Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
. وَتقدم شَرحه قَرِيبا.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة
(بَدَت قمراً ومالت خوط بَان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا)
على أَن قمراً وَمَا بعده من المنصوبات أحوالاً مؤولةً بالمشتق أَي: بَدَت مضيئة كَالْقَمَرِ ومالت متثنية كخوط بَان وفاحت: طيبَة النشر كالعنبر ورنت: مليحة المنظر كالغزال.
قَالَ الواحدي: هَذِه أَسمَاء وضعت مَوضِع الْحَال. وَالْمعْنَى: بَدَت مشبهة قمراً فِي حسنها ومالت مشبهة غُصْن بَان فِي تثنّيها وفاحت مشبهة عنبراً فِي طيب رائحتها ورنت مشبهة غزالاً فِي سَواد مقلتها. وَهَذَا يُسمى التدبيج فِي الشّعْر وَمثله:
(سفرن بدوراً وانتقبن أهلّة ... ومسن غصوناً والتفتن جآذرا)
انْتهى. فَقَوله: بَدَت يُقَال: بدا يَبْدُو وبدوّاً. أَي: ظهر ظهوراً بيّناً. والخوط بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْغُصْن الناعم لسنة. وَقيل: كلّ قضيب.
стр. 1157
وفاحت. من فاح الْمسك فوحاً وفيحاً: انتشرت رَائِحَته خَاص فِي الطّيب. ورنا: من الرنوّ كدنو وَهُوَ إدامة النّظر بِسُكُون الطّرف كالرنا وَلَهو مَعَ شغل قلب وبصر وَغَلَبَة هوى والرّنا: مَا يرنى إِلَيْهِ لحسنه. كَذَا فِي الْقَامُوس. وَضمير بَدَت رَاجع إِلَى حبيبته فِي قَوْله قبل هَذَا:
(بجسمي من برته فَلَو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا)
أَي: أفدي بجسمي الحبيبة الَّتِي نحلته وبرته حَتَّى لَو جعلت قلادتي ثقب درّة لجال جسمي فِيهِ لدقّته.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي الطّيب المتنبي مدح بهَا بدر بن عمار بن إِسْمَاعِيل الْأَسدي.
وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الْبَيْت الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أنّ الدأب يعبر بِهِ عَن كل حدث لَازم: كالحسن وَالْجمال. أَو غير لَازم: كالضرب وَالْقَتْل وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف وَالْحَال. فَقَوله: كدأبك بِمَعْنى كتمتعك. فكنّى وَلم يصرّح.
أَقُول: جعل الدأب هُنَا كِنَايَة عَن التَّمَتُّع لَا وَجه لَهُ كَمَا يعلم قَرِيبا.
стр. 1158
وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة ومطلعها:
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بَين الدُّخُول فحومل)
(فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل)
(وقوفاً بهَا صحبي عليّ مطيّهم ... يَقُولُونَ: لَا تهْلك أسىً وتحمّل)
(وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معوّل)
(كدأبك من أم الْحُوَيْرِث قبلهَا ... وجارتها أمالرباب بمأسل)
والبيتان الْأَوَّلَانِ يَأْتِي شرحهما إِن شَاءَ الله ّ فِي أَوَاخِر الْكتاب فِي الْفَاء العاطفة.
وقوفاً بهَا صحبي الخ مُتَعَلق بقوله: قفا نبك فَكَأَنَّهُ قَالَ: قفا وقُوف صحبي بهَا على مطيّهم أَو قفا حَال وقُوف صحبي. وَقَوله: بهَا: مُتَأَخّر فِي الْمَعْنى يُرِيد: قفا نبك فِي حَال وقف أَصْحَابِي مطيّهم عليّ.
وَقَوله: وَإِن شفائي عِبْرَة الخ الْعبْرَة: الدمعة. والمهراقة: المصبوبة وَأَصلهَا مراقة من الإراقة وَالْهَاء زَائِدَة. ومعوّل: مَوضِع عويل أَي بكاءن اَوْ بِمَعْنى مَوضِع ينَال فِيهِ حَاجَة: يُقَال: عوّلت على فلَان أَي: اعتمدت عَلَيْهِ.
قَالَ الباقلاّني فِي معجز الْقُرْآن عِنْد الْكَلَام على معايب هَذِه القصيدة: هَذَا الْبَيْت مختلّ من جِهَة انه جعل الدمع فِي اعْتِقَاده شافياً كَافِيا فَمَا حَاجته بعد ذَلِك إِلَى طلب حِيلَة أُخْرَى عِنْد الرسوم وَلَو أَرَادَ أَن يحسن
стр. 1159
الْكَلَام لوَجَبَ أَن يدلّ على أَن الدمع لَا يشفيه لشدَّة مَا بِهِ من الْحزن ثمَّ يسائل هَل عِنْد الرّبع من حِيلَة أُخْرَى وَفِي هَذَا مَعَ قَوْله سَابِقًا لم يعف رسمها تنَاقض الكلامان وَلَيْسَ فِي هَذَا اقْتِصَار لِأَن معنى عَفا ودرس وَاحِد فَإِذا قَالَ: لم يعف رسمها ثمَّ قَالَ: قد عَفا فَهُوَ تنَاقض لَا محَالة. واعتذار أبي عُبَيْدَة أقرب لَو صحّ وَلَكِن لم يرد هَذَا القَوْل مورد الِاسْتِدْرَاك على مَا قَالَه زُهَيْر فَهُوَ إِلَى الْخلَل أقرب. انْتهى.)
