Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
قَوْلك: أخرجته كخروج زيد إِمَّا على معنى كإخراج زيد وَإِمَّا لتَضَمّنه معنى خرج غَالِبا فَكَأَنَّهُ قيل خرج فصحّ لذَلِك مثل خُرُوج زيد وَحسن ذَلِك تَنْبِيها على حُصُول المطاوع الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود فِي مثل ذَلِك فَيكون أبلغ فِي الِاقْتِصَار على المطاوع إِذْ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فَلَا يخرج.
وَالثَّانِي: أَن يكون معنى لتعروني لتَأْتِيني وتأخذني فَتْرَة أَي: سُكُون للسرور الْحَاصِل من الذكرى وعبّر بهَا عَن النشاط لِأَنَّهَا تستلزمه غَالِبا تَسْمِيَة للمسبّب باسم السَّبَب كَأَنَّهُ قَالَ: ليأخذني نشاط كنشاط العصفور. فَيكون كَمَا انتفض إِمَّا مَنْصُوبًا نصب لَهُ صَوت صَوت حمَار وَله وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون التَّقْدِير يصوّت صَوت حمَار وَإِن لم يجز إِظْهَاره اسْتغْنَاء عَنهُ بِمَا تقدم.
وَالثَّانِي: أَن يكون مَنْصُوبًا بِمَا تضمنته الْجُمْلَة من معنى يصوّت وَإِمَّا مَرْفُوعا صفة لفترة أَي: نشاط مثل نشاط العصفور. . وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الْوَجْه الثَّانِي فِي إِعْرَاب كَمَا)
انتفض تجْرِي على تَقْدِير رِوَايَة رعدة وهزّة. وروى الرمّاني عَن السكرِي عَن الْأَصْمَعِي:
(إِذا ذكرت يرتاح قلبِي لذكرها ... كَمَا انتفض العصفور بلّله الْقطر)
وَهَذَا ظَاهر. اه.
وانتفض بِمَعْنى تحرّك يُقَال: نفضت الثَّوْب وَالشَّجر: إِذا حركته ليسقط مافيه. وبلّه يبلّه بلاًّ: إِذا ندّاه بِالْمَاءِ وَنَحْوه. والقطر: الْمَطَر.
وَفِي شرح بديعيّة العميان لِابْنِ جَابر: أَن هَذَا الْبَيْت فِيهِ من البديع صَنْعَة الاحتباك وَهُوَ أَن يحذف من الأول مَا أثبت نَظِيره فِي الثَّانِي ويحذف
стр. 1192
من الثَّانِي مَا أثبت نَظِيره فِي الأول فَإِن التَّقْدِير فِيهِ. وَإِنِّي لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته. فَحذف من الأول وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي صَخْر الْهُذلِيّ. أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي بَاب النسيب من الحماسة وَكَذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيّ بَعْضهَا فِي الأغاني وَرَوَاهَا تَمامًا أَبُو عليّ القالي فِي أَمَالِيهِ عَن ابْن الأنباريّ وَابْن دُرَيْد. وَهِي هَذِه:
(لليلى بِذَات الْجَيْش دَار عرفتها ... وَأُخْرَى بِذَات الْبَين آياتها سطر)
(كَأَنَّهُمَا ملآن لم يتغيرا ... وَقد مرّ للدارين من عهدنا عصر)
(وقفت بربعيها فعيّ جوابهافقلتوعيني دمعها سرب همر ... أَلا أَيهَا الركب المخبّون هَل لكم)
(فَقَالُوا: طوينا ذَاك لَيْلًا وَإِن يكن ... بِهِ بعض من تهوى فَمَا شعر السّفر)
(أما وَالَّذِي أبكى وأضحك وَالَّذِي ... أمات وَأَحْيَا وَالَّذِي أمره الْأَمر)
(لقد كنت آتيها وَفِي النَّفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدَّهْر مَا طلع الْفجْر)
(فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءة ... فأبهت لَا عرف لديّ وَلَا نكر)
(وأنسى الَّذِي قد كنت فِيهِ هجرتهَا ... كَمَا قد تنسّي لبّ شاربها الْخمر)
(وَمَا تركت لي من شذىً أهتدي بِهِ ... وَلَا ضلع إِلَّا وَفِي عظمها كسر)
(وَقد تَرَكتنِي أغبط الْوَحْش أَن أرى ... قرينين مِنْهَا لم يفزّعهما نفر)
стр. 1193
.
(مَخَافَة أَنِّي قد علمت لَئِن بدا ... لي الهجر مِنْهَا مَا على هجرها صَبر)
(وَأَنِّي لَا أَدْرِي إِذا النَّفس أشرفت ... على هجرها مَا يبلغن بِي الهجر)
(أَبى الْقلب إِلَّا حبها عامريةً ... لَهَا كنية عمر وَلَيْسَ لَهَا عَمْرو))
(تكَاد يَدي تندى إِذا مَا لمستها ... وينبت فِي أطرافها الْوَرق الْخضر)
(وَإِنِّي لتعروني لذكراك فَتْرَة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)
(تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث فِي الْبَحْر لَيْسَ لنا وفر)
(على دَائِم لَا يعبر الْفلك موجه ... وَمن دُوننَا الْأَعْدَاء واللجج الْخضر)
(فنقضي هموم النَّفس فِي غير رَقَبَة ... ويغرق من نخشى نميمته الْبَحْر)
(عجبت لسعي الدَّهْر بيني وَبَينهَا ... فَلَمَّا انْقَضى مَا بَيْننَا سكن الدَّهْر)
(فيا حب ليلى قد بلغت بِي المدى ... وزدت على مَا لَيْسَ يبلغهُ الهجر)
(وَيَا حبها زِدْنِي جوىً كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الْأَيَّام موعدك النَّضر)
(هجرتك حَتَّى قيل: مَا يعرف الْهوى ... وزرتك حتي قيل: لَيْسَ لَهُ صَبر)
(صدقت أَنا الصب الْمُصَاب الَّذِي بِهِ ... تباريح حب خامر الْقلب أَو سحر)
(فيا حبذا الْأَحْيَاء مَا دمت حَيَّة ... وَيَا حبذا الْأَمْوَات مَا ضمك الْقَبْر)
فَقَوله: ملآن أَصله من الْآن. وَقَوله: أما وَالَّذِي أبكى وأضحك
стр. 1194
الخ هُوَ من أَبْيَات الْكَشَّاف وَمُغْنِي اللبيب أنْشدهُ فِي أما. وَقَوله: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءة الخ هُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي نواصب الْفِعْل. وَقَوله: وَمَا تركت لي من شذى هُوَ بِفَتْح الشين والذال المعجمتين بِمَعْنى الشدَّة وَبَقِيَّة الْقُوَّة. والضلع بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام.
وَقَوله: تمنيت من حبي علية أناا على رمث هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة قَالَ القالي: أَعُود يضم بَعْضهَا إِلَى بعض كالطوف يركب عَلَيْهَا فِي الْبَحْر. وَقَوله: مَا أبرم السّلم النَّضر يُقَال: أبرم السّلم: إِذا خرجت برمتِهِ وَهِي ثَمَرَته. قَالَ فِي الصِّحَاح: الْبرم محركة: ثَمَر العضاه الْوَاحِدَة برمة وبرمة كل العضاه صفراء إِلَّا العرفط فَإِن برمتِهِ بَيْضَاء وبرمة السّلم أطيب الْبرم ريحًا.
حكى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني عَن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ: دخلت على الْهَادِي فَقَالَ: غنني صَوتا وَلَك حكمك فغنيته:
(وَإِنِّي لتعزوني لذكراك هزة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)
فَقَالَ: أَحْسَنت وَالله وَضرب بِيَدِهِ إِلَى حبيب دراعته فشق مِنْهَا ذِرَاعا ثمَّ قَالَ: زِدْنِي فغنيته:
стр. 1195
(هجرتك حَتَّى قيل: لَا يعرف الْهوى ... وزرتك حَتَّى قيل: لَيْسَ لَهُ صَبر))
(فيا حبها زِدْنِي جوىً كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الأحباب موعدك الْحَشْر)
فَقَالَ: أَحْسَنت وشقّ بَاقِي درّاعته من شدَّة الطَّرب ثمَّ رفع رَأسه إليّ وَقَالَ: تمن واحتكم فَقلت: أَتَمَنَّى عين مَرْوَان بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فرأيته قد دارت عَيناهُ فِي رَأسه فخلتهما جمرتين ثمَّ قَالَ: يَا ابْن اللخناء اتريد أَن تشهرني بِهَذَا الْمجْلس وتجعلني سمراً وحديثاً يَقُول النَّاس أطربه فوهبه عين مَرْوَان. أما وَالله لَوْلَا بادرة جهلك الَّتِي غلبت على صِحَة عقلك لألحقتك بِمن غبر من اهلك. وأطرق إطراق الأفعوان فخلت ملك الْمَوْت بيني وَبَينه ينْتَظر أمره. ثمَّ رفع رَأسه وَطلب إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم خُذ بيد هَذَا الْجَاهِل وَأدْخلهُ بَيت المَال فَإِن أَخذ جَمِيع مَا فِيهِ فَدَعْهُ وإياه قَالَ: فَدخلت وَأخذت من بَيت المَال خمسين ألف دِينَار. وأَبُو صَخْر الْهُذلِيّ هُوَ عبد الله بن سَالم السَّهْمِي الْهُذلِيّ شَاعِر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. كَانَ متعصباً لبني مَرْوَان موالياً لَهُم وَله فِي عبد الْملك بن مَرْوَان وأخيه عبد الْعَزِيز مدائح كَثِيرَة. ولمّا ظهر عبد الله بن الزبير فِي الْحجاز وَغلب عَلَيْهَا بعد موت يزِيد بن مُعَاوِيَة وتشاغل بَنو أُميَّة فِي الْحَرْب بَينهم فِي مرج راهط وَغَيره دخل عَلَيْهِ أَبُو صَخْر الْهُذلِيّ فِي هُذَيْل ليقبضوا عطاءهم وَكَانَ عَارِفًا بهواه فِي بني أُميَّة فَمَنعه عطاءه فَقَالَ: تمنعني حَقًا لي وَأَنا امْرُؤ مُسلم مَا أحدثت فِي الْإِسْلَام حَدثا وَلَا أخرجت من طَاعَة يدا قَالَ: عَلَيْك ببني أُميَّة اطلب مِنْهُم عطاءك قَالَ: إِذا أجدهم سبطة أكفهم سَمْحَة أنفسهم بذلاً لأموالهم وهّابين لمجتديهم كَرِيمَة
стр. 1196
أعراقهم شريفة أصولهم زاكية فروعهم قَرِيبا من رَسُول الله ﷺ َ نسبهم وسببهم لَيْسُوا إِذا نسبوا بأذناب وَلَا وشائظ وَلَا أَتبَاع وَلَا هم فِي قُرَيْش كفقعة القاع لَهُم السودد فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْملك فِي الْإِسْلَام لَا كمن لَا يعدّ فِي عيرها وَلَا نفيرها وَلَا حكم آباؤه فِي نقيرها وقطميرها لَيْسَ من أحلافها المطيّبين وَلَا من ساداتها المطعمين وَلَا من هاشمها المنتخبين وَلَا عبد شمسها المسوّدين وَكَيف تقاس الأرؤس بالأذناب وَأَيْنَ النصل من الجفن وَأَيْنَ السنان من الزجّ والذنابى من القدامى وَكَيف يفضل الشحيح على الْجواد والسوقة على الْمُلُوك والجائع بخلا على الْمطعم فضلا فَغَضب بن الزبير حَتَّى ارتعدت فرائصه وعرق جَبينه واهتز من قرنه إِلَى قدمه وامتقع لَونه ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا ابْن البوّالة على عقبيها يَا جلف يَا جَاهِل أما وَالله لَوْلَا الحرمات الثَّلَاث: حُرْمَة الْإِسْلَام وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام وَحُرْمَة الْحرم لأخذت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك ثمَّ أَمر بِهِ إِلَى سجن عَارِم فحبس فِيهِ مدّة ثمَّ استوهبته هُذَيْل وَمن)
لَهُ فِي قُرَيْش خؤولة فَأَطْلقهُ بعد سنة وَأقسم أَن لَا يُعْطِيهِ عَطاء مَعَ الْمُسلمين أبدا.
