← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مثلاً، بحسب عرف أهل ذلك العصر، أو أصحاب البلد المعين، فإن حكم الشرع يستند إلى هذا العرف ويقرر أن مقدار النفقة الواجبة مئة درهم. لكن إذا تبدل الزمان، وتغيرت الأحوال الاقتصادية العامة، وصارت النفقة الكافية والمناسبة تقدر بألف درهم، بحسب عرف أهل ذلك الزمان، أو أصحاب ذلك البلد المعين، فإن حكم الشرع يقرر حينئذٍ أن مقدار النفقة الواجبة ألف درهم. في مثل هذه الأحكام التي يستند فيها حكم الشرع إلى العرف الخاضع للتبدل بحسب الظروف المعاشية، تنطبق قاعدة: "تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان". من هذا التحليل نلاحظ أن لعبة التضليل هنا تقوم على مغالطة التعميم الفاسد، لقاعدة تنطبق فقط على موضوع خاص. وبهذا تنكشف لذي البصيرة زيوف "مكسيم رودنسون" ومروجوها من أجراء الماركسية اليهودية، مهما تظاهروا بالعطف على القضية الفلسطينية والفلسطينيين، أو القضايا العربية الأخرى. إن قضايا المسلمين لا يحل مشكلاتها إلا الإسلام. (٤) فرية ربط التخلف الصناعي بنظام الإسلام يربط أعداء الإسلام، والمفتونون بزخرف أقوالهم، التخلف الصناعي الذي وصل إليه المسلمون في عصور الانحطاط بالإسلام نفسه. وكشف هذه الفرية لا يصعب على ذي بصيرة يبحث في الأسباب والعلل والظواهر الاجتماعية. ولا بد للباحث أن ينظر بعينين: الأولى: ينظر بها إلى نصوص الإسلام وتعاليمه، وتطبيقات القرون الإسلامية الذهبية له.

стр. 632

الثانية: ينظر بها إلى حقيقة الأسباب والعلل التي ولدت التخلف الصناعي والزراعي والعمراني في عصور الانحطاط. أ- أما نصوص الإسلام وتعاليمه وتطبيقات المسلمين له في عصورهم الذهبية، فإنها تكشف لكل باحثٍ مدى السبق الحضاري في كل مجال من مجالات الحياة، الذي اشتمل عليه الإسلام، إذ دفع المسلمين لكل عمران، ولكل تقدم اقتصادي، ولكل سبق في مجالات القوة، ولكل سبق علمي. ولما طبق المسلمون في عصورهم الذهبية هذه التعاليم كانوا المثل الحضاري الأول بين شعوب الأرض، بحسب إمكانيات الناس في عصورهم. ب- وأما الأسباب والعلل التي نجم عنها التخلف الصناعي والزراعي والعمراني في عصور الانحطاط فهي ترجع إلى ما يلي: أولاً: هجر المسلمين لتعاليم إسلامهم، بسبب انتشار الجهل، واتساع قاعدة الأميين، وأنت خبير أن النظام المهجور لا يطبق. وماذا يفعل النظام بمؤمنين به إيماناً إجمالياً، وهم لا يعلمون أحكامه وتفصيلاته ولا يطبقونها؟ ثانياً: تآمرت السياسة الاستعمارية تآمراً كبيراً ضد المسلمين، لفرض التخلف عليهم وتكريسه، ومنعهم من التطور والتقدم في كل الميادين الاقتصادية، لا سيما الصناعية المتقدمة المتطور. لقد حرص الاستعماريون على أن يبقى المسلمون في بلدانهم ضمن نطاق الشعوب المُسْتَوْرِدة، التي تقدم للمستعمرين المواد الأولى من أرضها ومن كدها بالأثمان البخسة، ثم تستوردها مصنعةً بالأثمان العالية التي تحددها مصانع المستعمرين.

стр. 633

ثالثاً: لما تقلص ظل الاستعمار المباشر عن بعض بلدان المسلمين، أخذت شعوب هذه البلاد تتجه نحو شيءٍ من التحرر الاقتصادي، وأخذت تتدرج نحو التصنيع الآلي، لترفع عنها ذل الاستعمار الصناعي، لكنها ارتكبت بهجرها لنظام الإسلام خطيئة السير في ركب النظم الرأسمالية، ولم تحمِ نفسها بحماية من الله، فكادها الشرق والغرب كيداً كباراً، لإيقاف نشاطها الاقتصادي وتدمير مصانعها وكل مجالات اقتصادها. فاتفق منحدر ما دون اليمين ومنحدر ما دون اليسار، على ضرب مصانع بلاد المسلمين، بالنظم الاشتراكية، وتأميم المصانع، وكان ذلك عن طريق الانقلابات العسكرية، والأحزاب القومية العلمانية، والأحزاب الاشتراكية الماركسية. ونجم عن هذا المخطط التدميري تدمير المصانع، وتدمير المزارع وتدمير اقتصاد كل البلاد التي قامت فيها النظم الاشتراكية، وكانت اللعبة أكبر من أن تتحملها جماهير هذه الشعوب المتفتحة نحو التقدم والتي ما زالت غرة بمكايد الدول الكبرى ومؤامراتها. وكان لمخططات التدمير أنصار كثيرون من داخل بلدان العالم الإسلامي، يجمعهم جميعاً العداء للإسلام والمسلمين، وسار في ركبهم مفتونون كثيرون وأجراء حقيرون. رابعاً: اندفاع المفتونين من أبناء المسلمين لتطبيق النظم الاشتراكية أو الرأسمالية، معتذرين بأن نظام الإسلام الاقتصادي لا توجد دولة تطبقه حقاً. إن الاعتذار بهذا العذر خدعة شيطانية، لتثبيط طاقات المتطلعين لحياة أفضل، ورجعة مثلى إلى دين الله، عن التجمع لعمل ما يجب عمله، من أجل نقل نظم الإسلام من حيز الفكرة والعقيدة، إلى حيز التطبيق والعمل. وهذا الاعتذار يرجع إلى جذرٍ أساسي داخلي، هو ضعف أو انعدام

стр. 634

الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم الشعور بالمسؤولية نحو الخالق، ونحو صلاح المجتمع البشري. على أن النظم الأخرى لم تكن موجودة مطلقاً، وبدأت فكرةً، ثم تجمع حولها مؤمنون بها، ثم صارت بالعمل والجهد حقيقة واقعة. أما نظام الإسلام فقد كان مطبقاً، ثم انحسر المسلمون عن تطبيقه شيئاً فشيئاً، وغزتهم غازيات الأعداء، ولكن ما زالت جماهير المسلمين تؤمن به، وتتطلع إلى دولة صادقة تطبقه، أفليس هذا داعياً للعمل والجهاد والصبر والمصابرة، حتى يصل المسلمون إلى تطبيقٍ سليم وشامل لنظام الإسلام. هيا إلى العمل الرصين الصابر والمثابر لإقامة أحكام الإسلام ونظمه يا شباب الإسلام. (٥) على طريق العودة ١- لا تكفي الكلمة وحدها مهما كانت ذات تأثير بياني، ما لم تكن مصحوبة بالتطبيق العملي المقنع للجماهير بمضمونها. إن كلمة الموعظة الآسرة تعطي سحراً إقناعياً مؤقتاً، لكنها لا تلبث أن تنطق من نفس سامعها، أو يضمحل أثرها، كما انطلقت من لسان قائلها، ما لم يدعمها العمل المستمر، الذي تنفعل به الحواس الظاهرة والباطنة في الإنسان، مع مشاهدة ثمراته النافعات. الكلمة هي النافذة التي يطل منها نظر الفكر لمشاهدة الحقيقة، ولكنها ليست هي الحقيقة. إن الحقيقة هي الصورة الواقعية التي ترشد إليها الكلمة، فإذا أطل نظر الفكر من نافذة الكلمة فلم يشاهد الصورة الواقعية التي أرشدت إليها أقفل النافذة، وبحث عن الحقيقة بنفسه، أو من خلال كلمة أخرى.

