Полный текст (532 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أكثرُ الشائعاتِ لا صحَّة لها:
يقولُ الجنرالُ جورج كروك - وهو ربما أعظمُ محاربٍ هنديٍّ في التاريخ الأمريكيِّ - في صفحة ٧٧ من مذكراته: «إنَّ كلَّ قلقِ وتعاسةِ الهنودِ تقريباً تصدرُ من مخيلتِهمْ وليس من الواقعِ» .
قال : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ .
يقولُ الأستاذُ هوكسْ - من جامعة «كولومبيا» - إنه اتخذ هذهِ الترنيمة واحداً من شعاراتِهِ: «لكلَّ علّةٍ تحت الشمس يُوجدُ علاجٌ، أو لا يوجدُ أبداً، فإنْ كان يوجدُ علاجٌ حاول أن تجدهُ، وإن لم يكنْ موجوداً لا تهتمَّ بهِ» .
وفي حديثٍ صحيحٍ: ((ما أنزل اللهُ من داءٍ إلا أنزل له دواء علِمهُ من عَلِمَهُ وجهِلَهُ مَنْ جهِلَهُ)) .
الرفقُ يجنبُك المزالق:
قال أستاذٌ يابانيٌّ لتلاميذهِ: «الانحناءُ مثلُ الصَّفصاصِ، وعدمُ المقاومةِ مثلُ البلُّوط» .
وفي الحديث: ((المؤمنُ كالخامةِ من الزرعِ، تفيئُها الريحُ يَمْنَةً ويَسْرَةً)) .
والحكيمُ كالماءِ، لا يصطدمُ في الصخرةِ، لكنه يأتيها يَمْنَةً ويسْرَةُ ومِنْ فوقِها ومِنْ تحِتها.
وفي الحديثِ: ((المؤمنُ كالجملِ الأنِفِ، لو أُنيخ على صخرةٍ لأناخ عليها)) .
стр. 142
ما فات لن يعود:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ .
وقف الدكتورُ بول براندوني، وألقى بزجاجةِ حليبٍ إلى الأرضِ، وهتف قائلاً: «لا تبكِ على الحليب المُراق» .
وقالتِ العامَّة: الذي لم يُكْتَبْ لك عسيرٌ عليك.
وقال آدمُ لموسى ﵉: أتلومني على شيءٍ كتبهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدم موسى)) .
وابحث عن السعادةِ في نفسك وداخلكِ لا من حولِك وخارجِك.
قال الشاعرُ الإنجليزيُّ ميلتون: ((إنَّ العقل في مكانهِ وبِنفسِهِ يستطيعُ أن يجعل الجنة جحيماً، والجحيم جنةً)) !
قال المتنبي:
ذو العقْلِ يشقى في النعيمِ بعقلِهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
فالحياةُ لا تستحقُّ الحزن:
قال نابليونُ في «سانت هيلينا» : «لم أعرفْ ستة أيامٍ سعيدةِ في حياتي» !!
стр. 143
قال هشامُ بنُ عبدِالملكِ -الخليفةُ-:. «عددتُ أيام سعادتي فوجدتُها ثلاثة عَشَرَ يوماً»
وكان أبوه عبدُالملكِ يتأوَّه ويقولُ: «يا ليتني لمْ أتولَّ الخلافة» .
قال سعيدُ بنُ المسيبِ: الحمدُ للهِ الذي جعلهُمْ يفرُّرون إلينا ولا نفرُّ إليهم.
ودخل ابن السماكِ الواعظُ على هارون الرشيدِ، فظمئ هارونُ وطلب شرْبة ماءٍ، فقال ابنُ السماكِ: لو مُنعتَ هذهِ الشربة يا أمير المؤمنين، أتفتديها بنصفِ ملكك؟ قال: نعم. فلمّا شربها، قال: لو مُنعت إخراجها، أتدفعُ نصف ملكك لتخرُج؟ قال: نعم. قال ابنُ السماكِ: فلا خير في ملكٍ لا يساوي شربة ماءٍ.
إنَّ الدنيا إذا خلتْ من الإيمانِ فلا قيمة لها ولا وزن ولا معنى.
يقولُ إقبالُ:
إذا الإيمانُ ضاع فلا أمانٌ ... ولا دنيا لِمنْ لم يُحيي دينا
ومن رضي الحياة بغيرِ دينٍ ... فقدْ جعل الفناء لها قرينا
قال أمرسونُ في نهايةِ مقالتهِ عن (الاعتمادِ على النفسِ) : «إنَّ النصر السياسيَّ، وارتفاع الأجورِ، وشفاءك من المرضِ، أو عودة الأيامِ السعيدةِ تنفتحُ أمامك، فلا تصدِّقُ ذلك؛ لأنَّ الأمر لن يكون كذلك. ولا شيء يجلبُ لك الطمأنينة إلا نفسُك» .
стр. 144
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ .
حذَّر الفيلسوفُ الروائيُّ أبيكتويتوس: «بوجوب الاهتمامِ بإزالةِ الأفكارِ الخاطئةِ من تفكيرِنا، أكثر من الاهتمامِ بإزالةِ الورمِ والمرضِ منْ أجسادِنا» .
والعجبُ أنَّ التحذير من المرض الفكريِّ والعقائديِّ في القرآن أعظمُ من المرضِ الجسمانيِّ، قال سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .
تبنِّى الفيلسوفُ الفرنسيُّ مونتين هذه الكلماتِ شعاراً في حياتِهِ: «لا يتأثرُ الإنسانُ بما يحدثُ مثلما يتأثرُ برأيِهِ حول ما يحدثُ» .
وفي الأثر: ((اللهم رضِّني بقضائك حتى أعلم أن ما أصابني لم يكنْ ليخطئني، وما أخطأني لم يكن ليصيبني)) .
وقفة ٌ
لا تحزنْ: لأنَّ الحزن يُزعجُك من الماضي، ويخوِّفك من المستقبلِ، ويُذهبُ عليك يومك.
لا تحزنْ: لأنَّ الحزن ينقبضُ له القلبُ، ويعبسُ له الوجهُ، وتنطفئُ منهُ الروحُ، ويتلاشى معه الأملُ.
لا تحزنْ: لأنَّ الحزن يسرُّ العدوَّ، ويغيظُ الصديق، ويُشْمِت بك الحاسد، ويغيِّرُ عليك الحقائق.
стр. 145
لا تحزنْ: لأنَّ الحزن مخاصمةٌ للقضاءِ، وتبرُّمٌ بالمحتومِ، وخروجٌ على الأنسِ، ونقمةٌ على النعمةِ.
لا تحزنْ: لأنَّ الحزن لا يردُّ مفقوداً وذاهباً، ولا يبعثُ ميِّتا، ولا يردُّ قدراً، ولا يجلبُ نفعاً.
لا تحزنْ: فالحزنُ من الشيطانِ والحزنُ يأسٌ جاثمٌ، وفقرٌ حاضرٌ، وقنوطٌ دائمٌ، وإحباطٌ محقَّقٌ، وإخفاقٌ ذريعٌ.
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .
لا تحزنْ ما دمْتَ مؤمناً بالله
إنَّ هذا الإيمان هو سرُّ الرضا والهدوءِ والأمنِ، وإنَّ الحَيْرَةَ والشقاءَ مع الإلحادِ والشكِّ. ولقدْ رأيتُ أذكياء - بل عباقرةً - خلتْ أفئدتُهمْ من نورِ الرسالِة، فطفحتْ ألسنتُهمْ عنِ الشريعةِ.
يقولُ أبو العلاءِ المعرِّيُّ عنِ الشريعةِ: تناقضٌ ما لنا إلا السكوتُ له!!
ويقولُ الرازيُّ: نهاية إقدامِ العقولِ عِقالُ.
стр. 146
ويقولُ الجويني، وهو لا يدري أين اللهُ: حيَّرني الهمدانيُّ، حيرني الهمدانيُّ.
ويقولُ ابنُ سينا: إنَّ العقل الفعَّال هو المؤثِّرُ في الكونِ.
