← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12729

لا تحزن

عائض القرني

Полный текст (532 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رتعُوا في لذَّةِ العيشِ لاهين، وتمتَّعُوا في صفْو الزمان آمنِين، ظنُّوا السراب ماءً، والورم شحْماً، والدنيا خُلُوداً، والفناء بقاءً، وحسبوا الوديعة لا تُستردُّ، والعارية لا تُضمنُ، والأمانة لا تُؤدَّى، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ . فجائعُ الدهرِ ألوانٌ مُنوَّعةٌ ... وللزَّمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ وهذه الدارُ لا تبقي على أحدٍ ... ولا يدومُ على حالٍ لها شأنُ أصبحوا في سرورٍ وأمسوْا في القبورِ، وفي لحظةٍ منْ لحظاتِ غَضَبِ هارونِ الرشيدِ، سلَّ سيف النّقمةِ عليهمْ، فقتل جعفر بن يحيى البرمكيَّ، وصلبهُ ثمَّ أحرق جثمانه، وسجن أباه يحيي بن خالدٍ، وأخاه الفضْل بن يحيى، وصادر أموالهمْ وأملاكهم.

стр. 352

ولما قَتَلَ أبو جعفر المنصورُ محمد بن عبدِاللهِ بن الحَسَنِ، بعث برأسِهِ إلى أبيهِ عبدِاللهِ بن الحسنِ في السجنِ مع حاجبِهِ الربيعِ، فوضعَ الرأسَ بين يديهِ، فقال: رحمك اللهُ يا أبا القاسم، فقدْ كنت من الذين يُفون بعهدِ اللهِ، ولا ينقُضون الميثاق، والذين يصِلون ما أمر اللهُ بهِ أنْ يُوصل ويخشوْن ربَّهم ويخافون سوء الحسابِ، ثم تمثَّل بقولِ الشاعرِ: فتى كان يحميه مِنْ الذُّلِّ سيفُه ... ويكفيه سوءاتِ الأمورِ اجتنابُها

стр. 353

والتفت إلى الربيع حاجبِ المنصورِ، وقال له: قُلْ لصاحبِك: قدْ مضى منْ بُؤسِنا مُدَّةٌ، ومنْ نعيمِك مِثُلها، والموعدُ اللهُ تعالى! وقدْ أخذ هذا المعنى العباسُ بنُ الأحنفِ - وقيل: عمارةُ بنُ عقيلٍ - فقال: فإنْ تلحظي حالي وحالكِ مرَّةً ... بنظرةِ عينٍ عنْ هَوَى النَّفْسِ تُحْجبُ نجِد كُلَّ مرَّ منْ بُؤسِ عيشتي ... يمُرُّ بيومٍ منْ نعيمكِ يُحْسبُ كما في (قولٍ على قول) . والآن: أين هارون الرشيدُ وأين جعفرُ البرمكيُّ؟ أين القاتلُ والمقتولُ؟ أين الآمرُ والمأمورُ؟ أين الذين أصدر أمره وهو على سريرهِ في قصرهِ؟ وأين الذي قتِل وصُلِب؟ لا شيء، أصبحوا كأمسِ الدَّابر، وسوف يجمعُهم الحكمُ العدْلُ ليومِ لا ريب فيه، فلا ظُلْم ولا هضْم، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . قيل ليحيى بن خالدٍ البرمكيِّ: أرأيت هذه النكْبة، هل تدري ما سببُها؟ قال: لعلَّها دعوةُ مظلومٍ، سرتْ في ظلامِ الليلِ ونحنُ عنها غافلون. ونُكب عبدُالله بنُ معاوية بنِ عبدِاللهِ بنِ جعفر، فقال في حبْسهِ: خَرَجْنَا من الدنيا ونحنُ مِن أهلِها ... فلسْنا مِن الأمواتِ فيها ولا الأحياء إذا دخل السَّجانُ يوماً لحاجةٍ ... عجِبْنا وقلنا: جاء هذا من الدُّنيا

стр. 354

ونفرحُ بالرُّؤْيا فجُلُّ حديثِنا ... إذا نحنُ أصبحنا الحديث عن الرُّؤْيا فإنْ حسُنتْ كانتْ بطيئاً مجيئُها ... وإنْ قبُحتْ لم تنتظر وأتتْ سعيا سجنَ أحدُ ملوكِ فارس حكيماً منْ حكمائِهمْ، فكتب لهُ رقعةً يقولُ: إنها لنْ تمُرَّ عليَّ فيها ساعةٌ، إلا قرَّبتْني من الفرجِ وقرَّبتْك من النِّقمةِ، فأنا أنتظرُ السَّعة، وأنت موعودٌ بالضيِّقِ. ويُنكبُ ابنُ عبَّادٍ سلطانُ الأندلسِ، عندما غلب عليه الترفُ، وغلب عليهِ الانحرافُ عنِ الجادَّةِ، فكثرُتِ الجواري في بيتهِ، والدُّفوفُ والطَّنابيرُ، والعزْفُ وسماعُ الغناءِ، فاستغاث يوماً بابن تاشفين - وهو سلطانُ المغربِ - على أعدائِهِ الروم في الأندلسِ، فعبر ابنُ تاشفين البحر، ونصرَ ابن عبَّادِ، فأنزلهُ ابنُ عبَّادٍ في الحدائقِ والقصورِ والدُّورِ، ورحَّب به وأكرمه. وكان ابنُ تاشفين كالأسدِ، ينظرُ في مداخلِ المدينة وفي مخارجِها، لأنَّ في نفسه شيئاً. وبعد ثلاثةِ أيام هجم ابنُ تاشفين بجنودِه على المملكةِ الضعيفةِ، وأسر ابن عبَّادٍ وقيَّده وسَلَبَ مُلكه، وأخذ دُوره ودمَّر قصوره، وعاث في حدائقِهِ، ونَقَلَهُ إلى بلدِه (أغماتٍ) أسيراً، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . فتقلَّد ابنُ تاشفين زِمام الحُكمِ، وادعى أنَّ أهل الأندلسِ همُ الذين استدعوْه وأرادوه.

стр. 355

ومرَّتِ الأيامُ، وإذا ببناتِ ابنِ عبَّادٍ يصِلْنه في السجنِ، حافياتٍ باكياتٍ كسيِفاتٍ جائعاتٍ، فلمَّا رآهنّ بكى عند البابِ، وقال: فيما مضى كُنت بالأعيادِ مسرورا ... فساءك العيدُ في أغمات مأسورا ترى بناتِك في الأطمارِ جائعةً ... يغزِلْن للناسِ ما يمْلِكْن قطميرا بَرَزْنَ نحْوك للتَّسليمِ خاشعةً ... أبصارُهُنَّ حسيراتٍ مَكاسِيرا يطأْن في الطينِ والأقدامُ حافيةٌ ... كأنَّها لم تطأ مِسكاً وكافُورا ثمَّ دخل الشاعرُ ابنُ اللَّبانةِ على ابنِ عبّادٍ، فقال له: تَنَشَّقْ رياحين السَّلامِ فإنَّما ... أصُبُّ بها مِسْكاً عليك وحَنْتَما وقُلْ مجازاً إن عدمت حقيقةً ... بأنك ذو نُعمى فقد كُنت مُنعما بكاك الحيا والريحُ شقَّتْ جُيُوبها ... عليها وتاه الرَّعدُ باسمِك مُعْلِما وهي قصيدةٌ بديعة، أوْرَدَها الذهبيُّ ومدحها. روى الترمذيُّ، عن عطاءٍ، عنْ عائشة ﵂ وأرضاها - أنَّها مرَّتْ بقبرِ أخيها عبدِالله الذي دُفن فيه بمكة، فسلَّمت عليهِ، وقالتْ: يا عبد اللهِ، ما مثلي ومثُلك إلا كما قال مُتمِّمٌ: وكُنَّا كندْماني جُذيْمَةَ بُرهةً ... من الدهرِ حتى قِيل لنْ يتصدَّعا وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعا فلمَّا تفرَّقْنا كأنِّي ومالِكاً ... لطُولِ اجتماعٍ لم نبِتْ ليلةً معا ثمَّ بكتْ وودَّعتْه.

стр. 356

وكان عمرُ ﵁ يقولُ لمتمِّمِ بن نويرة: يا متمِّم، والذي نفسي بيده، لَوَدِدْتُ أني شاعرٌ فأرثي أخي زيداً، واللهِ ما هبَّتِ الصّبا منْ نجد إلاَّ جاءتني بريحِ زيدٍ. يا متممُ، إنَّ زيداً أسلم قبلي وهاجرَ وقتل قبلي، ثمَّ يبكي عمر. يقول متمِّم: لعمْري لقد لام الحبيبُ على البُكا ... حبيبي لِتذْرافِ الدُّموعِ السَّوافِكِ فقال أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتهُ ... لقبرٍ ثوى بين اللِّوى فالدّكادِكِ فقلتُ له إن الشَّجى يبعثُ الشَّجى ... فدعْني فهذا كلُّهُ قبرُ مالِكِ نُكب بنو الأحمرِ في الأندلسِ، فجاء الشاعرُ ابنُ عبدون يُعزِّيهم في هذه المصيبةِ فقال: الدَّهْرُ يفجعُ بعد العَيْنِ بالأثرِ ... فما البكاءُ على الأشباحِ والصُّورِ أنهاك أنهاك لا آلُوك موعظة ... عنْ نوْمَةٍ بين نابِ اللَّيْثِ والظُّفُرِ وَلَيْتها إذ فدتْ عمراً بخارجةٍ ... فدتْ عليّاً بمنْ شاءتْ من البشرِ ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ ، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ .

стр. 357

ثمراتُ الرِّضا اليانعة ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ . وللرضا ثمراتٌ إيمانيةٌ كثيرةٌ وافرةٌ تنتجُ عنه، يرتفعُ بها الراضي إلى أعلى المنازلِ، فيُصبحُ راسخاً في يقيِنه، ثابتاً في اعتقادِه، وصادقاً في أقوالِه وأعمالِه وأحوالِه. فتمامُ عبوديِّتِه في جَرَيانِ ما يكرهُهُ من الأحكام عليه. ولو لم يجْرِ عليه منها إلاَّ ما يحبُّ، لكان أبْعَد شيءٍ عنْ عبوديَّة ربِّه، فلا تتمُّ له عبوديَّة. من الصَّبرِ والتَّوكلِ والرِّضا والتضرُّعِ والافتقارِ والذُّلِّ والخضوعِ وغَيْرِها - إلاَّ بجريانِ القدرِ له بما يكرهُ، وليس الشأنُ في الرضا بالقضاءِ الملائم للطبيعةِ، إنما الشأنُ في القضاءِ المُؤْلِمِ المنافِرِ للطَّبْعِ. فليس للعبدِ أنْ يتحكَّم في قضاءِ اللهِ وقدرِه، فيرضى بما شاء ويرفضُ ما شاء، فإنَّ البشر ما كان لهمِ الخِيَرَةُ، بلْ الخيرةُ اللهِ، فهو أعْلمُ وأحْكمُ وأجلُّ وأعلى، لأنه عالمُ الغيبِ المطَّلِعُ على السرائرِ، العالمُ بالعواقبِ المحيطُ بها. رضاً برضا: ولْيَعْلم أنَّ رضاه عن ربِّه في جميعِ الحالاتِ، يُثمِرُ رضا ربُه عنه، فإذا رضي عنه بالقليلِ من الرِّزقِ، رضي ربُّه عنه بالقليلِ من العملِ، وإذا رضي عنه في جميع الحالاتِ، واستوتْ عندهُ، وجدهُ أسْرَعَ شيءٍ إلى رضاهُ إذا ترضَّاه وتملَّقه؛ ولذلك انظرْ للمُخلصيِن مع قِلَّةِ عملهِم، كيف رضي اللهُ سعيهم لأنهمْ رضُوا عنهُ ورضي عنهمْ، بخلافِ المنافقين، فإنَّ الله ردَّ عملهم قليلهُ وكثيرهُ؛ لأنهمِ سخِطُوا ما أنزلَ الله وكرهُوا رضوانهُ، فأحبط أعمالهم.

стр. 358

منْ سخِط فلهُ السُّخْطُ: والسُّخطُ بابُ الهمِّ والغمِّ والحزنِ، وشتاتِ القلبِ، وكسفِ البالِ، وسُوءِ الحالِ، والظَّنِّ بالله خلافُ ما هو أهلُه. والرضا يُخلِّصُه منْ ذلك كلِّه، ويفتحُ له باب جنةِ الدنيا قبل الآخرةِ، فإنَّ الارتياح النفسيَّ لا يتمُّ بمُعاكسةِ الأقدارِ ومضادَّة القضاءِ، بل بالتسليمِ والإذعانِ والقبُولِ، لأنَّ مدبِّر الأمرِ حكيمٌ لا يُتَّهمُ في قضائِه وقدرهِ، ولا زلتُ أذكرُ قصة ابن الراونديِّ الفيلسوف الذَّكّيِ الملحدِ، وكان فقيراً، فرأى عاميّاً جاهلاً مع الدُّورِ والقصورِ والأموالِ الطائلةِ، فنظر إلى السماءِ وقال: أنا فيلسوفُ الدنيا وأعيشُ فقيراً، وهذا بليدٌ جاهلٌ ويحيا غنيّاً، وهذه قِسمةٌ ضِيزى. فما زادهُ اللهُ إلا مقْتاً وذُلاّ وضنْكاً ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ . فوائدُ الرِّضا: فالرِّضا يُوجِبُ له الطُّمأنينة، وبرد القلبِ، وسكونهُ وقراره وثباتهُ عند اضطرابِ الشُّبهِ والتباسِ والقضايا وكثْرةِ الواردِ، فيثقُ هذا القلبُ بموعودِ اللهِ وموعودِ رسوله ﷺ ، ويقولُ لسانُ الحالِ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ . والسخطُ يوجبُ اضطراب قلبِه، وريبتهُ وانزعاجهُ، وعَدَمَ قرارِهِ، ومرضهُ وتمزُّقهُ، فيبقى قلِقاً ناقِماً ساخِطاً متمرِّداً، فلسانُ حالِه يقولُ: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ . فأصحابُ هذه القلوبِ إن يكُن لهمُ الحقُّ، يأتوا إليه مُذعِنِين، وإن طُولِبوا بالحقِّ إذا همْ يصْدفِون، وإنْ أصابهم خيرٌ اطمأنٌّوا به، وإنْ أصابتهم فتنةٌ

стр. 359

انقلبُوا على وجوههِم، خسرُوا الدنيا والآخرةِ ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . كما أنّ الرضا يُنزلُ عليه السكينة التي لا أَنْفَعَ له منها، ومتى نزلتْ عليه السكينةُ، استقام وصلحتْ أحوالُه، وصلح بالُه، والسُّخط يُبعِدُه منها بحسبِ قلَّتِه وكثرتِه، وإذا ترحَّلتْ عنهُ السكينةُ، ترحَّل عنه السرورُ والأمْنُ والراحةُ وطِيبُ العيشِ. فمنْ أعْظَمِ نعمِ اللهِ على عبدِه: تنزُّلُ السكينةِ عليهِ. ومنْ أعظمِ أسبابِها: الرضا عنه في جميعِ الحالاتِ. لا تُخاصِم ربَّك: والرضا يخلِّصُ العبد منْ مُخاصمةِ الربِّ تعالى في أحكامِه وأقضيتِه. فإنَّ السُّخط عليهِ مُخاصمةٌ له فيما لم يرض به العبدُ، وأصلُ مخاصمةِ إبليس لربِّه: منْ عَدَمِ رضاه بأقْضِيَتِه، وأحكامِه الدِّينيِة والكونيِة. وإنَّما ألحد منْ ألحدَ، وجَحِدَ منْ جحد لأنهُ نازعَ ربَّه رداء العظمةِ وإزار الكبرياءِ، ولم يُذعِنْ لمقامِ الجبروتِ، فهو يُعطِّلُ الأوامر، وينتهِكُ المناهي، ويتسخَّطُ المقادير، ولم يُذعِنْ للقضاءِ. حُكْمٌ ماضٍ وقضاءٌ عَدْلٌ: وحُكمُ الرَّبِّ ماضٍ في عبدِه، وقضاؤُه عدْلٌ فيه، كما في الحديثِ: ((ماضٍ فيَّ حكمُك، عَدْلٌ في قضاؤك)) . ومنْ لم يرض بالعدلِ، فهو منْ أهلِ

стр. 360

الظُّلمِ والجوْرِ. واللهُ أحكمُ الحاكمين، وقدْ حرَّ الظلُّمَ على نفسِه، وليس بظلاَّمٍ للعبيدِ، وتقدَّس سبحانه وتنزَّه عنْ ظُلْمِ الناسِ، ولكنّ أنْفُسهم يظلمون. وقولُه: ((عَدْلٌ في قضاؤك)) يَعُمُّ قضاء الذنبِ، وقضاء أثرِهِ وعقوبتِه، فإنَّ الأمرينِ منْ قضائِه ، وهو أعدلُ العادلين في قضائِه بالذنبِ، وفي قضائِه بعقوبتِه. وقد يقضي سبحانه بالذنبِ على العبدِ لأسرارٍ وخفايا هو أعْلَمُ بها، قد يكونُ لها من المصالحِ العظيمِة ما لا يعلمُها إلا هُو. لا فائدة في السُّخطِ: وعدمُ الرَّضا: إمَّا أنْ يكون لفواتِ ما أخطأهُ ممَّ يحبُّه ويريدهُ، وإمّا لإصابةٍ بما يكرهُه ويُسخطُه. فإذا تيقَّن أنَّ ما أخطأه لم يكُنْ ليُصيبَه، وما أصابه لم يكنْ ليُخطئه، فلا فائدة في سخطِه بعد ذلك إلا فواتُ ما ينفعُه، وحصولُ ما يضرُّه. وفي الحديث: ((جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ يا أبا هريرة، فقدْ فُرِغَ من القضاءِ، وانتُهِي من القدرِ، وكُتِبتِ المقاديرُ، ورُفِعتِ الأقلامُ، وجفَّتِ الصُّحُفُ)) . السلامةُ مع الرِّضا: والرضا يفتحُ له باب السلامةِ، فيجعلُ قلبهُ سليماً، نقيّاً من الغشِّ والدَّغلِ والغلِّ، ولا ينجو منْ عذابِ اللهِ إلا منْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ، وهو السَّالِمُ من الشُّبهِ، والشَّكِّ والشِّركِ، وتلبُّسِ إبليس وجُندِه، وتخذيلِهِ