стр. 635

٢- فدعواتنا التي لا نستعمل فيها إلا سلاح الكلمة العاطفية، غير المدعومة بالبيان الكافي، والمجردة عن التطبيق العملي المتدرج على مقدار الاستطاعة، دعوات تشبه الأسلحة الخلبية، التي لا تثير في الأنس إلا مثل الذي تثيره متفجرات ألعاب الزينة. وامتداحنا لنظام الإسلام الاقتصادي، دون محاولات تطبيق متدرج له، لا يحل مشكلة افتتان أجيالنا الناشئة بالنظم الأخرى، التي لها تطبيقات شاملة لكل جوانب الحياة، وضاغطة على المؤسسات الخاصة والعامة، ولها دول في الشرق أو في الغرب تطبقها وتحميها. ومادامت المشكلة المعاشية قائمة، فإن ذوي الحاجات سيظلون طعمة في فم الذئاب العالميين، الذين يخدعونهم ويستدرجونهم إلى أنظمتهم. ٣- وللتطبيق الفعلي شروطه ومراحله ووسائله، أرى من الخير التنبيه على مفاتيح أبوابها. أولاً: التعريف الشافي الوافي بنظم الإسلام نقيةً صافية، بلا دخن ولا دخل. ثانياً: تعميم هذا التعريف تعميماً يستغرق معظم القاعدة العريضة لشعوب الأمة الإسلامية. ثالثاً: العمل المستمر على تنظيف المجتمعات الإسلامية من ويلات الانحراف عن نظام الإسلام، كمقاومة الربا، والغش، والاحتكارات، والغبن الفاحش، وكإيثار الطبقات الدنيا، ثم المتوسطة بالمنافع العامة، والتقريب بين الطبقات بالتدرج، ضمن أحكام الشريعة الإسلامية. رابعاً: إقامة حملات منظمة وجمعيات وجماعات ولجان لتطبيق نظام الزكاة، حتى يأخذ هذا النظام أسلوباً واقعياً منظماً له مؤسساته العصرية المنضبطة وله وسائله المتقنة في الجمع والصرف واستثمار الفائض. خامساً: إقامة مؤسسات اقتصادية تستخدم أتقن الوسائل الحديثة

стр. 636

لاستثمار الأموال، مع مراعاة أحكام شريعة الله والاحتراز من كل ما فيه كسب حرام. ومع مراعاة التدرج في أعمال التأسيس والبناء وإعطاء العمال حقوقهم وافية وإعطائهم حظوظاً من أرباحها ونجد لهذا فسحة عند الحنابلة لأنهم يستندون في مسائل العقود إلى الحديث الصحيح برواته، عن النبي: "المسلمون على شروطهم". (رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة) . "المسلمون عند شروطهم فيما أُحِلَّ". (رواه الطبراني عن رافع بن خديج) . "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك". (رواه الحاكم عن أنس وعن عائشة) . وقالوا في شركة (القِرَاض=المضاربة) : يجوز فيها اشتراط نفقة العامل القابض للمال حتى يتجر فيه، إضافةً إلى ما شُرط من نسبة الربح، كالثلث أو النصف أو أكثر من ذلك أو أقل. ونستطيع أن نقول: إن عقد العامل يمكن أن يكون مؤلفاً من عاملٍ بأجر محدد بالنسبة إلى ثلثي عمله مثلاً، وعاملٍ بنسبةٍ من الربح، على أساس شريكٍ مضارب بالنسبة إلى ثلث عمله، فيأخذ أجراً مقطوعاً على القسم الأول، وحظاً من الأرباح على القسم الثاني. ومن السهل اتخاذ الشكليات المناسبة في صياغة العقد لتحقيق هذا الأمر، دون أية مخالفات شرعية. سادساً: إيجاد الإخاء والتعاطف والتواد والتراحم بين المسلمين، كبارهم وصغارهم، أغنيائهم وفقرائهم، علمائهم وعامتهم، وهكذا إلى سائر أصنافهم وإيجاد الشعور العام بأنه لا طبقية في المجتمع الإسلامي، وإنما

стр. 637

يتفاضل الناس فيما بينهم بما لدى كل منهم من فضائل شخصية، كالعلم والبذل والجهاد والخدمات الاجتماعية ونحو ذلك. أما الأكرم عند الله فهو الأتقى، وقد يكون أفقر الناس، وأضعفهم. والجد والإخلاص والاستعانة بالله والعمل بدأب ومثابرة، مع الصبر والمصابرة، أمور كفيلة ببلوغ القصد إذا اتخذت الأسباب التي جعلها الله في كونه موصلة لغاياتها، وتم التقيد بمنهج الله التكويني والتشريعي.

стр. 638

الباب الثالث النّظمُ السِيَاسيَّة المعَاصِرَة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: نظرة تاريخية حول المذاهب الوضعية للنظم السياسية. الفصل الثاني: لمحة موجزة حول منهج دين الله للناس في شؤون الحكم. الفصل الثالث: مقارنة بين النظم السياسية. الفصل الرابع: متفرقات.

стр. 639

الفصل الأول نَظرَة تاريخيَّة حَولَ المذاهِبْ الوَضْعيَّة لِلنُظم السيَاسيّة (١) بداية تكون الرياسات ١- تلقائي تكون المجتمع الإنساني البدائي تدل على أن الأب هو رئيس الأسرة، وصاحب السلطان فيها. ويكبر الأولاد ويتزوجون ويكون لكل منهم أسرة، ويظلُّ أبوهم الرئيس الأعلى لمجتمع هذه الأسر. ويموت الأب ويخلفه عادة أكبر أبنائه في الرياسة، ما لم يكن غير صالح لها. وتتوسع الأسر، حتى تكون قبيلةً، ويظل في العادة حق أكبر أبناء الجد الأعلى هو الرئيس الأعلى لها. وقد تحدث خلافات وتتدخل عوامل مختلفة، فتصطلح القبيلة على رئيس لها، وفي العادة يكون أكبر رجلٍ فيها، أو أعقلهم وأكرمهم أو أشجعهم وأكثرهم إرهاباً لخصومهم وتحقيقاً لمصالحهم. ٢- ولما صار لمجموع القبائل مجتمع سياسي موحد، وتنازعت القبائل فيما بينها، أيها يكون حقُّ الرياسة العامة لها، لإدارة شؤونها، فيكون رئيسها رئيس جميع القبائل؟

стр. 640

ويكون الحل عادة بظفر الأغنى والأكثر عدداً بها، ويتم هذا تلقائياً من دون مشكلات، أو باتفاق رؤساء القبائل على جعل أحدهم هو الرئيس الأعلى، إذا تعادلوا قوة وغنى، ويكون في العادة هو الأشجع والأكرم، أو الأعقل والأقدر على حل المشكلات، والأكثر خدمة لمصالح الجميع ومساعدتهم. وقد يقوم قتال بينها ومعارك، إذا طمع بالرياسة طامع له هوى في الرياسة وحرصٌ عليها ولم يتفق عليه كل رؤساء القبائل، وينتهي الصراع عادة بغلبة الأقوى أو الأكثر أنصاراً. ثم تظهر من جديد نزعة حق أكبر أولاد رئيس القبائل في وراثة رئاستها. وإذا كان الجد الأعلى هو رئيس القبيلة وسيدها، وأساس نظام "الطوطم" وفق نظرية علماء الاجتماع، فإن من الطبيعي أن يكون الأقرب إليه من أولاده أحفاده هو الأحق بسيادة القبيلة ووراثة الرئاسة في أنظمة الشعوب البدائية. ٣- ثم يتطور الوضع السابق حتى تكون رئاسة القبائل ملكاً، فيغدو رئيس جملة من القبائل التي لها أرض مشتركة وانتماء معين ملكاً عليها. وتظل نزعة حق أكبر أولاد الملك بوراثة الملك نزعة سائدة، ما لم يحدث غير ذلك كأن يجعل الملك غير ولده الأكبر ولي عهده. ولا يحدث التغيير عادة إلا بغلبة ذي قوة طامع بالحكم، يقتل الملك وأنصاره، أو يغلبهم ويأسر من يأسر منهم، أو ينفيهم ويشردهم، وينصب نفسه ملكاً، وفي العادة يصطنع الغالب المبررات المتعددة لتبرير ما قام به. وظلت شعوب العالم ترث النظام الملكي سلفاً عن خلف.

стр. 641

(٢) طرائق الإدارة والحكم في الشعوب البدائية أما طرائق الإدارة والحكم في الشعوب البدائية فتختلف من رئيس إلى رئيس، ومن ملك إلى ملك، ومن أي حاكم إلى حاكم آخر. ١- فمنهم مستبدون، لأن أخلاقهم الطبعية فيها نزعة استبدادية، وتكثر هذه النزعة الاستبدادية لدى معظم ذوي السلطان، وجذورها قوية في النفس البشرية، باستثناء قلة فاضلة. وترجع إلى هذه النزعة الاستبدادية أصول الحكم المسمّى بالحكم "الديكتاتوري". ٢- ومنهم هينون لينون عقلاء، يصطفون من قومهم عدداً من عقلائهم لمشورتهم، ومشاركتهم في تصريف الأمور العامة، وحل المشكلات. وهذه أصول حكم الشعب بالشعب، أو ما يسمى "الديمقراطية"، أو الحكم الذي يشارك فيه صفوة الشعب بالرأي وبعض الإدارات ومنها القضاء بين الخصوم. ٣- ومنهم متوسطون بين القسمين السابقين، فتكون إدارتهم بين بين، بعضها استبدادي وبعضها شعبي. ويلاحظ أن غالب الذين يستولون على السلطان بالقوة والقهر، يكونون عادة أصحاب نزعة استبدادية قاهرة "ديكتاتورية". فهم ينفردون بإصدار أوامرهم ويكلفون الناس طاعتها. فمن خالف ولم يطع حل به العقاب، ولو كان التكليف فيه ظلم وعدوان وتعسّف. الخلاصة فالحكم البشري الوضعي البدائي، إما أن يكون حكماً استبدادياً "ديكتاتورياً" في التشريع والتقنين والأمر والنهي والإدارة. وإما أن يكون حكماً شعبياً، للشعب فيه مشاركة في التشريع والتقنين والإدارة ويسمى