ويقولُ إيليا أبو ماضي:
جئتُ لا أعلمُ مِن أين ولكنيِّ أتيتُ ... ولقد أبصرتُ قُدَّامي طريقاً فمشيتُ
إلى ير ذلك من الأقوالِ التي تتفاوتُ قُرباً وبُعداً عن الحقِّ.
فعلمتُ أنه بحسبِ إيمان العبدِ يسعدُ، وبحسبِ حيْرِتِهِ وشكِّه يشقى، وهذهِ الأطروحاتُ المتأخرةُ بناتٌ لتلك الكلماتِ العاتيةِ منذُ القِدم، والمنحرفُ الأثيمُ فرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ . وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .
ويا لها من كفريَّاتٍ دمَّرَتِ العالم.
يقولُ جايمس ألين، مؤلفُ كتاب «مثلما يفكرُ الإنسانُ» : «سيكتشفُ الإنسانُ أنهُ كلما غيَّر أفكاره إزاء الأشياءِ والأشخاصِ الآخرين، ستتغيرُ الأشياءُ والأشخاصُ الآخرون بدورِهِمْ.. دعْ شخصاً ما يغيِّرُ أفكارهُ، وسندهشُ للسرعةِ التي ستتغيرُ بها ظروفُ حياتِهِ الماديةِ، فالشيءُ المقدَّسُ الذي يشكِّل أهدافنا هو نفسنا..» .
وعن الأفكارِ الخاطئةِ وتأثيرِها، يقولُ سبحانه: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ
стр. 147
قَوْماً بُوراً﴾ . ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ .
ويقولُ جايمس ألين أيضاً: «وكلُّ ما يُحقِّقه الإنسانُ هو نتيجةٌ مباشرةٌ لأفكارهِ الخاصَّةِ.. والإنسانُ يستطيعُ النهوض فقطْ والانتصارَ وتحقيق أهدافِهِ منْ خلالِ أفكارِهِ، وسيبقى ضعيفاً وتعِساً إذا ما رفض ذلك» .
قال سبحانه عن العزيمةِ الصادقةِ والفكرِ الصائبِ: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ﴾ .
وقال: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ .
لا تحزنْ للتوافِهِ فإنّ الدنيا بأسْرها تافهةٌ
رُمي أحدُ الصالحين الكبارُ بين براثِنِ الأسدِ، فأنجاه اللهُ منه، فقالوا له: فيم كنت تفكِّر؟ قال: أفكِّر في لعابِ الأسدِ، هلْ هو طاهرٌ أم لا!! . وماذا قال العلماءُ فيهِ.
ولقد ذكرتُ الله ساعة خوفِهِ ... للباسلين مع القنا الخطَّارِ
فنسيتُ كلَّ لذائذٍ جيَّاشةٍ ... يوم الوغى للواحدِ القهارِ
стр. 148
إنَّ الله - جلَّ في علاه - مايز بين الصحابةِ بحسبِ مقاصدهِمْ، فقال: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ .
ذكر ابنُ القيم أنَّ قيمة الإنسانِ همتُه، وماذا يريدُ؟! .
وقال أحدُ الحكماءِ: أخبرْني عن اهتمامِ الرجلِ أُخبرْكَ أيُّ رجلٍ هو.
ألا بلَّغ اللهُ الحمى من يريدُهُ ... وبلَّغ أكناف الحِمى من يريدُها
وقال آخرُ:
فعادوا باللّباسِ وبالمطايا ... وعدْنا بالملوكِ مصفَّدينا
انقلب قاربٌ في البحرِ، فوقع عابدٌ في الماءِ، فأخذ يوضِّئ أعضاءه عضواً عضواً، ويتمضمضُ ويستنشقُ، فأخرجهُ البحرُ ونجا، فسئل عنْ ذلك؟ فقال: أردتُ أن أتوضأ قبل الموتِ لأكون على طهارةٍ.
للهِ دَرُّك ما نسيت رسالةً ... قدسيةً ويداك في الكُلاَّبِ
أفديكَ ما رمشتْ عيونُك رمشةُ ... في ساعةُ والموتُ في الأهدابِ
الإمامُ أحمدُ في سكراتِ الموتِ يشيرُ إلى تخليلِ لحيتِهِ بالماءِ وهمُ يوضِّئونه!!
﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ .
стр. 149
العفو العفوَ
فإنك إنْ عفوت وصفحتَ نلت عزَّ الدنيا وشرفَ الآخرةِ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ .
يقولُ شكسبيرُ: «لا توقدِ الفرن كثيراً لعدِّوك، لئلاَّ تحرق به نفسك» .
فقلْ للعيونِ الرُّمدِ للشمسِ أعينٌ ... تراها بحقٍّ في مغيبٍ ومطْلعِ
وسامحْ عيوناً أطفأ اللهُ نورها ... بأبصارِها لا تستفيقُ ولا تعي
وقال أحدُهم لسالمِ بنِ عبدِالله بنِ عمر العالمِ التابعيِّ: إنك رجلُ سوء! فقال: ما عَرَفَني إلاَّ أنت.
قال أديبٌ أمريكيٌ: «يمكنُ أن تحطِّم العِصيُّ والحجارةُ عظامي، لكنلنْ تستطيع الكلماتُ النيْل مني» .
قال رجل لأبي بكر: واللهِ لأسبنَّك سبّاً يدخلُ معك قبرك! فقال أبو بكر: بلْ يدخلُ معك قبرك أنت!! .
وقال رجلٌ لعمروِ بن العاصِ: لأتفرغنَّ لحربِك. قال عمروٌ الآن وقعت في الشغلِ الشاغِلِ.
يقولُ الجنرالُ أيزنهاور: «دعونا لا نضيِّعُ دقيقةً من التفكيرِ بالأشخاصِ الذين لا نحبُّهم»
قالتِ البعوضةُ للنخلةِ: تماسكي، فإني أريدُ أنْ أطير وأدَعَكِ. قالتِ النخلةُ: واللهِ ما شعرتُ بكِ حين هبطتِ عليَّ، فكيف أشعرُ بكِ إذا طرتِ؟!
стр. 150
قال حاتمٌ:
وأغفرُ عوراء الكريم ادِّخارهُ ... وأُعرضُ عن شتْم اللئيمِ تكرُّما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ .
قال كونفوشيوس: «إنَّ الرجل الغاضب يمتلئ دائماً سُمّاً» .
وفي الحديثِ: ((لا تغضبْ، لا تغضبْ، لا تغضبْ)) .
وفيه: ((الغضبٌ جمرةٌ من النار)) .
إنَّ الشيطان يصرعُ العبدَ عند ثلاثٍ: الغضبِ، والشَّهوةِ، والغَفْلَةِ.
العالم خُلِق هكذا
يقولُ ماركوس أويليوس - وهو من أكثر الرجالِ حكمةً ممن حكموا الإمبراطورية الرومانية - ذات يوم: «سأقابلُ اليوم أشخاصاً يتكلَّمون كثيراً، أشخاصاً أنانيِّين جاحدين، يحبُّون أنفسهم، لكن لن أكون مندهشاً أو منزعجاً من ذلك، لأنني لا أتخيلُ العالم من دونِ أمثالهم» !
стр. 151
يقولُ أرسطو: «إنَّ الرجل المثاليَّ يفرحُ بالأعمالِ التي يؤديها للآخرين، وبخجلُ إن أدى الآخرون الأعمال لهُ، لأن تقديم العطفِ هو من التفوقِ، لكنْ تلقِّي العطفِ هو دليلُ الفشل» .
وفي الحديث: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى)) .
والعليا هي المعطيةُ، والسفلى هي الآخذةُ.
لا تَحْزَنْ إذا كان معك كِسْرةُ خُبْزٍ
وغرفةُ ماءٍ وثوْبٌ يَسْتُرُكَ
ضلَّ أحدُ البحارةِ في المحيطِ الهادي وبقي واحداً وعشرين يوماً، ولما نجا سألهُ الناسُ عن أكبرِ درسٍ تعلَّمه، فقال: إنَّ أكبر درسٍ تعلمتُه منْ تلك التجربةِ هو: إذا كان لديك المال الصافي، والطعامُ الكافي، يجبُ أنْ لا تتذمَّر أبداً!
