← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الْأَمْكِنَة المطمئنة. وَقد اسْتدلَّ صَاحب اللب لتعريف الْمَفْعُول لَهُ بزعل المحبور فَقَط من هَذَا الشّعْر. قَالَ شَارِحه: وَإِنَّمَا لم يذكر آخر الْبَيْت ليَكُون شَاهدا أَيْضا للْمَفْعُول لَهُ الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَهُوَ الهول كَمَا ذكر الْمُعَرّف بِالْإِضَافَة لِأَنَّهُ ذكر فِي شرح أَبْيَات الْكتاب أَن الهول عطف على كل وعَلى هَذَا يكون مَفْعُولا بِهِ لَا مَفْعُولا لَهُ فَلَا يكون الْإِتْيَان بِهِ نصا فِي الاستشهاد ا. هـ. قَالَ ابْن خلف: زعل المحبور عطف على مَخَافَة والهول مَعْطُوف على كل ثمَّ قَالَ: وَالْأَصْل) لمخافة ولزعل المحبور وللهول أَي: لأجل هَذِه الْأَشْيَاء يركب كل كثيب. هَذَا كَلَامه. وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين. وأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة قَول ابْن دُرَيْد: (وَالشَّيْخ إِن قومته من زيغه ... لم يقم التثقيف مِنْهُ مَا التوى) على أَنه يجوز أَن يُقَال ضَربته تقويماً فَمَا استقام إِذْ قد يُطلق أَنه حصل التَّأْثِير. والتقويم: التَّعْدِيل يُقَال: قومته تقويماً فتقوّم وَمثله أَقَامَهُ أَي: عدله. والزيغ: الْميل يُقَال: زاغت الشَّمْس تزِيغ زيغاً وأزاغه إزاغة أَي: أماله. والتثقيف: تَعْدِيل المعوج. وَمِنْه: مُتَعَلق بيقم. وَمَا: مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة. والتوى: تعوج وفاعله ضمير مَا على الأول وَضمير الشَّيْخ على الثَّانِي. وَجُمْلَة الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي مَحل رفع خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ الشَّيْخ.

стр. 1052

وَهَذَا الْبَيْت من مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد الْمَشْهُورَة. وَقبل هَذَا الْبَيْت: (وَالنَّاس كالنبت: فَمِنْهُ رائق ... غضّ نضير عوده مرّ الجنى) (وَمِنْه مَا تقتحم الْعين فَإِن ... ذقت جناه انساغ عذباً فِي اللها) (يقّوم الشارخ من زيغانه ... فيستوي مَا انعاج مِنْهُ وانحنى) وَالشَّيْخ إِن قومته من زيغه ... . الْبَيْت (كَذَلِك الْغُصْن يسير عطفه ... لدنا شَدِيد غمزه إِذا عسا) (من ظلم النَّاس تحاموا ظلمه ... وَعز فيهم جانباه واحتمى) (وهم لمن لَان لَهُم جَانِبه ... أظلم من حيات أنباث السفى) وَالنَّاس كلاًّ إِن فحصت عَنْهُم جَمِيع أقطار الْبِلَاد والقرى (عبيد ذِي المَال وَإِن لم يطعموا ... من غمره فِي جرعة تشفي الصدى) (وهم لمن أملق أَعدَاء وَإِن ... شاركهم فِيمَا أَفَادَ وحوى) وتقتحمه الْعين. تفوته وتزدريه. واللها بِالْفَتْح: جمع لهاة وَهِي مَا بَين مُنْقَطع اللِّسَان إِلَى مُنْقَطع الْقلب من أَعلَى الْفَم. والشارخ: الشَّاب. والزيغان: الْعُدُول عَن الْحق وانعاج: انعطف. وَمَا: فِيهِ الْوَجْهَانِ.) وَقَوله: كَذَلِك الْغُصْن الْإِشَارَة رَاجِعَة إِلَى تَقْوِيم الشارخ وَالشَّيْخ. واللدن: اللين والطريّ. والغمز: الْعَصْر بِالْيَدِ والهزّ. وعسا: صلب وَاشْتَدَّ فِي الْقَامُوس: النبث كفلس: النبش وَقيل: التُّرَاب الْمُسْتَخْرج من الْبِئْر. والسفى بسين مُهْملَة مَفْتُوحَة وَفَاء: التُّرَاب وه امن قَوْلهم فِي الْمثل: أظلم من

стр. 1053

حَيَّة لِأَنَّهَا لَا تحفر جحراً وَإِنَّمَا تَأتي إِلَى جُحر قد احتفره غَيرهَا فَتدخل فِيهِ وتغلب عَلَيْهِ فَكل بَيت قصدت إِلَيْهِ هرب أَهله مِنْهُ وخلّوه لَهَا. وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة عدتهَا مِائَتَان وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لَهَا شُرُوح لَا تحصى كَثْرَة. وَأحسن شروحها شرح الْعَلامَة الأديب أبي عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن هِشَام بن إِبْرَاهِيم اللَّخْمِيّ السبتي. وَقد شرحتها أَنا شرحاً موجزاً مَعَ إِيضَاح واف وتبيين شاف فِي أَيَّام الشبيبة. نفع الله بِهِ. ومدح ابْن دُرَيْد بِهَذِهِ الْمَقْصُورَة الشاه وأخاه أَبَا الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل ابْني ميكال يُقَال: إِنَّهَا اشْتَمَلت على نَحْو الثُّلُث من الْمَقْصُور. وفيهَا كل مثل سَائِر وَخبر نَادِر مَعَ سلاسة أَلْفَاظ ورشاقة أسلوب وانسجام معَان يَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب. وَهَذِه نبذة من نسبه وأحواله. وَهُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الأزد بن الْغَوْث وَمِنْه إِلَى قحطان وَهُوَ أَبُو قبائل الْيمن. ولد بِالْبَصْرَةِ فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَنَشَأ بهَا وَتعلم فِيهَا ثمَّ ارتحل مِنْهَا مَعَ عَمه عِنْد ظُهُور الزنج وَسكن عمان وَأقَام اثْنَتَيْ عشرَة سنة ثمَّ عَاد إِلَى الْبَصْرَة وَسكن بهَا زَمَانا ثمَّ خرج إِلَى نواحي فَارس وَصَحب ابْني ميكال وَكَانَا يَوْمئِذٍ على عمالة فَارس وَعمل لَهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوَان فَارس فَكَانَت الْكتب لَا تكْتب إِلَّا عَن رَأْيه وَلَا ينفذ أَمر إِلَّا بعد توقيعه. وَكَانَ سخيّاً متلافاً لَا يمسك درهما.

стр. 1054

ومدحهما بِهِ هـ القصيدة الْمَقْصُورَة فوصلاه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. ثمَّ انْتقل من فَارس إِلَى بَغْدَاد ودخلها سنة ثَمَان وثلثمائة بعد عزل ابْني ميكال وانتقالهما إِلَى خُرَاسَان. وَلما دخل بَغْدَاد أنزلهُ عَليّ بن مُحَمَّد فِي جواره وَأفضل عَلَيْهِ وعرّف الْخَلِيفَة المقتدر العباسي مَكَانَهُ من الْعلم فَأجرى عَلَيْهِ فِي كل شهر خمسين دِينَارا وَلم تزل جَارِيَة عَلَيْهِ إِلَى حِين وَفَاته. وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلثمائة بِبَغْدَاد. وَكَانَ مواظباً على شرب الْخمر قَالَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي: دخلت عَلَيْهِ فرأيته سَكرَان فَلم أعدل إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن شاهين: كُنَّا ندخل عَلَيْهِ فنستحي مِمَّا نرى عِنْده من العيدان وَالشرَاب) الْمُصَفّى. وَعرض لَهُ فِي رَأس التسعين من عمره فالج وَسقي الترياق فبرئ وصحّ وَرجع إِلَى أفضل أَحْوَاله. ثمَّ عاوده الفالج بعد عَام لغذاء ضار تنَاوله فَكَانَ يُحَرك يَدَيْهِ حَرَكَة ضَعِيفَة وَبَطل من محزمه إِلَى قَدَمَيْهِ فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ دَاخل ضج وتألم لدُخُوله. قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عَليّ القالي: كنت أَقُول فِي نَفسِي: إِن الله ّ عاقبه لقَوْله فِي هَذِه الْمَقْصُورَة يُخَاطب الدَّهْر: (مارست من لَو هوت الأفلاك من ... جَوَانِب الجو عَلَيْهِ مَا شكا) وَكَانَ يَصِيح من الدَّاخِل عَلَيْهِ صياح من ينخس بالمسالأّ والداخل بعيد وَكَانَ مَعَ هَذِه الْحَال ثَابت الذِّهْن كَامِل الْعقل. وعاش مَعَ الفالج عَاميْنِ. وَكنت أسأله عَن أَشْيَاء فِي اللُّغَة فيردّ بأسرع من النَّفس بِالصَّوَابِ. وَقَالَ لي مرّة وَقد سَأَلته عَن بَيت لَئِن طفئت شحمتا عينيّ لم تَجِد من يشفيك من اعْلَم. وَكَانَ ينشد كثيرا:

стр. 1055

(فواحزني أَن لاحياة لذيذة ... وَلَا عمل يرضى بِهِ الله صَالح) وَأشهر مشايخه: أَبُو حَاتِم السجسْتانِي والرياشي وَعبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي والأشنانداني. وَسمع الْأَخْبَار من عَمه الْحسن بن دُرَيْد وَمن غَيره. وَله من التآليف: الجمهرة فِي اللُّغَة وَكتاب السرج واللجام وَكتاب الأنواء وَكتاب المجتنى وَهَذِه الْكتب عِنْدِي وَالْحَمْد لله والْمنَّة. . وَله كتاب الِاشْتِقَاق وَكتاب الْخَيل الْكَبِير وَالصَّغِير وَكتاب الملاحن وَكتاب روّاد الْعَرَب وَكتاب الوشاح وَغير ذَلِك. وَكَانَ وَاسع الرِّوَايَة لم ير أحفظ مِنْهُ وَكَانُوا يقرؤون عَلَيْهِ دواوين الْعَرَب فيسابق إِلَى إِتْمَامهَا من حفظه. وَله شعر رائق. قَالَ بعض الْمُتَقَدِّمين: ابْن دُرَيْد أعلم الشُّعَرَاء وأشعر الْعلمَاء. قَالَ المسعوديّ فِي مروج الذَّهَب: كَانَ ابْن دُرَيْد بِبَغْدَاد مِمَّن برع فِي زَمَاننَا فِي الشّعْر. وانْتهى فِي اللُّغَة وَقَامَ مقَام الْخَلِيل بن أَحْمد فِيهَا وَأورد أَشْيَاء فِي اللُّغَة لم تُوجد فِي كتب الْمُتَقَدِّمين. وشعره أَكثر من أَن يُحْصى.