стр. 361

وتسويفِهِ، ووعْدِه ووعيدِه، فهذا القلبُ ليس فيهِ إلا اللهُ: ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ . وكذلك تستحيلُ سلامةُ القلبِ من السُّخطِ وعدمِ الرضا، وكلَّما كان العبدُ أشدَّ رضاً، كان قلبُه أسْلَمَ. فالخبثُ والدَّغَلُ والغشُّ: قرينُ السُّخطِ. وسلامةُ القلبِ وبرُّه ونُصحُه: قرينُ الرضا. وكذلك الحسدُ هو منْ ثمراتِ السخطِ. وسلامةُ القلبِ منهُ: منْ ثمراتِ الرضا. فالرضا شجرةٌ طيِّبة، تُسقى بماءِ الإخلاصِ في بستانِ التوحيدِ، أصلُها الإيمانُ، وأغصانُها الأعمالُ الصالحةُ، ولها ثمرةٌ يانِعةٌ حلاوتُها. في الحديثِ: ((ذاق طعْم الإيمانِ منْ رضي باللهِ ربّاً، وبالإسلام ديِناً، وبحمدٍ نبياً)) . وفي الحديث أيضاً: ((ثلاثٌ منْ كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمانِ....)) . السُّخْطُ بابُ الشَّكِّ: والسُّخطُ يفتحُ عليهِ باب الشَّكِّ في اللهِ، وقضائه، وقدرِه، وحكمتِهِ وعلمِهِ، فقلَّ أنْ يَسْلَمَ الساخِطُ منْ شكٍّ يُداخلُ قلبه، ويتغلغلُ فيه، وإنْ كان لا يشعرُ به، فلوْ فتَّش نفسه غاية التفتيشِ، لوَجَدَ يقينهُ معلولاً مدخولاً، فإنَّ الرضا واليقين أخوانِ مُصطحبانِ، والشَّكَّ والسُّخط قرينانِ، وهذا معنى الحديثِ الذي في الترمذيِّ: ((إنِ استطعت أن تعمل بالرِّضا مع اليقينِ، فافعل. فإن لم تستطع، فإن في الصبر على ما تكره النَّفْسُ خيْراً كثيراً)) . فالساخطُون ناقِمون منْ الداخلِ، غاضبِون ولوْ لمْ يتكلمَّوا، عندهم إشكالاتٌ وأسئلةٌ، مفادُها: لِم هذا؟ وكيف يكونُ هذا؟ ولماذا وقع هذا؟

стр. 362

الرِّضا غِنىً وأمْنٌ: ومنْ ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ اللهُ صدرهُ غِنىً وأمْناً وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّتِه والإنابِة إليه، والتَّوكُّلِ عليه. ومنْ فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبُه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادتُه وفلاحُه. فالرِّضا يُفرِّغُ القلب للهِ، والسخطُ يفرِّغُ القلب من اللهِ، ولا عيش لساخِطٍ، ولا قرار لناقِمٍ، فهو في أمر مريجٍ، يرى أنَّ رزقهُ ناقصٌ، وحظَّهُ باخِسٌ، وعطيَّتهُ زهيدةٌ، ومصائبهُ جمَّةٌ، فيرى أنه يستحقّ أكْثر منْ هذا، وأرفع وأجلَّ، لكنّ ربَّه - في نظرِهِ - بخسهُ وحَرَمَه ومنعَهُ وابتلاه، وأضناهُ وأرهَقَه، فكيف يأنسُ وكيف يرتاح، وكيف يحيا؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . ثمرةُ الرِّضا الشُّكْرُ: والرضا يُثمرُ الشكر الذي هو منْ أعلى مقاماتِ الإيمانِ، بل هو حقيقةُ الإيمانِ. فإنَّ غاية المنازلِ شكرِ المولى، ولا يشكُرُ اللهُ منْ يرضى بمواهبه وأحكامِه، وصُنعِه وتدبيرِه، وأخذِه وعطائِه، فالشاكرُ أنْعمُ الناسِ بالاً، وأحسنُهم حالاً. ثمرةُ السُّخطِ الكفرُ: والسخطُ يُثمِر ضدَّه، وهو كُفْرُ النِّعمِ، وربما أثمر له كُفْر المنعِم. فإذا رضي العبدُ عن ربِّه في جميعِ الحالاتِ، أوجب له لذلك شُكره، فيكونُ من

стр. 363

الراضين الشاكرين. وإذا فاتهُ الرضا، كان من الساخطين، وسلك سُبُل الكافرين. وإنما وقع الحيْفُ في الاعتقاداتِ والخللُ في الدياناتِ مِنْ كوْنٍ كثيرٍ من العبيدِ يريدون أن يكونوا أرباباً، بلْ يقترحون على ربِّهم، ويُحِلُّون على مولاهم ما يريدون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ . السُّخطُ مصيدةٌ للشيطانِ: والشيطانُ إنما يظفرُ بالإنسانِ غالباً عند السخطِ والشهوةِ، فهناك يصطادُه، ولاسيَّما إذا استحكم سخطُه، فإنهُ يقولُ ما لا يُرضي الرَّبَّ، ويفعلُ ما لا يُرضيه، وينوي ما لا يُرضيهِ، ولهذا قال النبيَّ ﷺ عند موت ابنهِ إبراهيم: ((يحزنُ القلبُ وتدمعُ العينُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربَّنا)) . فإنَّ موت البنين من العوارضِ التي تُوجِبُ للعبدِ السخط على القَدَرِ، فأخبرَ النبيُّ ﷺ أنهُ لا يقولُ في مثْلِ هذا المقامِ - الذي يسخطُه أكثرُ الناسِ، فيتكلَّمون بما لا يُرضي الله، ويفعلون ما لا يرضيه - إلا ما يُرضي ربَّه ﵎. ولو لمح العبدُ في القضاءِ بما يراهُ مكروهاً إلى ثلاثةِ أُمورٍ، لهان عليه المصابُ. أوَّلها: علمُه بحكمةِ المقدِّرِ جلَّ في علاه، وأنهُ أخْبَرُ بمصلحةِ العبدِ وما ينفعُه. ثانيها: أنْ ينظر للأجرِ العظيمِ والثوابِ الجزيلٍ، كما وعد اللهُ منْ أُصِيب فصبر مِنْ عبادِهِ. ثالثُها: أن الحُكم والأمر للرَّبِّ، والتسليم والإذعان للعبدِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ .

стр. 364

الرِّضا يُخرجُ الهوى: والرضا يُخرجُ الهوى من القلبِ، فالراضي هواهُ تبعٌ لمرادِ ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ربُّه ويرضاهُ، فلا يجتمعُ الرضا واتِّباعُ الهوى في القلبِ أبداً، وإنْ كان معهُ شُعبةٌ منْ هذا، وشعبةٌ منْ هذا، فهو للغالِب عليه منهما. إنْ كان رضاكُم في سهري ... فسلامُ اللهِ على وَسَنِي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ . إنْ كان سرَّكُمُ ما قال حاسِدُنا ... فما لجرْجٍ إذا أرضاكمو ألمُ وقفة ((تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ، يعرفْك في الشِّدَّة)) . « (تعرَّفْ) بتشديدِ الرَّاءِ (إلى اللهِ) أيْ: تحبَّبْ وتقرَّبْ إليهِ بطاعتِه، والشُّكرِ لهُ على سابغِ نعمتِه، والصبر تحت مُرِّ أقْضِيتِهِ، وصدْقِ الالتجاءِ الخاصِ قبل نزولِ بليَّتِه. (في الرخاءِ) أيْ: في الدَّعةِ والأمْنِ والنعمةِ وسَعَةِ العمرِ وصحَّةِ البدنِ، فالزمِ الطاعاتِ والإنفاق في القُرُباتِ، حتى تكون متَّصِفاً عنده بذلك، معروفاً به. (يعرفْك في الشِّدَّة) بتفريجِها عنك، وجعْلِه لك منْ كلِّ ضِيقٍ مخرجاً، ومنْ كلِّ همٍّ فرجاً، بما سلف منْ ذلك التَّعرُّفِ» . «ينبغي أنْ يكون بين العبدِ وبين رِّبهِ معرفةٌ خاصَّةٌ بقلبِهِ، بحيثُ يجدُه قريباً للاستغناءِ لهُ منهُ، فيأنسُ بهِ في خلوتِه، ويجدُ حلاوة ذكْرِه ودعائِه

стр. 365

ومناجاتِه وطاعتِه، ولا يزالُ العبدُ يقع في شدائد وكُربٍ في الدنيا والبرْزخِ والموقفِ، فإذا كان بينهُ وبين ربِّه معرفةٌ خاصَّة، كفاهُ ذلك كلُّه» . الإغضاءُ عنِ هفواتِ الإخوانِ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . لا ينبغي أنْ يزهد فيهِ - أي الأخ- لخُلُقٍ أو خُلُقَيْن ينكرُهما منهُ، إذا رضي سائر أخلاقِه، وحمِد أكثرَ شِيمِه، لأنَّ اليسير مغفورٌ، والكمال مُعوزٌ، وقدْ قال الكِنْديُّ: كيف تريدُ منْ صديقِك خُلُقاً واحداً، وهو ذو طبائع أربعٍ. مع أنَّ نفْس الإنسانِ التي هي أخصُّ النفوسِ به، ومدبَّرةٌ باختيارِه وإرادتِه، لا تُعطيه قيِادها في كلِّ ما يريدُ، ولا تُجيبُه إلى طاعتِه في كلِّ ما يجبُ، فكيف بنفسِ غيرِه؟! ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ ، ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . وحسْبُك أنْ يكون لك منْ أخيك أكثرُه، وقدْ قال أبو الدرداءِ ﵁: مُعاتبَةُ الأخِ خَيْرٌ منْ فقْدِه، منْ لك بأخيك كلِّه؟! فأخذ الشعراءُ هذا المعنى، فقال أبو العتاهية: أَأُخيَّ منْ لك مِن بني الد ... نيا بكلِّ أخيك منْ لكْ فاسْتبْقِ بعضك لا يَمَلُّـ ... ـك كلُّ منْ لم تُعْطِ كُلَّكْ وقال أبو تمامٍ الطائيُّ: ما غبن المغبون مِثْلُ عقْلِهِ ... منْ لك يوماً بأخيك كُلِّهِ

