← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12729

لا تحزن

عائض القرني

Полный текст (532 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا صكَّتْ أذانك كلمةٌ نابيةٌ احرِصْ على جمعِ الفضائلِ ... واهجرْ ملامةَ مَنْ تشفَّى أو حَسَدْ واجتهدْ واعلمْ بأنَّ العمرَ موْسمُ طاعةٍ ... قُبِلتْ وبعد الموتِ ينقطعُ الحسدْ يقولُ أحدُ علماءِ العصرِ: إنَّ على أهلِ الحساسيةِ المرهفة من النقدِ أنْ يسكبوا في أعصابِهم مقادير من البرودِ أمام النقدِ الظالمِ الجائرِ. وقالوا: «للهِ دَوُّ الحسدِ ما أعْدَلَهُ، بدأ بصاحبِهِ فقتلهُ» . وقال المتنبي: ذِكْرُ الفتى عمرهُ الثاني وحاجتُه ... ما فاته وفضولُ العيْشِ أشغالُ وقال عليٌّ ﵁: الأجلُ جنةٌ حصينةٌ. وقال أحدُ الحكماء: الجبانُ يموتُ مرَّاتٍ، والشجاعُ يموتُ مرةً واحدةً. وإذا أراد الله بعبادهِ خيراً في وقت الأزمات ألقى عليهم النعاس أَمَنَةً منه، كما وقع النعاس على طلحة ﵁ في أُحُد، حتى سقط سيفُه مراتٍ منْ يدِه، أَمْناً وراحة بالٍ. وهناك نعاسٌ لأهلِ البدعِة، فقدْ نعس شبيبُ بنُ يزيدٍ وهو على بغلتِهِ، وكان منْ أشجعِ الناسِ، وامرأتُهُ غزالةُ هي الشجاعةٌ التي طردتِ الحجَّاج،

стр. 107

فقال الشاعرُ: أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامةٌ ... فتخاءُ تَنْفِرُ مِن صفيرِ الصافرِ هلاّ برزتَ إلى غزالةَ في الوغى ... أم كان قلبُك في جناحيْ طائرِ وقال اللهُ تعالى : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ . وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ . وقال الشاعرُ: أقولُ لها وقدْ طارتْ شعاعاً ... مِن الأبطالِ ويْحكِ لَنْ تُراعِي فإنكِ لو سألتِ بقاء يومٍ ... عن الأجلِ الذي لكِ لم تُطاعي فصبراً في مجالِ الموتِ صبْراً ... فما نيلُ الخلودِ بمستطاعِ وما ثوبُ الحياة بثوبِ عِزٍّ ... فيُخلعُ عن أخِ الخنعِ اليراعِ إي والله، فإذا جاء أجلُهم لا يستأخرون عنه ساعةً ولا يستقدمون. قال عليٌّ ﵁: أيُّ يوميَّ مِن الموتِ افرُّ ... يوم لا قُدِّر أمْ يوم قُدِرْ يوم لا قُدِّر لا أرهبُهُ ... ومِن المقدورِ لا ينجو الحَذِرْ وقال أبو بكرٍ ﵁: اطلبوا الموت تُوهَبْ لكمُ الحياةُ.

стр. 108

وقفة لا تحزنْ: فإنَّ الله يدافعُ عنك، والملائكةُ تستغفرُ لك، والمؤمنون يشركونك في دعائِهمْ كلَّ صلاةٍ، والنبيُّ ﷺ يشفعُ، والقرآنُ يِعدُك وعداً حسناً، وفوق هذا رحمةُ أرحم الراحمين. لا تحزنْ: فإنَّ الحسنة بعشر أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ، والسيئةُ بمثلها إلا أنْ يعفوَ ربّك ويتجاوز، فكمْ للهِ مِن كرمٍ ما سُمع مثله! ومن جودٍ لا يقاربُه جُودٌ! لا تحزنْ: فأنت من روَّادِ التوحيدِ وحَملةِ الملَّةِ وأهلِ القبلةِ، وعندك أصلُ حبِّ اللهِ وحبِّ رسوله ﷺ ، وتندمُ إذا أذنبت، وتفرحُ إذا أحسنت، فعندك خيرٌ وأنت لا تدري. لا تحزنْ: فأنت على خيرٍ في ضرائِك وسرائِك، وغناك وفقرِك، وشدَّتِك ورخائِك، ((عجباً لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرهَ كلَّه له خيرٌ، وليسَ ذلك إلا للمؤمنِ، نْ أصابْته سرَّاءَ فشكر كان خيراً له، وإنْ أصابتْه ضرَّاءُ فصبر فكان خيراً له)) . الصبر على المكارِهِ وتحمُّلُ الشدائدِ طريقُ الفوزِ والنجاحِ والسعادةِ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ . ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ . ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ . ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ ﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ . قال عمرُ ﵁: «بالصبرِ أدركنا حسْن العيشِ» .

стр. 109

لأهلِ السنةِ عند المصائبِ ثلاثةُ فنونٍ: الصبرُ، والدُّعاءُ، وانتظارُ الفَرَجِ. وقال الشاعرُ: سقيناهُمُو كأساً سقوْنا بمثلِها ... ولكنَّنا كُنا على الموتِ أصبر وفي حديث صحيح: ((لا أحد أصبرُ على أذى سمِعه من اللهِ: إنهم يزعمون أنَّ له ولداً وصاحبةً، وإنهُ يعافيهم ويرزقُهم)) . وقال ﷺ : ((رحِم اللهُ موسى، ابتُلي باكثر من هذا فصبرَ)) . وقال ﷺ : ((من يتصبَّرْ يُصبِّرهْ اللهُ)) . دببتَ للمجدِ والساعون قد ... جهد النفوسِ وألقوا دونهُ الأُزُرَا بلغُوا وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهمْ ... وعانق المجد مَنْ أوفى ومنْ صبرا لا تحسبِ المجد تمراً أنتَ آكلُهُ ... لنْ تبلغ المجد حتى تلْعق الصَّبِرا إن المعالي لا تُنالُ بالأحلامِ، ولا بالرؤيا في المنامِ، وإنَّما بالحزمِ والعَزْمِ. لا تحزنْ من فِعلِ الخَلْقِ مَعَكَ وانظرْ إلى فعْلِهم مع الخالقِ عندَ أحمد في كتابِ الزهدِ، أن الله يقولُ: ((عجباً لك يا ابن آدم! خلقتُك وتعبدُ غيري، ورزقتُك وتشكرُ سواي، أتحبَّبُ إليك بالنعمِ وأنا غنيٌّ عنك، وتتبغَّضُ إليَّ بالمعاصي وأنت فقيرٌ إليَّ، خيري إليك نازلٌ، وشرُّك إليَّ صاعدٌ)) !! . وقد ذكروا في سيرة عيسى ﵇ أنه داوى ثلاثين مريضاً، وأبرأ عميان كثيرين، ثم انقلبوا ضدَّه أعداءً.