стр. 642

"ديمقراطياً". وإما أن يكون مزيجاً من الأمرين السابقين. وتظل أصول هذه الصورة البدائية مستمرة في الناس، مهما تقدمت الأمم في ميادين الحضارة، لأن الإنسان هو الإنسان نفسه، بطبائعه وغرائزه ودوافعه، ولكن تختلف الأساليب وتتطور الظواهر التنظيمية. (٣) طرائق الحكم الوضعي بعد ظهور الحضارات والدول الكبرى ظلت أصول الحكم الاستبدادي "الديكتاتوري". والشعبي أو الشوري "الديمقراطي" وما بينهما، مستمرة في طرائق الحكم البشري الوضعي، رغم ظهور الحضارات، وظهور الدول الكبرى والإمبراطوريات، ولكن تطورت الأساليب والنظم الإدارية، ووجوده توزيع المسؤوليات، وطرق معرفة إرادة الشعوب ومعرفة رغباتها في النظم الديمقراطية إلى غير ذلك من أمور كثيرة. وتؤكد ملاحظة واقع أنظمة الحكم بعد ظهور الحضارات، وظهور الدول الكبرى، ما يلي: ١- ما زال يوجد في الناس حكم استبدادي "ديكتاتوري" متطور. وهو الحكم الذي ينفرد بإصدار أوامره كلها، الدستورية والقانونية والتنظيمية والإدارية دون مشورة الشعب أو مشورة أهل الحل والعقد فيه، وهم رؤساؤه المحليون التلقائيون أو المنتخبون فضلاً عن مشاركته. والاستبداد في هذا النوع من الحكم قد يكون استبداد فرد أو أسرة أو عصابة متعاونة أو حزب خاص أو طبقة اجتماعية خاصة. "فالديكتاتورية" عندئذٍ تكون بحسبها، "ديكتاتورية" الفرد أو الأسرة أو العصابة الخاصة أو الحزب أو الطبقة الحاكمة. "والديكتاتورية" هي الحكم الاستبدادي الذي لا يشارك فيه الشعب

стр. 643

المحكوم بإدارة نفسه، ولا يكون له فيه حرية اختيار، أو مشورة ذات أثر تطبيقي. وقد يكون اختيار الحاكم لدى توليته على الطريقة الشعبية أو الشورية، "الديمقراطية" فإذا استقر الحكم بيده وقويت سلطته، حكم بطريقة "ديكتاتورية" استبدادية. أمثلة فمن أمثلة الحكم الاستبدادية "الديكتاتوري" التي شهدها الناس في القرن العشرين الميلادي ما يلي: * حكم إيطاليا الفاشستية أيام ديكتاتورها "موسوليني". * وحكم ألمانيا النازية أيام ديكتاتورها "هتلر". * وحكم "هايلاسلاسي" للحبشة، فقد كان ديكتاتورها وإمبراطورها وكانت عائلته هي كل شيء في البلاد، حتى كان يصعب التمييز بين مالية الدولة ومالية الإمبراطور. * وحكم روسيا السوفيتية وسائر الدول الشيوعية، وإن كانت تتستر بأن لها أسلوباً ديمقراطياً داخل الحزب الشيوعي، الذي هو الحزب الحاكم حكماً ديكتاتورياً. ويعتبر الحكم الشيوعي في العالم من أعنف وأشد أنواع الحكم الاستبدادي "الديكتاتوري" المعاصر. ٢- ويوجد في العالم أنواع من الحكم تنتمي إلى طرائق الحكم الديمقراطي، الذي يكون الشعب فيه مصدر السلطات، ولكن تختلف أساليب تطبيق "الديمقراطية" في طريق مشاركة الشعب في الحكم لدى الدول الديمقراطية. وقد يكون تطبيق الديمقراطية في نظام يكون رئيسة الأعلى ملكاً، أو رئيساً للجمهورية أو رئيساً للدولة أو سلطاناً. أو غير ذلك من أسماء وألقاب فتحقيق الديمقراطية يتم باشتراك الشعب المحكوم في اختيار

стр. 644

رئيسة، ونوع الحكم الذي يرتضيه، واختيار الدستور والقوانين والأنظمة التي تعمل الأجهزة الإدارية بها. ومن الملاحظ لدى التطبيق، أن كل الدول التي تعلن أنها دول ديمقراطية، وأنها تحترم الديمقراطية، وتقاوم النزعة الفردية، لا تخلو من ممارسات ديكتاتورية ظاهرة، أو مقنعة بتزوير إرادة الشعب الذي هو في مفهوم الديمقراطية مصدر السلطات. وفي الحكومات الديمقراطية تنشط عادة الأحزاب السياسية وينشط المحتالون والمتآمرون والعصابات في ابتكار أنواع الحيل الذكية وألوان المكر السيء لتحقيق أهدافهم الفردية أو التكتلية ضد مصالح الكثرة الكاثرة من الجماهير حتى تغدو في واقع حالها حكومات ديكتاتورية في أقنعة ديمقراطية، أو تتحكم في كثير من دوائرها أجهزة ديكتاتورية من خلال طابع ديمقراطي عام. ومشاركة الشعب في الحكومات الديمقراطية قد تقتصر على أهل الحل والعقد، وذلك في شعوب تضعف لدى جماهيرها المقدرة على المشاركة في اختيار رئيسها، أو اختيار ما يصلح لها من دستور وقوانين وأنظمة فيكون أهل الحل والعقد هم الوكلاء والمفوضون من القاعدة العريضة للجماهير، وهؤلاء قد يكونون رؤساء أقوامهم في مواطنهم تلقائياً، دون أن ينتخبوا انتخاباً عن طريق التصويت الإفرادي. وجرب الآخذون بالديمقراطية صوراً مختلفة لتحقيق نظريتها، وكل هذه التجارب لا تخلو من عيوب وانتقادات كثيرة، حتى من وجهات نظر أنصار المذاهب الوضعية. وبالدراسات النظرية والممارسات العملية، اتسعت دائرة مفهوم الديمقراطية أو تحدد هذا المفهوم، حتى صارت للديمقراطية عناصر توضع موضع البحث والتجربة، وذلك حين اتجه المفكرون الاجتماعيون إلى تخليص المجتمعات من بقايا الممارسات الديكتاتورية.

стр. 645

فصار للديمقراطية تعريف محدد وعناصر بارزة يطالب الناس بتطبيقها لتحقيق الديمقراطية المنشودة. (٤) آراء علماء السياسة والاجتماع في الحكم المفكرون الغربيون يرى علماء السياسة والاجتماع الغربيون استناداً إلى سبر الواقع البشري، أو ملاحظة هذا الواقع في التاريخ أن سلطان الحكم يرجع إلى أحد احتمالات ثلاثة: الاحتمال الأول: ادعاء الحق الإلهي في الملك أو السلطان على معنى أن الله هو الذي آتى حق الملك أو حق السلطان لرجل أو له ولسلالته من بعده فهم يرثون هذا الملك بموجب الحق الذي منحهم الله إياه فالحكم ووضع القوانين من اختصاصهم وعلى الناس طاعتهم في كل شيء وهم لا يسألون عن أعمالهم أمام شعوبهم ومسؤوليتهم تكون أمام الله فقط. وقد سادت هذه الفكرة شعوباً كثيرة في التاريخ الإنساني القديم، لكن هذه الفكرة قد فقدت قيمتها اليوم في نفوس الناس. الاحتمال الثاني: الوصول إلى الحكم أو الملك أو السلطان بالقوة والقهر والغلبة. الاحتمال الثالث: ولاية الحكم القائمة على الاتفاق بين الناس، وأطلق على الحكم الذي يقوم على الاتفاق بين الناس: "نظرية العقد الاجتماعي". وهذه النظرية قد لقيت اهتماماً خاصاً منذ القرن السابع عشر الميلادي من قبل علماء الاجتماع وفلاسفته، فتناولوها بالشرح والتحليل، والتفسير والتعليل، وفي مقدمة هؤلاء:

стр. 646

١- "توماس هوبز" وهو فيلسوف وعالم اجتماع إنكليزي، من رجال القرن السابع عشر (١٥٨٨ - ١٦٧٩ م) . ٢- "جون لوك" وهو فيلسوف إنكليزي. من رجال القرن السابع عشر (١٦٢١ - ١٧٠٤م) . ٣- "جان جاك روسّو" وهو فيلسوف اجتماعي، سويسري المولد، ثم انتقل إلى "باريس" وعاش فيها حتى توفي. كتب في الأدب والتربية والاجتماع. وكان لكتاباته تأثير كبير في المجتمع الفرنسي. وهو من رجال القرن الثامن عشر (١٧١٢ - ١٧٧٨م) . و"نظرية العقد الاجتماعي" هي الأساس الفلسفي للديمقراطية الغربية الحديثة. ابن خلدون وفلسفته حول الحكم في الناس يقول ابن خلدون في مقدمته: "إن الاجتماع الإنساني ضروري ... وإن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضروراتهم، وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات. وإن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌّ أن يعتدي على أخيه وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازل المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء. ولهذا استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكم يدفع بعضهم عن بضع، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحد منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان، واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى الملك". * * *

стр. 647

الفصل الثاني لمحَة مُوجَزَة حَول مَنهَجْ دين اللهِ للنّاسِ في شؤون الحكم مفاهيم أساسية لدينا مفاهيم أساسية منبثقة من العقيدة الإسلامية، وهذه المفاهيم تحدد منهج الإسلام في شؤون الحكم، ويمكن إجمالها بما يلي: * * * المفهوم الأول: "حول كون الحكم كله هو في الأصل لله وحده": كل أعمال البشر المكلفين المسؤولين عن أعمالهم الفردية والجماعية أمام الله، يجب أن تكون خاضعة لحكم الله، إلزاماً بفعل أو ترك، أو ترغيباً بفعل أو ترك، أو إباحة وتخييراً، أو إذناً بتنظيم ما هو الأصلح لشؤونهم العامة. فالناس مخلوقون لله، وهم عبيده، ويلزم من ذلك عقلاً أن يؤمنوا به ولا يجحدوه، ويسلموا لحكمه كل شؤونهم في كل حركاتهم وسكناتهم وتصرفاتهم الإدارية، وأن يطيعوه ولا يعصوه، وبذلك يحققون بإرادتهم الحرة عبوديتهم الاختيارية له، ويعبدونه بطاعتهم له، والتزامهم أحكامه واتباعهم شريعته في كل شؤون حياتهم ومنها شؤون الحكم. هذه الحقيقة العقلية المنطقية قد بينها الله لنا في كتابه: أ- فقال الله في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩) :

стр. 648

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الْلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ألا له الخلق والأمر: قضيتان ثانيتهما لازمة عقلاً لأولاهما، فمن له الخلق، لا بد أن يكون له الأمر. الله هو الخالق، فهو المالك لما خلق، وهو صاحب الأمر كله فيه، وإذا كان هذا المخلوق قد وهبه الخالق إرادة حرة يتصرف فيها بالطاعة أو المعصية، فهو عبدٌ من عبيده، مملوك له، وصاحب أمر التكليف لهذا العبد هو ربه ومالكه وسيده وهو خالقه، فهوالذي له أن يأمر عده بما شاء , وعلى العبد السمع والطاعة. ب- ولما قال أئمة المنافقين عقب غزوة أحد، ومقتل من قتل فيها من المسلمين: "هل لنا من الأمر شيء؟ " و"لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا" مستنكرين بمقالتيهم هاتين عدم أخذ الرسول برأيهم في البقاء في المدينة، وعدم الخروج إلى عدوهم في أحد. قال الله رداً عليهم: ﴿قل: إن الأمر كله لله﴾ . فالأمر كله الشامل لأمر التكوين وأمر التكليف وأمر تحديد المنهج وأمر الإذن والإباحة والتخيير هو لله وحده إذ هو الخالق المالك لما خلق. جـ- وفي بيان أن الحكم لله وحده، سواء أكان حكماً تكوينياً، أو حكماً تكليفياً، أو حكماً جزائياً، أو غير ذلك قال الله لرسول محمد في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ

стр. 649

ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ . أي: ما الحكم الشامل لكل أنواعه إلا لله، وهو يقص الحق، أي يتتبعه مستقصياً له، فلا يفلت منه كبيراً ولا صغيراً. وهو خير الفاصلين في أحكامه يفصل بين الحق والباطل، والخير والشر , وبين كل المتخالفات والمتفاوتات. وبعد هذا النص أكد الله في سورة (الأنعام) نفسها تفرُّده بالحكم الجزائي يوم الدين، فقال : ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ . أي: فلا حكم يومئذٍ إلا له استحقاقاً وتنفيذاً. د- وأبان يوسف ﵇ انفراد الله بأن له الحكم التكليفي، فقال لصاحبيه في السجن ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي: ما الحكم إلا لله. قال الله في سورة (يوسف/١٢ مصحف/٥٣ نزول) حكاية لمقالة يوسف ﵇ وإقراراً لها: ﴿ياصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . هـ- وأثنى الله على أحكامه التشريعية فقال لرسوله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن

стр. 650

بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ * * * المفهوم الثاني: "حول كون أمر الله التكليفي شريعة لعباده". أمر الله التكليفي الشامل لأنواع الحكم الشرعي قد جعله الله شريعة، أي: طريقة يجب اتباعها، ولا يجوز الخروج عنها، وأنزل ذلك على رسوله محمد. قال الله لرسوله في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . فالرسول وكل من آمن بالله ورسوله ملزمون شرعاً باتباع هذه الشريعة الربانية. يوجبون ما أوجبته، فلا يبيحون ترك شيء مما فرضه الله، ويحرمون ما حرمته، فلا يبيحون فعل شيء مما حرمه الله، ويرغبون بفعل ما رغبت بفعله، وبترك ما رغبت بتركه، ويحلون ما أحلته، فلا يحرمون ولا يوجبون شيئاً مما أباح الله فعله وتركه، ولا يغيرون من أحكام شريعة الله شيئاً. * * * المفهوم الثالث: "حول الإذن للرسول بالأمر". من أمر الله وحكمه أنه أعطى لرسوله الإذن بالأمر فيما لم ينزل عليه فيه أمراً أو حكماً أو تشريعاً خاصاً. فالرسول مأذون من الله بتوجيه الأمر والحكم والتشريع فيما لم ينزل الله فيه أمراً أو حكماً أو تشريعاً خاصاً.

стр. 651

فأمر الرسول ملزمٌ للمؤمنين، بمقتضى إعطاء الله له الإذن بالأمر والحكم والتشريع. وأمر الرسول وحكمه وتشريعه هو في مضمونه من أمر الله وحكمه وتشريعه، إذ لو كان لله في ذلك أمر أو حكم أو تشريع آخر، لأنزل الوحي بتعديل أو إيقاف أمر الرسول أو حكمه أو تشريعه. لذلك قال الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ... ﴾ . وقال فيها أيضاً: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ﴾ . وكان حكم الرسول في المسلمين بحكم الله فيما أنزل الله عليه فيه حكماً، وبحكمه فيما أذن له أن يحكم فيه من شرعيات، وبتدابيره الإدارية فيما هو من الإدارات الزمنية للمجتمعات البشرية، والتي تخضع لحكمة التصرف في الأحداث والوقائع وحركة الدولة والدعوة الجهاد. * * * المفهوم الرابع: "حول إلزام المؤمنين بأحكام الإسلام كلها". لا خيرة لمؤمن ولا مؤمنة في تغيير أمر الله ورسوله، الشامل لأحكام الشريعة الإسلامية كلها. فما ثبت في الإسلام شريعةً مبينةً، فليس لأحد أن يغير فيه أو يبدل، سواء أكانوا أفراداً أو جماعات، حكاماً أو محكومين. ولن يجتمع المسلمون جميعاً على مثل هذا التغيير، لأنهم لا يجتمعون على ضلالة، وسبيل المؤمنين إذا أجمعوا على أمر هو سبيل الله، فهم معصومون عن أن يجتمعوا جميعاً على الحكم بغير ما شرع الله، بدليل أن الله قد أمر باتباع سبيل المؤمنين. أ- ففي بيان أنه لا خيرة للمؤمنين في تغيير أمر الله ورسوله، قال الله

стр. 652

عز وجل في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ . ب- وفي التحذير من مخالفة أمر الرسول ولو كان أمراً إدارياً، قال الله في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) : ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . يخالفون عن أمره: أي يخالفون معرضين عن أمره، فيتركون مواقعهم متسللين خفية، دون استئذان من الرسول، وقد كان ذلك في غزوة الأحزاب. جـ- وأبان الله أنه إذا عصت فئة من المسلمين، وكانت لها شوكة وقوة، وخرجت باغية مخالفة لأمر الله، ثم لم تصنع لحكم الله وشريعته، فعلى المسلمين أن يجتمعوا لقتالها، حتى ترجع إلى أمر الله، فقال الله في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) : ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . حتى تفيء إلى أمر الله: أي حتى ترجع عن بغيها إلى أمر الله. * * * المفهوم الخامس: "حول وظيفة الرسول في الحكم": من أمر الله أنه قد جعل رسوله محمداً قائد أمته في حياته وإمامهم وراعيهم وسائسهم ومدير شؤونهم مع نبوته ورسالته. فهو نبيٌّ ورسول، وإمامٌ وقائد يسوس أمور دولة المسلمين في حياته، بأمرٍ من الله.