قال أحدُهم: الحياةُ كلُّها لقمةٌ وشَرْبَةٌ، وما بقي فضلٌ.
وقال ابنُ الوردي:
مُلْكُ كِسرى عنهُ تُغني كِسرةٌ ... وعنِ البحرِ اجتزاءٌ بالوشلْ
стр. 152
يقولُ جوناثان سويفت: «إنَّ أفضل الأطباءِ في العالمِ همْ: الدكتورُ ريجيم، والدكتورُ هادئ، والدكتورُ مرِح، وإنَّ تقليل الطعامِ مع الهدوءِ والسرورِ علاجٌ ناجعٌ لا يسألُ عنه» .
قلتُ: لأنَّ السمنة مرضٌ مزمنٌ، والبطنةُ تُذهبُ الفِطنةَ والهدوُء متعةٌ للقلبِ وعيدٌ للروحِ، والمرحُ سرورٌ عاجلٌ وغذاءٌ نافعٌ.
لا تحزَنْ من محنةٍ فقدْ تكونُ منْحة
ولا تحزنْ من بليَّةٍ فقد تكونُ عطية
قال الدكتورُ صموئيل جونسون: «إن عادة النظر إلى الجانبِ الصالحِ من كلِّ حادثةٍ، لهو أثمنُ من الحصول على ألفِ جنيهٍ في السنةِ» .
﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
وعلى الضدِّ يقولُ المتنبي:
ليت الحوادث باعتني التي أخذتْ ... مني بحلمي الذي أعطتْ وتجريبي
وقال معاوية: لا حليم إلا ذو تجربة.
قال أبو تمامٍ في الأفشين:
كمْ نعمةٍ لله كانتْ عندهُ ... فكأنها في غُربةٍ وإسارِ
стр. 153
قال أحدُ السَّلفِ لرجلٍ من المترفين: إني أرى عليك نعمةً، فقيِّدْها بالشكرِ.
قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ، ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ .
كن نفسك
يقولُ الدكتور جايمس غوردون غليلكي: «إنَّ مشكلة الرغبةِ في أنْ تكون نفسك، هي قديمةٌ قِدَمَ التاريخ، وهي عامَّةٌ كالحياةِ البشريةِ. كما أنَّ مشكلة عدمِ الرغبةِ هي في أن تكون نَفسك هي مصدرُ الكثيرِ من التوترِ والعُقدِ النفسيةِ» .
وقال آخر: «أنت في الخليقةِ شيءٌ آخرُ لا يشبهك أحدٌ، ولا تشبهُ أحداً، لأنَّ الخالق - جلّ في علاه - مايز بين المخلوقين» . قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
كتب إنجيلو باتري ثلاثة عشَرَ كتاباً، وآلاف المقالاتِ حول موضوعِ «تدريبِ الطفلِ» ، وهو يقولُ: «ليس من أحدٍ تعِسٍ كالذي يصبو إلى أنْ يكون غيْر نفسهِ، وغَيْرَ جسدهِ وتفكيرِه» .
стр. 154
قال : ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ .
لكلٍّ صفاتٌ ومواهبُ وقدراتٌ فلا يذوبُ أحدٌ في أحدٍ.
أَوْرَدَهَا سعدٌ وسعدٌ مُشتَمِلْ ... ما هكذا تُورَدُ يا سعْدُ الإبِلْ
إنكَ خُلقت بمواهب محدَّدةٍ لتودي عملاً محدَّداً، وكما قالوا: اقرأ نفسكَ، واعرف ماذا تقدِّمُ.
قال أمرسونُ في مقالتِهِ حول «الاعتمادِ على النفسِ» : «سيأتي الوقتُ الذي يصلُ فيه علمُ الإنسانِ إلى الإيمانِ بأنَّ الحَسَدَ هو الجَهْلُ، والتقليدَ هو الانتحارُ، وأن يعتبر نفسه كما هي مهما تكنِ الظروفُ؛ لأنَّ ذاك هو نصيبُه. وأنهُ رغم امتلاءِ الكون بالأشياءِ الصالحةِ، لنْ يحصل على حبَّةِ ذُرةٍ إلا بعد زراعةِ ورعايةِ الأرضِ المعطاةِ لهُ، فالقوى الكامنةُ في داخلِهِ، هي جديدةٌ في الطبيعةِ، ولا أحد يعرفُ مدى قدرتِه، حتى هو لا يعرفُ، حتى يجرِّب» .
﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وقفة
هذه آياتٌ تقوِّي من رجائِك، وتشدُّ عَضُدَك، وتحسِّنُ ظنَّك بريِّك.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
стр. 155
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٤٤﴾ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ .
رُبَّ ضارةِ نافعةٌ
يقولُ وليم جايمس: «عاهاتُنا تساعدُنا إلى حدٍّ غَيْرِ متوقَّعٍ، ولو لمْ يعشْ دوستيوفسكي وتولستوي حياةً أليمةً لما استطاعا أنْ يكتبا رواياتِهما الخالدةَ، فاليُتمُ، والعمى، والغربةُ، والفقرُ، قد تكونُ أسباباً للنبوغِ والانجازِ، والتقدمِ والعطاءِ» .
стр. 156
قد ينُعمُ اللهُ بالبلوى وإنْ عظمتْ ... ويبتلي اللهُ بعض القومِ بالنعمِ
إنَّ الأبناء والثراءَ، قد يكونون سبباً في الشقاءِ: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
ألَّف ابنُ الأثيرِ كُتبهُ الرائعة، كـ: «جامعِ الأصولِ» ، و «النهايةِ» ، بسببِ أنهُ مُقْعَدٌ.
وألَّف السرخسي كتابه الشهير «المبسوط» خمسة عشر مجلَّداً؛ لأنهُ محبوسٌ في الجُبِّ!
وكتب ابنُ القيم (زاد المعاد) وهو مسافرٌ!
وشرح القرطبيُّ (صحيح مسلم) وهو على ظهرِ السفينةِ!
وجُلُّ فتاوى ابنِ تيمية كتبها وهو محبوسٌ!
وجمع المحدِّثون مئاتِ الآلافِ من الأحاديثِ لأنهمْ فقراءُ غرباءُ.
وأخبرني أحدُ الصالحين أنه سُجن فحفظ في سجنِهِ القرآن كلَّه، وقرأ أربعين مجلَّداً!
وأملى أبو العلاء المعري دواوينه وكُتُبه وهو أعمى!
وعمي طه حسين فكتب مذكّراته ومصنَّفاتِه!
وكم من لامعٍ عُزِل من منصبِه، فقدَّم للأمةِ العلم والرأي أضفاف ما قدَّم مع المنصبِ.
стр. 157
يقولُ فرانسيسُ بايكون: «قليلٌ من الفلسفةِ يجعلُ الإنسان يميلُ إلى الإلحادِ، لكنَّ التعمُّق في الفلسفةِ يقرِّب عقل الإنسان من الدِّينِ» .
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ . ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ .
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ .
يقولُ الدكتورُ أ. أ. بريل: «إنّ أيَّ مؤمنٍ حقيقي لنْ يُصاب بمرضٍ نفسيٍّ» .
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ .
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ .
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
الإيمانُ أعظمُ دواء
يقول أبرزُ أطباءِ النفسِ الدكتورُ كارل جائغ في الصفحة (٢٦٤) من كتابِهِ «الإنسانُ الحديثُ في بحثهِ عنِ الروحِ» : «خلال السنواتِ الثلاثين الماضيةِ، جاء أشخاصٌ من جميعِ أقطارِ العالمِ لاستشارتي، وقد عالجتُ مئاتِ المرضى، ومعظمُهم في منتصفِ مرحلةِ الحياةِ، أيْ فوق الخامسةِ
стр. 158
والثلاثين من العمرِ، ولمْ يكنْ بينهمْ من لا تعودُ مشكلتُه إلى إيجادِ ملجأ ديني يتطلَّع من خلالِهِ إلى الحياةِ، وباستطاعتي أنْ أقول: إن كلاّ منهم مرِض لأَّنهُ فقد ما مَنحهُ الدينُ للمؤمنين، ولم يُشْف من لمْ يستعِد إيمانه الحقيقيَّ» .
