← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بَيَانه: أَن جملَة وَقد ترّ الوظيف حَال وعاملها يَقُول وَلَا صَاحب لَهَا وَأما فَاعل يَقُول وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فَلَيْسَ صَاحب الْحَال لِأَنَّهَا لم تبين هَيئته إِذْ لَيست من صِفَاته. وَهَذَا إِنَّمَا يرد على تَعْرِيف المُصَنّف الْحَال فَإِنَّهُ اعْتبر فِيهِ تَبْيِين الْهَيْئَة وَلَا يرد عل ى تَعْرِيف الشَّارِح فَإِنَّهُ لم يعْتَبر فِي الحدّ تَبْيِين الْهَيْئَة. وَقد أوّل النَّاس تَعْرِيف المُصَنّف على وُجُوه مِنْهُم السَّيِّد ركن الدَّين فِي شَرحه الْكَبِير على الكافية وَابْن هِشَام فِي شرح التسهيل وَمُغْنِي اللبيب وَكَذَا الدماميني وَغَيره. وترّ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالرَّاء الْمُهْملَة قَالَ ابْن دُرَيْد: ترّ الْعظم يترّه ترّاً إِذا قطعه وَكَذَلِكَ كل عُضْو انْقَطع بضربة وَاحِدَة فقد ترّ ترّاً وينشد بِالْوَجْهَيْنِ قَول طرفَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت فِي الجمهرة. يُرِيد: أَن ترّ ورد لَازِما ومتعدياً. وَرُوِيَ بِرَفْع الوظيف على أَنه فَاعل ترّ اللَّازِم بِمَعْنى انْقَطع وَفَسرهُ يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوَان طرفَة وَتَبعهُ الأعلم فِي شَرحه بقوله: طنّ وندر. وَرُوِيَ بِنصب الوظيف على أَنه مفعول ترّ الْمُتَعَدِّي بِمَعْنى قطع وفاعله ضمير العضب فِي بَيت قبله. وَقَوله: وساقها: مَعْطُوف عَلَيْهِ بِالْوَجْهَيْنِ وَضمير الْمُؤَنَّث رَاجع إِلَى الكهاة فِي بَيت قبله وَهِي النَّاقة الضخمة. والوظيف فِي الرجل مَا بَين الرسغ والساق وَفِي الْيَد: مَا بَين الرسغ والذراع. وَقَوله: أَلَسْت ترى الخ مقول القَوْل. وَالْخطاب فِي الثَّلَاثَة لطرفة والاستفهام للتوبيخ. والرؤية يجوز أَن تكون بصرية فَأن مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مُفْرد مَنْصُوب على أَنه مفعول الرُّؤْيَة وَأَن تكون علمية فَأن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا ضمير شَأْن وَجُمْلَة قد أتيت خَبَرهَا وَهِي مَعَ معمولها سادّة مسدّ المفعولين

стр. 1087

للرؤية. والمؤيد: على وزن اسْم الْفَاعِل قَالَ الأعلم: هُوَ الداهية وَأَصلهَا من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة كأناداهية ذَات شدَّة وَقُوَّة. وَرَوَاهُ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المعلقات بزنة اسْم الْمَفْعُول أَيْضا وَقَالَ: أَي: جِئْت بِأَمْر شَدِيد يشدّد فِيهِ: من عقرك هذهالناقة. وَلَيْسَ الْمُؤَيد من الوأد مَا توهمه السَّيِّد فِي حَوَاشِي هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ قَالَ: وأده أَي: دَفنه حَيا والْمُؤَيد:) الداهية. قَالَ ابْن جنّي فِي الْمنصف وَهُوَ شرح تصريف الْمَازِني: الْفِعْل المعتل الْعين إِذا صَحَّ مَا قبل عينه نقلت حَرَكَة عينه إِلَى السَّاكِن بلها نَحْو أَقَامَ واستقام. فَأَما مَا اعتلّت فاؤه فَإنَّك لَا تنقل إِلَيْهَا حَرَكَة الْعين وَذَلِكَ قَوْلك فِي أفعلت نَحْو آيمت وآولت من آم وَآل. لِأَنَّهُ لما اعتلت الْفَاء وَهِي همزَة فَقبلت ألفا صحّت الْعين وعَلى ذَلِك قَول الشَّاعِر: كرأس الفدن الْمُؤَيد فَهَذَا فعل بزنة اسْم الْمَفْعُول من الأيد وَهُوَ الْقُوَّة وَلم يقل المؤاد أَي: بِهَمْزَة ممدودة بعد الْمِيم المضمومة وَقَالَ طرفَة: أَن قد أتيت بمؤيد وَهِي الداهية وَهِي بزنة اسْم الْفَاعِل من الأيد أَيْضا وَلم يقل المئيد أَي: بميم مَضْمُومَة فهمزة مَكْسُورَة بعْدهَا مثناة تحتية وَقَالُوا: آيدته فِي أفعلته من الأيد وأيدته فعّلته. وآيدته قَليلَة مَكْرُوهَة لِأَنَّك إِن صححت فَهُوَ ثقيل وَإِن أعللت جمعت بَين إعلالين. فَعدل عَن أفعلته إِلَى فعّلته فِي غَالب الْأَمر اه.

стр. 1088

وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد الْمَشْهُورَة. وَهَذَا مَا قبله: (وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... نواديها أَمْشِي بعضب مُجَرّد) (فمرّت كهاة ذَات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد) يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقها ... الْبَيْت (وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ بشارب ... شَدِيد علينا بغيه متعمد) (فظل الْإِمَاء يمتللن حوارها ... وتسعى علينا بالسديف المسرهد) قَوْله: وبرك بِفَتْح الْمُوَحدَة مجرور بواو رب قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: البرك يَقع على جَمِيع مَا يبرك من الْجمال والنوق على المَاء وبالفلاة من حر الشَّمْس أَو الشِّبَع الْوَاحِد بَارك وباركة. وَقيل: البرك: جمَاعَة إبل الْحَيّ وَقيل لَهَا: برك لِاجْتِمَاع مباركها. وبرك الْبَعِير: إِذا ألْقى صَدره على الأَرْض. والهجود: النيام جمع هاجد وهاجدة ومصدره الهجود أَيْضا بِمَعْنى النّوم كالقعود وَالْجُلُوس. ومخافتي: فَاعل أثارت وَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: مخافتها إيَّايَ. ونواديها: مفعول أثارت أَي: أوائلها وَمَا سبق مِنْهَا وَهُوَ بالنُّون يُقَال: لَا ينداك مني أَمر تكرههُ أَي: لَا يسْبق إِلَيْك مني وَإِنَّمَا خص النوادي لِأَنَّهَا أبعد مِنْهُ عِنْد فرارها. فَيَقُول: لَا يفلت من عقري مَا قرب وَلَا مَا شَذَّ فندّ.) وَقَالَ ابْن السّكيت: النوادي الثقال أَيْضا من الْإِبِل الْوَاحِدَة نَادِيَةَ. وَجُمْلَة أَمْشِي حَال من الْيَاء فِي مخافتي. والعضب:

стр. 1089

السَّيْف الْقَاطِع. والمجرد: المسلول من غمده. يَقُول: ربّ إبل كَثِيرَة باركة قد أثارت نوادي هَذَا البرك عَن مباركها مخافتها إيَّايَ فِي حَال مشيي إِلَيْهَا بِسيف مسلول قَاطع. يُرِيد: أَنه أَرَادَ أَن ينْحَر لأضيافه بَعِيرًا فنفرت مِنْهُ لتعودها ذَلِك مِنْهُ. وَقَوله: فمرّت كهاة الخ الكهاة بِفَتْح الْكَاف قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ جلد الضَّرع وَقَالُوا: هُوَ جلد الضَّرع الْأَعْلَى الَّذِي يُسمى الجراب. يُقَال: نَاقَة خيفاء إِذا كَانَ ضرْعهَا كَبِيرا. وجلالة: بِالرَّفْع: صفة كهاة وَهِي بِضَم الْجِيم بِمَعْنى الجليلة والعظيمة. وعقيلة شيخ: صفة ثَالِثَة أَي: خير مَاله والعقيلة: الْكَرِيمَة. وَهَذَا الشَّيْخ قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ بعض بني عَم طرفَة كَانَ طرفَة عقر لَهُ نَاقَة. وَقَالَ الزوزني: أَرَادَ بالشيخ أَبَاهُ يُرِيد: أَنه نحر كرائم مَال أَبِيه لندمائه. وَقيل: بل أَرَادَ غَيره مِمَّن يُغير على مَاله. وَقَوله: كالوبيل صفة شيخ. قَالَ ابْن السّكيت: الوبيل الْعَصَا. وَقَالَ الزوزني: الوبيل: الْعَصَا الضخمة فِي الصِّحَاح: الوبيل: الحزمة. فعلى هَذَا شبّه عِظَامه فِي البيوسة بالحطب وَالشَّيْخ بِأَنَّهُ حزمة من الْحَطب. واليلندد: السَّيئ الْخلق الشَّديد الْخُصُومَة صفة ثَانِيَة للشَّيْخ. وَقَوله: يَقُول وَقد ترّ الوظيف الخ أَي: قَالَ الشَّيْخ فِي حَال عقري هَذِه النَّاقة الْكَرِيمَة النجيبة. وَمثلهَا لَا يعقر للأضياف وَقَوله: وَقَالَ أَلا مَاذَا ترَوْنَ الخ فَاعل قَالَ ضمير الشَّيْخ صَاحب النَّاقة وَذَا اسْم مَوْصُول وَمَا اسْتِفْهَام مَنْصُوب بترون وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف

стр. 1090

أَي: قَالَ الشَّيْخ مستشيراً أَصْحَابه: مَا الَّذِي ترَوْنَ أَن نَفْعل بطرفة شَارِب الْخمر يَبْغِي علينا بعقر كرائم أَمْوَالنَا وَقَوله: فَقَالُوا: ذروه الخ أَي: ذَروا طرفَة فَإِن نَفعهَا للشَّيْخ فَإِن طرفَة يخلف عَلَيْهِ ويزيده وَإِن لم تردّوا قاصي إبلكم يعقر مِنْهَا أَيْضا. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن لم تردّوا قاصي البرك وتردّوه إِلَى أَوله زَاد فِي نفاره وَذهب. والقاصي: اسْم فَاعل من قصا يقصو قصوّاً: إِذا بعد. وَقَوله: فظل الْإِمَاء الخ يمتللن بِكَسْر اللَّام أَي: يشوين فِي الْملَّة وَهِي الرماد الْحَار. وَالْإِمَاء: الخدم. والحوار بِضَم الْمُهْملَة: ولد النَّاقة. والسديف: قطع السنام. والمسرهد: المريء الْحسن الْغذَاء وَقيل: السمين. أَي: فظل الْإِمَاء يشتوين الْوَلَد الَّذِي خرج من بَطنهَا تَحت الْجَمْر والرماد الْحَار وتسعى الخدم علينا بِقطع سنامها المقطّع يُرِيد: أَنهم أكلُوا أطايبها وأباحوا غَيرهَا للخدم.) وَذكر الحوار يدل على أَنَّهَا كَانَت حُبْلَى وَهِي من أنفس الْإِبِل عِنْدهم. وترجمة طرفَة بن العَبْد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... بمنجردقيد الأوابد هيكل) لما تقدم قبله. وَقد بَيناهُ. وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة. وَقَوله: وَقد أغتدي أَي: أخرج غدْوَة للصَّيْد. والوكنات الْوَاو مَضْمُومَة وَالْكَاف