стр. 110

لا تحزنْ منْ تعسُّر الرزقِ فإنَّ الرزَّاق هو الواحدُ الأحدُ، فعنده رِزْقُ العبادِ، وقدْ تكفَّلَ بذلك، ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ . فإذا كان اللهُ هو الرزاقُ فلِم يتملَّقُ البشرُ، ولِم تُهانُ النفسُ في سبيلِ الرزقِ لأجل البشرِ؟! قال سبحانه: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ . وقال جلَّ اسمُه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ . أسبابٌ تهوِّنُ المصائب ١. ... انتظارُ الأجرِ والمثوبةِ من عند اللهِ : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . ٢. رؤيةُ المصابين: ولولا كثرةُ الباكِين حولي ... على إخوانِهمْ لَقَتَلْتُ نفسي فالتفِتْ يَمْنَةً والتفتْ يَسْرَةً، هل ترى غلا مصاباً أو ممتحناً؟ وكما قيل: في كلِّ وادٍ بنو سعدٍ.

стр. 111

٣. وأنها أسهلُ منْ غيرِها. ٤. وأنها ليستْ في ديِنِ العبدِ، وإنما في دنياه. ٥. وأنَّ العبودية في التسليم عند المكارهِ أعظمُ منها أحياناً في المحابِّ. ٦. وأنه لا حيلة: فاتركِ الحيلة في تحويِلها ... إنما الحيلةُ في تَرْكِ الحيَلْ ٧. وأنَّ الخبرة للهِ ربِّ العالمين: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . لا تتقمص شخصية غيرِك ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ . الناسُ مواهبُ وقدراتٌ وطاقاتٌ وصنعاتٌ، ومن عظمةِ رسولِنا ﷺ أنه وظَّف أصحابه حسب قُدراتِهمْ واستعداداتِهم، فعليٌّ للقضاءِ، ومعاذٌ للعِلْمِ، وأُبيٌّ للقرآنِ، وزيدٌ للفرائضِ، وخالد للجهادِ، وحسَّانُ للشعِر، وقيسُ بنُ ثابتٍ للخطابةِ. فوضْعُ الندى في موضعِ السيف بالعُلا ... مُضِرٌّ كوضعِ السيفِ في موضعِ الندى الذوبانُ في الغيرِ انتحارٌ تقمُّصُ صفاتِ الآخرين قتلٌ مُجْهِزٌ.

стр. 112

ومنْ آياتِ اللهِ : اختلافُ صفاتِ الناسِ ومواهبِهمْ، واختلافِ ألسنتِهمْ وألوانِهمْ، فأبو بكر برحمتِهِ ورفقِهِ نفعَ الأمةَ والملَّة، وعمرُ بشدَّتِهِ وصلابتِهِ نصر الإسلامَ وأهله، فالرضا بما عندك من عطاءٍ موهبةٌ، فاستثمرها ونمِّها وقدِّمها وانفع بها، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ . إنَّ التقليد الأعمى والانصهار المسرف في شخصياتِ الآخرين وأدٌ للموهبةِ، وقَتْلٌ للإرادةِ وإلغاءٌ متعمَّدٌ التميُّزِ والتفرُّدِ المقصودِ من الخليقةِ. عزُّ العزلةِ وأقصدُ بها العزلة عن الشرِّ وفضولِ المباحِ، وهي ممّا يشرحُ الخاطر ويُذهبُ الحزن. قال ابن تيمية: لا لابدَّ للعبدِ من عزلةٍ لعبادتِه وذكرِه وتلاوتِه، ومحاسبتِه لنفسِه، ودعائِه واستغفارِه، وبُعدِه عن الشرِّ، ونحوِ ذلك. ولقد عقد ابنُ الجوزي ثلاثة فصولٍ في (صيْدِ الخاطرِ) ، ملخَّصها أنه قال: ما سمعتُ ولا رأيتُ كالعزلة، راحةً وعزّاً وشرفاً، وبُعداً عن السوءِ وعن الشرِّ، وصوْناً للجاهِ والوقتِ، وحِفظاً للعمرِ، وبعداً عن الحسَّادِ والثقلاءِ والشامتين، وتفكُّراً في الآخرةِ، واستعداداً للقاءِ اللهِ ، واغتناماً في الطاعةِ، وجولان الفكر فيما ينفعُ، وإخراج كنوزِ الحِكَمِ، والاستنباط من النصوصِ. ونحو ذلك من كلامِهِ ذكرهُ في العزلةِ هذا معناه بتصرُّف.

стр. 113

وفي العزلةِ استثمارُ العقلِ، وقطْفُ جَنَى الفكرِ، وراحةُ القلبِ، وسلامةُ العرْض، وموفورُ الأجرِ، والنهيُ عن المنكر، واغتنامُ الأنفاسِ في الطاعةِ، وتذكُّرُ الرحيمِ، وهجرُ الملهياتِ والمشغلاتِ، والفرارُ من الفتنِ، والبعدُ عن مداراةِ العدوِّ، وشماتةِ الحاقدِ، ونظراتِ الحاسدِ، ومماطلةِ الثقيلِ، والاعتذارِ على المعاتِبِ، ومطالبةِ الحقوقِ، ومداجاةِ المتكبِّرِ، والصبرِ على الأحمقِ. وفي العزلةِ سَتْرٌ للعوراتِ: عوراتِ اللسانِ، وعثراتِ الحركاتِ، وفلتاتِ الذهنِ، ورعونةِ النفسِ. فالعزلةُ حجابٌ لوجهِ المحاسنِ، وصدَفٌ لدُرِّ الفضلِ، وأكمامٌ لطلْع المناقبِ، وما أحسن العزلةَ مع الكتابِ، وفرةً للعمرِ، وفسحةً للأجلِ، وبحبوحةً في الخلوةِ، وسفراً في طاعةِ، وسياحةً في تأمُّلٍ. وفي العزلةِ تحرصُ على المعاني، وتحوزُ على اللطائفِ، وتتأملُ في المقاصدِ، وتبني صرح الرأيِ، وتشيدُ هيْكلَ العقلِ. والروحُ في العزلةِ في جَذلٍ، والقلبُ في فَرَحٍ اكبرَ، والخاطرُ في اصطيادِ الفوائدِ. ولا تٌرائي في العزلةِ: لأنهُ لا يراك إلا اللهُ، ولا تُسمعِ بكلامِك بشراً فلا يسمعك إلا السميعُ البصيرُ. كلُّ اللامعين والنافعين، والعباقرِة والجهابذةِ وأساطين الزمنِ، وروَّادِ التاريخِ، وشُداةِ الفضائلِ، وعيونِ الدهرِ، وكواكبِ المحافلِ، كلُّهم سَقَوْا غَرْسَ نُبْلهم من ماءِ العزلةِ حتى استوى على سُوقِهِ، فنبتتْ شجرةُ عظمتِهم، فآتتْ أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها.