وَقَوله: كدأبك من أمّ الخ قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شَرحه وَتَبعهُ الْخَطِيب التبريزي: الْكَاف تتَعَلَّق بقوله: قفا نبك كَأَنَّهُ قَالَ: قفا نبك كدأبك فِي الْبكاء فَهِيَ فِي مَوضِع مصدر. وَالْمعْنَى بكاء مثل عادتك. وَيجوز أَن تتَعَلَّق بقوله: وَإِن شفائي عِبْرَة وَالتَّقْدِير: كعادتك فِي أَن تشفى من أمّ الْحُوَيْرِث.
وَالْبَاء فِي قَوْله: بمأسل مُتَعَلقَة بدأبك كَأَنَّهُ قَالَ: كعادتك بمأسل. وَهُوَ جبل. وَزَاد الْخَطِيب: وَأم الْحُوَيْرِث هِيَ هرّ أم الْحَارِث بن حُصَيْن بن ضَمْضَم الكلبيّ وَأم الربَاب من كلب أَيْضا. يَقُول: لقِيت
стр. 1160
من وقوفك على هَذِه الديار وتذكرك أَهلهَا كَمَا لقِيت من أم الْحُوَيْرِث وجارتها. وَقيل: الْمَعْنى: كَأَنَّك أَصَابَك من التَّعَب وَالنّصب من هَذِه الْمَرْأَة كَمَا أَصَابَك من هَاتين الْمَرْأَتَيْنِ انْتهى.
وَقَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح أمالي القالي: أم الْحُوَيْرِث الَّتِي كَانَ يشبب بهَا فِي أشعاره هِيَ أُخْت الْحَارِث حُصَيْن بن ضَمْضَم من كلب وَهِي امْرَأَة حجر أبي امْرِئ الْقَيْس فَلذَلِك كَانَ أَبوهُ طرده ونفاه وهمّ بقتْله انْتهى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ الزوزني: يَقُول عادتك فِي حب هَذِه كعادتك فِي تينك أَي: قلَّة حظك من وصال هَذِه كمعاناتك الوجد بهما. وَقَوله: قبلهَا أَي: قبل هَذِه الَّتِي شغفت بهَا الْآن. والدأب: الْعَادة وأصلهما مُتَابعَة الْعَمَل والجدّ فِي السَّعْي انْتهى كَلَامه.
فَجعل الزوزني قَوْله: كدأبك خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَهَذَا أقرب من الْأَوَّلين. فَعلم مِمَّا ذكرنَا أَن الدأب كِنَايَة إِمَّا عَن الْبكاء وَإِمَّا عَن المعاناة وَالْمَشَقَّة. والتمتع لَا مساس لَهُ هَا هُنَا فَتَأمل.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وانشد بعده وَهُوَ ...
стр. 1161
(وَلَقَد نزلتفلا تظني غَيره مني بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم)
على أَن مَعْنَاهُ نزلت قريبَة مني قرب الْمُحب المكرم. وَإِنَّمَا عدّي بِمن لكَون معنى بِمَنْزِلَة فلَان: قَرِيبا قربه أَو بَعيدا بعده.
وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة عنترة العبسيّ. قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شَرحه وَتَبعهُ الْخَطِيب التبريزي الْبَاء فِي قَوْله: بِمَنْزِلَة مُتَعَلقَة بمصدر مَحْذُوف لِأَنَّهُ لما قَالَ: نزلت دلّ على النُّزُول.
وَقَوله: بِمَنْزِلَة فِي مَوضِع نصب أَي: وَلَقَد نزلت مني منزلَة مثل منزلَة الْمُحب. وَقَالَ الزوزني: يَقُول: وَلَقَد نزلت من قلبِي منزلَة من يحب وَيكرم.)
وَالتَّاء فِي نزلت مَكْسُورَة لِأَنَّهُ خطاب مَعَ مجبوبته عبلة الْمَذْكُورَة فِي بَيت قبل هَذَا. وَقَوله: فَلَا تظني غَيره مفعول ظن الثَّانِي مَحْذُوف اختصاراً لَا اقتصاراً أَي: فَلَا تظني غَيره وَاقعا أَو حَقًا أَي: غير نزولك مني منزلَة الْمُحب.
وَبِه اسْتشْهد شرّاح الألفية وَغَيرهم بِهَذَا الْبَيْت. والمحبّ: اسْم مفعول جَاءَ على أحبّ وأحببت وَهُوَ على الأَصْل وَالْكثير فِي كَلَام الْعَرَب مَحْبُوب.
قَالَ الْكسَائي: مَحْبُوب من حببت وَكَأَنَّهَا لُغَة قد مَاتَت. أَي: تركت. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تحبّ بِفَتْح التَّاء وَلَا أعرفهُ فِي غير التَّاء وَلَا أعرف حببت. وَحكى أَبُو زيد أَنه يُقَال: حببت أحبّ وَأَنت تحب وَنحن نحب. والمكرم: اسْم مفعول أَيْضا وَالْوَاو
стр. 1162
فِي وَلَقَد عاطفة. وَجُمْلَة لقد نزلت الخ جَوَاب اسْم مفعول أَيْضا وَالْوَاو فِي وَلَقَد عاطفة. وَجُمْلَة لقد نزلت الخ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَوَاللَّه لقد نزلت كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلَقَد صدقكُم الله وعده.