стр. 1056

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره ... وَأعْرض عَن شتم اللَّئِيم تكرما) على أَنه يرد على من اشْترط التنكير فِي الْمَفْعُول لَهُ هَذَا الْبَيْت وَبَيت العجاج السَّابِق. فَإِن قَوْله: ادخاره مفعول لَهُ وَهُوَ معرفَة. قَالَ الأعلم: نصب الادخار والتكرم على الْمَفْعُول لَهُ وَلَا يجوز مثل هَذَا حَتَّى يكون الْمصدر من معنى الْفِعْل الْمَذْكُور قبله فيضارع الْمصدر الْمُؤَكّد لفعله كَقَوْلِك: قصدتك ابْتِغَاء الْخَيْر. فَإِن كَانَ الْمصدر لغير الأول لم يجز حذف حرف الْجَرّ لِأَنَّهُ لَا يشبه الْمصدر الْمُؤَكّد لفعله كَقَوْلِك: قصدتك لرغبة زيد فِي ذَلِك لِأَن الرَّاغِب غير القاصد انْتهى. لَكِن الْمبرد أخرجهُمَا من هَذَا الْبَاب وجعلهما من بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق قَالَ فِي الْكَامِل: قَوْله: وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره أَي: أدخره ادخاراً. وأضافه إِلَيْهِ كَمَا تَقول: ادخاراً لَهُ. وكذكلك قَوْله: تكرماً غنما أَرَادَ لتكرم: فَأخْرجهُ مخرج أتكرم تكرماً انْتهى. وأغفر: أستر يُقَال: غفر الله لي أَي: ستر عني الْعقُوبَة فَلم يعاقبني. والعوراء بِالْفَتْح: الْكَلِمَة القبيحة وَمِنْه الْعَوْرَة للسوءة

стр. 1057

وكل مَا يستحى مِنْهُ. والادخار افتعال من الذخر. وروى أَبُو زيد ف نوادره: وأغفر عوراء الْكَرِيم اصطناعه وَهُوَ افتعال أَيْضا من الصنع وَهُوَ الْفِعْل الْجَمِيل. والإعراض عَن الشَّيْء: الصفح عَنهُ. يَقُول: إِذا بلغتني كلمة قبيحة عَن رجل كريم قَالَهَا فيّ غفرتها لَهُ لأجل كرمه وحسبه وأبقيت على صداقته وادّخرته ليَوْم أحتاج إِلَيْهِ فِيهِ لِأَن الْكَرِيم إِذا فرط مِنْهُ قَبِيح نَدم على مَا فعل وَمنعه كرمه أَن يعود إِلَى مثله وَأعْرض عَن ذمّ اللَّئِيم إِكْرَاما لنَفْسي عَنهُ وَمَا أحسن قَول طرفَة بن (وعوراء جَاءَت من أَخ فرددتها ... بسالمة الْعَينَيْنِ طالبة عذرا) وَهَذَا من أَحْكَام صَنْعَة الشّعْر ومقابلة الألقاب بِمَا يشاكلها ويتمّم مَعَانِيهَا وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ الْكَلَام الْقَبِيح يشبّه بالأعور الْعين سمّي ضدّه سَالم الْعَينَيْنِ. وَقد أورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت فِي التَّفْسِير عِنْد قَوْله تَعَالَى حذر الْمَوْت على أَنه مفعول لَهُ معرّفاً بِالْإِضَافَة كَمَا فِي ادّخاره.) وَهُوَ من قصيدة طَوِيلَة لحاتم الطائيّ تتَعَلَّق بِالْكَرمِ وَمَكَارِم الْأَخْلَاق. وَهِي مسطورة فِي الحماسة البصرية وَغَيرهَا. وَهِي هَذِه: (وعاذلتين هبّتا بعد هجعة ... تلومان متلافاً مُفِيدا ملوّما) ...

стр. 1058

(تلومان لمّا غوّر النَّجْم ضلّة ... فَتى لَا يرى الْإِنْفَاق فِي الْحَمد مغرما) (فَقلت وَقد طَال العتاب عَلَيْهِمَا ... وأوعدتماني أَن تَبينا وتصرما) (أَلا لَا تلوماني على مَا تقدّما ... كفى بصروف الدّهر لمرء محكما) (فإنكما لَا مَا مضى تدركانه ... وَلست على مَا فَاتَنِي متندّما) (فنفسك أكرمها فَإنَّك إِن تهن ... عَلَيْك فَلَنْ تلقى لَهَا الدَّهْر مكرما) (أهن للَّذي تهوى التلاد فَإِنَّهُ ... إِذا مت كَانَ المَال نهباً مقسّما) (يقسمهُ غنما ويشري كَرَامَة ... وَقد صرت فِي خطّ من الأَرْض أعظما) (قَلِيلا بِهِ مَا يحمدنك وَارِث ... إِذا نَالَ مِمَّا كنت تجمع مغنما) (تحلّم عَن الأدنين واستبق ودّهم ... وَلنْ تَسْتَطِيع الْحلم حَتَّى تحلّما) (وعوراء قد أَعرَضت عَنْهَا فَلم تضر ... وَذي أود قوّمته فتقوما) وأغفر عوراء الْكَرِيم ادّخاره ... الْبَيْت (وَلَا أخذل الْمولى وَإِن كَانَ خاذلاً ... وَلَا أشتم ابْن العمّ إِن كَانَ مفحما) (وَلَا زادني عَنهُ غناي تباعداً ... وَإِن كَانَ ذَا نقص من المَال مصرما)

стр. 1059

. (وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إِذا اللَّيْل بالنكس الدنيء تجهما) (وَلنْ يكْسب الصعلوك حمداً وَلَا غنى ... إِذا هُوَ لم يركب من الْأَمر مُعظما) (لحا الله صعلوكاً مناه وهمّه ... من الْعَيْش أَن يلقى لبوساً ومغنماً) (ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا نَومه اسْتَوَى ... تنبّه مثلوج الْفُؤَاد مورّماً) (مُقيما مَعَ المثرين لَيْسَ ببارح ... إِذا نَالَ جدوى من طَعَام ومجثما) (وَللَّه صعلوك يساور همّه ... ويمضي على الْأَحْدَاث والدهر مقدما) (فَتى طلبات لَا يرى الخمص ترحة ... وَلَا شبعة إِن نالها عدّ مغنما) (إِذا مَا رأى يَوْمًا مَكَارِم أَعرَضت ... تيَمّم كبراهن ثمّت صمّما) (ويغشى إِذا مَا كَانَ يَوْم كريهة ... صُدُور العوالي فَهُوَ مختضب دَمًا) ) (يرى رمحه ونبله ومجنّه ... وَذَا شطب عضب الضريبة مخذما) (وأحناء سرج فاتر ولحامه ... عتاد فَتى هيجاً وطرفاً مسوّما) (فَذَلِك إِن يهْلك فحسنى ثَنَاؤُهُ ... وَإِن عَاشَ لم يقْعد ضَعِيفا مذمّما) قَوْله: هبتا أَي: استيقظتا. وغور النَّجْم أَي: غَابَتْ الثريا. وَقَوله: ضلة هُوَ قيد فِي اللوم لامه ضلة: إِذا لم يوفق للرشاد فِي لومه. والمغرم بِالْفَتْح الغرامة. وأغبر الْجوف: الْقَبْر وَمثله: خطّ من الأَرْض. وَقَوله: حَتَّى تحلما أَي: تتحلم أَي: تتكلف الْحلم. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب.

стр. 1060

وَقَوله: فَلم تضر من ضار يضير ضد نفع. والأود بِفتْحَتَيْنِ: الاعوجاج. والنكس بِكَسْر النُّون: الرَّدِيء وَأَصله السهْم الَّذِي كسر فَوْقه. وتجهّم: كلح وَجهه. ولحا الله: قبح الله. والصعلوك بِالضَّمِّ: الْفَقِير. ومثلوج الْفُؤَاد: البليد الَّذِي لَيست فِيهِ حرارة من الهمة. والمجثم بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْمُثَلَّثَة: مَكَان الجثوم وَهُوَ بروك الطَّائِر. وَقَوله: وَللَّه صعلوك تعجب ومدح يُقَال: عِنْد استغراب الشَّيْء واستعظامه أَي: هُوَ صنع الله ومختاره إِذْ لَهُ الْقُدْرَة على خلق مثله. ويساور: يواثب. وهمه أَي: عزمه مفعول. وَقَوله: ويمضي على الْأَحْدَاث أَي: لَا يشْغلهُ الدَّهْر وحوادثه فِي حَالَة إقدامه على مَا يُرِيد. وَقَوله: فَتى طلبات إِشَارَة إِلَى علو همته. والخمص بِالْفَتْح: الْجُوع. والترحة: ضد الفرحة. والشبعة: الْمرة من الشِّبَع. وثمت: حرف يعْطف الْجمل. ورمحه وَمَا عطف عَلَيْهِ: مفعول أول ليرى وعتاد هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. ذَا شطب هُوَ السَّيْف جمع شطبة: وَهِي الطَّرِيقَة فِي متن السَّيْف. والمجنّ بِالْكَسْرِ: الترس والدرقة. والعضب: الْقَاطِع. والضريبة: مَوضِع الضَّرْب. والمخذم بِكَسْر أَوله وبالمعجمتين: السَّيْف الْقَاطِع وبإعجام الثَّانِي فَقَط من الخذم وَهُوَ الْقطع السَّرِيع. والأحناء: جمع حنو بِالْكَسْرِ يُطلق على مَا فِيهِ اعوجاج من القتب والسرج وَغَيرهمَا. والقاتر بِالْقَافِ وبالمثناة الْفَوْقِيَّة: الواقي والحافظ لَا يعقر ظهر الْفرس. وعتاد بِالْفَتْح: العدّة. وطرفا: مَعْطُوف على رمحه الَّذِي هُوَ أول مفعولي يرى وَهُوَ الْكَرِيم من الْخَيل. والمسوّم: الْمعلم تشهيراً لعتقه ولكرمه من السومة وَهِي الْعَلامَة أَو الْمسيب فِي المرعى وَلَا يركب إِلَّا فِي الحروب. وَقَوله: فَذَلِك إِن يهْلك الخ الْحسنى: مصدر كالبشرى وَقيل: اسْم للإحسان.

