Полный текст (532 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فإذا توسَّطتِ القُوَّتانِ بإشارة قوَّةِ العِلْمِ، دلَّ على طريقِ الهدايةِ. وكذلك الغضبُ: إذا زاد، سهُل عليهِ الضرْبُ والقتلُ، وإذا نقص، ذهبتِ الغيرةُ والحميَّةُ في الدينِ والدنيا، وإذا توسَّط، كان الصبرُ والشجاعةُ والحِكْمةُ. وكذلك الشهوةُ: إذا زادتْ، كان الفِسْقُ والفجورُ، وإنْ نقصتْ، كان العَجْزُ والفتورُ، وإن توسَّطتْ، كانتِ العفةُ والقناعةُ وأمثالُ ذلك. وفي الحديثِ ((عليكم هدْياً قاصِداً)) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾
المرءُ بصِفاتِهِ الغالِبة
منْ سعادتِك أنْ تغْلِب صفاتُ الخيرِ فيك صفاتِ الذَّمِّ، فيُساقُ إليك الثناءُ حتى على شيءٍ ليس فيك، ولم يقْبَلِ الناسُ فيك ذمّا ولو كان صحيحاً، لأنَّ الماء إذا بلغ قُلَّتين لم يحملِ الخبث. إنَّ الجبل لا يزيدُ فيه حجرٌ ولا ينقصهُ حَجَرٌ.
طالعتُ هجوماً مقذعاً في قيسِ بن عاصم حليمِ العربِ، وفي البرامكةِ الكرماء، وفي قُتيْبة بن مسلمٍ القائدِ الشهيرِ، ووجدت أنَّ هذا الشتْم والهجْو، لم يُحفظْ ولم يُنقلْ ولم يُصدِّقْه أحدٌ، لأنه سقط في بحرِ المحاسنِ فغرق، ووجدتُ على الضِّدِّ منْ ذلك مدْحاً وثناءً في الحجَّاج، وفي أبي مسلمٍ الخراساني، وفي الحاكم بأمر الله العُبيْدِي، ولكنَّه لم يُحفظْ ولم يُنقلْ ولم يُصدِّقه أحدٌ، لأنه ضاع في ركامِ زيفِهم وظلمِهم وتهوًّرِهم، فسبحان العادلِ بين خلْقِهِ.
стр. 387
هكذا خُلِقت
في الحديث: ((كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له)) . فلماذا تُعْسفُ المواهبُ ويُلْوى عنقُ الصِّفاتِ والقدراتِ لَيَّا؟! إن الله إذا أراد شيئاً هيَّأ أسبابه، وما هناك أتْعَسُ نفْساً وأنْكدُ خاطراً من الذي يريدُ أنْ يكون غَيْرَ نَفْسِه، والذكيُّ الأريبُ هو الذي يدرسُ نفسهُ، ويسدُّ الفراغ الذي وُضع له، إن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ، وإنْ كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ، هذا سيبويه شيخُ النَّحْوِ، تعلَّم الحديث فأعياهُ، وتبلَّد حسُّهُ فيع، فتعلَّم النحو، فَمَهَرَ فيه وأتى بالعَجَب العُجاب. يقولُ أحدُ الحكماءِ: الذي يريدُ عملاً ليس منْ شأنِهِ، كالذي يزرعُ النَّخْل في غوطةِ دمشق، ويزرعُ الأتْرُجَّ في الحجازِ.
حسانُ بنُ ثابتٍ لا يُجيدُ الأذان، لأنهُ ليس بلالاً، وخالدُ بنُ الوليد لا يقسمُ المواريث، لأنه ليس زيد بن ثابتٍ، وعلماءُ التربيةِ يقولون: حدِّدْ موقِعَكَ.
لابُدَّ للذَّكاء مِن زكاء
سمعتُ إذاعة لندن تُخبرُ عنْ محاولةِ اغتيالِ الكاتب نجيبِ محفوظٍ، الحائزِ على جائزةِ نوبل في الأدبِ، وعدتُ بذاكراتي إلى كتبٍ له كنتُ قرأتُها مْن قبْلُ، وعجبتُ لهذا الذَّكيِّ، كيف فاتهُ أنَّ الحقيقة أعظمُ من الخيالِ، وأنَّ الخلود أجلُّ من الفناءِ، وأن المبدأ الرَّبّانيَّ السَّماويَّ أسْمى من المبدأِ البشريِّ
стр. 388
﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ . بمعنى أنهُ كتب مسرحياتٍ منْ نسْج خيالِهِ، مُستخدمِاً قدراتِه القويَّة في التصويرِ والعرضِ والإثارةِ، والنهايةُ أنها أخبارٌ لا صحَّة لها.
لقد استفدتُ من قراءةِ حياتِه مسألةً كبرى، وهي أنَّ السعادة ليستْ سعاد الآخرين على حسابِ سعادتِك وراحتِك، فليس بصحيحٍ أن يُسرَّ بك الناسُ وأنت في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ، إنَّ بعض الكُتاَّابِ يمدحُ بعض المُبدعِين، ويصفُه بأنه يحترقُ ليُضيء للناس، والمنهجُ السَّويُّ الثابتُ هو الذي يجعلُ المبدع يُضيءُ في نفْسِه ويضيءُ للناسِ، ويعمرُ نفسه بالخيرِ والهدى والرُّشدِ، ليعمر قلوب الناسِ بذلك.
стр. 389
وبعد هذا، فماذا ينفعُ الإنسان لو حاز على مُلكِ كسرى وقلبُه بالباطلِ مكسورٌ، وحصل على سلطانِ قيصر وأملُه عن الخيْرِ مقصورُ؟! إنَّ الموهبةَ إذا لم تكنْ سبباً في النجاةِ، فما نفعُها وما ثمرتُها؟!
كُنْ جميلاً تَرَ الوجود جميلاً
إنَّ منْ تمامِ سعادتِنا أنْ نتمتَّع بمباهج الحياةِ في حدودِ منطقِ الشرعِ المقدّسِ، فاللهُ أنبت حدائق ذات بهجةٍ، لأنهُ جميلُ يحبُ الجمالَ، ولتقرأُآياِ الوحدانية في هذا الصُّنع البهيج ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ .
فالرائحةُ الزَّكيةُ والمطعمُ الشهيُّ والمنظرُ البهيُّ، تزيدُ الصَّدْرَ انشراحاً والرُّوح فرحاً ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ . وفي الحديث: ((حُبِّب إليَّ من دنياكمْ: الطَّيبُ، والنساءُ، وجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في الصلاةِ)) .
إنَّ الزهدَ القاتِم والورع المُظلِم، الذي دلف علينا منْ مناهج أرضيَّةٍ، قدْ شوَّه مباهج الحياةِ عند كثيرٍ مِنَّا، فعاشُوا حياتهم همَّا وغمَّا وجوعاً وسهراً وتبتُّلاً، بقولُ رسولُنا ﷺ : ((لكنَّي أصومُ وأُفطرُ، وأقومُ وأفترُ، وأتزوَّجُ النساء، وآكُلُ اللحم، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني)) .
стр. 390
وإنْ تعجبْ، فعجبٌ ما فعلهُ بعضُ الطوائفِ بأنفسهمْ! فهذا لا يأكلُ الرّطب، وذاك لا يضحكُ، وآخرُ لا يشربُ الماء البارد، وكأنهم ما علمُوا أنَّ هذا تعذيبٌ للنفسِ وطمْسٌ لإشراقها ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ .
إنَّ رسولنا ﷺ أكل العسل وهو أزْهدُ الناسِ في الدنيا، واللهُ خلق العسل ليُؤكل: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ . وتزوَّج الثَّيِّباتِ والأبكار: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ . ولبِس أجمل الثيابِ في مناسباتِ الأعيادِ وغيرِها: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . فهو ﷺ يجمعُ بين حقِّ الرُّوحِ وحقِّ الجسدِ، وسعادةِ الدنيا والآخرةِ، لأنه بُعث بدينِ الفطرةِ التي فطرَ اللهُ الناس عليها.
أبشِرْ بالفَرَج القريبِ
يقولُ بعضُ مؤلِّفي عصرنا: إنَّ الشدائد - مهما تعاظمتْ وامتدَّتْ. لا تدومُ على أصحابِها، ولا تخلَّدُ على مصابِها، بل إنها أقوى ما تكونُ اشتداداً وامتداداً واسوداداً، أقربُ ما تكونُ انقشاعاً وانفراجاً وانبلاجاً، عن يُسْرٍ وملاءةٍ، وفرجٍ وهناءةٍ، وحياةٍ رخيَّةٍ مشرقةٍ وضَّاءةٍ، فيأتي العونُ من اللهِ والإحسانُ عند ذروةِ الشِّدَّةِ والامتحانِ، وهكذا نهايةُ كلِّ ليلٍ غاسِق، فجرٌ صادِقٌ.