стр. 114

قال عليُّ عبدِ العزيز الجُرْجانيُّ: يقولون لي فيك انقباضُ وإنما ... رأوا رجلاً عن موقفِ الذُّلِّ أحْجَما إذا قيلَ هذا موردٌ قلتُ قدْ أَرَى ... ولكنَّ نفس الحُرِّ تحتملُ الظَّما ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كنتُ كلَّما ... بدا طمعٌ صيَّرتُهُ لِيَ سُلَّما أأشقى به غَرْساً وأجنيهِ ذلَّةً ... إذن فاتَّباعُ الجهلِ قدْ كان أحزما ولو أنَّ أهل العلمِ صانوه صانهمْ ... ولو عظَّموه في النفوسِ لَعُظَّما ولكنْ أهانُوهُ فهانوا ودنَّسوا ... مُحَيَّاهُ بالأطماعِ حتى تهجَّما وقال أحمدُ بنُ خليلٍ الحنبليُّ: مَنْ أراد العزَّ والرا ... حةَ مِن همِّ طويلِ ليكُنْ فرداً من النا ... سِ ويرضى بالقليلِ كيف يصفو لامرئٍ ما ... عاش مِنْ عيشٍ وبِيلِ بين غمزٍ مِنْ ختولٍ ... ومداجاةِ ثقيل ِ ومداراةِ حسودٍ ... ومعاناةِ بخيلِ آهِ منْ معرفةِ النا ... سِ على كلِّ سبيلِ وقال القاضي عليُّ بن عبد العزيزِ الجرجانُّي: ما تطعَّمتُ لذةَ العيشِ حتَّى ... صرتُ للبيتِ والكتابِ جليسا

стр. 115

ليس شيءٌ أعزّ من العلـ ... ـم فما أبتغي سواهُ أنيسا إنَّما الذُّل في مخالطةِ النا ... سِ فدعْهُم وعِشْ عزيزاً رئيساً وقال آخر: أنِسْتُ بوحدتي ولزِمتُ بيتي ... فدام لِي الهنا ونَمَا السرورُ وقاطعتُ الأنامَ فما أبالي ... أسارَ الجيشُ أم ركِبَ الأميرُ وقال الحميدي المحدِّث: لقاءُ الناسِ ليس يُفيدُ شيئاً ... سوى الإكثارِ منْ قيلٍ وقالِ فأقْلِلْ منْ لقاءِ الناسِ إلاَّ ... لكسبِ العلمِ أو إصلاحِ حالِ وقال ابنُ فارس: وقالوا كيف حالُك قلتُ خيراً ... تًقضَّى حاجةٌ وتفوتُ حاجُ إذا ازدحمتْ همومُ الصدرِ قُلْنا ... عسى يوماً يكونُ لهُ انفراجُ نديمي هِرَّتي وأنيسُ نفسي ... دفاترُ لي ومعشوقي السراجُ قالوا: كلُّ من أحبَّ العزلة فهي عِزٌّ لهُ. ولك أن تراجع كتاب ((العزلةِ)) للخطَّابي.

стр. 116

فوائد الشدائد فإنَّ الشدائد تقوِّي القلب، وتمحو الذنب، وتقصِمُ العُجْبَ، وتنسفُ الكِبْرَ، وهي ذوبانٌ للغفلةِ، وإشعالٌ للتذكُّرِ، وجلْبُ عطفِ المخلوقين، ودعاءٌ من الصالحين، وخضوعٌ للجبروتِ، واستسلامٌ للواحد القهارِ، وزجْرٌ حاضرٌ، ونذيرٌ مقدمٌ، وإحياءٌ للذكرِ، وتضرُّع بالصبرِ، واحتسابٌ للغصصِ، وتهيئةٌ للقدومِ على المولى، وإزعاجٌ عن الركونِ على الدنيا والرضا بها والاطمئنان إليها، وما خفي من اللطفِ أعظمُ، وما سُتِرَ من الذنبِ أكبرُ، وما عُفي من الخطأ أجلُّ. وقفةٌ لا تحزنْ: لأنَّ الحزن يضعفُك في العبادةِ، ويعطِّلك عن الجهادِ، ويُورثُك الإحباط، ويدعوك إلى سوء الظنِّ، ويُوقعُك في التشاؤمِ. لا تحزنْ: فإنَّ الحزن والقلق أساسُ الأمراضِ النفسيةِ، ومصدرُ الآلامِ العصيبةِ، ومادةُ الانهيارِ والوسواسِ والاضطرابِ. لا تحزنْ: ومعك القرآنُ، والذكرُ، والدعاءُ، والصلاةُ، والصدقةُ، وفعْلُ المعروفِ، والعملُ النافعُ المثمِرُ. لا تحزنْ: ولا تستسلمْ للحزن عن طريقِ الفراغِ والعطالةِ، صلِّ.. سبِّحْ اقرأْ.. اكتبْ.. اعملْ.. استقبلْ.. زُرْ.. تأمَّلْ.

стр. 117

﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ . قواعد في السعادة ١. اعلمْ أنك إذا لم تعِشْ في حدودِ يومِك تشتَّت ذهنُك، واضطربتْ عليك أمورُك، وكثرتْ همومُك وغمومُك، وهذا معنى: ((إذا أصبحت فلا تنتظرِ المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظرِ الصباح)) . ٢. انْس الماضي بما فيه، فالاهتمامُ بما مضى وانتهى حُمْقٌ وجنونٌ. ٣. لا تشتغلْ بالمستقبلِ، فهو في عالمِ الغيبِ، ودعِ التفكرَ فيه حتى يأتي. ٤. لا تهتزَّ من النقدِ، واثبتْ، واعلمْ أنَّ النقد يساوي قيمَتَكَ. ٥. الإيمانُ باللهِ، والعملُ الصالحُ هو الحياةُ الطيبةُ السعيدةُ. ٦. من أراد الاطمئنان والهدوء والراحةَ، فعليه بذكرِ اللهِ تعالى. ٧. على العبدِ أن يعلم أنَّ شيءٍ بقضاء وقدرٍ. ٨. لا تنتظرْ شكراً من أحدٍ. ٩. وطَِنْ نفسك على تلقِّي أسوأ الفروضِ.

стр. 118

١٠. لعلَّ فيما حصل خيراً لك. ١١. كلُّ قضاءٍ للمسلمِ خيرٌ له. ١٢. فكِّرْ في النعمِ واشكرْ. ١٣. أنت بما عندك فوق كثيرٍ من الناسِ. ١٤. من ساعةٍ إلى ساعةٍ فَرَجٌ. ١٥. بالبلاءِ يُسْتَخْرَجُ الدعاءُ. ١٦. المصائبُ مراهمُ للبصائرِ وقوَّةٌ للقلبِ. ١٧. إنَّ مع العُسْرِ يُسْراً. ١٨. لا تقضِ عليك التوافِهُ. ١٩. إن رَّبك واسعُ المغفرةِ. ٢٠. لا تغضبْ، لا تغضبْ، لا تغضبْ. ٢١. الحياةُ خبزٌ وماءٌ وظلٌّ، فلا تكترثْ بغير ذلك. ٢٢. ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ . ٢٣. أكثر ما يٌخافْ لا يكونُ. ٢٤. لك في المصابين أُسوةٌ. ٢٥. إنَّ الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهُمْ.