فَلَمَّا كَانَ عَام الْجَمَاعَة وَولي عبد الْملك
стр. 1197
بن مَرْوَان وحجّ لقِيه أَبُو صَخْر فقرّبه وَأَدْنَاهُ وَقَالَ لَهُ: إِنَّه لم يخف عليّ خبرك مَعَ الملحد وَلَا ضَاعَ لديّ هَوَاك وَلَا موالاتك. فَقَالَ: إِذا شفى الله مِنْهُ نَفسِي ورأيته قَتِيل سَيْفك وصريع أوليائك مصلوباً مهتوك السّتْر مفرّق الْجمع فَمَا أُبَالِي مَا فَاتَنِي من الدُّنْيَا ثمَّ استأذنه فِي مديح فأنشده قصيدة وَأمر لَهُ عبد الْملك بِمَا فَاتَهُ من الْعَطاء وَمثله من مَاله وَحمله وكساه. كَذَا فِي الأغاني.
وَأنْشد بعده:
(يَقُول وَقد ترّ الوظيف وساقها ... أَلَسْت ترى أَن قد أتيت بمؤيد)
تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع والثمانين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس بعد المائنين وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(أَفِي السّلم أعياراً جفَاء وغلظة ... وَفِي الْحَرْب أشباه النِّسَاء العوارك)
على أَن أعياراً وَأَشْبَاه النِّسَاء منصوبان على الْحَال عِنْد السيرافي وَمن تبعه وعَلى الْمصدر عِنْد سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: هَذَا الْبَيْت لهِنْد بنت عتبَة قالته
стр. 1198
لفلّ قُرَيْش حِين رجعُوا من بدر. يُقَال: عركت الْمَرْأَة: إِذا حَاضَت. وَنصب أعياراً على الْحَال وَالْعَامِل فِيهِ مختزل لِأَنَّهُ أَقَامَ الأعيار مقَام اسْم مُشْتَقّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِي السّلم بلداء جُفَاة مثل الأعيار. وَنصب جفَاء وغلظة نصب الْمصدر الْمَوْضُوع مَوضِع الْحَال كَمَا تَقول: زيد الْأسد شدّة أَي: يماثله مماثلة شَدِيدَة فالشدة صفة للمماثلة كَمَا أَن المشافهة صفة للمكالمة إِذا قلت: كلّمته مشافهة فَهَذِهِ حَال من الْمصدر فِي الْحَقِيقَة. وتعلّق حرف الجرّ من قَوْلهَا أَفِي السّلم بِمَا أدّته الأعيار من معنى الْفِعْل فَكَأَنَّهَا قَالَت: أَفِي السّلم تتبلدون. وَهَذَا الْفِعْل المختزل الناصب للأعيار وَلَا يجوز إِظْهَاره اه.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن قَوْله: جفَاء مَنْصُوب على التَّعْلِيل أَي: لأجل الْجفَاء والغلظة. وَلَا يخفى سُقُوطه. والهمزة لللاستفهام التوبيخي. وَالسّلم بِكَسْر السِّين وَفتحهَا: الصُّلْح يذكّر وَيُؤَنث.
والأعيار: جمع عير بِالْفَتْح: الْحمار أهلياً كَانَ ام وحشياً وَهُوَ مثل فِي البلادة وَالْجهل. والجفار)
قَالَ فِي الْمِصْبَاح: وجفا الثَّوْب يجفو: إِذا غلظ فَهُوَ جَاف وَمِنْه جفَاء البدو وَهُوَ غلظتهم وفظاظتهم. والغلظة بِالْكَسْرِ: الشدذة وضد اللين والسلاسة.
وَرُوِيَ أَمْثَال بدل قَوْله أشباه. والعوارك: جمع عارك وَهِي الْحَائِض من عركت الْمَرْأَة تعرك كنصر ينصر عروكاً أَي: حَاضَت. وبّختهم وَقَالَت لَهُم: أتجفون النَّاس وتغلظون عَلَيْهِم فِي السّلم فَإِذا أَقبلت الْحَرْب لنتم وضعفتم كالنساء الْحيض حرّضت الْمُشْركين بِهَذَا الْبَيْت على الْمُسلمين. والفلّ بِفَتْح الْفَاء: الْقَوْم المنهزمون.
وَهِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف القرشية العبشمية وَالِدَة مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان اخبارها قبل الْإِسْلَام مَشْهُورَة. وَشهِدت أحدا وَفعلت مَا فعلت بِحَمْزَة ثمَّ كَانَت تؤلّب وتحرض على الْمُسلمين إِلَى أَن جَاءَ
стр. 1199
الله بِالْفَتْح فَأسلم زَوجهَا ثمَّ أسلمت هِيَ يَوْم الْفَتْح.
كَذَا فِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(أَنا ابْن دارة مَشْهُورا بهَا نسبي ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)
على أَن قَوْله مَشْهُورا حَال مُؤَكدَة لمضمون الْخَبَر. ومضمونه هُنَا الْفَخر وَرُوِيَ: أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي.
وَقَوله: نسبي نَائِب الْفَاعِل لقَوْله مَشْهُورا. وَالْبَاء من بهَا مُتَعَلقَة بِهِ للا نَائِب الْفَاعِل كَمَا وهم الْعَيْنِيّ. وَهَذِه الْحَال سَبَبِيَّة. وَهل للاستفهام الانكاري. وَمن زَائِدَة وعار مُبْتَدأ من رَفعه حَرَكَة حرف الْجَرّ الزَّائِد. وبدارة خَبره. وَيَا للنَّاس اعْتِرَاض بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَيَا للنداء لَا للتّنْبِيه ولناس منادى لَا ان المنادى مَحْذُوف تَقْدِيره: قومِي. وَاللَّام للاستغاثة وَهِي تدخل ودارة اسْم أمّ الشَّاعِر وَهُوَ سَالم بن دارة قَالَ ابْن قُتَيْبَة:
стр. 1200
وَهِي من بني أَسد وَسميت بذلك لِأَنَّهَا شبهت بدارة الْقَمَر من جمَالهَا.
وَقَالَ الْحلْوانِي فِي كتاب أَسمَاء الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم: دارة لقب بِأُمِّهِ وَاسْمهَا سيفاء كَانَت أخيذة أَصَابَهَا زيد الْخَيل من بعض غطفان منبني أَسد وَهِي حُبْلَى فَوَهَبَهَا زيد الْخَيل لزهير بن أبي سلمى. فَرُبمَا نسب سَالم بن دارة إِلَى زيد الْخَيل اه.)
وَقَالَ أَبُو رياش فِي شرح الحماسة والأصبهاني فِي الأغاني: دارة لقب جدّه واسْمه يربع. وعَلى هَذَا قد رُوِيَ: أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بِهِ نسبي وَرُوِيَ أَيْضا: مَعْرُوفا لَهُ نسبي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لسالم بن دارة هجا بهَا زميل بن أبير أحد بني عبد الله بن منَاف الْفَزارِيّ مِنْهُ:
(بلغ فَزَارَة إِنِّي لن أسالمها ... حَتَّى ينيك زميل أم دِينَار)
(لاتأمنن فزارياً خلوت بِهِ ... بعد الَّذِي امتلّ أيّر العير فِي النَّار)
(وغن خلوت بِهِ فِي الأَرْض وحدكما ... فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار)
(أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا لَهُ نسبي ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار)
(جرثومة نَبتَت فِي الْعِزّ واعتزلت ... تبتغي الجراثيم من عرف وإنكار)
(من جذم قيس وأخوالي بَنو أَسد ... من أكْرم النَّاس زندي فيهم واري)
وأمّ دِينَار هِيَ أمّ زميل. وَقَوله: بعد الَّذِي امتلّ أيّر العيل الخ العير
стр. 1201
بِالْفَتْح: الْحمار. وامتلّ أير العير أَي: شوى أير الْحمار فِي الْملَّة وَهِي الرماد الْحَار. وَبَنُو فزارو يرْمونَ بِأَكْل أير الْحمار مشوياً. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى شرح هَذَا مُسْتَوفى فِي بَاب الْمثنى. والقلوص: النَّاقة الشَّابَّة.
واكتبها: من كتب النَّاقة يَكْتُبهَا بِضَم التَّاء وَكسرهَا: ختم حياءها أَو خزمها بسير أَو حَلقَة حَدِيد لِئَلَّا ينزى عَلَيْهَا. والأسيار: جمع سير من الْجلد. وعار الجواعر أَي: بارز الأست والفقحة. والقسبار بِضَم الْقَاف: الذّكر الطَّوِيل الْعظم. وجرثومة الشَّيْء بِالضَّمِّ: أَصله.
وتبغي: من الْبَغي يُقَال: بغى عَلَيْهِ بغياً: إِذا علا عَلَيْهِ واستطال فأصله تبغي على الجراثيم.
وَالْعرْف بِالضَّمِّ: الْمَعْرُوف. والجذم بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح: الأَصْل. وورى الزند: كرمى: خرج ناره وَيُقَال: ورت بك زنادي يُقَال: هَذَا فِي التمدح والافتخار. وَتقدم سَبَب هجوه لبني فَزَارَة وَسبب هَذِه القصيدة مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَة.
