← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومتى طرح المسلمون أمراً من أمورهم للشورى فالنتيجة تكون على أحد وجهين، إما أن يتفق أهل الحل والعقد منهم، وإما أن يختلفوا. أ- فإن اتفقوا على أمرٍ بلا خلاف، فقد أعطت الشورى أفضل صورها وأكملها، وكانت ملزمة حتماً للحاكم والمحكومين جميعاً. ب- وإذا حصل الخلاف ردوه إلى الله والرسول بطريق القياس أو بطريق آخر مقبول شرعاً من طرق الرد، إن كان الأمر مما يمكن رده إلى حكم شرعي ثابت. ثم إن بقي الخلاف فرأي الأكثرية هو الذي يجب المصير إليه فيما أرى. والأخذ بخلافه ترجيح من غير مرجح، وتحكم وتعنت، وإلغاء لمبدأ تساوي المؤمنين المؤهلين للمشاركة، في حقهم بإبداء الرأي الذي يرونه أنفع وأصوب وأكثر تحقيقاً لمصلحة المسلمين، وبإصدار القرار المناسب في ذلك. إن رأي أكثرية المؤمنين المؤهلين لإبداء الرأي في الموضوع المطروح للشورى هو الرأي الراجح في نظر جماعة المؤمنين، الذين جعل الله حق إصدار الأمر، ولا سبيل للترجيح عند الاختلاف غير ذلك. ورجحان أصوات أصحاب الأهواء مستبعد، ما دام الشرط في كل عضو من أعضاء أهل الحل والعقد: الكفاية والعدالة الشرعية والأهلية لإبداء الرأي السديد في الموضوع المطروح للشورى. وما يمكن أن تهتم به الأكثرية من الخطأ واتباع الهوى يمكن أن تتهم به الأقلية، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله. ويمكن عند اختلاف الصفوة المختارين لمجالس الشورى، أن تطرح وجوه الآراء التي اختلفوا فيها، على القاعدة العريضة التي انتخبتهم من الشعب، في استفتاء عام، ثم ينظر في رأي الأكثرية من جديد. إلى غير ذلك من أمور تنظيمية، هدفها تحقيق قاعدة الشورى على أحسن وجه وأفضله.

стр. 667

ولأعضاء مجالس الشورى الإسلامية المختلفة، أن يقتبسوا من التنظيمات الإدارية التي توصل إليها غيرهم بتجاربهم، ما يرونه صالحاً ونافعاً يخدم الدين والمجتمع الإسلامي، ولا يتعارض مع أي حكم من أحكام الشرع. وتنظيمات جماعة المسلمين قابلة للنسخ والتعديل والتبديل، عن طريق الشورى ومجالسها الإسلامية بحسب تخصصاتها. * * * المفهوم الحادي عشر: "حول القضاء والقضاة". ١- لجماعة المسلمين عن طريق مجالس الشورى المتخصصة، أن يضعوا النظم الإدارية الكفيلة بسير القضاء سيراً نزيهاً بعيداً عن أية ضغوط من قِبل السلطة الإدارية أو العسكرية أو غيرها. وأن يضعوا النظم الإدارية للقضاء وأصول المرافعات، وكل ما له سمة التنظيم الإداري، بشرط أن لا يخالف حكماً شرعياً. فوضع مثل هذه النظم من أمرهم المتروك شرعاً لهم (وأمرهم شورى بينهم) . ٢- يتم تعيين القضاة من قبل من له السلطة الإدارية ضمن حدود أحكام الشرع، فأحكام النظُم الصادرة عن جماعة المسلمين. ولجماعة المسلمين - فيما أرى - أن يضعوا نظاماً يحمون به السلطة القضائية من جنوح السلطة الإدارية، كأن يجعلوا اختيار القضاة إنما يتم من قبل مجالس الشورى المتخصصة بهذا الشأن، والتي يكون المسلمون بهيئتهم العامة مرجعها. ٣- يحكم القضاة ويفصلون في القضايا بسلطة مستقلة، وفق أحكام الشريعة الإسلامية، فأحكام النظم الصادرة عن جماعة المسلمين والتي هي من أمرهم المتروك شرعاً لهم، فأوامرِ السلطة الإدارية العليا بشرط عدم

стр. 668

معارضتها لأحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام النظم الصادرة عن جماعة المسلمين. * * * المفهوم الثاني عشر: "حول ما لأفراد المسلمين وجماعاتهم من حقوق وما عليها من واجبات". أولاً: جعل الله لجماعة المسلمين في نظام الحكم الإسلامي السلطات التالية: ١- سلطة تولية أمير المؤمنين، عن طريق الشورى، والحكم فيها للأكثرية، ثم عقد البيعة معه. ٢- سلطة وضع النظم العامة، عن طريق الشورى، ضمن ما جعل الله لهم من أمر، وهو كل ما ليس له حكم شرعي في كتاب الله أو سنة رسوله، أو ما يرجع إليهما من أدلة شرعية أصول، كالإجماع والقياس. ولهم أيضاً - فيما أرى - عن طريق الشورى أن يضعوا النظام الذي يكون لجماعة المسلمين فيه سلطة خلع الأمير من سلطانه، واصطفاء غيره بدله، بشرط عدم مخالفة هذا النظام لأي حكم شرعي، ويكون هذا النظام ملاحظاً ضمن التولية والبيعة. ٣- سلطة محاسبة ولي الأمر على تصرفاته المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، أو للنظم الموضوعة بصورة مشروعة، أو للحكمة والعقل، أو مصلحة الدين أو جماعة المسلمين، أو أفرادهم. ثانياً: جعل الله لكل مسلم حق النصح برفق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضمن حدود الشرع، وله أن يواجه بذلك الحكام والمحكومين، دون أن يكون عرضة للانتقام من أحد. وعلى الدولة الإسلامية أن تحميه وتؤازره، ما لم يخالف منهج الله في النصيحة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 669

ثالثاً: كل حق منحه الله للأفراد أو للجماعات، من الحقوق الشخصية أو العامة، حتى أحكام الإباحة المنصوص عليها، هو حقٌّ مصون، ليس للحاكم ولا لغيره ولا لمجالس شورى المسلمين، أن يغيروا فيه أو يأمروا بما يتناقض معه. والناس أحرار في أن يختاروا ما يشاءون مما أباح الله لهم في دينه من تصرفات خاصة أو عامة، ولكن لا يتعارض مع هذه الحرية تنظيم ممارستها لحماية حق الدين، وحق جماعة المسلمين، وحق الدولة الإسلامية. فحقوق الملكية المشروعية، وحقوق الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والتنقل والانتفاع بالمباحات العامة وغير ذلك من حقوق كثيرة منحها الله لعباده المؤمنين بالنص هي حقوق مصونة شرعاً وعلى الدولة الإسلامية أن تحميها لأصحابها. رابعاً: على المسلمين السمع والطاعة لأمرائهم وأولياء أمورهم، في غير معصية الله والرسول، ومخالفة أحكام الشريعة الإسلامية، ومخالفةِ الأنظمة التي هي من أمر المسلمين، والمقررة بموجب قاعدة (وأمرهم شورى بينهم) . المفهوم الثالث عشر: "حول توزيع الاختصاصات والسلطات". من المفاهيم السابقة يتضح لنا أن نظام الحكم الإسلامي في أسسه القابلة للتنظيمات الإدارية، والتراتيب التكاملية، قد اشتمل على توزيع الاختصاصات والصلاحيات والسلطات، مع أن الأمر والحكم هما في الأصل لله وحده. ١- فما أمر به الله أو أمر به الرسول، وما حكم به الله أو حكم به الرسول، على أنه تشريع ثابت، فهو واجب التنفيذ دواماً، لا خيرة لأحد في تعديله أو تبديله أو نسخه ووظيفة المسلمين جميعاً حكاماً ومحكومين بالنسبة إليه السمع والطاعة.