стр. 119

٢٦. كَرِّرْ أدعيةَ الكَرْبِ. ٢٧. عليك بالعملِ الجادِّ المثمرِ، واهجرِ الفراغ. ٢٨. اتركِ الأراجيف، ولا تصدقْ الشائعاتِ. ٢٩. حقدُكَ وحرصُك على الانتقامِ يضُرُّ بصِحَّتِكَ أكثر مما يَضُرُّ الخصّمُ. ٣٠. كلُّ ما يصيبك فهو كفَّارةٌ للذنوبِ. ولِم الحزنُ وعندك ستَّةُ أخلاطٍ ؟ ذكر صاحبُ (الفرجِ بعد الشدةِ) : أنَّ احدَ الحكماءِ ابتُليَ بمصيبةٍ، فدخلَ عليه إخوانُه يعزُّونَهُ في المصابِ، فقال: إني عملتُ دواءً من ستةِ أخلاطٍ. قالوا: ما هي؟ قال: الخلطُ الأولُ: الثقةُ باللهِ. والثاني: علمي بأنَّ كلَّ مقدور كائنٌ. والثالثُ: الصبرُ خيرٌ ما استعملهُ الممتحنُون. والرابعُ: إنْ لم أصبرْ أنا فأيًّ شيء أعمل؟! ولم أكنْ أُعين على نفسي بالجزع. والخامسُ: قد يمكنُ أن أكون في شرٍّ مما أنا فيه. والسادسُ: من ساعةٍ إلى ساعةٍ فَرَجٌ.

стр. 120

لا تَحْزَنْ إذا واجهتْكَ الصعابُ وداهمتْك المشاكلُ واعترضتك العوائق، واصبر وتحمَّلُ إنْ كانَ عندك يا زمانُ بقيَّةٌ ... مما تُهينُ بهِ الكرامَ فهاتِها إنَّ الصبر أرفقُ من الجزعِ، وإنَّ التحمل أشرفُ من الخورِ، وإن الذي لا يصبرُ اختياراً سوف يصبرُ اضطراراً. وقال المتنبي: رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ ... تكسَّرتِ النصالُ على النصالِ فعشتُ ولا أُبالي بالرزايا ... لأني ما انتفعتُ بأنْ أُبالي

стр. 121

وقال أبو المظفر الأبيوردي: تنكَّرَ لي دهري ولم يدرِ أنني ... أَعِزُّ وأحداثُ الزمانِ تهُونُ فبات يُريني الدهرُ كيف اعتداؤُهُ ... وبِتُّ أُريهِ الصبر كيف يكونُ

стр. 122

إن الكوخ الخشبيَّ، وخيمةَ الشَّعْرِ، وخبز الشعيرِ، أعزُّ وأشرفُ - مع حفظِ ماءِ الوجهِ وكرامةِ العِرْضِ وصوْنَ النفسِ - من قَصْرٍ منيفٍ وحديقةٍ غنَّاءَ مع التعكيرِ والكَدَرِ. المحنةُ كالمرض، لابدَّ له من زمن حتى يزول، ومن استعجل في زوالهِ أوشك أن يتضاعف ويستفحل، فكذلك المصيبةُ والمِحْنَةُ لابدَّ لها من وقتٍ، حتى تزول آثارُها، وواجبُ المبتلي: الصبرُ وانتظارُ الفرجِ ومداومةُ الدُّعاءِ. وقفة ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ . ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ . ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ

стр. 123

مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ . ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ . ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ . ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ . ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ . قال الشاعرُ: متى تصفُو لك الدنيا بخيرٍ ... إذا لم ترض منها بالمزاجِ ألم تر جوهر الدنيا المصفَّى ... ومخرجهُ من البحرِ الأُجاجِ ورُبَّ مُخيفةٍ فجأتْ بِهوْلٍ ... جرتْ بمسرَّةٍ لك وابتهاجِ ورُبَّ سلامةٍ بَعْدَ امتناعٍ ... وربَّ إقامةٍ بَعْدَ اعوِجاجِ وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ إنّ من أسباب السعادة: الانقطاع إلى مطالعة الكتاب، والاهتمام بالقراءة، وتنمية العقلِ بالفوائدِ. والجاحظ يُوصِك بالكتاب والمطالعة، لتطرد الحزن عنك فيقول:

стр. 124

والكتاب هو الجليسُ الذي لا يُطرِيك، والصديقُ الذي لا يُغرِيك، والرفيقُ الذي لا يَمَلُّك، والمستميحُ الذي لا يستريثك، والجارُ الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملقِ، ولا يعاملُك بالمكْر، ولا يخدعُك بالنفاق، ولا يحتالُ لك بالكذِبِ. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّ بنانك، وفخَّم ألفاظك، وبحبح نفسك، وعمَّرَ صدرك، ومنحك تعظيم العوامِّ، وصداقة الملوك، وعرفت به شهرٍ ما لا تعرفه من أفواهِ الرجال في دهْرٍ، مع السلامة من الغُرْمِ، ومن كدِّ الطلب، ومن الوقوفِ ببابِ المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي مَن أنت أفضلُ منه خُلُقاُ، وأكرمُ منه عِرقاً، ومع السلامة من مجالسة البغضاء، ومقارنة الأغنياء. والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضَرِ، ولا يعتلُّ بنومٍ، ولا يعتريهِ كَلَلُ السهرِ، وهو المعلِّمُ الذي إن افتقرت إليه لم يخْفِرْك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطعْ عنك الفائِدةَ، وإن عزلته لم يدعْ طاعتك، وإن هبَّت ريحُ أعاديك لم ينقلبْ عليك، ومتى كنت معه متعلِّقاً بسبب أو معتصماً بأدنى حبْل كان لك فيه غنىً من غيره، ولم تضرَّك معه وحشةُ الوحدة إلى جليسِ السوءِ، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلاَّ منْعُه لك من الجلوس على بابِك، والنظرُ إلى المارة بك. مع ما في ذلك من التعرُّض للحقوق التي تلزم، ومن فضولِ النظرِ، ومن عادةِ الخوْضِ فيما لا يعنيك، ومن ملابسةِ صغارِ الناسِ، وحضورِ ألفاظهم