وَقَوله: فَلَا تظني غَيره جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمَجْرُور ومتعلّقه فَإِن مني متعلّق بنزلت. وَلَقَد خبط هُنَا خبطاً فَاحِشا شَارِح شَوَاهِد الألفية فِي قَوْله: الْوَاو للقسم وَجَوَاب الْقسم قَوْله: فَلَا تظني غَيره ثمَّ قَالَ: قَوْله فَلَا تظني نهي معترض بَين الجارّ وَالْمَجْرُور ومتعلّقه وَالْبَاء فِي بِمَنْزِلَة بِمَعْنى فِي أَي: نزلت مني فِي منزلَة الشَّيْء المحبوب المكرم. هَذَا كَلَامه وَلَا يَقع فِي مثله أصاغر الطّلبَة.
وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من اوائل الْكتاب وَأنْشد بعد وَهُوَ
الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْمِائَتَيْنِ خرجت مَعَ البازيّ عليّ سَواد هَذَا عجز وصدره: إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتها
على أَن الْجُمْلَة الاسمية الحالية إِذا لم يكن مبتدؤها ضمير صَاحب الْحَال فَإِن كَانَ الضَّمِير فِيمَا صدّر بِهِ الْجُمْلَة فَلَا يحكم بضعفه مجرّداً عَن الْوَاو كجملة عليّ سَواد فَإِنَّهَا جال من التَّاء فِي خرجت.
فِي الْمِصْبَاح: أنكرته إنكاراً: خلاف عَرفته ونكرته مثل تعبت كَذَلِك غير أَنه لَا يتَصَرَّف. أَي: إِذا لم يعرف قدري أهل بَلْدَة
стр. 1163
أَو لم أعرفهم خرجت مِنْهُم مبتكراً مصاحباً للبازي الَّذِي هُوَ أبكر الطُّيُور فِي حَال اشتمالي على شَيْء من سَواد اللَّيْل. والبازيّ على وزن القَاضِي فِي الأَصْل: صفة من بزا يبزو: إِذا غلب. ويعرب إِعْرَاب المنقوص. وَالْجمع بزاة.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لبشار بن برد مدح بهَا خَالِدا الْبَرْمَكِي وَكَانَ قد وَفد عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِس فأنشده:
(أخالد لم أهبط إِلَيْك بذمّة ... سوى أنني عاف وَأَنت جواد)
(أخالد إِن الْأجر وَالْحَمْد حَاجَتي ... فَأَيّهمَا تَأتي فَأَنت عماد)
(فَإِن تعطني أفرغ عَلَيْك مدائحي ... وَإِن تأب لم تضرب عليّ سداد)
(ركابي على حرف وقلبي مشيّع ... وَمَا لي بِأَرْض الباخلين بِلَاد)
(إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتها ... خرجت مَعَ البازيّ عليّ سَواد)
يُقَال: هَبَط من مَوضِع إِلَى مَوضِع: إِذا انْتقل إِلَيْهِ والهبوط الحدور كرسول فيهمَا. والذمّة هُنَا الْعَهْد وَالْحُرْمَة. والعافيّ: من عفوته: إِذا أَتَيْته طَالبا لمعروفه وَجمعه العفاة وهم طلاب الْمَعْرُوف. وَهَذَا مثل قَول دعبل لما وَقد على عبد الله بن طَاهِر:
(جئْتُك مستشفعاً بِلَا سَبَب ... إِلَيْك إِلَّا لحُرْمَة الْأَدَب)
(فَاقْض ذمامي فإنني رجل ... غير ملحّ عَلَيْك فِي الطّلب)
فَبعث إِلَيْهِ عبد الله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبهذين الْبَيْتَيْنِ:
стр. 1164
(أعجلتنا فأتاك عَاجل برّنا ... وَلَو انتظرت كَثِيره لم نقلل))
(فَخذ الْقَلِيل وَكن كَأَنَّك لم تسل ... ونكون نَحن كأننا لم نَفْعل)
وَقد تداول هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كثير من الكرماء فيظن النَّاس أَنَّهُمَا لمن تداولهما.
والحرف: النَّاقة القويّة. والمشيع على وزن الْمَفْعُول: الشجاع كَأَن لَهُ شيعَة أَي: أتباعاً وأنصاراً.
روى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن بشاراً لما أنْشد هَذِه الأبيات دَعَا خَالِد بأَرْبعَة أكياس فَوضع وَاحِدًا عَن يَمِينه وَآخر عَن شِمَاله وَآخر بَين يَدَيْهِ وَآخر من وَرَائه وَقَالَ: يَا أَبَا معَاذ هَل اسْتَقل الْعِمَاد فلمس الأكياس ثمَّ قَالَ: اسْتَقل وَالله أَيهَا الْأَمِير وبشار بن برد أَصله من طخارستان من سبي المهلّب بن أبي صفرَة وَهِي نَاحيَة كَبِيرَة مُشْتَمِلَة على بلدان على نهر جيحون مِمَّا وَرَاء النَّهر وكنيته أَبُو معَاذ ولقبه المرعّث وَهُوَ الَّذِي فِي أُذُنه رعاث وَجمع رعثة وَهِي القرطة لقّب بِهِ لِأَنَّهَا كَانَت فِي صغره معلّقة فِي أُذُنه.