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ .
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ﴾ .
﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ .
اللهُ يجيبُ المُضْطرَّ
كاد المهاتما غاندي - الزعيمُ الهنديُّ بعد بوذا - ينهارُ لولا أنه استمدَّ الإلهام من القوةِ التي تمنحُها الصلاةُ، وكيف لي أنْ أعلم ذلك؟ لأنَّ غاندي نفسهُ قال: لو لمْ أصلِّ لأصبحتُ مجنوناً منذُ زمنٍ طويلٍ.
هذا وغاندي ليس مسلماً، وإنما هو على ضلالةٍ، لكنهُ على مذهبِ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ . ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
стр. 159
سبرتُ أقوال علماءِ الإسلامِ ومؤرخيهم وأدبائِهمْ في الجملةِ، فلمْ أجدْ ذاك الكلام عن القلقِ والاضطرابِ والأمراضِ النفسيةِ، والسببُ أنهم عاشوا من دينِهمْ في أمن وهدوءٍ، وكانتْ حياتُهم بعيدةً عن التعقيدِ والتكلُّفِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ .
اسمعْ قول أبي حازمٍ، إذْ يقولُ: «إنما بيني وبين الملوكِ يومٌ واحدٌ، أما أمسِ فلا يجدون لذَّته، وأنا وهُمْ منْ غدٍ على وَجَلٍ، وإنما هو اليومُ، فما عسى أن يكون اليومُ؟!» .
وفي الحديثِ: ((اللهمَّ إني أسالُك خَيْرَ هذا اليومٍ: بركته ونَصْرَهُ ونُورَهُ وهدايتَهُ)) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ وقولٌه تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ .
وقال الشاعر:
فإنْ تكنِ الأيامُ فينا تبدِّلتْ ... بِبُؤسى ونُعْمَى والحوداثُ تفعلُ
стр. 160
فما ليَّنتْ منّا قناةً صليبة ... ولا ذللتنا للتي ليس تجملُ
ولكنْ رحلناها نفوساً كريمةً ... تُحمَّلُ مالا يُستطاعُ فتحملُ
وقيْنا بحسنِ الصبر منَّا نفوسنا ... وصحَّتْ لنا الأعراضُ والناسُ هُزَّلُ
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ .
لا تحزنْ فالحياةُ أقصرُ ممَّا تتصوَّرُ
ذكر دايلْ كارنيجي قصَةَ رجل أصابَتْه قُرْحةٌ في أمعائه، بلغ منْ خطورتِها أنَّ الأطباء حدَّدوا لهُ أوان وفاتِهِ، وأوعزُوا إليه أنْ يجهِّزَ كَفَنَهُ. قال: وفجأة اتخذ «هاني» - اسم المريضِ - قراراً مدهشاً إنهُ فكَّرَ في نفسِهِ: إذا لم يبق لي في هذهِ الحياةِ سوى أمدٍ قصيرٍ، فلماذا لا أستمتعُ بهذا الأمدِ على كلِّ وجه؟ لطالما تمنيتُ أنْ أطوف حول العالمِ قبل أنْ يدركني الموتُ، ها هو ذا الوقتُ الذي أحقِّق فيه أمنيتي. وابتاع تذكرة السفر، فارتاع أطباؤه، وقالوا له: إننا نحِذّرُك، إنك إن أقدمت على هذهِ الرحلةِ فستدفنُ في قاعِ البحرِ!! لكنه أجاب: كلا لنْ يحدث شيءٌ من هذا، لقدْ وعِدتُ أقاربي ألا يدفن جثماني إلا في مقابرِ الأسرةِ. وركب «هاني» السفينة، وهو يتمثَّل بقولِ الخيامِ:
стр. 161
تعال نروي قصةً للبشرْ ... ونقطعُ العمرَ بحُلْوِ السَّمَرْ
فما أطال النومُ عمراً وما ... قصَّرَ في الأعمارِ طولُ السّهرْ
وهذه أبيات يقولها وثنٌّي غير مسلم.
وبدأ الرجلُ رحلةً مُشبعةً بالمرحِ والسرورِ، وأرسل خطاباً لزوجتِهِ يقولُ فيه: لقد شربتُ وأكلتُ ما لذَّ وطاب على ظهرِ السفينِة، وأنشدتُ القصائد، وأكلتُ ألوان الطعامِ كلَّها حتى الدَّسِم المحظور منها، وتمتعتُ في هذه الفترةِ بما لم أتمتعْ به في ماضي حياتي. ثم ماذا؟!
ثم يزعمُ دايل كارنيجي أنَّ الرجل صحَّ من علَّتِهِ، وأنَّ الأسلوب الذي سار عليه أسلوبٌ ناجعٌ في قهْرِ الأمراضِ ومغالبةِ الآلامِ!!
إنني لا أوافقُ على أبياتِ الخيَّامِ، لأنَّ فيها انحرافاً عن النهج الرَّبانيِّ، ولكنَّ المقصود من القصةِ: أن السرور والفرح والارتياح أعظمُ بكثيرٍ من العقاقيرِ الطبيَّة.
اقنع واهدأ
قالَ ابنُ الروميِّ:
قرَّب الحِرْصُ مركباً لِشقيّ ... إنما الحِرْصُ مركبُ الأشقياءِ
مرحباً بالكفافِ يأتي هنيئاً ... وعلى المُتعباتِ ذيلُ العفاءِ
стр. 162
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ .
يقول دايل كارنيجي: «لقدْ أثبت الإحصاءُ أنّ القَلَقَ هو القائلُ (رقم١) في أمريكا، ففي خلالِ سنِّي الحربِ العالميةِ الأخيرةِ، قُتِلَ من أبنائِنا نحو ثُلُثِ مليون مقاتلٍ، وفي خلالِ هذه الفترةِ نفسِها قضى داءُ القلبِ على مليونيْ نسمةٍ. ومن هؤلاءِ الأخيرين مليونُ نسمةٍ كان مرضهُمْ ناشئاً عنِ القلقِ وتوتُّرِ الأعصابِ» .
نعمْ إنَّ مرض القلبِ من الأسباب الرئيسيةِ التي حدتْ بالدكتورِ «ألكسيس كاريل» على أن يقول: «إن رجال الأعمالِ الذين لا يعرفون كيف يكافحون القلق، يموتون مبكِّرين»
والسببُ معقولٌ، والأجلُ مفروغٌ منه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ .
وقلَّما يمرضُ الزنوجُ في أمريكا أو الصينيون بأمراضِ القلبِ، فهؤلاءِ أقوامٌ يأخذون الحياة مأخذاً سهلاً ليِّناً، وإنك لترى أن عدد الأطباءِ الذين يموتون بالسكتةِ القلبيةِ يزيدُ عشرين ضِعْفاً على عددِ الفلاحين الذين يموتون بالعلَّة نفسِها، فإنَّ الأطباء يحيوْن حياةً متوترةً عنيفةً، يدفعون الثمن غالياً. «طبيبٌ يداوي الناس وهو عليلُ» !!
стр. 163
الرضا بما حصل يُذهبُ الحُزْن
وفي الحديث: ((ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربَّنا)) .
إنَّ عليك واجباً مقدَّساً، وهو الانقيادُ والتسليمُ إذا داهمك المقدورُ، لتكون النتيجةُ في صالحِك، والعاقبةُ لك؛ لأنك بهذا تنجو من كارثةِ الإحباطِ العاجلِ والإفلاسِ الآجلِ.
قال الشاعرُ:
ولما رأيتُ الشِّيْب لاح بعارضي ... ومَفْرِقِ رأسي قلتُ للشَّيب مرحبا
ولو خِفْتُ أني إنْ كَفَفْتُ تحيتي ... تنكَّب عني رُمْتُ أنْ يتنكبا
ولكن إذا ما حلَّ كُرْهٌ فسامحتْ ... به النفسُ يوماً كان للكُرْهِ أذهبا
لا مفرَّ إلا أن تؤمن بالقدرِ، فإنهُ سوف ينفُذُ، ولو انسلخت من جلدِك وخرجت من ثيابِك!!