стр. 1061

وَالْمعْنَى: لله فَقير يواثب همته ويمضي مقدما على الدَّهْر وَالْحَال أَنه فَتى طلبات يَتَجَدَّد طلبه) كل سَاعَة والدهر يسعفه بمطلوبه لجدّه ورشده وَلَا يرى الْجُوع شدَّة وَلَا الشِّبَع غنيمَة لعلو وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذِهِ الأبيات من قَوْله: صعلوك يساور همه إِلَى آخر الأبيات السَّبْعَة عِنْد قَوْله: أُولَئِكَ على هدى من رَبهم على أَن اسْم الْإِشَارَة وَهُوَ أُولَئِكَ مُؤذن بِأَن الْمَذْكُورين قبله أهل لِاكْتِسَابِ مَا بعده للخصال الَّتِي عدّت لَهُم. فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْمُتَّقِينَ بقوله هدى لِلْمُتقين ثمَّ عدّد لَهُم خِصَالًا من كَونهم يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة وينفقون مِمَّا رزقهم الله ويؤمنون بِمَا أنزل على رَسُوله ويوقنون بِالآخِرَة. ثمَّ عقّب ذَلِك بقوله: فَذَلِك إِن يهْلك فحسنى ثَنَاؤُهُ وحاتم هُوَ حَاتِم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امْرِئ الْقَيْس بن عدي بن أخزم الطائيّ الْجواد الْمَشْهُور وَأحد شعراء الْجَاهِلِيَّة. ويكنى أَبَا عدي وَأَبا سفّانة بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْفَاء. وَابْنه أدْرك الْإِسْلَام وَأسلم.

стр. 1062

وَقد مشت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين. أخرج أَحْمد فِي مُسْنده عَن ابْنه عديّ قَالَ: قلت يَا رَسُول الله: إِن أبي كَانَ يصل الرَّحِم وَيفْعل كَذَا وَكَذَا قَالَ: إِن أَبَاك أَرَادَ امراً فأدركه يَعْنِي: الذّكر. وَكَانَت سفّانة بنته أُتِي بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَت: يَا مُحَمَّد هلك الْوَالِد وَغَابَ الْوَافِد فَإِن رَأَيْت أَن تخلي عني وَلَا تشمت بِي أَحيَاء الْعَرَب فَإِن أبي سيد قومه: كَانَ يفك العاني ويحمي الديار ويفرّج عَن المكروبن وَيطْعم الطَّعَام ويفشي السَّلَام وَلم يطْلب إِلَيْهِ طَالب قطّ حَاجَة فردّه أَنا ابْنة حَاتِم طيّ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: يَا جَارِيَة هَذِه صفة الْمُؤمن لَو كَانَ أَبوك إسلامياً لترحّمنا عَلَيْهِ خلّوا عَنْهَا فَإِن أَبَاهَا كَانَ يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ حَاتِم من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ جواداً يشبه جوده شعره وَيصدق قَوْله فعله وَكَانَ حَيْثُمَا نزل عرف منزله وَكَانَ مظفراً: إِذا قَاتل غلب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا ضرب بِالْقداحِ فَازَ وَإِذا سَابق سبق وَإِذا أسر أطلق وَكَانَ أقسم بِاللَّه: لَا يقتل وَاحِد أمه وَكَانَ إِذا أهل رَجَب نحر فِي كل يَوْم عشرَة من الْإِبِل وَأطْعم النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِ. وَكَانَ أول مَا ظهر من جوده أَن أَبَاهُ خَلفه فِي إبِله وَهُوَ غُلَام فَمر بِهِ جمَاعَة من الشُّعَرَاء فيهم عبيد بن الأبرص وَبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني يُرِيدُونَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَقَالُوا) لَهُ: هَل من قرى وَلم يعرفهُمْ فَقَالَ: أتسألوني الْقرى وَقد رَأَيْتُمْ الْإِبِل وَالْغنم انزلوا فنزلوا فَنحر

стр. 1063

لكل وَاحِد مِنْهُم وسألهم عَن أسمائهم فأخبروه فَفرق فيهم الْإِبِل وَالْغنم وَجَاء أَبوهُ فَقَالَ: مَا فعلت قَالَ: طوقتك مجد الدَّهْر تطويق الْحَمَامَة وعرفه الْقَضِيَّة. فَقَالَ أَبوهُ: إِذا لَا أساكنك بعْدهَا أبدا وَلَا أوويك فَقَالَ حَاتِم: إِذا لَا أُبَالِي. روى مُحرز مولى أبي هُرَيْرَة قَالَ: مر نفر من عبد الْقَيْس بِقَبْر حَاتِم فنزلوا قَرِيبا مِنْهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ: أَبُو الْخَيْبَرِيّ وَجعل يرْكض بِرجلِهِ قَبره وَيَقُول: اقرنا. فَقَالَ بَعضهم: وَيلك مَا يَدْعُوك أَن تعرض لرجل قد مَاتَ قَالَ: إِن طيئاً تزْعم أَنه مَا نزل بِهِ أحد إِلَّا قراه. ثمَّ أجنهم اللَّيْل فَنَامُوا. فَقَامَ أَبُو الْخَيْبَرِيّ فَزعًا وَهُوَ يَقُول: واراحلتاه فَقَالُوا لَهُ: مَالك قَالَ: أَتَانِي حَاتِم فِي النّوم وعقر نَاقَتي بِالسَّيْفِ وَأَنا أنظر إِلَيْهَا ثمَّ أَنْشدني شعرًا حفظته يَقُول فِيهِ: (أَبَا الْخَيْبَرِيّ وَأَنت امْرُؤ ... ظلوم الْعَشِيرَة شتامها) (اتيت بصحبك تبغي الْقرى ... لَدَى حُفْرَة قد صدت هامها) (أتبغي لي الذَّم عِنْد الْمبيت ... وحولك طي وأنعامها) (فَإنَّا سنشبع أضيافنا ... ونأتي الْمطِي فنعتامها) فَقَامُوا وَإِذا نَاقَة الرجل تكوس عقيراً فانتحروها وَبَاتُوا يَأْكُلُون

стр. 1064

وَقَالُوا قرانا حَاتِم حَيا وَمَيتًا وأردفوا صَاحبهمْ وَانْطَلَقُوا سائرين وَإِذا بِرَجُل رَاكب بَعِيرًا ويقود آخر قد لحقهم وَهُوَ يَقُول: أَيّكُم أَبُو الْخَيْبَرِيّ قَالَ الرجل: أَنا. قَالَ: فَخذ هَذَا الْبَعِير أَنا عدي بن حَاتِم جَاءَنِي حَاتِم فِي النّوم وَزعم أَنه قراكم بناقتك وَأَمرَنِي أَن أحملك فشأنك وَالْبَعِير وَدفعه إِلَيْهِم وَانْصَرف. وَإِلَى هَذِه الْقَضِيَّة أَشَارَ ابْن دارة الْغَطَفَانِي فِي قَوْله يمدح عدي بن حَاتِم: (بِهِ تضرب الْأَمْثَال فِي الشّعْر مَيتا ... وَكَانَ لَهُ إِذْ ذَاك حَيا مصاحبا) (قرى قَبره الأضياف إِذْ نزلُوا بِهِ ... وَلم يقر قبر قبله والدهر رَاكِبًا) ٣ - (بَاب الْمَفْعُول مَعَه) أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (جمعت وفحشاً غيبَة ونميمة ... ثَلَاث خلال لست عَنْهَا بمرعوي) على أَن أَبَا الْفَتْح ابْن جني أجَاز تقدم الْمَفْعُول مَعَه على الْمَعْمُول المصاحب متمسكاً بِهَذَا الْبَيْت وَالْأَصْل جمعت غيبَة وفحشاً. وَالْأولَى الْمَنْع رِعَايَة لأصل الْوَاو. وَالشعر ضَرُورَة. أَقُول: ذكره ابْن جني فِي الخصائص قَالَ: وَلَا يجوز تَقْدِيم الْمَفْعُول

стр. 1065

مَعَه على الْفِعْل من حَيْثُ كَانَت صُورَة هَذِه الْوَاو صُورَة العاطفة أَلا تراك لَا تستعملها إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي لَو شِئْت لاستعملت العاطفة فِيهِ فَلَمَّا ساوقت حرف الْعَطف قبح: والطيالسة جَاءَ الْبرد كَمَا قبح: وَزيد قَامَ عَمْرو لكنه يجوز جَاءَ والطيالسة الْبرد كَمَا تَقول: ضربت وزيداً عمرا قَالَ: جمعت وفحشاً غيبَة ونميمة وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَلَا يجوز تَقْدِيم التَّابِع على الْمَتْبُوع للضَّرُورَة إِلَّا فِي الْعَطف دون الصّفة والتوكيد وَالْبدل. ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا جَازَ فِي الضَّرُورَة تَقْدِيم الْمَعْطُوف لِأَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَالصّفة هِيَ الْمَوْصُوف وَكَذَلِكَ الْمُؤَكّد عبارَة عَن الْمُؤَكّد وَالْبدل إِمَّا أَن يكون هُوَ الْمُبدل أَو بعضه أَو شَيْئا ملتبساً بِهِ. وَمثله: (أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام. . اه) فَجعله من بَاب تَقْدِيم الْمَعْطُوف لَا من بَاب تَقْدِيم الْمَفْعُول مَعَه لِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل. لَكِن فِي تنظيره نظر فَإِن قَوْله وَرَحْمَة الله مَعْطُوف عِنْد سِيبَوَيْهٍ على الضَّمِير المستكن فِي الظّرْف أَعنِي قَوْله عَلَيْك كَمَا تقدم بَيَانه. وَقَوله: خلالاً ثَلَاثًا بدل من قَوْله غيبَة ونميمة وفحشاً جمع خلة بِالْفَتْح كالخصلة لفظا وَمعنى. وارعوى عَن الْقَبِيح: رَجَعَ عَنهُ. وَهَذَا الْبَتّ من قصيدة جَيِّدَة فِي بَابهَا ليزِيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ

стр. 1066

الثَّقَفِيّ. قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: عَاتب فِي هَذِه القصيدة ابْن عَمه عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَله قصائد أخر يُعَاتب فِيهَا أَخَاهُ عبد ربه بن الحكم. وَأورد هَذِه القصيدة القالي فِي أَمَالِيهِ والأصبهاني فِي أغانيه وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ مختصرة. وَفِي رِوَايَة كل وَاحِد مِنْهُم مَا لَيْسَ فِي رِوَايَة الآخر.) وأوردها أَبُو عَليّ الْفَارِسِي بِتَمَامِهَا فِي الْمسَائِل البصرية وَهَذِه رِوَايَته لكنه قَالَ: قَالَهَا لِأَخِيهِ من أَبِيه وَأمه عبد ربه بن الحكم. وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا يظْهر مِنْهَا: (لسَانك لي أرِي وغيبك علقم ... وشرّك مَبْسُوط وخيرك ملتوي) (تفاوض من أطوي طوى الكشح دونه ... وَمن دون من صافيته أَنْت منطوي) (تصافح من لاقيت لي ذَا عَدَاوَة ... صفاحاً وعني بَين عَيْنك منزوي) (أَرَاك إِذا اسْتَغْنَيْت عَنَّا هجرتنا ... وَأَنت إِلَيْنَا عِنْد فقرك منضوي) (إِلَيْك انعوى نصحي وَمَالِي كِلَاهُمَا ... وَلست إِلَى نصحي وَمَالِي بمنعوي) (أَرَاك إِذا لم أهوَ أمرا هويته ... وَلست لما أَهْوى من الْأَمر بالهوي) ...

стр. 1067

(أَرَاك اجتويت الْخَيْر مني وأجتوي ... أذاك فكلّ مجتو قرب مجتوي) (فليت كفافاً كَانَ خيرك كُله ... وشرك عني مَا ارتوى المَاء مرتوي) (لَعَلَّك أَن تنأى بأرضك نِيَّة ... وَإِلَّا فَإِنِّي غير أَرْضك منتوي) (تبدّل خَلِيلًا بِي كشكلك شكله ... فَإِنِّي خَلِيلًا صَالحا بك مقتوي) (فَلم يغوني رَبِّي فكسف اصطحابنا ... ورأسك فِي الأغوى من الغيّ منغوي) (عدوّك يخْشَى صولتي إِن لَقيته ... وَأَنت عدوي لَيْسَ ذَاك بمستوي) (وَكم موطن لولاي طحت كَمَا هوى ... بأجرامه من قلّة النيق منهوي) (نداك عَن الْمولى ونصرك عاتم ... وَأَنت لَهُ بالظلم والغمر مختوي) (إِذا مَا بنى الْمجد ابْن عمك لم تعن ... وَقلت أَلا بل لَيْت بُنْيَانه خوي) (كَأَنَّك إِن قيل ابْن عمك غَانِم ... شج أَو عميد أَو أَخُو مغلة لوي) (تملأت من غيظ عليّ فَلم يزل ... بك الغيظ حَتَّى كدت فِي الغيظ تنشوي) (فَمَا بَرحت نفس حسود حشيتها ... تذيبك حَتَّى قيل هَل أَنْت مكتوي) (وَقَالَ النطاسيون إِنَّك مشْعر ... سلالاً أَلا بل أَنْت من حسد جوي)

стр. 1068

(فديت امْرأ لم يدو للنأي عَهده ... وعهدك من قبل التنائي هُوَ الدوي) (دَمَعَتْ وفحشاً غيبَة ونميمة ... خلالاً ثَلَاثًا لست عَنْهَا بمرعوي) (أفحشاً وخبّاً واختناء على الندى ... كَأَنَّك أَفْعَى كدية فرّ محجوي) (فيدحو بك الداحي إِلَى كل سوءة ... فيا شرّ من يدحو بأطيش مدحوي)) (أتجمع تسآل الأخلاء مَا لَهُم ... وَمَالك من دون الأخلاء تحتوي) (بدا مِنْك غش طالما قد كتمته ... كَمَا كتمت دَاء ابْنهَا أم مدّوي) قَوْله: تكاشرني الخ يُقَال: كاشر الرجل الرجل: إِذا كشر كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه وَهُوَ أَن يُبْدِي لَهُ أَسْنَانه عِنْد التبسم وَكرها بِضَم الْكَاف وَفتحهَا: مصدر وضع فِي مَوضِع الْحَال والدوي: وصف من الدوى بِالْفَتْح وَالْقصر: الْمَرَض دوِي يدوى كفرح يفرح ودوي صَدره وَقَوله: لسَانك أَي أرِي الخ الأري: الْعَسَل والعلقم: الحنظل وَحذف أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: اللِّسَان هُنَا إِمَّا بِمَعْنى الْجَارِحَة أَو بِمَعْنى الْكَلَام: فَإِن جعلته من هَذَا أمكن أَن يكون لي مُتَعَلقا بِهِ كَقَوْلِك: كلامك لي جميل وَإِن جعلته بِمَعْنى الْجَارِحَة احْتمل ظان تُرِيدُ الْمُضَاف فتحذفه فَإِذا حذفته احْتمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون من قبيل صلى الْمَسْجِد أَي: أَهله وَالْآخر أَن تحذف الْمُضَاف فتجعل اللِّسَان كَالْكَلَامِ كَمَا قَالُوا اجْتمعت الْيَمَامَة أَي أهل الْيَمَامَة فجعلوهم كَأَنَّهُمْ الْيَمَامَة فَإِذا جعلته كَذَلِك أمكن أَن يتَعَلَّق بِهِ لي كَمَا يتَعَلَّق بِالْوَجْهِ الأول. وَيجوز أَن يكون لي

стр. 1069

وَقَوله: أرِي الْخَبَر مثل: حُلْو حامض. وَيجوز فِيهِ أَن تَجْعَلهُ خَبرا لقَوْله: لسَانك ونريد بِهِ الْجَارِحَة لِأَنَّك تَقول: فلَان لطيف اللِّسَان تُرِيدُ بِهِ الْكَلَام وتلقي النَّاس بالجميل فَيحْتَمل ضمير الْمُبْتَدَأ وَتجْعَل أرياً بَدَلا من الضَّمِير فِي لي. وَيجوز أَن يكون لي حَالا كَأَنَّهُ أَرَادَ: لسَانك أرِي لي فَيكون صفة فَلَمَّا تقدم صَار حَالا. . فَإِن قلت: إِن أرِي مَعْنَاهُ مثل أرِي فالعامل معنى فعل لم يجز تقدم الْحَال عَلَيْهِ فَأَقُول: لَك أَن تضمر فعلا يدل عَلَيْهِ هَذَا الظَّاهِر فينصب الْحَال عَنهُ كَأَنَّهُ قَالَ: لسَانك يستحلى ثَابتا لي. أَو لِأَنَّهَا كالظرف فَعمل فِيهَا الْمَعْنى. وَأَن تجْعَل اللِّسَان حَدثا أشبه للتشاكل لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَهُوَ وَقَوله: تفاوض من أطوي الخ فاوضه: إِذا أظهر لَهُ أمره وأطوي: ضد أنشر والطوى: الْجُوع وَهُوَ مصدر طوي يطوى من بَاب فَرح وَهُوَ مفعول أطوي أَي: تظهر أَمرك لمن أُخْفِي عَنهُ جوعي أَي: تنبسط فِي الْكَلَام عِنْد عَدو وَلَا أظهره على شَيْء من اموري وتنقبض عَن أصدقائي وَلَا تظهرهم على شَيْء من أَمرك نكاية فيّ. وَقَوله: وعني بَين عَيْنك منزوي بَين: مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ اسْم لَا ظرف ومنزوي: خَبره وعني: مُتَعَلق بِهِ يُقَال: انزوت الْجلْدَة فِي النَّار أَي: اجْتمعت وتقبضت وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ أَي:) قبضهَا. وَقَوله: وَأَنت إِلَيْنَا عِنْد فقرك منضور انضوى إِلَيْهِ. لَجأ وانضم إِلَيْهِ وَقَوله: إِلَيْك انعوى نصحي وَمَالِي انعوى: بِمَعْنى انعطف وَهُوَ مُطَاوع عويته أَي: عطفته.

стр. 1070

وَقَوله: أَرَاك إِذا لم أهوَ أمرا هوي الشَّيْء يهواه هوى من بَاب فَرح: إِذا أحبّه وَهوى بِالْفَتْح يهوي بِالْكَسْرِ هويّاً وَكَذَلِكَ انهوى: إِذا سقط إِلَى أَسْفَل وَقد جَاءَ فِي قَوْله: وَكم موطن لولاي طحت كَمَا هوى وَقَوله: أَرَاك اجتويت الْخَيْر اجتواه بِالْجِيم أَب: كرهه. وَقَوله: فليت كفافاً كَانَ خيرك الخ يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي لَيْت من أَخَوَات الْحُرُوف المشبهة فِي أَوَاخِر الْكتاب. وَقَوله: لَعَلَّك أَن تنأى الخ أَي: أَرْجُو أَن تنأى من أَرْضك أَي: تبعد عَنْهَا من النأي وَهُوَ الْبعد وَإِلَّا أَي: وَإِن لم تنأ فَإِنِّي عازم على الرحيل عَنْهَا. يُقَال: نَوَيْت نِيَّة وَكَذَلِكَ انتويت أَي: عزمت. وَقَوله: بك مقتوي قَالَ فِي الصِّحَاح: القتو: الْخدمَة. وقتوت أقتو قتواً ومقتي أَي: خدمت. يُقَال: للخادم مقتوي بفاح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى المقتى وَهُوَ مصدر. . وَيجوز تَخْفيف يَاء النِّسْبَة. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: نصب خَلِيلًا بِفعل مُضْمر يدلّ عَلَيْهِ مقتوي أَي: أقتوي خَلِيلًا. وَيَأْتِي شرح هَذِه الْكَلِمَة مفصلة فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخمسين من بعد الْخَمْسمِائَةِ. وَقَوله: وَكم موطن الخ طاح الرجل يطوح ويطيح: إِذا هلك. والأجرام: جمع جرم بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْجِسْم كَأَنَّهُ جعل أعضاءه أجراماً توسعاً أَي: سقط بجسمه وَثقله. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ هَا هُنَا الذُّنُوب كَمَا فسره ابْن