стр. 366

وقال بعضُ الحكماء: طَلَبُ الإنصافِ، مِنْ قلَّةِ الإنصافِ. وقال بعضُهم: نحنُ ما رضِينا عنْ أنفُسِنا، فكيف نرضى عنْ غيرِنا!! وقال بعضُ البلغاءِ: لا يُزهدنَّك في رجلٍ حمدت سيرته، وارتضيت وتيرته، وعرفت فَضْله، وبطنت عقله - عَيْبٌ خفيٌّ، تحيطُ به كثرةُ فضائلِه، أو ذنبٌ صغيرٌ تستغفرُ له قوةُ وسائلِه، فإنك لنْ تجِد - ما بقيت - مُهذَّباً لا يكونُ فيه عيبٌ، ولا يقعُ منه ذنبٌ، فاعتبرْ بنفسك بعدُ ألاَّ تراها بعينِ الرضا، ولا تجري فيها على حُكمِ الهوى، فإنَّ في اعتبارِك بها، واختبارِك لها، ما يُواسيك مما تطلبُ، ويعطِفك على منْ يُذنبُ، وقد قال الشاعرُ: ومنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلُّها ... كفى المرء نُبلاً أنْ تُعدَّ معايبُهْ وقال النابغةُ الذُّبيانيُّ: ولست بمُسْتبْقٍ أخاً لا تلُمُّهُ ... على شعثٍ أيُّ الرِّجالِ المهذَّبِ وليس ينقضُ هذا القول ما وصفناهُ منْ اختبارِه، واختبارِ الخصالِ الأربع فيه، لأنَّ ما اعوز فيه معفوٌّ عنهُ، هذا لا ينبغي أنْ تُوحشك فترةٌ تجدُها منهُ، ولا أنْ تُسيء الظَّنَّ في كبوةٍ تكونُ منه، ما لم تتحقَّق تغيُّره، وتتيقَّن تنكُّره، وليصرفْ ذلك إلى فتراتِ النفوسِ، واستراحاتِ الخواطرِ، فإنَّ الإنسان قد يتغيَّرُ عنْ مُراعاةِ نفسِه التي هي أخصُّ النفوسِ به، ولا يكونُ ذلك منْ عداوةٍ لها، ولا مللٍ منها. وقدْ قيل في منثورِ الحِكمِ: لا يُفسِدنَّك الظَّنُّ على صديقٍ قد أصلحك اليقينُ له. وقال جعفرُ بنُ محمدٍ لابنِه: يا بُنيَّ، منْ غضب من إخوانِك ثلاث مرَّاتٍ، فلمْ يقُل فيك سوى الحقِّ،

стр. 367

فاتخِذْه لنفسِك خِلاّ. وقال الحسنُ بنُ وهبٍ: منْ حقوقٍ المودَّةِ أخْذُ عَفْوِ الإخوانِ، والإغضاءُ عن تقصير إن كان. وقد روي عنْ عليٍّ ﵁ في قولِه تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ، قال: الرِّضا بغيرِ عتابٍ. وقال ابنُ الروميِّ: همُ الناسُ والدنيا ولابُدَّ منْ قذىً ... يُلِمُّ بعينٍ أو يُكدِّرُ مشْربا ومنْ قلّةِ الإنصافِ أنَّك تبتغي الـ ... ـمُهذَّب في الدنيا ولست المهذَبا وقال بعضُ الشعراءِ: تَوَاصُلُنا على الأيامِ باقٍ ... ولكنْ هجرُنا مطرُ الرَّبيعِ يرُوعُك صَوْبُهُ لكنْ تراهُ ... على علاَّتِهِ داني النُّزُوعِ معاذ اللهِ أنْ تلقى غِضاباً ... سوى دلُ المطاعِ على المُطيعِ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ تريدُ مُهذَّباً لا عيب فيه ... وهلْ عُودٌ يفُوحُ بلا دُخانِ ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .

стр. 368

الصِّحَّةُ والفراغُ ينبغي ألا تضيِّع صِحَّة جسمِك، وفراغ وقتِك، بالتقصيرِ في طاعةِ ربِّك، والثِّقةِ بسالفِ عمِلك، فاجعلْ الاجتهاد غنيمة صحَّتِك، والعمل فرصة فراغِك، فليس كلُّ الزمانِ مستعداً ولا ما فات مستدركاً، وللفراغِ زيْغٌ أو ندمٌ، وللخْلوةِ مَيْلٌ أو أسفٌ. وقال عمرُ بنُ الخطابِ: الراحةُ للرجالِ غفْلةٌ، وللنساءِ غُلْمةٌ. وقال بزرجمهرُ: إنْ يكنِ الشغلُ مَجْهَدةً، فالفراغُ مفْسدَةٌ. وقال بعضُ الحكماءِ: إيَّاكمْ والخلواتِ، فإنها تُفسدُ العقول، وتعقِدُ المحلول. وقال بعضُ البلغاءِ: لا تمضِ يومك في غير منفعةٍ، ولا تضعْ مالك في غيْر صنيعةٍ، فالعمرُ أقصرُ منْ ينفَدَ في غيرِ المنافعِ، والمالُ أقلُّ منْ أنْ يُصرف في غيرِ الصانع، والعاقلُ أجلُّ منْ أنْ يُفني أيامه فيما لا يعودُ عليه نفعُه وخيرهُ، ويُنفق أموالهُ فيما لا يحصُل له ثوابُه وأجْرُه. وأبلغُ منْ ذلك قولُ عيس ابن مريم، على نبينا وعليه السلامُ: البرُّ ثلاثةٌ: المنطقُ، والنَّظرُ، والصَّمتُ، فمنْ كان منطقُه في غيرِ ذكرٍ فقد لغا، ومنْ كان نظرُه في غيْرِ اعتبارٍ فقدْ سها، ومنْ كان صمْته في غيرِ فِكْرٍ فقد لها.

стр. 369

اللهُ وليُّ الذين آمنُوا العبدُ بحاجةٍ إلى إلهٍ، وفي ضرورةٍ إلى مولىً، ولابدَّ في الإلهِ من القُدرةِ والنُّصرةِ، والحُكمِ، والغنمِ، والغناءِ والقوةِ، والبقاءِ. والمُتَّصِفِ بذلك هو الواحدُ الأحدُ الملكُ المهيمنُ، جلَّ في علاه. فليس في الكائناتِ ما يسكُن العبدُ إليهِ ويطمئنُّ به، ويتنعَّمُ بالتَّوجُّه إليه إلا اللهُ سبحانه، فهو ملاذُ الخائفين، ومعاذُ المُلجئِين، وغوْثُ المستغيثين، وجارُ المستجيرين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ، ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ ، ومنْ عبد غيْر اللهِ، وإنْ أحبَّه وحصل له به مودَّةٌ في الحياةِ الدنيا، ونوعٌ من اللَّذَّةِ - فهو مَفْسَدةٌ لصاحبه أعظمُ منْ مفسدةِ التذاذِ أكلِ الطعامِ المسمومِ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فإنَّ قوامهُما بأنْ تألها الإله الحقَّ، فلو كان فيهما آلهةٌ غيرُ اللهِ، لم يكنْ إلهاً حقّاً، إذ اللهُ لا سمِيّ له ولا مِثْل له، فكانتْ تفسُد، لانتفاء ما به صلاحُها، هذا من جهة الإلهية. فعُلِم بالضرورة اضطرار العبدِ إلى إلهِهِ ومولاهُ وكافِيهِ وناصرِه، وهو اتِّصالُ الفاني بالباقي، والضعيفِ بالقويِّ، والفقيرِ بالغنيِّ، وكلُّ منْ لم يتَّخِذ الله ربّاً وإلهاً، اتَّخذ غيره من الأشياءِ والصورِ والمحبوباتِ والمرغوباتِ، فصار عبداً لها وخادماً، لا محالة في ذلك: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ، ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ . وفي الحديثِ: ((يا حُصيْنُ، كم تعبدُ؟)) قال: أعبدُ سبعةً، ستةً في الأرضِ، وواحداً في السماءِ. قال: ((فمنْ لِرغبِك ولِرهبِك؟)) . قال: الذي في السماءِ. قال: ((فاترُكِ التي في الأرضِ، واعبُدِ الذي في السماءِ)) .

стр. 370

واعلمْ أنَّ فقر العبدِ إلى اللهِ، أنْ يعبد الله لا يُشركُ به شيئاً، ليس له نظيرٌ فيُقاسُ به، لكنْ يُشبِهُ - منْ بعضِ الوجوهِ - حاجة الجسدِ إلى الطعامِ والشرابِ، وبينهما فروقٌ كثيرةٌ. فإنَّ حقيقة العبدِ قلبُه ورُوحُه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها اللهِ الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئنَّ في الدنيا إلا بذكْرِه، وهي كادحةٌ إليه كدْحاً فمُلاقيتُه، ولابُدَّ لها منْ لقائِه، ولا صلاح لها إلا بلقائِهِ. ومنْ لقاء اللهِ قد أحبَّا ... كان له اللهُ أشدَّ حُبّا وعكسُه الكارِهُ فالله اسألْ ... رحْمتهُ فضلاً ولا تتكِلْ ولو حصل للعبد لذَّاتٌ أو سرورٌ بغيرِ اللهِ، فلا يدومُ ذلك، بلْ ينتقلُ منْ نوع إلى نوع، ومنْ شخصٍ إلى شخصٍ، ويتنعَّمُ بهذا في وقتٍ وفي بعض الأحوالِ، وتارةً أُخرى يكون ذلك الذي يتنعَّمُ به ويلتذُّ، غير منعّمٍ لهُ ولا ملتذٍّ له، بلْ قد يُؤذيهِ اتّصالُه به ووجودُه عنده، ويضرُّه ذلك. وأمّا إلههُ فلابُدَّ لهُ منه في كلِّ حالٍ وكلِّ وقتِ، وأينما كان فهو معه. عساك ترضى وكلُّ الناسِ غاضبةٌ ... إذا رضيت فهذا مُنتهى أملي وفي الحديثِ: ((منْ أرضى الله بسخطِ الناسِ، رضي الله عليه، وأرضى عنه الناس. ومنْ أسخط الله برضا الناس، سخِط اللهُ عليه وأسخط عليهِ الناس)) . ولا زلتُ أذكرُ قصَّة (العكوَّك) الشاعرِ وقدْ مدح أبا دلفٍ الأمير فقال: ولا مددْت يداً بالخيرِ واهِبةً ... إلاَّ قضيت بأرزاقٍ وآجالِ فسلَّط اللهُ عليهِ المأمون فَقَتَلَه على بساطِهِ بسببِ هذا البيت ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 371