стр. 670

٢- وما هو من أمور التشريع الديني، فالمرجع فيه فقهاء المسلمين المؤهلون لاستنباط الأحكام الشرعية، وهم ليسوا بشرعيين، وعملهم قاصر على الاجتهاد لفهم الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلتها الشرعية. وأمرهم واجب التنفيذ، وهو بالنسبة إلى تطبيقات الدولة يخضع لقاعدة "وأمرهم شورى بينهم" إذا كان الحكم الذي يوجهونه من الأحكام الاجتهادية الظنية، وهذه الأحكام الاجتهادية الظنية قابلة لتصحيح الاجتهاد فيها باجتهادات لاحقة، من قبل مجالس شورى فقهية مؤهلة شرعاً لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. أما الأحكام الشرعية اليقينية، فهي غير قابلة للاجتهاد وعلماء المسلمين وفقهاؤهم يعلنون أنها يقينية، ووظيفتهم لا تتعدى هذا الإعلان، والمطالبة بتطبيقها في الأفراد، والجماعات وجهاز الدولة كله من القاعدة حتى القمة. ٣- وما هو من أمور المسلمين التنظيمية العامة، وقضاياهم الكبرى، فالمرجع فيه ذوو الاختصاص من المسلمين، المؤهلون للتنظيم وإبداء الرأي وإصدار الأمر وأمرهم فيه شورى والحكم فيها للأكثرية، وهو واجب التنفيذ على الجميع حكاماً ومحكومين متى أخذ شكله النظامي وترتيبه الإداري. ٤- واختيار أمير المؤمنين وعزله من صلاحيات أهل الحل والعقد من صلاحيات أمير المؤمنين ومن يفوضهم بذلك. ومن الخير له أن يشاور فيها، والأصل في المشورة هنا أنها غير ملزمة له. وينحصر في هذه الدائرة الصغرى احتمال استبداد الحاكم المسلم، وقد لا يستبد لأن الإسلام يحثه على العمل بقاعدة الشورى في كل تصرفاته. وقد تقيد بعض تصرفاته الإدارية التنظيمات التي هي من صلاحيات جماعة

стр. 671

المسلمين، ومن أمرهم الذي ينطبق عليه ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ . ٦- وأجهزة الحكم الإسلامي كلها تعمل ضمن حكم الله والرسول. فأحكام الشريعة الإسلامية التي توصل إلى استنباطها فقهاء المسلمين المؤهلون شرعاً لاستنباط الأحكام، وأصدرت مجالس شوراهم أوامر لوضعها موضع التنفيذ، وجرى اعتمادها من قبل الدولة الإسلامية. فأحكام التنظيمات التي تقررها مجالس الشورى التخصصية، في مختلف المجالات، مما ترك الله تنظيمه، وجعله من أمر المسلمين، الذي هو شورى بينهم. فأوامر أمير المؤمنين غير المناقضة لما سبق. فأوامر من دونه من جهاز الدولة بحسب التسلسل الوظيفي والصلاحيات الممنوحة من قبل من له حق منحها. * * * المفهوم الرابع عشر: "حول قيام نظام الحكم في الإسلام على الحق والعدل". الحق: أما الحق فهو يشمل ما يلي: أولاً: حق الله على عباده، وهو يشمل حقه في أن يؤمنوا به رباً وإلهاً واحداً، ويعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً، وحقه في أن يلتزموا طاعته على مقدار الاستطاعة، في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه، ويأخذوا بوصايا الشريعة التي أنزلها لهم، وأن يحافظوا على كل ما هو من شؤون الدنيا وحقوقه. ثانياً: حق الرسول على أمته، وهو يشمل حقه في أن يؤمنوا به

стр. 672

رسولاً، ويتبعوه، ويطيعوه في أوامره ونواهيه، التي هي في الحقيقة تابعة لأوامر الله ونواهيه. ثالثاً: حق الأفراد بعضهم على بعض وعلى الجماعة وعلى الدولة الإسلامية. فكل ما أعطى الله للفرد فيه حقاً، فيجب على الأفراد والجماعات والدولة أن يصونوه له، ويؤدوه إياه، كحق الحياة ما لم يرتكب ما يوجب قتله، وحق السلامة، ما لم يرتكب ما يوجب غير ذلك، وحق الرزق، وحق السعي في اكتسابه، وحق إتاحة الفرصة له فيه دون تفضيل ولا تمييز، وحق التملك ضمن الوسائل المشروعة، وحق الحرية الشخصية في كل ما حكم الله فيه للفرد بحق الحرية، وهي المباحات بحكم الشرع، وحق المشاركة في أمور المسلمين العامة، بشرط أن يكون مؤهلاً شرعاً لهذه المشاركة، إلى غير ذلك من حقوقٍ فردية مقررة في أحكام الإسلام. رابعاً: حق الجماعة على الأفراد وعلى الدولة، فكل ماله صفة الحق الجماعي، فعلى الجميع صيانته وحمايته والمحافظة عليه والالتزام بحقوقه، وعدم العدوان عليها. كالمؤسسات العامة، والطرق، والمساجد، والجسور، والحدائق العامة، والممتلكات العامة، والأمن الداخلي والخارجين، ومراقبة المندسين والمتسللين والجواسيس من الأعداء. وكحق الجماعة في اختيار أمير المؤمنين، ووضع النظم الإدارية التي ترك الله تنظيمها لجماعة المسلمين، كما سبق بيانه. خامساً: حق الدولة الإسلامية على رعاياها، وهو يشمل حقها في الإدارة والتصرف، ضمن أحكام الشرع، وأحكام النظم المقررة من قبل جماعة المسلمين، ويشمل حقها في إصدار الأوامر الإدارية، وعلى جماعة المسلمين وأفرادهم طاعتها في غير معصية الله، وفيما لا مخالفة فيه للنظم المقررة من قبل جماعة المسلمين المتقيدة بحدود ما أذن الله لها فيه.

стр. 673

العدل: وأما العدل فهو يشمل ما يلي: أولاً: العدل في توزيع الحقوق الطبيعية والتكليفية بين الجماعة والدولة، فيما لكل وما عليه. وعلى هذا قامت أحكام الشريعة الإسلامية، ثم على جماعة المسلمين أن تلتزم بمبدأ العدل لدى وضع النظم الإدارية المتروكة لها. وعلى الدولة الإسلامية أن تلتزم بمبدأ العدل لدى إصدار الأوامر الإدارية التي يمن حقها أن تصدرها. ولدى حدوث التعارض في الحق بين حق الأفراد وحق الجماعة، فالإسلام يأمر بالتوفيق بين الحقين بالعدل، حتى لا يطغى حق الأفراد على حق الجماعة، ولا يطغى حق الجماعة على حق الأفراد. ثالثاً: العدل في توزيع الحقوق الطبيعية والتكليفية بين الدولة والأفراد، فيما لكل وما عليه. ولدى حدوث التعارض في الحق بين حق الأفراد وحق الدولة، فالإسلام يأمر بالتوفيق بين الحقين بالعدل، حتى لا يطغى حق الأفراد على حق الدولة، ولا يطغى حق الدولة على حق الأفراد.

стр. 674

وهذه المفاهيم حول الحق والعدل في الحكم قد دلت عليها نصوص كثيرة في القرآن العظيم، وفي بيانات الرسول الكريم، ومنها ما يلي: ١- قول الله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ... ﴾ . ٢- وقول الله لرسوله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ ٣- وقول الله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ . ولما كان الحكم بالعدل أساسه الحق قال الله في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) : ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ٤- وقول الله لرسوله في سورة (الشورى/٤٢ مصحف/٦٢ نزول) : ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ..ْ﴾ . ٥- وقول الله في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .

стр. 675

٦- وقول الله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . شنآن قوم: أي بغض قوم، ويسمى البغض شنآناً حينما يكون متحركاً ثائراً. * * *

стр. 676

الفصل الثالث مقارنة بين النظم السياسية (١) مقدمة تباينت النظم السياسية الوضعية منها والربانية في هياكلها الكلية، وفي كثير من فروعها وتطبيقاتها، تبعاً لاختلاف أسسها الجذرية ومنطلقاتها التي تنطلق منها، ومبادئها التي تنبعث عنها. وكما سبق بيانه في المقارنة بين المذاهب الاقتصادية نجد هنا أيضاً أنه ليس معنى تباين النظم السياسية، أنها تتنافر وتتباين في كل أجزائها وعناصرها وتطبيقاتها، بل قد تتلاقى وتتشابه في بعض كل ذلك، وتلاقيها وتشابهها في بعض الأجزاء والعناصر والتطبيقات لا يلغي تباينها في هياكلها الكلية، والمجمل العام لكل منها. وأنواع النظم السياسية ثلاثة أصول: النوع الأول: هو نظام الحكم الرباني، الذي هو صراط سوي وسط على قمة، فهو النوع الأول الأعلى. ولهذا الصراط وسط مرتفع تقع فيه مرتبة الإحسان، وصورته المثلى نجدها في حكم الرسول محمد ﷺ وحكم الأنبياء الذين كان لهم حكم في أمتهم. ومرتبة الإحسان مرتبة ذات درجات. ودون مرتبة الإحسان تأتي مرتبة البر، وهي أيضاً ذات درجات، ومن