стр. 1071

الشجريّ بِهِ فَإِنَّهُ غير مُنَاسِب. والنيق بِكَسْر النُّون: أرفع الْجَبَل. وقلّته: مَا استدق من رَأسه. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى شرح هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الضمائر. وَقَوله: نداك عَن الْمولى الندى: الْجُود. والْمولى: ابْن الْعم. وَعَن مُتَعَلقَة بعاتم أَي: بطيء يُقَال: عتم من بَاب ضرب إِذا أَبْطَأَ وقصّر. ونصرك: مَعْطُوف على نداك وَخَبره مَحْذُوف. والغمر بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة الحقد والغلّ يُقَال: غمر صَدره عليّ من بَاب فَرح. ومختور بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: وَقَوله: تودّ لَو نابه نَاب حَيَّة الْحَيَّة مَعْرُوفَة تكون للذّكر وَالْأُنْثَى قَالُوا: فلَان حَيَّة ذكر وَالتَّاء للْوَاحِد من الْجِنْس كبطّة ودجاجة وَهنا بِمَعْنى الذّكر بِدَلِيل الْوَصْف لربيب من ربّ فلَان وَلَده بِمَعْنى ربّاه فعيل بِمَعْنى مفعول.) وَقَوله: لَيْت بُنْيَانه خوي يُقَال: خوى الْمنزل من بَاب رضى يُرْضِي وَرمى يَرْمِي لُغَتَانِ أَي: سقط قَالَ تَعَالَى: فَهِيَ خاوية على عروشها أَي: سَاقِطَة على سقوفها. وَقَوله: شج أَو عميد الخ هُوَ خبر كَأَن والشجيّ: الحزين المهموم. والعميد: الَّذِي قد عمده الْمَرَض أَي: هدّه حَتَّى احْتَاجَ إِلَى أَن يعمد أَي:

стр. 1072

يسند فَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول. والمغلة يفتح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة قَالَ أَبُو عَليّ: عِلّة تكون فِي الْجوف. واللوي: الَّذِي فِي جَوْفه وجع تَقول: لوي لوىً كفرح فَرحا. وَقَوله: فَمَا بَرحت نفس حسود الخ النَّفس تذكّر وتؤنّث وَلِهَذَا وصفهَا بالمذكر وأنّث لَهَا الْفِعْل وَالضَّمِير. وحشيتها بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْخطاب من الحشو يُقَال: حشوت الوسادة وَغَيرهَا حَشْوًا. وَرُوِيَ حسبتها بضمير الْمُتَكَلّم من الْحساب وَهُوَ الظَّن. والنطاسيّون: الْعلمَاء بالطب الْوَاحِد نطاسي. ومشْعر: اسْم مفعول أَي: ملبس شعاراً بِالْكَسْرِ وَهُوَ مَا ولي الْجَسَد من الثِّيَاب. والسلال بِالضَّمِّ: مرض السل. والجوي: من الجوى وَهُوَ دَاء للقلب وَفعله من بَاب فَرح. وَقَوله: لم يدو للنأي عَهده تقدم تَفْسِير دوِي. وَقَوله: أفحشاً وخبّاً الخ الخب بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: مصدر خببت يَا رجل تخب خبّاً من بَاب علم: إِذا خدع ومكر. والاختناء بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبعد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة نون. قَالَ أَبُو عَليّ القاليّ فِي أَمَالِيهِ: هُوَ التقبّض. والندى: الْجُود. والكدية بِالضَّمِّ: الأَرْض الصلبة. وَأَرَادَ بالأفعى الأفعوان وَهُوَ ذكر الْحَيَّات وَلِهَذَا أرجع الضَّمِير إِلَيْهِ مذكراً. ومحجوي بِتَقْدِيم الْمُهْملَة على الْجِيم قَالَ أَبُو عَليّ القاليّ فِي أَمَالِيهِ نقلا عَن ابْن دُرَيْد: المحجوي المنطوي. وَقَوله: فيدحو بك الداحي الخ الدحو: الرَّمْي يُقَال: ادحه أَي: ارمه وَيُقَال للْفرس: مر يدحو دحواً وَذَلِكَ إِذا رمى بيدَيْهِ رمياً لَا يرفع سنبكه عَن الأَرْض كثيرا. والسوءة بِالْفَتْح: الْقبْح وَالْعَيْب. وأطيش من الطيش

стр. 1073

وَهُوَ الخفة. ومدحوي أَي: مرميّ بناه من ادحواه لُغَة فِي دحاه أَي: رَمَاه. وَقَوله: كَمَا كتمت دَاء ابْنهَا أم مدوّي قَالَ الْأَصْمَعِي فِي كتاب الصِّفَات وَابْن دُرَيْد فِي الجمهرة) وَأَبُو عَليّ القاليّ فِي أَمَالِيهِ وَابْن الْأَثِير فِي المرصّع وَاللَّفْظ لَهُ: أم مدوي يضْرب بهَا الْمثل لمن يورّي بالشَّيْء عَن غَيره ويكنى بِهِ عَنهُ. وَأَصله أنّ امْرَأَة من الْعَرَب خطبت على ابْنهَا جَارِيَة فَجَاءَت أمهَا إِلَى أم الْغُلَام لتنظر إِلَيْهِ. فَدخل الْغُلَام فَقَالَ لأمه: أدّوي بتَشْديد الدَّال على أفتعل. فَقَالَت لَهُ: اللجام مُعَلّق بعمود الْبَيْت والسرج فِي جَانِبه. فأظهرت أَن ابْنهَا أَرَادَ أَدَاة الْفرس للرُّكُوب فكتمت بذلك زلّة ابْنهَا عَن الخاطبة. وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنهَا بقوله أدّوي أكل الدّواية بِضَم الدَّال وَهِي القشرة الَّتِي تعلو اللَّبن والمرق تَقول مِنْهُ: دوّى اللَّبن بتَشْديد الْوَاو وَقد ادّويت على وزن افتعلت فَأَنا مدّو بتَشْديد الدَّال فيهمَا أَي: أكلت الدّواية. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وترجمة يزِيد بن الحكم تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع فِي أَوَائِل الْكتاب وَأنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا على أَن التَّقْدِير: وسقيتها مَاء. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب: وَقيل:

стр. 1074

لَا حذف بل ضمّن علفتها معنى أنلتها وأعطيتها. وألزموا صِحَة نَحْو علفتها مَاء بَارِدًا وتبناً فالتزموه محتجين بقول طرفَة: وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله على تضمين أفيضوا معنى ألقوا ليَصِح انصبابه على الشَّرَاب وَالطَّعَام مَعًا أَو على تَقْدِير بعد أَو أَي: أَو ألقوا مِمَّا رزقكم الله كَهَذا الْبَيْت فِي الْوَجْهَيْنِ وَأورد لَهُ الْعَلامَة الشِّيرَازِيّ والفاضل اليمني صَدرا وَجعل الْمَذْكُور عَجزا هَكَذَا: (لما حططت الرحل عَنْهَا واردا ... علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا) وَجعله غَيرهمَا صَدرا وَأورد عَجزا كَذَا: حَتَّى شتت همّالة عَيناهَا وَلَا يعرف قَائِله. وَرَأَيْت فِي حَاشِيَة نُسْخَة صَحِيحَة من الصِّحَاح أَنه لذِي الرمة ففتشت ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ. وشتت بِمَعْنى أَقَامَت شتاء فِي الْقَامُوس: شتا بِالْبَلَدِ أَقَامَ بِهِ شتاء كشتى وتشتى وفاعله ضمير مستتر عَائِد إِلَى مَا عَاد إِلَيْهِ ضمير علفتها. وهمالة حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر وَهُوَ من) هملت الْعين: إِذا صبَّتْ دمعها. وعيناها فَاعله.

стр. 1075

وَزعم الْعَيْنِيّ أَن شتت بِمَعْنى بَدَت وَلم أر هَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَأَن عَيناهَا فَاعله وهمالة تَمْيِيز. وَهَذَا خلاف الظَّاهِر. فَتَأمل. الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: وَمَا النجدي والمتغور وَهُوَ قِطْعَة من بَيت لجميل بن معمر وَهُوَ: (وَأَنت امْرُؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهام وَمَا النجديّ والمتغوّر) على أَن الرّفْع فِي مثله أولى من النصب على الْمَفْعُول مَعَه. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: قَوْلهم: مَا أَنْت وَزيد الرّفْع فِيهِ الْوَجْه لِأَنَّهُ عطف اسْما ظَاهرا على اسْم مُضْمر مُنْفَصِل وأجراه مجْرَاه وَلَيْسَ هُنَا فعل فَيحمل على الْمَفْعُول فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَنْت وَمَا زيد وَهَذَا تَقْدِيره فِي الْعَرَبيَّة وَمَعْنَاهُ لست مِنْهُ فِي شَيْء وَهَذَا الشّعْر كَمَا أصف لَك ينشد: (وَأَنت امْرُؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهام فَمَا النجديّ والمتغوّر) وَكَذَلِكَ قَوْله: (تكلّفني سويق الْكَرم جرم ... وماجرم وَمَا ذَاك السويق) فَإِن كَانَ الأوّل مضمراً مُتَّصِلا كَانَ النصب لِئَلَّا يحمل ظَاهر الْكَلَام على مُضْمر تَقول: مَالك وزيداً فَإِنَّمَا تنهاه عَن ملابسته إِذْ لم يجز وَزيد