نُقِلَ عن إيمرسون في كتابه «القدرةُ على الإنجازِ» حيث تساءل: «منْ أين أَتَتْنا الفكرةُ القائلةُ: إن الحياة الرغدة المستقرةَ الهادئة الخالية من الصعابِ والعقباتِ تخلقُ سعداء الرجالِ أو عظماءهم؟ إنَّ الأمر على العكسِ، فالذين اعتادوا الرثاء لأنفسهِمْ سيواصلون الرثاءَ لأنفسهم ولو ناموا على الحريرِ، وتقلَّبُوا في الدِّمقسِ. والتاريخُ يشهدُ بأنَّ العظمة والسعادة الخبيثُ، وبيئاتٌ لا يتميزُ فيها بين طيبٍ وخبيثٍ، في هذه البيئاتِ نَبَتَ رجالٌ حملوا المسؤولياتِ على أكتافِهم، ولم يطرحوها وراء ظهورِهم» .
стр. 164
إنَّ الذين رفعوا علم الهدايةِ الربانيَّةِ في الأيامِ الأولى للدعوةِ المحمدية هم الموالي والفقراءُ والبؤساءُ، وإنَّ جُلَّ الذين صادمُوا الزحف الإيمانيَّ المقدَّس همْ أولئك المرموقون والوجهاءِ والمترفون: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ . ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ . ﴿أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ . ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ . ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ .
وإني لأذكرُ بيتاً لعنترة، وهو يخبرُنا أنَّ قيمته في سجاياه ومآثِرِهِ ونُبْلِهِ لا في أصلِهِ وعنصرِهِ، يقولُ:
إن كنتُ فإني سيدٌ كَرَماً ... أوْ أسود اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ
إنْ فقدت جارحةً من جوارحك
فقدْ بقيتْ لك جوارحُ
يقولُ ابنُ عباس:
إنْ يأخذِ اللهُ من عينيَّ نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نورُ
قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي عِوجٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مأثورُ
стр. 165
ولعلَّ الخير فيما حَصَلَ لك من المصابِ، ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
يقولُ بشَّارُ بنُ بُرْدٍ:
وعيَّرني الأعداءُ والعيبُ فيهمو ... فليس بعارٍ أن يُقال ضريرُ
إذا أبصر المرءُ المروءة والتُّقى ... فإنَّ عمى العينينِ ليس يضيرُ
رأيتُ العمى أجراً وذُخراً وعِصْمةً ... وإني إلى تلك الثلاثِ فقيرُ
انظرْ إلى الفرقِ بين كلامِ ابنِ عباسٍ وبشَّارِ، وبين ما قاله صالحُ بن عبد القدوسِ لمَّا عَمي:
على الدنيا السلامُ فما لشيخٍ ... ضريرِ العينِ في الدنيا نصيبُ
يموتُ المرءُ وهو يُعَدُّ حيّاً ... ويُخلِفُ ظنَّهُ الأملُ الكذوبُ
يُمنِّيني الطبيبُ شفاء عيني ... فإنَّ البعض مِن بعضٍ قريبُ
إن القضاء سوف ينفذُ لا محالة، على القابِل لهُ والرافضِ لهُ، لكنَّ ذاك يُؤجَرُ ويسْعَدُ، وهذا يأثمُ ويشقى.
كتب عمرُ بن عبد العزيزِ إلى ميمون بن مهران: كتبت تعزّيني على عبد الملكِ، وهذا أمرٌ لم أزل أنتظرهُ، فلمّا وقع لم أُنكِرْهُ.
стр. 166
الأيامُ دُولٌ
يُروى أنّ أحمد بن حنبل ﵀ زار بقيَّ بن مخلدٍ في مرضٍ له فقال له: «يا أبا عبد الرحمن، أبشرْ بثوابِ اللهِ، أيامُ الصِّحِّةِ لا سُقمَ فيها، وأيامُ السقمِ لا صحَّة فيها..» .
والمعنى: أن أيام الصحةِ لا يعرضُ المرضُ فيها بالبالِ، فتقوى عزائمُ الإنسانِ، وتكثر آمالُه، ويشتدُّ طموحُه. وأيامُ المرضِ الشديدِ لا تعرضُ الصحةُ بالبالِ، فيخيِّم على النفسِ ضعف الأملِ، وانقباض الهمَّةِ وسلطان اليأس. وقولُ الإمامِ أحمد مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ ﵀: «يخبرُ اللهُ تعالى عن الإنسانِ وما فيهِ من الصفاتِ الذميمةِ، إلا منْ رحم اللهُ من عبادِهِ المؤمنين، أنه إذا أصابتْه شدَّةٌ بعد نعمةٍ، حصل له يأسٌ وقنوطٌ من الخيرِ بالنسبةِ إلى المستقبلِ، وكفرٌ وجحودٌ لماضي الحالِ، كأنه لم ير خيراً ولم يرجُ فرجاً» .
وهكذا إن أصابتهُ نعمةٌ بعد نقمةٍ: ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ .
أي يقولُ: ما ينالني بعد هذا ضيمٌ ولا سوءٌ، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ .
أي فرح بما في يدِهِ، بطرٌ فخورٌ على غيره. قال اللهُ تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
стр. 167
سيروا في الأرض
قال أحدُهُمْ: السفرُ يذهبُ الهموم.
قال الحافظُ الرامهرمزيُّ في كتابِهِ «المحدِّثُ الفاضلُ» ، في بيانِ فوائدِ الرحلةِ في طلبِ العلمِ والمتعِ الحاصلةِ بها، ردّاً على من كرِه الرحلة وعابها ما يلي:
«ولو عَرَفَ الطاعنُ على أهلِ الرِّحلةِ مقدار لذَّةِ الرَّاحلِ في رحلتِهِ ونشاطِهِ عند فصولِهِ منْ وطنهِ، واستلذاذِ جميعِ جوارحِهِ، عند تصرُّفِ الأقطارِ وغياضِها، وحدائِقِها، ورياضِها، وتصفُّح الوجوهِ، ومشاهدةِ ما لمْ ير منْ عجائبِ البلدانِ، واختلافِ الألسنةِ والألوانِ، والاستراحةِ في أفياءِ الحيطانِ، وظلالِ الغيطانِ، والأكلِ في المساجدِ، والشربِ من الأوديةِ، والنومِ حيثُ يدركهُ الليلُ، واستصحابِ منْ يحبُّهُ في ذاتِ اللهِ بسقوطِ الحشمةِ، وتركِ التصنُّعِ، وكلِّ ما يصلُ إلى قلبهِ من السرورِ عنْ ظفرِهِ ببغيتِهِ، ووصولِهِ إلى مقصدِهِ، وهجومِهِ على المجلسِ الذي شمَّرَ لهُ، وقطع الشُّقَّةَ إليه - لعلَّمَهُ أنَّ لذَّاتِ الدنيا مجموعةٌ في محاسن تلك المشاهدِ، وحلاوةِ تلك المناظرِ، واقتناصِ تلك الفوائدِ، التي هي عند أهلِها أبهى منْ زهرِ الربيعِ، وأنفسُ من ذخائرِ العِقيانِ، من حيثُ حُرِمها الطاعنُ وأشباهُهُ» .
قوِّضْ خيامك عنْ ربْهٍ أُهِنْت بهِ ... وجانِبِ الذُّلَّ إنَّ الذُّلَّ يُجتَنَبُ
стр. 168
وقفةٌ
((إنَّ الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمنْ رضي فله الرِّضا، ومنْ سخطَ فَلَهُ السَّخْطُ)) .
((أشدُّ الناسِ بلاء الأنبياءُ، ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ يُبتلى الرجلُ على قدرِ دينهِ، فإنْ كان في دينهِ صلابةٌ أشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّةٌ ابتُلي على قدرِ دينه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ، حتى يتركهُ يمشي على الأرضِ وما عليه خطيئةٌ)) .
((عجباً لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَّهُ كلَّه خيرٌ!! وليس ذاك لأحدِ إلا للمؤمنِ، إن أصابتْه سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإنْ أصابتهُ ضرَّاء صبر فكان خيراً له)) .