فما هي إلا ساعةٌ ثُمَّ تنْقضي ... ويَحْمَدُ غِبَّ السَّيْرِ منْ هو سائرُ
стр. 391
أنتَ أرْفَعُ مِنَ الأحقاد
أسعدُ الناس حالاً وأشرحُهم صدْراً، هو الذي يريدُ الآخرة، فلا يحسُدُ الناس على ما آتاهم اللهُ منْ فضْلِهِ، وإنما عنده رسالةٌ من الخيرِ ومُثُلٌ ساميةٌ من البِرِّ والإحسانِ، يريدُ إيصال نفْعِه إلى الناسِ، فإنْ لم يستطعْ، كفَّ عنهم أذاه. وانظرْ إلى ابنِ عباسٍ بحْرِ العلمِ وترْجُمانِ القرآنِ، كيف استطاع بخُلُقه الجمِّ وسخاوةِ نفسِه مساراتِه الشرعّةِ، أنْ يحوِّل أعداءهُ منْ بني أُميَّةَ وبني مروان ومنْ شايعهم إلى أصدقاء، فانتفع الناسُ بعلْمِه وفهْمه، فملأ المجامع فِقهاً وذكراً وتفسيراً وخيْراً. لقد نسي ابنُ عباسٍ أيام الجمَلِ وصِفِّين، وما قبلها وما بعدها، وانطلق يبني ويُصلحُ، ويرتُقُ الفتْقَ، ويسمحُ الجراح، فأحبَّهُ الجميعُ، وأصبح - بحقٍّ حبْرَ الأمةِ المحمديةِ. وهذا ابنُ الزبيرِ ﵁، وهو منْ هو في كرمِ أصلِهِ وشهامِته وعبادتِه وسموِّ قدرِه، فضَّل المُوجَهةَ مجتهداً في ذلك، فكان من النتائجِ أن شُغِلَ عن الرِّوايةِ، وخسِر جمْعاً كثيراً من المسلمين، ثمَّ حصلتِ الواقعةُ فضُرِبتِ الكعبةُ لأجل مُجاوَرَتِه في الحرمِ، وذُبِح كثيرُ من الناسِ، وقُتِل هو ثمَّ صُلِب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ . وليس هذا تنقُّصاً للقومِ، ولا تطاوُلاً على مكانتِهم، وإنما هي دراسةٌ تاريخيَّة تجمعُ العِبَرَ والعِظاتِ. إنَّ الرِّفق واللِّين والصَّفح والعفْو، صفاتٌ لا يجمعُها إلاَّ القِلَّةُ القليلةُ من البشرِ، لأنها تُكلِّفُ الإنسان هضْم نفْسِه، وكبْح طموحِه، وإلجام اندفاعِه وتطلّعِه.
стр. 392
وقفة
«قولهُ ﷺ : ((تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ، يعرفك في الشِّدَّة)) يعنى أنَّ العبد إذا اتَّقى الله وحفظ حدودهُ، وراعى حقوقهُ في حالِ رخائِه، فقد تعرَّف بذلك إلى اللهِ، وصار بينه وبين ربِّه معرفةٌ خاصَّةٌ، فمعرفهُ ربُّه في الشِّدَّةِ ورعى له تعرُّفهُ إليه في الرخاءِ، فنجَّاهُ من الشدائدِ بهذِه المعرفة، وهذه معرِفة خاصَّةٌ، تقتضي قُرب العبدِ من ربِّهْ ومحبَّته له وإجابتهُ لدعائِه» .
«الصبرُ إذا قام به العبد كما ينبغي، انقلبتْ المِحنةُ في حقِّه مِنْحةً، واستحالتِ البليَّة عطيَّة، وصار المكروهُ محبوباً، فإنَّ الله لم يبْتلِهِ عطيَّة، وصار المكروهُ محبوباً، فإنَّ الله تعالى على العبدِ عبوديَّةً في الضَّراءِ، كما له عبوديَّةٌ في السَّرَّاءِ، وله عبوديَّةٌ عليه فيما يحبُّونه، والشأنُ في إعطاءِ العبوديَّةِ في المكارِهِ، ففيه تفاوتُ مراتبِ العبادِ، وبحسبِه كانتْ منازلُهم عند اللهِ تعالى» .
العِلْمُ مِفتاحُ اليُسْرِ
العِلْمُ واليُسْرُ قرينان وأخوانِ شقيقانِ، ولك أنْ تنظر في بحورِ الشريعةِ من العلماءِ الراسخين، ما أيْسرَ حياتهُم، وما أسْهل التَّعامُل معهم! إنهم فهموا المقصد، ووقعُوا على المطلوب، وغاصُوا في الأعماقِ، بينما تجدُ مِنْ أعْسرِ الناسِ، وأصعبِهم مراساً، وأشقِّهم طريقةً الزُّهَّادُ الذين قلَّ نصيبُهم
стр. 393
من العِلْمِ، لأنهم سمعُوا جُملاً ما فهموها، ومسائل ما عَرَفُوها، وما كانتْ مصيبةُ الخوارج إلاَّ منْ قلَّةِ علْمِهِمْ وضحالةِ فهْمِهم؛ لأنهمْ لم يقعُوا على الحقائقِ، ولم يهتدُوا إلى المقاصدِ، فحافظُوا على النُّتفِ، وضيَّعُوا المطالب العالية، ووقعُوا في أمرٍ مريجٍ.
ما هكذا تُوردُ الإِبِل
طالعتُ كتابينِ شهيرينِ، لا أرى إلاَّ أنَّ فيهما سطوةً عارمةً على السعادةِ واليُسْرِ اللذيْنِ أتى بهما الشارعُ الحكيمُ.
فكتابُ «إحياء عِلوم الدينِ» للغزاليِّ، دعوةٌ صارخةٌ للتجويعِ والعُرْيش (والبهذلة) ، والآصالِ والأغلالِ التيِ أتى رسولُنا ﷺ لوضْعِها عنِ العالمين. فهو يجمعُ من الأحاديثِ، المتردِّية والنطِيحة وما أكل السَّبُعُ، وغالبُها ضعيفةٌ أو موضوعةٌ، ثم يبني عليها أُصُولاً يظنُّها منْ أعظمِ ما يُوصِّلُ العبدُ إلى ربِّه.
وقارنتُ بين إحياءِ علومِ الدين وبينِ الصحيحين للبخاري ومسلم، فبان البونُ وظهر الفرْقُ، فذاك عَنَتٌ ومشقَّةٌ وتكلُّفٌ، وهذه يُسْرُ وسماحةٌ وسهولةٌ، فأدركتُ قول البري: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ .
والكتابُ الثاني: «قُوتُ القلوبِ» لأبي طالب المكَّيَّ، وهو طلبٌ مُلِحٌّ منه لترْكِ الحياة الدنيا والانزواء عنها، وتعطيل السَّعْيِ والكسْبِ، وهجْرِ الطَّيَّباتِ، والتَّسابُقِ في طرقِ الضَنْكِ والضَّنى والشِّدَّة.
стр. 394
والمؤلِّفان: أبو حامدٍ الغزاليُّ، وأبو طالبٍ المكيُّ، أرادا الخَبْرَ، لكنْ كانت بضاعتُهما في السُّنّةِ والحديثِ مُزْجاةً، فمنْ هنا وقع الخَلَلُ، ولابُدَّ للدليل أن يكون ماهراً في الطريق خِرِّيتاً في معرفة المسالكِ ﴿وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ .
أشْرَحُ الناسِ صدراً
الصّفةُ البارزةُ في مُعَلِّمِ الخيرِ ﷺ : انشراحُ الصدرِ والرِّضا والتَّفاؤلُ، فهو مبشِّرٌ، ينهى عن المشقَّةِ والتنفير، ولا يعرفُ اليأس والإحباط، فالبسمةُ على مُحيَّاه، والرِّضا في خلدِه، واليُسْرُ في شريعتِه، والوسطيَّةُ في سُنَّتِه، والسعادةُ في مِلَّته. إنَّ جُلَّ مهمَّتِهِ أن يضع عنهم إصْرهم والأغلال التي كانتْ عليهم.
رويداً.. رويداً
إنّ من إضفاء السعادة على المُخاطبين بكلمة الوعي، التَّدرُّجُ في المسائلِ، الأهمُّ، يصدِّقُ هذا وصيتُه ﷺ لمعاذٍ ﵁ لمَّا أرْسَلَه إلى اليمنِ: ((فليكُنْ أوَّل ما تدعوهمْ إليه، أنْ لا إله إلا الله وأني رسولُ اللهِ.....)) الحديث. إذن في المسألة أولٌ وثانٍ وثالثٌ، فلماذا نُقحمُ المسائل على المسائل إقحاماً، ولماذا نطرحُها جملةً واحدةً؟! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ .
стр. 395
إنَّ من سعادةِ المسلمين بإسلامِهم أنْ يشعُروا بالارتياح منْ تعاليمِه وباليُسر في تلقِّي أوامره ونواهيه؛ لأنه أتى أصلاً لإنقاذهم من الاضطرابِ النفسيِّ والتَّشرُّردِ الذِّهنيِّ والتَّفلُّتِ الاجتماعي.
«التكليفُ لم يأتِ في الشرعِ إلا منفيّاً ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، لأنَّ التكليف مشقَّةٌ، والدينُ لم يأتِ بالمشقَّةِ، وإنما أتي لإزالتِها» .
إنَّ الصحابيَّ كان يطلبُ من الرسولِ ﷺ وصيتهُ، فيُخبرُه بحديثٍ مختَصَرٍ الحاضرُ والبادي، فإذا الواقعيةُ ومراعاةُ الحالِ واليُسْرُ هي السمةُ البارزةُ في تلك النصائحِ الغاليةِ.
إننا نخطئُ يوم نسْرُدُ على المستمعين كلَّ ما في جعْبتِنا منْ وصايا ونصائح، وتعاليم وسُننٍ وآداب، في مقامٍ واحدٍ ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ .
أوْرَدَها سعْدٌ وسعدٌ مُشْتمِلْ ... ما هكذا تُوردُ يا سعْدُ الإبِلْ
كيف تشكُرُ على الكثيرِ
وقد قصَّرت في شُكْرِ القليلِ
إنَّ منْ لا يحمدُ الله على الماءِ الباردِ العذْبِ الزُّلالِ، لا يحمدُه على القصورِ الفخمةِ، والمراكبِ الفارِهةِ، والبساتينِ الغنَّاءِ.
وإنّ منْ لا يشكُرُ الله على الخبزِ الدافئِ، لا يشكرهُ على الموائدِ الشَّهيَّةِ والوجباتِ اللَّذيذةِ، لأنَّ الكنُود الجحُود يرى القليل والكثير سواءً، وكثيرٌ منْ
стр. 396
هؤلاء أعطى ربَّه المواثيق الصارمة، على أنه متى أنعم عليه وحباهُ وأغدق عليه فسوف يشكُرُ ويُنفقُ ويتصدَّقُ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .
ونحنُ نلاحظُ كلَّ يومٍ منْ هذا الصِّفِ بشراً كثيراً، كاسف البالِ مكدَّر الخاطرِ، خاوي الضميرِ، ناقماً على ربِّه أنه ما أجْزل له العطيَّة، ولا أتحفهُ برزقٍ واسعٍ بينما هو يرفُلُ في صحَّةٍ وعافيةٍ وكفافٍ، ولم يشكُرْ وهو في فراغٍ وفسحةٍ، فكيف لو شُغِل مثل هذا الجاحدُ بالكنوزِ والدُّورِ والقصورِ؟! إذنْ كان أكْثرَ شُرُداً من ربِّه، وعقوقاً لمولاهُ وسيِّدهِ.
الحافي منّا يقول: سوف أشكرُ ربِّي إذا مَنحَني حذاءً. وصاحبُ الحذاءِ يؤجِّل الشُّكْر حتى يحصُل على سيَّارةٍ فارهةٍ نأخُذ النعيمِ نقْداً، ونُعطي الشُّكْر نسيئةًُ، رغباتُنا على اللهِ ملحَّةٌ، وأوامرُ اللهِ عندنا بطيئةُ الامتثالِ.
ثلاثُ لوحاتٍ
بعضُ الأذكياء علَّق على مكتبِهِ ثلاث لوحاتٍ ثمينةٍ:
مكتوبٌ على الأولى: يوْمُك يومُك. أي عِشْ في حدودِ اليوم.
وعلى الثانيةِ: فكِّرْ واشكرْ. أي فكِّرْ في نِعَمِ اللهِ عليك، واشكُرْه عليها.
وعلى الثالثةِ: لا تغضبْ.
إنها ثلاثُ وصايا تدلُّك على السعادةِ منْ أقْربِ الطرقِ، ومن أيْسرِ السُّبُلِ، ولك أن تكتبها في مُفكِّرتِك لتطالِعها كلَّ يومٍ.
стр. 397
وقفة
«منْ لطائفِ أسرارِ اقترانِ الفرج بالكرْب، واليُسْرِ، أنَّ الكرب إذا اشتدَّ وعظُم وتناهى، وحصل للعبد اليأسُ من كشْفِه من جهةِ المخلوقين تعلَّق باللهِ وحده، وهذا هو حقيقةُ التَّوكُّلِ على اللهِ.
وأيضاً فإنَّ المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيِس منه كثْرةِ دعائِه وتضرُّعِه، ولم يظهر عليه أثرُ الإجابةِ، فرجع إلى نفسِه باللاَّئمةِ، وقال لها: إنما أُتيتُ منْ قِبلِكِ، ولو كان فيك خيرٌ لأُجبْتُ. وهذا اللومُ أحبُّ إلى الله منْ كثيرٍ من الطاعاتِ، فإنه يُوجبُ انكسار العبدِ لمولاهُ، واعترافُه له بأنه أهلٌ لما نزل من البلاءِ، وأنه ليس أهلاً لإجابةِ الدعاءِ، فلذلك تُسرعُ إليه حينئذٍ إجابةُ الدعاءِ وتفريجُ الكرْبِ» .
ويقولُ إبراهيمُ بنُ أدهم الزاهدُ. «نحن في عيشٍ لو علم به الملوكُ، لجالدُونا عليه بالسيوفِ» .
ويقولُ ابنُ تيمية شيخُ الإسلامِ: «إنها لَتَمُرُّ بقلبي ساعاتٌ أقولُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مِثْلِ ما أنا فيه، فهم في عيشٍ طيِّبٍ» .
اطمئِنُّوا أيُّها الناسُ
في كتاب «الفَرَجِ بعد الشِّدَّةِ» أكْثر منْ ثلاثين كتاباً، كلُّها تُخبرُنا أنَّ في ذروة المُدلهِمات انفراجاً، وفي قمَّةِ الأزماتِ انبِلاجاً، وأنَّ أكثر ما تكون مكبوتاً حزيناً غارقاً في النكْبةِ، أقْرَبُ ما تكونُ إلى الفتْحِ والسُّهُولةِ والخروجِ
стр. 398
منْ هذا الضَّنْكِ، وساق لنا التَّنوخيُّ في كتابِه الطويل الشائقِ، أكثَرَ منْ مائتي قصَّةٍ لمن نُكبُوا، أو حُبسُوا أو عُزلُوا، أو شُرِّدُوا وطُردُوا، أو عُذِّبُوا وجُلدُوا، أو افتقرُوا وأملقوا، فما هي إلا أيام، فإذا طلائع الإمداد وكتائب الإسعاد وافتْهم على حين يأس، وباشرتْهم على حين غفلةٍ، ساقها لهم السميع المجيب. إنَّ التنوخيَّ يقولُ للمصابين والمنكوبين: اطمئنُّوا، فلقد سبقكُم فوقٌ في هذا الطَّريقِ وتقدَّمكم أُناسٌ:
صحِب الناسُ قبْلنا ذا الزَّمانا ... وعناهُم مِنْ شأنِهِ ما عنانا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنِيع ليـ ... ـالِيه ولكنْ تُكدِّرُ الإحْسانا
إذنْ فهذه سُنَّةٌ ماضية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . إنها قضيَّةٌ عادلةٌ أنْ يُمحِّص اللهُ عباده، وأنُ يتعَّبدهم بالشّدَّةِ كما تعبَّدهُمْ بالرخاءِ، وأنْ يُغايِر عليهم الأطوار كما غاير عليهم الليل والنهار، فلِم إذن التَّسخُّطُ والاعتراضُ والتَّذمُّرُ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ .
صنائعُ المعروفِ تقي مصارع السُّوءِ
منْ أجملِ الكلماتِ، قولُ أبي بكرٍ الصِّديق ﵁: صنائع المعروف تقي مصارع السوءِ. وهذا كلامٌ يُصدِّقه النَّقلُ والعقلُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . تقولُ خديجةُ
стр. 399
للرسول ﷺ : ((كلا واللهِ لا يُخزيك اللهُ أبداً لتصِلُ الرَّحِم، وتحمِلُ الكلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتُعينُ على نوائِبِ الدَّهْرِ)) . فانظُرْ كيف استدلَّتْ بمحاسنِ الأفعالِ على حُسْنِ العواقبِ، وكَرَمِ البدايةِ على جلالِة النهايةِ.
وفي كتاب «الوزراء» للصابي، و «المنتظم» لابنِ الجوزي، و «الفَرَجِ بعد الشِّدَّةِ» للتنوخي قصَّةٌ، مفادُها: أن ابن الفراتِ الوزير، كان يتتبَّعُ أبا جعفرٍ بن بسطامٍ بالأذِيَّة، ويقصدُه بالمكاره، فلقي منه في ذلك شدائد كثيرةً، وكانت أُمّ أبي جعفر قد عوَّدته - منذُ كان طفلاً - أنْ تجعل له في كلِّ ليلةٍ، تحت مخدَّته التي ينامُ عليها رغيفاً من الخبزِ، فإذا كان في غدٍ، تصدَّقتْ به عنه. فلمَّا كان بعد مُدَّة من أذيَّةِ ابنِ الفراتِ له، دخل إلى ابن الفراتِ في شيءٍ احتاج إلى ذلك فيه، فقال له ابنُ الفراتِ: لك مع أُمِّك خُبْزٌ في رغيف؟ قال: لا. فقال: لابُدَّ أن تصدُقني. فذكر أبو جعفر الحديث، فحدَّثه به على سبيل التَّطايُبِ بذلك منْ أفعالِ النساءِ. فقال ابنُ الفراتِ: لا تفعلْ، فإنّي بتُّ البارحة، وأنا أُدبِّرُ عليك تدبيراً لو تمَّ لاستأصلْتُك، فنمتُ، فرأيتُ في منامي كأنَّ بيدي سيفاً مسلولاً، وقد قصدتُك لأقتلك به، فاعترضتْني أُمُّك بيدِها رغيفٌ تُترِّسُك به منّي، فما وصلتُ إليك، وانتبهتُ. فعاتبه أبو جعفر على ما كان بينهما، وجعل ذلك طريقاً إلى استصلاحِه، وبذل لهُ منْ نفْسِه ما يريدُه منْ حُسْنِ الطاعةِ، ولم يبرحْ حتى أرضاهُ، وصارا صديقيْن. وقال له ابنُ الفراتِ: واللهِ، لا رأيت منِّي بعدها سُوءاً أبداً.
стр. 400
استجمامٌ يُعين علىُ مُواصلةِ السَّيْرِ
من المعلومِ أنَّ في الشريعةِ سَعَةً وفُسحةً، تُعينُ العبد على الاستمرار في عبادتِه وعطائِه وعملِه الصالحِ، فرسولُنا ﷺ كان يضحكُ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ، وكان يمزحُ ولا يقولُ إلا حقّاً، وسابق عائشة ﵂، وكان يتخوَّلُ الصحابة بالموعظةِ، كراهِية السَّآمِة عليهم، وكان ينهى عن التَّعمُّق والتَّكلُّفِ والتشديدِ، ويُخبرُ أنه لن يُشادّ الدِّين أحدٌ، إلا غَلَبَهُ، وفي الحديثِ أنَّ الدين متينٌ، فأوغِلُوا فيه برفْقٍ. وفي الحديثِ أيضاً أنَّ لكل عابد شِرَّةً، وهي الشّدَّةُ والضَّراوةُ والاندِفاعُ. ولا يلبثُ المتكلِّفُ إلا أنْ ينقطع، لأنه نظر إلى الحالةِ الراهنةِ ونسي الطوارئ وطُول المُدَّة وملالة النَّفْس، وإلاَّ فالعاقلُ له حدٌّ أدنى في العملِ يُداومُ عليه، فإنْ نشط زاد، وإنْ ضعف بقي على أصلِه، وهذا معنى الأثر منْ كلامِ بعضِ الصحابة: إنَّ للنفوسِ إقبالاً وإدباراً، فاغتنموها عند إقبالها، وذرُوها عند إدبارِها.