стр. 1076

وأضمرت لِأَن حُرُوف الِاسْتِفْهَام للأفعال فَلَو كَانَ الْفِعْل ظَاهرا لَكَانَ على غير إِضْمَار نَحْو قَوْلك: مَا زلت وَعبد الله حَتَّى فعل لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرِيد مَا زلت وَمَا زَالَ عبد الله وَلكنه أَرَادَ: مَا زلت بِعَبْد الله فَكَانَ الْمَفْعُول مخفوضاً بِالْبَاء فَلَمَّا زَالَ مَا يخفضه وصل الْفِعْل إِلَيْهِ فنصبه كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا. فالواو فِي معنى مَعَ وَلَيْسَت بخافضة فَكَانَ مَا بعْدهَا على الْموضع فعلى هَذَا ينشد هَذَا الشّعْر: (فَمَا لَك والتلدد حول نجد ... وَقد غصّت تهَامَة بِالرِّجَالِ) وَلَو قلت: مَا شَأْنك وزيداً لاختير النصب لِأَن زيدا لَا يلتبس بالشأن لِأَن الْمَعْطُوف على) الشَّيْء فِي مثل حَاله. وَلَو قلت: مَا شَأْنك وشأن زيد لرفعته لِأَن الشَّأْن يعْطف على الشَّأْن. وَهَذِه الْآيَة تفسر على وَجْهَيْن من الْإِعْرَاب: أَحدهمَا هَذَا وَهُوَ الأجود فِيهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم فَالْمَعْنى وَالله أعلم مَعَ شركائكم لِأَنَّك تَقول: جمعت قومِي وأجمعت أَمْرِي وَيجوز أَن يكون لما أَدخل الشُّرَكَاء مَعَ الْأَمر حمله على مثل لَفظه لِأَن الْمَعْنى يرجع إِلَى شَيْء وَاحِد فَيكون كَقَوْلِه: (يَا لَيْت زَوجك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) شرّاب ألبان وَسمن وأقط

стр. 1077

انْتهى كَلَام المبرّد ولجودته سقناه برمّته. وَقَوله: وَمَا النجديّ والمتغور مَا مُبْتَدأ. والنجدي خَبره. وَالْمعْنَى: أَن أَهلِي يرتابون بك إِذا وجدوك عِنْدهم لِأَنَّك غَرِيب بعيد الدَّار مِنْهُم فينكرون كونك بَينهم فَيجب أَن تتجنب وَتعرض. تحذّره بني عَمها كَمَا يَأْتِي بَيَانه ف الأبيات ... وتهام بِفَتْح التَّاء مَنْسُوب إِلَى التهم بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى التهامة بِكَسْر التَّاء وَقد بَينا هَذَا مشروحاً فِي الشَّاهِد الثَّامِن عشر من أَوَائِل الْكتاب. وتهام خبر عَن قَوْله وأهلنا وَإِعْرَابه كقاض. وَلم يقل تهامون لِأَنَّهُ نظر إِلَى لفظ أهل وَهُوَ مُفْرد وَيجوز نظراَ إِلَى الْمَعْنى تهامون. وَقَالَ ابْن خلف: إِنَّمَا قَالَ تهام لِأَنَّهُ اكْتفى بِالْوَاحِدِ عَن الْجمع كَقَوْلِه: كَأَن عَيْني فِيهَا الصاب مَذْبُوح هَذَا كَلَامه فَتَأَمّله. ونجد قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ من بِلَاد الْعَرَب وَهُوَ خلاف الْغَوْر والغور هُوَ تهَامَة وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد وَهُوَ مُذَكّر وَتقول: أنجدنا أَي: أَخذنَا فِي بِلَاد نجد. وَفِي الْمثل: أنجد من رأى حضنا وَذَلِكَ إِذا علا من الْغَوْر. وحضن محركة: جبل. والمتغور اسْم فَاعل من تغور فلَان: إِذا انتسب إِلَى الْغَوْر. وغار وغوّر أَيْضا بِالتَّشْدِيدِ: إِذا أَتَى الْغَوْر قَالَ فِي الْمِصْبَاح: والغور المطمئن من الأَرْض. والغور قيل: يُطلق على تهَامَة وَمَا يَلِي الْيمن وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَا بَين ذَات عرق وَالْبَحْر

стр. 1078

غور وتهامة فتهامة أوّلها مدارج ذَات عرق من قبل نجد إِلَى مرحلَتَيْنِ وَرَاء مَكَّة وَمَا وَرَاء ذَلِك إِلَى الْبَحْر فَهُوَ الْغَوْر. وَالْبَيْت من قصيدة. وَقَبله:) (وَآخر عهد لي بهَا يَوْم ودّعت ... ولاح لَهَا خدّ مليح ومحجر) (عَشِيَّة قَالَت لَا تضيعنّ سرنا ... إِذا غبت عَنَّا وارعه حِين تدبر) (وَأعْرض إِذا لاقيت عينا تخافها ... وَظَاهر ببغض إِن ذَلِك أستر) (فَإنَّك إِن عرّضت بِي فِي مقَالَة ... يزدْ فِي الَّذِي قد قلت واش مكثّر) (وينشر سرّاً فِي الصّديق وَغَيره ... يعز علينانشره حِين ينشر) (وَمَا زلت فِي إِعْمَال طرفك نحونا ... إِذا جِئْت حَتَّى كَاد حبك يظْهر) (لأهلي حَتَّى لامني كل نَاصح ... شفيق لَهُ قربى لديّ وأيصر) (وقطعني فِيك الصّديق ملامة ... وَإِنِّي لأعصي نهيهم حِين أزْجر) (وَمَا قلت هَذَا فاعلمن تجنباً ... لصرم وَلَا هَذَا بِنَا عَنْك يقصر) (وأخشى بني عمي عَلَيْك وَإِنَّمَا ... يخَاف وينقي عرضه المتفكر) (وَأَنت امْرُؤ من أهل نجد واهلنا ... تهام وَمَا النجديّ والمتغور) (وطرفك إِمَّا جئتنا فاحفظنه ... فزيغ الْهوى باد لمن يتبصر) ...

стр. 1079

(وَقد حدثوا أَنا الْتَقَيْنَا على هوى ... فكلهم من غلّة الغيظ موقر) (فَقلت لَهَا: يَا بثن أوثيت حَافِظًا ... وكل امْرِئ لم يرعه الله معور) (سأمنح طرفِي حِين أَلْقَاك غَيْركُمْ ... لكيما يرَوا أَن الْهوى حَيْثُ أنظر) (وأكني بأسماء سواك وأتقي ... زيارتكم وَالْحب لَا يتَغَيَّر) (فكم قد رَأينَا واجداً بحبيبه ... إِذا خَافَ يُبْدِي بغضه حِين يظْهر) وَفِي هَذِه الأبيات استشهاد وَلِهَذَا ذَكرنَاهَا. وترجمة جميل بن معمر العذري تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة قَول الرَّاعِي. وَهُوَ من شَوَاهِد س: (أزمان قومِي وَالْجَمَاعَة كَالَّذي ... منع الرحالة أَن تميل مميلا) على أَنه على تَقْدِير: أزمان كَانَ قومِي وَالْجَمَاعَة. فالجماعة مفعول مَعَه على تَقْدِير إِضْمَار الْفِعْل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: زَعَمُوا أَنه الرَّاعِي كَانَ ينشد هَذَا الْبَيْت نصبا. وَقَالَ: كَأَنَّهُ قَالَ: أزمان كَانَ قومِي مَعَ الْجَمَاعَة. وَحذف كَانَ لأَنهم يستعملونها كثيرا فِي هَذَا الْموضع وَلَا لبس فِيهِ وَلَا تَغْيِير معنى.

стр. 1080

وَمثله قَوْله تَعَالَى: وَاتبعُوا مَا تتلوا الشاطين على ملك سُلَيْمَان أَرَادَ مَا كَانَت تتلو. قَالَ ابْن عُصْفُور: وَإِنَّمَا حمل على إِضْمَار كَانَ وَلم يحمل على تَقْدِير حذف مُضَاف إِلَى قومِي فَيكون التَّقْدِير: أزمان كَون قومِي وَالْجَمَاعَة لِأَن الْمصدر المقدّر بِأَن وَالْفِعْل من قبيل الموصولات وَحذف الْمَوْصُول وإبقاء شَيْء من صلته لَا يجوز. فَإِن قلت: مَا الدَّلِيل على أَن قومِي من قَوْله: أزمان قومِي مَحْمُول على فعل مُضْمر قلت: لِأَنَّهُ لَيْسَ من قبيل المصادر وَأَسْمَاء الزَّمَان لَا يُضَاف شَيْء مِنْهَا إِلَّا إِلَى مصدر أَو جملَة تكون فِي مَعْنَاهُ نَحْو: هَذَا يَوْم قدوم زيد وَقَوْلهمْ: يَوْم الْجمل وَيَوْم حليمة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: يَوْم حَرْب الْجمل وَنَحْوه. قَالَ الأعلم: وصف مَا كَانَ من اسْتِوَاء الزَّمَان واستقامة الْأُمُور قبل قتل عُثْمَان وشمول الْفِتْنَة. وَأَرَادَ الْتِزَام قومه الْجَمَاعَة وتركهم الْخُرُوج على السُّلْطَان. وَالْمعْنَى: أزمان قومِي والتزامهم الْجَمَاعَة وتمسكهم بهَا كَالَّذي تمسك بالرحالة ومنعها من أَن تميل وَتسقط. والرحالة بِالْكَسْرِ: وَهِي أَيْضا السرج. ضربهَا مثلا اه. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدّتها تِسْعَة وَثَمَانُونَ بَيْتا لِلرَّاعِي. مدح بهَا عبد الْملك بن مَرْوَان وشكا فِيهَا من السعاة وهم الَّذين يَأْخُذُونَ الزَّكَاة من قبل السُّلْطَان. وَهِي قصيدة جَيِّدَة كَانَ يَقُول: من لم يرو لي من أَوْلَادِي هَذِه القصيدة وقصيدتي الَّتِي أَولهَا: بَان الْأَحِبَّة بالعهد الَّذِي عهدوا

стр. 1081

وَهِي فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا فقد عقني: وَقبل بَيت الشَّاهِد:) (أوليّ أَمر الله إِنَّا معشر ... حنفَاء نسجد بكرَة وَأَصِيلا) (عرب نرى لله فِي أَمْوَالنَا ... حق الزَّكَاة منزّلاً تَنْزِيلا) (قوم على الْإِسْلَام لمّا يمنعوا ... مَا عونهم ويضّيعوا التهليلا) (فادفع مظالم عيّلت أبناءنا ... عَنَّا وأنقذ شلونا المأكولا) (فنرى عَطِيَّة ذَاك ... إِن أَعْطيته من رَبنَا فضلا ومنك جزيلا) (أَنْت الْخَلِيفَة حلمه وفعاله ... وَإِذا أردْت لظَالِم تنكيلا) (قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما ... ودعا فَلم أر مثله مخذولا) (فتصدعت من بعد ذَاك عصاهم ... شققاً وَأصْبح سيفهم مسلولا) (حَتَّى إِذا استعرت عجاجة فتْنَة ... عمياء كَانَ كتابها مَفْعُولا) (وزنت أُميَّة أمرهَا فدعَتْ لَهُ ... من لم يكن غمراً وَلَا مَجْهُولا) (مَرْوَان أحزمها إِذا نزلت بِهِ ... حدب الْأُمُور وَخَيرهَا مسؤولا) (أزمان رفّع بِالْمَدِينَةِ ذيله ... وَلَقَد رأى زرعا بهَا ونخيلا) (وديار ملك خرّبتها فتْنَة ... ومشيّدا فِيهِ الْحمام ظليلا) (إِنِّي حَلَفت على يَمِين برّة ... لَا أكذب الْيَوْم الْخَلِيفَة قيلا) ...