стр. 1091

يجوز ضمهَا وَفتحهَا وسكونها جمع وكنة بِضَم فَسُكُون. قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: وَمن ذَلِك قِرَاءَة عبد الْكَرِيم الْجَزرِي: فتكِن فِي صَخْرَة بِكَسْر الْكَاف من قَوْلهم وَكن الطَّائِر يكن وكوناً: إِذا اسْتَقر فِي وكنته وَهِي مقره لَيْلًا وَهِي أَيْضا عشّه الَّذِي يبيض فِيهِ. وَكَأَنَّهُ من مقلوب الْكَوْن لِأَن الْكَوْن الِاسْتِقْرَار. اه. وَالْقَاف لُغَة فِي الْكَاف يُقَال: وقنة ووقنات. وَرُوِيَ: فِي وكراتها بِضَمَّتَيْنِ جمع وكر بضمة فَسُكُون وَهُوَ جمع وكربفتح فَسُكُون والوكر: مأوى الطَّائِر فِي العش. وَالطير: جمع طَائِر كصحب جمع صَاحب. وَهَذَا المصراع قد اسْتَعْملهُ امْرُؤ الْقَيْس فِي قصيدته اللامية قَالَ: (وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خَالِي) وَفِي الضادية أَيْضا وَتَمَامه: بمنجرد عبل الْيَدَيْنِ قبيض وَفِي البائية أَيْضا وَتَمَامه: وَمَاء الندى يجْرِي على كل مذنب وَهَذَا الْبَيْت قد وَقع فِي قصيدة لعلقمة الْفَحْل أَيْضا. وَجُمْلَة: وَالطير فِي وكناتها حَال من ضمير الْمُتَكَلّم أَي: أغدو إِلَى الصَّيْد ملابساً لهَذِهِ الْحَالة. والمنجرد من الْخَيل قيل: الْمَاضِي فِي السّير وَقيل: الْقَلِيل الشّعْر القصيره. وبمنجرد مُتَعَلق بقوله أغتدي. والأوابد: الوحوش جمع آبده.

стр. 1092

يُرِيد: أَن هَذَا الْفرس من شدَّة سرعته يلْحق الأوابد فَيصير لَهَا بِمَنْزِلَة الْقَيْد. قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة: قيد الأوابد صفة وَهُوَ مصدر كَأَنَّهُ قَالَ: يُقيد الأوابد ثمَّ اسْتعْمل الْمصدر: بِحَذْف الزِّيَادَة فوصف بِهِ. وَقَالَ التبريزي: تَقْدِير قيد الأوابد ذِي تَقْيِيد الأوابد. قَالَ الباقلاّني فِي إعجاز الْقُرْآن: قَوْله قيد الأوابد عِنْدهم من البديع وَهُوَ من الِاسْتِعَارَة ويرونه من الْأَلْفَاظ) الشَّرِيفَة وعنى بذلك أَنه إِذا أرسل هَذَا الْفرس على الصَّيْد صَار قيدا لَهَا وَكَانَت بِحَال الْمُقَيد من جِهَة سرعَة عدوه. وَقد اقْتدى بِهِ النَّاس وَاتبعهُ الشُّعَرَاء فَقيل: قيد النواظر وَقيد الألحاظ وَقيد الْكَلَام وَقيد الحَدِيث وَقيد الرِّهَان قَالَ ابْن يعفر: (بمقلّص عتد جهير شدّه ... قيد الأوابد والرهان جواد) وَقَالَ أَبُو تَمام: (لَهَا منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح وَيَغْدُو فِي خفارته الحبّ) وَقَالَ آخر: (ألحاظه قيد عُيُون الورى ... فَلَيْسَ طرف يتعدّاه) وَقَالَ آخر: قيّد الْحسن عَلَيْهِ الحدقا والهيكل قَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ الْفرس الْعَظِيم الجرم. (مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا ... كجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من عل)

стр. 1093

مكر ومفر بِكَسْر الْمِيم فيهمَا وجرّهما أَي: فرس صَالح للكرّ والفرّ. وَالْكر: الْعَطف يُقَال: كرّ فرسه على عدوه. أَي: عطفه عَلَيْهِ. ومفعل بِكَسْر الْمِيم يتَضَمَّن مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: فلَان مسعر حَرْب وَفُلَان مقول ومصقع. وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ متضمناً مُبَالغَة لِأَن مفعلاً يكون من أَسمَاء الأدوات فَكَأَنَّهُ أَدَاة للكرّ والفرّ وَآلَة لتسعر الْحَرْب أَي: تلهبها وَآلَة الْكَلَام. ومقبل ومدبر بِضَم ميميهما: اسْما فَاعل من الإقبال والإدبار. والجلمود بِالضَّمِّ: الصخر الْعَظِيم الصلب. والحط: إِلْقَاء الشَّيْء من علو إِلَى سفل. وعل بِمَعْنى عَال أَي: من مَكَان عَال. وَفِي هَذَا الْبَيْت الاتساع قَالَ ابْن أبي الإصثبع فِي تَحْرِير التحبير: الاتساع أَن يَأْتِي الشَّاعِر بَيت يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل على قدر قوى النَّاظر فِيهِ وبحسب مَا تحْتَمل لفاظه كَقَوْلِه فِي صفة فرس: مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا لِأَن الْحجر يطْلب جِهَة السّفل لكَونهَا مركزه إِذْ كل شَيْء يطْلب مركزه بطبعه فالحجر يسْرع انحطاطه إِلَى السّفل من الْعُلُوّ من غير وَاسِطَة فَكيف إِذا أعانته قُوَّة دفّاع السَّيْل من عل فَهُوَ حَال تدحرجه يرى وَجهه فِي الْآن الَّذِي يرى فِيهِ ظَهره بِسُرْعَة تقلبه وَبِالْعَكْسِ. وَلِهَذَا قَالَ: مقبل مُدبر مَعًا يَعْنِي يكون إدباره وإقباله مُجْتَمعين فِي المعيّة لَا يعقل الْفرق بَينهمَا.) وَحَاصِل الْكَلَام وصف الْفرس بلين الرَّأْس وَسُرْعَة الانحراف فِي صدر الْبَيْت وَشدَّة الْعَدو فِي عَجزه. وَقيل: إِنَّه جمع وصفي الْفرس بِحسن الْخلق وَشدَّة الْعَدو ولكونه قَالَ فِي صدر الْبَيْت إِنَّه حسن الصُّورَة كَامِل

стр. 1094

النصبة فِي حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثمَّ شبهه بجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من الْعُلُوّ بِشدَّة الْعَدو فَهُوَ فِي الْحَالة الَّتِي ترى فِيهَا لببه ترى فِيهَا كفله وَبِالْعَكْسِ. هَذَا وَلم تخطرهذه الْمعَانِي بخاطر الشَّاعِر فِي وَقت الْعَمَل وَإِنَّمَا الْكَلَام إِذا كَانَ قويّاً من مثل هَذَا الْفَحْل احْتمل لقُوته وُجُوهًا من التَّأْوِيل بِحَسب مَا تحْتَمل أَلْفَاظه وعَلى مِقْدَار قوى الْمُتَكَلِّمين فِيهِ. وَمثله أَيْضا: (إِذا قامتا تضوّع الْمسك مِنْهُمَا ... نسيم الصّبا جَاءَت بريّا القرنفل) فَإِن هَذَا الْبَيْت اتَّسع النقاد فِي تَأْوِيله: فَمن قَائِل: تضوع مثل الْمسك مِنْهُمَا بنسيم الصِّبَا وَمن قَائِل: تضوع نسيم الصِّبَا مِنْهُمَا وَمن قَائِل: تشوع الْمسك مِنْهُمَا تضوع نسيم الصِّبَا وَهَذَا هُوَ الْوَجْه عِنْدِي وَمن قَائِل: تضوع الْمسك مِنْهُمَا بِفَتْح الْمِيم يَعْنِي الْجلد بنسيم الصِّبَا. وَقَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى فِي شرح أَبْيَات المفصّل: حَدثنِي الإِمَام أَبُو حَامِد سُلَيْمَان قَالَ: كُنَّا فِي خوارزم وَقد جرى النّظر فِي بَيت امْرِئ الْقَيْس: إِذا قامتا تضوع الْمسك مِنْهُمَا فَقَالُوا: كَيفَ شبّه تضوع الْمسك بنسيم الصِّبَا والمشبّه يَنْبَغِي أَن يكون مثل المشبّه بِهِ والمسك أطيب رَائِحَة وَطَالَ القَوْل فِي ذَلِك فَلم يحققوه وَكَانَ سَأَلَني عَنهُ فأجبت لوقتي أَنه شبه حَرَكَة الْمسك مِنْهُمَا عِنْد الْقيام بحركة نسيم الصِّبَا لِأَنَّهُ يُقَال: تضوع الفرخ أَي: تحرّك وَمِنْه تضوع الْمسك تحرّك وانتشرت رَائِحَته: وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة تُوصَف بالبطء عِنْد الْقيام فحركة الْمسك تكون إِذا ضَعِيفَة مثل حَرَكَة النسيم وانتشاره كانتشاره فالتشبيه صَحِيح.