стр. 653

فأمره في الدين، وأمره في إمامته وقيادته واجب على المسلمين طاعته، بمقتضى أمر الله. وقد كلف الله رسوله أن يشاور المؤمنين في القضايا لإدارية والسياسية، والحربية، ولكن ما يشيرون به عليه غير ملزم له، إذا ما أراه الله رأياً آخر غيره أحسن أو أكثر صواباً، سواءٌ أشار به أكثريتهم أو عامتهم. نظراً إلى أن أمره المستقل في كل ما لم ينزل الله به عليه حكماً أمرٌ تجب على المؤمنين طاعته. فمشاورة الرسول للمؤمنين مشاورة تكريم، ومشاركة في النظر والرأي، لاستبانة مختلف الوجوه والآراء، وفيها أيضاً تدريب لهم على النظر في الأمور العامة السياسية، والإدارية والحربية وغيرها. ونستدل من عمل الرسول في وقائع القضايا التي شاور فيها أصحابه وعمل برأي أكثريتهم، أنه ما كان يستعمل حقه في عدم الالتزام برأي الأكثرية إلا نادراً. قال الله لرسوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ . أي: وشاورهم فيما جعل الله لك من أمر، وكلفهم طاعتك. وهذه المشاورة غير الملزمة للرسول بأن يعمل بما يشيرون به عليه، هي فيما أرى من خصائص الرسول، ولست أرى من الصواب تعميمها، خلافاً لما أخذ به فريق من الفقهاء. أما أمراء المؤمنين وولاة أمروهم بعد الرسول فينطبق عليهم فيما أرى حكم قول الله ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وهو يدل على أن الشورى وما يصدر عنها ملزمة لهم، كما سيأتي. * * *

стр. 654

المفهوم السادس: "حول عناصر الساحة المتروكة لاختيارات المسلمين". توجد في الشريعة الإسلامية ساحة متروكة لاختيارات المسلمين، وهذه الساحة لها طبيعة المصالح العامة المشتركة غالباً، وهي ساحة سكت الشارع عنها، فلم ينطق فيها بحكم خاص. وهي غير الساحة التي تقع فيها أحكام الإباحة الشرعية المنصوص عليها، والتي يكتسب فيها الأفراد بحكم الشرع حقوقاً شخصية لا يجوز لأحد من الناس أن يتدخل في تعديل حكمها. إذ هي من خصوصياتهم. مثل إباحة الاستمتاع بزينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق. ومثل إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ضمن شروط الشارع. ومنها حل البيع والتجارة ضمن حدود الشرع، إلى غير ذلك من مباحات. أما الساحة التي سكت الشارع عنها، وتركت لاختيارات المسلمين، ولها غالباً طبيعة المصالح العامة المشتركة، ولم يبين الشارع فيها أحكاماً مفصلة، ولا تشريعاً محدداً، فنلاحظ منها في شؤون الحكم قسمين: القسم الأول: كل ما يخضع لأسلوب التنظيم العام، مثل الأنظمة التالية: ١- نظام الإدارات الحكومية، وتسيير المعاملات، وتسجيلها، وتدوين الدواوين. ٢- نظام السير وحركة الطرق. ٣- نظام الجيش، وتراتيب فيالقه وفصائله وكتائبه ورتبه العسكرية وغير ذلك. ٤- نظام التعليم ومراحله وأقسامه وتخصصاتها، وتقويم مستويات المتعلمين، وغير ذلك. ٥- نظام تخطيط المدن، وتسجيل الأرض، وحدود ملكياتها، وضبط الحقوق المتعلقة بها.

стр. 655

هذا القسم هو من أمر المسلمين، الذي ترك الله تنظيمه لهم، ومنحهم فيه توجيه الأمر، بشرط ألا يشتمل على شيء يخالف حكماً شرعياً، ويخضع لقاعدة الشورى المبينة في قول الله : ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ ٣٨/الشورى؛ وسيأتي إن شاء الله تفصيل حولها. القسم الثاني: طريقة تطبيق قاعدة الشورى في وضع النظم الداخلة في القسم الأول، وفي تأمير المسلمين أميراً عليهم يسوسهم، ويدير شؤونهم العامة. ولم يعين الشارع أُمراء المؤمنين بعد رسول الله، بل ترك حق الاختيار لهم، بعد أن كلفهم أن يؤمروا عليهم من ذوي الأهلية للإمارة أصلحهم لها، وأتقاهم وأقدرهم على تحمل المسؤوليات العامة، وحسن إدارة شؤونها. * * * المفهوم السابع: "حول الشورى في الأمر المتروك لجماعة المسلمين": أمْرُ المسلمين الذي تركه الله لجماعتهم يخضع لقاعدة الشورى بينهم، كما سبق بيانه. قال الله في وصف المؤمنين في سورة (الشورى/٤٢ مصحف/٦٢ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ فأبان الله في هذه الآية أن ما جعله للمؤمنين من أمر، ولم يشرع لهم فيه هو ولا رسوله أحكاماً محددة، وهو مما له طبيعة المصالح العامة المشتركة، فهو شورى بينهم. وقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وصف خبريّ للمؤمنين يتضمن معنى التكليف والإلزام، وهو نظير سابقه مما عُطف عليه ﴿والذين استجابوا

стр. 656

لربهم وأقاموا الصلاة﴾ فهما من الأوصاف الخيرية للمؤمنين، مع أن الاستجابة لله فرض وإقامة الصلاة ركن من أركان الإسلام. فالمؤمنون مكلفون في أمورهم العامة المتروكة شرعاً لاختيارهم بتطبيق قاعدة الشورى، ومن الأمور العامة المتروكة لاختيارهم تنظيم النظم التي ليس لها أحكام شرعية مبينة كما سبق، واختيار شخص الأمير الأعلى الذي يسوسهم، ويطبق فيهم شريعة الله، ثم ما فوضوه بتطبيقه من أمورهم، فعليهم أن يؤمّروا أميرهم عاملين بقاعدة الشورى. والأصل في الشورى أنها حق مشترك عام بالتساوي بين جميع المؤمنين والمؤمنات. ولكن استخدام هذا الحق لا يتم إلا من قبل من هم أهل للمشورة وإبداء الرأي، أما غير الراشدين فليسوا أهلاً لذلك عقلاً وشرعاً. واستخدام هذا الحق شرطه العادلة الشرعية، أما من سقطت عدالته الدينية بفسقه أو فجوره أو بدعته المخالفة المنحرفة عن شريعة الإسلام، فليس مأموناً على مصالح المسلمين العامة، وبذلك يسقط حقه في المشاركة بالمشورة الملزمة. فالشورى حق جماعة المؤمنين، وهيئتهم الاجتماعية هي التي تقرر ما هو لهم من أمر قد تركه الله لاختيارهم، وفي هذه الدائرة يقع أمرهم، أما ما وراءها فهو أمر الله ورسوله، أو أمر من أمر الله بطاعة أمره، إذ لم يعطهم الله في ذلك سلطة الأمر. ولكن ليس من حقهم أن يتركوا الأمر فوضى دون إقامة حكم إسلامي ودون تنظيم الأمور المتروكة لاختياراتهم التنظيمية. فيجب عليهم شرعاً تأمير أمير عليهم منهم، هو أفضلهم وخيرهم لسياسة الأمة، وإدارة شؤونها وحماية الإسلام ونشر دعوته، وذلك فيما تراه أكثرية الفئة الصالحة المؤهلة للنظر في اختيار من هو الأفضل والأصلح لإمارة المؤمنين، وهم أهل الحل والعقد كما سيأتي بيانه.