стр. 125

الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقِهم الرديئة، وجهالاتهم المذمومة. لكان في ذلك السلامةُ ثم الغنيمةُ، وإحرازُ الأصل مع استفادةِ الفرْعِ، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المُنى، وعن اعتياد الراحةِ وعن اللَّعبِ، وكل ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المِنَّةَ. وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفُرَّاغُ نهارهم، وأصحاب الفكاهات ساعاتِ ليلهم: الكتابُ، وهو الشيء الذي لا يُرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد تجربة ولا عقل ولا مروءة، ولا في صوْن عِرض، ولا في إصلاح دينٍ، ولا في تثمير مال، ولا في رب صنيعةٍ ولا في ابتداءِ إنعامٍ. أقوالٌ في فضل الكتاب: وقال أبو عبيدة: قال المهلَّب لبنيه في وصيته: يا بَنِيَّ، لا تقوموا في الأسواق إلا على زرَّاد أو ورَّاق. وحدّثني صديق لي قال: قرأتُ على شيخ شامي كتاباً فيه من مآثرِ غطفان، فقال: ذهبتِ المكارم إلا من الكتب. وسمعتُ الحسن اللؤلؤي يقول: غبرتُ أربعين عاماً ما قِلتُ ولا بتُ ولا اتكأتُ، إلا والكتاب موضوع على صدري. وقال ابن الجهم: إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم. وبئس الشيء النوم الفاضل عن الحاجة. تناولتُ كتاباً من كتب الحِكم، فأجدُ اهتزازي

стр. 126

للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة، والذي يغشى قلبي من سرور الاستبانة، وعزُّ التبين أشدُّ إيقاظاً من نهيقِ الحميرِ، وهدَّةِ الهَدْمِ. وقال ابنُ الجهم: إذا استحسنتُ الكتاب واستجدتُه، ورجوتُ منه الفائدة، ورأيتُ ذلك فيه، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظرُ كم بقي من ورقة مخافة استنفاده، وانقطاع المادة من قلبه، وإن كان المصحفُ عظيم الحجمِ كثير الورقِ كثير العددِ فقد تمَّ عيشي وكمل سروري. وذكر العتبي كتاباً لبعض القدماء فقال: لولا طولُه وكثرةُ ورقِهِ لنسختُه. فقال ابن الجهم: لكني ما رغَّبني فيه إلا الذي زهَّدك فيه، وما قرأتُ قطُّ كتاباً كبيراً فأخلاني من فائدة، وما أحصي كم قرأتُ من صغار الكتب فخرجتُ منها كما دخلتُ! . وأجلُّ الكتب وأشرفها وأرفعها: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فوائد القراءة والمطالعة: ١. طردً الوسواسِ والهمِّ والحزنِ. ٢. اجتنابُ الخوضِ في الباطلِ. ٣. الاشتغالُ عن البطَّالين وأهلِ العطالةِ. ٤. فتْقُ اللسان وتدريبٌ على الكلام، والبعدُ عن اللَّحْنِ، والتحلِّي بالبلاغةِ والفصاحةِ.

стр. 127

٥. تنميةُ العَقْلِ، وتجويدُ الذِّهْنِ، وتصفيةُ الخاطِرِ. ٦. غزارةُ العلمِ، وكثرةُ المحفوظِ والمفهومِ. ٧. الاستفادةُ من تجاربِ الناسِ وحكمِ الحكماءِ واستنباطِ العلماءِ. ٨. إيجادُ المَلَكَةِ الهاضمةِ للعلومِ، والمطالعةُ على الثقافات الواعية لدورها في الحياة. ٩. زيادةُ الإيمانِ خاصَّةً في قراءة كتبِ أهلِ الإسلامِ، فإن الكتاب من أعظم الوعَّاظ، ومن أجلِّ الزاجرين، ومن أكبر الناهين، ومن أحكمِ الآمرين. ١٠. راحةٌ للذِّهن من التشتُّتِ، وللقلب من التشرذُمِ، وللوقتِ من الضياعِ. ١١. الرسوخُ في فَهْمِ الكلمةِ، وصياغةِ المادةِ، ومقصودِ العبارةِ، ومدلولِ الجملةِ، ومعرفةِ أسرارِ الحكمةِ. فروحُ الروحِ أرواحُ المعاني ... وليس بأنْ طعمت ولا شربتا

стр. 128

وقفة مرض أبو بكرٍ ﵁ فعادوه، فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب. قالوا: فأيُّ شيء قال لك؟ قال: إني فعّالٌ لما أريدُ. قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: وجدنا خَيْرَ عيشنِا بالصبرِ. وقال أيضاً: أفضلُ عيشٍ أدركناه بالصبر، ولو أنَّ الصبر كان من الرجالِ كان كريماً.

стр. 129

وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: ألا إن الصَّبْرَ من الإيمان بمنزلة الرأسِ من الجسدِ، فإذا قُطع الرأسُ بار الجسمُ، ثم رَفَعَ صوتَه فقال: إنه لا إيمان لمن لا صَبْرَ له. وقال: الصبرُ مطيَّةٌ لا تَكْبُو. وقال الحسن: الصبر كَنْزٌ من كنوزِ الخيرِ، لا يعطيه اللهُ إلا لعبدٍ كريمٍ عنده. وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً، فانتزعَها منه، فعاضه مكانها الصبر، إلاَّ كان ما عوَّضه خيراً مما انتزعهُ. وقال ميمون بنُ مهران: ما نال أحد شيئاً من ختمِ الخيرِ فيما دونه إلا الصبر. وقال سليمان بنُ القاسم: كلُّ عمل يُعرف ثوابه إلا الصبرَّ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: كالمال المنهمر. لا تحزنْ لأنَّ هناك مشهداً آخر وحياةً أخرى، ويوماً ثانياً يجمع الله فيه الأوَّلين والآخرين، وهذا يجعلك تطمئنُّ لعدلِ اللهِ، فَمَنْ سُلِبَ مالُه هنا وجده هناك، ومن ظُلم هنا أُنصف هناك، ومن جار هنا عُوقِب هناك!!

стр. 130

نُقل عن «كانت» الفيلسوف الألماني أنه قال: ((إن مسرحيَّة الحياة الدنيا لم تكتملْ بَعْدُ، ولابدَّ من مشهدٍ ثانٍ؛ لأننا نرى هنا ظالماً ومظلوماً ولم نجدْ الإنصاف، وغالباً ومغلوباً ولم نجد الانتقام، فلابدَّ إذن من عالمٍ آخر يتمُّ فيه العَدْلُ)) . قال الشيخ علي الطنطاوي معلِّقاً: وهذا الكلام اعتراف ضمني باليوم الآخر والقيامة، من هذا الأجنبي. إذا جارَ الوزيرُ وكاتبِاهُ ... وقاضي الأرضِ أجحف في القضاءِ فَوَيْلٌ ثم وَيْلٌ ثُمَّ ويْلٌ ... لقاضي الأرضِ من قاضي السماءِ ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . أقوالٌ عالميةٌ ونُقولاتٌ من تجاربِ القومِ كتب «روبرت لويس ستيفنسون» : ((فكل إنسان يستطيع القيام بعمله مهما كان شاقّاً في يوم واحد، وكل إنسانٍ يستطيعُ العيش بسعادة حتى تغيب الشمسُ. وهذا ما تعنيه الحياة)) . قال أحدهم: ((ليس لك من حياتِك إلا يومٌ واحد، أمس ذهب، وغَدٌ لم يأتِ)) . كتب «ستيفن ليكوك» : فالطفل يقول: حين أصبح صبيّاً، والصبيُّ يقول: حين أُصبح شابّاً. وحين أُصبح شابّاً أتزوج. ولكن ماذا بعد الزواج؟ وماذا بَعْدَ كل هذه المراحل؟ تتغيرُ الفكرة نحو: حين أكون قادراً على