٣ - (بَاب التَّمْيِيز)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع بعد الْمِائَتَيْنِ وستّوك قد كربت تكمل على أَن الْعدَد الَّذِي فِي آخِره النُّون يُضَاف إِلَى صَاحبه أَكثر من إِضَافَته إِلَى الْمُمَيز أَي: قرب أَن يكمل سِتُّونَ سنة من عمرك.
стр. 1202
وَهَذَا المصراع من قصيدة للكميت بن زيد مدح بهَا عبد الرَّحْمَن بن عَنْبَسَة بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة. وأولها:
(أأبكاك بِالْعرْفِ الْمنزل ... وَمَا أَنْت والطلل المحول)
(وَمَا أَنْت ويك ورسم الديار ... وستوك قد كربت تكمل)
قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: كَانَ بَين بني أَسد وَبَين طَيئ حَرْب فَاصْطَلَحُوا وَبَقِي لِطَيِّئٍ دم رجلَيْنِ فَاحْتمل ذَلِك رجل من بني أَسد فَمَاتَ قبل أَن يوّفيه. فاحتمله الْكُمَيْت فأعانه فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عَنْبَسَة فمدحه الْكُمَيْت فأعانه فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عَنْبَسَة فمدحه الْكُمَيْت رَأَيْت الغواني وحشاً نفورا وأعانه زِيَاد بن الْمُغَفَّل الْأَسدي فمدحه بقصيدته الَّتِي أَولهَا: هَل للشباب الَّذِي قد فَاتَ من طلب ثمَّ جلس الْكُمَيْت وَقد خرج الْعَطاء. فَأقبل الرجل يُعْطي الْكُمَيْت الْمِائَتَيْنِ والثلثمائة وَأكْثر وأقلّ كَانَت دِيَة الْأَعرَابِي ألف بعير ودية الحضري عشرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَت قيمَة الْجمل عشرَة دَرَاهِم فأدّى الْكُمَيْت عشْرين ألفا عَن قيمَة ألفي بعير اه فَقَوله: أأبكاك يُخَاطب نَفسه ويقرره مستفهماً. وَالْعرْف بِضَم الْعين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَوضِع.
والمنزل: فَاعل أبكاك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي كتاب
стр. 1203
الْأَمْكِنَة والمياه. عَرَفَة الأملح وعرفة رقد وعرفة اعيار: مَوَاضِع تسمّى الْعرف. وَأنْشد بَيت الْكُمَيْت. وَفِي الْمُحكم لِابْنِ سَيّده: الْعرف بِضَمَّتَيْنِ مَوضِع وَقيل جبل. وَأنْشد الْبَيْت أَيْضا. وَكَذَا ضَبطه أَبُو عبيد البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم وَقَالَ: هُوَ مَاء لبني أَسد. وَأنْشد الْبَيْت وَقَالَ: ويخفّف بِسُكُون الرَّاء قَالَ عَبَّاس بن مرداس:
(خفافيّة بطن العقيق مصيفها ... وتحتلّ فِي البادين وجرة والعرفا))
فدلّ قَول عَبَّاس أَن الْعرف بوادي بني خفاف اه.
وَقَوله: وَمَا أَنْت الخ اسْتِفْهَام توبيخيّ يُنكر بكاءه وَهُوَ شيخ على الأطلال. والطّلل: والمحول: اسْم فَاعل من أَحول الشَّيْء: إِذا مرّ عَلَيْهِ حول وَهِي السّنة. ويك: كلمة تفجّع وَأَصله وَيلك. وستّوك مُبْتَدأ وَمَا بعده خَبره وَالْجُمْلَة حَالية. وكرب بِفَتْح الرَّاء كروباً: دنا.
وكرب من أَخَوَات كَاد تعْمل عَملهَا وَاسْمهَا ضمير السِّتين. وَجُمْلَة تكمل فِي مَوضِع نصب خَبَرهَا.
وترجمة الْكُمَيْت بن زيد تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر.
وَأَشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الْمِائَتَيْنِ
(فيا لَك من ليل كَأَن نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل)
стр. 1204
على أَن قَوْله من ليل تَمْيِيز عَن الْمُفْرد الَّذِي هُوَ الضَّمِير الْمُبْهم فِي قَوْله يَا لَك.
وَفِيه أَن الضَّمِير غي رمبهم لتقدم مرجعه فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ قَوْله: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل كَمَا يَأْتِي فالتمييز فِيهِ عَن النِّسْبَة لَا عَن الْمُفْرد وَمن لبَيَان الْجِنْس. وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح الألفية: من زَائِدَة فِي الْكَلَام الْمُوجب وَلِهَذَا يعْطف على مَوضِع مجرورها بِالنّصب كَقَوْل الحطيئة: يَا سنه من قوام ومنتقبا وَصحح هَذَا أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف. وَيَا: حرف نِدَاء وَاللَّام للتعجب تدخل على المنادى إِذا تعجّب مِنْهُ. وَلأَجل هَذَا اورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي قَالَ فِي شرح بَانَتْ سعاد: الأَصْل يَا إياك أَو يَا أَنْت ثمَّ لمّا دخلت عَلَيْهِ لَام الْجَرّ للتعجب انْقَلب الضَّمِير الْمُنْفَصِل الْمَنْصُوب أَو الْمَرْفُوع ضميراً مُتَّصِلا مخفوضاً.
وَأوردهُ المراديّ فِي شرح الألفية على ان اللَّام فِيهِ للاستغاثة اسْتَغَاثَ بِهِ مِنْهُ لطوله كَأَنَّهُ قَالَ: يَا ليل مَا أطولك قَالَ ابْن هِشَام: وَإِذا قيل يَا لزيد بِفَتْح اللَّام فَهُوَ مستغاث فَإِن كسرت فَهُوَ مستغاث لأَجله والمستغاث مَحْذُوف فَإِن قيل يَا لَك احْتمل الْوَجْهَيْنِ. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِكُل متعلّقة بشدّت. والمغار بضمّ الْمِيم: اسْم مفعول بِمَعْنى الْمُحكم من أغرت الْحَبل إغارة: إِذا أحكمت فتله. ويذبل: اسْم جبل لَا ينْصَرف للعلمية وَوزن الْفِعْل وَصَرفه للضَّرُورَة. يَقُول: إِن نُجُوم اللَّيْل لَا تفارق محالّها فَكَأَنَّهَا مربوطة بكلّ حَبل مُحكم الفتل فِي هَذَا الْحَبل. وَإِنَّمَا استطال)
اللَّيْل لمقاساة الأحزان فِيهِ.
стр. 1205
وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة. وفيهَا خَمْسَة أَبْيَات فِي وصف اللَّيْل وَهِي:
(وليل كموج الْبَحْر أرْخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي)
(فَقلت لَهُ لمّا تمطى بصلبه ... وَأَرْدَفَ أعجازاً وناء بكلكل)
(أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا انجلي ... بصبح وَمَا الإصباح مِنْك بأمثل)
(كَأَن الثريا علّقت فِي مصامها ... بأمراس كتَّان إِلَى صمّ جندل)
فَقَوله: وليل الْوَاو وَاو ربّ. والسدول: الستور جمع سدل وسدل ثَوْبه: إِذا أرخاه. يَقُول: ربّ ليل يحاكي أمواج الْبَحْر فِي توحشه وهوله وَقد أرْخى عليّ ستور ظلامه مَعَ أَنْوَاع الْحزن ليختبرني: أأصبر أم أجزع وَهَذَا بعد ان تغزّل تمدّح بِالصبرِ وَالْجَلد.
وَقَوله: ف لت لَهُ لما تمطى الخ تمطى: امْتَدَّ. وناء: نَهَضَ. والكلكل: الصَّدْر. والأعجاز: الْأَوَاخِر جمع عجز وَهُوَ من اسْتِعْمَال الْجمع مَوضِع الْوَاحِد. وَقد اسْتشْهد ابْن مَالك بِهَذَا الْبَيْت على ان الْوَاو لَا تدلّ على التَّرْتِيب لِأَن الْبَعِير ينْهض بكلكله وَالْأَصْل: فَقلت لَهُ لمّا ناء بكلكله وتمطّى بصلبه وَأَرْدَفَ أعجازه.
وَقَوله: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل الخ انجلي: أَمر بِمَعْنى انْكَشَفَ وَالْيَاء إشباع. والإصباح: الصَّباح.
والأمثل: الْأَفْضَل. وَأورد هَذَا الْبَيْت فِي تَلْخِيص الْمِفْتَاح على أَن صِيغَة الْأَمر فِيهِ لِلتَّمَنِّي وَمَعْنَاهُ تمنى زَوَال ظلام اللَّيْل بضياء الصُّبْح ثمَّ قَالَ: وَلَيْسَ الصَّباح بِأَفْضَل مِنْك عِنْدِي لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مقاساة الهموم أَو لِأَن نَهَاره يظلم فِي عينه لتوارد الهموم. فَلَيْسَ الْغَرَض طلب الانجلاء من اللَّيْل لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ لكنه يتمناه تخلّصاً مِمَّا يعرض لَهُ
стр. 1206
فِيهِ ولاستطالة تِلْكَ اللَّيْلَة كَأَنَّهُ لَا يرتقب انجلاءها وَلَا يتوقعه. فَلهَذَا حمل على التَّمَنِّي دون التَّرَاخِي.
قَالَ الإِمَام الباقلاني فِي إعجاز الْقُرْآن: وَمِمَّا يعدونه من محَاسِن هَذِه القصيدة هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة وَكَانَ يعضهم يعارضها بقول النَّابِغَة:
(كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب)
(وَصدر أراح اللَّيْل عَازِب همه ... تضَاعف فِيهِ الْحزن من كلّ جَانب)
(تقاعس حَتَّى قلت لَيْسَ بمنقض ... وَلَيْسَ الَّذِي يَتْلُو النُّجُوم بآيب)
وَقد جرى ذَلِك بَين يَدي بعض الْخُلَفَاء فقدّمت أَبْيَات امْرِئ الْقَيْس وَاسْتحْسن استعارتها وَقد)
جعل لِليْل صَدرا يثقل تنحّيه ويبطئ تقضّيه وَجعل لَهُ أردافاً كَثِيرَة. وَجعل لَهُ صلباً يمتدّ ويتطاول. وَرَأَوا هَذَا بِخِلَاف مَا يستعيره أَبُو تَمام من الاستعارات الوحشية الْبَعِيدَة المستنكرة.
وَرَأَوا أَن الْأَلْفَاظ جميلَة. وَاعْلَم أَن هَذَا صَالح جميل وَلَيْسَ من الْبَاب الَّذِي يُقَال إِنَّه متناه عَجِيب. وَفِيه إِلْمَام بالتكلف وَدخُول فِي التعمّل انْتهى.