وَهُوَ عقيليّ بِالْوَلَاءِ نِسْبَة إِلَى عقيل بن كَعْب بِالتَّصْغِيرِ وَهِي قَبيلَة. وَقيل: إِنَّه ولد على الرقّ أَيْضا وأعتقته امْرَأَة عقيليّة. وَولد أكمه جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أَحْمَر. وَكَانَ ضخماً عَظِيم الْخلق وَالْوَجْه مجدّراً. وَهُوَ فِي أول مرتبَة المحدّثين من الشُّعَرَاء المجيدين. وَقد نَشأ بِالْبَصْرَةِ ثمَّ قدم بَغْدَاد ومدح المهديّ بن الْمَنْصُور العباسيّ وَرمي عِنْده بالزندقة: رُوِيَ
стр. 1165
أَنه كَانَ يفضل النَّار على الأَرْض ويصوّب رَأْي إِبْلِيس فِي امْتِنَاعه من السُّجُود لآدَم ﵇ وَنسب إِلَيْهِ قَوْله:
(الأَرْض مظْلمَة وَالنَّار مشرقة ... وَالنَّار معبودة مذ كَانَت النَّار)
فَأمر الْمهْدي بضربه فَضرب سبعين سَوْطًا فَمَاتَ من ذَلِك وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد نيّف على تسعين سنة. وَمن شعره:
(ياقوم أُذُنِي لبَعض الحيّ عاشقة ... وَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا)
(قَالُوا: بِمن لَا ترى تهذي فَقلت لَهُم: ... الْأذن كَالْعَيْنِ توفّي الْقلب مَا كَانَا)
وَمن هجائه للمهديّ قَوْله:
(أبدلنا الله بِهِ غَيره ... ودسّ مُوسَى فِي حر الخيزران)
وَبَينه وَبَين حَمَّاد عجرد أهاج فَاحِشَة وَمن هجوه فِيهِ:
(نعم الْفَتى لَو كَانَ يعبد ربه ... وَيُقِيم وَقت صلَاته حمّاد))
(وابيضّ من شرب المدامة وَجهه ... وبياضه يَوْم الْحساب سَواد)
وَقتل حَمَّاد عجرد على الزندقة أَيْضا فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة. وَدفن بشار على حمّاد عجرد فِي قبر وَاحِد فَكتب أَبُو هِشَام الباهليّ على قبرهما: ...
стр. 1166
(قد تبع الْأَعْمَى قفا عجرد ... فأصبحا جارين فِي دَار)
(صَارا جَمِيعًا فِي يَدي مَالك ... فِي النَّار وَالْكَافِر فِي النَّار)
(قَالَت جَمِيع الأَرْض لَا مرْحَبًا ... بِقرب حمّاد وبشار)
وترجمته فِي الأغاني طَوِيلَة.
وَأما خَالِد فَهُوَ خَالِد بن برمك الْبَرْمَكِي. وَكَانَ برمك من مجوس بَلخ وَكَانَ يخْدم النوبهار وَهُوَ معبد للمجوس بِمَدِينَة بلختوقد فِيهِ النيرَان. وَكَانَ برمك عَظِيم الْمِقْدَار وساد ابْنه خَالِد ووزر لأبي الْعَبَّاس عبد الله السفاح العباسيّ. وَهُوَ أول من وزر من آل برمك. وَلم يزر وزيراً إِلَى أَن توفّي السفاح ثمَّ وزر لِأَخِيهِ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور إِلَى أَن توفّي فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة.
وَيحيى الْبَرْمَكِي هُوَ أَبُو جَعْفَر وَالْفضل قَالَ المَسْعُودِيّ: لم يبلغ مبلغ خَالِد بن برمك أحد من وَلَده: فِي جوده ورأيه ورياسته وَعلمه وَجَمِيع خلاله لَا يحيي فِي رَأْيه ووفور عقله وَلَا الْفضل بن يحيى فِي جوده ونزاهته وَلَا جَعْفَر بن يحيى فِي كِتَابَته وفصاحة لِسَانه وَلَا مُحَمَّد ابْن يحيى فِي سروه وَبعد همّته وَلَا مُوسَى بن يحيى فِي شجاعته ورياسته.