стр. 1082

(مَا زرت آل أبي خبيب وافداً ... يَوْمًا أُرِيد لبيعتي تبديلا) (من نعْمَة الرَّحْمَن لَا من حيلتي ... إِنِّي أعدّ لَهُ عليّ فضولا) (أزمان قومِي وَالْجَمَاعَة كَالَّذي ... لزم الرحالة أَن تميل مميلا) إِلَى أَن قَالَ: (إِن السعاة عصوك حِين بعثتهم ... وَأتوا دواهي لَو علمت وغولا) (إِن الَّذين أَمرتهم أَن يعدلُوا ... لم يَفْعَلُوا مِمَّا أمرت فتيلا) (أخذُوا العريف فقطّعوا حيزومه ... بالأصبحية قَائِما مغلولا) (يَدْعُو أَمِير الْمُؤمنِينَ ودونه ... خرق تجرّ بِهِ الرِّيَاح ذيولا) قَوْله: قوم على الْإِسْلَام لمّا يمنعوا ماعونهم أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَيمْنَعُونَ الماعون على أَن الماعون الزَّكَاة. والتهليل: هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله أَرَادَ كلمة التَّوْحِيد. وَقَوله: عيّلت أبناءنا التعييل: سوء الْغذَاء وعيّل الرجل فرسه: إِذا سيّبه فِي الْمَفَازَة. والإنقاذ:) التخليص. والشلو بِالْكَسْرِ: الْعُضْو. والشكول جمع شكل بِفَتْح أَوله وكسره: الشّبَه والمثل أَي: جعلُوا النَّاس متخالفين بعد أَن كَانُوا متحدين. وَقَوله: قتلوا ابْن عَفَّان الخ يُقَال: أحرم الرجل إِذا دخل فِي حُرْمَة لَا تهتك. قَالَ العسكري فِي بَاب مَا وهم فِيهِ عُلَمَاء الْكُوفِيّين من كتاب التَّصْحِيف:

стр. 1083

أخبرنَا أَبُو عَليّ الكوكبيّ حَدثنِي مُحَمَّد بن سُوَيْد حَدثنِي مُحَمَّد بن هُبَيْرَة قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي للكسائي وهما عِنْد الرشيد: مَا معنى قَول الرَّاعِي: قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما فَقَالَ الْكسَائي. كَانَ محرما بِالْحَجِّ. قَالَ الْأَصْمَعِي: فَقَوله: قتلوا كسْرَى بلَيْل محرما فَتَوَلّى لم يمتع بكفن هَل كَانَ محرما بِالْحَجِّ قَالَ الرشيد للكسائي: يَا عليّ إِذا جَاءَ الشّعْر فإياك والأصمعي قَالَ الْأَصْمَعِي محرم أَي: لم يَأْتِ مَا تستحل بِهِ عُقُوبَته وَمن ثمّ قيل مُسلم محرم أَي: لم يحلّ من نَفسه شَيْئا يُوجب الْقَتْل. وَقَوله: قتلوا كسْرَى محرما يَعْنِي حُرْمَة الْعَهْد الَّذِي كَانَ لَهُ فِي أَعْنَاق أَصْحَابه اه. وَقَوله: حدب الْأُمُور جمع أحدب وحدباء أَرَادَ الْأُمُور المشكلة. وَقَوله: مَا زرت آل أبي حبيب الخ. أَبُو خبيب هُوَ عبد الله بن الزبير وَكَانَ ادّعى الْخلَافَة يَوْمئِذٍ فِي الْحجاز. وَقَوله: إِنِّي أعدّ لَهُ عليّ فضولاً هُوَ جمع فضل بِمَعْنى الْإِحْسَان والإنعام وَهُوَ الْعَامِل النصب على الظَّرْفِيَّة فِي أزمان وَيجوز رَفعه على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: من الفضول أزمان قومِي الخ. قَالَ صَاحب كتاب التَّنْبِيه على مَا أشكل من كتاب سِيبَوَيْهٍ: وَيجوز رفع أزمان على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف دون إِظْهَار كَانَ وَالْوَاو وَاو مَعَ أَيْضا فَتكون إِضَافَة أزمان إِلَى الْجُمْلَة الإسمية على هَذَا. ثمَّ قَالَ: وَالْأول أَي: النصب على الظَّرْفِيَّة احسن وَأكْثر اه. والسعاة: جمع ساع وَهُوَ كل من ولي شَيْئا على قوم وَأكْثر مَا يُقَال

стр. 1084

ذَلِك فِي وُلَاة الصَّدَقَة أَي: الزَّكَاة. وَقَوله: أخذُوا الْمَخَاض من الفصيل الخ الْمَخَاض: النوق الْحَوَامِل وَاحِدهَا خلفة. والفصيل: ابْنهَا. والغلبّة بِضَم الْغَيْن وَاللَّام وَتَشْديد الموحّدة هِيَ الْغَلَبَة بِالتَّحْرِيكِ وَالتَّخْفِيف. وَهُوَ وظلماً مصدران وَقعا حَالين من فَاعل أخذُوا. وَيجوز نصب الثَّانِي بِالْأولِ على أَنه مصدر معنويّ. والأفيل ككريم من أَوْلَاد الْإِبِل: مَا أَتَى عَلَيْهِ سَبْعَة أشهر وَهُوَ مَنْصُوب بيكتب بِالْبِنَاءِ) للْفَاعِل أَي: يكْتب السَّاعِي. وعَلى رِوَايَة الْبناء للْمَفْعُول وَهِي الْمَشْهُورَة مفعول لفعل مَحْذُوف أَي: وَيكْتب أَخذنَا من فلَان أفيلا. وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي على أَن من فِيهِ للبدل أَي: نَأْخُذ الْمَخَاض بدل الفصيل. قَالَ ابْن يسعون: وَيجوز أَن لَا تكون بدليّة بل مُتَعَلقَة بأخذوا أَي: انتزعوه من أمه. وَرُوِيَ بدله من العشار فَهِيَ بَيَانِيَّة أَي: كائنة من العشار. وَقَوله: أخذُوا العريف هُوَ رَئِيس الْقَوْم ومتكلمهم. والأصبحية هِيَ السِّيَاط منسوبة إِلَى ذِي أصبح من مُلُوك الْيمن فَإِنَّهُ الَّذِي اخترعها. والْخرق بِالْفَتْح: الفلاة. والرَّاعِي اسْمه عبيد بن حُصَيْن بتصغيرهما ابْن مُعَاوِيَة بن جندل بن قطن بن ربيعَة بن عبد الله بن الْحَارِث بن نمير بن عَامر بن صعصعة. وكنية الرَّاعِي: أَبُو جندل. ولقّب الرَّاعِي لِكَثْرَة وَصفه الْإِبِل والرعاء فِي شعره. وَقيل: لقب بِهِ بِبَيْت قَالَه. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: اسْمه حُصَيْن بن مُعَاوِيَة. وَكَانَ يُقَال لِأَبِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مُعَاوِيَة الرئيس. وَولده وَأهل بَيته فِي الْبَادِيَة سادة أَشْرَاف.

стр. 1085

وَهُوَ شَاعِر فَحل مَشْهُور من شعراء الْإِسْلَام مقدم. ذكره الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الأولى من الشُّعَرَاء الإسلاميين. وَكَانَ يقدم الفرزدق على جرير فاستكفه جرير فَأبى فهجاه بقصيدته البائية الَّتِي مطْلعهَا: أقلي اللوم عاذل والعتابا ففضحه بهَا. وَتقدم بَيَانه فِي تَرْجَمَة جرير فِي أَوَائِل الْكتاب. وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي: من لقبه الرَّاعِي من الشُّعَرَاء اثْنَان: أَحدهمَا: هَذَا وَالثَّانِي: اسْمه خَليفَة بن بشير بن عُمَيْر بن الْأَحْوَص من بني عدي بن جناب. وَقيل غير ذَلِك. ٣ - (بَاب الْحَال) أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقها ... أَلَسْت ترى أَن قد أتيت بمؤيد) على أَنه يخرج عَن تَعْرِيف الْحَال الْحَال الَّتِي هِيَ جملَة بعد عَامل لَيْسَ مَعَه ذُو حَال.