стр. 131

التقاعُد. ينظر خلفه، وتلفحه رياح باردة، لقد فقد حياته التي ولَّت دون أن يعيش دقيقةً واحدة منها، ونحن نتعلَّم بعد فواتِ الأوانِ أنَّ الحياة تقعُ في كل دقيقة وكلِّ ساعة من يومنا الحاضرِ)) . وكذلك المسوّفُون بالتوبة. قال أحد السلف: ((أنذرتُكم (سوف) ، فغنها كلمةٌ كم منعت من خير وأخَّرت من صلاح)) . ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . يقول الفيلسوف الفرنسي «مونتين» : ((كانت حياتي مليئة بالحظِّ السيئ الذي لم يرحمْ أبداً)) . قلتُ: هؤلاء لم يعرفوا الحكمة من خلْقهم، على الرغم من ذكائهم ومعارفهم، لكن لم يهتدوا بهدي الله الذي بعث به رسوله ﷺ ، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ . ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ . يقول: «دانسي» : ((فكِّرْ إن هذا اليوم لن ينبثق ثانيةً)) . قلتُ: وأجملُ منه وأكملُ حديث: ((صلِّ صلاةَ مودِّعٍ)) ومن جعل في خلدِهِ أن هذا اليوم الذي يعيشُ فيه آخرُ أيامِهِ، جدَّدَ توبته، وأحسن عمله، واجتهد في طاعِة ربِّهِ واتباعِ رسولِهِ ﷺ .

стр. 132

كتب المثل المسرحي الهندي الشهير «كاليداسا» : تحيةً للفجر انظرْ إلى هذا النهار لأنه هو الحياة، حياة الحياة في فترتِهِ، تُوجد مختلفُ حقائقِ وجودِك نعمةُ النُّمُوِّ العملُ المجيدُ وبهاءُ الانتصارِ ولأن الأمس ليس سوى حُلُمٍ والغَدُ ليس إلا رُؤًى لكنَّ اليوم الذي تعيشه بأكمله يجعل الأمس حُلْماً جميلاً وكل غد رؤيةً للأملِ فانظر جيِّداً إلى هذا النهار هذه هي تحية الفجر

стр. 133

اسألْ نفسك هذه الأسئلة أغلق الأبواب الحديديَّة على الماضي والمستقبل، وعشْ دقائقَ يومِك: ١. هل أقصد أن أؤجِّل حياتي الحاضرة من أجل القلقِ بشأنِ المستقبلِ، أو الحنينِ إلى ((حديقة سحرية وراء الأُفُقِ)) ؟ ٢. هل أجعل حاضري مريراً بالتطلُّعِ إلى أشياء حَدَيَثْ في الماضي، حَدَثَتْ وانقضتْ مع مرورِ الزمنِ؟ ٣. هل أستيقظُ في الصباحِ، وقد صمَّمْتُ على استغلالِ النهارِ، والإفادةِ القصوى من الساعات الأربعِ والعشرين المقبلة؟ ٤. هل أستفيد من الحياة إذا ما عشتُ دقائق يومي؟ ٥. متى سأبدأُ في القيام بذلك؟ الأسبوع المقبل؟ .. في الغدِ؟ .. أو اليومَ؟ ٦. اسألْ نفسك: ما اسوأُ احتمالٍ يمكنُ أنْ يَحْدُث؟ ثم: - جهِّزْ نفسك لقبولهِ وتحمُّلِهِ. - باشْرِ بهدوءٍ لتحسين ذلك الاحتمالِ. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .

стр. 134

وقفة ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ . ((واعلم أن النصر مع الصبرِ، وأن الفرج مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسْرِ يُسْراً)) . ((أنا عند ظنِّ عبدي بي فلْيَظُنَّ بي ما شاء)) . ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ . ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ . ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ .

стр. 135

الحزنُ يحطِّمُ القوَّة ويهدُّ الجسم قال الدكتور «ألكسيس كاريل» الحائز على جائزة نوبل في الطبِّ: ((إن رجال الأعمالِ الذين لا يعرفون مجابهة القلقِ، ويموتون باكراً)) . قلتُ: كلُّ شيء بقضاءٍ وقدرٍ، لكن قد يكون المعنى: أن من الأسباب المتلفة للجسم المحطِّمة للكيان، هو القلقُ. وهذا صحيح. ((والحزنُ أيضاً يثيرُ القُرْحة!)) : يقول الدكتور «جوزيف ف. مونتاغيو» مؤلف كتاب ((مشكلة العصبية)) ، يقول فيه: ((أنت لا تُصاب بالقُرْحَةِ بسببِ ما تتناولُ من طعامٍ، بل بسببِ ما يَأْكُلُك)) !!. قال المتنبي: والهمُّ يخترمُ الجسيم نحافةً ... ويُشيبُ ناصية الغلامِ ويُهرِمُ وطبقاً لمجلة «لايف» تأتي القُرْحَةُ في الدرجة العاشرةِ من الأمراض الفتَّاكة. وإليك بعض آثارِ الحُزْنِ: تُرجمت لي قطعة من كتاب الدكتور إدوار بودولسكي، وعنوانه: ((دعِ القلق وانطلق نحو الأفضلِ)) إليك بعضاً من عناوين فصولِ هذا الكتاب:

стр. 136

- ماذا يفعلُ القلقُ بالقلبِ. - ضغطُ الدمِ المرتفع يغذِّيه القلقُ. - القَلَقُ يمكن أن يتسبب في أمراضِ الروماتيزم. - خفِّفْ من قلقِك إكراماً لمعدتِك. - كيف يمكن أن يكون القلقُ سبباً للبردِ. - القلق والغدَّةُ الدرقيةُ. - مصابُ السكري والقلقُ. وفي ترجمة لكتاب د. كارل مانينغر، أحد الأطباء المتخصصين في الطبِ النفسي، وعنوانه: ((الإنسان ضدّ نفسه)) ، يقول: ((لا يعطيك الدكتور مانينغر قواعدَ حولَ كيفيةِ اجتنابِ القلقِ، بل تقريراً مذهلاً عن كيف نحطمُ أجسادنا وعقولنا بالقلقِ والكبْتِ، والحقدِ والازدراءِ، والثورةِ والخوْفِ)) . إن من أعظم منافع قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ : راحة القلب، وهدوءَ الخاطِرِ، وسعَةَ البالِ والسعادة. وفي مدينة «بوردو» الفرنسية، يقول حاكمها الفيلسوف الفرنسي «مونتين» : ((أرغبُ في معالجة مشاكلكم بيدي وليس بكبدي ورئتيَّ)) . ماذا يفعل الحزنُ، والهمُّ والحِقْدُ؟ وضع الكتور راسل سيسيل - من جامعة «كورنيل» ، معهد الطب - أربعة أسبابٍ شائعة تسبب في التهابِ المفاصلِ:

стр. 137

١. انهيارُ الزواجِ. ٢. الكوارثُ الماديةُ والحزنُ. ٣. الوحدةُ والقلقُ. ٤. الاحتقارُ والحِقْدُ. وقال الدكتور وليم مالك غوينغل، في خطاب لاتحاد أطباء الأسنان الأمريكيين: ((إن المشاعر غَيْرِ السارَّةِ مِثْل القلقِ والخوفِ.. يمكن أن تؤثر في توزيع الكالسيوم في الجسم، وبالتالي تؤدي إلى تَلَفِ الأسنانِ)) . وتناول أمورك بهدوء: يقول دايل كارنيجي: ((إن الزنوج الذين يعيشون في جنوبِ البلادِ والصينيين نادراً ما يُصابون بأمراض القلبِ الناتجةِ عن القلقِ؛ لأنهم يتناولون الأمور بهدوء)) . ويقول: ((إن عدد الأمريكيين الذين يُقبلون على الانتحار هو أكثر بكثير من الذين يموتون نتيجة للأمراض الخمسة الفتَّاكة)) . وهذه حقيقة مذهلة تكادُ لا تصدَّقُ! حسِّنْ ظنَّك بربِّك: قال وليم جايمس: ((إن الله يغفرُ لنا خطايانا، لكن جهازنا العصبي لا يفعل ذلك أبداً)) !

стр. 138

ذكر ابن الوزير في كتابه «العواصم والقواصم» : ((إن الرجاء في رحمة الله يفتح الأمل للعبدِ، ويقوِّيه على الطاعةِ، ويجعلُه نشيطاً في النوافلِ سابقاً إلى الخيراتِ)) . قلتُ: وهذا صحيح، فإن بعض النفوس لا يصلحها إلا تذكُّر رحمة الله وعفوه وتوبته وحلمه، فتدنو منه، وتجتهدُ وتثابرُ. إذا هامَ بِك الخيالُ: يقول توماس أدسون: ((لا توجد وسيلةٌ يلجأُ إليها الإنسانُ هَرَباً من التفكير)) . وهذا صحيح بالتجربة، فإن الإنسان قد يقرأُ أو يكتبُ وهو يفكرُ، ولكن من أحسن ما يحدُّ التفكير ويضبطه العملُ الجادُّ المثمرُ النافعُ، فإن أهل الفراغ أهلُ خيالٍ وجنوحٍ وأراجيف.

стр. 139

رحِّبْ بالنَّقدِ البنِّاءِ يقولُ أندريه مورو: ((إنَّ كلَّ ما يتفقُ مع رغباتِنا الشخصيةِ يبدو حقيقيّاً، وكلَّ ما هو غيرُ ذلك يُثير غضبنا. قلتْ وكذلك النصائح والنقدُ، فالغالبُ أننا نحبُّ المدح ونَطْرَبُ لهُ، ولو كان باطلاً، ونكرهُ النقد والذّّمَّ ولو كان حقّاً وهذا عيبٌ وخطأٌ خطيرٌ. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ . يقولُ وليمُ جايمس: ((عندما يتمُّ التوصلُّ إلى قرارٍ يُنفَّذُ في نفسِ اليومِ، فإنك ستتخلَّص كليّاً من الهمومِ لبتي ستسيطرُ عليك فيما أنت تفكرُ بنتائجِ المشكلةِ، وهو يعني أنك إذا اتخذت قراراً حكيماً يركزُ على الوقائعِ، فامضِ في تنفيذِهِ ولا تتوقَّف متردِّداً أو قلِقاُ أو تتراجعٌ في خطواتِك، ولا تضيَّعْ نفسك بالشكوكِ التي لا تلدُ غلاَّ الشكوك، ولا تستمرَّ في النظرِ إلى ما وراءِ ظهرك)) . واشدوا في ذلك: ومٌشتَّتُ العزماتِ يُنفقُ عمرهُ ... حيران لا ظفرٌ ولا إخفاقُ وقال آخرُ: إذا كنت ذا رأي فكنُ ذا عزيمةٍ ... فإنَّ فساد الرأي أة تتردَّدا إن الشجاعة في اتخاذِ القرارِ إنقاذ لك من القلقِ والاضطرابِ. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ .

стр. 140

لا تتوقفْ متفكِّراً أو متردِّداً بل اعملْ وابذُلْ واهجرِ الفراغ يقولُ الدكتورُ ريتشاردز كابوت: أستاذُ الطبِّ في جامعةِ (هارفرد) ، في كتابةِ بعنوان (بم يعيشُ الإنسانُ) : ((بصفتي طبيباً، أنصحُ بعلاجِ (العملِ) للمرضى الذين يعانون من الارتعاشِ الناتجِ عن الشكوكِ والتردُّدِ والخوفِ.. فالشجاعةُ التي يمنحُها العملُ لنا هي مثلُ الاعتمادِ على النَّفسِ الذي جعله (أمرسونُ) دائم الرَّوعةِ)) . ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ . يقولُ جورج برناردشو: ((يمكنُ سرُّ التعاسةِ في أن يتاح لك وقتٌ لرفاهيةِ التفكيرِ، فيما إذا كنت سعيداً أو لا، فلا تهتمَّ بالتفكيرِ في ذلك بل ابق منهمكاً في العمل، عندئذ يبدأُ دمُك في الدورانِ، وعقُلك بالتفكيرِ، وسرعان ما تُذهِبُ الحياةُ الجديدة القلق من عقلِك! عملْ وابق منهمكاً في العملِ، فإنَّ أرخص دواءٍ موجودٍ على وجهِ الأرضِ وأفضلُه)) . ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ . يقولُ دزرائيلي: «الحياةُ قصيرةٌ جداً، لتكون تافهةً» . وقال بعض حكماءِ العربِ: «الحياةُ أقصرُ من أن نقصِّرها بالشحناءِ» . ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ ﴿١١٣﴾ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 141