стр. 1167
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ نصف النَّهَار المَاء غامره هَذَا صدر وعجزه: ورفيقه بِالْغَيْبِ مَا يدْرِي
على أَن ضمير صَاحب الْحَال إِذا كَانَ فِي آخر الْجُمْلَة الحالية فَلَا شكّ فِي ضعفه وقلّته: فَإِن المَاء مُبْتَدأ وغامره خبرهن وَالْجُمْلَة حالمن ضمير نصف الْعَائِد إِلَى الغائص وَالضَّمِير الَّذِي ربط جملَة الْحَال بصاحبها فِي آخرهَا. وَهَذَا على رِوَايَة نصب النَّهَار على أَنه مفعول بِهِ قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: نصفت الشَّيْء نصفا من بَاب قتل: بلغت نصفه وَأما على رِوَايَة رَفعه فالجملة حَال مِنْهُ وَلَا رابط فتقدّر الْوَاو. وَعَلَيْهَا كَلَام صَاحب الْمُغنِي قَالَ: وَقد تَخْلُو الْجُمْلَة الحالية من الْوَاو وَالضَّمِير فيقدّر الضَّمِير فِي نَحْو: مَرَرْت بالبرّ قفيز بدرهم أَو الْوَاو كَقَوْلِه يصف غائصاً لطلب اللُّؤْلُؤ انتصف النَّهَار وَهُوَ غائص وَصَاحبه لَا يدْرِي مَا حَاله: نصف النَّهَار المَاء غامره فَنصف على هَذَا أَيْضا من بَاب قتل قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: إِن بلغ الشَّيْء نصف نَفسه فَفِيهِ لُغَات: نصف ينصف من بَاب قتل يقتل وأنصف بِالْألف وتنصّف وانتصف النَّهَار: بلغت الشَّمْس وسط السَّمَاء وَهُوَ وَقت الزَّوَال.
стр. 1168
وَقد أثبت هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف وَالسَّيِّد الجرجانيّ فِي شرح الْمِفْتَاح.
أما العسكري فه اكَلَامه: قَالَ الرياشي: الَّذِي يروي نصف النَّهَار بِالرَّفْع يُرِيد معنى الْوَاو أَي: انتصف النَّهَار وَالْمَاء غامره وَهُوَ تَحت المَاء يَعْنِي الغوّاص وشريكه بِالْغَيْبِ أَي: بِحَيْثُ يغيب عَنهُ وَلَا يدْرِي مَا حَاله وَإِنَّمَا يغوص بِحَبل مَعَه طرفه وطرفه الآخر مَعَ صَاحبه. قَالَ الرياشيّ: الْحَال إِذا لم يرجع إِلَى الأول مِنْهَا شَيْء فَهُوَ قَبِيح فِي الْعَرَبيَّة. قَالَ: وَإِذا صيّرته ظرفا فَهُوَ جيد فِي الْعَرَبيَّة. وَقَالَ المازنيّ: الْجيد نصب النَّهَار على الظّرْف انْتهى.
وَكَون النصب على الظّرْف تجوّز فِي الْكَلَام وَالصَّوَاب على المفعولية.
وَأما السَّيِّد فقد قَالَ: النَّهَار مَنْصُوب من نصفت الشَّيْء: بلغت نصفه. وَالْمرَاد طول مكثه تَحت المَاء. وَفِي الصِّحَاح بِرَفْع النَّهَار من نصف الشَّيْء: بِمَعْنى انتصف. فالجملة الحالية حِينَئِذٍ خَالِيَة عَن الضَّمِير أَيْضا فَاحْتَاجَ إِلَى أَن قدّر الْوَاو محذوفة أَي: وَالْمَاء غامره أَي: ساتره)
انْتهى.
فَعلم من هَذَا أَن من قَالَ بِوُجُود الضَّمِير فِي هَذِه الْجُمْلَة جعل صَاحب الْحَال ضمير الغواص الْمُسْتَتر فِي نصف الناصب النَّهَار. وان من قَالَ بِعَدَمِ الضَّمِير جعل الْجُمْلَة حَالا من النَّهَار الْمَرْفُوع بِنصْف وقدّر الْوَاو للربط وَأما الضَّمِير الْمَوْجُود فَغير رابط لِأَنَّهُ لَيْسَ عَائِدًا على صَاحب الْحَال وَهُوَ النَّهَار بل هُوَ عَائِد على الغوّاص.
وَالْعجب من كَلَام ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ جعل الْجُمْلَة حَالا من النَّهَار الْمَرْفُوع وَقَالَ: الرابط الضَّمِير وه الَا يَصح فَإِن الضَّمِير لَيْسَ للنهار.
стр. 1169
وَهَذِه عِبَارَته: وَلَو حذفت الضَّمِير من جملَة الْحَال الْمُبْتَدَأ بِهِ واكتفيت بِالْوَاو جَازَ نَحْو: جَاءَ زيد وَعَمْرو حَاضر. وَلَو حذفت الْوَاو اكْتِفَاء بالضمير فَقلت: خرج أَخُوك يَده على وَجهه جَازَ كَقَوْلِه: نصف النَّهَار المَاء غامره وأعجب مِنْهُ قَول ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب فِي جعله الْجُمْلَة حَالا وَصَاحب الْحَال غير مَذْكُور فِي هَذَا الْبَيْت بل هُوَ فِي بَيت قبل هَذَا بِأَبْيَات. وَهَذَا كَلَامه: جملَة المَاء غامره حَال وَكَذَلِكَ الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَالْمَاء غامره فَيَأْتِي بواو الْحَال وَلكنه اكْتفى بالضمير مِنْهَا. وَلَو لم يكن فِي الجملتين عَائِد إِلَى صَاحب الْحَال لم يجز حذف الْوَاو.