стр. 1086

بَيَانه: أَن جملَة وَقد ترّ الوظيف حَال وعاملها يَقُول وَلَا صَاحب لَهَا وَأما فَاعل يَقُول وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فَلَيْسَ صَاحب الْحَال لِأَنَّهَا لم تبين هَيئته إِذْ لَيست من صِفَاته. وَهَذَا إِنَّمَا يرد على تَعْرِيف المُصَنّف الْحَال فَإِنَّهُ اعْتبر فِيهِ تَبْيِين الْهَيْئَة وَلَا يرد عل ى تَعْرِيف الشَّارِح فَإِنَّهُ لم يعْتَبر فِي الحدّ تَبْيِين الْهَيْئَة. وَقد أوّل النَّاس تَعْرِيف المُصَنّف على وُجُوه مِنْهُم السَّيِّد ركن الدَّين فِي شَرحه الْكَبِير على الكافية وَابْن هِشَام فِي شرح التسهيل وَمُغْنِي اللبيب وَكَذَا الدماميني وَغَيره. وترّ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالرَّاء الْمُهْملَة قَالَ ابْن دُرَيْد: ترّ الْعظم يترّه ترّاً إِذا قطعه وَكَذَلِكَ كل عُضْو انْقَطع بضربة وَاحِدَة فقد ترّ ترّاً وينشد بِالْوَجْهَيْنِ قَول طرفَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت فِي الجمهرة. يُرِيد: أَن ترّ ورد لَازِما ومتعدياً. وَرُوِيَ بِرَفْع الوظيف على أَنه فَاعل ترّ اللَّازِم بِمَعْنى انْقَطع وَفَسرهُ يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوَان طرفَة وَتَبعهُ الأعلم فِي شَرحه بقوله: طنّ وندر. وَرُوِيَ بِنصب الوظيف على أَنه مفعول ترّ الْمُتَعَدِّي بِمَعْنى قطع وفاعله ضمير العضب فِي بَيت قبله. وَقَوله: وساقها: مَعْطُوف عَلَيْهِ بِالْوَجْهَيْنِ وَضمير الْمُؤَنَّث رَاجع إِلَى الكهاة فِي بَيت قبله وَهِي النَّاقة الضخمة. والوظيف فِي الرجل مَا بَين الرسغ والساق وَفِي الْيَد: مَا بَين الرسغ والذراع. وَقَوله: أَلَسْت ترى الخ مقول القَوْل. وَالْخطاب فِي الثَّلَاثَة لطرفة والاستفهام للتوبيخ. والرؤية يجوز أَن تكون بصرية فَأن مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مُفْرد مَنْصُوب على أَنه مفعول الرُّؤْيَة وَأَن تكون علمية فَأن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن وَجُمْلَة قد أتيت خَبَرهَا وَهِي مَعَ معمولها سادّة مسدّ المفعولين

стр. 1087

للرؤية. والمؤيد: على وزن اسْم الْفَاعِل قَالَ الأعلم: هُوَ الداهية وَأَصلهَا من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة كأناداهية ذَات شدَّة وَقُوَّة. وَرَوَاهُ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المعلقات بزنة اسْم الْمَفْعُول أَيْضا وَقَالَ: أَي: جِئْت بِأَمْر شَدِيد يشدّد فِيهِ: من عقرك هذهالناقة. وَلَيْسَ الْمُؤَيد من الوأد مَا توهمه السَّيِّد فِي حَوَاشِي هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ قَالَ: وأده أَي: دَفنه حَيا والْمُؤَيد:) الداهية. قَالَ ابْن جنّي فِي الْمنصف وَهُوَ شرح تصريف الْمَازِني: الْفِعْل المعتل الْعين إِذا صَحَّ مَا قبل عينه نقلت حَرَكَة عينه إِلَى السَّاكِن بلها نَحْو أَقَامَ واستقام. فَأَما مَا اعتلّت فاؤه فَإنَّك لَا تنقل إِلَيْهَا حَرَكَة الْعين وَذَلِكَ قَوْلك فِي أفعلت نَحْو آيمت وآولت من آم وَآل. لِأَنَّهُ لما اعتلت الْفَاء وَهِي همزَة فَقبلت ألفا صحّت الْعين وعَلى ذَلِك قَول الشَّاعِر: كرأس الفدن الْمُؤَيد فَهَذَا فعل بزنة اسْم الْمَفْعُول من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة وَلم يقل المؤاد أَي: بِهَمْزَة ممدودة بعد الْمِيم المضمومة وَقَالَ طرفَة: أَن قد أتيت بمؤيد وَهِي الداهية وَهِي بزنة اسْم الْفَاعِل من الأيد أَيْضا وَلم يقل المئيد أَي: بميم مَضْمُومَة فهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا مثناة تحتية وَقَالُوا: آيدته فِي أفعلته من الأيد وأيدته فعّلته. وآيدته قَليلَة مَكْرُوهَة لِأَنَّك إِن صححت فَهُوَ ثقيل وَإِن أعللت جمعت بَين إعلالين. فَعدل عَن أفعلته إِلَى فعّلته فِي غَالب الْأَمر اه.

стр. 1088

وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد الْمَشْهُورَة. وَهَذَا مَا قبله: (وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... نواديها أَمْشِي بعضب مُجَرّد) (فمرّت كهاة ذَات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد) يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقها ... الْبَيْت (وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ بشارب ... شَدِيد علينا بغيه متعمد) (فظل الْإِمَاء يمتللن حوارها ... وتسعى علينا بالسديف المسرهد) قَوْله: وبرك بِفَتْح الْمُوَحدَة مجرور بواو رب قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: البرك يَقع على جَمِيع مَا يبرك من الْجمال والنوق على المَاء وبالفلاة من حر الشَّمْس أَو الشِّبَع الْوَاحِد بَارك وباركة. وَقيل: البرك: جمَاعَة إبل الْحَيّ وَقيل لَهَا: برك لِاجْتِمَاع مباركها. وبرك الْبَعِير: إِذا ألْقى صَدره على الأَرْض. والهجود: النيام جمع هاجد وهاجدة ومصدره الهجود أَيْضا بِمَعْنى النّوم كالقعود وَالْجُلُوس. ومخافتي: فَاعل أثارت وَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: مخافتها إيَّايَ. ونواديها: مفعول أثارت أَي: أوائلها وَمَا سبق مِنْهَا وَهُوَ بالنُّون يُقَال: لَا ينداك مني أَمر تكرههُ أَي: لَا يسْبق إِلَيْك مني وَإِنَّمَا خص النوادي لِأَنَّهَا أبعد مِنْهُ عِنْد فرارها. فَيَقُول: لَا يفلت من عقري مَا قرب وَلَا مَا شَذَّ فندّ.) وَقَالَ ابْن السّكيت: النوادي الثقال أَيْضا من الْإِبِل الْوَاحِدَة نَادِيَةَ. وَجُمْلَة أَمْشِي حَال من الْيَاء فِي مخافتي. والعضب:

стр. 1089

السَّيْف الْقَاطِع. والمجرد: المسلول من غمده. يَقُول: ربّ إبل كَثِيرَة باركة قد أثارت نوادي هَذَا البرك عَن مباركها مخافتها إيَّايَ فِي حَال مشيي إِلَيْهَا بِسيف مسلول قَاطع. يُرِيد: أَنه أَرَادَ أَن ينْحَر لأضيافه بَعِيرًا فنفرت مِنْهُ لتعودها ذَلِك مِنْهُ. وَقَوله: فمرّت كهاة الخ الكهاة بِفَتْح الْكَاف قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ جلد الضَّرع وَقَالُوا: هُوَ جلد الضَّرع الْأَعْلَى الَّذِي يُسمى الجراب. يُقَال: نَاقَة خيفاء إِذا كَانَ ضرْعهَا كَبِيرا. وجلالة: بِالرَّفْع: صفة كهاة وَهِي بِضَم الْجِيم بِمَعْنى الجليلة والعظيمة. وعقيلة شيخ: صفة ثَالِثَة أَي: خير مَاله والعقيلة: الْكَرِيمَة. وَهَذَا الشَّيْخ قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ بعض بني عَم طرفَة كَانَ طرفَة عقر لَهُ نَاقَة. وَقَالَ الزوزني: أَرَادَ بالشيخ أَبَاهُ يُرِيد: أَنه نحر كرائم مَال أَبِيه لندمائه. وَقيل: بل أَرَادَ غَيره مِمَّن يُغير على مَاله. وَقَوله: كالوبيل صفة شيخ. قَالَ ابْن السّكيت: الوبيل الْعَصَا. وَقَالَ الزوزني: الوبيل: الْعَصَا الضخمة فِي الصِّحَاح: الوبيل: الحزمة. فعلى هَذَا شبّه عِظَامه فِي البيوسة بالحطب وَالشَّيْخ بِأَنَّهُ حزمة من الْحَطب. واليلندد: السَّيئ الْخلق الشَّديد الْخُصُومَة صفة ثَانِيَة للشَّيْخ. وَقَوله: يَقُول وَقد ترّ الوظيف الخ أَي: قَالَ الشَّيْخ فِي حَال عقري هَذِه النَّاقة الْكَرِيمَة النجيبة. وَمثلهَا لَا يعقر للأضياف وَقَوله: وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ الخ فَاعل قَالَ ضمير الشَّيْخ صَاحب النَّاقة وَذَا اسْم مَوْصُول وَمَا اسْتِفْهَام مَنْصُوب بترون وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف

стр. 1090

أَي: قَالَ الشَّيْخ مستشيراً أَصْحَابه: مَا الَّذِي ترَوْنَ أَن نَفْعل بطرفة شَارِب الْخمر يَبْغِي علينا بعقر كرائم أَمْوَالنَا وَقَوله: فَقَالُوا: ذروه الخ أَي: ذَروا طرفَة فَإِن نَفعهَا للشَّيْخ فَإِن طرفَة يخلف عَلَيْهِ ويزيده وَإِن لم تردّوا قاصي إبلكم يعقر مِنْهَا أَيْضا. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن لم تردّوا قاصي البرك وتردّوه إِلَى أَوله زَاد فِي نفاره وَذهب. والقاصي: اسْم فَاعل من قصا يقصو قصوّاً: إِذا بعد. وَقَوله: فظل الْإِمَاء الخ يمتللن بِكَسْر اللَّام أَي: يشوين فِي الْملَّة وَهِي الرماد الْحَار. وَالْإِمَاء: الخدم. والحوار بِضَم الْمُهْملَة: ولد النَّاقة. والسديف: قطع السنام. والمسرهد: المريء الْحسن الْغذَاء وَقيل: السمين. أَي: فظل الْإِمَاء يشتوين الْوَلَد الَّذِي خرج من بَطنهَا تَحت الْجَمْر والرماد الْحَار وتسعى الخدم علينا بِقطع سنامها المقطّع يُرِيد: أَنهم أكلُوا أطايبها وأباحوا غَيرهَا للخدم.) وَذكر الحوار يدل على أَنَّهَا كَانَت حُبْلَى وَهِي من أنفس الْإِبِل عِنْدهم. وترجمة طرفَة بن العَبْد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... بمنجردقيد الأوابد هيكل) لما تقدم قبله. وَقد بَيناهُ. وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة. وَقَوله: وَقد أغتدي أَي: أخرج غدْوَة للصَّيْد. والوكنات الْوَاو مَضْمُومَة وَالْكَاف
следующие страницы →