أكثرُ الشائعاتِ لا صحَّة لها: يقولُ الجنرالُ جورج كروك - وهو ربما أعظمُ محاربٍ هنديٍّ في التاريخ الأمريكيِّ - في صفحة ٧٧ من مذكراته: «إنَّ كلَّ قلقِ وتعاسةِ الهنودِ تقريباً تصدرُ من مخيلتِهمْ وليس من الواقعِ» . قال : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ . يقولُ الأستاذُ هوكسْ - من جامعة «كولومبيا» - إنه اتخذ هذهِ الترنيمة واحداً من شعاراتِهِ: «لكلَّ علّةٍ تحت الشمس يُوجدُ علاجٌ، أو لا يوجدُ أبداً، فإنْ كان يوجدُ علاجٌ حاول أن تجدهُ، وإن لم يكنْ موجوداً لا تهتمَّ بهِ» . وفي حديثٍ صحيحٍ: ((ما أنزل اللهُ من داءٍ إلا أنزل له دواء علِمهُ من عَلِمَهُ وجهِلَهُ مَنْ جهِلَهُ)) . الرفقُ يجنبُك المزالق: قال أستاذٌ يابانيٌّ لتلاميذهِ: «الانحناءُ مثلُ الصَّفصاصِ، وعدمُ المقاومةِ مثلُ البلُّوط» . وفي الحديث: ((المؤمنُ كالخامةِ من الزرعِ، تفيئُها الريحُ يَمْنَةً ويَسْرَةً)) . والحكيمُ كالماءِ، لا يصطدمُ في الصخرةِ، لكنه يأتيها يَمْنَةً ويسْرَةُ ومِنْ فوقِها ومِنْ تحِتها. وفي الحديثِ: ((المؤمنُ كالجملِ الأنِفِ، لو أُنيخ على صخرةٍ لأناخ عليها)) .

стр. 142

ما فات لن يعود: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ . وقف الدكتورُ بول براندوني، وألقى بزجاجةِ حليبٍ إلى الأرضِ، وهتف قائلاً: «لا تبكِ على الحليب المُراق» . وقالتِ العامَّة: الذي لم يُكْتَبْ لك عسيرٌ عليك. وقال آدمُ لموسى ﵉: أتلومني على شيءٍ كتبهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدم موسى)) . وابحث عن السعادةِ في نفسك وداخلكِ لا من حولِك وخارجِك. قال الشاعرُ الإنجليزيُّ ميلتون: ((إنَّ العقل في مكانهِ وبِنفسِهِ يستطيعُ أن يجعل الجنة جحيماً، والجحيم جنةً)) ! قال المتنبي: ذو العقْلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ فالحياةُ لا تستحقُّ الحزن: قال نابليونُ في «سانت هيلينا» : «لم أعرفْ ستة أيامٍ سعيدةِ في حياتي» !!

стр. 143

قال هشامُ بنُ عبدِالملكِ -الخليفةُ-:. «عددتُ أيام سعادتي فوجدتُها ثلاثة عَشَرَ يوماً» وكان أبوه عبدُالملكِ يتأوَّه ويقولُ: «يا ليتني لمْ أتولَّ الخلافة» . قال سعيدُ بنُ المسيبِ: الحمدُ للهِ الذي جعلهُمْ يفرُّرون إلينا ولا نفرُّ إليهم. ودخل ابن السماكِ الواعظُ على هارون الرشيدِ، فظمئ هارونُ وطلب شرْبة ماءٍ، فقال ابنُ السماكِ: لو مُنعتَ هذهِ الشربة يا أمير المؤمنين، أتفتديها بنصفِ ملكك؟ قال: نعم. فلمّا شربها، قال: لو مُنعت إخراجها، أتدفعُ نصف ملكك لتخرُج؟ قال: نعم. قال ابنُ السماكِ: فلا خير في ملكٍ لا يساوي شربة ماءٍ. إنَّ الدنيا إذا خلتْ من الإيمانِ فلا قيمة لها ولا وزن ولا معنى. يقولُ إقبالُ: إذا الإيمانُ ضاع فلا أمانٌ ... ولا دنيا لِمنْ لم يُحيي دينا ومن رضي الحياة بغيرِ دينٍ ... فقدْ جعل الفناء لها قرينا قال أمرسونُ في نهايةِ مقالتهِ عن (الاعتمادِ على النفسِ) : «إنَّ النصر السياسيَّ، وارتفاع الأجورِ، وشفاءك من المرضِ، أو عودة الأيامِ السعيدةِ تنفتحُ أمامك، فلا تصدِّقُ ذلك؛ لأنَّ الأمر لن يكون كذلك. ولا شيء يجلبُ لك الطمأنينة إلا نفسُك» .

стр. 144

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ . حذَّر الفيلسوفُ الروائيُّ أبيكتويتوس: «بوجوب الاهتمامِ بإزالةِ الأفكارِ الخاطئةِ من تفكيرِنا، أكثر من الاهتمامِ بإزالةِ الورمِ والمرضِ منْ أجسادِنا» . والعجبُ أنَّ التحذير من المرض الفكريِّ والعقائديِّ في القرآن أعظمُ من المرضِ الجسمانيِّ، قال سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . تبنِّى الفيلسوفُ الفرنسيُّ مونتين هذه الكلماتِ شعاراً في حياتِهِ: «لا يتأثرُ الإنسانُ بما يحدثُ مثلما يتأثرُ برأيِهِ حول ما يحدثُ» . وفي الأثر: ((اللهم رضِّني بقضائك حتى أعلم أن ما أصابني لم يكنْ ليخطئني، وما أخطأني لم يكن ليصيبني)) . وقفة ٌ لا تحزنْ: لأنَّ الحزن يُزعجُك من الماضي، ويخوِّفك من المستقبلِ، ويُذهبُ عليك يومك. لا تحزنْ: لأنَّ الحزن ينقبضُ له القلبُ، ويعبسُ له الوجهُ، وتنطفئُ منهُ الروحُ، ويتلاشى معه الأملُ. لا تحزنْ: لأنَّ الحزن يسرُّ العدوَّ، ويغيظُ الصديق، ويُشْمِت بك الحاسد، ويغيِّرُ عليك الحقائق.

стр. 145

لا تحزنْ: لأنَّ الحزن مخاصمةٌ للقضاءِ، وتبرُّمٌ بالمحتومِ، وخروجٌ على الأنسِ، ونقمةٌ على النعمةِ. لا تحزنْ: لأنَّ الحزن لا يردُّ مفقوداً وذاهباً، ولا يبعثُ ميِّتا، ولا يردُّ قدراً، ولا يجلبُ نفعاً. لا تحزنْ: فالحزنُ من الشيطانِ والحزنُ يأسٌ جاثمٌ، وفقرٌ حاضرٌ، وقنوطٌ دائمٌ، وإحباطٌ محقَّقٌ، وإخفاقٌ ذريعٌ. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . لا تحزنْ ما دمْتَ مؤمناً بالله إنَّ هذا الإيمان هو سرُّ الرضا والهدوءِ والأمنِ، وإنَّ الحَيْرَةَ والشقاءَ مع الإلحادِ والشكِّ. ولقدْ رأيتُ أذكياء - بل عباقرةً - خلتْ أفئدتُهمْ من نورِ الرسالِة، فطفحتْ ألسنتُهمْ عنِ الشريعةِ. يقولُ أبو العلاءِ المعرِّيُّ عنِ الشريعةِ: تناقضٌ ما لنا إلا السكوتُ له!! ويقولُ الرازيُّ: نهاية إقدامِ العقولِ عِقالُ.
следующие страницы →