي يصدرها البابا وهو الرئيس الأعلى لكل رجال الدين المسيحي التابعين له والخاضعين لسلطته. ومنح رجال الدين هؤلاء نفسهم العصمة عن الخطأ فيما يقررون من أحكام، فكانوا بذلك أرباباً من دون الله، يحللون ويحرمون لشعب الكنيسة بحسب آرائهم وأهوائهم وما يرون من مصالح لأنفسهم ولخدمة المسيحية المحرفة الأصول، دون أن يكون لأحد مهما كان عالماً بالدين أن يعترض على قرارات المجامع، أو قرارات البابا وأوامره ونواهيه. أمثلة: * لقد ورث بنو إسرائيل حكم الختان عن سيدنا إبراهيم ﵇، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى ﵇. ثمّ ظهر في المسيحية نسخ حكم الختان بأحكام كنسية، ويظهر أن ذلك قد كان بتأثير عادة الرومانيين الذين كانوا لا يعرفون الختان في وثنيتهم، وبقبول رجال الكنيسة لهذه العادة والتساهل في أمرها استرضاءً للرومان، وتوفيقاً بين ما كان عندهم وبين المسيحية الجديدة، إذ صارت بأمر الإمبراطور "قسطنطين" هي الدين الرسمي للإمبراطورية. * وكان الطلاق وتعدد الزوجات مأذوناً بهما منذ عهد إبراهيم عليه

стр. 36

السلام، ومن الأحكام الدينية الموروثة عند جميع بني إسرائيل، ولم يتغير حكمهما فيما أنزل الله على عيسى ﵇. ثمّ ظهر في المسيحية بحكم كنسي بابوي تحريم تعدد الزوجات، ومنع الطلاق إلا في أحوال ضيقة جداً كثبوت الخيانة الزوجية. * وكان حل أكل البهيمة من الأنعام مشروطاً بأن تكون مذبوحة وفق الذكاة الشرعية المعروفة في الإسلام. وظل الأمر كذلك في بني إسرائيل، ولم ينزل نسخ له فيما أنزل الله على عيسى ﵇. ثمّ ظهرت في المسيحية إباحة أكل غير المذكاة ذكاة شرعية، وكان ذلك التغيير في الحكم استرضاءً للوثنية الرومانية التي كانت أحكامها تبيح أكل الميتة. * وكان الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى ﵇ في حق أي أحدٍ يملك الحاجة ولديه الباءة. ثمّ ابتدع رجال الكنيسة الرهبانية فما رعوها حق رعايتها، ثمّ فرضتها بعض طوائفهم على الذين ينتظمون في السلك الكنسي، وكان ذلك حكماً بشرياً مخالفاً لشريعة الله، ومنافياً للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ونجم عنه فساد عريض وفسق كبير لدى هؤلاء المحرومين من الزواج بموجب أحكام الدين الذي ابتدعه رجال الكنيسة. * وكان الصوم عبادة مماثلة لما شرع الله في الإسلام، فغيرة رجال الكنيسة المسيحية من صوم دائر على فصول السنة وفق الشهر القمري، إلى صوم ثابت في شهر شتائي وفق حساب الأشهر الشمسية. ومن صوم عن الطعام والشراب كله إلى صوم عن بعض أنواع الأطعمة، وزادوا في عدد أيام الصيام بأحكام من عندهم.

стр. 37

* وابتدعوا عبادة عيسى، وعبادة الصليب، وعبادة التماثيل، وأشكالاً وطقوساً ما أنزل الله بها من سلطان. * ومنحوا أنفسهم حق الغفران للمذنبين وذوي الخطايا مهما عظمت، فرتبوا بناء على ذلك مراسيم الاعتراف والغفران، ووضعوا رسوماً مالية يدفعها المعترف للكنيسة حتى ينال الغفران عن خطاياه، وجر ذلك لابتزاز أموال الناس، وجرأهم على ارتكاب الخطايا ما دام الغفران مضموناً مقابل أجر معلوم. ثمّ أعطو أنفسهم سلطة بيع الصكوك التي تخول مالكيها دخول الجنة بغير حساب، مهما عظمت خطاياهم السابقة واللاحقة. * ومنحوا أنفسهم حق الحرمان من الدين، ومنحوا رجل الكنيسة حق التحلة من أحكام الدين بحسب أهوائهم. إلى غير ذلك من أمور عجيبة غريبة، آخرها حق تغيير الحقائق التاريخية، إذ أصدرت بابوية روما في عصرنا هذا قراراً يتضمن تبرئة اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ من التآمر على قتله، لدى السلطان الروماني الذي استجاب لهم، وأمر بالتنفيذ، لكن الله أنقذه منه، إذ أوقع شبهه على من دل على مكانه من تلاميذه، وهو يهوذا الأسخريوطي. * واشتدوا على مخالفيهم في الدين كله، أو في بعض المسائل المقررة فيه، أو في المفاهيم التي يصدرونها من عند أنفسهم بهوى منحرف، أو بفهم مخطئ. وركب أدمغتهم ونفوسهم تعصب عنيف، ضد كل مخالفيهم، ولو كانوا مسيحيين يريدون تصحيح بعض المفاهيم والأخطاء والمفاسد التي فشت في الكنيسة. فاضطهدوا مخالفيهم - ولو ظناً ولأدنى تهمة - بقسوة لم يعرف تاريخ البشرية أظلم ولا أبشع ولا أطغى منها، حتى كانت المثل الأكبر للهمجية والوحشية والموغلتين في التخلف الحضاري، والبعد عن كل معاني