стр. 677

أمثلتها حكم الخلفاء الراشدين، وحكم عمر بن عبد العزيز، وقد ترقى طائفة من تصرفاتهم إلى مرتبة الإحسان. ودون مرتبة البر تأتي مرتبة التقوى، والإخلال بواجبات هذه المرتبة إخلال بنظام الحكم الإسلامي. وقد سبق بيان أسس هذا النظام الإسلامي ومفاهيمه العامة. النوع الثاني: النظم المنحدرة عن يمين صراط الإسلام، وهي النظم المنحازة انحيازاً مسرفاً إلى الحكم الفردي أو الشبيه به، وله طابع الاستبداد، وتندرج هذه النظم تحت اسم النظم الاستبدادية (=الديكتاتورية) . والحكم الفردي الاستبدادي (الديكتاتوري) المطلق الذي لا قيود عليه يقع في أسفل المنحدر وحضيضه. ونظيره حكم العصابة. وفوقه قليلاً حكم الحزب المستبد الذي لا قيود عليه، وهو بطبيعة الحال مهما اتسعت قاعدة الحزب فإنه لا يمثل معظم أفراد الشعب المحكوم تمثيلاً حقيقياً قائماً على حرية اختيار، لأن الشعوب لا يمكن أن تتفق أكثريتها على أن تختار بحريتها أن تُحكم بحكم استبدادي (=ديكتاتوري) سواءٌ أكان المستبد فرداً أو عصابة أو حزباً. ويرتقي الحكم فوق ذلك درجات تناسب القيود التي توضع على الحاكم (فرداً أو عصابة أو حزباً) فتخفف من استبداده (=ديكتاتوريته) سواء أكانت هذه القيود ربانية، أو مبادئ إنسانية عامة متفقاً عليها، أو كانت موضوعة من قبل الشعب المحكوم لتحقيق المصالح العامة له أو لمبادئه. وكلما زادت القيود على تصرفات الحاكم، فقللت من استبداده، رعاية للمصلحة العامة الدينية أو الدنيوية، واحتراماً لإرادة الشعب المحكوم وحرياته المشروعة، ارتفع النظام حتى يكون قريباً من القمة التي يحتلها نظام الإسلام في الحكم، لكنه مهما سما فلن يصل إليها.

стр. 678

ويتلخص الحكم الديكتاتوري: بأنه الحكم الاستبدادي المطلق الذي يكون الحاكم فيه هو المرجع في كل شيء يتعلق بالحكم، وتكون إرادة الحاكم فيه هي الإرادة التي يجب أن تنفذ دون معارض. ويكون الحاكم فيه هو الدستور، وهو القانون، وهو النظام، وهو الآمر الناهي في كل شيء. والقيود التي تضعها على أنفسها بعض الدول الديكتاتورية، أو الحكام الديكتاتوريين، إنما هي قيود ترضية للجماهير، أو قيود خداع وتضليل، أو قيودٌ حقيقية ألجأتهم إليها الضرورة التي لا يستطيعون بدونها أن يحكموا ويحموا أنفسهم، وإلا ثار عليهم أنصارهم، أو ثار الشعب ضدهم، فسقطوا عن سلطانهم. ونماذج الحكم الديكتاتوري كثيرة في التاريخ. النوع الثالث: النظم المنحدرة عن يسار صراط الإسلام، وهي النظم المنحازة انحيازاً مسرفاً إلى تفويض كل أمر الحكم، في وضع دستور الأمة، وقوانينها، وتشريعاتها، واختيار حكامها، للشعب المحكوم نفسه، أي: لأكثريته، دون نظر لأي اعتبار آخر. وتسمى النظم الشعبية (=الديمقراطية) . ويقع في أسفل المنحدر وحضيضه، النظام المسرف في تفويض الأمر للشعب، الذي يدخل فيه العالم والجاهل، والأحمق والعاقل، والراشد والسفيه، والذكي والغبي، والتقي والفاجر، والصالح لإبداء الرأي وغير الصالح. ولكن قلما يحدث هذا، لأن الديمقراطيات جلها بل كلها تستبعد عناصر لا تراها صالحة للمشاركة، كالصغار والمجانين وغير الراشدين، ونحو هؤلاء. وهذا النوع من الحكم شبيه بالفوضى، وشروره كثيرة، ويستبد به غالباً مجموعة من الشياطين، الذين يستطيعون تحريك أكثرية الجماهير من

стр. 679

عواطفها الرعناء، لا من عقولها الواعية، ثم يسوقونها ليحققوا مآربها الخاصة عن طريقها وهي غافلة، ويكون مثل هذا النظام في واقع الحال نظاماً ديكتاتورياً بقناع شعبي ديمقراطي. وعندئذٍ يتشابه في الحقيقة أسفل المنحدر الواقع وراء يمين صراط الإسلام، مع أسفل المنحدر الواقع وراء يسار صراط الإسلام. وتتشابه أعمالهما في الواقع المطبق، أما الديكتاتوري فيقهر إرادة الشعب بسلطان القوة، كاشفاً وجهه الديكتاتوري. وأما الديمقراطي المزور فيقهر إرادة الشعب الحقيقية بسلطان غوغائية الجماهير غير الواعية، وقد وضع على وجهه الديكتاتوري الحقيقي قناعاً من وجه ديمقراطي. ويرتقي فوق هذا النوع من الحكم في اتجاه القمة الحكم الشعبي الديمقراطي الذي يستبعد من المشاركة في قضايا الحكم وقوانينه ونظمه واختيار الحكام غير الصالحين للمشاركة. وكلما كانت شروط المشاركة في قضايا الحكم أقرب إلى تحقيق الحق والعدل والمصلحة العامة الدينية والدنيوية، كان النظام أكثر ارتقاءً في الدرجات باتجاه القمة. ومهما يكن من أمر فما دام حكم الله المنزل في الدين الحق مستبعداً من النظام، فلن يصل نظام ديمقراطي إلى مستوى القمة، مهما صلحت القيود والشروط فيه، التي تستبعد الأهواء والرعونات وغير الصالحين. لأن الناس سيظلون بعيدين عن مطلوب الحق والعدل، متأثرين بنظراتهم الناقصات، وأهوائهم وشهواتهم ومصالح النخبة المختارة التي استطاعت أن تفوز بثقة جماهير الشعب. وتشير دراسات علم نفس الجماهير إلى أن عقل الجماهير في معظم الأحوال عقلٌ تبعيٌ إمعيٌ لا يفكر أفرادهم تفكيراً مستقلاً، وأن حركاته التبعية تشبه حركة القطيع من الأغنام، وإن كان فيهم أفراد ممتازون، لو انفردوا أو فرزوا لأعطوا الأفكار السليمة، ولصححوا مسيرة الجماهير بآراء صحيحة.

стр. 680

وقد أدرك هذه الظاهرة علي بن أبي طالب ﵁، فقال فيما روي عنه: الغوغاء إذا اجتمعوا ضروا، وإذا افترقوا نفعوا. فقيل له: قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما هي منفعة افتراقهم؟ قال: يرجع أهل المِهَنِ إلى مِهَنِهم، فينتفع الناس بهم، كرجوع البناء إلى بنائه، والنساج إلى منسجه، والخباز إلى مخبزه. الديمقراطية الشعبية لدى الماركسيين: أما الديمقراطية الشعبية لدى الماركسيين، فالنظرة الفاحصة تكشف أنها ديكتاتورية صارمة جداً، مقنعة بدعاوى الديمقراطية الشعبية. وذلك لأن الماركسيين يخصصون ابتداءً هذه الديمقراطية بديمقراطية العمال والكادحين، الذين يرون أنهم هم أصحاب المصلحة الحقيقية من الثورة، ويعزلون عنها سائر طبقات الشعب، فليست هي إذن ديمقراطية عامة لكل الشعب. ثم يخصصون ثانياً ديمقراطية العمال والكادحين بالحزب الشيوعي الحاكم. فإذا نظرنا إلى الحزب الشيوعي الحاكم، ونظيره الأحزاب الاشتراكية السائرة على منهجه، وجدنا أنه ذو نظام هرمي صارم، كالنظام الهرمي الموجود في أشد أنظمة الجيوش العسكرية صرامة وإلزاماً واستبداداً. والديمقراطية فيه إن وجدت فهي محصورة ضمن الحلقات الصغرى جداً، ومن لا يرضى عنه صاعد الهرم وفق التسلسل فلا مشورة له ولا رأي، ويأتيه الطرد الصارم بأوامر عليا، وكل رأي لا يرضى عنه صاعد الهرم فهو مرفوض. فرجع الأمر كله إلى ديكتاتورية صارمة جداً، ضمن نظام بالغ الدقة، شديد المراقبة والمحاسبة من قمة الهرم.