وما رأيتُ نفراً زادُوا في الكْيلِ، وأكثَرُوا من النوافل، وحاولوا أنْ يُغالوا، فانقطعُوا وعادُوا أضْعفَ ممَّا كانوا قبْلَ البدايةِ.
والدِّينُ أصلاً جاء للإسعاد ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ . وقد لام اللهُ قوماً كلَّفُوا أنفُسهم فوق الطَّاقةِ، ثم انسحبوا منْ أرضِ الواقع ناكثِين ما ألزمُوا أنفسهم به ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ .
وميزةُ الإسلامِ على سائر الأديانُ أنه دينُ فطرةٍ، وأنه وَسَطٌ، وأنه للرُّوحِ والجسمِ، والدنيا والآخرةِ، وأنه ميسرٌ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ .
стр. 401
عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول اللهِ، أيُّ الناس خيْرٌ؟ قال: ((مؤمِنٌ مجاهِدٌ بنفسِه ومالِه في سبيلِ اللهِ، ثم رجُلٌ معتزلٌ في شِعْبٍ من الشِّعابِ يعبُد ربَّه)) . وفي روايةٍ: ((يتَّقي الله ويدع الناس من شرِّه)) ، وعنْ أبي سعيدٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقولُ: ((يُوشكُ أنْ يكون خير مالِ المسلم غنمٌ يتبعُ بها شعْفَ الجبالِ ومواقع القطْرِ، يفرُّ بدينِه من الفِتنِ)) . رواه البخاريُّ.
قال عمرُ: «خُذُوا حظَّكم من العُزلةِ» . وما أحْسنَ قول الجنيدِ: «مُكابدَةُ العزلةِ أيسرُ مْن مداراةِ الخلطةِ» . وقال الخطَّابيُّ: لو لم يكُنْ في العزلةِ إلا السلامةُ من الغيبةِ، ومنْ رؤيةِ المنكرِ الذي لا يقدرُ على إزالتهِ، لكان ذلك خيراً كثيراً.
وفي هذا معنى ما أخرجهُ الحاكمُ، منْ حديث أبي ذرٍّ مرفوعاً، بلفظ: ((الوحدُة خيرٌ من جلِيسِ السُّوء)) . وسنده حَسَنٌ.
وذَكَر الخطَّابيُّ في «كتاب العزلة» أنَّ العزلة والاختلاط يختلفُ باختلافِ متعلقاتهما، فتُحمل الأدلَّةُ الوارِدةُ في الحضِّ على الاجتماعِ، على ما يتعلَّقُ بطاعةِ الأئمةِ وأمورِ الدينِ، وعكسُها في عكسِهِ، وأما الاجتماعُ والافتراقُ بالأبدانِ، فمنْ عَرَفَ الاكتفاء بنفسِه في حقِّ معاشِهِ ومحافظةِ دينهِ، فالأوْلى لهُ الانكفافُ منْ مخالطةِ الناسِ، بشرْطِ أنْ يُحافظَ على الجماعِة، والسَّلامِ والرَّدِّ، وحقوقِ المسلمين من العيادةِ وشهودِ الجنازةِ، ونحْوِ ذلك. والمطلوبُ إنما هو ترْكُ فضولِ الصُّحبةِ، لما في ذلك منْ شغِلِ البالِ
стр. 402
وتضييعِ الوقتِ عن المُهمَّاتِ، ويجعلُ الاجتماع بمنزلةِ الاحتياجِ إلى الغداءِ والعشاءِ، فيقتصرُ منه على ما لابدَّ له منه، فهو أرْوَحُ للبَدَنِ والقلبِ. واللهُ أعلمُ.
وقال القُشيريُّ في «الرسالة» : طريقُ من آثرَ العُزلةَ، أن يعتقد سلامة الناسِ منْ شرِّه، لا العكسُ، فإنَّ الأول: يُنتجهُ استصغارُه نفْسه، وهي صفةُ المتواضعِ، والثاني: شهودُه مزيةً له على غيرِه، وهذه صفةُ المتكبِّرِ.
والناسُ في مسألةِ العُزلةِ والخلطةِ طرفانِ ووسطٌ.
فالطرف الأوَّلُ: من اعتزل الناس حتى عن الجُمعِ والجماعاتِ والأعيادِ ومجامع الخيْرِ، وهؤلاءِ أخطؤُوا.
والطرف الثاني: منْ خالط الناس حتى في مجالسِ اللَّهوِ واللَّغوِ والقيلِ والقالِ وتضييعِ الزَّمانِ، وهؤلاء أخطؤُوا.
والوسط: منْ خالط الناس في العباداتِ التي لا تقوُم إلا باجتماعٍ، وشاركهم في ما فيه تعاونٌ على البِرِّ والتقوى وأجرٌ ومثوبةُ، واعتزال مناسباتِ الصَّدِّ والإعراضِ عن اللهِ وفضولِ المباحاتِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ .
стр. 403
وقفة
عن عُباد بنِ الصامتِ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((عليكمْ بالجهاد في سبيلِ اللهِ، فإنه بابٌ من أبوابِ الجنةِ، يُذهِبُ اللهُ به الغمَّ والهمَّ)) .
«وأمَّا تأثيرُ الجهاد في دفْع الهمِّ والغمِّ، فأمرٌ معلومٌ بالوجدان، فإنَّ النَّفْس متى تركتْ صائل الباطلِ وصولتهُ واستيلاءهُ، اشتدَّ همُّها وغمُّها، وكربُها وخوفُها، فإذا جاهدتْه للهِ، أبدل اللهُ ذلك الهمَّ والحُزْن فرحاً ونشاطاً وقوةً، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ . فلا شيء أذْهبُ لجَوَى القلبِ وغمِّه وحزنِه من الجهادِ، واللهُ المستعانُ» .
قال الشاعرُ:
وإني لأُغضي مقلتيَّ على القذى ... وألْبَسُ ثوب الصبرِ أبيض أبْلجا
وإني لأدعو الله والأمرُ ضيِّقٌ ... عليَّ فما ينفكُّ أن يَتَفَرَّجَا
وكم من فتى سُدَّتْ عليه وجوهُهُ ... أصاب لها في دعوةِ اللهِ مَخْرَجا
مَسارِحُ النَّظر في الملكوت
منْ طُرُقِ الارتياحِ وبسْطِة الخاطرِ، التَّطلُّعُ إلى آثارِ القُدرةِ في بديعِ السماواتِ والأرضِ، فتستلذّ بالبهجة العامرةِ في خلقِ الباري - جلَّ في عُلاهُ - في الزهرة، في الشجرةِ، في الجدولِ، في الخميلةِ، في التلِّ والجبل، في
стр. 404
الأرضِ والسماءِ، في الليلِ والنهارِ، في الشمسِ والقمرِ، فتجدُ المتعة والأُنس، وتزدادُ إيماناً وتسليماً وانقياداً لهذا الخالقِ العظيمِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ .
يقول أحدُ الفلاسفةِ ممنْ أسلموا: كنتُ إذا شككْتُ في القُدرةِ، نظرتُ إلى كتابِ الكونِ، لأُطالع فيه أحْرُفَ الإعجازِ والإبداعِ، فأزدادُ إيماناً.
خُطوات مدروسة
يقولُ الشوكانيُّ: أوصاني بعضُ العلماءِ فقال: لا تنقطعِ عن التأليف ولو أنْ تكتُب في اليومِ سطرين. قال: فأخذتُ بوصيَّتِه، فوجدتُ ثمرتها.
وهذا معنى الحديث: ((خيرُ العملِ ما داوم عليه صاحبُه وإنْ قلَّ)) وقال: القطرةُ مع القطرةِ تجتمعُ سيلاً عظيماً.
أما تَرَى الحبلَ بطُولِ المدى ... على صليبِ الصَّخْر قدْ أثَّرا
وإنما يأتينا الاضطرابُ منْ أننا نريدُ أن نفعل كلَّ شيءٍ مرَّةً واحدةً، فنَمَلُّ ونتعبُ ونترُكُ العمل، ولو أننا أخذْنا عَمَلنا شيئاً فشيئاً، ووزَّعْناه على مراحل، لقطعْنا المراحل في هدوءٍ، واعتبِرْ بالصلاةِ، فإنَّ الشَّرْع جَعَلَها في خمسةِ أوقاتٍ متفرِّقةٍ، ليكون العبدُ في استجمامٍ وراحةٍ، ويأتي لها بالأشواق، ولو جُمعتْ في وقتٍ، لملَّ العبد، وفي الحديثِ: ((إن المُنْبتَّ لا ظهْراً أبْقى ولا أرضاً قطع)) . ووُجِد بالتَّربةِ، أنَّ منْ يأخذُ العَمَلَ على فتراتٍ،
стр. 405
يُنجزُ ما لم يُنجزْهُ منْ أخذهُ دفعةً واحدةً، مع بقاءِ جذوةِ الرُّوحِ وتوقُّدِ العاطفةِ.
ومما استفدتُه عنْ بعض العلماءِ، أنَّ الصلوات ترتِّبُ الأوقاتِ، أخذاً منْ قولِ الباري: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ . فلو أنَّ العبد وزَّع أعمالهُ الدينية والدُّنيوية بعد كلِّ صلاةٍ، لوجد سعةً في الوقت، وفسحةً في الزمنِ.
وأنا أضربُ لك مَثَلاَ: فلو أن طالب العِلْم، جعل ما بعد الفجرِ للحفْظِ في أيّ فنٍّ شاء، وجعل بعد الظُّهر للقراءةِ السهْلةِ في المجامع العامَّة، وجعل بعد العصر للبحثِ العلميِّ الدقيقِ، وما بعد المغربِ للزِّيارةِ والأُنسِ، وما بعد العشاءِ لقراءة الكُتُبِ العصريَّةِ والبحوثِ والدوريَّاتِ والجلوس مع الأهل، لكان هذا حسناً، والعاقِل له مِنْ بصيرتِه مَدَدٌ ونورٌ. ﴿إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ .
بلا فوضويَّة
مما يُكدِّرُ ويُشتِّتُ الذِّهن، الفوضويَّةُ الفكريَّةُ التي يعيشُها بعضُ الناسِ، فهو لم يحدِّد قُدراتِه، ولم يقصدْ إلى ما يجمعُ شمل فكْرهِ ونظرِه؛ لأن المعرفة شعوبٌ ودروبٌ، ولابُدَّ منْ تحديدِ آيتِها ومعرفةِ مسالكها، ويُجمعُ رأْيه على مشربٍ معروفٍ، لأنّ التَّفرد مطلوبٌ.
стр. 406
وكذلك ممَّا يشتِّتُ الذهن، ويُورِث الغمَّ، الدَّيْنُ والتبِعاتُ الماليةُ والتكاليفُ المعيشيَّةُ. وهناك أصولٌ في هذه المسألةِ أريدُ ذِكرها:
أولها: ما غال منِ اقتصدُ: ومنْ أحْسَنَ الإنفاق، وحفِظ مالهُ إلاَّ للحاجة، واجتنب التبذير والإسراف، وَجَدَ العون من اللهِ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ .
الثاني: كسْب المال من الوجوهِ المُباحةِ، وهجْرُ كلِّ كسبٍ محرَّمٍ، فإنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً، واللهُ لا يُباركُ في المكسبِ الخبيثِ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ .
الثالث: السَّعْيُ في طلبِ المالِ الحلالِ، وجمْعُه منْ حلِّه، وتركُ العطالةِ والبطالةِ، واجتنابِ إزجاءِ الأوقاتِ في التفاهاتِ، فهذا ابنُ عوف يقول: دُلُّوني على السوقِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
ثمنُك إيمانُك وخُلُقُك
مرَّ هذا الرجلُ الفقيرُ المعدومُ، وعليهِ أسمالٌ باليةٌ وثيابٌ رثَّة، جائع البطْن، حافي القدمِ، مغمور النَّسبِ، لا جاهٌ ولا مالٌ ولا عشيرةٌ، ليس له بيتٌ يأوي إليهِ، ولا أثاث ولا متاع، يشربُ من الحياضِ العامَّةِ بكفَّيْه مع الواردين، وينامُ في المسجدِ، مخدَّتُه ذراعُه، وفراشُه البطحاءُ، لكنَّه صاحبُ ذِكرٍ لربِّه وتلاوةٍ لكتابِ مولاهُ لا يغيبُ عنِ الصَّفِّ الأولِ في الصلاةِ والقتالِ، مرَّ ذات
стр. 407
يومٍ برسولِ اللهِ ﷺ فناداهُ باسمِهِ وصاح به: ((يا جُليْبيبُ ألا تتزوَّجُ؟)) . قال: يا رسول اللهِ، ومنْ يُزوِّجُني؟ ولا مالٌ ولا جاهٌ؟ ثمَّ مرَّ به أخرى، فقال له مثْل قولهِ الأولِ، وأجاب بنفسِ الجواب، ومرَّ ثالثةً، فأعاد عليه السؤال وأعاد هو الجواب، فقال ﷺ : ((يا جليبيبُ، انطلِقْ إلى بيتِ فلانٍ الأنصاريِّ وقُلْ له: رسولُ اللهِ ﷺ يقرئُك السلام، ويطلبُ منك أن تُزوِّجني بِنْتك)) .
وهذا الأنصاريَّ منْ بيتٍ شريفٍ وأسرةٍ موقرةٍ، فانطلق جليبيبٌ إلى هذا الأنصاريِّ وطرق عليه الباب وأخبره بما أمره به رسولُ اللهِ ﷺ فقال الأنصاريُّ: على رسول الله ﷺ السلامُ، وكيف أُزوِّجك بنتي يا جليبيبُ ولا مالٌ ولا جاهٌ؟ وتسمعُ زوجتُه الخَبَرَ فتعجبُ وتتساءلُ: جليبيبٌ! لا مالٌ ولا جاهٌ؟ فتسمُع البنتُ المؤمنةُ كلام جليبيبٍ ورسالة الرسولِ ﷺ فتقول لأبويها: أترُدَّانِ طلب رسولِ اللهِ ﷺ ، لا والذي نفسي بيدِهِ.
وحصل الزواج المبارك والذُّرِّيَّةُ المباركةُ والبيتُ العامرُ، المؤسَّسُ على تقوى من اللهِ ورضوانٍ، ونادى منادي الجهادِ، وحضر جليبيبُ المعركة، وقتل بيده سبعةً من الكفارِ، ثم قُتل في سبيلِ اللهِ، وتوسد الثرى راضياً عنْ ربِّه وعنْ رسولِه ﷺ وعنْ مبدئِه الذي مات منْ أجلِهِ، ويتفقَّدُ الرسولُ ﷺ القتلى، فيُخبرُه الناسُ بأسمائِهم، وينسون جليبيباً في غمرةِ الحديث، لأنهُ ليس لامعاً ولا مشهوراً، ولكنّ الرسول ﷺ يذكُرُ جليبيباً ولا ينساهُ، ويحفظُ اسمه في الزحامِ ولا يُغفله، ويقولُ: ((لكنَّني أفقِدُ جليبيباً)) .
ويجده وقد تدثَّر بالتراب، فينفضُ التراب عن وجهه ويقولُ له: ((قَتَلْتَ سبعة ثم قُتِلْت؟ أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك)) . ويكفي هذا الوسام النبويُّ جليبيباً عطاءً ومكافأةً وجائزةً.
стр. 408
إنَّ ثمنَ جليبيبٍ، إيمانُه وحبُّ رسولِ اللهِ ﷺ له، ورسالتُه التي مات من أجلِها. إنَّ فقره وعدمَه وضآلةُ أسرتِه لم تُؤخِّرْه عنْ هذا الشرفِ العظيمِ والمكسب الضخمِ، لقدْ حاز الشهادة والرِّضا والقبُول والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
إنَّ قيمتك في معانيك الجليلةِ وصفاتِك النبيلةِ.
إنَّ سعادتك في معرفتِك للأشياءِ واهتماماتِك وسموِّك.
إنَّ الفقرَ والعوز والخمول، ما كان - يوماً من الأيامِ- عائقاً في طريق التَّفوُّقِ والوصولِ والاستعلاءِ. هنيئاً لمنْ عَرَفَ ثمنه فعلاً بنفسِه، وهنيئاً لمنْ أسعد نفسهُ بتوجيههِ وجهادِه ونُبِله، وهنيئاً لمنْ أحْسنَ مرَّتيْن، وسعد في الحياتينِ، وأفلح في الكرتيْنِ، الدُّنيا والآخرةِ.
يا سعادة هؤلاء
أبو بكرٍ ﵁: بآيةٍ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴿١٧﴾ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
عمرُ ﵁: بحديثِ: ((رأيتُ قصراً أبيض في الجنةِ، قلتُ: لمن هذا القصرُ؟ قيل لي: لعمر بنش الخطابِ)) .
وعثمانُ ﵁: بدعاءِ: ((اللهمَّ اغفْر لعثمان ما تقدَّم منْ ذنبِه وما تأخَّر)) .
стр. 409
وعليٌّ ﵁: ((رجُلٌ يحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ُ ورسولُه)) .
وسعدُ بنُ معاذٍ ﵁: ((اهتزَّ له عرشُ الرحمنِ)) .
وعبدُاللهِ بن عمْرٍو الأنصاريُّ ﵁: ((كلَّمه اللهُ كِفاحاً بلا ترْجُمان)) .
وحنْظَلَةُ ﵁: ((غسَّلتْهُ ملائكةُ الرحمنِ)) .
ويا شقاوة هؤلاء
فرعونُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ .
وقارونُ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ .
والوليدُ بنُ المغيرة: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ .
وأُميَّةُ بنُ خلف: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ .
وأبو لهبٍ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
والعاص بنُ وائلٍ: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ .
وقفة
«قلَّةُ التوفيقِ وفسادُ الرأي، وخفاءُ الحقِّ وفسادُ القلب، وخمولُ الذِّكْرِ، وإضاعةُ الوقتِ، ونَفْرَةُ الخلْق، والوحْشةُ بين العبدِ وبين ربِّه، ومنْعُ إجابةِ
стр. 410
الدعاءِ، وقسوةُ القلبِ، ومحْقُ البركةِ في الرِّزقِ والعُمرِ، وحرمانُ العلمِ، ولباسُ الذُّلِّ، وإهانةُ العدوِّ وضيقُ الصدرِ، والابتلاءُ بقرناءِ السوءِ الذين يُفسدون القلب ويُضيِّعون الوقت، وطولُ الهمِّ، وضنْكُ المعيشةِ، وكَسْفُ البالِ ... تتولَّد من المعصيةِ والغفلِة عن ذكرِ اللهِ، كما يتولَّد الزرعُ عن الماءِ، والإحراقُ عن النارِ. وأضدادُ هذه تتولَّدُ عن الطاعةِ» .
«أمَّا تأثيرُ الاستغفارِ في دفْع الهمِّ والغمِّ والضيقِ، فمِمَّا اشترك في العلْمِ به أهلُ المللِ وعقلاءُ كلِّ أمَّة، إنَّ المعاصي والفساد تُوجِب الهمَّ والغمَّ، والخوف والحزن، وضِيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إنّ أهلها ذا قضوا منها أوطارها، وسئمتْها نفوسُهم، ارتكبوها دفعاً لما يجدونهُ في صدورهِم من الضِّيقِ والهمِّ والغمِّ، كما قال شيخُ الفسوقِ:
وكأسٍ شرِبْتُ على لذَّةٍ ... وأُخرى تداويْتُ مِنْها بها
وإذا كان هذا تأثيرُ الذنوبِ والآثامِ في القلوبِ، فلا دواء لها إلا التوبةُ والاستغفارُ» .
رِقْقاً بالقوارير
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ .
وفي الحديثِ: ((استوصُوا بالنساءِ خيراً، فإنهنَّ عوانٍ عندكم)) .