وَأما صَاحب هَاتين الْحَالين فَلَيْسَ بمذكور فِي الْبَيْت وَلكنه مَذْكُور فِي الْبَيْت الَّذِي قبله وَهُوَ:
(كجمانة البحريّ جَاءَ بهَا ... غوّاصها من لجّة الْبَحْر. انْتهى)
وَأغْرب من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ صَنِيع ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة فَإِنَّهُ حكم على هَذِه الْجُمْلَة بِأَنَّهُ لَا رابط مَعهَا. ثمَّ نقض كَلَامه بِجعْل الضَّمِير رابطاً للْحَال بصاحبها الْمَحْذُوف. وَهَذَا مَا سطّره: إِذا وَقعت الْجُمْلَة الاسمية بعد وَاو الْحَال كنت فِي تضمينها ضمير صَاحب الْحَال وَترك تضمينها إِيَّاه مُخَيّرا فَالْأول نَحْو جَاءَ زيد وَتَحْته فرس وَالثَّانِي جَاءَ زيد وَعَمْرو يقْرَأ. فَأَما إِذا لم يكن وَاو فَلَا بدّ من الضَّمِير نَحْو أقبل مُحَمَّد على رَأسه قلنسوة. وَإِذا فقدت جملَة الْحَال هَاتين الْحَالين انْقَطَعت مِمَّا قبلهَا وَلم يكن هُنَاكَ مَا يرْبط الآخر بِالْأولِ وعَلى هَذَا قَول الشَّاعِر: نصف النَّهَار المَاء غامره
стр. 1170
يصف غائصاً غاص فِي المَاء من أول النَّهَار وَهَذِه حَاله. فالهاء من غامره ربطت الْجُمْلَة بِمَا قبلهَا حَتَّى جرت حَالا على مَا فِيهَا فكأنك قلت: انتصف النَّهَار على الغائص غامراً لَهُ اماء)
كَمَا انك إِذا قلت: جَاءَ زيد وَوَجهه حسن فكانك قلت: جَاءَ زيد حسنا وَجهه. هَذَا كَلَامه وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون مدح بهَا قيس بن معد يكرب الْكِنْدِيّ. وَقد أَجَاد فِي التغزل بمحبوبته فِي أَولهَا إِلَى أَن شبهها بِالدرةِ ثمَّ وصف تِلْكَ الدرة كَيفَ استخرجت من الْبَحْر فَقَالَ:
(كجمانة البحري جَاءَ بهَا ... غوّاصها من لجّة الْبَحْر)
(صلب الْفُؤَاد رَئِيس أَرْبَعَة ... متخالفي الألوان والنجر)
(فتنازعوا حَتَّى إِذا اجْتَمعُوا ... ألقوا إِلَيْهِ مقالد الْأَمر)
(وعلت بهم سجحاء خادة ... تهوي بهم فِي لجة الْبَحْر)
(حَتَّى إِذا مَا سَاءَ ظنهم ... وَمضى بهم شهر إِلَى شهر)
(ألْقى مراسيه بتهلكة ... ثبتَتْ مراسيها فَمَا تجْرِي)
(فانصب أَسْقُف رَأسه لبد ... نزعت رباعيتاه للصبر)
(أشفى يمجّ الزَّيْت ملتمس ... ظمآن ملتهب من الْفقر)
(قتلت أَبَاهُ فَقَالَ: أتبعه ... أَو أستفيد رغيبة الدَّهْر)
(نصف النَّهَار المَاء غامره ... وشريكه بِالْغَيْبِ مَا يدْرِي)
...
стр. 1171
(فَأصَاب منيته فجَاء بهَا ... صدفيّة كمضيئة الْجَمْر)
(وَترى الصواري يَسْجُدُونَ لَهَا ... ويضمّها بيدَيْهِ للتجر)
(فلتلك شبه الْمَالِكِيَّة إِذْ ... طلعت ببهجتها من الخدر)
الجمانة بِضَم الْجِيم: حَبَّة تعْمل من فضَّة كالدرة وَجَمعهَا جمان. أَي: هِيَ كجمانة البحريّ.
وصلب الْفُؤَاد بِالضَّمِّ أَي: قويّ الْفُؤَاد وشديده هُوَ صفة لغوذاص. وَرَئِيس أَرْبَعَة بِالنّصب حَال مِنْهُ وَقَوله: متخالفي الألوان: صفة أَرْبَعَة وَالْإِضَافَة لفظية. والنجر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم: الأَصْل. أَي: أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أصلهم مُخْتَلف وَكَذَلِكَ ألوانهم مُخْتَلفَة. والسجحاء بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة: الطَّوِيلَة الظّهْر وَأَرَادَ بهَا السَّفِينَة. والمراسي: جمع مرساة بِالْكَسْرِ وَهِي آلَة ترسى بهَا السَّفِينَة.
وَقَوله: فانصب أَسْقُف الخ. أَي: رمى بِنَفسِهِ فِي الْبَحْر وغاص لإِخْرَاج الدّرّ. والأسقف بِفَتْح الْألف وَالْقَاف من السّقف بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ طول فِي انحناء. ولبد بِكَسْر الْبَاء أَي: متلبد.)
وأشفى فعل مَاض يُقَال: أشفى على الشَّيْء: اي: أشرف عَلَيْهِ. ويمج: يقذف من فِيهِ كَمَا هُوَ عَادَة الغائص. وفاعلهما ضمير أَسْقُف. وملتمس وَمَا بعده من الوصفين نعوت لأسقف.