وَقَوله: كَأَن الثريا علقت الخ المصام بِفَتْح الْمِيم: مَوضِع الْوُقُوف. والأمراس: الحبال جمع مرس محركة. والجندل: الْحِجَارَة. يَقُول: كَأَن الثريا مشدودةً بحبال إِلَى حِجَارَة فَلَيْسَتْ تمْضِي.
قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف: وَمِمَّا خَالف فِيهِ ابْن الْأَعرَابِي الْأَصْمَعِي فِي الْمَعْنى لَا فِي اللَّفْظ قَوْله:
(كَأَن الثريا علقت ... . ..... ... ... ... . . الْبَيْت)
стр. 1207
فالهاء فِي " مصامها " عِنْد الْأَصْمَعِي ترجع إِلَى الثريا. وَمعنى " مصامها ": موضعهَا ومقامها. وَهُوَ يصف اللَّيْل وَأَن نجومه لَا تسير، من طوله، فَكَأَن لَهَا أواخي فِي الأَرْض تحبسها. وَهَذَا مَذْهَب الْأَصْمَعِي. وَرَأَيْت هَذَا الْبَيْت فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي وَفَسرهُ بتفسير عَجِيب، فَقَالَ وَرَوَاهُ:
(كَأَن نجوماً علقت فِي مصامه)
ثمَّ فسر وَقَالَ: شبه مَا بَين الحوافر وجثمانه، بالأمراس، وصم جندل، يَعْنِي
جثمانه. فَأخذ هَذَا الْبَيْت وصيره الْفرس، وَحمله على أَنه بعد:
(وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل اه)
وترجمة امْرِئ الْقَيْس قد تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده، وَهُوَ
الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ
(ويلمّها رَوْحَة والرّيح معصفة ... والغيث مرتجز وَاللَّيْل مقترب)
لما تقدم قبله أَعنِي كَون التَّمْيِيز يكون عَن الْمُفْرد إِذا كَانَ الضَّمِير مُبْهما لَا يعرف الْمَقْصُود مِنْهُ فَإِن الضَّمِير فِي ويلمّها لم يتَقَدَّم لَهُ مرجع فَهُوَ مُبْهَم ففسره بقوله: رَوْحَة: فَهُوَ تَمْيِيز عَن الْمُفْرد أَي: ويلمّ هَذِه الروحة فِي حَال عصف الرّيح. فجملة وَالرِّيح معصفة حَال. ومعصفة: شَدِيدَة يُقَال: أعصفت الرّيح وعصفت لُغَتَانِ والغيث هُنَا: الْغَيْم. ومرتجز: مصوّت يُرِيد صَوت الرَّعْد والمطر. ومقترب: قد قرب.
стр. 1208
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة جدا لذِي الرمة. وَهَذَا الْبَيْت من أواخرها. شبّه بعيره بالنعام فِي شدّة الْعَدو ثمَّ وصف النعام بِمَا يَقْتَضِي شدَّة إسراعه فَقَالَ:
(حَتَّى إِذا الهيق أَمْسَى شام أفرخه ... وهنّ لَا مؤيس نأياً وَلَا كثب)
(يرقدّ فِي ظلّ عرّاص ويطرده ... حفيف نافجة عنوانها حصب)
(تبري لَهُ صعلة خرجاء خاضعة ... فالخرق دون بَنَات الْبيض منتهب)
(كَأَنَّهَا دلو بِئْر جدّ ماتحها ... حَتَّى إِذا مَا رَآهَا خانها الكرب)
ويلمّها رَوْحَة
(لَا يذخران من الإيغال بَاقِيَة ... حَتَّى تكَاد تفرّى عَنْهُمَا الأهب)
الهيق بِالْفَتْح: ذكر النعام. وشام: نظر إِلَى نَاحيَة فِرَاخه. وأفرخ: جمع فرخ. وهنّ أَي: الأفرخ.
والنأي: الْبعد. والكثب بِفَتْح الْكَاف والمثلثة الْقرب. يَقُول: موضعهن لَيْسَ مِنْهُ بالبعيد الَّذِي يؤيسه من أَن يطلبهن أَي: يحملهُ على الْيَأْس وَلَا بالقريب فيفتر. وَقَوله: يرقد أَي: يعدو الهيق عدوا شَدِيدا. والعرّاص بمهملات: غيم كثير الْبَرْق. والحفيف بإهمال الأول: صَوت الرّيح.
والنافجة: الرّيح الشَّدِيدَة الْبَارِدَة. وعنوانها: أوائلها. وحصب بِفَتْح فَكسر: فِيهِ تُرَاب وحصباء وَهَذَا مِمَّا يُوجب الْإِسْرَاع إِلَى المأوى.
وَقَوله: تبري لَهُ صعلة الخ تبري: تعرض لهَذَا الهيق. صعلة: نعَامَة دقيقة الْعُنُق وصغيرة الرَّأْس.
خرجاء: مؤنث الأخرج وَهُوَ مَا فِيهِ سَواد وَبَيَاض. خاضعة: فِيهَا طمأنينة. والخرق بِالْفَتْح: الأَرْض الْبَعِيدَة
стр. 1209
تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. وَبَنَات الْبيض: الْفِرَاخ لِأَنَّهَا تخرج من الْبَيْضَة. يَقُول: الهيق والصعلة يعدوان عدوا شَدِيدا كَأَنَّهُمَا ينتهبان الأَرْض انتهاباً كَأَنَّهُمَا يأكلانها من شدَّة الْعَدو)
فهما يركضان إِلَى فراخهما خَائِفين الْبرد والمطر وَغَيرهمَا.
وَقَوله: كَأَنَّهَا دلو الخ أَي: كَأَن هَذِه الصعلة دلو انْقَطع حبلها بعد أَن وصلت إِلَى فَم الْبِئْر فمضت تهوي شبّهها بِهَذِهِ الدَّلْو الَّتِي هوت إِلَى أَسْفَل. وجدّ: اجْتهد. والماتح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: المستقي من الْبِئْر بالدلو. وَالْكرب: العقد الَّذِي على عراقيّ الدَّلْو والعراقيّ: العودان اللَّذَان فِي وسط الدَّلْو. وَالْمرَاد بخانها الكرب انْقَطع.
وَقَوله: ويلمّها رَوْحَة الخ أَي: ويل أم هَذِه الروحة. وَإِنَّمَا لم يجز أَن يعود الضَّمِير على صعلة كَمَا عَاد عَلَيْهَا ضمير كَأَنَّهَا فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم لِأَنَّهُ قد فسّر
بروحة وَالتَّفْسِير يجب أَن يكون عين المفسّر والروحة غير الصعلة فَلَا يفسّرها. وَلَو قَالَ: ويلمّها رَائِحَة لَكَانَ مرجع الضَّمِير مَعْلُوما: من صعلة وَكَانَ من تَمْيِيز النِّسْبَة لَا الْمُفْرد. والروحة: مصدر رَاح يروح رواحاً وروحة: نقيض غَدا يَغْدُو غدوّاً. والرواح أَيْضا: اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل.
وَقَوله: لَا يذخران أَي: لَا يبقيانن يَعْنِي الهيق والصعلة. والإيغال: الجدّ فِي الْعَدو. والباقية: الْبَقِيَّة. وتفرّى: تشقق. والأهب بِضَمَّتَيْنِ: جمع إهَاب أَرَادَ جلودهما. وَهَذَا غَايَة فِي شدَّة الْعَدو.
وَاعْلَم أنّ قَوْلهم: ويلمّه وويلمّها قَالَ ابْن الشجريّ: يرْوى بِكَسْر اللَّام
стр. 1210
وضمّها وَالْأَصْل ويل لأمّه فَحذف التَّنْوِين فَالتقى مثلان: لَام ويل وَلَام الْخَفْض فأسكنت الأولى وأدغمت فِي الثَّانِيَة فَصَارَ ويلّ أمّ مشدداً وَاللَّام مَكْسُورَة فخفّف بعد حذف الْهمزَة بِحَذْف إِحْدَى اللامين. فَأَبَوا عليّ وَمن أَخذ أَخذه نصّوا على أَن الْمَحْذُوف اللَّام المدغمة فأقرّوا لَام الْخَفْض على كسرتها وَآخَرُونَ نصّوا على أَن المحذوفة لَام الْخَفْض وحرّكوا اللَّام الْبَاقِيَة بالضمة الَّتِي كَانَت لَهَا فِي الأَصْل. انْتهى.
قَالَ أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: حذف الْهمزَة من أمّ فِي هَذَا الْموضع لَازم على غير قِيَاس كَقَوْلِه: يابا الْمُغيرَة وَالدُّنْيَا مفجّعة ثمَّ سُئِلَ لم لَا يجوز أَن يكون الأَصْل وي لامّه فَتكون اللَّام جارّة ووي التعجّب فَأجَاب بِأَن الَّذِي يدلّ على أَن الأَصْل ويل لأمه والهمزة من أمّ محذوفة قَول الشَّاعِر:
(لأم الأَرْض ويل مَا أجنت ... غَدَاة أضرّ بالْحسنِ السَّبِيل))
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب: ويلمه بِكَسْر اللَّام وضمّها: فالضم أجَاز فِيهِ ابْن جني وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه حذف الْهمزَة وَاللَّام وَألقى ضمّة الْهمزَة على لَام الجرّ كَمَا رُوِيَ عَنْهُم الْحَمد لله بِضَم لَام الْجَرّ. وثَانِيهمَا: أَن يكون حذف الْهمزَة وَلَام الْجَرّ وَتَكون اللَّام المسموعة هِيَ لَام ويل. وَأما كسر اللَّام فَفِيهَا ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا أَن يكون أَرَادَ ويل أمه بِنصب ويل وإضافته إِلَى الْأُم ثمَّ حذف الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَكسر لَام ويل إتباعاً لكسرة الْمِيم.
وَالثَّانِي: أم يكون أَرَادَ ويل لأمه بِرَفْع ويل على الِابْتِدَاء ولأمه خَبره وَحذف لَام ويل وهمزة أم كَمَا قَالُوا أيش لَك يُرِيدُونَ أَي شَيْء. فَاللَّام المسموعة على هَذَا لَام الْجَرّ.