وفي حديثِ آخر: ((خيرُكم خيركم لأهِلهِ، وأنا خيرُكم لأهلي)) .
стр. 411
البيتُ السعيدُ هو العامرُ بالأُلفةِ، القائمُ على الحبِّ المملوءُ تقوى ورضواناً: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
بَسْمةٌ في البدايةِ
من حُسنِ الطالع وجميلِ المقابلةِ تبسُّم الزوجةِ لزوجِها والزوجُ لزوجتِه، إن هذه البسمة إعلانٌ مبدئيٌّ للوفاقِ والمصالحةِ: ((وتبسُّمك في وجه أخيك صدقةٌ)) . وكان ﷺ ضحَّاكاً بسَّاماً.
وفي البدايةِ بالسلامِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ، وردُّ التحيةِ من أحدِهما للآخرِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ .
قال كُثيِّر:
حيَّتْك عزّةُ بالتسليمِ وانصرفتْ ... فحيِّها مثل ما حيَّتْك يا جملُ
ليت التحية كانتْ لي فأشكرها ... مكان يا جملاً حُيِّيت يا رجلُ
ومنها الدعاءُ عند دخول المنزلِ: ((اللهمَّ إني أسألُك خَيْرَ الموْلجِ وخير المخرجِ، باسم اللهِ ولجْنا، وباسمِ اللهِ خرجْنا، وعلى اللهِ ربِّنا توكَّلنا)) .
ومن أسبابِ سعادةِ البيتِ: لِينُ الخطابِ من الطرفين: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي
стр. 412
يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
وكلامُها السحرُ الحلالُ لو أنه ... لم يجنِ قتل المسلمِ المتحرِّزِ
إنْ طال لمْ يُمْلَلْ وإنْ هي أوجزتْ ... ودَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجزِ
يا ليت الرجل ويا ليت المرأة، كلٌّ منهما يسحبُ كلام الإساءةِ وجرْح المشاعرِ والاستفزازِ، يا ليت أنهما يذكرانِ الجانب الجميل المشرق في كلٍّ منهما، ويغضَّانِ الطرْف عن الجانبِ الضعيفِ البشريِّ في كليهما.
إن الرجل إذا عدَّد محاسن امرأتِه، وتجافى عن النقصِ، سعِد وارتاح، وفي الحديثِ: ((لا يفرُكُ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلُقاً رضي منها آخر)) .
ومعنى لا يفرك: لا يبغضِ ولا يكره.
من ذا الذي ما ساء قطْ ... ومنْ له الحسنى فقطْ
من الذي ما ما نبا سيفُ فضائلِه ولا كبا جوادُ محاسنِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ .
أكثرُ مشاكلِ البيوتِ من معاناةِ التوافهِ ومعايشةِ صغارِ المسائلِ، وقد عشتُ عشراتِ القضايا التي تنتهي بالفراقِ، سببُ إيقادِ جذوتها أمورٌ هينةٌ سهلة، أحدُ الأسبابِ أن البيت لم يكن مرتّباً، والطعام لمِ يقدَّم في وقتِه، وسببُه عند آخرين أن المرأة تريدُ من زوجها أن لا يُكثر من استقبالِ الضيوفِ، وخذْ من هذه القائمة التي تُورثُ اليتُم والمآسي في البيوتِ.
стр. 413
إن علينا جميعاً أن نعترف بواقِعنا وحالِنا وضعفِنا، ولا نعيشُ الخيال والمثالياتِ، التي لا تحصلُ إلا لأولي العزمِ من أفرادِ العالمِ.
نحن بشرٌ نغضبُ ونحتدُّ، ونضعفُ ونخطئُ، وما معنا إلا البحثُ عن الأمرِ النسبيِّ في الموافقة الزوجيةِ حتى بعد هذه السنواتِ القصيرةِ بسلامِ.
إن أريحية أحمد بنِ حنبل وحُسْن صحبته تقدّم في هذه الكلمة، إذ يقول بعد وفاة زوجتهِ أمِّ عبدِالله: لقد صاحبتُها أربعين سنةً ما اختلفتُ معها في كلمةٍ.
إن على الرجل أن يسكت إذا غضبتْ زوجتُه، وعليها أن تسكتُ هي إذا غضب، حتى تهدأ الثائرةُ، وتبرد المشاعرُ، وتسكن اضطراباتُ النفسِ.
قال ابنُ الجوزيِّ في «صيدِ الخاطرِ» : «متى رأيت صاحبك قد غَضِبَ وأخذ يتكلَّمُ بما لا يصلحُ، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقولُه خِنْصِرا (أي لا تعتدَّ به ولا تلتفتْ إليه) ، ولا أن تؤاخذه به، فإن حاله حالُ السكرانِ لا يدري ما يجري، بل اصبرْ ولو فترةً، ولا تعوِّلْ عليها، فإن الشيطان قد غلبه، والطبعُ قد هاج، والعقلُ قد استتر، ومتى أخذت في نفسِك عليه، أو أجبته بمقتضى فعْله، كنت كعاقل واجه مجنوناً، أو مفيقٍ عاتب مغمىً عليه، فالذنبُ لك، بل انظرْ إليه بعينِ الرحمةِ، وتلمَّحْ تصريف القدر له، وتفرَّجْ في لعبِ الطبعِ به.
واعلم أنه إذا انتبه ندِم على ما جرى، وعَرَفَ لك فضْل الصَّبْرِ، وأقلُّ الأقسامِ أن تُسْلِمه فيما يفعلُ في غضبِه إلى ما يستريحُ به.
стр. 414
وهذه الحالةُ ينبغي أن يتلمَّحها الولدُ عند غضب الوالدِ، والزوجةُ عند غضبِ الزوج، فتتركه يشفى بما يقولُ، ولا تعوِّلْ على ذلك، فسيعودُ نادماً معتذراً، ومتى قُوبل على حالته ومقالتِه صارتِ العداوةُ متمكِّنةً، وجازى في الإفاقةِ على ما فُعِل في حقِّه وقت السُّكْرِ.
وأكثرُ الناسِ على غيْرِ هذا الطريقِ، متى رأوا غضبان قابلُوه بما يقولُ ويعملُ، وهذا على غيْرُ مقتضى الحكمةِ، بل الحِكمةُ ما ذكرتُ، وما يعقلُها إلا العالمون» .
حبُّ الانتقامِ سُمُّ زُعاف في النفوسِ الهائجةِ
في كتاب «المصلوبون في التاريخ» قصصٌ وحكاياتٌ لبعضِ أهل البطشِ الذين أنزلوا بخصومهم أشدَّ العقوباتِ وأقسى المُثلات، ثم لما قتلوهم ما شفى لهم القتلُ غليلاً، ولا أبرد لهم عليلاً، حتى صلبوهُم على الخُشُب، والعَجَبُ أن المصلوب بعد قتلِهِ لا يتألَّم ولا يُحِسُّ ولا يتعذبُ، لأن روحه فارقتْ جسمه، ولكن الحيَّ القاتل يأنسُ ويرتاحُ، ويُسرُّ بزيادةِ التنكيلِ. إن هذه النفوس المتلمِّظة على خصومِها المضطرمةَ على أعدائِها لن تهدأ أبداً ولن تسعد، لأن نار الانتقامِ وبركان التشفِّي يدمِّرُهم قبل خصومِهِمْ.
وأعجبُ من هذا أن بعض خلفاءِ بني العباس فاته أن يقتل خصومه من بني أمية، لأنهم ماتُوا قبل أن يتولَّى، فأخرجهم من قبورهم وبعضُهم رميمٌ فجلدهم، ثم صلبهم، ثم أحرقهم. إنها ثورةُ الحقدِ العارمِ الذي يُنهي على المسرَّاتِ وعلى مباهجِ النفسِ واستقرارِها.
стр. 415
إن الضرر على المنتقمِ أعظمُ، لأنه فَقَدَ أعصابَه وراحته وهدوءهُ وطمأنينته.
لا يبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ ... ما يبلغُ الجاهلُ مِنْ نَفْسِهِ
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ .
وقفةٌ
«ليس للعبدِ إذا بُغِي عليه وأُوذي وتسلَّط عليه خصومُه، شيء أنفعُ له من التوبةِ النصوحِ، وعلامةُ سعادتِه أن يعكس فكره ونظره على نفسِه وذنوبِه وعيوبِه، فيشتغل بها وبإصلاحها، وبالتوبةِ منها، فلا يبقى فيه فراغٌ لتدبُّر ما نَزَل به، بل يتولَّى هو التوبة وإصلاح عيوبه، واللهُ يتولى نُصرته وحفظه والدفع عنه ولابدَّ، فما أسعدهُ من عبدٍ، وما أبركها من نازلةٍ نزلتْ به، وما أحسن أثرها عليه، ولكن التوفيق والرشد بيدِ اللهِ، لا مانعٍ لما أعطى ولا مُعطي لما منع، فما كلُّ أحدٍ يُوفَّق لهذا، لا معرفةً به، ولا إرادةً له، ولا قدرةً عليه، ولا حول ولا قوة إلا باللهِ» .
سبحان منْ يعفو ونهفو دائماً ... ولم يزلْ مهما هفا العبدُ عفا
يُعطي الذي يخطي ولا يمنعُه ... جلالُه عن العطا لذي الخطا
стр. 416
لا تذُبْ في شخصيةِ غيرك
تمرُّ بالإنسان ثلاثةُ أطوار: طوْرُ التقليد، وطورُ الاختيارِ، وطورُ الابتكارِ. فالتقليدُ: هو المحاكاةُ للآخرين وتقمُّصُ شخصياتِهم وانتحالُ صفاتِهم والذوبانُ فيهم، وسببُ هذا التقليدِ هو الإعجابُ والتعلُّقُ والميْلُ الشديدُ، وهذا التقليدُ الغالي ليحمل بعضهُم على التقليد في الحركاتِ واللحظاتِ، ونبْرةِ الصوتِ والالتفاتِ، ونحو ذلك، وهو وأْدٌ للشخصية وانتحارٌ معنويٌّ للذاتِ. ويا لمُعاناةِ هؤلاءِ من أنفسِهم، وهم يعكسون اتجاههُمْ، ويسيرون إلى الخلفِ!! فالواحدُ منهم ترك صوته لصوتِ الآخرِ، وهَجَرَ مشيته لمشيةِ فلانٍ، ليت هذا التقليد كان للصفاتِ الممدوحةِ التي تُثري العمر وتُضفي عليه هالة من السموِّ والرّفعةِ، كالعِلْمِ والكرمِ والحلمِ ونحوها، لكنك تُفاجأُ أن هؤلاء يقلِّدون في مخارجِ الحروفِ وطريقةِ الكلامِ وإشارةِ اليدِ!! .