إشاراتٌ في طريقِ الباحِثِين للسعادةِ والفلاحِ علاماتٌ تلوحُ، وإشاراتٌ تظهرُ، وهي شهودٌ على رقيِّ صاحبها، ونجاحِ حامِلها، وفلاحِ منِ اتَّصف بها. فمنْ علاماتِ السعادةِ والفلاحِ: أنَّ العبد كلَّما زاد وزُنه ونفاستُه، غاص في قاعِ البحارِ، فهو يعلمُ أنَّ العلم موهبةٌ راسخةٌ يمتحِنُ اللهُ بها منْ شاء، فإنْ أحْسَنَ شُكَرَها، وأحسن في قبُولِهِ، رَفعهُ به درجاتٍ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ . وكلَّما زِيد في عملهِ، زيد في خوفِهِ وحَذَرِه، فهو لا يأمنُ عثرة القدمِ، وزلَّة اللسانِ، وتقلُّب القلبِ، فهو في مُحاسبةٍ ومُراقبةٍ كالطائرِ الحذِر، كلَّما وقع على شجرةٍ تركها لأخرى، يخافُ مهارة القنَّاص، وطائشة الرصاصِ. وكلَّما زيد في عمرِه، نقص من حِرْصِهِ ويعلمُ علم اليقينِ أنَّهُ قدِ اقترب من المنتهى، وقطع المرحلة، وأشرف على وادي اليقين. وهو كلَّما زِيد في مالِه، زيد في سخائِه وبذْلهِ؛ لأنَّ المال عاريةٌ، والواهب ممتحنٌ، ومناسباتِ الإمكانِ فُرصٌ، والموت بالمرصادِ. وهو كلَّما زيد في قدْرِه وجاهِه، زيد في قُربِه من الناسِ وقضاءِ حوائجِهم والتَّواضُعِ لهم؛ لأنَّ العباد عيالُ الله، وأحبُّهم إلى اللهِ أنفعُهم لعيالِه. وعلاماتُ الشقاوةِ: أنَّ كلَّما زيد في علمِهِ، زيد في كِبْره وتيههِ، فعلْمُه غيرُ نافعٍ، وقلبُه خاوٍ، وطبيعتُه ثخينةٌ، وطينتُه سِباخٌ وعْرةٌ. وهو كَّلما زيد في عملِه، زِيد في فخْره واحتقارِه للناس، وحُسْنِ ظنَّه بنفسهِ. فهو الناجي وحده، والباقون هلْكى، وهو الضامنُ جواز المفازةِ، والآخرون على شفا

стр. 372

المتالِفِ. وهو كلَّما زِيد في عمرِه، زيد في حِرصِهِ، فهو جمُوعٌ منُوعٌ، لا تُحرِّكهُ الحوادِثُ، ولا تُزعزعُه المصائبُ، ولا تُوقِظهُ القوارِعُ. وهو كلَّما زِيد في مالِه، زيد في بُخلِه وإمساكِه، فقلْبُه مقفرٌ من القِيم، وكفُّه شحيحةٌ بالبذْلِ، ووجهُه صفيقٌ عريَّ من المكارمِ. وهو كلَّما زيد في قدْرِه وجاهِه، زيِد في كِبرِه وتيْهِه، فهو مغرورٌ مدحورٌ، طائشُ الإرادةِ منتفخُ الرِّئةِ، مريشُ الجناحِ، لكنَّه في النهايةِ لا شيء: ((يُحشر المتكبَّرون يوم القيامةِ في صورةِ الذَّرِّ، يطؤهُمْ الناسُ بأقدامِهمْ)) . وهذهِ الأموُر ابتلاءٌ من اللهِ وامتحانٌ، يَبْتَلي بها عباده فيسْعدُ بها أقوامٌ، ويشقى بها آخرون. الكرامةُ ابتلاءٌ وكذلك الكراماتُ امتحانٌ وابتلاءٌ، كالمُلْكِ والسُّلطانِ والمالِ، قال تعالى عنْ نبيِّه سليمان لمَّا رأى عِرش بلقيس عنده: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ، فهو سبحانه يُسْدِي النعمة ليرى منْ قبِلها بقبُولٍ حسن، وشكرها وحفظها، وثمَّرها وانتفع ونفع بها، ومنْ أهلها وعطَّلها، وكفرهاً وصرفها في مُحاربةِ المعطي، واستعان بها في مُحادّةِ الواهبِ جلِّ في عُلاهُ. فالنِّعمُ ابتلاءٌ من اللهِ وامتحانٌ، يظهرُ بها شُكْرُ الشكُورِ وكُفرُ الكفورِ. كما أنَّ المحنَ منهُ سبحانه، فهو يبتلي بالنعمِ كما يبتلي بالمصائبِ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿١٦﴾ كَلَّا....﴾ ، أي ليس كلُّ منْ وسَّعْتُ عليهِ وأكرمتُه ونعَّمتُه، يكونُ ذلك إكراماً مني له، ولا كلُّ منْ ضيَّقتُ عليهِ رزقه وابتليتُه، يكونُ إهانةً مني له.

стр. 373

الكنوزُ الباقيةُ إنَّ المواهب الجزيلة والعطايا الجليلة، هي الكنوزُ الباقيةُ لأصحابها، الراحلةُ معهمْ إلى دارِ المقامِ، من الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والبر والتقُّى والهجرةِ والجهادِ والتوبة والإنابةِ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... ﴾ إلى قولهِ تعالى: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . همَّةٌ تنطحُ الثُّريَّا إذا أُعطي العبدُ همَّةً كبرى، ارتحلتْ بهِ في دروبِ الفضائلِ، وصعِدتْ بهِ في درجاتِ المعالي. ومنْ سجايا الإسلامِ التَّحلِّي بكِبر الهمَّةِ، وجلالةِ المقصودِ، وسموِّ الهدفِ، وعظمةِ الغايةِ. فالهمَّة هي مركزُ السالبِ والموجبِ في شخصِك، الرقيبُ على جوارحِك، وهي الوقودُ الحسِّيُّ والطاقةُ الملتهبةُ، التي تمدُّ صاحبها بالوثوبِ إلى المعالي والمسابقةِ إلى المحامِدِ. وكِبَرُ الهمَّةِ يجلبُ لك. بإذن اللهِ خيْراً غير مجذوذٍ، لترقى إلى درجاتِ الكمالِ، فيُجْرِي في عروقِك دم الشهامةِ، والركْضِ في ميدانِ العلمِ والعملِ. فلا يراك الناسُ واقفاً إلا على أبواب الفضائلِ، ولا باسطاً يديْك إلا لمهمَّاتِ الأمورِ، تُنافسُ الرُّوَّاد في الفضائلِ، وتُزاحمُ السَّادة في المزايا، لا ترضى بالدُّون، ولا تقفُ في الأخيرِ، ولا تقبلُ بالأقلِّ. وبالتحلِّي بالهِمَّةِ، يُسلبُ منك سفساف الآمال

стр. 374

والأعمالِ، ويُجتثُّ منك شجرةُ الذُّلِّ والهوانِ، والتملُّق، والمداهنةِ، فكبيرُ الهِمَّةُ ثابتُ الجأشِ، لا تُرهبُه المواقفُ، وفاقدُها جبانٌ رِعديدٌ، تُغلقُ فمه الفهاهةُ. ولا تغلطْ فتخْلِط بين كِبرِ الهمة والكِبْر، فإن بينهما من الرْق كما بين السماء ذاتِ الرَّجعِ والأرضِ ذاتِ الصَّدْعِ، فكِبرُ الهمَّةِ تاجٌ على مفْرِق القلبِ الحُرِّ المثالي، يسعى به دائماً وأبداً إلى الطُّهرِ والقداسةِ والزِّيادة والفضلِ، فكبيرُ الهمّةِ يتلمَّظُ على ما فاته من محاسن، ويتحسَّرُ على ما فقده من مآثِر، فهو في حنينٍ مستمرٍّ، ونهمٍ دؤوبٍ للوصولِ إلى الغايةِ والنهايةِ. كِبَرُ الهمَّةِ حِلْيةُ ورثةِ الأنبياءِ، والكِبْرُ داءُ المرضى بعلَّة الجبابرةِ البؤساءِ. فكِبرُ الهمَّةِ تصعَدُ بصاحبِها أبداً إلى الرُّقيِّ، والكِبْرُ يهبطُ به دائماً إلى الحضيضِ. فيا طالب العلم، ارسمْ لنفسك كِبر الهمّةِ، ولا تنفلتْ منها وقد أومأ الشرعُ إليها في فقهيَّاتٍ تُلابس حياتك، لتكون دائماً على يقظةٍ من اغتنامِها، ومنها: إباحةُ التَّيمُّمِ للمكلَّفٍ عند فقْدِ الماءِ، وعدمُ إلزامهِ بقبُولِ هِبةٍ ثمن الماءِ للوضوءِ، لما في ذلك من المنَّةِ التي تنالُ من الهمَّة منالاً، وعلى هذا فقيِسْ. فالله الله في الاهتمامِ بالهمَّةِ، وسلِّ سيفِها في غمراتِ الحياةِ: هو الجِدّث حتى تفضُل العينُ أختها ... وحتَّى يكون اليومُ لليومِ سيِّدا