وَالثَّالِث: أَن يكون الأَصْل ويل لأمه فَيكون على هَذَا قد حذف همزَة أم لَا غير وَهَذَا عِنْدِي أحسن هَذِه الْأَوْجه لِأَنَّهُ أقل للحذف والتغيير. وَأَجَازَ ابْن جني أَن تكون اللَّام المسموعة
стр. 1211
هِيَ لَام ويل على أَن يكون حذف همزَة أم وَلَام الْجَرّ وَكسر لَام ويل إتباعاً لكسرة الْمِيم. وَهَذَا بعيد جدا. هَذَا إعلالها. وَأما مَعْنَاهَا فَهُوَ مدح خرج بِلَفْظ الذَّم: وَالْعرب تسْتَعْمل لفظ الذَّم فِي الْمَدْح يُقَال: أَخْزَاهُ الله مَا أشعره ولعنه الله مَا أجرأه وَكَذَلِكَ يستعملون لفظ الْمَدْح فِي الذَّم يُقَال للأحمق: يَا عَاقل وللجاهل: يَا عَالم: وَمعنى هَذَا يَا أَيهَا الْعَاقِل عِنْد نَفسه أَو عِنْد من يَظُنّهُ عَاقِلا. وَأما قَوْلهم: أَخْزَاهُ الله مَا أشعره وَنَحْو ذَلِك من الْمَدْح الَّذِي يخرجونه بِلَفْظ الذَّم فَلهم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا: أَن الْإِنْسَان إِذا رأى الشَّيْء فَأثْنى عَلَيْهِ ونطق باستحسانه فَرُبمَا أَصَابَهُ بِالْعينِ وأضر بِهِ فيعدلون عَن مدحه إِلَى ذمه لِئَلَّا يؤذوه.
وَالثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ أَنه قد بلغ غَايَة الْفضل وَحصل فِي حد من يذم ويسب لِأَن الْفَاضِل يكثر حساده والمعادون لَهُ والناقص لَا يلْتَفت إِلَيْهِ: وَلذَلِك كَانُوا يرفعون أنفسهم عَن مهاجاة الخسيس ومجاوبة السَّفِيه.
стр. 1212
وَفِي الْقَامُوس: رجل ويلمه بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا داه: وَيُقَال للمستجاد: ويلمه أَي: ويل لمه وَهَذَا اسْتِعْمَال ثَان جعل الْمركب فِي حكم الْكَلِمَة الْوَاحِدَة: وَلَيْسَت الْهَاء فِي آخِره ضميراً بل)
هِيَ هَاء تَأْنِيث للْمُبَالَغَة فَلَا تَعْرِيف: وَلِهَذَا يَقع وَصفا للنكرة قَالَ أَبُو زيد فِي كتاب مسائية.
يُقَال هُوَ رجل ويلمّه.
وروى ابْن جنّي فِي سر الصِّنَاعَة عَن أبي عَليّ عَن الْأَصْمَعِي أَنه يُقَال: رجل ويلمّة. قَالَ: وَهُوَ من قَوْلهم: ويلمّ سعد سَعْدا والاشتقاق من الْأَصْوَات بَاب يطول استقصاؤه وعَلى هَذَا يجوز دُخُول لَام التَّعْرِيف عَلَيْهِ قَالَ الرياشي: الويلمة من الرِّجَال: الداهية الشَّديد الَّذِي لَا يُطَاق. وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على كتاب مسائية: من كَلَام الْعَرَب السائر أَن يَقُولُوا للرجل الداهية: إِنَّه لَو يلمه صمحمحا والصمحمح: الشَّديد هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَالَّذِي حَكَاهُ أَبُو زيد غير مُمْتَنع جعله اسْما وَاحِدًا.
فأعربه. فاما حِكَايَة الرياشي: فِي إِدْخَال الْألف وَاللَّام على اسْم مُضَاف فَلَا أعلم لَهُ وَجها. انْتهى.
стр. 1213
أَقُول: الَّذِي رَوَاهُ عَن الْعَرَب من قَوْلهم: إِنَّه لَو يلمه صمحمحا غير الَّذِي قَالَه أَبُو زيد كَمَا بَيناهُ: فَإِنَّهُ جعل الكلمتان فِي حكم كلمة وَاحِدَة فَلَا إِضَافَة فِيهِ وَالْهَاء للْمُبَالَغَة والكلمة حِينَئِذٍ نكرَة وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ
(ويلم أَيَّام الشَّبَاب معيشة ... مَعَ الكثر يعطاه الْفَتى الْمُتْلف الندي)
على أَن قَوْله: معيشة تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.
وَقَوله: ويلم أَيَّام الخ دُعَاء فِي معنى التَّعَجُّب أَي: مَا ألذ الشَّبَاب مَعَ الْغنى. وَقد بَينا قبل هَذَا الْبَيْت أَصْلهَا وَمَعْنَاهَا. قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: ويل إِذا أضيفت بِغَيْر لَام فَالْوَجْه فِيهِ النصب تَقول: ويل زيد أَي: ألزم الله زيدا ويلاً. فَإِذا أضيفت بِاللَّامِ فَقيل: ويل لزيد فَالْوَجْه أَن ترفع على الِابْتِدَاء. وَجَاز ذَلِك مَعَ أَنه نكرَة لِأَن معنى الدُّعَاء مِنْهُ مَفْهُوم وَالْمعْنَى: الويل ثَابت لزيد. فَالْأَصْل فِي الْبَيْت: ويل لأم لذات الشَّبَاب. قصد الشَّاعِر إِلَى مدح الشَّبَاب وَحمد لذاته بَين لذات المعاش. وَقد طاع
стр. 1214
لصَاحبه الكثر وَهُوَ كَثْرَة المَال فَاجْتمع الْغنى
والشباب لَهُ وَهُوَ سخي. انْتهى.
وهذات الْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة لعلقمة بن عَبدة. وَهِي ثَابِتَة فِي ديوانه. وَقد اقْتصر أَبُو تَمام فِي الحماسة على الْبَيْت الأول وَالثَّانِي وَهُوَ: ونسبهما لبَعض بني أَسد. ونسبهما فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لِابْنِهِ وَهُوَ خَالِد بن عَلْقَمَة بن عَبدة. ونسبهما بَعضهم لِابْنِ ابْنه وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن عَلْقَمَة بن عَبدة. ونسبهما الأعلم الشنتمري فِي حماسته لحميد بن سجار الضَّبِّيّ. وَكَذَا هُوَ فِي حَاشِيَة الصِّحَاح مَنْسُوب لحميد.
والكثر بِضَم الْكَاف وَمثله القل: المَال الْكثير وَالْمَال الْقَلِيل يُقَال: مَاله قل وَلَا كثر. قَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت أَبَا زيد يَقُول: الكثر وَالْكثير وَاحِد. قَالَ فِي الصِّحَاح: هما بِالضَّمِّ وَالْكَسْر.
وَقَوله: مَعَ الكثر فِي مَوضِع النصب صفة لمعيشة. وَجُمْلَة يعطاه الخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: حَال من الكثر وَالْهَاء ضمير الكثر وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي للعطاء. والفتى نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ مَفْعُوله الأول.
والمتلف بِالرَّفْع: صفة للفتى وَكَذَلِكَ الندي. وَرُوِيَ: يعطاها بضمير الْمُؤَنَّث على أَنه عَائِد على الْمَعيشَة مَعَ قيدها. والفتى قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ السخي الْكَرِيم يُقَال: هُوَ فَتى بَين الفتوة وَقد تفتى وتفاتى وَالْجمع فتيَان وفتية وفتو على فعول وفتي مثل عصي. والمتلف: المفرق لمَاله يُقَال: رجل متْلف لمَاله ومتلاف بالمبالغة. والندي: السخي قَالَ فِي الصِّحَاح: وندوت من الْجُود يُقَال: سنّ وَلِلنَّاسِ الندى فندوا بِفَتْح الدَّال وَيُقَال: فلَان ندي الْكَفّ: إِذا كَانَ سخياً. وَقد رُوِيَ فِي ديوانه الْبَيْت هَكَذَا:)
стр. 1215
ويل بلذات الشَّبَاب معيشة فويلم لذات الشَّبَاب معيشة وَقَوله: وَقد يعقل القل من عقله من بَاب ضرب إِذا مَنعه. والقل بِالضَّمِّ فَاعل والفتى مفعول. وَرُوِيَ: وَقد يقصر القل من قصره: إِذا حَبسه أَو من قصرت قيد الْبَعِير: إِذا ضيقته من بَاب دخل يدْخل. وَرُوِيَ أَيْضا: وَقد يقْعد القل من أقعده: إِذا مَنعه من الْقيام لِحَاجَتِهِ.
والهم بِالْفَتْح: أول الْعَزِيمَة قَالَ ابْن فَارس: الْهم: مَا هَمَمْت بِهِ وهممت بالشَّيْء هما من بَاب قتل: إِذا أردته وَلم تَفْعَلهُ وَمثله الهمة بِالْكَسْرِ وبالتاء. وَقد يُطلق على الْعَزْم الْقوي كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَدون بِمَعْنى قبل. وأنجد: جمع نجد وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.
قَالَ فِي الصِّحَاح: وَمِنْه قَوْلهم فلَان طلاع أنجد وطلاع الثنايا: إِذا كَانَ سامياً لمعالي الْأُمُور.
وَمعنى هَذَا الْبَيْت قد تداوله الشُّعَرَاء وتصرفوا فِيهِ مِنْهُم مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ:
(عرف الْحُقُوق وَقصرت أَمْوَاله ... عَنْهَا وضاق بهَا الْغَنِيّ الباخل)
وَمِنْه قَول آخر:
(أرى نَفسِي تتوق إِلَى أُمُور ... يقصر دون مبلغهن مَالِي)
стр. 1216
.
(فَلَا نَفسِي تطاوعني ببخل ... وَلَا مَالِي يبلغنِي فعالي)
وَمِنْه قَول الآخر:
(إِذا أردْت مساماة تقاعد بِي ... عَمَّا أحاول مِنْهَا رقة الْحَال)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول الآخر:
(النَّاس اثْنَان فِي زَمَانك ذَا ... لَو تبتغي غير ذين لم تَجِد)
(هَذَا بخيل وَعِنْده سَعَة ... وَذَا جواد بِغَيْر ذَات يَد)
وَأما البيتان الأخيران من الأبيات الْأَرْبَعَة فهما:
(وَقد أقطع الْخرق الْمخوف بِهِ الردى ... بعنس كجفن الْفَارِسِي المسرد)
(كَأَن ذراعيها على الْخلّ بعد مَا ... ونين ذِرَاعا مائح متجرد)
والخرق بِالْفَتْح: الأَرْض الواسعة الَّتِي تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. والردى: نَائِب فَاعل الْمخوف.
والعنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة القوية الشَّدِيدَة. والخل: مصدر خل لَحْمه خلا وخلولاً أَي: قل ونحف كَذَا فِي الْعباب.)