أريدُ التأكيد عليك بما سبق: إنك خَلْقٌ آخرُ وشيءٌ آخرُ، إنه نهجُك أنت من خلالِ صفاتِك وقدراتِك، فإنه منذُ خَلَقَ اللهُ آدم إلى أن ينهي اللهُ العالم، لم يتفقْ اثنانِ في الصورةِ الخارجيةِ للجسمِ، بحيثُ ينطبق شكلُ هذا على شكلِ ذاك: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ......﴾ الآية. فلماذا نحنُ نريدُ أن نتفقَ مع الآخرين في صفاتِنا ومواهبِنا وقدراتِنا؟!
إن جمال صوتِك أن يكون متفرِّداً، وإن حُسْن إلقائِك أن يكون متميِّزاً: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ .
стр. 417
المكظومون في انتظار لطْف الله
هذا الخطيبُ المِصْقعُ لا يلتوي لسانُه إذا تراكضتِ الألفاظُ في ميدانِ البيانِ، بل يمضي ساطعاً صارماً متدفِّقاً.
هو خطيبُ الرسول ﷺ وحسْبُ، وخطيب الإسلام وكفى، كان يرفع صوته بالخطبِ بين يدي رسول اللهِ ﷺ لنصرةِ الدِّين، إنه ثابتُ بنُ قيسِ بن شمّاس، وأنزل اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ . وظنَّ قيسٌ أنه هو المقصودُ، فاعتزل الناس واختبأ في بيتِه يبكي، وفقده رسولُ اللهِ ﷺ فسأل عنه، فأخبره الصحابةُ الخَبَرَ، فقال: ((كلاَّ، بل هو من أهلِ الجنةِ)) .
فصارتِ النذارةُ بشارةٌ.
هناءٌ محا ذاك العزاء المقدَّما ... فما جزِع المحزونُ حتى تبسَّما
وتبقى عائشةُ أمُّ المؤمنين ﵂ تبكي شهراً كاملاً ليلاً ونهاراً، حتى كاد البكاء يمزِّقُ كبِدها ويفري جسمها، لأنها طُعنتْ في عِرْضها الشريفِ، العفيفِ، فجاء الفرج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ . وحمدتِ الله وصارتْ أطهر الطُّهرِ، كما كانتْ، وفرح المؤمنون بهذا الفتحِ المبينِ.
والثَّلاثةُ الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوك، وضاقْتْ عليهمْ الأرضُ بما رحُبتْ، وضاقتْ عليهم أنفسُهم، وظنُّوا أن لا ملجأ من اللهِ إلا إليه، أتاهم الفرجُ ممنْ يملكُه - سبحانه- ونزل عليهم الغوْثُ من السميعِ القريبِ.
стр. 418
احرصْ على العملِ الذي ترتاحُ لهُ
يقولُ ابن تيمية: «ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيبُ: إنَّ مطالعتك وكلامك في العلمِ يزيدُ المرض. فقلت له: لا أصبرُ على ذلك، لا أصبرُ على ذلك، وأنا أحاكمُك إلى علمِك، أليستِ النَّفسُ إذا فرجتْ وسُرَّتْ قويتِ الطَّبيعةُ، فَدَفعتِ المرض؟ فقال: بلى. فقلتُ له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلمِ، فتقوى به الطبيعةُ، فأجدُ راحةً. فقال: هذا خارجٌ عن علاجِنا» ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
لعلَّ عَتْبَك محمودٌ عواقبُهُ ... فربَّما صحتِ الأجسامُ بالعِللِ
كُلاً نُمِدُّ هؤلاءِ وهؤلاء
ما أحوجنا إلى المثابرةِ واستثمارِ الوقت، ومسابقةِ الأنفاسِ بالعملِ الصالحِ النافعِ المفيدِ، إننا سوف نسعدُ يوم نقدِّم للآخرين نفعاً ووعياً وخدمة وثقافةً وحضارةً، وسوف نسعدُ إذا علمْنا أننا لم نأتِ إلى الحياةِ سُدّى، ولم نُخْلقْ عَبَثاً، ولم نُوجدْ لعِباً.
يوم تصفَّحتُ «الأعلام» للزركليِّ فوجدتُ تراجم شرقيين وغربيين، ساسةً وعلماء، وحكماء وأدباء وأطباء، يجمعهم أنهم نابغون مؤثِّرون لامعون، ووجدتُ في سِيرهم جميعاً سنة اللهِ في خلقِه، ووعد اللهِ في عبادِه، وهي أن من أحسن من أجل الدنيا وُفّي نصيبه من الدنيا، من الذيوعِ والشهرةِ والانتشارِ، وما يلحقُ ذلك من مالِ ومنصبٍ وإتحافٍ، ومن أحسن للآخرةِ
стр. 419
وجدها هنا وهناك، من النفعِ والقبولِ والرضا والأجرِ والمثوبةِ: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ .
ووجدتُ في الكتابِ أيضاً أن هؤلاءِ العباقرةِ الذين قدَّموا للبشرية نفعاً ونتاجاً ولم يعملُوا للآخرة - وأخصُّ منهم غيْر المؤمنين باللهِ ولقائِه - وجدتُهم أسعدوا الناس أكثر من أنفسِهم، وأفرحوا أرواح الآخرين أكثر من أرواحهِم، فإذا بعضُهم ينتحرُ، وبعضهم يثورُ من واقعِه ويغضبُ من حياتِهِ، وآخرون منهم يعيشون بؤساً وضنْكاً.
وسألتُ نفسي: ما هي الفائدةُ إذا سعد بي قومٌ وشقيت أنا، وانتفع بي ملأٌ وحُرمِت أنا؟!
ووجدتُ أنَّ الله أعطى كلَّ أحدٍ من هؤلاءِ البارزين ما أراد، تحقيقاً لوعدِه، فجمْعٌ منهم حصل على جائزةِ نوبل، لأنه أرادها وسعى لها، ومنهم من تبوَّأ الصدارة في الشهرةِ، لأنه بحث عنها وشغف بها، ومنهم من وَجَدَ المال، لأنه هام به وأجبَّه، ومنهم عبادُ اللهِ الصالحون، حصلُوا على ثوابِ الدنيا وحسنِ ثوابِ الآخرةِ - إنْ شاء اللهُ -، يبتغون فضلاً من اللهِ ورِضْواناً.
إنَّ من المعادلات الصحيحة المقبولة: أن المغمور السعيد الواثق من منهجِه وطريقِه، أنعمُ حظّاً من اللامعِ الشهيرِ الشقيِّ بمبادئِه وفكرِهِ.
إنَّ راعي الإبلِ المسلمِ في جزيرةِ العربِ أسعدُ حالاً بإسلامِه من «تولوستوي» الكاتب الروائي الشهيرِ، لأن الأول قضى حياته مطمئناً راضياً
стр. 420
ساكناً يعرفُ مصيرَهُ ومنقلبه، والثاني عاش ممزَّق الإرادةِ، مبعثر الجهدِ، لم يبردْ غليلُه من مرادِه، ولا يعرفْ مستقبلهُ.
عند المسلمين أعظمُ دواءٍ عرفتْه البشريةُ، وأجلُّ علاجٍ اكتشفتْه الإنسانيةُ. إنه الإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ، حتى قال بعضُ الحكماءِ: لن يسعد في الحياةِ كافرٌ بالقضاءِ والقدرِ. وقد أعدتُ عليك هذا المعنى كثيراً، وعرضتُه لك في أساليب شتَّى، وأنا على عمْد، لأنني أعرفُ من نفسي ومن كثير مثلي أننا نؤمنُ بالقضاءِ والقدرِ فيما نحبُّه، وقد نتسخَّطُ عليه فيما نكرهُهُ، ولذلك كان شرطُ الملَّةِ وميثاقُ الوحيِ: ((أن تؤمن بالقدرِ خيرِه وشره، حلوِه ومرِّه)) .
ومن يؤمنْ بالله يهدِ قلبَه
أسوقُ هنا قصةً لتظهر سعادة من رضي بالقضاءِ، وحيرة وتكدُّر وشكَّ منْ سخِط مِن القضاءِ:
فهذا كاتبٌ أمريكيٌ لامعٌ، اسمُه «بودلي» مؤلّفُ كتابِ «رياح على الصحراءِ» ، و «الرسول ﷺ » وأربعة عشرَ كتاباً أخرى، وقد استوطن عام ١٩١٨ م إفريقية الشمالية الغربية، حيث عاش مع قومٍ من الرُّحَّل البدوِ المسلمين، يصلُّون ويصومون ويذكرون الله. يقولُ عن بعضِ مشاهدِه وهو معهم: هبَّتْ ذات يومٍ عاصفةٌ عاتية، حملت رمال الصحراءِ وعبرتْ بها البحر الأبيض المتوسط، ورمتْ بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة
стр. 421
حارةً شديدةً الحرارةِ، حتى أحسستُ كأنَّ شعْر رأسي يتزعزعُ من منابتِهِ لفرطِ وطأةِ الحرِّ، فأحسستُ من فرطِ الغيظِ كأنني مدفوعٌ إلى الجنون، ولكنَّ العرب لم يشكوا إطلاقاً، فقد هزُّوا أكتافهم وقالوا: قضاءٌ مكتوبٌ. واندفعوا إلى العمل بنشاطٍ، وقال رئيسُ القبيلةِ الشيخُ: لم نفقدِ الشيء الكثير، فقد كنا خليقين بأن نفقد كلَّ شيءٍ، ولكن الحمدُ للهِ وشكراً، فإن لدنيا نحو أربعين في المائة مِن ماشيِتنا، وفي استطاعِتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد.