стр. 681

(٢) المقارنة لما ثار دعاة الديمقراطية على الديكتاتورية والديكتاتوريين، توجه المفكرون القانونيون والسياسيون والاجتماعيون، يعرفون الديمقراطية ويشرحونها ويبينون أساسها الفلسفي، ويفصلون عناصرها. ويحسن أن أجعل استعراض تعريفها وعناصرها الرئيسية أساساً للمقارنة. أما الديكتاتورية فليس لها من العناصر إلا الاستبداد المطلق أو المخفف ببعض القيود، فهي لا تصلح أساساً للمقارنة التفصيلية، فالمستبد فرداً كان أو عصابة أو حزباً أو طبقة اجتماعية، لا بد أن يستغل الحكم لصالح نفسه، ويتبع فيه هواه وشهواته، ضد مصالح سائر الشعب، ولا يبقى للشعب إلا الترضيات والإرهاب اللذين يقعدانه عن الثورة على الحكم. وتكفي هذه المقولة لبيان عدم صلاحية الحكم الديكتاتوري لحكم الناس بالعدل، مهما صلح حال الحاكم، لأنه سيظل عرضة لهواه أو هوى أنصاره وأعوانه في الحكم، وعرضة لخطأ كثيرة يتحمل فيه وحده المسؤولية كلها. لكن الناس مفتونون بالديمقراطية لإغراءاتها الكثيرة، وإيجابياتها في بعض عناصرها. فلتكن إذن هي محور المقارنة. * * * المقارنة الأولى تُعرّف الديمقراطية في الحكم بأنها "حكم الشعب نفسه، بنفسه، لنفسه" أو "حكم الشعب للشعب ومن الشعب". وهذا التعريف يفيد أن الشعب هو مصدر كل السلطات التشريعية، والتنفيذية والقضائية.

стр. 682

فالشعب هو واضع دستور حكمه، وهو واضع القوانين، والشرائع والنظم، وهو الذي يختار حكامه بإرادته الحرة. وحين يطلق الشعب فالمراد أكثرية من له حق الانتخاب والمشاركة في الرأي والإرادة. والمراد من حكم الشعب نفسه، بنفسه، لنفسه، أن الشعب هو الذي يختار حكامه بإرادته الحرة، وهو الذي يوافق أو لا يوافق على دستور حكمه، والقوانين والشرائع والنظم التي يجب على حكامه المنتخبين أن يلتزموا بها. فالحكم الديمقراطي بمقتضى تعريف الديمقراطيين له يلاحظ فيه أمران: الأمر الأول: استبعاده حق الله الذي له الحكم كله أصلاً، وبأمره تأتي سلطة كل من له سلطة من بعده. وبسبب هذا يكون الحكم الديمقراطي مبايناً للحكم الإسلامي، لأننا قد عرفنا سابقاً أن الحكم الإسلامي قائم على أن الأصل في الحكم إنا هو لله وحده. الأمر الثاني: عدم إقرار الحكم الديمقراطي بأحكام الشرع ووجوب تنفيذها أولاً. وهي الأحكام الشاملة لأحكام الله وأحكام رسوله ﷺ واستنباطات المجتهدين من فقهاء المسلمين الذين يستنبطون أحكام الشرع بالاجتهاد الذي أذن الله لهم به. وبسبب هذا أيضاً يكون الحكم الديمقراطي مبايناً للحكم الإسلامي، فالحكم الإسلامي - كما سبق بيانه - يفرض أولاً العمل بكل حكم شرعي ثابت بدليل قطعي، أو بدليل ظني اتفق عليه معظم فقهاء العصر الذين هم أهل للاجتهاد أو الترجيح، بالاستناد إلى الأدلة الشرعية. ثم يعطي لجماعة المسلمين المؤهلين أن يضعوا النظم الإدارية التي يرونها أصلح وأنفع وأكثر خيراً للناس، بشرط ألا يعارض شيء منها حكماً

стр. 683

شرعياً ثابتاً، ولو كان حكم إباحة ورد فيه عن الشارع بيان. إذن: فالحكم الديمقراطي بموجب تعريفه وتطبيقاته حكم يعزل الدين عزلاً كلياً عن شؤون الحكم، ويستبعده عنها استبعاداً تاماً، فهو بهذا شبيه بالعلمانية. ويغفل بعض الإسلاميين، فينظرون إلى مفهوم جزئي من مفاهيم الديمقراطية، كحق الشعب في اختيار حكامه، وبعض الحريات المقررة فيها، فيقبلون بها قبولاً عاماً، ويدعون إليها دون تحفظ، ويقعون في غلطة التعميم الفاسد، ثم ينساقون في حكم غير إسلامي، ثم يصطدمون بصراعات كثيرة مع الديمقراطيين، حينما يدخلون في تفصيلات الحكم، كوضع دستور البلاد، وقوانينها وتشريعاتها وأنظمتها، وغير ذلك من أمور كثيرة تقرها الديمقراطية، ويرفضها الإسلام. مثالب عزل الديمقراطية للدين: يلاحظ الباحث الناظر في أنواع الحكم الديمقراطي وصوره ما يلي: أولاً: إن التزام هذا الحكم بإعطاء الشعب سلطات التشريع والتقنين والتنظيم كلها، دون أخذ شرائع الله المنزلة أولاً، يجعل الدساتير والقوانين والتشريعات خاضعة لأهواء الكثرة من الشعب، أو لأهواء الذي انتخبهم الشعب ليعبروا عن إرادته، أو يكونوا وكلاءه. فنجم عن ذلك تشريعات إباحة نشر الإلحاد والكفر بالله في الدول الديمقراطية، لأن أكثر الشعب أو أكثر المنتخبين من قبل الشعب يرغبون في ذلك، وتشريعات إباحة الزنا القائم على تراضي الطرفين، ولو كان ذلك في الشوارع العامة، والحدائق العامة، وعلى ضفاف الأنهر، دون توارٍ أو تستر. وإباحة اللواط، وجعله عملاً يحميه القانون، ما دام قائماً على تراضي الطرفين، حتى أقرت بعض هذه النظم أن من حق الذكر أن يعقد عقده على ذكر آخر، كما يتم الزواج بين رجل وامرأة، وإباحة سائر المشروبات الكحولية، لأن أكثرية الشعب ترغب بذلك. وإقرار الربا وما تُكتسب به من

стр. 684

حقوق، وإقرار القمار، وكثير من الحريات الشخصية المهلكة، لأن أكثرية الشعب تريد ذلك. فمبدأ الديمقراطية: أن الشعب هو الذي يحكم نفسه، بنفسه، لنفسه. فهو صاحب السلطة في وضع الدستور، وكل القوانين والشرائع والنظم. وانتشر بسبب ذلك فساد عريض في الأرض، وهذا الفساد المنتشر منذر بدمارٍ ماحقٍ لهذه الشعوب. ثانياً: لما علمت شعوب الديمقراطية أنها هي صاحبة السلطات كلها، أرادت أن تمارس حقها. فاتجه كل الطامعين بالسلطة، من المؤهلين للحكم وغير المؤهلين، وكل أصحاب الأهواء والشهوات والنزعات والنزغات، يعملون بكل ما أوتوا من ذكاء خبيث وحيلة شيطانية للوصول إلى الحكم، وانطلقت في مضمار الحيل أساليب خداع الجماهير، وتزوير إرادتهم، بكل عمل غير أخلاقي. وصارت السياسة والعمل فيها صورة جامعة للكذب، والخداع، والنفاق، وإطلاق الافتراءات، وتجريح الآخرين بغير حق، وطلباً للمنافع والمصالح الخاصة، وصراعات شخصية وحزبية، بغية الوصول إلى الحكم لتحقيق المنافع الشخصية، والأهواء، والشهوات، والعلو في الأرض. وأسست الأحزاب كي يمارس الشعب الديمقراطية ممارسة منظمة، وقامت بينها الصراعات والصدمات، ودبت بسبب ذلك الفوضى في كثير من البلدان. وتعرضت الأحزاب لشراء ضمائرها أو ضمائر زعمائها، من قبل أصحاب الأهواء والمصالح، من الداخل أو من الخارج، ثم لما وصلت إلى الحكم، وجدت نفسها مضطرة لتحقيق أهواء ومصالح الذين اشتروا ضمائرها، على خلاف مصلحة الشعب الذي أوصلها بأصواته إلى سدة الحكم.

стр. 685

وبعض هذه الأحزاب حققت مصالح المنظمات اليهودية العالمية التي اشترت ضمائرها، أو مصالح الدول الاستعمارية التي اشترت ضمائرها، أو مصالح طبقة خاصة من طبقات الشعب، كالرأسماليين أو غيرهم، حينما وصلت إلى سدة الحكم. وكانت التنظيمات الحزبية الديمقراطية المخادعة للشعب بالأكاذيب والتضليلات والوعود التي لا يراد تنفيذ شيءٍ منها، بمثابة قناع ديمقراطي تم عن طريق تزوير إرادة الشعب. * * * المقارنة الثانية تنظيم تطبيق الديمقراطية الغربية يصور بثلاث صور: الصورة الأولى: الديمقراطية المباشرة، وهي التي يباشر فيها الشعب جميع السلطات التشريعية التنفيذية والقضائية، من غير وساطة ممثلين له. لكن هذه الديمقراطية المباشرة متعذرة التحقيق، إلا في أحوال نادرة، وبخصوص المؤهلين لممارستها فقط، وفي المجتمعات الصغرى، أو في الجمعيات والمؤسسات الخاصة والأحزاب والدوائر المحدودة. الصورة الثانية: الديمقراطية النيابية، وهي التي ينتخب فيها المؤهلون للانتخاب من الشعب نُوّاباً عنهم، يمارسون عنهم وضع التشريعات والقوانين والنظم، ويمارسون عنهم أيضاً انتخاب حكامهم. ولهذه الممارسات صور متعددة. الصورة الثالثة: الديمقراطية الجامعة بين المباشرة والنيابية، وهي التي يباشر فيها المؤهلون من الشعب بعض السلطات، كانتخاب رئيس الدولة، والموافقة على الدستور، وبعض القوانين. وينتخبون نواباً عنهم، يمارسون عنهم وضع التشريعات والقوانين والنظم، وغير ذلك من قضايا الدولة.