وَقَوله: قتلت أَبَاهُ الخ أَي: أنّ أَبَاهُ هلك فِي حبّ هَذِه الدرة أَو فِي تَحْصِيلهَا
فَقَالَ
стр. 1172
هَذَا الغائص: أتبع أبي فِي الْهَلَاك أَو أستفيد مَالا كثيرا. والرغيبة: الْعَطاء الْكثير.
وَقَوله: نصف النَّهَار. . الخ رُوِيَ ورفيقه بدل وشريكه. ومنيته هِيَ مَا يتمناه. وصدفيّة: حَال من الضَّمِير الْمَجْرُور بِالْبَاء. وَيُعْطى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. ويمنعها أَي: وَيمْنَع الدرة من البيع.
وَقَوله: أَلا تشري: أَي: أَلا تبيعها. والصواري: جمع صَار وَهُوَ الملاّح والبحريّ. وَرُوِيَ الشواري بدله وَهُوَ جمع شار بِمَعْنى المُشْتَرِي. وسجودهم لَهَا لعزتها ونفاستها. والتجر: مصدر تجر تجراً وتجارة من بَاب نصر.
وَمن أَبْيَات المديح:
(أَنْت الرئيس إِذا هم نزلُوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر)
(أَو فَارس اليحموم يتبعهُم ... كالطلق يتبع لَيْلَة البهر)
(ولأنت أَجود بالعطاء من الرّ ... يّان لمّا ضنّ بالقطر)
(ولأنت أَحْيَا من مخبّأة ... عذراء تقطن جَانب الْكسر)
(ولأنت أبين حِين تنطق من ... لُقْمَان لمّا عيّ بِالْأَمر)
(لَو كنت من شَيْء سوى بشر ... كنت المنوّر لَيْلَة الْبَدْر)
فَارس اليحموم هُوَ ملك الْعَرَب النعمانبن الْمُنْذر. واليحموم: اسْم فرسه.
стр. 1173
والطلق بِالْفَتْح اللَّيْلَة الَّتِي لَا حرّ فِيهَا وَلَا برد. وَلَيْلَة البهر: لَيْلَة الْبَدْر حِين يبهر النُّجُوم أَي: يغلبها بنوره.
وَقيس بن معد يكرب الكنديّ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ الْأَشَج لِأَنَّهُ شجّ فِي بعَ أيامهم. وَله عدَّة أَوْلَاد أكبرهم حجيّة وَبِه كني زَمَانا ثمَّ كني بولده الْأَشْعَث واسْمه معد يكرب وسمّي الْأَشْعَث لِأَنَّهُ كَانَ أبدا أَشْعَث الرَّأْس وَقد أسام وَولده لَهُ النُّعْمَان بن الْأَشْعَث وَقد بشّر بِهِ وَهُوَ عِنْد رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: وَالله لجفنة من ثريد أطعمها قومِي أحبّ إِلَيّ مِنْهُ وَهلك صَغِيرا. وللأشعث عدَّة أَوْلَاد أَيْضا مِنْهُم قيس بن الْأَشْعَث وَأخذ قطيفة الْحُسَيْن ﵁ يَوْم قتل فَكَانَ يُقَال لَهُ: قيس قطيفة.
ولقيس بن معد يكرب بنت اسْمهَا قتيلة تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ َ فَتوفي قبل أَن)
تصل إِلَيْهِ. وَابْنه سيف بن قيس وَفد على النَّبِي ﷺ َ فَأمره أَن يُؤذن لَهُم فَأذن حَتَّى مَاتَ. كَذَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الكلبيّ.
وأعشى مَيْمُون صَاحب الشّعْر تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَقد نقلت شعره هَذَا من ديوانه. وَقد رَوَاهَا أَبُو عُبَيْدَة
стр. 1174
وَابْن دُرَيْد وَغَيرهمَا. وَأما الْأَصْمَعِي فقد أثبتها للمسيب بن علس الجماعيّ وَهُوَ خَال الْأَعْشَى مَيْمُون الْمَذْكُور. . وَهُوَ أحد الشُّعَرَاء الثَّلَاثَة المقلي الَّذين فضلوا فِي الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: كَانَ الْأَعْشَى راوية المسيّب بن علس وَالْمُسَيب خَاله وَكَانَ يطرد وَالْمُسَيب: اسْم فَاعل لقّب بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يرْعَى إبل أَبِيه فسيّبها فَقَالَ لَهُ
أَبوهُ: أَحَق أسمائك الْمسيب. فغلب عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق: إِن اسْمه زُهَيْر وَإنَّهُ لقّب بالمسيب لقَوْله:
(فَإِن سركم ألاّ تؤوب لقاحكم ... غزاراً فَقولُوا للمسّب يلْحق)
وَهُوَ جاهلي وَلم يدْرك الْإِسْلَام. وَنسبه فِي الجمهرة كَذَا: الْمسيب بن علس بن مَالك بن عمروبن قمامة بن زيد بن ثَعْلَبَة بن عديّ بن مَالك بن جشم بن بِلَال بن جمَاعَة بن جليّ بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار بن مُضر وعلس بِفَتْح الْعين وَاللَّام مَنْقُول من اسْم القراد. وقمامة بِضَم الْقَاف وَجَمَاعَة بِضَم الْجِيم وروى ابْن السكّيت خماعة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة
стр. 1175
المضمومة. وجليّ بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة. وأحمس أفعل من الحماسة. وضبيعة بِالتَّصْغِيرِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الثَّالِث بعد الْمِائَتَيْنِ
(فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها فِي صرة لم تزيّل)
على أَن قَوْله: ودونه جواحرها جملَة حَالية لَا الظّرْف وَحده حَال وَالْمَرْفُوع بعده فَاعله خلافًا لمن زَعمه فِي نَحْو: جَاءَنِي عَلَيْهِ جُبَّة وشي لِأَنَّهُ لَو كَانَ من الْحَال المفردة لامتنعت الْوَاو فَإِنَّهَا لَا تكون مَعَ الْحَال المفردة فَلَمَّا ذكرت فِي بعض الْمَوَاضِع عرف أَن الْجُمْلَة حَال لَا الظّرْف وَحده. .