стр. 657

المفهوم الثامن: "حول الحاكم فيما عليه من واجبات وماله من حقوق". تدل النصوص الإسلامية على أن على الحاكم واجبات، وأن له حقوقاً وصلاحيات. أولاً: يجب على الحاكم المسلم ما يلي: ١- أن يحكم في رعيته بموجب أحكام الشريعة الإسلامية. وفقهاءُ المسلمين وعلماءُ الدين فيهم هم أولو الأمر في خصوص هذا الشأن، وهم المرجع في جماعة المسلمين لبيان حكم الشريعة الإسلامية. ومن الخير للمسلمين أن يكون لهم مؤتمرات فقهية، يعقدونها للتعرف على الحكم الشرعي، فيما ليس هو من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، أو المعلومة من الدين بالضرورة. وما تقرره مؤتمراتهم أو هيئاتهم الفقهية، الموثوقة من قبل معظم فقهاء المسلمين وعلمائهم، والتي لا تخضع لمؤثرات وضغوط خارجية، من السلطات الإدارية أو غيرها، يجب على الحاكم المسلم تنفيذه والعمل بموجبه. ب- أن يحكم في رعيته بما أمرت به جماعة المسلمين، من تنظيمات أو أوامر عامة، هي من أمرهم الجماعي، وصدرت عنهم بموجب قاعدة الشورى. جـ- أن يحكم بين الناس بالعدل، دون تمييز ولا تفضيل ولا تخيير. وحين يقتضي العدل المساواة يساوي بينهم، وحين يقتضي العدل التفاضل يفاضل بينهم. د- أن يحافظ على عدالته الدينية، ويكون أميناً على مصالح المسلمين العامة. ثانياً: للحاكم المسلم من الحقوق ما يلي:

стр. 658

أ- حق تعيين وزرائه وأعوانه ونوابه والولاة والقضاة وقادة الجيش وسائر الموظفين والتفويض بما هو له. وحق إصدار الأوامر الإدارية المتحركة، التي يصرف بها شؤون الدولة والحكم، ويحقق بها مصالح الدين ومصالح المسلمين. بشرط ألا تتعارض تصرفاته مع حكم شرعي، أو تنظيم ثابت وأوامر صدرت عن جماعة المسلمين، بموجب قاعدة الشورى. وله في الأوامر التي هي من صلاحياته أن يستقل بها، لكن من الخير له أن يشاور فيها، وإن كانت المشورة هنا غير ملزمة له. ب- حق السمع والطاعة على المسلمين، لأوامره التنفيذية لأحكام الشرع، ولأحكام النظم والأوامر العامة الصادرة عن جماعة المسلمين، بموجب قاعدة الشورى، ولأوامره الإدارية الخاصة التي من حقه أن يصدرها، ولأوامر التعيين التي يعين بها العاملين في إدارته، والسمع والطاعة لهم ضمن حدود نظام الإسلام العام. * * * المفهوم التاسع: "حول البيعة" بيعة الحكم: صورة من صور إعلان والتزام ما قرره جماعة المسلمين بموجب قاعدة الشورى حول اختيار الحاكم. وهي شكل ممتاز من أشكال تثبيت الانتخاب تثبيتاً شعبياً، لا يقبل التزوير، ولا يصح مع الإكراه الظاهر. واحتمالات الإكراه الأدبي فيه أقل من احتمالات تزوير إرادات الناس، في أية صورة من صور الانتخاب الأخرى. وبيعةُ الحكم: عقْدٌ بين الحاكم والمحكومين على ما يلي: فمن جهة الحاكم: أن يطيع الله والرسول فيهم، وأن يحكم فيهم بحكم الإسلام لا يحيد عنه، وأن يعمل فيما هو من أمر المسلمين العام الذي جعله الله لهم بموجب قاعدة الشورى الملزمة، وأن يحكم بينهم بالقسط والعدل وبما يراه الأصلح لأفرادهم وجماعاتهم، والأكثر خيراً وفائدة

стр. 659

للإسلام، في كل ماله فيه صلاحية إصدار أمرٍ انفراديٍّ من شؤونهم، دون مشورتهم. ومن جهة المبايع من المحكومين: أن يسمع ويطيع فيما لا يخالف شريعة الله لعباده، أو أمر جماعة المؤمنين الذي جعله الله لهم. * * * المفهوم العاشر: "حول قاعدة الشورى" الأصل في الشورى أنها مسؤولية ووظيفة عامة، كسائر المسؤوليات والوظائف العامة، ولكن لا يضطلع ولا يشارك بأعباء الوظائف والمسؤوليات العامة إلا من كان مؤهلاً لها. ومعظم الأمور العامة تخضع لمؤهلين متخصصين، وهم أهل الأمر من المسلمين في حدود تخصصهم. أ- فإصدار الفتاوى الدينية، واستنباط الأحكام الشرعية، موضوع عام يهم جميع المسلمين ولكن لا يقوم به إلا العلماء الفقهاء المؤهلون للاستنباط والاجتهاد في هذا الموضوع. وتنطبق عليهم قاعدة "وأمره شورى بينهم" وهم أولو الأمر في شؤون الفتاوى واستنباط الأحكام الشرعية. أما أسلوب تطبيق قاعدة الشورى فمن القضايا التنظيمية، القابلة للتطوير والتحسين، بحسب أحوال المجتمع، واتساعه وضيقه، وقابلياته المختلفة للتطبيقات التنظيمية. ب- والشؤون الحربية والدفاعية، موضوعٌ عامٌّ يهم جميع المسلمين، لكنه موضوع تخصصي لا يجوز أن يقوم به إلا العلماء الخبراء بشؤون الحرب والدفاع، وهم المؤهلون للاضطلاع بمهمات هذا الموضوع، وهم أولو الأمر في هذا الموضوع التخصصي. وتنطبق عليهم قاعدة "وأمرهم شورى بينهم" وأسلوب تطبيق هذه القاعدة من القضايا التنظيمية القابلة للتطوير والتحسين.

стр. 660

جـ- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية عامة، ووظيفة تقع على جميع المسلمين، ولكن لا يجوز أن يقوم بها من يسيء فيها ولا يحسن. وهي ذات مستويات، فالأحكام الدينية المعروفة للجميع ينصح بها الجميع بشرط أن يكون الناصح عالماً بها حقاً، وقادراً على توجيه النصح الحكيم غير المسيء للدين أو للدعوة. والمسائل التخصصية لا يتصدى لها إلا المتخصصون المؤهلون لتوجيه النصح فيها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتنظيم نشاطات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحديد الأساليب التي ينبغي اتخاذها مع خصوص الأفراد أو الجماعات الذين توجّه هذه النشاطات لنصحهم، هو من خصائص أولي الأمر في هذا الشأن، وهم المؤهلون له، وتنطبق عليهم قاعدة "وأمرهم شورى بينهم" ولهم أن يستعينوا بآراء غيرهم من خبراء الدعوة والإعلام والتنظيمات الإدارية. د- وهكذا لكل أمر مؤهلون متخصصون، والمتخصصون فيه من المسلمين الذين توافرت فيهم شروط العدالة الشرعية، والأهلية لإبداء الرأي، والمشاركة في إصدار القرارات، هم أولوا الأمر فيه، وتنطبق عليهم قاعدة "وأمرهم شورى بينهم". وما يأمرون به يجب على جميع المسلمين الخاضعين لدائرة سلطانهم تنفيذه وطاعته. الشورى أمانة مما سبق يتبين لنا أن الشورى ليست طعاماً مشتركاً عاماً يأكله العالم والجاهل، والصغير والكبير، بل هي أمانة، لا يحسنها إلا أهلها، ويجب أن تؤدى إليهم، عملاً بقول الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ

стр. 661

وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ والأمانات في الناس مختلفات، ولكل أمانة منها مؤهلون متخصصون، ويجب بأمر الله أداء هذه الأمانات إلى أهلها، ومنها أمانة المشاركة في الشورى، وأمانة تولي الحكم. وكل إنسانٍ مستأمن على ما وهبه الله في حدود ما وهبه، وعليه أن لا يخون الأمانة، وكما أمر الله الذين آمنوا بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، نهى حاملي الأمانات عن الخيانة في أماناتهم، فقال الله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن مسؤولية إبداء الرأي، والمشاركة في إصدار الأمر الذي يُهم مصالح المسلمين العامة، ليست من الأمور العادية الهينة التي تصلح لها الكفاية العادية لآحاد الناس. بل هي من الأمور الكبرى التي تحتاج أهلية عالية من حصافة الرأي وواسع التجربة والخبرة بالناس والتاريخ والسياسة مع الشروط الأساسية الأولية التي يدخل فيها النضج العقلي والدين والتقوى والعدالة. ولما كان أهل الكفاية للمشاركة في هذا الأمر الخطير، يختلفون من عصر لعصر، ومن بيئة لبيئة، ومن مجتمع لمجتمع، كماً وكيفاً، كان لا بد من ترك أمر المؤهلين لهذه المشاركة مفتوحاً، لئلا تتعطل مصالح الناس السياسية والإدارية، ولئلا يتوقف الحكم. وكان لا بد من ترك تنظيم كيفية تطبيق الشورى لأمر المسلمين، كي يطوروا ترتيباتهم الإدارية، ولئلا يتوقف الحكم. وكان لا بد من ترك تنظيم كيفية تطبيق الشورى لأمر المسلمين، كي يطوروا ترتيباتهم الإدارية على وفق تطور واقع حال المجتمعات الإسلامية، من بداوة إلى تحضر من درجة دنيا ثم إلى أعلى فأعلى ... ونستطيع أن نفهم من قول الله في النص السابق من سورة