стр. 686

موقف الإسلام من هذه الصورة التنظيمية أما موقف الإسلام بالنسبة إلى هذه الصور التطبيقية لتطبيق الديمقراطية، فلا نجد فيه حكماً شرعياً يمنع من تطبيق أيةٍ منها، إذا اقتضت المصلحة تطبيقها، فهي من الأمور التنظيمية المتروكة للمسلمين، ولكن تطبيق أية صورة منها مقيد بشرطين: الشرط الأول: عدم ممارسة الشعب أو ممثليه لشيءٍ لم يعطهم الإسلام حقاً في ممارسته. الشرط الثاني: كون المشارك في الانتخاب أو في إبداء الرأي والتصويت عليه مؤهلاً شرعاً لذلك. والأهلية الشرعية تتناول الكفاية للموضوع الذي يشارك فيه، والعدالة الشرعية. ونلاحظ أن الإسلام ربما اتفق هنا مع الديمقراطية، في تنظيم ممارس الشعب لحقه، وفي بعض الموضوعات التي يمارس فيه الشعب السلطة، لكن يختلف معها في الموضوعات الأخرى التي لم يعطه الله فيها حقاً، بل هي من حق الله ورسوله، ومسؤولية الفقهاء المجتهدين في الرد إليهما عن طريق الاجتهاد المأذون به شرعاً. * * * المقارنة الثالثة تقوم الديمقراطية الغربية على تمجيد الفرد، وإعطائه الأولوية في الاعتبار، ويرى مفلسفوها أن مصالح المجموع إن هي إلا عبارة عن جملة مصالح الأفراد، فعن طريق تحقيق مصالح الفرد يتم تحقيق مصلحة المجموع. ويدعي الشرقيون الاشتراكيون أن ديمقراطيتهم تقوم على إيثار مصلحة المجموع، في حين أنهم لدى التطبيق إنما يحققون مصلحة الأفراد الحاكمين، ومصلحة الحزب الشيوعي، تحت قناع مصلحة العمال والكادحين.

стр. 687

على أن تسميتهم نظامهم نظاماً ديمقراطياً غير صحيح إطلاقاً، فهم يقررون أنه حكم العمال والكادحين، وهو ديكتاتورية طبقة، ثم يجعلون الحزب الشيوعي هو الحزب الحاكم، فانتقل الحكم إلى ديكتاتورية الحزب، ثم إن نظام الحزب نظام هرمي صارم، فرجع الأمر إلى ديكتاتورية عصابة، وروسيا في عهد "ستالين" كان حكمها من قبيل ديكتاتورية الفرد، لأن "ستالين" كان الحاكم المستبد استبداداً مطلقاً. موقف الإسلام أما الإسلام فإنه مباين في هذه النقطة لكل من الديمقراطية الغربية، والديمقراطية الشرقية معاً. لأنه قائم على مبدأ الحق والعدل، والحق يشمل حق الله ورسوله، وحق الدولة الإسلامية، وحق الجماعة وحق الفرد. والعدل يوجب إعطاء كل ذي حق حقه، دون وكسٍ ولا شطط، فلا جنوح للفرد على حساب حق الجماعة أو حق الله ورسوله أو حق الدولة الإسلامية. ولا جنوح للجماعة على حساب حق الفرد أو حق الله ورسوله أو حق الدولة الإسلامية. وأحكام الإسلام في نظام الحكم وقيام الدولة الإسلامية، نظير أحكامه في سائر المجالات، قائمة على الحق والعدل، والخير، والمصالح العامة والخاصة، دون ظلم أو جور أو جنف، ودون تحيز أو محاباة، والحقوق موزعة بالعدل توزيعاً خلقياً طبيعياً، وتوزيعاً شرعياً، وما ليس له حكم شرعي، يتم توزيعه توزيعاً توفيقياً حكيماً. * * * المقارنة الرابعة أولاً: الديمقراطية الغربية تقوم على تقرير الحقوق والحريات للأفراد، ووجوب صيانتها وحمايتها، وعلى أن غاية الهيئة السياسية صيانة حقوق الإنسان الطبيعية، وهي: (الحرية - التملك - الأمن - مقاومة الظلم) .

стр. 688

ويبرز الديمقراطيون الغربيون من هذه الحقوق والحريات ما يلي: ١- المساواة المدنية أمام القانون، والقضاء، والوظائف العامة، والضرائب، دون تمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي، أو الثروة، أو المبدأ، ودون تفريق بين الرجال والنساء. ٢- حق كل فرد في الحياة والحرية والأمن الشخصي. ٣- لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، وأن يغادر أية بلد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه متى شاء. ٤- لكل فرد حق الأمن على نفسه وماله، فلا يجوز الاعتداء عليه إلا بمسوغ قانوني. ٥- يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، فلا يجوز استرقاق استعباد أي شخص. ٦- من حق كل فرد أن لا يتدخل أحد في حياته أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته تدخلاً تعسفياً، وأن لا يكون عرضة لحملاتٍ على شرفه وسمعته. ٧- حرية التفكير، والعقيدة، والتعبير عن الرأي والتعليم والتعلّم واختيار المعلم، وتقديم العرائض والشكاوى مصونة لكل فرد، وهي من حقوقه. ٨- للأفراد حق عقد الاجتماعات وحضورها والتعبير عن آرائهم فيها، وحرية تكوين الجمعيات والجماعات، والانضمام إليها ولا يجوز أيضاً إلزامه بالانتماء إلى أية جمعية أو جماعة أو تنظيم أو حزب. ٩- الحرية الاقتصادية مصونة للجميع، وكل فرد حر في اختيار العمل الذي يريد، ولكل فردٍ الحق بأن يتملك ما يشاء من أدوات الإنتاج، أو المواد الاستهلاكية، وملكيته هذه حق مقدس لا يجوز المساس به، أو الاعتداء عليه، وله أن يوظف ملكيته كما يشاء، وبالطريق التي يريد. وحين تضطر الدولة لانتزاع ملكية فرد من أجل تحقيق المنفعة العامة

стр. 689

الثابتة بصورة قانونية، فعليها أن تدفع له تعويضاً عادلاً، ولا تتجاوز في انتزاع الملكية الحدود المحققة للمنفعة العامة المؤكدة. ١٠- لكل فرد حق الانتخاب، والترشيح مراقبة الحاكم والتصويت على عزل رئيس الدولة، وتولي الوظائف العامة وتكوين الأحزاب متى توافرت فيه الشروط القانونية لذلك. وقد يلاحظ أن بعض هذه العناصر لم تأخذ بها بعض الدول الديمقراطية الغربية، مراعاة لأحوال مجتمعاتها، وتدرجها في التطور. ثانياً: أما الديمقراطية الشرقية في الدول الاشتراكية، فهي في معظم أحوالها وتطبيقاتها، اسم دون مسمى، بل هي في حقيقة أمرها ديكتاتورية عنيفة، مع الإصرار على تسميتها ديمقراطية. فمن أمثلة ذلك ما يلي: ١- يقرر دستور الاتحاد السوفياتي حرية مزاولة العقائد الدينية بشكل شخصي، لكن الدعاية للدين ممنوعة، أما الدعاية المضادة للدين فمعترف بها لسائر المواطنين (فأين المساواة؟) . أما في ممارسات الدولة فيضيق على كل من يلاحظ عليه انتماء صحيح للدين، وعقيدة مخالفة للماركسية، وقد يضطهد. ٢- حرية الكلام والصحافة والاجتماع والمواكب يكفلها القانون لتثبيت النظام الاشتراكي، وتدعيم الماركسية. وكذلك تكوين التنظيمات الاجتماعية والنقابات المهنية، والاتحادات التعاونية، ومنظمات الشباب، ومنظمات الرياضة والدفاع، والجمعيات الثقافية والفنية. ولكنها جميعاً تضبطها الدولة، وتشرف عليها، وتوجهها، وتنتقي عناصرها، وتسيرها في جداول محددة، فهي في الواقع مسلوبة الحرية. على أن هذه الحرية الموجهة المقيدة في هذه المجالات لا يكفلها القانون إذا لم تكن لتثبيت النظام الاشتراكي. فأين الحرية إذن؟ وأين المساواة بين أفراد الشعب؟