стр. 1095

والنسيم: الرّيح الطّيبَة ونسيم الرّيح أوّلها حِين تقبل بلين. وَلقَائِل أَن يَقُول: إِن نسيم الصِّبَا وَهِي الرّيح الطّيبَة إِذا جَاءَت برّيا القرنفل وَهِي أَيْضا ريح طيبَة قاربت ريح الْمسك. وَبعد أَن جرى ذَلِك بِمدَّة طَوِيلَة وَقع إليّ كتاب أبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الأنباريّ فِي شرح القصائد السبعيات فَوَجَدته ذكر عِنْد هَذَا الْبَيْت قولا حسنا وَهُوَ قَوْله: وَمعنى تضوع أَخذ كَذَا وَكَذَا. وَهُوَ تفعّل من ضَاعَ يضوع يُقَال: للفرخ إِذا سمع صَوت أمه فَتحَرك: قد ضاعته أمه تضوعه ضوعاً. فَلَا حَاجَة مَعَ قَوْله أَخذ كَذَا وَكَذَا إِلَى تمحل لذَلِك وَيكون التَّقْدِير: تضوّع الْمسك مِنْهُمَا) تضوّع نسيم الصِّبَا أَي: أَخذ كَذَا وَكَذَا كَمَا أَخذ النسيم كَذَا وَكَذَا. اه. وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ. وانشد بعده وَهُوَ (كأنّ حواميه مُدبرا ... خضبن وَإِن لم تكن تخضب) على أَن مُدبرا حَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ الْهَاء فيحواميه. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة فِي وصف فرس لنابغة الْجَعْدِي. وَقَبله: (كأنّ تماثيل أرساغه ... رِقَاب وعول على مشرب) كأنّ حواميه مُدبرا

стр. 1096

وَبعده: (حِجَارَة غيل برضراضة ... كسين طلاءً من الطحلب) التماثيل: جمع تِمْثَال بِالْكَسْرِ وَهِي الصُّورَة. والأرساغ جمع رسغ بِالضَّمِّ وَهُوَ من الدوابّ: الْموضع المستدق بَين الْحَافِر وَمَوْضِع الوظيف من الْيَد وَالرجل وَمن الْإِنْسَان: مفصل مَا بَين الْكَفّ والساعد والقدم إِلَى السَّاق والوعول: جمع وعل قَالَ ابْن فَارس: هُوَ ذكر الأروى وَهُوَ الشَّاة الجبلية. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي البارع وَزَاد: وَالْأُنْثَى وَعلة بِكَسْر الْعين وتسكّن فيهمَا. وَالْمشْرَب بِالْفَتْح مَوضِع الشّرْب. وَهَذَا الْبَيْت من التَّشْبِيه البديع الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ: شبّه أرساغه فِي غلظها وانحنائها وعذد الانتصاب فِيهَا برقاب وعول قد مدّتها لتشرب المَاء. وهذاالبيت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب قَالَ:: وَيسْتَحب أَن تكون الأرساغ غلاظاً يابسة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: كأنّ حواميه. . الخ الحوامي: جمع حامية بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهِي مَا فَوق الْحَافِر وَقيل: هِيَ مَا عَن يَمِين الْحَافِر وشماله وَلكُل حافر حاميتان قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هما عَن يَمِين السنبك وشماله. والسنبك بِالضَّمِّ: طرف مقدم الْحَافِر. وتخضب بدل من تكن بدل اشْتِمَال لاشتمال الخضاب على الْكَوْن. وَهُوَ من قبيل بدل الْفِعْل من الْفِعْل وَلِهَذَا ظهر الْجَزْم. وَكسر للقافية. وَالْحِجَارَة: جمع حجر وَهِي الصخر. والغيل بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: المَاء الْجَارِي على وَجه الأَرْض. والرضراضة: الأَرْض الصلبة قَالَ ابْن السّكيت

стр. 1097

فِي أَبْيَات الْمعَانِي. ورضراضة: أَرض مرصوصة بحجارة بالضاد الْمُعْجَمَة والمهملة قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب: وَيسْتَحب أَن تكون الحوافر صلاباً غير نقدة والنقدر بِالتَّحْرِيكِ: ان ترَاهَا متقشرة وَتَكون سُودًا أَو خضرًا لَا) يبيضّ مِنْهَا شَيْء لِأَن الْبيَاض فِيهَا رقة. اه. شبّه حَوَافِرِهِ بحجارة مُقِيمَة فيماء قَلِيل. وَذَلِكَ أَصْلَب لَهَا يُقَال للصخرة الَّتِي بَعْضهَا فِي المَاء وَبَعضهَا خَارج: أتان الضحل والضحل: المَاء الْقَلِيل وَذَلِكَ النِّهَايَة فِي صلابتها. وَإِيَّاهَا عَنى المتنبي بقوله: (أَنا صَخْرَة الْوَادي إِذا مَا زوحمت ... وَإِذا نطقت فَإِنِّي الجوزاء) وَإِذا كَانَت جَوَانِب الحوافر صلاباً على الْوَصْف الَّذِي ذكر وَكَانَت سُودًا أَو خضرًا فمقاديمها أَصْلَب وَأَشد سواداً وخضرة. وكسين بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْكسْوَة. وَالنُّون ضمير الْحِجَارَة. وَالْجُمْلَة حَال من ضمير الظّرْف أَعنِي قَوْله برضراضة. والطلاء بِالْكَسْرِ: كل مَا يطلى بِهِ وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي لكسا. يُقَال: طليته بِهِ أَي: لطخته بِهِ. والطّحلب بِضَم اللَّام وَفتحهَا مَعَ ضم المَاء فَهُوَ مطحلب بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا. قَالَ ابْن الشجريّ فِي الْمجْلس الثَّالِث من أَمَالِيهِ عِنْد قَول المسيّب بن عَامر فِي مدح عمَارَة بن زباد الْعَبْسِي: (كسيف الفرند العضب أخْلص صقله ... تراوحه أَيدي الرِّجَال قيَاما)

стр. 1098

إِن قَوْله قيَاما نصب على الْحَال من الرِّجَال. وَالْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَليلَة وَمن ذَلِك قَول الْجَعْدِي: كأنّ حواميه مُدبرا نصب مُدبرا على الْحَال من الْهَاء ... وأنشدوا فِي الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَول تأبّط شرا: (سلبت سلاحي يائساً وشتمتني ... فيا خير مسلوب وَيَا شرّ سالب) وَلست أرى أَن بائساً حَال من الْيَاء فِي سلاحي وَلكنه عِنْدِي حَال من مفعول سلبت الْمَحْذُوف وَالتَّقْدِير: سلبتني بائساً سلاحي. ومثلي قَوْله تَعَالَى: ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَقَوله تَعَالَى: أَهَذا الَّذِي بعث الله رَسُولا أَي: خاقته وَبَعثه. وَإِنَّمَا وَجب الْعُدُول إِلَى مَا قُلْنَا لعزة حَال الْمُضَاف إِلَيْهِ. فَإِذا وجدت مندوحة وَجب تَركه. وسلب يتَعَدَّى إِلَى مفعولين يجوز الِاقْتِصَار على أَحدهمَا كَقَوْلِك: سلبت زيدا ثوبا وَقَالُوا: سلب زيد ثَوْبه بِالرَّفْع على بدل الاشتمال وثوبه بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان وَفِي التَّنْزِيل: وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنقذوه مِنْهُ فَيجوز على هَذَا أَن نجْعَل بائساً مَفْعُولا ثَانِيًا بِتَقْدِير حذف الْمَوْصُوف أَي:) سلبت سلاحي رجلا باائساً كَمَا تَقول: لتعاملن مني رجلا منصفاً. وَمِمَّا جَاءَت الْحَال فِيهِ من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا قيل: إِن حَنِيفا حَال من إِبْرَاهِيم وأوجه من ذَلِك عِنْدِي أَن تَجْعَلهُ حَالا من الْملَّة

стр. 1099

وَإِن خالفها بالتذكير لِأَن الْملَّة فِي معنى الدَّين أَلا ترى أَنَّهَا قد أبدلت من الدَّين فِي قَوْله تَعَالَى: دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم فَإِذا جعلت حَنِيفا حَالا من الْملَّة فالناصب لَهُ هُوَ الناصب للملة وَتَقْدِيره: بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا. وَإِنَّمَا أضمر نتبع لِأَن مَا حَكَاهُ الله عَنْهُم من قَوْلهم: كونُوا هوداً أَو نَصَارَى تهتدوا مَعْنَاهُ اتبعُوا الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ لنَبيه ﷺ َ: قل بل نتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا. . وَإِنَّمَا ضعف مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الْعَامِل فِي الْحَال يَنْبَغِي أَن يكون هُوَ الْعَامِل فِي ذِي الْحَال. اه كَلَامه. وَقَالَ أَيْضا فِي الْمجْلس الرَّابِع وَالْعِشْرين: وَأما قَوْله: مُدبرا فحال من الْهَاء وَالْعَامِل على رَأْي أبي عليّ مَا تقدره فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ من معنى الجارّ. يَعْنِي أنّ التَّقْدِير كَأَن حوامي ثَابِتَة لَهُ مُدبرا أَو كائنة لَهُ. قَالَ: وَلَا يجوز تَقْدِيم هَذِه الْحَال لِأَن الْعَامِل فِيهَا معنى لَا فعل مَحْض. قَالَ: وَلَا يجوز أَن يكون الْعَامِل مَا فِي كأنّ من معنى الْفِعْل لِأَنَّهُ إِذا عمل فِي حَال لمي عمل فِي أُخْرَى. يَعْنِي أنّ كَأَن قد عمل فِي مَوضِع خضبن النصب على الْحَال فَلَا يعْمل فِي قَوْله مُدبرا. وَهَذَا القَوْل يدلّ على أَنه يُجِيز أَن ينصب حَال الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعَامِل فِي الْمُضَاف. وَإِذا كَانَ هَذَا جَائِزا عِنْده فَإِن جعل خضبن خبر كَأَن فالعامل إِذا فِي مُدبرا مَا فِي كَأَن من معنى الْفِعْل. وَهَذَا إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ الْمُضَاف ملتبساً بالمضاف إِلَيْهِ: كالتباس الحوامي بِمَا هِيَ لَهُ وَلَا يجوز فِي ضربت غُلَام هِنْد جالسة أَن تنصب جالسة بضربت لِأَن الْغُلَام غير ملتبس بهند كالتباس الحوامي بصاحبها. وَلَا يجوز عِنْدِي أَن تنصب جالسة

стр. 1100

بِمَا تقدره من معنى اللَّام فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ فكأنك قلت: ضربت غُلَاما كَائِنا لهِنْد جالسةً لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون الْغُلَام لهِنْد فِي حَال جلوسها خَاصَّة وَهَذَا مُسْتَحِيل. وَكَذَلِكَ قَوْله: كَأَن حواميه مُدبرا إِن قدرت فِيهِ: حوامي ثَابِتَة لَهُ مُدبرا وَجب أَن يكون الحوامي لَهُ فِي حَال إدباره دون حَال إقباله. وَهَذَا يُوضح لَك فَسَاد إعمالك فِي هَذِه الْحَال معنى الْجَار المقدّر فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَلَا يجوزإذن ضربت غُلَام هِنْد جالسة لذَلِك وَلعدم التباس الْمُضَاف بالمضاف إِلَيْهِ. وَنَظِير مَا ذَكرْنَاهُ: من جَوَاز مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ) الْمُضَاف ملتبساً بِهِ قَوْله تَعَالَى: فظلت اعناقهم لَهَا خاضعين أخبر بخاضعين عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلَو أخبر عَن الْمُضَاف لقَالَ خاضعة أَو خضّعاً أَو خواضع. وَإِنَّمَا حسن ذَلِك لِأَن خضوع أَصْحَاب الْأَعْنَاق بخضوع أَعْنَاقهم. وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا وَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي التَّفْسِير من أَن المُرَاد بأعناقهم كبراؤهم. وَقَالَ أهل اللُّغَة: أَعْنَاقهم: جماعاتهم كَقَوْلِك: جَاءَنِي عنق من النَّاس أَي: جمَاعَة. فَالْخَبَر فِي هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَن الْأَعْنَاق. وَقَوله: خضبن عِنْد أبي عليّ فِي مَوضِع نصب بِأَنَّهُ حَال من الحوامي وَلم يَجعله خبر كَأَن لِأَنَّهُ جعل خَبَرهَا قَوْله حِجَارَة غيل وَلم يجز أَن يَكُونَا خبرين لكأن: على حدّ قَوْلهم هـ احُلْو حامض أَي: قد جمع الطعمين قَالَ: لِأَنَّك لَا تَجِد فِيمَا أخبروا عَنهُ بخبرين أَن يكون أَحدهمَا مُفردا وَالْآخر جملَة: لَا تقولزيد خرج عَاقل. وَالْقَوْل عِنْدِي: أَن يكون أَحدهمَا مُفردا وَالْآخر جملَة: لَا تَقول زيد خرج عَاقل. وَالْقَوْل عِنْدِي: أَن يكون مَوضِع خضبن رفعا بِأَنَّهُ خبر كَأَن وَقَوله: حِجَارَة غيل خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ حِجَارَة غيل وأداة التَّشْبِيه محذوفة كَمَا