стр. 662

(النساء) : ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله ورسوله﴾ أن إجماع المسلمين بعد صريح أمر الله وصريح أمر الرسول حجة شرعية. وأنهم لا يجمعون جميعاً إلا على حقٍ وخير، فهم بهيئتهم الاجتماعية العامة معصومون عن الضلال، لأن طائفة منهم لا بد أن تبقى ظاهرة على الحق، فإن حصل الإجماع العام فهذه الطائفة لا بد أن تكون ضمن المُجمِعين. فإن تنازعوا ولم يُجمعوا وجب عليهم أن يردوا الأمر إلى أحكام الله والرسول، عن طريق قياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض. أو غير ذلك من الأدلة التي فيها معنى هذا الرد. فإن بقي الخلاف بعد هذا الرد، فلا سبيل للترجيح إلا باعتماد رأي الأكثرية، وهي قضية عقلية، وبه تصدر الأوامر. حملة أمانة الشورى في تخصصاتهم هم أولوا الأمر فيها وإذ كانت الشورى أمانة يجب أداؤها إلى أهلها، فإن حملة أمانة الشورى في تخصصاتهم هم أولوا الأمر فيها، ضمن حدود تخصص كل فريق منهم، ويجب طاعتهم فيما يأمرون به، امتثالاً لأمر الله العام بقوله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..﴾ . وقرارات وأوامر مجالس الشورى التخصصية تؤخذ بالإجماع أو بالأكثرية ولا سبيل غير ذلك. وأوامرهم واجبة الطاعة على الجميع حاكماً ومحكومين. تعيين مجالس الشورى أما تعيين مجالس الشورى فمن المسائل الخاضعة للظروف الاجتماعية، وتتطور بحسب تطور الأمة ثقافياً وحضارياً. ومن أسلم طرق تعيين مجالس الشورى في واقع دولة كبرى

стр. 663

متحضرة، دعوة المتخصصين في الموضوع المطروح للشورى الذين تتوافر فيهم العدالة الشرعية، في كل بلدٍ، دعوةً أوليةً، لتأدية أمانة هذا التخصص إلى أهله، فيصطفي أهل كل بل من يرونه أهلاً لحمل الأمانة في هذا التخصص. ثم يتم جمع المختارين من البلدان في مجمع واحد، للمداولة في الموضوع المطروح للشورى، أو للاصطفاء مرة ثانية. وتصدر القرارات والأوامر من قبل مجالس الشورى بالإجماع أو بالأكثرية. وقراراتهم ليست مجرد توصيات لأولي الأمر التنفيذي، إنما هي أوامر واجبة الطاعة على الجميع، بمقتضى أمر الله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ . وكل مجلس شورى هم أهل الحل والعقد في حدود تخصصهم، وفي حدود دائرتهم الاجتماعية. اختيار أمير المؤمنين واختيار أمير المؤمنين العام، بأي اسم سميناه (أمير المؤمنين - خليفة - رئيساً للدولة - سلطاناً - ملكاً) أو غير ذلك، هو من أمر المسلمين العام، فهو خاضع لقاعدة (وأمرهم شورى بينهم) . ولكن كيف يتم اختياره واصطفاؤه، مع تطبيق قاعدة الشورى؟ والجواب على ذلك: أن تطبيق قاعدة الشورى هنا، هو نظير تطبيقها في القضايا التخصصية، التي سبق بيانها. فالأصل في الشورى أنها مسؤولية ووظيفة عامة، ولكن لا يجوز أن يضطلع بها أ, يشارك فيها إلا من كان مؤهلاً لها، وهو الرشيد الحر العدل شرط المؤهل لتقديم الرأي والمشاركة في الأمر. والمؤهلون لاختيار واصطفاء أمير المؤمنين الأعلى، وتأدية أمانة الحكم إليه، يختلفون من مجتمع لمجتمع، ومن بيئة لبيئة، ومن زمن لزمن. فتحديد هؤلاء هو من الأمور القابلة للتطور والتغير،

стр. 664

بحسب تغير أحوال الناس، وتغير مستويات ثقافاتهم، ومستوياتهم الحضارية، ومقادير مشاركاتهم الاجتماعية. ففي البيئات القديمة - كما سبق بيانه - كان رؤساء القبائل وشيوخها والمستشارون حولهم، هم أهل الحل والعقد، وهم المؤهلين لاختيار أمير المؤمنين العام واصطفائه، وتأدية أمانة إمارة المؤمنين العامة لمن هو أصلح لها من بين جميع المؤمنين. ثم تطور الأمر بالتطورات المدنية والحضارية، فصار أهل الحل والعقد في المدن والقرى بصورة أخرى. وما تزال المدن الحضارية وقراها خاضعة للتطورات الاجتماعية التي تبرز فيها صورة جديدة، وبسببها يختلف تحديد أهل الحل والعقد. فما دام الأمر متروكاً للمسلمين فهو من أمرهم، ولهم أن ينظموا الشكل الذي يؤدون به أمانة إمارة المؤمنين لمن هو أصلح المؤمنين لها، وهو أهلها. وقد يكون ذلك بانتخاب أعيانهم وأهل الحل والعقد منهم في مواطنهم ودوائرهم، ثم يختار كل أهل بلد منهم الصفوة، ثم تجتمع مجالس الصفوة من البلدان في مجمع واحد لاصطفاء الأمير العام للمؤمنين. واختيار أهل الحل والعقد في بلدانهم أو قراهم أو أحيائهم أو حاراتهم، يكون من قبل المؤهلين لمعرفة أهل الحل والعقد فيها، وقد يتم هذا تلقائياً باجتماعات تعقد لهذه الغاية، أو يتم بصورة أخرى. ويمكن تنظيم مجالس شورى محلية عامة، للأمور الإدارية والسياسية، يكون أعضاؤها المختارون في قبل القاعدة الشعبية المؤهلة للاصطفاء هم أهل الحل والعقد، في القضايا الخاصة بدوائر كلمتهم المسموعة، ومشورتهم المقبولة، وعن طريق هذه المجالس مع المجالس الشورى الأخرى التخصصية يتم انتخاب أمير المؤمنين أو رئيس الدولة.

стр. 665

وتظل كل التنظيمات قابلة للتعديل والتطوير، بغية تطبيق قاعدة الشورى بصورة أفضل، وذلك بحسب واقع حال المجتمع. وبالنظر إلى الواقع الاجتماعي المتطور المتغير، كان تطبيق قاعدة الشورى من الأمور التي ينظر فيها إلى واقع حال المجتمع، فتطبّق الصورة المتيسرة من صورها، على أن تكون هي الصورة ذات العطاء الأجدى، والأبعد عن غوائية الجاهلية وأصحاب الأهواء، بحسب حال المجتمع الذي تطبق فيه قاعدة الشورى. لذلك ألزم الله بالشورى، ولم يحدد صورة لتطبيقها، ليتكيّف المؤمنون في تطبيقها بحسب واقع مجتمعهم، الذي هو عرضة للتطور، كسائر المجتمعات الإنسانية. ولا بد أن نلاحظ أيضاً أن الأهلية للمشاركة بالرأي، وإصدار القرارات، في الأمور العامة، ومنها اختيار رئيس الدولة، هي من الأمور القابلة للتطور، وليست من الأمور الثابتة التي لا تقبل التغير ولا التطور. فالتطبيق لقاعدة الشورى يتبع المتغيرات الاجتماعية. هل الشورى ملزمة؟ ما هو من أمر المسلمين الذي قال الله بشأنه ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فالشورى فيه ملزمة فيما أرى. وذلك لأن الله لم يجعل للمسلمين في أمرهم الذي خصه بهم وجعله لهم، غير الشورى مبدأً يعملون به، فما تنتجه الشورى فإنه يكون لازماً لهم، وواجباً عليهم أن يعملوا به. وأمر المسلمين المتروك لهم، هو غير الأمر الذي أنزل الله فيه أحكاماً بأمره، وغير الأمر الذي أمر فيه الرسول بأوامر من عنده مما له صفة التشريع، وغير التصرفات الإدارية المتحركة التي جعلها الله لذوي السلطة التنفيذية من المؤمنين، أو جعلها لهم رسوله، أو فوضهم بها المؤمنون.