стр. 690

٣- الحريات الاقتصادية لا وجود لها في الديمقراطية الشرقية. موقف الإسلام: أما موقف الإسلام بالنسبة إلى الحقوق والحريات فله في كل قضية جزئية من هذه القضايا حكم خاص، يراعى فيه حق الله على عباده، وحق الدولة الإسلامية، وحق الدين وتأييده ونشره، وحق جماعة المسلمين، وحق الفرد المسلم، وحق الإنسان المنضوي تحت حكم الإسلام ولو لم يكن مسلماً. ويراعى فيه العدل والخير والمصلحة العامة والخاصة والتوفيق بين كل ذلك بالعدل. ولا يقبل الإسلام بالأحكام التعميمية الكلية، بل يعطي كل جزئية ما يناسبها من حكم. فمن مبادئه المقررة قبل أن تعلن الديمقراطيات مبادئها ما يلي: ١- المساواة التامة أمام الله والدين وأحكام الشريعة والنظم العامة والقانون والقضاء، إلا ما يقضي به التكوين الفردي من الاستثناءات وتفاوت الحقوق والواجبات، كالصغار وفاقدي الأهلية، والضعفاء والعجزة والمرضى. ٢- مساواة أفراد المسلمين أمام الوظائف العامة بشروطها وأمام التكاليف المالية، ضمن النسب التي قررها الشرع أو حددها النظام. وبما أن الدولة الإسلامية دولة ملتزمة بدين، وله عقيدة ومبادئ وأحكام منهج حياة، فإن كل من دان به والتزم شروطه كان من حقه أن يكون متساوياً مع غيره من المسلمين في فرص العمل في وظائف الدولة، متى تحققت فيه شروط الوظيفة التي يطلبها. أما من لم يدن بالإسلام فأمر توظيفه في الدولة الإسلامية يتبع حاجة الدولة الإسلامية له، لكن ليس له حق طبيعي في ذلك. وحقه الطبيعي إنما هو في الحياة، وفي اختيار عمل يكسب به رزقه ضمن النظام العام، وضمن الحدود التي لا تضر بمصلحة الدولة أو مصلحة المجتمع، فمن حق

стр. 691

الدولة الإسلامية التي قبلت أن يكون ضمن رعاياها أن تفرض عليه نظامها العام، ومن حقه عليها أن تحميه، وتعطيه حرية الكسب المشروع. ٣- حق كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي، ومن أفراد رعايا الدولة الإسلامية في الحياة والأمن الشخصي على نفسه وماله، ما لم يأت بما يوجب عليه القصاص أو يوجب عقابه أو تغريمه. ٤- حرية العقيدة وحرية العبادة المصونة، لكن لا يسمح لمواطن الدولة الإسلامية بنشر الإلحاد والكفر بالله ومقاومة الدين والطعن فيه أو في أحكامه الثابتة. ٥- كل فرد في الدولة الإسلامية حرٌّ في ممارسة ما أباح الله ورسوله فعله أو تركه بحكم شرعي جاء فيه بيان. وليس حراً في أن يجاهر بفعل المحرمات وترك الواجبات إذا كان من المسلمين، وليس له في ذلك رخصة مشروعة، وإلا كان عرضة للمؤاخذة أو العقاب من قبل الدولة الإسلامية. وإذا كان من غير المسلمين فليس حراً في المجاهرة بالمحرمات التي يفتتن بها المسلمون إذا انتشرت بينهم، كشرب الخمور علناً، وفتح مؤسسات تجارية لبيعها، وكإعلان الفحش، وممارسة المخالفات التي يتفق عليها الإسلام ودينه الذي يدين به. ٦- للمسلم حق التعبير عن رأيه الذي له أن يجتهد فيه ويقدم فيه رأياً. أما آراء الإلحاد والكفر بالله وما يخالف الأحكام الدينية المجمع عليها، فالتعبير بالرأي المخالف لها ردة عما سبق أن آمن به، بعد أن أعلن إسلامه، وأعطى عهده وميثاقه على الالتزام بكل عقائده الثابتة، وأحكامه المجمع عليها. ومن حق المسلم في التعبير عن رأيه حقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو في مواجهة الحكام والسلاطين. ٧- المساكن في الإسلام مصونة، فلا يجوز لأحد التجسس على أي فرد وهو في مسكنه الخاص، ولو حامت حوله الشبهة بأنه يرتكب الكبائر

стр. 692

الشخصية، ولو كان المتجسس أمير المؤمنين نفسه. وقد تستثنى حالات الاشتباه بالخيانة العظمى، التي تهدف إلى تقويض الدولة الإسلامية، ومناصرة أعدائها عليها. ٨- لكل فرد من المسلمين الحرية في التنقل واختيار مكان إقامته في الأمكنة المفتوحة لإقامة المواطنين داخل حدود بلاد المسلمين، ولكن قد يخضع سفره إلى غير بلاد المسلمين للموافقة أو المنع من قبل الدولة الإسلامية، إذا رأت أن المصلحة تقتضي منعه، لظروف سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك. ٩- عرض كل مسلم مصون، فلا يجوز التعرض له بقذف أو اتهام أو غيبة، وعلى القاذف من غير بينة حد القذف المعروف بنص القرآن. ١٠- لكل فرد من رعايا الدولة الإسلامية حق اختيار نوع العمل الذي يكسب به رزقه، أو الصنعة أو الحرفة التي يمتهنها، أو المعرفة التي يريد أن يتخصص فيها بشرط أن يكون ما اختاره مأذوناً به شرعاً، فلا حرية في اختيار صنعة الخمور أو صنعة التماثيل وبشرط أن يؤدي ما فرض الإسلام عليه من عمل وعلم، كالعلم الديني الواجب عليه، والعمل الاجتماعي المسؤول عنه شرعاً، مثل الدعوة إلى الله على قدر حاله علماً وكفاية، والجهاد في سبيل الله يمختلف ألوان الجهاد على مقدار كفايته واستطاعته. ولكن للدولة الإسلامية أن تتدخل في تنظيم الأعمال والحرف، وتوجهها، وتحدد النسب التي تتطلبها من كل منها حاجة المجتمع، حتى لا يتوجه كل الناس إلى نوع واحد أو أنواع محدودة من الأعمال والحرف والصناعات، وتبقى الحاجة لسائر الأعمال ليس لها من يسدها، ونظير ذلك في العلوم، بيد أن الأمر إذا تحقق المطلوب فيه بصورة تلقائية حرة كان أجدى وأكثر نفعاً. والذي يحدد مثل هذا التدخل نظام عام، يصدر عن مجالس الشورى

стр. 693

المتخصص، والنابغة من رغبة جماعة المسلمين. ١١- انتخاب أمير المؤمنين لا يكون على أساس العرق، أو اللون، أو النسب، أو اللسان، إنما يكون على أساس توافر أحسن الصفات لتولي الإمارة، وهي: أولاً: وبالدرجة الأولى: التقوى، والمعبر عنها في الفقه الإسلامي بالعدالة الشرعية، فمن كان اتقى الله، وأكثر براً وإحساناً، كان أولى لها، وكان أقرب أهلية ليكون خليفة خلفاء رسول الله ﷺ الذي اصطفاه الله للرسالة والحكم معاً. وشرط التقوى يتضمن شرط الإسلام، لأنه لا يمكن أن يكون متقياً من لم يكن مسلماً. ثانياً: العلم الكافي لإدارة دفة الحكم، لمصالح الدين والدنيا، وسياسة الرعية، وسياسة الأمور الخارجية الدولية، وتصريف شؤون السلم والحرب، وسائر قضايا الدولة. ثالثاً: القدرة الإدارية والسياسية والحنكة في تصريف أمور الأمة والدولة، ومواجهة الدول، ومعالجة الأولياء والأعداء، ومن هم على الحياد. وتتضمن هذه الصفات العقل والذكاء والفطنة والحكمة وحسن البيان. فأصلح الأمة للإمارة ممن توافرت فيهم أحسن درجات هذه الصفات مجتمعة، بحسب واقع الأمة في وقت الاختيار، هو الذي يختار للإمارة وينتخب لها، وللاجتهاد دور كبير في تحديد هذا الأصلح، وهو الذي يكون أرضى لله من سواه، ومسؤولية انتخاب أو اختيار الأصلح تكون على عاتق الذين يملكون من الأمة هذا الاختيار، وهم أهل الحل والعقد، كما سبق بيان ذلك، وهو لا يكون إلا بالغاً عاقلاً ذكراً، لأن القوامة في الإسلام للرجال، "الرجال قوامون على النساء". للراشدين منهم. واختيار غير الأصلح سواءٌ أكان ذلك عن إهمال أو اتباع لهوى هو خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 694