وثمَّة حادثةٌ أخرى.. فقدْ كنا نقطعُ الصحراء بالسيارةِ يوماً فانفجر أحدُ الإطارات، وكان الشائقُ قد نسي استحضار إطار احتياطيٍّ، وتولاني الغضبُ، وانتابني القلقُ والهمُّ، وسألتُ صحبي من الأعرابِ: ماذا عسى أن نفعل؟ فذكَّروني بأن الاندفاع إلى الغضبِ لن يُجدي فتيلاً، بل هو خليقٌ أن يدفع الإنسان إلى الطيشِ والحُمْقِ، ومنْ ثم درجتْ بنا السيارة وهي تجري على ثلاثة إطارات ليس إلا، لكنها ما لبثت أن كفَّتْ عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفَدَ، وهناك أيضاً لم تثرْ ثائرة أحدٍ منْ رفاقي الأعرابِ، ولا فارقهُم هدوؤهم، بل مضوْا يذرعون الطريق سيراً على الأقدامِ، وهم يترنَّمون بالغناءِ!
قد أقنعتني الأعوامُ السبعةُ التي قضيتُها في الصحراءِ بين الأعرابِ الرحَّلِ، أنَّ الملتاثين، ومرضى النفوسِ، والسكيرين، الذين تحفلُ بهم أمريكا وأوربة، ما هم إلا ضحايا المدينةِ التي تتخذُ السرعة أساساً لها.
стр. 422
إنني لم أعانِ شيئاً من القلق قطُّ، وأنا أعيشُ في الصحراءِ، بل هنالك في جنةِ اللهِ، وجدتُ السكينة والقناعة والرضا، وكثيرون من الناسِ يهزؤون بالجبريةِ التي يؤمن بها الأعرابُ، ويسخرون من امتثالِهِم للقضاءِ والقدرِ.
ولكن منْ يدري؟ فلعلَّ الأعراب أصابُوا كبِد الحقيقة، فإني إذ أعودُ بذاكرتي إلى الوراءِ.. وأستعرضُ حياتي، أرى جلياً أنها كانت تتشكَّلُ في فتراتٍ متباعدةٍ تبعاً لحوادث تطرأ عليها، ولم تكنْ قطُّ في الحُسبانِ أو مما أستطيعُ له دفعاً، والعربُ يطلقون على هذا اللون من الحوادث اسم: «قدَر» أو «قِسْمة» أو «قضاءُ اللهِ» ، وسمِّه أنت ما شئت.
وخلاصةُ القولِ: إنني بعد انقضاءِ سبعةَ عشر عاماً على مغادرتي الصحراء، ما زلتُ أتخذ موقف العربِ حيال قضاءِ اللهِ، فأقابلُ الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباعُ التي اكتسبتُها من العرب في تهدئِة أعصابي أكثر مما تفلحُ آلاف المسكِّناتِ والعقاقيرِ! ... اهـ.
أقولُ: إن أعراب الصحراءِ تلقَّنُوا هذا الحقَّ من مشكاةِ محمدٍ ﷺ وإن خلاصة رسالةِ المعصومِ هي إنقاذ الناسِ من التِّيهِ، وإخراجِهم من الظلماتِ إلى النورِ، ونفْضِ الترابِ عن رؤوسِهم، ووضعِ الآصارِ والأغلالِ عنهم. إنّ الوثيقة التي بُعِث بها رسولُ الهُدى ﷺ فيها أسرارُ الهدوءِ والأمنِ، وبها معالمُ النجاةِ من الإخفاق، فهي اعترافٌ بالقضاء وعمل بالدليل، ووصول إلى غاية، وسعي إلى نجاة، وكدح بنتيجة. إن الرسالة الربانية جاءت لتحدد لك موقعك في الكون المأنوس، ليسكن خاطرك، ويطمئن قلبك، ويزول همك، ويزكو عملك، ويجمُل خلقك، لتكون العبد المثالي الذي عرف سرَّ وجوده، وأدرك القصد من نشأته.
стр. 423
المنهج وَسَط
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ .
السعادة في الوَسَطِ، فلا غُلُوَّ ولا جَفَاءَ، ولا إفراط ولا تفريط، وإن الوسطيَّة مِنْهجٌ ربَّانيٌّ حميدٌ يمنعُ العبد من الحَيْفِ إلى أحدِ الطرفيْن. إن من خصائصِ الإسلامِ أنه دينُ وسطٍ، فهو وسطٌ بين اليهوديةِ والنصرانيةِ: اليهوديةِ التي حملتِ العِلمِ وألغتِ العَمَلِ، والنصرانيةِ التي غالتْ في العبادةِ واطَّرحتِ الدليل، فجاء الإسلامُ بالعِلْمِ والعَمَلِ، والروحِ والجَسَدِ، والعقلِ والنقلِ.
وإن ممَّا يسعدُك في حياتِك الوسطية، الوسطيةُ في عبادتِك: فلا تغْلُ فتنهك جسمك وتقضي على نشاطك ومداومتِك، ولا تجف فتطرح النوافل وتخدش الفرائض وتركن إلى التسويقِ. وفي إنفاقكِ: فلا تتلفْ أموالك وتهلكْ دخلك فتبقى حسيراً مُمْلِقاً، ولا تمسكْ عطاءك وتبخلْ بنوالك، فتبقى ملوماً محروماً. ووسطٌ في خلقِك: بين الجدّ المفرطِ واللِّينِ المتداعي، بين العبوسِ الكالحِ والضحكِ المتهافتِ، بين العزلةِ الموحشةِ والخلطةِ الزائدةِ على الحدِّ.
إنّه مِنهجُ الاعتدالِ في أخذِ الأمورِ، والحكمِ على الأشياءِ، ومعاملةِ الآخرين، فلا زيادة يطفو بها كيْلُ القِيمِ، ولا نقْص يضمحلُّ به أصلُ الخيْر، لأن الزيادة ترفٌ وسَرفٌ، والنقص جفاءٌ و'حفاءٌ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
стр. 424
إنّ الحسنة بين السيِّئتين: سيئة الإفراط وسيئة التفريط، وإن الخيْر بين الشرَّين: شرِّ الغُلُوِّ وشرِّ المجافاةِ، وإن الحقَّ بين الباطلينِ: باطلِ الزيادةِ وباطلِ النقصِ، وإن السعادة بين الشقاءين: شقاءِ التهورِ وشقاءِ النكوصِ.
لا هذا ولا هذا
يقولُ مطرِّف بنُ عبد الله: أشرُّ السَّيْرِ الحقحقة. وهو الذي يجتهد في السيرِ حتى يضرَّ بنفسهِ ودابتِه. وفي الحديثِ: ((شرُّ الرِّعاء الحُطَمَةُ)) . وهو الذي يتعسّفُ في ولايتِه لأهلِه أو من ولاه اللهُ شأنه. إن الكرم بين الإسرافِ والبخلِ، وإن الشجاعة بين الجبنِ والتهورِ، وإن الحلم بين الحدَّةِ والتبلُّد، وإن البسمة بين العبوس والضحك، وإن الصبر بين القسوة والجزعِ، وللغلوِّ دواءٌ هو التخفيفُ من هذا الغلوِّ، وإطفاءُ شيءٍ من هذا اللهيب المحرق وللجفاءِ دواء هو سوْطُ عزمٍ، وومضةُ هِمَّة، وبارقةُ من رجاءٍ، ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
وقفةٌ
«ليس في الوجود شيءٌ أصعبُ من الصبرِ، إما عن المحبوبِ، أو على المكروهاتِ. وخصوصاً إذا امتدَّ الزمان، أو وقع اليأسُ من الفرجِ. وتلك المدةُ تحتاجُ إلى زادٍ يُقطعُ به سفرُها، والزاد يتنوعُ من أجناسٍ:
стр. 425
فمنه: تلمُّحُ مقدارِ البلاءِ، وقد يمكنُ أن يكون أكثر.
ومنه: أنه في حالِ فوقها أعظمُ منها، مثل أن يُبتلى بفقْدِ ولدٍ وعنده أعزُّ منه.
ومن ذلك: رجاء العِوضِ في الدنيا.
ومنه: تلمُّح الأجرِ في الآخرةِ. ومنه: التلذُّذُ بتصويرِ المدحِ والثناءِ من الخلْقِ فيما يمدحون عليه، والأجرُ من الحقِّ .
ومن ذلك: أن الجزع لا يفيدُ، بل يفضحُ صاحِبهُ.
إلى غيْرِ ذلك من الأشياء التي يقدحُها العقلُ والفكرُ، فليس في طريقِ الصبرِ نفقةٌ سواها، فينبغي للصابرِ أن يشغل بها نفسه، ويقطع بها ساعاتِ ابتلائِهِ» .
مَنْ هُمُ الأولياءُ
من صفات الأولياء: انتظارُ الأذانِ بالأشواقِ، والتَّهافُتُ على تكبيرةِ الإحرامِ، والوَلَهُ بالصفِّ الأوّلِ، ومداومةِ الجلوسِ في الروضةِ، وسلامةُ الصدرِ، وظهورُ مراسيمِ السُّنَّةِ، وكثرةُ الذِّكرِ، وأكل الحلالِ، وتركُ ما لا يعني، والرضا بالكفافِ، وتعلُّمُ المحيِ كتاباً وسنةً، وطلاقةُ المُحَيَّا، والتوجُّعُ لمصائب المسلمين، وتركُ الخلافِ، والصبرُ للشدائدِ، وبذْلُ المعروفِ.
следующие страницы →