стр. 1101

فهنّ إضاء صافيات الغلائل أَي: مثل إضاء والإضاء: الغدران وَاحِدهَا أضاة فعلة جمعت على فعال كرقبة ورقاب: شبّه الدروع فِي صفائها بالغدران. والنابغة الْجَعْدِي كنيته أَبُو ليلى وَهُوَ كَمَا فِي الِاسْتِيعَاب: قيس بن عبد الله. وَقيل: حَيَّان بن قيس بن عبد الله بن عَمْرو بن عدس بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. وَقيل: اسْمه حَيَّان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس بن ربيعَة بن جعدة. وَإِنَّمَا قيل لَهُ: النَّابِغَة لِأَنَّهُ قَالَ الشّعْر فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أَقَامَ مُدَّة نَحْو ثَلَاثِينَ سنة لَا يَقُول الشّعْر ثمَّ نبغ فِيهِ فقاله فسمّي النَّابِغَة. وَهُوَ أسنّ من النَّابِغَة الذبياني لِأَن الذبياني كَانَ مَعَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر بعد الْمُنْذر بن محرّق وَقد أدْرك النَّابِغَة الْجَعْدِي الْمُنْذر بن محرق ونادمه. ذكر عمر بن شبّة أَنه عمّر مائَة وَثَمَانِينَ سنة وَأَنه أنْشد عمر بن الْخطاب ﵁: (لبست أُنَاسًا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أنَاس أُنَاسًا) (ثَلَاثَة أهلين أفنيتهم ... وَكَانَ الْإِلَه هُوَ المستآسا)) فَقَالَ لَهُ عمر: كم لَبِثت مَعَ كلّ أهل قَالَ: سِتِّينَ سنة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: عمّر الْجَعْدِي مِائَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَمَات بأصبهان.

стр. 1102

وَلَا يدْفع هَذَا مامرّ فَإِنَّهُ أفنى ثَلَاثَة قُرُون فِي مائَة وَثَمَانِينَ سنة ثمَّ عمّر إِلَى زمن ابْن الزبير وَبعده. والبيتان من قصيدة سينية. والمستآس: المستعاض مستفعل من الْأَوْس والأوس: الْعَطِيَّة عوضا. وبعدهما: (وعشت بعيشين إِن المنو ... ن تلقّى المعايش فِيهَا خساسا) (فحيناً أصادف غرّاتها ... وحيناً أصادف مِنْهَا شماسا) (شهدتهم لَا أرجّي الحيا ... ة حَتَّى تساقوا بسمر كئاسا) وَهُوَ جمع كأس. قَالَ السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: وَقَالَ حِين وفت لَهُ مائَة واثنتا عشرَة سنة: (مَضَت مائَة لعام ولدت فِيهِ ... وَعشر بعد ذَاك وحجتان) (فأبقى الدَّهْر وَالْأَيَّام مني ... كَمَا أبقى من السَّيْف الْيَمَانِيّ) (تفلّل وَهُوَ مأثور جراز ... إِذا جمعت بقائمه اليدان) (أَلا زعمت بَنو كَعْب بِأَنِّي ... أَلا كذبُوا كَبِير السن فَانِي) الخنان: مرض أصَاب النَّاس فِي أنوفهم وحلوقهم وَرُبمَا أَخذ النعم وَرُبمَا قتل اه. وَهُوَ بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعدهَا نون مُخَفّفَة فِي الْقَامُوس:

стр. 1103

والخنان كغراب: زكام الْإِبِل وزمن الخنان كَانَ فِي عهد الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَمَاتَتْ الْإِبِل مِنْهُ. ووفد الجعديّ على النَّبِي ﷺ َ مُسلما وأنشده ودعا لَهُ رَسُول الله ﷺ َ وَكَانَ من اول مَا أنده قَوْله فِي قصيدته الرائية: (أتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وَيَتْلُو كتابا كالمجرة نيرا) (وجاهدت حَتَّى مَا أحس وَمن معي ... سهيلاً إِذا مَا لَاحَ ثمّت غوّرا) (أقيم على التَّقْوَى وأرضى بِفِعْلِهَا ... وَكنت من النَّار المخوفة أحذرا) إِلَى أَن قَالَ: (وَإِنَّا لقوم مَا نعوّد خَيْلنَا ... إِذا ماالتقينا أَن تحيد وتنفرا)) (وننكر يَوْم الروع ألوان خَيْلنَا ... من الطعْن حَتَّى تحسب الجون أشقرا) (وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا ان نردها ... صحاحاً وَلَا مستنكراً أَن تعقّرا) (بلغنَا السَّمَاء مَجدنَا وسناؤنا ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن جَراد:

стр. 1104

فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا ليلى فَقَالَ: إِلَى الْجنَّة فَقَالَ: نعم إِن شَاءَ الله (وَلَا خير فِي حلم إِذا لم تكن لَهُ ... بَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدّرا) (وَلَا خير فِي جهل إِذا لم يكن لَهُ ... حَلِيم إِذا مَا اورد الْأَمر أصْدرَا) فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَا يفضض الله فَاك فَكَانَ من احسن النَّاس ثغراً وَكَانَ إِذا سَقَطت لَهُ ثنية نَبتَت وَكَانَ فوه كالبدر المتهلّل يتلألأ ويبرق. وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة: نَحْو مِائَتي بَيت وَأنْشد جَمِيعهَا للنَّبِي ﷺ َ وأولها: (خليليّ غضّا سَاعَة وتهجّرا ... ولوما على مَا أحدث الدَّهْر أَو ذرا) وَهِي من أحسن مَا قيل من الشّعْر فِي الْفَخر بالشجاعة سباطة ونقاوة وحلاوة. وَمِنْهَا: (تذكرت والذكرى تهيج على الْفَتى ... وَمن حَاجَة المحزون أَن يتذكرا) (نداماي عِنْد الْمُنْذر بن محرّق ... أرى الْيَوْم مِنْهُم ظَاهر الأَرْض مقفرا) (تقضّى زمَان الْوَصْل بيني وَبَينهَا ... وَلم ينْقض الشوق الَّذِي كَانَ اكثرا) (وَإِنِّي لآستشفي بِرُؤْيَة جارها ... إِذا مَا لقاؤها عليّ تعذّرا) (وَأُلْقِي على جِيرَانهَا مسحة الْهوى ... وَإِن لم يَكُونُوا لي قبيلاً ومعشرا)

стр. 1105

(تردّيت ثوب الذلّ يو لقيتها ... وَكَانَ رِدَائي نخوة وتجبرا) (إِلَى أَن لَقينَا الحيّ بكر بن وَائِل ... ثَمَانِينَ ألفا دارعين وحسّرا) (فَلَمَّا قرعنا النبع بالنبع: بعضه ... بِبَعْض أَبَت عيدانه أَن تكسّرا) (سقيناهم كأساً سقونا بِمِثْلِهَا ... ولكننا كُنَّا على الْمَوْت أصبرا) قَالَ عمر بن شبّة: كَانَ النَّابِغَة الجعديّ شَاعِرًا مقدّماً غلا انه كَانَ إِذا هاجى غلب وَقد هاجى أَوْس بن مغراء وليلى الأخيلية وَكَعب بن جعيل فغلبوه وَهُوَ اشعر مِنْهُم مرَارًا. لَيْسَ فيهم من يقرب مِنْهُ. وَكَانَ قد خرج مَعَ عَليّ ﵁ إِلَى صفّين فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان فَأخذ أهل النَّابِغَة وَمَاله فَدخل النَّابِغَة على مُعَاوِيَة وَعِنْده مَرْوَان وَعبيد الله بن مَرْوَان) فأنشده: (من رَاكب يَأْتِي ابْن هِنْد بحاجتي ... على النأي والأنباء تنمي وتجلب) (ويخبر عني مَا أَقُول النعامر ... وَنعم الْفَتى يأوي إِلَيْهِ المعصّب) (فَإِن تَأْخُذُوا أَهلِي وَمَالِي بظنّة ... فَإِنِّي لأحرار الرِّجَال مجرّب) (صبور على مَا يكره الْمَرْء كُله ... سوى الظُّلم إِنِّي إِن ظلمت سأغضب)

стр. 1106

فَالْتَفت مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان فَقَالَ: مَا ترى قَالَ: أرى أَن لَا تردّ عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ: مَا اهون عَلَيْك أَن يقطع عليّ عرضي ثمَّ ترويه الْعَرَب أما وَالله إِن كنت لمّمن يرويهّ أردد عَلَيْهِ كل شَيْء اخذته. . ثمَّ أقحمته سنة فَدخل على ابْن الزبير فِي الْمَسْجِد الْحَرَام يستجديه ومدحه بِأَبْيَات فَأعْطَاهُ من بَيت المَال قَلَائِص سبعا وفرساً رجيلاً: وأوقر لَهُ الرّكاب بّاً وَتَمْرًا وثياباً. وَفِي تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبي أَن النَّابِغَة قَالَ هَذِه الأبيات: (الْمَرْء يهوى أَن يعي ... ش وَطول عمر قد يضرّهُ) (وتتابع الأيّام ح ... تى مَا يرى شَيْئا يسرّه) (تفنى بشاشته ويب ... قى بعد حُلْو الْعَيْش مرّه) ثمَّ دخل بَيته فَلم يخرج مِنْهُ حَتَّى مَاتَ. وَفِي الِاسْتِيعَاب: كَانَ النَّابِغَة يذكر فِي الْجَاهِلِيَّة دين إِبْرَاهِيم والحنيفية ويصوم ويستغفر فِيمَا ذكرُوا وَقَالَ فِي الْجَاهِلِيَّة كَلمته الَّتِي أَولهَا: (الْحَمد لله لَا شريك لَهُ ... من لم يقلها فنفسه ظلما) وفيهَا ضروب من دَلَائِل التَّوْحِيد وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وَصفَة بعض ذَلِك: على نَحْو شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَقد قيل إِن هـ االشّعْر لأمية بن أبي الصلب وَلكنه قد صَححهُ يُونُس بن حبيب وَحَمَّاد