стр. 38

الإنسانية، وعن الحيوانية المحكومة بنظام فطرتها التي لا غلو ولا شطط فيها. فأقاموا بأنانية مفرطة، وتعصب صليبي مجنون، محاكم التفتيش في الأندلس، وأبادوا فيها المسلمين إبادة تامة، بأغرب ما يتخيل الفكر من قسوة ووحشية وفنون تعذيب، رغم العهود التي قطعوها للمسلمين، بإعطائهم كامل حرياتهم في الأندلس، حين تمكنوا عن طريق المنافقين والخائنين من الانتصار على المقاتلين من المسلمين فيها، وتمكنوا من احتلالها. لقد كانوا يملؤون سجوناً غائرة في الأرض بالمعذبين، فيعذبونهم عذاباً نكراً، ثمّ يقفلون عليهم، ويسدون عليهم المنافذ، حتى يموتوا اختناقاً، ثمّ يجعلون هذه السجون مقبرة لسجنائهم المالئين لها. ولم يكن رجال الكنيسة في معظم الدول المسيحية إلا صوراً مشابهة أو مقاربة لرجال الكنيسة في الأندلس، تعصباً وعنفاً وقسوة وهمجية، ضد كل من يشتبهون بأنه على خلاف رأيهم في أية مسألة يلصقونها بالدين. وجر الطغيان الديني الذي وصل إليه رجال الكنيسة، إلى احتكار العلم، واضطهاد مخالفيهم من العلماء الباحثين في علوم الطبيعية بوسائلهم الإنسانية. ولم يكن دفاعهم عن المسيحية دفاعاً عن دين حق ثابت بنصوص قطعية، ولا عن حقائق ثابتة في الدين بنصوص ربانية، أو نصوص ثابتة عن عيسى ﵇ بطرق يقينية، وإنما كان دفاعاً عن آراء من وضع رجال الكنيسة السابقين، ألصقوها بالدين على شكل شروحات وتفسيرات، واستفادوها من آراء يونانية سالفة، أو أقوال شائعة على ألسنة الجماهير ليس لها سند علمي، ولا سند ديني. وقد حلل العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي هذه الظاهرة بدقة،

стр. 39

ووصفها وصفاً حسناً إذ قال: " من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا، ومن أكبر جنايتهم على أنفسهم، وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه، أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة، معلومات بشرية، ومسلمات عصرية، عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر. ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر، فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض، فإن العلم الإنسان متدرج مترقٍ، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصراً على كثيب مهيل من الرمل. ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة، ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فإن ذلك كان سبباً للكفاح المشؤوم بين الدين والعلم، الذي انهزم فيه ذلك الدين - المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل، والخالص والزائف - هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك وأشأم أن أوروبا أصبحت لا دينية. ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس، وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريهما من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية، وصبغوها صبغة دينية، وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها، ونبذ كل ما يعارضها، وألفوا في ذلك كتباً وتآليف، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية (Christian Topography) وعضوا عليها بالنواجذ، وكفروا كل من لم يَدِن بها ". اضطهاد الكنيسة للعلم: وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا، وحطم

стр. 40

علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني، فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب، وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم. فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوروبا، وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول. فجدت واجتهدت وسهرت على عملها، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني نابضاً ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر، حتى يقول عالم نصراني: " لا يمكن لرجل أن يكون مسيحياً ويموت حتف أنفه ". ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف، أُحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء، كان منهم العالم الطبيعي المعروف "برونو" نقمت منه الكنيسة آراءً من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه , وكان ذلك يعني أن تحرق حياً، وكذلك كان ". انتهى. ويقول "برنتن": " إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية، وكانوا جزءاً من الكنيسة، حيث إن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم، تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها، وبخاصة النشاط العقلي....
следующие страницы →