وَقَوله: ونين فعل مَاض من الونى بِالْقصرِ وَهُوَ الضعْف والفتور والكلال والإعياء. والمائح: الَّذِي ينزل الْبِئْر فَيمْلَأ الدَّلْو وَذَلِكَ إِذا قل مَاؤُهَا وَفعله ماح يميح. وَأما الماتح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة فَهُوَ مستقي الدَّلْو. والمتجرد: المشمّر ثِيَابه. وعَلْقَمَة شَاعِر جاهلي ونسبته كَمَا فِي الجمهرة لِابْنِ الْكَلْبِيّ والمؤتلف والمختلف للآمدي عَلْقَمَة بن عَبدة بن نَاشِرَة بن قيس بن عبيد بن ربيعَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم انْتهى.
وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَالْبَاء
стр. 1217
وَأما عَبدة بن الطَّبِيب فَهُوَ بِسُكُون الْبَاء. كَذَا فِي الصِّحَاح. والعبدة محركة بِمَعْنى الْقُوَّة والسّمن والبقاء وصلاءة الطّيب والأنفة.
قَالَ صَاحب المؤتلف والمختلف: عَلْقَمَة فِي الشُّعَرَاء جمَاعَة لَيْسُوا مِمَّن أعْتَمد
ذكره وَلَكِن أذكر عَلْقَمَة الْفَحْل وعلقمة الْخصي وهما من ربيعَة الْجُوع فَأَما عَلْقَمَة الْفَحْل فَهُوَ عَلْقَمَة بن عَبدة ... إِلَى آخر نسبه الْمَذْكُور. ثمَّ قَالَ: وَقيل لَهُ عَلْقَمَة الْفَحْل من أجل رجل آخر يُقَال لَهُ عَلْقَمَة الْخصي.
وَأما عَلْقَمَة الْخصي فَهُوَ عَلْقَمَة بن سهل أحد بني ربيعَة بن مَالك بن زيد مَنَاة ابْن تَمِيم ذكر أَبُو يقظان أَنه كَانَ يكنى أَبَا الوضاح. قَالَ: وَكَانَ لَهُ إِسْلَام وَقدر. ومان سَبَب خصائه أَنه أسر بِالْيمن فهرب فظفر بِهِ فهرب ثَانِيَة فَأخذ وَخصي. وَكَانَ شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل:
(يَقُول رجال من صديق وَصَاحب ... أَرَاك أَبَا الوضاح أَصبَحت ثاويا)
(فَلَا يعْدم البانون بَيْتا يكنهم ... وَلَا يعْدم الْمِيرَاث مني المواليا)
(وخفّت عُيُون الباكيات وَأَقْبلُوا ... إِلَى مَالهم قد بنت عَنهُ بماليا)
وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا لقب بالفحل لِأَنَّهُ خلف على امْرَأَة امرىء الْقَيْس لما حكمت لَهُ بِأَنَّهُ أشعر مِنْهُ.
وَذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي: أَن امْرَأَة الْقَيْس لما هرب من الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وجاور فِي طَيء تزوج امْرَأَة مِنْهُم يُقَال لَهَا أم جُنْدُب. ثمَّ إِن عَلْقَمَة بن عَبدة نزل عِنْده ضيفاً وتذاكر الشّعْر فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: أَنا أشعر مِنْك وَقَالَ عَلْقَمَة: أَنا أشعر مِنْك واحتكما
стр. 1218
إِلَى امْرَأَته أم جُنْدُب لتَحكم بَينهمَا فَقَالَت: قولا شعرًا تصفان فِيهِ الْخَيل على رُوِيَ وَاحِد. فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(خليليّ مرّا بِي على أمّ جُنْدُب ... لنقضي حاجات الْفُؤَاد المعذب))
وَقَالَ عَلْقَمَة:
(ذهبت من الهجران فِي كل مَذْهَب ... وَلم يَك حَقًا كل هَذَا التجنب)
ثمَّ أنشداها جَمِيعًا. فَقَالَت لامرىء الْقَيْس: عَلْقَمَة أشعر مِنْك قَالَ: وَكَيف ذَلِك قَالَت: لِأَنَّك قلت:
(فللسوط ألهوب وللساق درّة ... وللزجر مِنْهُ وَقع أهوج منعب)
فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك وَقَالَ عَلْقَمَة:
(فأدركهن ثَانِيًا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب)
فَأدْرك طريدته وَهُوَ ثَان من عنان فرسه لم يضْربهُ بِسَوْط وَلَا مراه بساق وَلَا زَجره قَالَ: مَا هُوَ بأشعر مني وَلَكِنَّك لَهُ وامق فطلّقها فخلف عَلَيْهَا عَلْقَمَة فسمّي بذلك الْفَحْل.
وَقد أورد ابْن حجر فِي الْإِصَابَة ابْنه فِي المخضرمين فِيمَن أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَلم يره قَالَ: عَليّ بن عَلْقَمَة بن عَبدة التَّمِيمِي ولد عَلْقَمَة: الشَّاعِر الْمَشْهُور الَّذِي يعرف بعلقمة الْفَحْل وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة من أَقْرَان امْرِئ الْقَيْس. ولعليّ هَذَا ولد اسْمه عبد الرَّحْمَن ذكره المرزبانيّ فِي مُعْجم الشُّعَرَاء. فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون أَبوهُ من أهل هَذَا الْقسم لِأَن عبد الرَّحْمَن لم يدْرك النَّبِي ﷺ َ. انْتهى.
стр. 1219
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْمِائَتَيْنِ
(لله درّ أنوشروان من رجل ... مَا كَانَ أعرفهُ بالدّون والسفل)
على أَن قَوْله: من رجل تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة. وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وأنوشروان هُوَ أشهر مُلُوك الْفرس وَأَحْسَنهمْ سيرةً وأخباراً. وَهُوَ أنوشروان ابْن قباد ابْن فَيْرُوز.
وَفِي أَيَّامه ولد النَّبِي ﷺ َ. وَكَانَ ملكا جَلِيلًا محبّباً للرعايا فتح الْأَمْصَار الْعَظِيمَة فِي الشرق وأطاعته الْمُلُوك. وَقتل
مزدك الزنديق وَأَصْحَابه وَكَانَ يَقُول بِإِبَاحَة الْفروج وَالْأَمْوَال فَعظم فِي عُيُون النَّاس بقتْله. وَبنى المباني الْمَشْهُورَة مِنْهَا السُّور الْعَظِيم على جبل الْفَتْح عِنْد بَاب الْأَبْوَاب وَمِنْهَا الإيوان الْعَظِيم الْبَاقِي الذّكر وَلَيْسَ هُوَ الْمُبْتَدِئ بنائِهِ بل ابْتَدَأَ بِهِ سَابُور وأنوشروان أتمّه وأتقنه حَتَّى صَار من عجائب الدُّنْيَا وَانْشَقَّ لولادة النَّبِي ﷺ َ. وأخبار أنوشروان مَشْهُورَة فَلَا نطيل بهَا.
وَقَوله: مَا كَانَ أعرفهُ كَانَ زَائِدَة بَين مَا وَفعل التَّعَجُّب. والدون بِمَعْنى الرَّدِيء وَهُوَ صفة وَمِنْه ثوب دون وَقيل: مقلوب من الدنوّ والأدنى: الرَّدِيء. وَفِي الْقَامُوس: أَن الدون للشريف والخسيس ضدّ. والسفل بِكَسْر السِّين وَفتح الْفَاء: جملَة سفلَة بِكَسْر الأول وَسُكُون الثَّانِي وَالْأَصْل فتح الأول وَكسر الثَّانِي نَحْو كلمة وَكلمَة. قَالَ صَاحب الْقَامُوس وسفلة النَّاس بِالْكَسْرِ وكفرحة: أسافلهم وغوغاؤهم وسفلة
стр. 1220
الْبَعِير كفرحة: قوائمه اتنهى.
والأوّل مستعار من الثَّانِي وأصل الأوّل كفرحة وَقد يُخَفف بِحَذْف حَرَكَة الأول وَنقل الْكسر إِلَيْهِ كَمَا يُقَال. فِي لبنة لبنة أَو أَن أَسْفَله جمع سفيل كعيلة جمع عَليّ كَذَا فِي الأساس. وَالْفِعْل سفل ككرم سفالة بِالْفَتْح أَي: نذل نذالة. وَأما السفلة بِالتَّحْرِيكِ فَهُوَ جمع سافل. وَقَول مكانس: يجوز أَن يقْرَأ بِفتْحَتَيْنِ وبفتحة فكسرة. قَالَ فِي الْمِصْبَاح: سفل سفولاً من بَاب قعد قعد وسفل من بَاب قرب لُغَة: صَار أَسْفَل من غَيره فَهُوَ سافل. وسفل فِي خلقه وَعَمله سفلاً من بَاب قتل وسفالاً وَالِاسْم السّفل بِالضَّمِّ. وتسفّل. خلاف جاد وَمِنْه قيل للأرذال سفلَة بِفَتْح فَكسر وَفُلَان من السفلة. وَيُقَال أَصله سفلَة الْبَهِيمَة وَهِي قَوَائِمهَا. وَيجوز التَّخْفِيف. .
والسفل خلاف الْعُلُوّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْر لُغَة وَابْن قُتَيْبَة يمْنَع الضَّم. والأسفل خلاف الْأَعْلَى.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ
والأكرمين إِذا مَا ينسبون أَبَا هَذَا عجز وصدره: سيري أَمَام فَإِن الْأَكْثَرين
стр. 1221
حَصى على أَنه كَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول آبَاء بِالْجمعِ وَإِنَّمَا وحّد الْأَب لأَنهم كَانُوا أَبنَاء أَب وَاحِد.
وَقَوله: سيري فعل أَمر للمؤنثة. وأمام بِضَم الْهمزَة: منادى مرخّم أَي: يَا أُمَامَة. وحصىً تَمْيِيز للأكثرين وَكَذَلِكَ أَبَا تَمْيِيز للأكرمين. وَمعنى الْحَصَى الْعدَد وَإِنَّمَا أطلق على الْعدَد لِأَن الْعَرَب أُمِّيُّونَ لَا يقرؤون وَلَا يعْرفُونَ الْحساب غنما كَانُوا يعدون بالحصى فَأطلق الْحَصَى على الْعدَد واشتق مِنْهُ الْفِعْل فَقيل أحصيت الشَّيْء أَي: عددته. وَإِذا: ظرف للأكرمين. وينسبون بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
والأكرمين مَعْطُوف على اسْم إِن وخبرها قوم فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ:
(قوم هم الْأنف والأذناب غَيرهم ... وَمن يسوّي بأنف النَّاقة الذنبا)
(قوم إِذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فَوْقه الكربا)
وَهَذِه الأبيات من قصيدة للحطيئة يمدح بهَا بغيض بن عَامر بن لأي بن شمّاس بن لأي بن أنف النَّاقة واسْمه جَعْفَر بن قريع بِالتَّصْغِيرِ بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. ويهجو الزبْرِقَان واسْمه حُصَيْن بِالتَّصْغِيرِ بن بدر بن
стр. 1222
امْرِئ الْقَيْس بن خلف بن بَهْدَلَة بن عَوْف بن كَعْب الْمَذْكُور نسبه. وَإِنَّمَا لقّب جَعْفَر بِهَذَا لِأَن أَبَاهُ نحر جزوراً فَقَسمهَا بَين نِسَائِهِ فَقَالَت لَهُ أمه وَهِي الشّموس من بني وَائِل بن سعد هذيم: انْطلق إِلَى أَبِيك فَانْظُر هَل بَقِي شَيْء من الْجَزُور عِنْده
стр. 1223
فَأَتَاهُ فَلم يجد إِلَّا رَأسهَا فَأخذ بأنفها يجرّه فَقَالُوا: مَا هَذَا قَالَ: أنف النَّاقة.