стр. 1107

الراوية وَمُحَمّد بن سلاّم وَعلي بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش للنابغة الْجَعْدِي. الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (عوذ وبهثة حاشدون عَلَيْهِم ... حلق الْحَدِيد مضاعفاً يتلهّب) على أَنه قد جَاءَ فِيهِ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ: كالبيت الَّذِي قبله. أَعنِي قَوْله: مضاعفاً حَال من الْحَدِيد. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل الشيرازيات: قد جَاءَ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي نَحْو مَا أنْشدهُ أَبُو زيد: (عوذ وبهثة حاشدون عَلَيْهِم ... حلق الْحَدِيد مضاعفاً يتلهّب) انْتهى كَلَامه. قَالَ ابْن الشجري فِي الْمجْلس السَّادِس وَالسبْعين فِي أَمَالِيهِ: الْوَجْه فِي هَذَا الْبَيْت فِيمَا أرَاهُ أَن مضاعفاً حَال من الْحلق لَا من الْحَدِيد لأمرين: أَحدهمَا: أَنه إِذا أمكن مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف كَانَ أولى من مجيئها من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلَا مَانع فِي الْبَيْت من كَون مضاعفاً حَالا من الْحلق لأننا نقُول: حلق مُحكم ومحكمة. وَالْآخر: أنّ وصف الْحلق بالمضاعف أشبه كَمَا قَالَ المتنبي: (أَقبلت تَبَسم والجياد عوابس ... يخببن بِالْحلقِ المضاعف والقنا) وَيجوز أَن يَجْعَل مضاعفاً حَالا من الْمُضمر فِي يتلهب ويتلهب فِي مَوضِع الْحَال من الْحلق فَكَأَنَّهُ

стр. 1108

وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس وَالْعِشْرين مثل هَذَا ثمَّ قَالَ: وَيتَوَجَّهُ ضعف مَا قَالَه من جِهَة أُخْرَى: وَذَلِكَ انه لَا عَامل لَهُ فِي هَذِه الْحَال إِذا كَانَت من الْحَدِيد إِلَّا مَا قدّره فِي الْكَلَام من معنى الْفِعْل بِالْإِضَافَة. وَذَلِكَ قَوْله: أَلا ترى أَنه لَا تَخْلُو الْإِضَافَة من أَن تكون بِمَعْنى اللَّام أَو من. وَأَقُول: إِن مضاعفاً فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ حَال من الذّكر المستكن فِي عَلَيْهِم إِن رفعت الْحلق بِالِابْتِدَاءِ فَإِن رفعته بالظرف على قَول الْأَخْفَش والكوفيين فالحال مِنْهُ لِأَن الظّرْف حِينَئِذٍ يَخْلُو من ذكر. اه. وعوذ بِفَتْح الْمُهْملَة وَآخره ذال مُعْجمَة هُوَ عوذ بن غَالب بن قطيعة بِالتَّصْغِيرِ ابْن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان. وبهثة بِضَم الْمُوَحدَة وَهُوَ بهثة بِمَ عبد الله بن غطفان. فبهثة ابْن عمّ بغيض. وغَطَفَان هُوَ ابْن سعد بن قيس عيلان بن مُضر كَذَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الْكَلْبِيّ. وَحلق الْحَدِيد قَالَ صَاحب الْعباب: الْحلقَة بالتسكين: الدّرع وَالْجمع الْحلق بِفتْحَتَيْنِ عيى غير قِيَاس وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلق بِالْكَسْرِ مثل بدرة وَبدر وقصعة وقصع.) وَفِي الْمِصْبَاح. الْحلقَة: السِّلَاح كُله. ثمَّ أورد الْجمع مثل مَا أرده صَاحب الْعباب وَقَالَ: وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أنّ الْحلقَة بِالْفَتْح لُغَة فِي السّكُون وعَلى هَذَا فالجمع بِحَذْف الْهَاء قِيَاس مثل قَصَبَة وقصب. وَجمع ابْن السرّاج بَينهمَا وَقَالَ: فَقَالُوا حلق ثمَّ خفّفوا الْوَاحِد حِين ألحقوه الزِّيَادَة وَغير الْمَعْنى. قَالَ: وَهَذَا لفظ سبويه. وَأما حَلقَة الْبَاب فقد قَالَ صَاحب الْعباب والمصباح: هِيَ بِالسُّكُونِ أَيْضا تكون من حَدِيد وَغَيره وحلقة الْقَوْم كَذَلِك وهم الَّذين يَجْتَمعُونَ مستديرين. وَقَالَ صَاحب الْعباب: قَالَ الفرّاء فِي نوادره: الْحلقَة بِكَسْر اللَّام لُغَة بلحارث بن كَعْب فِي الْحلقَة بِالسُّكُونِ وَالْحَلقَة بِالْفَتْح قَالَ ابْن السكّيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ

стр. 1109

يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حلفقة بِالتَّحْرِيكِ إِلَّا فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. اه. فَقَوْل الشَّاعِر: حلق الْحَدِيد المُرَاد من الْحلق الدّروع سَوَاء كسرت الْحَاء أَو فتحت. وإضافتها إِلَى الْحَدِيد كَقَوْلِهِم: خَاتم فضَّة وثوب خزّ. ف المضاعف لَا يكون حَالا إِلَّا من ضمير الْحلق المستقر فِي الجارّ وَالْمَجْرُور الواقعين خَبرا أَو من الْحلق على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: من تجويزه مَجِيء الْحَال من الْمُبْتَدَأ أَو من ضمير يتلهّب. وَلَا يَصح أَن يكون حَالا من الْحَدِيد إِذْ لَا معنى لَهُ. فتأمّل. وَأَيْضًا الدّرع المضاعفة هِيَ المنسوجة حلقتين حلقتين قيل: وَيجوز أَن يُرَاد بالمضاعفة درع فَوق أُخْرَى. ويتلهّب: يشتعل استعير للمعانه. والحشد يكون لَازِما ومتعدياً يُقَال: حشد الْقَوْم من بَاب قتل وَضرب: إِ ااجْتَمعُوا. وحشدتهم أَي: جمعتهم. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لزيد الفوارس أوردهَا أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي كتاب ضالّة الأديب. وَهِي: (دلّهت أَن لم تسألي أيّ امْرِئ ... بلوى النقيعة إِذْ رجالك غيّب) (إِذْ جَاءَ يَوْم ضوءه كظلامه ... بَادِي الْكَوَاكِب مقّمطرّ أَشهب) (عوذ وبهثة حاشدون عَلَيْهِم ... حلق الْحَدِيد مضاعفاً يتلهّب) (ولّوا تكبهم الرماح كَأَنَّهُمْ ... أثل جأفت أُصُوله أَو أثأب) (لد غدْوَة حَتَّى أغاث شريدهم ... جوّ العشارة فالعيون فزنقب) (فَتركت زرّاً فِي الْغُبَار كَأَنَّهُ ... بشقيقتي قدمية متلبّب)) قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: كَانَ سَبَب هَذِه الأبيات أَنه أغار زرّ بن ثَعْلَبَة أحد بني عوذ بن غَالب بن قطيعة بن عبس فِي بني عبس وَعبد الله بن غطفان

стр. 1110

فَأَصَابُوا نعما لبني بكر بن سعد بن ضبة فطردوهم. فَأَتَاهُم الصَّرِيخ وَرَئِيسهمْ يَوْمئِذٍ زيد الفوارس حَتَّى أَدْركُوهُم بالنقيعة تَحت اللَّيْل فَقتلُوا زرّاً والجنيد بن تيجان من بني مَخْزُوم وَابْن أزنم من بني عبد الله بن غطفان. فَقَالَ زيد الفوارس هَذِه الأبيات فِي ذَلِك. اه. قَوْله: دلّهت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وخطاب المؤنثة من التدليه وَهُوَ ذهَاب الْعقل من همّ وعشق وَنَحْوه. دُعَاء عَلَيْهَا أَن لم تسْأَل عَنهُ أيّ فَارس كَانَ هُنَاكَ وَأي امْرِئ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أَنا وَيجوز نَصبه على أَنه خبر كَانَ المحذوفة مَعَ اسْمهَا أَي: أيّ امْرِئ كنت وَبهَا يتَعَلَّق الظرفان. وَإِذ الثَّانِيَة بدل من إِذْ الأولى. والنقيعة بالنُّون: مَوضِع بَين بِلَاد بني سليط وضبة. واللوى: مَا التوى من الرمل. وَيَوْم مقمطرّ: مشتدّ اقمطرّ أَي: اشتدّ. وَأَشْهَب: من الشهبة وَهُوَ بَيَاض يصدعه سَواد. وَقَوله: ولّوا تكبهم الخ ولّوا: ادبروا وَجُمْلَة تكبهم حَال من الْوَاو كبّه: قلبه وصرعه. والرماح: جمع رمح. وجأفت الشَّجَرَة بعد الْجِيم همزَة أَي: قلعتها. والأثأب بِالْمُثَلثَةِ كجعفر: شجر الْوَاحِدَة أثأبة. والشريد: الطريد الْمَهْزُوم وَهُوَ مفعول. وجوّ العشارة فَاعله وَهُوَ مَوضِع وَكَذَلِكَ الْعُيُون. وزنقب بالزاي وَالنُّون وَالْقَاف. وَقَول بشقيقتي قدميّة هُوَ مثنى شَقِيقَة والشَّقِيقَة: كلأ مَا انْشَقَّ نِصْفَيْنِ وكلّ مِنْهُمَا شَقِيقَة أَي: كَأَنَّهُ ملفوف بشقتي ثوب قدميّة. وَقدم بِضَم الْقَاف وَفتح الدَّال: حَيّ بِالْيمن وَمَوْضِع تصنع فِيهِ ثِيَاب حمر. ومتلبب

стр. 1111

من تلبّب بِثَوْبِهِ: إِذا التف بِهِ وتشمّر. ولبّبته تلبيباً إِذا جمعت ثِيَابه عِنْد نَحره فِي الْخُصُومَة ثمَّ جررته. وزيد الفوارس هُوَ ابْن حُصَيْن بن ضرار الضَّبِّيّ وَهُوَ جاهلي. وَذكره الآمديّ فِي المؤتلف والمختلف وَلم يرفع نسبه وَلَا ذكر لَهُ شَيْئا من شعره. وَهَذِه نسبته من جمهرة ابْن الْكَلْبِيّ: زيد الفوارس بن حُصَيْن بن ضرار بن عَمْرو بن مَالك بن زيد بن كَعْب بن بجالة بن ذهل بن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مُضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وَضِرَار بن عَمْرو وَكَانَ يُقَال لَهُ: الرّديم لِأَنَّهُ كَانَ إِذا وقف فِي الْحَرْب ردم ناحيته أَي: سدّها وطالت رياسته وَشهد يَوْم القرنتين وَمَعَهُ ثَمَانِيَة عشر من وَلَده يُقَاتلُون مَعَه وَزيد الفوارس كَانَ فارصهم. وَلِهَذَا قيل لَهُ: زيد الفوارس.) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (وإنّا سَوف تدركنا المنايا ... مقدّرة لنا ومقدّرينا) على أَنه يجوز عطف أحد حَالي الْفَاعِل وَالْمَفْعُول على الآخر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. فإنّ مقدرَة حَال من الْفَاعِل وَهُوَ المنايا ومقدرينا: حَال من الْمَفْعُول أَعنِي ضمير الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر. أَي: تدركنا المنايا فِي حَال كوننا مقدّرين لأوقاتها وَكَونهَا مقدّرة لنا. والمنايا: جمع منيّة وَهِي الْمَوْت وَسمي منية لِأَنَّهُ مُقَدّر من منى لَهُ أَي: قدّر قَالَ أَبُو قلَابَة الْهُذلِيّ: ...