стр. 375

قراءة العقول ممَّا يشرح الخاطر ويسُرُّ النَّفْس، القراءةُ والتأمُّلُ في عقولِ الأذكياءِ وأهلِ الفِطنةِ، فإنَّها متعةٌ يسلو بها المُطالعِ لتلك الإشراقاتِ البديعةِ من أولئك الفطناءِ. وسيِّدُ العارفين وخيرةُ العالمين، رسولُنا ﷺ ، ولا يُقاسُ عليهِ بقيّةُ الناسِ، لأنهُ مؤيَّدٌ بالوحْي، مصدَّقٌ بالمعجزاتِ، مبعوثٌ بالآياتِ البيِّناتِ، وهذا فوق ذكاءِ الأذكياء ولمُوع الأدباءِ. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال أبقراطُ: «الإقلالُ من الضَّارّ، خيرٌ من الإكثارِ من النافعِ» . وقال: «استديموا الصِّحَّة بترْكِ التَّكاسُلِ عن التعبِ، وبتركِ الامتلاءِ من الطعامِ والشرابِ» . وقال بعضُ الحكماءِ: «من أراد الصحة: فليُجوِّد الغداء، وليأكُلْ على نفاءٍ، وليشربْ على ظماءٍ، وليُقلِّلْ من شُربِ الماءِ، ويتمدَّدْ بعد الغداءِ، ويتمشَّ بعد العشاءِ، ولا ينمْ حتى يعرض نفسهُ على الخلاءِ، وليحْذرْ دخول الحمَّامِ عقيِب الامتلاء، ومرَّةٌ في الصيفِ خيرٌ من عشرٍ في الشتاءِ» . وقال الحارثُ: «من سرَّه البقاءُ - ولا بقاء - فليُباكِرِ الغداءَ، وليُعجِّلِ العشاء، ولُخفِّفِ الرِّداء، وليُقلَّ غِشيان النساءِ» . وقال أفلاطون: «خمسٌ يُذبْن البَدنَ، وربما قَتَلْنَ: قِصَرُ ذاتِ اليدِ، وفراقُ الأحبَّةِ، وتجرُّعُ المغايظِ، وردُّ النُّصح، وضحِكُ ذوي الجهلِ بالعقلاءِ» .

стр. 376

ومن جوامعِ كلماتِ أبقراط قولهُ: «كلُّ كثيرٍ، فهو مُعادٍ للطبيعةِ» . وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرضُ؟ فقال: «لأني لم أجمعْ بين طعاميْنِ رديئينِ، ولم أُدخِل طعاماً على طعامٍ، ولم أحبِسْ في المعدةِ طعاماً تأذَّيتُ منه» . وأربعةُ أشياء تُمرضُ الجسْم: الكلامُ الكثيرُ، والنومُ الكثيرُ، والأكلُ الكثيرُ، والجماعُ الكثيرُ. فالكلامُ الكثيرُ: يقلِّل مُخَّ الدِّماغِ ويُضعفُه، ويعجِّلُ الشَّيْب. والنومُ الكثيرُ: يصفِّرُ الوجه، ويُعمي القلب، ويُهيِّجُ العين، ويُكسلُ عن العملِ، ويولِّدُ الغليظة، والأدواء العسِرة. والجماعُ الكثيرُ: يَهُدُّ الَبَدنَ، ويُضعفُ القُوى، ويُجفِّفُ رُطُوبات البدنِ، ويُرخي العصبَ، ويُورثُ السُّدَدَ، ويعُمُّ ضررُهُ جميع البدنِ، ونخفضُّ الدِّماغ لكثْرةِ ما يتحلَّلُ منهُ من الرُّوحِ النَّفساني. ولإضعافُهُ أكثر من إضعافِ جميعِ المستفرغاتِ، ويستفرِغ من جوهرِ الرُّوحِ شيئاً كثيراً. أربعةٌ تهدم البدن: الهمُّ، والحزنُ، والجوعُ، والسَّهرُ. وأربعة تُفرحُ: النَّظرُ إلى الخُضرةِ، وإلى الماءِ الجاري، والمحبوبِ، والثمارِ. وأربعة تُظلِم البصر: المشْيُ حافياً، والتَّصبُّحُ والإمساءُ بوجهِ البغيضِ والثقيلِ والعدوُ، وكثْرةُ البُكاءِ، وكثرةًُ النَّظرِ في الخطِّ الدِّقيقِ.

стр. 377

وأربعةٌ تقوِّي الجسم: لُبْسُ الناعمِ، ودخولِ الحمَّامِ المعتدلِ، وأكلُ الطعامِ الحلوِ والدَّسمِ، وشمُّ الروائحِ الطيَّبةِ. وأربعةٌ تُيبِّس الوجه، وتُذهبُ ماءه وبهجتهُ وطلاقَتَهُ: الكذِبُ، والوقاحةُ، وكثْرةُ السؤالِ عن غيرِ علمٍ، وكثْرةُ الفجورِ. وأربعةٌ تزيدُ في ماءِ الوجه وبهجتِه: المروءةُ، والوفُاء، والكرمُ، والتقوى. وأربعةٌ تجلبُ البغضاء والمقْتَ: الكِبْرُ، والحسدُ، والكَذِبُ، والنَّميمةُ. وأربعةٌ تجلبُ الرزق: قيامُ الليلِ، وكثْرةُ الاستغفارِ بالأسحارِ، وتعاهُدُ الصدقةِ، والذِّكْر أول النهارِ وآخِره. وأربعةٌ تمنعُ الرزق: نومُ الصُّبحة، وقلِّةُ الصلاةِ، والكسلُ، والخيانةُ. وأربعةٌ تُضرُّ بالفهمِ والذهنِ: إدمانُ أكْلِ الحامضِ والفواكهِ، والنومُ على القفا، والهمُّ، والغمُّ. وأربعةٌ تزيدُ في الفهم: فراغُ القلبِ، وقلَّةُ التَّملِّي من الطعام والشرابِ، وحُسْنِ تدبيرِ الغذاءِ بالأشياءِ الحُلوةِ والدَّسِمةِ، وإخراجُ الفضلاتِ المثقِّلةِ للبَدنِ.

стр. 378

خُذُوا حِذْركمْ فالحازم يتوقَّفُ حتى يرى ويبصر، ويترقَّب، ويتأمَّل، ويُعيدَ النظر، ويقرأ العواقب، ويقدِّر الخطواتِ، ويُبرم الرأي، ويحتاط ويَحْذر، لئلاَّ يندم، فإن وقع الأمرُ على ما أراد، حَمِدَ الله، وشكر رأيه، وإن كانتِ الأُخرى، قال: قدرَّ اللهُ، وما شاء فَعَلَ. ورضي ولم يحزنْ. فتبيَّنُوا فالعاقلُ ثابتُ القدمِ، سديدُ الرَّأْي، إذا هجمتْ عليهِ الأخبارُ، وأشكلتِ المسائلُ، فلا يأخُذُ بالبوادِر، ولا يتعجَّل الحُكم، وإنما يُمحِّصُ ما يسمعُ، ويقلِّبُ النظر، ويُحادثُ الفكر، ويُشاوِرُ العقلاء، فإنَّ الرَّأْي الخمير، خيرٌ من الرأي الفطيرِ. وقالوا: لأن تُخطئ في العفوِ، خيرٌ منْ أنْ تخطئ في العقوبةِ ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ . اعزمْ وأقْدِمْ إنَّ كلَّ ما أكتبُه هنا منْ آياتٍ وأبياتٍ، وأثرٍ وعِبر، وقصصٍ وحِكم، تدعوك بأنْ تبدأ حياةً جديدةً، مِلْؤُها الرجاءُ في حُسْنِ العاقبةِ، وجميلِ الختامِ، وأفضلِ النتائجِ. ولا تستطيعُ أن تستفيد إلا بهمَّةٍ صادقةٍ، وعزمٍ حثيثٍ، ورغبةٍ أكيدةٍ في أن تتخلَّص منْ همومِك وغمومك وأحزانِك وكآبتِك. قيل لأحدِ العلماءِ: كيف يتوبُ العبدُ؟ قال: لابُدَّ له منْ سوْطِ عَزْمٍ. ولذلك

стр. 379

ميَّز اللهُ أُولي العزمِ بالهِممِ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . وآدمُ ليس من أُولي العَزْمِ، لأنه ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ، وكذلك أبناؤه، فهي شِنْشِنَةٌ نعرفُها مِنْ أخْزمِ، ومنْ يُشابِه أباه فما ظلَمَ، لكن لا تقْتدِ به في الذنبِ، وتُخالِفْه في التوبةِ. واللهُ المستعانُ. ليستْ حياتُنا الدنيا فحسْب سعادةُ الآخرةِ مرهونةٌ بسعادةِ الدنيا، وحقٌّ على العاقِل أن يعلم أنَّ هذه الحياة متَّصلة بتلك، وأنها حياة واحدةُ، الغيب والشهادةُ، والدنيا والآخرة، واليومُ وغدٌ. وظنَّ بعضُهم أنَّ حياته هنا فحسْب، فجمع فأوعى، وتشبَّث بالبقاءِ، وتعلَّق بحياةِ الفناء، ثم مات ومآرُبه وطموحاتُه ومشاغلُه في صدرِه. نروحُ ونغدو لحاجاتِنا ... وحاجةُ منْ عاش لا تنقضي تموت مع المرِ حاجاتهُ ... وتبْقى له حاجةٌ ما بقِي أشاب الصغير وأفني الكبيـ ... ـرُّ الغداةِ ومرُّ العشِي إذا ليلةٌ أهرمت يومها ... أتى بعد ذلك يومٌ فتِي وعجبتُ لنفسي والناسِ من حولي: آمالٌ بعيدةٌ، وأحلامٌ مديدةٌ وطموحاتٌ عارمةٌ، ونوايا في البقاءِ، وتطلَّعاتٌ مُذهلةٌ، ثم يذهبُ الواحدُ منّا ولا يُشاورُ أو يُخبرُ أو يُخبَّرُ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ .

стр. 380

وأنا أعرضُ عليك ثلاث حقائق: الأولى: متى تظنُّ أنك سوف تهدأُ وترتاحُ وتطمئنُّ، إذا لم ترض عن ربَّك وعنْ أحكامِه وأفعالِه وقضائِه وقدرِه، ولم ترض عنْ رزقِك، ومواهبِك وما عندك! الثانية: هلْ شكرت على ما عندك من النِّعم والأيادي والخبرات حتى تطلب غيرها، وتسأل سواها؟! إنَّ منْ عَجَزَ عن القليلِ، أوْلى أن يعجز عن الكثير. الثالثة: لماذا لا نستفيدُ من مواهبِ اللهِ التي وهبنا وأعطانا، فنثمِّرُها، وننمِّيها، ونوظِّفُها توظيفاً حسناً، وننقيها من المثالبِ والشَّوائبِ، وننطلقُ بها في هذه الحياةِ نفعاً وعطاءً وتأثيراً. إن الصِّفاتِ الحميدة والمواهب الجليلة، كامنةٌ في عقولِنا وأجسامِنا، ولكنَّها عند الكثير منّا كالمعادنِ الثمينةِ في التُّرابِ، مدفونةٌ مغمورةٌ مطمورةٌ، لم تجِد حاذقاً يُخرِجُها من الطينِ، فيغسلُها وينقِّيها، لتلمع وتشعَّ وتُعرف مكانتُها. التَّوارِي من البطْش حلٌّ مؤقَّتٌ ريثما يبرُقُ الفرجُ قرأتُ كتاب (المتوارين) لعبدِ الغني الأزديِّ، وهو لطيفٌ جذَّاب، يتحدَّث فيه عمَّن توارى خوفاً من الحجاجِ بن يوسف، فعلمتُ أنَّ في الحياةِ فسحةً، وفي الشَّرِّ خياراً، وعنِ المكروهِ مندوحةً أحياناً.

стр. 381

وذكرتُ بيتينِ للأبيورديِّ عن تواريهِ، يقولُ: تستَّرْتُ مِن دهري بظِلِّ جناحِهِ ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسألِ الأيام عنُي ما دَرَتْ ... وأين مكاني ما عرفت مكاني هذا القارئُ الأديبُ اللامعُ الفصيحُ الصَّادِقُ، أبو عمرو بنُ العلاءِ، يقولُ عن مُعاناتِه في حالة الاختبار: «أخافني الحجَّاجُ فهربتُ إلى اليمن، فولجتُ في بيتٍ بصنعاء، فكنتُ من الغدواتِ على سطحِ ذلك البيتِ، إذْ سمعتُ رجلاً يُنشدُ: رُبَّما تجزعُ النُّفوسُ من الأمـ ... ـرِ لهُ فُرْجَةٌ كحلِّ العِقالِ قال: فقلتُ: فُرْجةٌ. قال: فسُررتُ بها. قال: وقالَ آخرَ: مات الحجّاجُ. قال: فواللهِ ما أدري بأيِّهما كنتُ أُسَرُّ، بقولهِ: فرْجةٌ. أو بقولِه: مات الحجّاجُ» . إنَّ القرار الوحيد النافذ، عند من بيده ملكوتُ السماواتِ والأرضِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ . توارى الحسنُ البصريُّ عنِ عين الحجَّاج، فجاءه الخبرُ بموتِهِ، فسجد شكراً اللهِ. سبحان اللهِ الذي مايز بين خلْقِه، بعضُهم يموتُ، فيُسجدُ غيْرُهُ للشُّكر فرحاً وسروراً ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ . وآخرون يموتون، فتتحوَّلُ البيوتُ إلى مآتِم، وتقرحُ الأجفانُ، وتُطعنُ بموتهم القلوبُ في سويدائِها.

стр. 382

وتوارى إبراهيمُ النَّخعِيُّ من الحجَّاج، فجاءه الخبرُ بموتِهِ، فبكى إبراهيمُ فرحاً. طفح السرورُ عليَّ حتى إنني ... منْ عظمِ ما قد سرَّني أبكاني إنَّ هناك ملاذاتٍ آمنة للخائفين في كَنَف أرحمِ الراحمين، فهو يرى ويسمعُ ويُبصرُ الظالمين والمظلومين، والغالبين والمغلوبين ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ . ذكرتُ بهذا طائراً يسمَّى الحُمَّرة، جاءت تُرفرفُ على رسولِ الله ﷺ ، وهو جالسٌ مع أصحابِه تحت شجرةٍ، كأنها بلسانِ الحالِ تشكو رجلاًَ أخذ أفراخها منْ عشِّها، فقال ﷺ : ((منْ فجع هذه بأفراخِها؟ رُدُّوا عليها أفراخها)) . وفي مثل هذا يقولُ أحدُهم: جاءتْ إليك حمامةٌ مُشتاقةٌ ... تشكو إليك بقلبِ صبِّ واجفِ منْ أخبر الورْقاء أنَّ مكانكم ... حَرَمٌ وأنَّك ملجأٌ للخائِفِ وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: واللهِ لقد فررتُ من الحجَّاج، حتى استحييتُ من اللهِ . ثم جيءَ به إلى الحجّاج، فلمَّا سُلَّ السيفُ على رأسِه، تبسَّم. قال الحجاجُ: لِم تبتسمُ؟ قال: أعجبُ منْ جُرأتك على اللهِ، ومن حِلْمِ الله عليك. يا لها من نفْسٍ كبيرةٍ، ومن ثقةٍ في وعدِ اللهِ، وسكونٍ إلى حُسْنِ المصيرِ، وطِيبِ المُنقلَب. وهكذا فليكُنِ الإيمانُ.

стр. 383

أنت تتعاملُ مع أرحمِ الراحمين إن لفت نَظَرَك هذا الحديثُ، فقد لفت نظري أيضاً، وهو ما رواه أحمد وأبو يعلى والبزارُ والطبرانيُّ، أنَّ شيخاً كبيراً أتى النبي ﷺ وهو مُدَّعِمٌ على عصا، فقال: يا نبيَّ اللهِ، إنَّ لي غدراتٍ وفجراتِ، فهل يُغفرُ لي؟ فقال النبي ﷺ : ((تشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمداً رسول الله؟)) قال: نعمْ يا رسول اللهِ. قال: ((فإن الله قد غفر لك غدراتِك وفجراتِك)) . فانطلق وهو يقول: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ. أفهمُ من الحديث مسائل: منها سعةُ رحمةِ أرحمِ الراحمين، وأنَّ الإسلام يهدمُ ما قبله، وأن التوبة تجبُّ ما قبلها، وأن جبال الذنوب في غفرانِ علاّم الغيوب لاشيءٌ، وأنه يجبُ عليك حُسْنُ الظَّنِّ بمولاك، والرجاءُ في كرمِه العميمِ، ورحمتِه الواسعةِ. براهينُ تدعوك للتفاؤلِ في كتابِ «حُسْنِ الظَّنّ باللهِ» لابن أبي الدنيا، واحدٌ وخمسون ومائة نصٍّ، ما بين آيةٍ وحديث، كلُّها تدعوك إلى التفاؤلِ، وترْكِ اليأسِ والقنوطِ، والمُثابرَة على حُسْنِ الظَّنِّ وحُسْنِ العَمَلِ، حتى إنك لتجدُ نصوصَ الوعدِ أعْظَمَ منْ نصوصِ الوعيدِ، وأدلَّةَ التهديدِ، وقد جعل اللهُ لكلِّ شيءٍ قدراً.

стр. 384

حياةٌ كلُّها تعبٌ لا تحزنْ منْ كدرِ الحياةِ، فإنها هكذا خُلقتْ. إنَّ الأصل في هذه الحياة المتاعبُ والضَّنى، والسرورُ فيها أمرٌ طارئٌ، والفرحُ فيها شيءٌ نادرٌ. تحلو لهذه الدارِ واللهُ لم يرْضها لأوليائِه مستقرَّا؟! ولولا أنَّ الدنيا دارُ ابتلاءٍ، لم تكُنْ فيها الأمراضُ والأكدارُ، ولم يضِقِ العيشُ فيها على الأنبياء والأخبار، فآدمُ يُعاني المِحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوحٌ كذَّبهُ قومُه واستهزؤُوا به، ولإبراهيمُ يُكابِدُ النار وذَبْحَ الولد، ويعقوبُ بكى حتى ذهب بصرُه، وموسى يُقاسي ظُلم فرعون، ويلقى من قومه المِحنَ، وعيسى بنُ مريم عاش معدماً فقيراً، ومحمدٌ ﷺ يُصابِرُ الفقْر، وقتلِ عمِّهِ حمزة، وهو منْ أحبِّ أقاربِه إليه، ونفورِ قومِهِ منهُ. وغير هؤلاء من الأنبياءِ والأولياءِ مما يطُول ذِكْرُهُ. ولو خُلقتِ الدنيا لِلَّذَّةِ، لم يكنْ للمؤمنِ حظٌّ منها. وقال النبي ﷺ : ((الدنيا سجنُ المؤمنِ، وجنَّةُ الكافرِ)) . وفي الدنيا سُجِن الصّالحون، وابتُلي العلماءُ العاملون، ونغِّص على كبارِ الأولياءِ. وكدّرتْ مشارِبُ الصادِقِين. وقفة عن زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول اللهِ ﷺ يقولُ: ((منْ كانتِ الدنيا همَّةُ، فرَّق اللهُ عليهِ أمرهُ، وجعل فقرهُ بين عينيْه، ولم يأتِهِ منَ الدنيا إلا ما كُتب له. ومنْ كانتِ الآخرةُ نِيَّتهُ، جمع اللهُ له أمرهُ، وجعل غناهُ في قلبِهِ، وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ)) .