فسمّي أنف النَّاقة.
وَكَانَ آل شمّاس فِي الْجَاهِلِيَّة يعيّرون بِهِ ويغضبون مِنْهُ. ولمّا مدحهم الحطيئة بِهَذَا وَإِنَّمَا مدح مِنْهُم بغيض بن عَامر صَار فخراً لَهُم. وَأَرَادَ بأنف النَّاقة بغيضاً وَأهل بَيته. وَأَرَادَ بالذنب قَالَ ابْن رَشِيق فِي بَاب من رَفعه الشّعْر وَمن وَضعه من الْعُمْدَة: كَانَ بَنو أنف النَّاقة يفرقون من هَذَا الِاسْم حَتَّى إِن الرجل مِنْهُم كَانَ يسْأَل: مِمَّن هُوَ فَيَقُول: من بني قريع. فيتجاوز)
جعفراً أنف النَّاقة ويلغي ذكره فِرَارًا من هَذَا اللقب. إِلَى أَن قَالَ الحطيئة هَذَا الشّعْر فصاروا يتطاولون بِهَذَا النّسَب ويمدذون بِهِ أَصْوَاتهم فِي جهارة.
وَقَوله: قوم إِذا عقدوا عقدا الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب عقد الْحَبل والعهد يعقده عقدا. والعناج بِكَسْر الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْجِيم: حَبل يشدّ أَسْفَل الدّلو الْعَظِيمَة إِذا كَانَت ثَقيلَة ثمَّ يشدّ إِلَى الْعِرَاقِيّ فَيكون عوناً لَهَا وللوذم فَإِذا انْقَطَعت الأوذام فَانْقَلَبت أمْسكهَا العناج وَلم يَدعهَا تسْقط فِي الْبِئْر يُقَال: عنجت الدَّلْو أعنجها عنجاً من بَاب نصر والعناج اسْم ذَلِك الْحَبل يُقَال: قَول لَا عناج لَهُ: إِذا أرسل على غير رويّة.
وَإِذا كَانَت الدَّلْو خَفِيفَة فعناجها خيط يشدّ فِي إِحْدَى آذانها إِلَى العرقوة. والوذم: السيور الَّتِي بَين آذان الدَّلْو وأطراف العراقيّ. وَالْكرب بِفتْحَتَيْنِ: الْحَبل الَّذِي يشدّ فِي وسط العراقيّ ثمَّ يثنى ويثلّث ليَكُون هُوَ الَّذِي يَلِي المَاء
стр. 1224
فَلَا يعفن الْحَبل الْكَبِير. يُقَال: أكربت الدَّلْو فَهِيَ مكربة.
والعراقيّ: العودان المصلّبان تشدّ إِلَيْهِمَا الأوذام.
وَأَرَادَ الحطيئة أَنهم إِذا عقدوا عقدا أحكموه ووثّقوه كإحكام الدَّلْو إِذا شدّ عَلَيْهَا العناج
(طافت أُمَامَة بالركبان آونة ... يَا حسنه من قوام مَا ومنتقبا)
وَاسْتشْهدَ بِهِ المراديّ فِي شرح الألفية على أنّ من فِي التَّمْيِيز زَائِدَة وَلِهَذَا صحّ عطف الْمَنْصُوب على مجرورها. أَي: ياحسنه قواماً ومنتقباً. وآونة: جمع أَوَان كأزمنة جمع زمَان وَقَوله: يَا حسنه لَفظه لفظ النداء وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّب فيا للتّنْبِيه لَا للنداء وَالضَّمِير مُبْهَم قد فسّر بالتمييز. والقوام بِالْفَتْح وَوهم من ضَبطه بِالْكَسْرِ: الْقَامَة يُقَال: امْرَأَة حَسَنَة القوام أَي: الْقَامَة. وَمَا: زَائِدَة. والمنتقب بِفَتْح الْقَاف: مَوضِع النقاب. وَبعده بِأَبْيَات:
(إنّ امْرأ رهطه بِالشَّام منزله ... برمل يبرين جاراً شدّ مَا اغتربا)
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي أَوَاخِر الْبَاب الْخَامِس من الْمُغنِي على أَن أَصله: ومنزله برمل يبرين فَحذف حرف الْعَطف وَهُوَ الْوَاو وبابه الشّعْر. ثمَّ قَالَ: كَذَا قَالُوا وَلَك أَن تَقول الْجُمْلَة الثَّانِيَة صفة ثَانِيَة لَا معطوفة.
وَقَوله: امْرأ عَنى الحطيئة بِالْمَرْءِ نَفسه. وَقَوله: رهطه بِالشَّام جملَة اسميّة صفة لاسم إنّ وَأَرَادَ: بِنَاحِيَة الشَّام الحطيئة عبسيّ ومنزل بني عبس شرج والقصيم والجواء وَهِي أسافل عدنة وَكَانَ الحطيئة جاور بغيض بن شمّاس الْمَذْكُور برمل يبرين وَهِي قَرْيَة كَثِيرَة النّخل والعيون)
بِالْبَحْرَيْنِ بحذاء الأحساء لبني عَوْف بن سعد بن زيد مَنَاة ثمَّ لبني أنف النَّاقة. وإعرابها بِالْوَاو رفعا وبالياء نصبا وجرّاً وَرُبمَا التزموا الْيَاء وَجعلُوا الْإِعْرَاب بالحركات على النُّون وَيُقَال أَيْضا:
رمل أبرين وَلابْن جنّي فِيهِ كَلَام جيّد نَقله ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ.
وَقَوله: منزله برمل يبرين جملَة اسمية ثَانِيَة إِمَّا معطوفة بِالْوَاو المحذوفة وَإِمَّا صفة ثَانِيَة لاسم إِن. وجاراً: حَال من الْمُضمر المستقرّ فِي قَوْله: برمل يبرين الْعَائِد على الْمنزل. وَقَوله: شدّ مَا اغتربا مَنْصُوب على التَّعَجُّب وَمَا مَصْدَرِيَّة أَي: مَا أشدّ اغترابه وَالْجُمْلَة خبر اسْم إِن.
وَمثله قَول جرير:
(فَقلت للركب إِذْ جدّ الْمسير بِنَا ... مَا بعد يبرين من بَاب الفراديس)
وَبَاب الفراديس من أَبْوَاب الشَّام. وَإِنَّمَا بسطت شرح هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ وَقع فِي مُغنِي اللبيب وَلم يشرحه أحد من شرّاحه بِشَيْء.
وَسبب مدح الحطيئة بغيضاً وهجو الزّبرقان هُوَ مَا ذكره الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن الزبْرِقَان قدم على عمر ﵁ فِي سنة مُجْدِبَة ليؤدّي صدقَات قومه فَلَقِيَهُ الحطيئة بقرقرى وَمَعَهُ ابناه أَوْس وسوادة وَبنَاته وَامْرَأَته قَالَ لَهُ الزبْرِقَان وَقد عرفه وَلم يعرفهُ الحطيئة: أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ: الْعرَاق فقد حطمتنا هَذِه السّنة قَالَ: وتصنع مَاذَا قَالَ: وددت أَن أصادف بهَا رجلا يَكْفِينِي مُؤنَة عيالي وأصفيه مدائحي فَقَالَ لَهُ الزبْرِقَان: قد أصبته فَهَل لَك فِيهِ يوسعك تَمرا ولبناً ويجاورك أحسن جوَار قَالَ:
стр. 1225
هَذَا وَأَبِيك الْعَيْش وَمَا كنت أَرْجُو هَذَا كُله عِنْد من قَالَ: عِنْدِي. قَالَ: وَمن أَنْت قَالَ: الزبْرِقَان. فسيّره إِلَى أمه وَهِي عمّة الفرزدق وَكتب إِلَيْهَا: أَن أحسني إِلَيْهِ وأكثري لَهُ من التَّمْر وَاللَّبن.
وَقَالَ آخَرُونَ: بل س ذره إِلَى زَوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية فأكرمته وأحسنت إِلَيْهِ فَبلغ ذَلِك بغيض بن عَامر من بني أنف النَّاقة وَكَانَ يُنَازع الزبْرِقَان
الشّرف وَكَانَ الحطيئة دميماً سيئ الْخلق فهان أمره عَلَيْهَا وقصّرت بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ بغيض وَإِخْوَته: أَن ائتنا. فَأبى وَقَالَ: شَأْن النِّسَاء التَّقْصِير والغفلة وَلست بِالَّذِي أحمل على صَاحبهَا ذنبها وألحّوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِن تركت وجفيت تحوّلت إِلَيْكُم. وأطمعوه ووعدوه وَعدا عَظِيما فدسّوا إِلَى زَوْجَة الزبْرِقَان أَن الزبْرِقَان يُرِيد أَن يتَزَوَّج ابْنَته مليكَة وَكَانَت جميلَة فَظهر مِنْهَا جفوة.
وألحوا عَلَيْهِ فِي الطّلب فارتحل إِلَيْهِم فَضربُوا لَهُ قبَّة وربطوا بكلّ طُنب من أطنابها حلّة هجريّة)
وأراحوا عَلَيْهِ إبلهم وَأَكْثرُوا عَلَيْهِ التَّمْر وَاللَّبن. فَلَمَّا قدم الزبْرِقَان سَأَلَ عَنهُ فَأخْبر بِقِصَّتِهِ فَنَادَى فِي بني بَهْدَلَة بن عَوْف وَركب فرسه وَأخذ رمحه وَسَار حَتَّى وقف على القريعيين وَقَالَ: ردّوا عليّ جاري قَالُوا: مَا هُوَ لَك بجار وَقد اطّرحته وضيّعته وَكَاد أَن يَقع بَين الْحَيَّيْنِ حَرْب.