стр. 1112

(فَلَا تقولن لشَيْء سَوف أَفعلهُ ... حَتَّى تلاقي مَا يمني لَك الماني) وه االْبَيْت من معلّقة عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي. وَهَذَا مطْلعهَا: (أَلا هبّي بصحنك فاصبحينا ... وَلَا تبقي خمور الأندرينا) (مشعشعةً كأنّ الحصّ فِيهَا ... إِذا مَا المَاء خالطها سخينا) (تجور بِذِي اللبانة عَن هَوَاهُ ... إِذا مَا ذاقها حَتَّى يلينا) (ترى اللحز الشحيح إِذا أمرّت ... عَلَيْهِ لمَاله فِيهَا مهينا) (صددت الكأس عَنَّا أمّ عَمْرو ... وَكَانَ الكأس مجْراهَا اليمينا) (وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أمّ عَمْرو ... بصاحبك الَّذِي لَا تصبحينا) وَإِنَّا سَوف تدركنا المنايا ... الْبَيْت أَلا: حرف يفْتَتح بِهِ الْكَلَام وَمَعْنَاهُ التَّنْبِيه. وهبّي: مَعْنَاهُ قومِي مننومك يُقَال: هبّ مننومه يهبّ هبّاً إِذا انتبه وَقَامَ من مَوْضِعه. والصحن: الْقدح الْوَاسِع الضخم. وَقَوله: فاصبحينا أَي: اسقينا الصبوح وَهُوَ شرب الْغَدَاة يُقَال: صبحه بِالتَّخْفِيفِ صبحاً بِالْفَتْح. والأندرين: قَرْيَة بِالشَّام كَثِيرَة الْخمر وَقيل: هُوَ أندر ثمَّ جمعه بِمَا حواليه وَقيل: هُوَ أندرون. وَفِيه لُغَتَانِ مِنْهُم من يعربه إِعْرَاب جمع الْمُذكر السَّالِم وَمِنْهُم من يلْزمه الْيَاء وَيجْعَل الْإِعْرَاب على النُّون وَقَالَ الزجّاج: يجوز مَعَ هَذَا لُزُوم الْوَاو أَيْضا. وَقَوله: مشعشعة كَأَن الخ المشعشعة: الرقيقة من الْعَصْر أَو من المزاج

стр. 1113

يُقَال: شعشع كأسك أَي: صبّ فِيهَا مَاء مَنْصُوب على أَنه مفعول اصبحينا أَي: اسقينا ممزوجة وَقيل: حَال من) خمور وَقيل بدل مِنْهَا. والحصّ بِضَم الْمُهْملَة: الورس وَهُوَ نبت أصفر يكون بِالْيمن وَقيل: هُوَ الزَّعْفَرَان. وَقَوله: سخينا قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: كَانُوا يسخنون لَهَا المَاء فِي الشتَاء ثمَّ يمزجونها بِهِ فَهُوَ على هَذَا حَال من المَاء. وَقيل: هُوَ صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: فاصبحينا شرابًا سخيناً. وَفِيه نظر. وَقيل: سخينا فعل أَي: جدنا يُقَال: سخي يسخى من بَاب تَعب وَالْفَاعِل سخ وَفِيه لُغَتَانِ اخريان: إِحْدَاهمَا سخا يسخو فَهُوَ ساخ من بَاب عل وَالثَّانيَِة سخو يسخو مثل قرب يقرب سخاوة فَهُوَ سخيّ. ويروى: شحينا بالشين الْمُعْجَمَة أَي: إِذا خالطها المَاء مَمْلُوءَة بِهِ. والشحن: الملء وَالْفِعْل من بَاب نفع والشحين بِمَعْنى المشحون. وَقَوله: تجور بِذِي اللبانة الخ من الْجور وَهُوَ الْعُدُول. واللبانة: الْحَاجة يمدح الْخمر وَيَقُول: تعدل بِصَاحِب الْحَاجة عَن حَاجته وهواه إِذا ذاقها حَتَّى يلين. أَي: هِيَ تنسي الهموم والحوائج أَصْحَابهَا فَإِذا شَرِبُوهَا لانوا ونسوا أحزانهم وحوائجهم. وَقَوله: ترى اللحز الخ اللحز بِفَتْح اللَّام وَكسر الْمُهْملَة وَآخره زَاي مُعْجمَة: الضيّق الْبَخِيل وَقيل: هُوَ السَّيئ الْخلق اللَّئِيم. وَقَوله: إِذا امرّت عَلَيْهِ أَي: أديرت الكأس عَلَيْهِ. وَالْمعْنَى: أنّ الْخمر إِذا كثر دورانها عَلَيْهِ أهان مَاله وجاد بِهِ. وَقَوله: صددت الكأس عَنَّا الخ أَي: صرفت الكأس عَنَّا إِلَى غَيرنَا. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ على أَن قَوْله اليمينا نصب على الظَّرْفِيَّة.

стр. 1114

وَفِيه أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون مجْراهَا بَدَلا من الكأس وَهُوَ مصدر لَا مَكَان. وَالْيَمِين: ظرف خبر كَانَ. الثَّانِي: أَن الْيَمين خبر كَانَ لَا ظرف لَكِن على حذف مُضَاف أَي: مجْرى الْيَمين. الثَّالِث: مجْراهَا مُبْتَدأ وَالْيَمِين ظرف خَبره وَالْجُمْلَة خبر كَانَ. الرَّابِع: ان يَجْعَل المجرى مَكَانا بَدَلا من الكأس وَالْيَمِين خبر كَانَ لَا ظرف. وأمّ عَمْرو منادى. قَالَ ابْن خلف: هِيَ أمّ الشَّاعِر وَكَانَ هُوَ جَالِسا مَعَ أَبِيه وَأبي أمه وَكَانَت تَسْقِي أَبَاهَا وَزوجهَا وَتعرض عَنهُ استصغاراً لَهُ فَقَالَ لَهَا: إِذا سقيت إنْسَانا كأساً اجعلي الكأس بعده للَّذي على يَمِينه حَتَّى يَنْقَضِي الدّور وَلَا يَنْبَغِي أَن تحقريني فلست بشر الثَّلَاثَة يَعْنِي: نَفسه وأباه وأباها اه وَهَذَا بعيد. قَالَ شرّاح المعلقات: وبضعهم يروي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لعَمْرو ابْن أُخْت جذيمة الأبرش: وَذَلِكَ أَنه لما) وجده مَالك وَعقيل فِي البريّة وَكَانَا يشربان وأمّ عَمْرو هَذِه تصد عَنهُ الكأس فَلَمَّا قَالَ هَذَا وَقَوله: إِنَّا سَوف تدركنا الخ معنى هَذَا الْبَيْت فِي اتِّصَاله بِمَا قبله أَنه لما قَالَ لَهَا هبي بصحنك حثها على ذَلِك. وَالْمعْنَى: فاصبحينا من قبل حُضُور الْأَجَل فَإِن الْمَوْت مقدّر لنا وَنحن مقدّرون لَهُ. وَهَذِه القصيدة أنشدها عَمْرو بن كُلْثُوم فِي حَضْرَة الْملك عَمْرو بن هِنْد وَهُوَ ابْن الْمُنْذر وَهِنْد امهِ ارتجالاً يذكر فِيهَا أَيَّام بني تغلب

стр. 1115

ويفتخر بهم. وَأنْشد أَيْضا عِنْد الْملك يَوْمئِذٍ الْحَارِث بن حلّزة قصيدته الت أَولهَا: آذنتنا ببينها أَسمَاء وَتَقَدَّمت حكايتها. قَالَ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان: قصيدة عَمْرو بن كُلْثُوم وقصيدة الْحَارِث بن حلّزة من مفاخر الْعَرَب كَانَتَا معلّقتين بِالْكَعْبَةِ دهراً. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: قصيدة عَمْرو بن كُلْثُوم من جيّد شعر الْعَرَب وَإِحْدَى السَّبع. ولشغف تغلب بهَا قَالَ بعض الشُّعَرَاء: (ألهى بني تغلب عَن كلّ مكرمَة ... قصيدة قَالَهَا عَمْرو بن كُلْثُوم) (يفاخرون بهَا مذ كَانَ أَوَّلهمْ ... يَا للرِّجَال لشعر غير مسؤوم) وَكَانَ سَبَب هَذِه القصيدة مَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: كَانَت بَنو تغلب ابْن وَائِل من أَشد النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقَالُوا: لَو أَبْطَأَ الْإِسْلَام قليلاّ لأكلت بَنو تغلب النَّاس. وَيُقَال: جَاءَ نَاس من بني تغلب إِلَى بكر بن وَائِل يستسقونهم فطردتهم بكر للحقد الَّذِي كَانَ بَينهم فَرَجَعُوا فَمَاتَ مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا عطشاً. ثمَّ إِن بني تغلب اجْتَمعُوا لِحَرْب بكر بن وَائِل واستعدّت لَهُم بكر حَتَّى إِذا الْتَقَوْا كَرهُوا الْحَرْب وخافوا ان تعود الْحَرْب بَينهم