стр. 385

وعنْ عبدِالله بن مسعودٍ ﵁ قال: سمعتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: ((منْ جعل الهموم هماً واحداً، وهمَّ آخرته، كَفَاهُ اللهُ همَّ دنياه، ومنْ تشعبَّتْ به الهُمُومُ في أحوالِ الدُّنيا، لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أَوْدِيتِها هَلَكَ)) . قال الكاتبُ المعروفُ بـ «الببْغاء» : تنكَّبْ مذْهبَ الهمجِ ... وعُذْ بالصبرِ تبْتَهِجِ فإنَّ مُظلمَ الأيَّا ... م محجوجٌ بلا حُججِ تُسامحُنا بلا شُكرٍ ... وتمْنَعُنا بلا حرجِ ولُطفُ الله في إتيا ... نهِ فتْحٌ مِن اللّججِ فمِنْ ضِيقٍ إلى سعةٍ ... ومِنْ غمٍّ إلى فرجِ الوَسَطِيَّةُ نجاةٌ من الهلاك تمامُ السعادة مبنيٌّ على ثلاثةِ أشياء: ١. اعتدالِ الغضبِ. ٢. اعتدالِ الشهوةِ. ٣. اعتدالِ العِلْمِ. فيحتاجُ أن يكون أمرُها متوسِّطاً، لئلاَّ تزيد قوةُ الشهوةِ، فتُخرِجه إلى الرُّخصِ فيهلِك، أو تزيدُ قوةُ الغضبِ، فيخرُج إلى الجموحِ فيهلك. ((وخيرُ الأمورِ أوسطُها)) .

стр. 386

فإذا توسَّطتِ القُوَّتانِ بإشارة قوَّةِ العِلْمِ، دلَّ على طريقِ الهدايةِ. وكذلك الغضبُ: إذا زاد، سهُل عليهِ الضرْبُ والقتلُ، وإذا نقص، ذهبتِ الغيرةُ والحميَّةُ في الدينِ والدنيا، وإذا توسَّط، كان الصبرُ والشجاعةُ والحِكْمةُ. وكذلك الشهوةُ: إذا زادتْ، كان الفِسْقُ والفجورُ، وإنْ نقصتْ، كان العَجْزُ والفتورُ، وإن توسَّطتْ، كانتِ العفةُ والقناعةُ وأمثالُ ذلك. وفي الحديثِ ((عليكم هدْياً قاصِداً)) ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ المرءُ بصِفاتِهِ الغالِبة منْ سعادتِك أنْ تغْلِب صفاتُ الخيرِ فيك صفاتِ الذَّمِّ، فيُساقُ إليك الثناءُ حتى على شيءٍ ليس فيك، ولم يقْبَلِ الناسُ فيك ذمّا ولو كان صحيحاً، لأنَّ الماء إذا بلغ قُلَّتين لم يحملِ الخبث. إنَّ الجبل لا يزيدُ فيه حجرٌ ولا ينقصهُ حَجَرٌ. طالعتُ هجوماً مقذعاً في قيسِ بن عاصم حليمِ العربِ، وفي البرامكةِ الكرماء، وفي قُتيْبة بن مسلمٍ القائدِ الشهيرِ، ووجدت أنَّ هذا الشتْم والهجْو، لم يُحفظْ ولم يُنقلْ ولم يُصدِّقْه أحدٌ، لأنه سقط في بحرِ المحاسنِ فغرق، ووجدتُ على الضِّدِّ منْ ذلك مدْحاً وثناءً في الحجَّاج، وفي أبي مسلمٍ الخراساني، وفي الحاكم بأمر الله العُبيْدِي، ولكنَّه لم يُحفظْ ولم يُنقلْ ولم يُصدِّقه أحدٌ، لأنه ضاع في ركامِ زيفِهم وظلمِهم وتهوًّرِهم، فسبحان العادلِ بين خلْقِهِ.

стр. 387

هكذا خُلِقت في الحديث: ((كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له)) . فلماذا تُعْسفُ المواهبُ ويُلْوى عنقُ الصِّفاتِ والقدراتِ لَيَّا؟! إن الله إذا أراد شيئاً هيَّأ أسبابه، وما هناك أتْعَسُ نفْساً وأنْكدُ خاطراً من الذي يريدُ أنْ يكون غَيْرَ نَفْسِه، والذكيُّ الأريبُ هو الذي يدرسُ نفسهُ، ويسدُّ الفراغ الذي وُضع له، إن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ، وإنْ كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ، هذا سيبويه شيخُ النَّحْوِ، تعلَّم الحديث فأعياهُ، وتبلَّد حسُّهُ فيع، فتعلَّم النحو، فَمَهَرَ فيه وأتى بالعَجَب العُجاب. يقولُ أحدُ الحكماءِ: الذي يريدُ عملاً ليس منْ شأنِهِ، كالذي يزرعُ النَّخْل في غوطةِ دمشق، ويزرعُ الأتْرُجَّ في الحجازِ. حسانُ بنُ ثابتٍ لا يُجيدُ الأذان، لأنهُ ليس بلالاً، وخالدُ بنُ الوليد لا يقسمُ المواريث، لأنه ليس زيد بن ثابتٍ، وعلماءُ التربيةِ يقولون: حدِّدْ موقِعَكَ. لابُدَّ للذَّكاء مِن زكاء سمعتُ إذاعة لندن تُخبرُ عنْ محاولةِ اغتيالِ الكاتب نجيبِ محفوظٍ، الحائزِ على جائزةِ نوبل في الأدبِ، وعدتُ بذاكراتي إلى كتبٍ له كنتُ قرأتُها مْن قبْلُ، وعجبتُ لهذا الذَّكيِّ، كيف فاتهُ أنَّ الحقيقة أعظمُ من الخيالِ، وأنَّ الخلود أجلُّ من الفناءِ، وأن المبدأ الرَّبّانيَّ السَّماويَّ أسْمى من المبدأِ البشريِّ

стр. 388

﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ . بمعنى أنهُ كتب مسرحياتٍ منْ نسْج خيالِهِ، مُستخدمِاً قدراتِه القويَّة في التصويرِ والعرضِ والإثارةِ، والنهايةُ أنها أخبارٌ لا صحَّة لها. لقد استفدتُ من قراءةِ حياتِه مسألةً كبرى، وهي أنَّ السعادة ليستْ سعاد الآخرين على حسابِ سعادتِك وراحتِك، فليس بصحيحٍ أن يُسرَّ بك الناسُ وأنت في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ، إنَّ بعض الكُتاَّابِ يمدحُ بعض المُبدعِين، ويصفُه بأنه يحترقُ ليُضيء للناس، والمنهجُ السَّويُّ الثابتُ هو الذي يجعلُ المبدع يُضيءُ في نفْسِه ويضيءُ للناسِ، ويعمرُ نفسه بالخيرِ والهدى والرُّشدِ، ليعمر قلوب الناسِ بذلك.

стр. 389

وبعد هذا، فماذا ينفعُ الإنسان لو حاز على مُلكِ كسرى وقلبُه بالباطلِ مكسورٌ، وحصل على سلطانِ قيصر وأملُه عن الخيْرِ مقصورُ؟! إنَّ الموهبةَ إذا لم تكنْ سبباً في النجاةِ، فما نفعُها وما ثمرتُها؟! كُنْ جميلاً تَرَ الوجود جميلاً إنَّ منْ تمامِ سعادتِنا أنْ نتمتَّع بمباهج الحياةِ في حدودِ منطقِ الشرعِ المقدّسِ، فاللهُ أنبت حدائق ذات بهجةٍ، لأنهُ جميلُ يحبُ الجمالَ، ولتقرأُآياِ الوحدانية في هذا الصُّنع البهيج ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ . فالرائحةُ الزَّكيةُ والمطعمُ الشهيُّ والمنظرُ البهيُّ، تزيدُ الصَّدْرَ انشراحاً والرُّوح فرحاً ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ . وفي الحديث: ((حُبِّب إليَّ من دنياكمْ: الطَّيبُ، والنساءُ، وجُعِلتْ قُرَّةُ عيني في الصلاةِ)) . إنَّ الزهدَ القاتِم والورع المُظلِم، الذي دلف علينا منْ مناهج أرضيَّةٍ، قدْ شوَّه مباهج الحياةِ عند كثيرٍ مِنَّا، فعاشُوا حياتهم همَّا وغمَّا وجوعاً وسهراً وتبتُّلاً، بقولُ رسولُنا ﷺ : ((لكنَّي أصومُ وأُفطرُ، وأقومُ وأفترُ، وأتزوَّجُ النساء، وآكُلُ اللحم، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني)) .

стр. 390

وإنْ تعجبْ، فعجبٌ ما فعلهُ بعضُ الطوائفِ بأنفسهمْ! فهذا لا يأكلُ الرّطب، وذاك لا يضحكُ، وآخرُ لا يشربُ الماء البارد، وكأنهم ما علمُوا أنَّ هذا تعذيبٌ للنفسِ وطمْسٌ لإشراقها ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . إنَّ رسولنا ﷺ أكل العسل وهو أزْهدُ الناسِ في الدنيا، واللهُ خلق العسل ليُؤكل: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ . وتزوَّج الثَّيِّباتِ والأبكار: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ . ولبِس أجمل الثيابِ في مناسباتِ الأعيادِ وغيرِها: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . فهو ﷺ يجمعُ بين حقِّ الرُّوحِ وحقِّ الجسدِ، وسعادةِ الدنيا والآخرةِ، لأنه بُعث بدينِ الفطرةِ التي فطرَ اللهُ الناس عليها. أبشِرْ بالفَرَج القريبِ يقولُ بعضُ مؤلِّفي عصرنا: إنَّ الشدائد - مهما تعاظمتْ وامتدَّتْ. لا تدومُ على أصحابِها، ولا تخلَّدُ على مصابِها، بل إنها أقوى ما تكونُ اشتداداً وامتداداً واسوداداً، أقربُ ما تكونُ انقشاعاً وانفراجاً وانبلاجاً، عن يُسْرٍ وملاءةٍ، وفرجٍ وهناءةٍ، وحياةٍ رخيَّةٍ مشرقةٍ وضَّاءةٍ، فيأتي العونُ من اللهِ والإحسانُ عند ذروةِ الشِّدَّةِ والامتحانِ، وهكذا نهايةُ كلِّ ليلٍ غاسِق، فجرٌ صادِقٌ. فما هي إلا ساعةٌ ثُمَّ تنْقضي ... ويَحْمَدُ غِبَّ السَّيْرِ منْ هو سائرُ
следующие страницы →