والأصل عدم تشريح الشخص نفسه للإمارات، وعلى جماعة المسلمين أن يختاروا أصلحهم للإمارة، ثم على إمام المسلمين أن يختار الأصلح للإمارات والولايات من دون إمارته العامة. والدليل على ذلك ما يلي: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أمِّرنا على بعض ما ولاك الله. وقال الآخر مثل ذلك. فقال: ﴿إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه﴾ . وفي رواية قال: "لا نستعمل على عملنا من أراده". وروى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها ". ولكن قد يتعذر معرفة الأصلح بالنسبة إلى مجموع من له حق إبداء الرأي وانتخاب أمير المؤمنين. والحل أن يشرح أهل الحل والعقد في البلدان والمواطن من يرونه الأصلح بحسب رؤيتهم، فيقومون بالتشريح المطلوب، وعرض مرشحيهم على جمهور المسلمين. أو يشرح إمام المسلمين القائم من يكون خليفته من بعده، كما فعل أبو بكر ﵁، إذ رشح عمر بن الخطاب للإمارة من بعده، ثم يعرض ذلك على جمهور المسلمين للموافقة والبيعة أو الرفض. وفي كل الأحوال لا تتم الإمامة إلا بالبيعة الصحيحة.

стр. 695

١٢- للدولة الإسلامية أن تتفق مع الدول الأخرى على إلغاء الاسترقاق، نظراً إلى أن الإسلام حريص من جهته على عتق الأرقاء، لكن المسلمين لا يملكون إلغاءه دون اتفاق دولي على ذلك، فهو من الأمور الزمنية المتروكة للمسلمين. الخلاصة فبين الإسلام والديمقراطية في أحكام الحقوق والحريات تلاقٍ في بعض النقاط والقضايا الجزئية، وتباين في نقاط وقضايا أخرى. لذلك فنظام الإسلام في الحكم نظام فذٌ على قمة، وبينه وبين كل من الديكتاتورية والديمقراطية تباين، ولا يمنع ذلك من التلاقي الجزئي والتشابه في بعض النقاط. * * * مثالب الديمقراطية في الحقوق والحريات: للديمقراطية مثالب كثيرة، منها ما يلي: أولاً: لا تنظر الديمقراطية إلى حقوق الله على عباده، ولا تنظر بعدل إلى الحقوق العامة، وحقوق المجتمع على الأفراد فهي منحازة بإسراف لجانب الفرد وإطلاق حريته. ثانياً: تخضع الديمقراطية لدى وضع الدستور والقوانين والنظم لأهواء أعضاء المجالس النيابية، واللجان التي تفوض في وضعها، أو وضع مشروعاتها. وغالباً ما يحرك هذه المجالس أفراد معدودون، ويوجهونها حسب أهوائهم، وبوسائلهم وأحابيلهم الشيطانية. وتظفر بنصيب الأسد فيها غالباً بعض الطبقات الاجتماعية، التي تسخر التطبيقات والمؤسسات الديمقراطية لصالحها، أو يظفر بنصيب أسد فيها الأفراد المحركون لها، والموجهون لمسيرتها وآرائها ومناقشاتها.

стр. 696

وتتدخل عناصر (الحيلة، والذكاء، والمال، والشهوات، ومطامع المناصب، وشراء الضمائر، وتزوير إرادات الجماهير بأساليب شتى، في استغلال المجالس وتجميع الأصوات وتحريك الجماهير الغوغائية والتغشية على الأفكار والبصائر وإبعاد كل رأي صحيح عن مجال رؤية الجماهير له، وصناعة الضجيج الإعلامي المشوه للحقائق والمزين للباطل) لإقرار المواد الدستورية أو القانونية أو التنظيمية التي تحقق مصالح أصحاب الأهواء الشياطين الماهرين بأساليب استغلال التنظيمات الديمقراطية ومؤسساتها وتطبيقاتها. ثم لأنواع المكر والكيد التي تمارسها الأحزاب السياسية الديمقراطية تأثير كبير في جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وخداع جماهير الذين يدلون بأصواتهم للموافقة على مشاريع الدساتير والقوانين والنظم، أو انتخاب الذين يتحملون الأعباء التشريعية أو الإدارية. هذا إذا لم يتم تزوير الانتخاب بتبديل الصناديق التي ألقى المقترعون فيها أوراق انتخابهم، بصناديق أخرى مشابهة لها في الظاهر، وما في باطنها مزور تزويراً كليا. وكم حدث هذا في مزاعم انتخابات ديمقراطية وكانت الحصيلة (مئة في المئة) لصالح المزور أو الآمر به، أو "٩٩. ٩%" أو نحو ذلك. ثالثاً: إن الديمقراطية باعتبارها تنادي بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن شأن الأقليات في الدولة كشأن الأكثرية في الحقوق والواجبات، تمكن الأقليات من التكاتف والتناصر، لاستغلال الوضع الديمقراطي، ضد الأكثرية ومبادئها وعقائدها ودينها. وتمكنها أيضاً من التسلل إلى مراكز القوة في البلاد، ثم إلى طرد عناصر الأكثرية رويداً رويداً من هذه المراكز، بوسائل الإغراء، وبالتساعد والتساند مع الدول الخارجية المرتبطة بالأقليات ارتباطاً عقدياً أو مذهبياً أو سياسياً أو قومياً، أو غير ذلك. وتصحو الأكثرية من سباتها بعد حين، لتجد نفسها تحت براثن

стр. 697

الأقلية، محكومة حكماً ديكتاتورياً ثورياً من قبلها، مع أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الديمقراطية. لقد كانت الديمقراطية بغلة ذلولاً أوصلت أعداء الأكثرية وحسادها والمتربصين الدوائر بها، إلى عربة ثيران ديكتاتورية الأقلية. رابعاً: الديمقراطية وفق مبادئها المعلنة حقل خصيب جداً، لتنمية أنواع الكذب والخداع والمكر والحيلة والدس الخبيث والغش والخيانة والغدر والغيبة والنميمة والوقيعة بين الناس وتفريق الصفوف ونشر المذاهب والآراء الضالة الفاسدة المفسدة، إلى سائر مجمع الرذائل الخلقية الفردية والجماعية. لتتخذ هذه الرذائل وسائل وأحابيل للشياطين، حتى يستأثروا بكل السلطات في البلاد، وكل خيراتها وثوراتها وحتى يتمكنوا من مطاردة الدين وأنصاره وحماته والمتمسكين به، وإماتة الحق والخير والفضيلة. خامساً: الحريات الشخصية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى شرور كثيرة وانتشار فواحش خطيرة في المجتمع ومآلها إلى الدمار الماحق. سادساً: الحريات الاقتصادية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى عدوان المحتالين على حقوق الشرفاء ونشر الاستغلال والاحتكار، وحيل سلب الأموال وتمكين الغشاشين والمقامرين والمرابين والمحتكرين والرائين والمحتالين ومستغلي السلطة الإدارية أو العسكرية من تحقيق مكاسب مالية وفيرة بالظلم والعدوان وهضم الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والغلول في الأموال العامة. سابعاً: حق كل مواطن في المساواة السياسية في الحكم، دون شرط الإسلام والعدالة الشرعية والأهلية للمشاركة في الرأي أو المساهمة في الاقتراع أو الانتخاب والاختيار، يفضي إلى نسف دعائم الدولة الإسلامية، وجعلها علمانية غير دينية، أو تمكين الأرذال من اعتلاء سلطة الحكم،

стр. 698

وتحويل الدولة إلى دولة فساد وإفساد، وفسق وفجور، وفحش في الأقوال والأعمال، وشر كبير. وقد يلعب أعداء الأمة بالجماهير غير الواعية، فيركبون ظهورها، ويصلون بذلك إلى حكم الشعب رغم إرادته، عن طريق تزوير إرادته نفسها. ثامناً: حق الفرد في تشريح نفسه للحكم في الديمقراطية، يجعل طلاب مغانم الحكم يتنافسون عليه، ويتقاتلون من أجله، ويسلكون مسالك كثيرة غير شريفة للوصول إليه، ويبذلون أموالاً طائلة، أملاً بأن يعوضوها أضعافاً مضاعفة، متى ظفروا بالحكم. هذه بعض مثالب الديمقراطية ويمكن استخراج مثالب أخرى لها، قد يهتدي إليها الباحث المنقب المجرب. مثالب الديكتاتورية: كل ما سبق من مثالب الديمقراطية، فهو دون مثالب الديكتاتورية وشرورها وويلاتها، فالديكتاتورية ربوبية إنسانية يحكمها الهوى في معظم أحوالها. وإذا وازنا بين الشرين وجدنا الديمقراطية أهون شراً بنسبة كبيرة. نظام الحكم الإسلامي الصحيح: أما نظام الحكم الإسلامي فهو برئ من مثالب الديمقراطية ومثالب الديكتاتورية، وجامع الفضائل كلها، ومتميز بخصائص وفضائل لا يمكن أن توجد في غيره. أهمها الأحكام الربانية والأحكام الشرعية المقتبسة منها، التي يخضع لها الحكام والمحكومون على سواء، ويحاسب على الالتزام بها واتباع منهجها الحكام والمحكومون على سواء. ثم ما في نظام الإسلام من منح كل فرد حق الرقابة على تطبيق أحكام دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين

стр. 699

وعامتهم. ضمن الشروط الشرعية لذلك والأساليب التي أوصى الإسلام بها. ولا أقصد بنظام الحكم الإسلامي كل واقع تطبيقي انتمى إلى الإسلام، ففي كثير من مظاهر الحكم التي انتمت إلى الإسلام مخالفات لمنهاجه، ولأحكامه، وإنما أعني بالدرجة الأولى النظام المبين في تعاليم الإسلامية الثابتة. أما التطبيق فالصورة المثلى له والتي بلغت درجة الإحسان هي صورة عصر الرسول ﷺ . ثم عهد الخلفاء الراشدين الأمثل فالأمثل. ثم ما كان من صور الحكم على منهاج الرسول ﷺ فخلفائه الراشدين من بعده، فالأنظمة المتقيدة بأدنى الواجبات. وليس نظام الحكم الإسلامي أمراً مثالياً خيالياً غير قابل للتطبيق، بل هو ميسور التنفيذ متى وجد المؤمنون به، والمتحمسون لإقامته، ووجدت الأمة الراضية بإقامته ولو خالف أهواءها. وليس بلازم أن نتصور تطبيق درجة الإحسان مرة واحدة بل يكفي أن نبدأ بمرتبة التقوى حتى نستوفي حقها، ثم ننتقل إلى مرتبة البر ودرجاتها، ثم إلى مرتبة الإحسان إن استطعنا. * * *

стр. 700

الفصل الرابع متفرقات (١) وجوب إقامة الحكم الإسلامي عند الاستطاعة لقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بإقامة الحكم الإسلامي عند أول فرصة متاحة يستطيع بها مجتمع مسلم إقامته على طائفة ما من أرض الله. وهذا ما فعله الرسول ﷺ بعد هجرته إلى المدينة مباشرة، إذ تهيأ فيها أن يباشر بإقامة الحكم الإسلامي في المجتمع الصغير، الذي أصبح المسلمين فيه ذوي كيان يمكن تمييزه عن غيره، وأصحاب سيادة مستقلة على طائفة من الأرض. ولا بد أن نكون على بصيرة بأن مثل هذا يختلف تقديره باختلاف الأزمنة، وأحوال الأمم والشعوب، والظروف العالمية الدولية. والدليل على هذا الواجب الجماعي المفروض على المسلمين، عمل الرسول ﷺ وعمل خلفائه من بعده، وإجماع علماء المسلمين على وجوب إقامة الحكم الإسلامي، متى كان باستطاعتهم إقامته. ويمكن أن نستدل لهذا الواجب بقول الله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ

стр. 701

الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ . وبقوله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فأمر الله المؤمنين بأن يكونوا قوامين بالقسط (في آية النساء) وقوامين لله (في آية المائدة) لا يتحقق إلا بأن يكون بأيديهم سلطة حكم، والمطلوب منهم حينئذٍ أن يكونوا قوامين لله وبالقسط، أي قوامين بالعدل ابتغاء مرضاة الله. وكذلك أمرهم أيضاً بأن يكونوا شهداء لله (في آية النساء) وشهداء بالقسط (في آية المائدة) . أي: إذا كان الحكم بأيديهم فعليهم أن يكونوا شهداء لله، وبالقسط، فإذا فعلوا ذلك كانوا بدعوتهم وتطبيقاتهم ناشرين لدين الله، ومرغبين الناس فيه. عندئذٍ يكونوا حقاً شهداء على الناس يوم القيامة، وشهداء لله لا لمصالح أنفسهم، وابتغائهم العلو في الأرض فقط. فإذا كانوا صادقين في السعي لأن يكونوا قوامين بالقسط والله، وشهداء بالقسط ولله، وسلكوا السبيل الأقوم لذلك واتخذوا لكل أمرٍ سببه التشريعي والتكويني الذي جعله الله من سننه الثابتة في كونه، وصاروا أهلاً لإقامة حكم إسلامي، عدداً وعدة وطهارة أنفس، أمدهم الله بمدد من عنده، وهيأ لهم الأسباب، واستخلفهم في الأرض، فجعل الحكم والسلطان في أيديهم، خلفاء ملوك وسلاطين قائمين في الأرض على غير منهج الله، هذا وعد من الله للذين آمنوا بقوله في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ

стр. 702

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذا الوعد بالاستخلاف المؤيد بالمعونة الربانية خاص بالذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي التزموا منهج الله في العمل، وكان هدفهم من الحكم والسلطان تمكين الدين الذي ارتضاه الله لهم. ومن الحقائق الثابتة اعتقاداً وتجربةً أن الله لا يخلف الميعاد، فإذا لم يمنح الله المؤمنين هذا الاستخلاف، فليراجعوا أنفسهم، ليتبينوا الجوانب التي انحرفوا فيها عن منهج الله أو الشروط التي لم يحققوها في أنفسهم، حتى يحقق الله لهم وعده. (٢) البيعة وخلع الطاعة إذا تهيأ لجماعة المسلمين قيام حكم إسلامي ظاهر، وكان لهم إمام ظاهر، أعلن الحكم بشرع الله، وتحمل عبء خدمة المسلمين والقضايا الإسلامية، وكانت إمارته ومبايعته صحيحة، فعلى كل مسلم مبايعته، اتباعاً لسبيل المؤمنين. روى الإمام مسلم عن عبد الله ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية". فدل هذا الحديث على وجوب مبايعة كل مسلم للإمام القائم الظاهر، إذا كانت بيعته صحيحة مستوفية شروطها، وهذا الشرط قد دلت عليه نصوص أخرى غير هذا الحديث.

стр. 703

ففي الحديث الصحيح عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله: فإن لم يكن لهم (أي للمسلمين) جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها". ومن بايع إماماً ثبتت إمامته للمسلمين ببيعةٍ صحيحة، فلا يجوز له أن يخلع هذه البيعة من عنقه، لأنه يكون حينئذٍ ناقضاً لعهده، وخارجاً على جماعة المسلمين ومفارقاً لها، إلا أن يرى كفراً بواحاً، أي: معلناً ظاهراً. دل على ذلك الحديث السابق الذي رواه مسلم عن ابن عمر. وما رواه مسلم عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خرج من طاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلةٌ جاهلية. ومن خرج على أمتي بسيفه، يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه". راية عمية: أي لا يستبين وجهها ولا تعرف غايتها، ودوافعها عصبية جاهلية. وما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت، قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم ". وفي رواية: " وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان". كفراً بواحاً: أي كفراً واضحاً ظاهراً غير قابل للتأويل. وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية".

стр. 704

(٣) طاعة أولي الأمر من المسلمين تجب شرعاً طاعة أولي الأمر في حدود الاستطاعة ما لم يأمروا بمعصية لله ، أو بمخالفة حكم شرعي ثابت، أو نظام أقره جمهور المسلمين. ١- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جُنَّة يُقاتل من ورائه، ويُتَّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعَدَل فإن له بذلك أجراً , وإن قال بغيره فإن عليه منه". وإنما الإمام جُنّة: أي كالترس يُتَّقى به. ٢- وروى مسلم عن أم الحصين قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أُمِّر عليكم عبدٌ مُجدَّعٌ يقودُكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا". ٣- وروى البخاري عن أنسٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشيٌ كأن رأسه زبيبة" أي مثل الزبيبة. ٤- وروى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة". ٥- وروى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف". وفي الصحيح أيضاً عن النواس بن سمعان قول الرسول ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

стр. 705

٦- وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم". ٧- وروى مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسول الله ﷺ قال: "خيار أئمتكم الذي تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم". قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من وُلِّي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً من طاعة". ٨- وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إنكم سترون بعدي أَثَرَةَ، وأموراً تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: "أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم". ٩- وروى مسلم عن وائل بن حُجر، قال: سأل سَلَمةُ بن يزيد الجُعفِيُّ رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". * * * (٤) شق العصا وتفريق جماعة المسلمين وضع الرسول ﷺ حداً صارماً لشق العصا وتفريق جماعة المسلمين، فأمر بضرب عنق الخارج على الجماعة، المفرق لأمر هذه الأمة كائناً من
следующие страницы →