стр. 1116

كَمَا كَانَت فَدَعَا بَعضهم بَعْضًا إِلَى الصُّلْح فَتَحَاكَمُوا إِلَى الْملك عَمْرو بن هِنْد فَقَالَ عَمْرو: مَا كنت لأحكم بَيْنكُمَا حَتَّى تَأْتُونِي بسبعين رجلا من أَشْرَاف بكر بن وَائِل. فأجعلهم فِي وثاق عِنْدِي. فَإِن كَانَ الْحق لبني تغلب دفعتهم إِلَيْهِم وَإِن لم يكن لَهُم حق خلّيت سبيلهم. فعلوا وتواعدوا ليَوْم بِعَيْنِه يَجْتَمعُونَ فِيهِ. فَجَاءَت تغلب فِي ذَلِك الْيَوْم يَقُودهَا عَمْرو بن كُلْثُوم حَتَّى جلس إِلَى الْملك. وَقَالَ الْحَارِث بن حلّزة لِقَوْمِهِ وَهُوَ رَئِيس بكر بن وَائِل: إِنِّي قد قلت قصيدة فَمن قَامَ بهَا ظفر بحجته وفلج على خَصمه فروّاها نَاسا مِنْهُم فلمّا قَامُوا بَين يَدَيْهِ لم يرضهم فحين علم انه لَا يقوم) بهَا أحد مقَامه قَالَ لَهُم: وَالله إِنِّي لأكْره أَن آتِي الْملك فيكلمني من وَرَاء سَبْعَة ستور وينضح أثري بِالْمَاءِ إِذا انصرفت عَنهُ وَذَلِكَ لبرص كَانَ بِهِ غير أَنِّي لَا أرى أحدا يقوم بهَا مقَامي وَأَنا مُحْتَمل ذَلِك لكم. فَانْطَلق حَتَّى أَتَى الْملك فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ عَمْرو بن كُلْثُوم قَالَ للْملك: أَهَذا يناطقني وَهُوَ لَا يُطيق صدر رَاحِلَته فَأَجَابَهُ الْملك حَتَّى أَفْحَمَهُ. آذنتنتا ببينها أَسمَاء وَهُوَ من وَرَاء سَبْعَة ستور وَهِنْد تسمع فَلَمَّا سَمعتهَا قَالَت: تالله مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ رجلا يَقُول مثل هَذَا القَوْل يكلّم من وَرَاء سَبْعَة ستور فَقَالَ الْملك: ارْفَعُوا سترا ودنا. فمازالت تَقول وَيرْفَع ستر فَستر حَتَّى صَار مَعَ الْملك على مَجْلِسه ثمَّ أطْعمهُ فِي جفنته وَأمر أَن لَا ينضح أَثَره بِالْمَاءِ وجزّ نواصي السّبْعين الَّذين كَانُوا فِي يَدَيْهِ من بكر وَدفعهَا إِلَى الْحَارِث وَأمره أَن لَا ينشد قصيدته إِلَّا متوضياً. فَلم تزل تِلْكَ النواصي فِي بني يشْكر

стр. 1117

بعد الْحَارِث وَهُوَ من ثَعْلَبَة بن غنم من بني مَالك بن ثَعْلَبَة. وَأنْشد قصيدته عَمْرو بن كُلْثُوم. هَكَذَا نقلل الْخَطِيب التبريزي عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ. وَهَذَا مُخَالف لما نَقَلْنَاهُ عَنهُ عِنْد ذكر معلقَة الْحَارِث بن حلّزة وَالله أعلم. وعَمْرو صَاحب هَذِه الْمُعَلقَة هُوَ عَمْرو بن كُلْثُوم بن مَالك بن عتاب بن سعد بن زُهَيْر بن جشم بن بكر بن حبيّب بن عَمْرو بن غنم بن تغلب بن وَائِل. قا لأبو عبيد البكريّ فِي شرح نَوَادِر القاليّ عَمْرو بن كُلْثُوم شَاعِر فَارس جاهليّ وَهُوَ أحد فتاك الْعَرَب وَهُوَ الَّذِي فتك بِعَمْرو بن هِنْد. وكنيته أَبُو الْأسود. وَأَخُوهُ مرّة هُوَ الَّذِي قتل الْمُنْذر بن النُّعْمَان. وامه أَسمَاء بنت مهلهل بن ربيعَة. وَلما تزوج مهلهل هنداً بنت عتيبة ولدت لَهُ جَارِيَة فَقَالَ لأمها: اقتليها وغيّبيها فَلَمَّا نَام تف بِهِ هَاتِف يَقُول: (وَعدد لَا يجهل ... فِي بطن بنت مهلهل) فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: أَيْن بِنْتي فَقَالَت: قتلتها. فَقَالَ: لَا وإله ربيعَة زكان أول من حلف بهَا. ثمَّ ربّاها وسمّاها أَسمَاء وَقيل ليلى. وَتَزَوجهَا كُلْثُوم بن مَالك. فَلَمَّا حملت بِعَمْرو أَتَاهَا آتٍ فِي الْمَنَام فَقَالَ: (يَا لَك ليلى من ولد ... يقدم إقدام الْأسد) ...

стр. 1118

(من جشم فِيهِ الْعدَد ... أَقُول قولا لَا فند) فَلَمَّا ولدت عمرا اتاها ذَلِك الْآتِي فَقَالَ:) (أَنا زعيم لَك أم عَمْرو ... بماجد الجدّ كريم النجار) (أَشْجَع من ذِي لبد هزبر ... وقّاص أَقْرَان شَدِيد الْأسر) يسودهم فِي خَمْسَة وَعشر وَكَانَ كَمَا قَالَ سادهم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة. وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَخمسين سنة. اه. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء عَمْرو بن كُلْثُوم جاهليّ قديم وَهُوَ قَاتل عَمْرو بن هِنْد الْملك. . وَكَانَ سَبَب ذَلِك أنّ عَمْرو بن هِنْد قَالَ ذَات يَوْم لندمائه: هَل تعلمُونَ أحدا من الْعَرَب تأنف أمّه من خدمَة أمّي قَالُوا: لَا نعلمها إِلَّا ليلى أم عَمْرو بن كُلْثُوم قَالَ: وَلم ذَلِك قَالُوا: لِأَن أَبَاهَا مهلهل بن ربيعَة وعمّها كُلَيْب وَائِل أعز الْعَرَب وبعلها كُلْثُوم بن مَالك بن عتّاب أَفرس الْعَرَب وَابْنهَا عَمْرو بن كُلْثُوم سيّد من هُوَ مِنْهُ فَأرْسل عَمْرو بن هِنْد إِلَى عَمْرو بن كُلْثُوم يستزيره ويسأله أَن يزير أمّه أمّه. فَأقبل عَمْرو بن كُلْثُوم من الجزيرة إِلَى الْحيرَة فِي جمَاعَة من بني تغلب وَأَقْبَلت ليلى بنت مهلهل فِي ظعن من بني تغلب وَأمر عَمْرو بن هِنْد برواقه فَضرب مَا بَين الْحيرَة والفرات وَأرْسل إِلَى وُجُوه أهل مَمْلَكَته فَحَضَرُوا. وَدخل عمروبن كُلْثُوم على عَمْرو بن هِنْد فِي رواقه وَدخلت ليلى بنت مهلهل

стр. 1119

على هِنْد قبّتها وَهِنْد أم عَمْرو بن هِنْد عمّة امْرِئ الْقَيْس الشَّاعِر وليلى بنت مهلهل أم عَمْرو بن كُلْثُوم هِيَ بنت أخي فَاطِمَة بنت ربيعَة أم امْرِئ الْقَيْس فَدَعَا عَمْرو بن هِنْد بمائدة فنصبها فَأَكَلُوا ثمَّ دَعَا بالطرف. فَقَالَت هِنْد: يَا ليلى ناوليني ذَلِك الطَّبَق فَقَالَت: لتقم صَاحِبَة الْحَاجة إِلَى حَاجَتهَا فأعادت عَلَيْهَا. فَلَمَّا ألحّت صاحت ليلى: واذلاّه يَا لتغلب فَسَمعَهَا ابْنهَا عَمْرو بن كُلْثُوم فثار الدَّم فِي وَجهه وَنظر إِلَى عَمْرو بن هِنْد فَعرف الشَّرّ فِي وَجهه فَقَامَ إِلَى سيف لعَمْرو بن هِنْد معلّق بالرواق وَلَيْسَ هُنَاكَ سيف غَيره فَضرب بِهِ رَأس عَمْرو بن هِنْد حَتَّى قَتله ونادى فِي بني تغلب فانتهبوا جَمِيع مَا فِي الرواق وَاسْتَاقُوا نجائبه وَسَارُوا نَحْو الجزيرة ... وَابْنه عتّاب بن عَمْرو بن كُلْثُوم قَاتل بشر بن عَمْرو بن عدس. وَأَخُوهُ (أبني كُلَيْب إِن عمّيّ اللذا ... قتلا الْمُلُوك وفكّكا الأغلالا) وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَة (كَأَنَّهُ خَارِجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عِنْد مفتأد) على أَن خَارِجا حَال من الْفَاعِل المعنويّ وَهُوَ الْهَاء. لِأَن الْمَعْنى يشبه خَارِجا. وَقد بيّنه الشَّارِح الْمُحَقق. وعامل الْحَال مَا فِي كَانَ من معنى الْفِعْل قَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَقد أورد هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْحُرُوف الَّتِي تَتَضَمَّن معنى الْفِعْل:

стр. 1120

الْعَامِل فِي خَارِجا مَا فِي كأنّ من معنى الْفِعْل. فَإِن قلت: لم لَا يكون الْعَامِل مَا فِي الْكَلَام من معنى التَّشْبِيه دون مَا ذكرت مِمَّا فِي كأنّ من معنى الْفِعْل فَالْقَوْل أَن معنى التَّشْبِيه لَا يمْتَنع انتصاب الْحَال عَنهُ نَحْو: زيد كعمرو مُقبلا إِلَّا أَن إِعْمَال ذَلِك فِي الْبَيْت لَا يَسْتَقِيم لتقدم الْحَال وَهِي لَا تتقدم على مَا يعْمل فِيهَا من الْمعَانِي. وَالْهَاء فيكانه عَائِدَة على المدرى المُرَاد بِهِ قرن الثور. وَالضَّمِير فِي صفحته رَاجع إِلَى ضمران وَهُوَ اسْم كلب. والسّفود خبر كَأَن بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْفَاء المضمومة وَهِي الحديدة الَّتِي يشوى بهَا الكباب. والشّرب بِالْفَتْح: جمع شَارِب. ونسوه أَي: تَرَكُوهُ حَتَّى نضج مَا فِيهِ. شبّه قرن الثور النَّافِذ فِي الْكَلْب بسفّود فِيهِ شواء. والمفتأد بِفَتْح الْهمزَة قبل الدَّال: المشتوى والمطبخ وَهُوَ مَحل الفأد بِسُكُون الْهمزَة: اسْم فَاعل وَهُوَ الَّذِي يعْمل الملّة. والفئيد على فعيل: كل نَار يشوى عَلَيْهَا. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يمدح بهاالنعمان بن الْمُنْذر وَيعْتَذر إِلَيْهِ فِيهَا مِمَّا بلغه عَنهُ. وَقد بينّا سَبَب اعتذاره فِي تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وَهَذِه القصيدة أضافها أَبُو جَعْفَر احْمَد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل النَّحْوِيّ

стр. 1121

إِلَى المعلقات السَّبع لجودتها. وَقد أورد الشَّارِح الْمُحَقق فِي شَرحه عدَّة أَبْيَات مِنْهَا. وَقبل هَذَا الْبَيْت: (كأنّ رحلي وَقد زَالَ النَّهَار بِنَا ... بِذِي الْجَلِيل على مستانس وحد) (من وَحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي الْمصير كسيف الصيقل الْفَرد) (سرت عَلَيْهِ من الجوزاء سَارِيَة ... تزجي الشمَال عَلَيْهِ جامد الْبرد) (فارتاع من صَوت كلاّب فَبَاتَ لَهُ ... طوع الشوامت من خوف وَمن صرد)) (فهاب ضمران مِنْهُ حَيْثُ يوزعه ... طعن المعارك عِنْد المجحر النجد) (شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها ... شكّ المبيطر إِذْ يشفي من الْعَضُد) (كَأَنَّهُ خَارِجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عِنْد مفتأد) (فظلّ يعجم أَعلَى الرّوق منقبضاً ... فِي حالك اللَّوْن صدق غير ذِي أود) (لما رأى واشق إقعاص صَاحبه ... وَلَا سَبِيل إِلَى عقل وَلَا قَود) (قَالَت لَهُ النَّفس: إِنِّي لاأرى طَمَعا ... وغن مَوْلَاك لم يسلم وَلم يصد) (فَتلك تبلغني النُّعْمَان إِن لَهُ ... فضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبعد) الرحل: النَّاقة. وَزَالَ النَّهَار أَي: انتصف وَهُوَ من الزَّوَال. وبنا: الْبَاء بِمَعْنى على. والجليل: بِضَم الْجِيم: الثمام وَهُوَ مَوضِع أَي: بِموضع فِي هَذَا النبت. وَهَذَا النبت لَا تَأْكُله الدَّوَابّ. والمستأنس: النَّاظر بِعَيْنيهِ.