فَاجْتمع أهل الحجا. وخيّروا الحطيئة فَاخْتَارَ بغيضاً وَجعل يمدح القريعيين من غير أَن يهجو الزبْرِقَان وهم يحرّضونه
стр. 1226
على ذَلِك وَهُوَ يَأْبَى حَتَّى أرسل الزبْرِقَان إِلَى رجل من النمر بن قاسط يُقَال لَهُ دثار بن شَيبَان فهجا بغيضاً وفضّل الزبْرِقَان فَقَالَ من جملَة أَبْيَات:
(وجدنَا بَيت بَهْدَلَة بن عَوْف ... تَعَالَى سمكه ودجا الفناء)
(وَمَا أضحى لشمّاس بن لاي ... قديم فِي الفعال وَلَا رباء)
(سوى أَن الحطيئة قَالَ قولا ... فَهَذَا من مقَالَته جَزَاء)
وَلما سمع الحطيئة هَذَا ناضل عَن بغيض وهجا الزبْرِقَان فِي عدَّة قصائد مِنْهَا قَوْله:
(وَالله مَا معشر لاموا امْرأ جنبا ... من آل لأي بن شمّاس بأكياس)
(مَا كَانَ ذَنْب بغيض لَا أَبَا لكم ... فِي بائس جَاءَ يَحْدُو آخر النَّاس)
(لقد مريتكم لَو أَن درّتكم ... يَوْمًا يَجِيء بهَا مسحي وإبساسي)
(فَمَا ملكت. . بِأَن كَانَت نفوسكم ... كفارك كرهت ثوبي وإلباسي)
(حَتَّى إِذا مَا بدا لي غيب أَنفسكُم ... وَلم يكن لجراحي فِيكُم آسي)
(أزمعت يأساً مُبينًا من نوالكم ... وَلنْ ترى طارداً للحرّ كالياس)
(مَا كَانَ ذَنْب بغيض أَن رأى رجلا ... ذَا فاقة عَاشَ فِي مستوعر شَاس)
(جاراً لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مُقيما بَين أرماس)
(دع المكارم لَا ترحل لبغيتها ... واقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي)
(من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيه ... لَا يذهب الْعرف بَين الله وَالنَّاس)
(ماكان ذَنبي أَن فلذت معاولكم ... من آل لأي صفاة أَصْلهَا راسي)
...
стр. 1227
(قد ناضلوك فسلّوا من كنانتهم ... مجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس)
وَالْجنب بِضَم الْجِيم وَالنُّون: الْغَرِيب. والبائس: هُنَا الحطيئة وَهُوَ الَّذِي لَقِي بؤساً وشدّة من الْفقر يُقَال: أَصَابَت النَّاس سنة شَدِيدَة وَكَانَ الحطيئة فِيمَن انحدر مَعَ النَّاس فَلم يكن بِهِ من الْقُوَّة أَن يكون فِي أوّل النَّاس. وَقَوله: لقد مريتكم الخ أَي: طلبت مَا عنْدكُمْ وَأَصله من مريت)
النَّاقة هُوَ أَن يمسح ضرْعهَا لتدرّ. والدرّة بِالْكَسْرِ: اللَّبن. والإبساس: صَوت تسكّن بِهِ النَّاقة عِنْد الْحَلب يَقُول: بس بس.
وَقَوله: فَمَا ملكت بِأَن كَانَت الخ يَقُول: لم أملك بغضكم فأجعله حيّاً. والفارك: الْمَرْأَة المبغضة لزَوجهَا. وَقَوله: كرهت ثوبي أَي: كرهت أَن تدخل معي فِي ثوبي وَأَن تدخلني فِي ثوبها. وَقَوله: حَتَّى إِذا مَا بدا لي الخ أَي: بدا لي مَا كَانَ غَائِبا فِي أَنفسكُم من البغضة. وَلم يكن فِيكُم مصلح لما بِي من الْفساد وَسُوء الْحَال. والآسي: المداوي.
وَقَوله: أزمعت يأساً الخ هُوَ من أَبْيَات مُغنِي اللبيب أوردهُ على أَن بَعضهم قَالَ من مُتَعَلقَة بيأساً وَالصَّوَاب أَن تعلقهَا بيئست محذوفة لِأَن الْمصدر لَا يُوصف قبل أَن يَأْتِي معموله.
والإزماع: تصميم الْعَزْم. والمستوعر: الْمَكَان الوعر. والشأس: الْمَكَان الْمُرْتَفع الغليظ. والهون بِالضَّمِّ: المذلة. وغادروه أَي: تَرَكُوهُ كالميت بَين أموات الْقُبُور.
وَقَوله: مَا كَانَ ذَنبي الخ فَلت بِالْفَاءِ: ثلمت والفلول: الثلم. والصفاة بِالْفَتْح: الصَّخْرَة الملساء.
أَي: أردتموهم بِسوء فَلم تعْمل فِيهِ معاولكم. يَقُول: مَا كَانَ ذَنبي فَإِنِّي مدحت هَؤُلَاءِ لأَنهم أشرف مِنْكُم وَلَهُم مجد راس لَا تطيقون إِزَالَته. وَقَوله: قد ناضلوك الخ النكس بِالْكَسْرِ: السهْم يقلب فَيجْعَل أَسْفَله أَعْلَاهُ إِذا
стр. 1228
انْكَسَرَ طرفه. والمناضلة: الْمُفَاخَرَة. وَأَرَادَ بالمجد الْقَدِيم النواصي وَكَانَت الْعَرَب إِذا أَنْعَمت على الرجل الشريف المأسور جزواً ناصيته وأطلقوه فَتكون الناصية عِنْد الرجل يفخر بهَا.
وَقَوله: دع المكارم الخ أوردهُ الْفراء فِي مَعَاني الْقُرْآن فِي سُورَة هود
على أَن الكاسي بِمَعْنى المكسو كَمَا أَن العاصم فِي قَوْله تَعَالَى: لَا عَاصِم الْيَوْم بِمَعْنى الْمَعْصُوم. قَالَ: وَلَا تنكرن أَن يخرج الْمَفْعُول على فَاعل إِلَّا ترى أَن قَوْله من مَاء دافق بِمَعْنى مدفوق وعيشة راضية بِمَعْنى مرضية يسْتَدلّ على ذَلِك بأنك تَقول: رضيت هَذِه الْمَعيشَة ودفق المَاء وكسي الْعُرْيَان بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَلَا تَقول ذَلِك بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل.
وَلما بلغ الزبْرِقَان هَذَا الْبَيْت استعدى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: مَا أرَاهُ هجاك وَلكنه مدحك. فَقَالَ: سل حسان بن ثَابت. فَسَأَلَهُ فَقَالَ حسان: هجاه وسلح عَلَيْهِ فحبسه عمر فَقَالَ وَهُوَ فِي الْحَبْس:
(مَاذَا تَقول لأفراخ بِذِي مرخ ... حمر الحواصل لَا مَاء وَلَا شجر))
(ألقيت كاسبهم فِي قَعْر مظْلمَة ... فَاغْفِر عَلَيْك سَلام الله يَا عمر)
ذُو مرخ: اسْم مَكَان وَأَرَادَ بالأفراخ أطفاله الصغار. وحمر الحواصل يَعْنِي لَا ريش لَهَا وَتكلم فِيهِ عَمْرو بن الْعَاصِ فَأخْرجهُ عمر فَقَالَ: إياك وهجاء النَّاس قَالَ: إِذا يَمُوت عيالي جوعا هَذَا مكسبي وَمِنْه معاشي
стр. 1229
وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ: أرسل عمر إِلَى الحطيئة وَأَنا عِنْده وَقد كَلمه عَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيره فَأخْرجهُ من السجْن فأنشده: مَاذَا تَقول لأفراخ بِذِي مرخ
فَبكى عمر ثمَّ قَالَ: عَليّ بالكرسي فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَشِيرُوا عَليّ فِي الشَّاعِر فَإِنَّهُ يَقُول الهجو ويشبب بِالنسَاء وينسب بِمَا لَيْسَ فيهم ويذمهم مَا أَرَانِي إِلَّا قَاطعا لِسَانه ثمَّ قَالَ: عَليّ بطست ثمَّ قَالَ: عَليّ بالمخصف عَليّ بالسكين بل عَليّ بالموس فَقَالُوا: لَا يعود يَا أَمِير وروى عبد الله بن الْمُبَارك: أَن عمر ﵁ لما أطلق الحطيئة أَرَادَ أَن يُؤَكد عَلَيْهِ الْحجَّة فَاشْترى مِنْهُ أَعْرَاض الْمُسلمين جَمِيعًا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ الحطيئة فِي ذَلِك:
(وَأخذت أَطْرَاف الْكَلَام فَلم تدع ... شتماً يضر وَلَا مديحاً ينفع)
(وحميتني عرض اللَّئِيم فَلم يخف ... مني وَأصْبح آمنا لَا يفزع)
وَقد ترجمنا الحطيئة فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الْمِائَتَيْنِ
(فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَة ... وَابْشَرْ بِذَاكَ وقر مِنْهُ عيُونا)
стр. 1230
على أَنه يجوز جمع الْمثنى فيالتمييز إِذا لم يلبس: إِذا كَانَ الظَّاهِر أَن يُقَال: وقر مِنْهُ عينين أَو عينا. لكنه جمع لعدم اللّبْس وَلِأَن أقل الْجمع اثْنَان على رَأْي.
وَهَذَا الْبَيْت أحد أَبْيَات خَمْسَة لأبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ َ. وَهِي:
(وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّد فِي التُّرَاب دَفِينا)
(فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَة ... وَابْشَرْ بِذَاكَ وقر مِنْهُ عيُونا)
(وَدَعَوْتنِي وَزَعَمت أَنَّك نَاصح ... وَلَقَد صدقت وَكنت ثمَّ أَمينا)
(لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّة ... لَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا)
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: أخرج ابْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن يَعْقُوب بن عتبَة بن الْمُغيرَة بن الْأَخْنَس: أَن قُريْشًا أَتَت أَبَا طَالب فكلمته فِي النَّبِي ﷺ َ فَبعث إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي إِن قَوْمك قد جاؤوني فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا فأبق عَليّ وعَلى نَفسك وَلَا تحملنِي من الْأَمر مَا لَا أُطِيق أَنا وَلَا أَنْت فَاكْفُفْ عَن قَوْمك مَا يكْرهُونَ من قَوْلك فَظن رَسُول الله ﷺ َ أَنه قد بدا لِعَمِّهِ فِيهِ وَأَنه خاذله فَقَالَ: يَا عَم لَو وضعت الشَّمْس فِي يَمِيني وَالْقَمَر فِي يساري مَا تركت هَذَا الْأَمر حَتَّى يظهره الله أَو أهلك فِي طلبه ثمَّ استعبر رَسُول الله ﷺ َ فَبكى فَلَمَّا ولى قَالَ لَهُ حِين رأى مَا بلغ من الْأَمر برَسُول الله ﷺ َ: يَا ابْن أخي امْضِ على أَمرك وَافْعل مَا أَحْبَبْت
следующие страницы →