((واعلمْ أنَّ الأمة لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبُ اللهُ لك، وإنِ اجتمعوا على أنْ يضرُّوك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قدْ كتبهُ اللهُ عليك)) .
((يُبتلى الصالحون الأمثلُ فالأمثلُ)) .
((المؤمنُ كالخامةِ من الزرعِ تُفيِّئُها الريحُ يَمنْةً ويَسْرةً)) .
стр. 169
حتَّى في سكراتِ الموتِ تبسَّمْ
فهذا أبو الريحانِ البيرونيُّ (ت٤٤٠) ، مع الفسحةِ في التعميرِ فقدْ عاش ٧٨ سنةً مُكِبّاً على تحصيلِ العلومِ، مُنْصَبّاً إلى تصنيفِ الكتبِ، يفتحُ أبوابها ويحيطُ بشواكلِها وأقرابِها - يعنى: بغوامضِها وجليّاتِها - ولا يكادُ يفارقُ يده القلمُ، وعينه النظرُ، وقلبه الفكرُ، إلا فيما تمسُّ إليه الحاجةُ في المعاشِ منْ بُلْغة الطعامِ وعلقةِ الرياشِ، ثم هِجِّيراهُ - أي دَيْدَنُهُ - في سائرِ الأيامِ من السنةِ: علمٌ يُسفرُ عن وجههِ قناع الإشكالِ، ويحسرُ عن ذراعيْةِ أكمالُ الإغلاقِ.
حدَّث الفقيهُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ عيسى، قال: دخلتُ على أبي الريحانِ وهو يجودُ بِنفْسِهِ - أيْ وهو في نزْعِ الروحِ قارب الموتَ - قد حشرجتْ نفسُهُ، وضاق بها صدرُهُ، فقال لي في تلك الحالِ: كيف قلت لي يوماً حسابُ الجدَّاتِ الفاسدةِ؟ أيْ الميراثُ، وهي التي تكونُ من قِبل الأمِّ، فقلتُ له إشفاقاً عليه: أفي هذهِ الحالةِ؟ قال لي: يا هذا، أودِّعُ الدنيا وأنا عالمٌ بهذهِ المسألة، ألا يكون خيراً من أنْ أخلِّيها وأنا جاهلٌ بها؟! فأعدتُ ذلك عليهِ، وحفِظَ وعلَّمني ما وعد، وخرجتُ من عندِهِ فسمعتُ الصراخ!! إنها الهممُ التي تجتاحُ ركام المخاوفِ.
والفاروقُ عمرُ في سكراتِ الموتِ، يثعبُ جرحُه دماً، ويسألُ الصحابة: هلْ أكمل صلاتهُ أمْ لا؟! .
وسعدُ بنُ الربيع في ((أُحدٍ)) مضرَّج بدمائِهِ، وهو يسألُ في آخرِ رَمَقٍ عن الرسولِ ﷺ ، إنها ثباتةُ الجأشِ وعمارُ القلبِ!
стр. 170
وقفتَ ما في الموتِ شكٌّ لواقفِ ... كأنك في جفنِ الردى وهو نائمُ
تمرُّ بكَ الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهُك وضاحٌ وثغرُك باسمُ
قال إبراهيمُ بنُ الجراحِ: مرض أبو يوسف فأتيتُه أعودُه، فوجدتُه مُغْمىً عليهِ، فلمَّا أفاق قال لي: ما تقولُ في مسألةٍ؟ قلتُ: في مثلِ هذه الحالِ؟! قال: لا بأس ندرسُ بذلك لعلَّه ينجو به ناجٍ.
ثم قال: يا إبراهيمُ، أيُّما أفضلُ في رمي الجمارِ: أن يرميها الرجلُ ماشياً أو راكباً؟ قلتُ: راكباً. قال: أخطأت. قلتُ: ماشياً. قال: أخطأت. قلتُ: أيُّهما أفضلُ؟ قال: ما كان يُوقفُ عندهُ فالأفضلُ أنْ يرميه ماشياً، وأما ما كان لا يُوقفُ عنده، فالأفضلُ أن يرميه راكباً، ثم قمتُ من عندهِ فما بلغتُ باب دارِهِ حتى سمعتُ الصراخ عليه وإذا هو قدْ مات. رحمةُ الله عليه.
قال احدُ الكُتَّابِ المعاصرين: هكذا كانوا!! الموتُ جاثمٌ على رأسِ أحدِهِمْ بكُربِهِ وغُصَصِهِ، والحشرجةُ تشتدُّ في نفسِهِ وصدرِهِ، والأغماءُ والغشيانُ محيطٌ بهِ، فإذا صحا أو أفاق من غشيتِهِ لحظاتٍ، تساءل عنْ بعضِ مسائلِ العلمِ الفرعيَّةِ أو المندوبةِ، ليتعلَّمها أو ليعلِّمها، وهو في تلك الحالِ التي أخذ فيها الموتُ منه الأنفاس والتلابيب.
في موقفٍ نسي الحليمُ سدادهُ ... ويطيشُ فيه النابِهُ البيْطارُ
يا للهِ ما أغلى العلم على قلوبِهمْ!! وما أشغلَ خواطرهُمْ وعقولَهُمْ به!! حتى في ساعةِ النزعِ والموتِ، لم يتذكروا فيها زوجةً أو ولداً قريباً عزيزاً، وإنما تذكروا العلم!! فرحمةُ اللهِ تعالى عليهمْ. فبهذا صاروا أئمة في العلمِ والدِّينِ.
стр. 171
أسرارُ الشدائدِ
أورد المؤرخُ الأديبُ أحمدُ بنُ يوسف الكاتبُ المصريُّ في كتابِهِ المعجبُ الفريدُ (المكافأةُ وحسنُ العُقبى) فقال: وقدْ علم الإنسانُ أن سُفورَ الحالةِ - أي انكشاف الغُمَّةِ والشدَّةِ - عن ضدِّه، حَتْمٌ لابدَّ منه، كما علم أنَّ انجلاء الليلُ يسفرُ عن النهار، ولكنَّ خور الطبيعةِ أشدُّ ما يلازمُ النفس عندَ نزولِ الكوارثِ، فإذا لم تُعالجْ بالدواءِ، اشتدّتِ العلةُ، وازدادتِ المحنةُ، لأن النفس إذا لم تُعَنْ عند الشدائدِ بما يجدّدُ قُواها، تولَّى عليها اليأسُ فأهلكها.
والتفكُّرُ في أخبارِ هذا البابِ - بابِ أخبارِ من ابتلي فصبر، فكان ثمرةُ صبرِه حسن العقبى - ممَّا يُشجِّع النفْس، ويبعثُها عن ملازمةِ الصبرِ وحسنِ الأدبِ مع الربِّ ، بحسنِ الظنِّ في موافاةِ الإحسانِ عند نهايةِ الامتحانِ.
وقال أيضاً - في آخر الكتابِ -: «خاتمةٌ: قال بُزُرْجمْهَرُ: الشدائدُ قبل المواهبِ، تشبهُ الجوع قبل الطعامِ، يحسُّ بهِ موقُعُهُ، ويلذُّ معه تناولهُ» .
وقال أفلاطونُ: «الشدائدُ تُصلِحُ من النفسِ بمقدارِ ما تفسدُ من العيشِ، والتَّترُّف - أي الترفُ والترفُّه - يفسدُ من النفسِ بمقدارِ ما يصلحُ من العيشِ» .
وقال أيضاً: «حافظ على كلِّ صديقٍ أهدتْه إليك الشدائدُ، والْه عنْ كلِّ صديقٍ أهدتْه إليك النعمةُ» .
стр. 172
وقال أيضاً: «الترفُّفهُ كالليلِ، لا تتأملْ فيه ما تصدرُه أو تتناولُه، والشدة كالنهارِ، ترى فيها سعيك وسعي غيرِك» .
وقالُ أزدشير: «الشدَّةُ كُحْلٌ ترى به ما لا تراه بالنعمة» .