стр. 1122

وَرُوِيَ: مستوجس: وَهُوَ الَّذِي قد أوجس فِي نَفسه الْفَزع فَهُوَ ينظر. والوحد بِفتْحَتَيْنِ: الوحيد الْمُنْفَرد وَهُوَ صَاحبهَا: وعَلى بِمَعْنى مَعَ. وَجُمْلَة وَقد زَالَ النَّهَار الخ حَال. وَهَذِه الْأُمُور مِمَّا يُوجب الْإِسْرَاع فَإِن الْمُسَافِر فِي فلاة يجد يجد فِي السّير بعد الزَّوَال ليصل إِلَى منزل يجد فِيهِ رَفِيقًا وعلفاً لدابته. وَقَوله: من وَحش شبه نَاقَته بثور وَحشِي مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات الْآتِيَة. وَخص وَحش وجرة لِأَنَّهَا فلاة بَين مران وَذَات عرق سِتُّونَ ميلًا والوحش يكثر فِيهَا وَيُقَال: إِنَّهَا قَليلَة الشّرْب فِيهَا. والموشي بِفَتْح الْمِيم: اسْم مفعول من وشيت الثَّوْب أشيه وشياً وشية أَي: لونته ألواناً مُخْتَلفَة. وَأَرَادَ بِهِ الثور الوحشي فَإِنَّهُ أَبيض وَفِي أكارعه أَي: قوائمه نقط سود وَفِي وَجهه سفعة. وموشي: بِالْجَرِّ صفة وَحش وأكارعه: فَاعله. وطاوي الْمصير أَي: ضامره والمصير المعى وجمعهخ مصران وَجمع مصران مصارين. وَقَوله: كسيف الصيقل أَي: يلمع. والفرد بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وسكونها: الثور الْمُنْفَرد إِن أنثاه وَكَذَلِكَ الفارد والفريد. وَقَوله: سرت عَلَيْهِ الخ والسارية: السحابة الَّتِي تَأتي لَيْلًا. وَمعنى سرت عَلَيْهِ الخ أَي: مطر بِنَوْء الجوزاء. وتزجى مصدره الإزجاء بالزاي وَالْجِيم وَهُوَ السُّوق. وَالشمَال فَاعله وَهِي ريح مَعْرُوفَة. وجامد الْبرد: مَفْعُوله أَي: مَا صلب من الْبرد. وَقَوله: فارتاع من صَوت الخ أَي: فزع الثور وَخَافَ. وَالْكلاب بِالْفَتْح: الصياد صَاحب) الْكلاب. وَله: أَي: للكلاب. وَالْفَاء فِي قَوْله: فَبَاتَ عاطفة. وطوع مَرْفُوع ببات. وَالْمعْنَى عِنْد الْأَصْمَعِي: فَبَاتَ للكلاب

стр. 1123

مَا أطَاع شوامته من الْخَوْف والصرد. وَعند أبي عُبَيْدَة: فَبَاتَ لَهُ مَا يسر الشوامت. وَرُوِيَ طوع بِالنّصب فمرفوع بَات ضمير الْكلاب وَله أَي: لأجل الثور والشوامت: القوائم جمع شامتة. أَي: فَبَاتَ قَائِما بَين خوف وصرد وَهُوَ مصدر صرد من بَاب فَرح: إِذا وجد الْبرد. وَقَوله: فبثهن عَلَيْهِ الخ بَث: فرق وفاعله ضمير الْكلاب وَضمير الْمُؤَنَّث الْمَجْمُوع للكلاب المفهومة من الْكلاب وَضمير عَلَيْهِ للثور وَكَذَلِكَ ضمير بِهِ. وَأَرَادَ بصمع الكعوب قَوَائِم الْكلاب والصمع: الضوامر الْخفية الْوَاحِدَة صمعاء. والكعوب: جمع كَعْب وَهُوَ الْمفصل من الْعِظَام. قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: يَعْنِي بصمع الكعوب أَن قوائمه لَازِقَة محددة الْأَطْرَاف ملس لَيست بهزيلات. وأصل الصمع دقة الشَّيْء ولطافته. وبريئات حَال من الكعوب. والحرد بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: أَرَادَ بِهِ الْعَيْب وَأَصله استرخاء عصب فِي يَد الْبَعِير من شدَّة العقال وَرُبمَا كَانَ خلقَة وَإِذا كَانَ بِهِ نفض يَدَيْهِ وَضرب بهما الأَرْض ضربا شَدِيدا. وَقَوله: فهاب ضمران هُوَ بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْم كلب. مِنْهُ أَي: من الثور. وروى الْأَصْمَعِي وَأَبُو عُبَيْدَة: فَكَانَ ضمران مِنْهُ. ويوزعه: يغريه. فِي الصِّحَاح: أوزعته بالشَّيْء فأوزع بِهِ فَهُوَ موزع بِهِ أَي: مغرى بِهِ. أَي: كَانَ الْكَلْب من الثور حَيْثُ أمره الْكلاب أَن يكون. وَطعن

стр. 1124

المعارك بِالنّصب أَرَادَ: يطعن طَعنا مثل طعن المعارك. وَرُوِيَ: ضرب المعارك وَهُوَ مثله. والمعارك اسْم فَاعل بِمَعْنى الْمقَاتل. والمجحر: اسْم مفعول من أجحرته بِتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة أَي: ألجأته إِلَى أَن دخل جُحْره فانجحر. والنجد: يرْوى بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم بِمَعْنى الشجاع من النجدة وَهِي الشجَاعَة يُقَال: نجد الرجل بِالضَّمِّ فَهُوَ وصف للمعارك. وَرُوِيَ النجد بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الشجاع فَإِن الْوَصْف من النجدة جَاءَ بِضَم الْجِيم وَكسرهَا وَأما وصف من نجد الرجل من بَاب فَرح أَي: عرق من عمل أَو كرب وَشدَّة وَاسم الْعرق النجد بِفتْحَتَيْنِ وَمِنْه قَوْله فِي هَذِه القصيدة: بعد الأين والنجد. وَقد نجد ينجد بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول نجداً بِفتْحَتَيْنِ أَي: كرب فَهُوَ منجود ونجيد أَي: مكروب. وعَلى هَذَا فَهُوَ وصف المجحر. وَرُوِيَ أَيْضا النجد بِفتْحَتَيْنِ فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: ذِي النجد.) وروى أَبُو عُبَيْدَة: حَيْثُ يوزعه طعن بِالرَّفْع وَقَالَ: رفع ضمران بكان وَجعل الْخَبَر فِي مِنْهُ أَي: كَانَ الْكَلْب من الثور كانه قِطْعَة مِنْهُ فِي قربه. وارتفع الطعْن بيوزعه. وَقَالَ: سَمِعت يُونُس بن حبيب يُجيب بِهَذَا الْجَواب فِي هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: شكّ الفريصة الخ فَاعل شكّ ضمير الثور. والفريصة: اللحمة بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة وَهِي مقتل. وَأَرَادَ بالمدرى قرن الثور أَي: شكّ الثور بقرنه فريصة الْكَلْب. وشكّ: مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي: شكّاً مثل شكّ المبيطر وَهُوَ البيطار. ويشفي: يداوي ليحصل الشِّفَاء. والْعَضُد بِفتْحَتَيْنِ: دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي أعضادها فيبط تَقول مِنْهُ: عضد الْبَعِير من بَاب فَرح.

стр. 1125

وَقَوله: كَأَنَّهُ خَارِجا الخ أَي: كَأَن الْقرن فِي حَال خُرُوجه سفّود. وَمثله قَول أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ: (فكأنّ سفّودين لمّا يقترا ... عجلا لَهُ بشواء شرب ينْزع) أَي: فَكَأَن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينْزع أَي: هما جديدان. شبّه قرنيه بالسفّودين. وَقَوله: عجلا لَهُ أَي: للثور بالطعن الْوَاقِع بالكلاب. وَقَوله: فظلّ يعجم الخ عجمه يعجمه: إِذا مضغه. والرّوق بِالْفَتْح: الْقرن. والحالك: الشَّديد السوَاد. والصدق بِالْفَتْح هُوَ الصلب بِالضَّمِّ. والأود بِفتْحَتَيْنِ: العوج أَي: ظلّ الْكَلْب يمضغ أَعلَى الْقرن لمّا خرج من جَنْبَيْهِ فِي حالك يَعْنِي الْقرن فِي شدّة سوَاده. أَي: تقبّض وَاجْتمعَ فِي الْقرن لما يجد من الوجع كَمَا تَقول: صلّى فِي ثِيَابه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَقد شرح أبياتاً خَمْسَة إِلَى هُنَا: من عَادَة الشُّعَرَاء إِذا كَانَ الشّعْر مديحاً وَقَالَ: كَأَن نَاقَتي بقرة أَو ثَوْر أَن تكون الْكلاب هِيَ المقتولة. فَإِذا كَانَ الشّعْر موعظة ومرثية أَن تكون الْكلاب هِيَ الَّتِي تقتل الثور وَالْبَقَرَة: لَيْسَ على أَن ذَلِك حِكَايَة قصَّة بِعَينهَا. وَقَوله: لمّا راى واشق إقعاص الخ واشق: اسْم كلب. والإقعاص: الْمَوْت السَّرِيع يُقَال: رَمَاه فأقعصه: إِذا قَتله وَأَصله من القعاص بِالضَّمِّ وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْغنم فتموت سَرِيعا. وَالْعقل: إِعْطَاء الدِّيَة. يَقُول: قتل صَاحبه فَلم يعقل بِهِ وَلم يقد بِهِ.
следующие страницы →