стр. 666

ومتى طرح المسلمون أمراً من أمورهم للشورى فالنتيجة تكون على أحد وجهين، إما أن يتفق أهل الحل والعقد منهم، وإما أن يختلفوا. أ- فإن اتفقوا على أمرٍ بلا خلاف، فقد أعطت الشورى أفضل صورها وأكملها، وكانت ملزمة حتماً للحاكم والمحكومين جميعاً. ب- وإذا حصل الخلاف ردوه إلى الله والرسول بطريق القياس أو بطريق آخر مقبول شرعاً من طرق الرد، إن كان الأمر مما يمكن رده إلى حكم شرعي ثابت. ثم إن بقي الخلاف فرأي الأكثرية هو الذي يجب المصير إليه فيما أرى. والأخذ بخلافه ترجيح من غير مرجح، وتحكم وتعنت، وإلغاء لمبدأ تساوي المؤمنين المؤهلين للمشاركة، في حقهم بإبداء الرأي الذي يرونه أنفع وأصوب وأكثر تحقيقاً لمصلحة المسلمين، وبإصدار القرار المناسب في ذلك. إن رأي أكثرية المؤمنين المؤهلين لإبداء الرأي في الموضوع المطروح للشورى هو الرأي الراجح في نظر جماعة المؤمنين، الذين جعل الله حق إصدار الأمر، ولا سبيل للترجيح عند الاختلاف غير ذلك. ورجحان أصوات أصحاب الأهواء مستبعد، ما دام الشرط في كل عضو من أعضاء أهل الحل والعقد: الكفاية والعدالة الشرعية والأهلية لإبداء الرأي السديد في الموضوع المطروح للشورى. وما يمكن أن تهتم به الأكثرية من الخطأ واتباع الهوى يمكن أن تتهم به الأقلية، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله. ويمكن عند اختلاف الصفوة المختارين لمجالس الشورى، أن تطرح وجوه الآراء التي اختلفوا فيها، على القاعدة العريضة التي انتخبتهم من الشعب، في استفتاء عام، ثم ينظر في رأي الأكثرية من جديد. إلى غير ذلك من أمور تنظيمية، هدفها تحقيق قاعدة الشورى على أحسن وجه وأفضله.

стр. 667

ولأعضاء مجالس الشورى الإسلامية المختلفة، أن يقتبسوا من التنظيمات الإدارية التي توصل إليها غيرهم بتجاربهم، ما يرونه صالحاً ونافعاً يخدم الدين والمجتمع الإسلامي، ولا يتعارض مع أي حكم من أحكام الشرع. وتنظيمات جماعة المسلمين قابلة للنسخ والتعديل والتبديل، عن طريق الشورى ومجالسها الإسلامية بحسب تخصصاتها. * * * المفهوم الحادي عشر: "حول القضاء والقضاة". ١- لجماعة المسلمين عن طريق مجالس الشورى المتخصصة، أن يضعوا النظم الإدارية الكفيلة بسير القضاء سيراً نزيهاً بعيداً عن أية ضغوط من قِبل السلطة الإدارية أو العسكرية أو غيرها. وأن يضعوا النظم الإدارية للقضاء وأصول المرافعات، وكل ما له سمة التنظيم الإداري، بشرط أن لا يخالف حكماً شرعياً. فوضع مثل هذه النظم من أمرهم المتروك شرعاً لهم (وأمرهم شورى بينهم) . ٢- يتم تعيين القضاة من قبل من له السلطة الإدارية ضمن حدود أحكام الشرع، فأحكام النظُم الصادرة عن جماعة المسلمين. ولجماعة المسلمين - فيما أرى - أن يضعوا نظاماً يحمون به السلطة القضائية من جنوح السلطة الإدارية، كأن يجعلوا اختيار القضاة إنما يتم من قبل مجالس الشورى المتخصصة بهذا الشأن، والتي يكون المسلمون بهيئتهم العامة مرجعها. ٣- يحكم القضاة ويفصلون في القضايا بسلطة مستقلة، وفق أحكام الشريعة الإسلامية، فأحكام النظم الصادرة عن جماعة المسلمين والتي هي من أمرهم المتروك شرعاً لهم، فأوامرِ السلطة الإدارية العليا بشرط عدم

стр. 668

معارضتها لأحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام النظم الصادرة عن جماعة المسلمين. * * * المفهوم الثاني عشر: "حول ما لأفراد المسلمين وجماعاتهم من حقوق وما عليها من واجبات". أولاً: جعل الله لجماعة المسلمين في نظام الحكم الإسلامي السلطات التالية: ١- سلطة تولية أمير المؤمنين، عن طريق الشورى، والحكم فيها للأكثرية، ثم عقد البيعة معه. ٢- سلطة وضع النظم العامة، عن طريق الشورى، ضمن ما جعل الله لهم من أمر، وهو كل ما ليس له حكم شرعي في كتاب الله أو سنة رسوله، أو ما يرجع إليهما من أدلة شرعية أصول، كالإجماع والقياس. ولهم أيضاً - فيما أرى - عن طريق الشورى أن يضعوا النظام الذي يكون لجماعة المسلمين فيه سلطة خلع الأمير من سلطانه، واصطفاء غيره بدله، بشرط عدم مخالفة هذا النظام لأي حكم شرعي، ويكون هذا النظام ملاحظاً ضمن التولية والبيعة. ٣- سلطة محاسبة ولي الأمر على تصرفاته المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، أو للنظم الموضوعة بصورة مشروعة، أو للحكمة والعقل، أو مصلحة الدين أو جماعة المسلمين، أو أفرادهم. ثانياً: جعل الله لكل مسلم حق النصح برفق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن حدود الشرع، وله أن يواجه بذلك الحكام والمحكومين، دون أن يكون عرضة للانتقام من أحد. وعلى الدولة الإسلامية أن تحميه وتؤازره، ما لم يخالف منهج الله في النصيحة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 669

ثالثاً: كل حق منحه الله للأفراد أو للجماعات، من الحقوق الشخصية أو العامة، حتى أحكام الإباحة المنصوص عليها، هو حقٌّ مصون، ليس للحاكم ولا لغيره ولا لمجالس شورى المسلمين، أن يغيروا فيه أو يأمروا بما يتناقض معه. والناس أحرار في أن يختاروا ما يشاءون مما أباح الله لهم في دينه من تصرفات خاصة أو عامة، ولكن لا يتعارض مع هذه الحرية تنظيم ممارستها لحماية حق الدين، وحق جماعة المسلمين، وحق الدولة الإسلامية. فحقوق الملكية المشروعية، وحقوق الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والتنقل والانتفاع بالمباحات العامة وغير ذلك من حقوق كثيرة منحها الله لعباده المؤمنين بالنص هي حقوق مصونة شرعاً وعلى الدولة الإسلامية أن تحميها لأصحابها. رابعاً: على المسلمين السمع والطاعة لأمرائهم وأولياء أمورهم، في غير معصية الله والرسول، ومخالفة أحكام الشريعة الإسلامية، ومخالفةِ الأنظمة التي هي من أمر المسلمين، والمقررة بموجب قاعدة (وأمرهم شورى بينهم) . المفهوم الثالث عشر: "حول توزيع الاختصاصات والسلطات". من المفاهيم السابقة يتضح لنا أن نظام الحكم الإسلامي في أسسه القابلة للتنظيمات الإدارية، والتراتيب التكاملية، قد اشتمل على توزيع الاختصاصات والصلاحيات والسلطات، مع أن الأمر والحكم هما في الأصل لله وحده. ١- فما أمر به الله أو أمر به الرسول، وما حكم به الله أو حكم به الرسول، على أنه تشريع ثابت، فهو واجب التنفيذ دواماً، لا خيرة لأحد في تعديله أو تبديله أو نسخه ووظيفة المسلمين جميعاً حكاماً ومحكومين بالنسبة إليه السمع والطاعة.

стр. 670

٢- وما هو من أمور التشريع الديني، فالمرجع فيه فقهاء المسلمين المؤهلون لاستنباط الأحكام الشرعية، وهم ليسوا بشرعيين، وعملهم قاصر على الاجتهاد لفهم الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها الشرعية. وأمرهم واجب التنفيذ، وهو بالنسبة إلى تطبيقات الدولة يخضع لقاعدة "وأمرهم شورى بينهم" إذا كان الحكم الذي يوجهونه من الأحكام الاجتهادية الظنية، وهذه الأحكام الاجتهادية الظنية قابلة لتصحيح الاجتهاد فيها باجتهادات لاحقة، من قبل مجالس شورى فقهية مؤهلة شرعاً لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. أما الأحكام الشرعية اليقينية، فهي غير قابلة للاجتهاد وعلماء المسلمين وفقهاؤهم يعلنون أنها يقينية، ووظيفتهم لا تتعدى هذا الإعلان، والمطالبة بتطبيقها في الأفراد، والجماعات وجهاز الدولة كله من القاعدة حتى القمة. ٣- وما هو من أمور المسلمين التنظيمية العامة، وقضاياهم الكبرى، فالمرجع فيه ذوو الاختصاص من المسلمين، المؤهلون للتنظيم وإبداء الرأي وإصدار الأمر وأمرهم فيه شورى والحكم فيها للأكثرية، وهو واجب التنفيذ على الجميع حكاماً ومحكومين متى أخذ شكله النظامي وترتيبه الإداري. ٤- واختيار أمير المؤمنين وعزله من صلاحيات أهل الحل والعقد من صلاحيات أمير المؤمنين ومن يفوضهم بذلك. ومن الخير له أن يشاور فيها، والأصل في المشورة هنا أنها غير ملزمة له. وينحصر في هذه الدائرة الصغرى احتمال استبداد الحاكم المسلم، وقد لا يستبد لأن الإسلام يحثه على العمل بقاعدة الشورى في كل تصرفاته. وقد تقيد بعض تصرفاته الإدارية التنظيمات التي هي من صلاحيات جماعة
следующие страницы →