ويقول أيضاً: «ومِلاكُ مصلحةِ الأمرِ في الشدَّةِ شيئان: أصغرُهما قوةُ قلبِ صاحبِها على ما ينوبُه، وأعظمُها حُسْنُ تفويضِهِ إلى مالكِهِ ورازقِهِ» .
وإذا صَمَدَ الرجلُ بفكرِهِ نَحْوَ خالقِهِ، علم أنهُ لمْ يمتحِنْه إلا بما يوجبُ له مثوبةً، أو يمحِّصُ عنه كبيرةً، وهو مع هذا من اللهِ في أرباحٍ متصلةٍ، وفوائد متتابعةٍ.
فأما إذا اشتدَّ فكرُهُ تلقاء الخليقةِ، كثرتْ رذائلُه، وزاد تصنُّعه، وبرِم بمقامِه فيما قصُر عن تأمُّلهِ، واستطال من المِحنِ ما عسى أن ينقضي في يومِهِ، وخاف من المكروهِ ما لعلَّه أنْ يخطئهُ.
وإنما تصدقُ المناجاةِ بين الرجلِ وبين ربِّهِ، لعلمِهِ بما في السرائرِ وتأييدِهِ البصائر، وهي بين الرجلِ وبين أشباهِهِ كثيرةُ الأذيةِ، خارجةٌ عن المصلحةِ.
وللهِ تعالى رَوْحٌ يأتي عند اليأسِ منهُ، يُصيبُ به منْ يشاءُ من خلقِهِ، وإليهِ الرغبةُ في تقريبِ الفرجِ، وتسهيلِ الأمرِ، والرجوعِ إلى أفضلِ ما تطاول إليه السُّؤْلُ، وهو حسبي ونِعْم الوكيلُ.
طالعتُ كتاب (الفرجُ بعد الشدةِ) للتنوخيِّ، وكرَّرتُ قراءته فخرجتُ منه بثلاثِ فوائدَ:
стр. 173
الأولى: أنَّ الفرج بعد الكربِ سنَّةٌ ماضيةٌ وقضيةٌ مُسلَّمةٌ، كاليحِ بعد الليلِ، لا شكَّ فيه ولا ريب.
الثانيةُ: أنَّ المكاره مع الغالبِ أجملُ عائدةً، وأرفعُ فائدةً للعبدِ في دينِهِ ودنياهُ من المحابِّ.
الثالةُ: أنَّ جالب النفعِ ودافع الضرِّ حقيقةٌ إنما هو الله جلَّ في علاه، واعلمْ أنّ ما أصابك لم يكنْ لِيخطِئك وما أخطأك لمْ يكنْ ليصيبك.
حقارةُ الدنيا
يقولُ ابنُ المباركِ العالمُ الشهير: قصيدةُ عديِّ بنِ زيدٍ أحبُّ غليَّ من قصرِ الأميرِ طاهرِ بنِ الحسينِ لو كان لي.
وهي القصيدةُ الذائعةُ الرائعةُ، ومنها:
أيُّها الشامتُ المُعيِّرُ بالدَّهْـ ... ـرِ أأنت المبرَّؤُ الموفورُ
أمْ لديك العهدُ الوثيقُ من الأيَّـ ... ـامِ بلْ أنت جاهلٌ مغرورُ
أيْ: يا من شمِت بمصائبِ الآخرين، هل عندك عهدٌ أنْ لا تصيبك أنت مصيبةٌ مثلُهم؟! أم هلْ منحتْك الأيامُ ميثاقاً لسلامتِك من الكوارثِ والمحنِ؟! فلماذا الشماتةُ إذنْ؟
стр. 174
وفي الحديثِ الصَّحيِحِ: ((لوْ أنَّ الدنيا تساوي عند اللهِ جناح بعوضةِ، ما سقى كافراً منها شربة ماءٍ)) . إنّ الدنيا عند اللهِ تعالى أهونُ من جناحِ البعوضةِ، وهذه حقيقةُ قيمتِها ووزنِها، فلِم الجزعُ والهلعُ عليها ومن أجلهِا؟!
السعادةُ: أنْ تشعر بالأمنِ على نفسِك ومستقبلك وأهلِك ومعيشتِك، وهي مجموعةٌ في الإيمانِ والرضا اللهِ وقضائهِ وقدرهِ، والقناعةُ: الصبرُ.
قيمةُ الإيمانِ
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ .
من النعيمِ الذي لا يدركُهُ إلاَّ الفطناءُ: نظرُ المسلمِ إلى الكافرِ، وتذكُّرُ نعمةِ اللهِ في الهدايةِ إلى دين الإسلامِ، وأنَّ الله لم يقدِّرْ لك أنْ تكون كهذا الكافرِ في كفرِه بربِّه وتمرُّدهِ عليهِ، وإلحادِه في آياتِه، وجحودِ صفاتِه، ومحاربتِه لمولاهُ وخالقِه ورازقِه، وتكذيبِه لرسلِه وكتبه، وعصيانِهِ أوامرهُ، ثم تذكَّرْ أنت أنَّك مسلمٌ موحِّدٌ، تؤمنُ باللهِ ورسولهِ واليومِ الآخرِ، وتؤدِّي الفرائض ولو على تقصيرٍ، فإنَّ هذا في حدِّ ذاته نعمةٌ لا تُقدَّر بثمن ولا تُباعُ بمالٍ، ولا تدورُ في الحسبانِ، وليس لها شبيهٌ في الأعيانِ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ﴾ .
حتى ذكر بعضُ المفسرين أنَّ مِنْ نعيمِ أهلِ الجنَّةِ نظُرهم إلى أهِل النارِ، فيشكرون ربَّهم على هذا النعيمِ: «وبضدِّها تتميزُ الأشياءُ» .
стр. 175
وقفةٌ
لا إله إلا اللهُ: أيْ لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ ، لتفرُّدِهِ بصفاتِ الألوهيَّةِ، وهي صفاتُ الكمالِ.
روحُ هذه الكلمةِ وسرُّها: إفرادُ الربِّ - جلَّ ثناؤه وتقدَّستْ أسماؤُه، وتبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، ولا إله غيرُهُ - بالمحبةِ والإجلالِ والتعظيمِ، والخوفِ والرجاءِ، وتوابعِ ذلك من التوكّلِ والإنابةِ والرغبةِ والرهبةِ، فلا يُحبُّ سواهُ، وكلُّ ما يُحبُّ غيرُه فإنما يُحبُّ تبعاً لمحبتِه، وكونِه وسيلةً إلى زيادةِ محبتِه، ولا يُخافُ سواهُ ولا يُرجى سواهُ، ولا يُتوكَّل إلا عليهِ، ولا يُرغبُ إلا إليهِ، ولا يُرهبُ إلا منهُ، ولا يُحلفُ إلا باسمِهِ، ولا يُنذرُ إلا لهُ، ولا يُتابُ إلا إليهِ، ولا يُطاعُ إلا أمرُه، ولا يتحسَّبُ إلا بهِ، ولا يُستغاثُ في الشدائدِ إلا به، ولا يُلتجأ إلا إليهِ، ولا يُسجدُ إلا لهُ، ولا يُذبحُ إلا له وباسمِهِ، ويجتمعُ ذلك في حرفٍ واحدٍ، وهو: أنْ لا يُعبد إلا إياهُ بجميعِ أنواعِ العبادةِ.
معاقون متفوقون
في ملحقِ عُكاظٍ العددُ ١٠٢٦٢ في ٧ / ٤ / ١٤١٥ هـ، مقابلةٌ مع كفيف يُدعى: محمود بن محمدٍ المدنيَّ، درس كتب الأدبِ بعيونِ الآخرين، وسمع كتب التاريخِ والمجلاتِ والدورياتِ والصحف، وربما قرأ بالسماعِ على أحدِ أصدقائِه حتى الثالثةِ صباحاً حتى صار مرجعاً في الأدب والطُّرفِ والأخبار.
стр. 176
كتب مصطفى أمين في زاويةِ (فكرة) في الشرقِ الأوسطِ كلاماً، منه: اصبرْ على كيد الكائدين، وظلمِ الظالمين، وسطوةِ الجبابرةِ، فإنَّ السوط سوف يسقطُ، والقيد سوف ينكسرُ، والمحبوس سوف يخرجُ، والظلام سوف ينقشعُ، لكن عليك أن تصبر وتنتظر.
وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ... ذرْعاً وعِند الله منها المخرجُ
قابلتُ في الرياضِ مفتي ألبانيا، وقد سُجن عشرين سنةً مِن قبل الشيوعيين في ألبانيا مع الأعمالِ الشاقَّةِ، والحبسِ والكيدِ، والنكَّالِ والظلمِ، والظلامِ وجوعِ، وكان يصلِّى الصلواتِ الخمس في ناحيةٍ من دورةِ المياه خوفاً منهمْ، ومع هذا صَبَرَ واحتسب حتى جاءهُ الفرجُ، ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ .
هذا (نلسون مانديلا) رئيس جنوبِ أفريقيَّة، سُجن سبعاً وعشرين سنةً، وهو ينادي بحريَّةِ أمَّتهِ، وخلوصِ شعبهِ من القهرِ والكبتِ والاستبدادِ والظلمِ، وهو مُصِرٌّ صامدٌ مواصلٌ مستميتٌ، حتى نال مجدهُ الدنيويَّ. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ .
وأشجعُ مني كُلّ يومٍ سلامتي ... وما ثبتتْ إلا وفي نفسِها أَمْرُ
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ .
стр. 177
لا تحزن إذا عرفت الإسلام
ما أشقى النفوس التي لا تعرفُ الإسلام، ولم تهتدِ إليه، إنَّ الإسلام يحتاجُ إلى دعايةٍ منْ أصحابهِ وحَمَلتِهِ، وإعلان عالميٍّ هائل، لأنهُ نبأ عظيمٌ، والدعايةُ له يجبُ أن تكون راقيةً مهذبةً جذابةً، لأنَّ سعادة البشريةِ لا تكونُ إلا في هذا الدينِ الحقِّ الخالدِ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
سكن داعيةٌ مسلمٌ شهيرٌ مدينة ميونخ الألمانية، وعند مدخلِ المدينةِ تُوجدُ لوحةٌ إعلانيةٌ كبرى مكتوبٌ عليها بالألمانيةِ: «أنت لا تعرفُ كفراتِ يوكوهاما» . فنصب هذا الداعيةُ لوحةً كبرى بجانب هذه اللوحةِ كتب عليها: «أنت لا تعرفُ الإسلام، إنْ أردت معرفتهُ، فاتصل بنا على هاتفِ كذا وكذا» . وانهالتْ عليه الاتصالاتْ من الألمانِ منْ كلِّ حَدَبٍ وصوب، حتى أسلم على يدهِ في سنةِ واحدة قرابة مائة ألفِ ألمانيٍّ ما بين رجلٍ وامرأةٍ وأقام مسجداً ومركزاً إسلامياً، وداراً للتعليمِ.
إن البشرية حائرٌ بحاجةٍ ماسَّةِ إلى هذا الدينِ العظيمِ، ليردَّ إليها أمنها وسكينتها وطمأنينتها، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
يقول أحدُ العُبَّادِ الكبارِ: ما ظننتُ أنَّ في العالمِ أحداً يعبدُ غير الله.
لكنْ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ، ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 178
وقد أخبرني أحدُ العلماءِ أن سودانيّاً مسلماً قدم من البادية إلى العاصمةِ الخرطومِ في أثناءِ الاستعمارِ الإنكليزيِّ، فرأى رجل مرورٍ بريطانيّاً في وسطِ المدينةِ، فسأل هذا المسلمُ: منْ هذا؟ قالوا: كافرٌ. قال: كافرٌ بماذا؟ قالوا: باللهِ. قال: وهلْ أحدٌ يكفرُ بالله؟! فأمسك على بطنِهِ ثمَّ تقيَّأ ممَّا سمع ورأى، ثم عاد إلى الباديةِ. ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .!
يقولُ الأصمعيُّ: سمع أعرابيٌّ يقرأُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ ، قال الأعرابيَّ: سبحان اللهِ، ومن أحوج العظيم حتى يقسم؟!
إنه حسنُ الظنِّ والتطلُّعُ إلى كرمِ المولى وإحسانِه ولطفه ورحمته.
وقد صحَّ في الحديثِ أنَّ الرسول ﷺ قال: ((يضحك ربُّنا)) . فقال أعرابيٌّ: لانعدامُ منْ ربٍّ يضحكُ خيراً.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ ، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ .
منْ يقرأُ كتب سيرِ الناسِ وتراجم الرجالِ يستفيدُ منها مسائل مطَّرِدةً ثابتةً منها:
١. أنَّ قيمة الإنسانِ ما يُحسنُ، وهي كلمةٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ، ومعناها: أنَّ علم الإنسانِ أو أدبهُ أو عبادتهُ أو كرمهُ أو خلقهُ هي في الحقيقةِ قيمتُهُ، وليستْ صورتُه أو هندامُهُ ومنصبُهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾ . ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ .
стр. 179
٢. بقدرِ همَّةِ الإنسانِ واهتمامِهِ وبذلِهِ وتضحيِتَه تكونُ مكانُتُه، ولا يعطى لهُ المجْدُ جُزافاً.
لا تحسبِ المجد تمراً أنت آكلُهُ..
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ . ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ .
٣. أنَّ الإنسان هو الذي يصنعُ تاريخه بنفسِهِ بإذنِ الله، وهو الذي يكتبُ سيرتهُ بأفعالِهِ الجميلةِ أو القبيحةِ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ .
٤. وإنَّ عمر العبدِ قصيرٌ ينصرمُ سريعاً، ويذهبُ عاجلاً، فلا يقصره بالذنوبِ والهمومِ والغمومِ والأحزانِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ . ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ﴾ .
كفى حزناً أنَّ الحياة مريرةٌ ... ولا عملٌ يرضى بهِ اللهُ صالحُ
- منْ أسبابِ السعادةِ:
١) العملُ الصالحُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ .
٢) الزوجةُ الصالحةُ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ .
٣) البيتُ الواسعُ: وفي الحديثِ: ((اللهمّ وسِّعْ لي في داري)) .
٤) الكسْبُ الطيبُ: وفي الحديثِ: ((إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً)) .
стр. 180
٥) حُسْنُ الخُلقُ والتودُّدُ للناسِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ .
٦) السلامةُ من الدَّيْنِ، ومن الإسرافِ في النفقةِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ . ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ .
- مقومات السعادةِ:
قلبٌ شاكرٌ، ولسانٌ ذاكرٌ، وجسمٌ صابرٌ.
وعليك بالشكر عن النعم والصبر عند النقم والاستغفار من الذنوب.
لوْ جمعتُ لك علْم العلماءِ، وحكمة الحكماءِ، وقصائد الشعراءِ عنِ السعادةِ، لما وجدتها حتى تعزم عزيمةً صادقة على تذوُّقِها وجَلْبِها، والبحثِ عنها وطرْدِ ما يضادُّها: «منْ أتاني يمشي أتيتهُ هرولةً» .
ومن سعادةِ العبدِ: كتمُ أسرارِهِ وتدبيرِه أمورهُ.
ذكروا أنّ أعربيّاً استُؤمن على سرٍّ مقابل عشرةِ دنانير، فضاق ذرعاً بالسرِّ، وذهب إلى صاحبِ الدنلنيرِ، وردَّها عليهِ مقابل أنْ يُفشي السرَّ، لأنَّ الكتمان يحتاجُ إلى ثباتٍ وصبرٍ وعزيمةٍ: ﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ ، لأنَّ نِقاط الضعفِ عند الإنسانِ كشفُ أوراقِهِ للناسِ، وإفشاءُ أسرارِه لهمْ، وهو مرضٌ قديمٌ، وداءٌ متأصِّلٌ في البشريةِ، والنفسُ مُولعةٌ بإفشاءِ الأسرارِ، ونقْلِ الأخبار. وعلاقةُ هذا بموضوعِ السعادةِ أنَّ منْ أفشى أسراره فالغالبُ عليه أن يندم ويحزن ويغْتمَّ.
следующие страницы →