وَصَاحب الْحَال الْهَاء فِي قَوْله: فألحقه وَهِي ضمير الْمَفْعُول. وفاعل ألحقهُ ضمير مستتر رَاجع إِلَى الْغُلَام فِي بَيت قبله. وَالْهَاء ضمير الْكُمَيْت. أَي: فَألْحق الْغُلَام الْكُمَيْت بالهاديات وَيجوز الْعَكْس فَيكون فَاعل ألحق ضمير الْكُمَيْت وَالْهَاء ضمير الْغُلَام أَي:
فَألْحق الْغُلَام بالهاديات.
وَأَرَادَ بالهاديات أَوَائِل الْوَحْش ومتقدماتها يُقَال: أَقبلت هوادي الْخَيل: إِذا تقدّمت أوائلها جمع هادية وَالْهَادِي: أول كل شَيْء. وَضمير دونه يعود على مَا عَاد عَلَيْهِ الْهَاء. وجواحرها أَي: متأخراتها وَالْهَاء ضمير الهاديات وَهُوَ جمع جاحرة بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: جُحر فلَان أَي: تَأَخّر. وجواحرها مُبْتَدأ. ودونه الْخَبَر تقدم عَلَيْهِ وَالْجُمْلَة حَال كَمَا تقدم أَي: وَدون مَكَانَهُ أَو وَدون غَايَته الَّتِي وصل إِلَيْهَا أَو دون بِمَعْنى عِنْد وَقيل: دون هُنَا بِمَعْنى أقرب. ورده الزوزني بِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون
стр. 1176
دون بِمَعْنى أقرب مِنْهُ إِذْ أُتِي باسمين نَحْو هَذَا دون ذَاك.
والصرة بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ يجوز أَن يكون هُنَا إِمَّا بِمَعْنى الضجة والصيحة وَإِمَّا بِمَعْنى الْجَمَاعَة وَإِمَّا بِمَعْنى الشدَّة من كرب أَو غَيره وَقيل الصرة هُنَا الْغُبَار فَقَوله: فِي صرة فِي بعض الْوُجُوه حَال من الهاديات وَفِي بَعْضهَا حَال من جواحرها كَذَا قَالَ الزوزني. وَيجوز أَن يتَعَلَّق الْجَار فِي جواحرها. وَجُمْلَة لم تزيل صفة صرة وَأَصله تتزيل بتاءين أَي: لم تتفرق.
وصف بِهَذَا الْبَيْت شدَّة عَدو فرسه يَقُول: إِن هَذَا الْفرس لما لحق أَوَائِل الْوَحْش بقيت أواخرها لم تتفرق فَهِيَ خَالِصَة لَهُ.
وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات فِي وصف الْفرس من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة والأبيات هَذِه:
(وَقد أغتدي وَالطير فِي وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل)
(مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا ... كجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من عل)
(كميت يزلّ اللبد عَن حَال مَتنه ... كَمَا زلّت الصفواء بالمتنزّل))
(على الذبل جيّاش كَأَن اهتزامه ... إِذا جاش فِيهِ حميه غلي مارجل)
(يزلّ الْغُلَام الخفّ عَن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقّل)
(درير كخذروف الْوَلِيد أمرّه ... تتَابع كفّيه بخيط موصّل)
(لَهُ أيطلاً ظَبْي وساقا نعَامَة ... وإرخاء سرحان وتقريب تَتْفُل)
стр. 1177
.
(مسحّ إِذا مَا السابحات على الونا ... أثرن غباراً بالكديد المركّل)
(ضليع إِذا استدبرته سدّ فرجه ... بضاف فويق الأَرْض لَيْسَ بأعزل)
(كأنّ سراته لَدَى الْبَيْت قَائِما ... مداك عروس أَو صلابة حنظل)
(فعنّ لنا سرب كأنّ نعاجه ... عذارى دوار فِي ملاء مذيّل)
(فأدبرن كالجزع المفصّل بَينه ... بجيد معمّ فِي الْعَشِيرَة مخول)
(فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها فِي صرّة لم تزيّل)
(فعادى عداء بَين ثَوْر ونعجة ... دراكاً وَلم ينضح بِمَاء فَيغسل)
(فظلّ طهاة اللَّحْم مَا بَين منضج ... صفيف شواء أَو قدير معجّل)
(فرحنا يكَاد الطّرف يقصر دونه ... مَتى مَا ترقّ الْعين فِيهِ تسّهل)
(فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه ولجامه ... وَبَات بعيني قَائِما يغر مُرْسل)
قَوْله: وَقد أغتدي الخ تقدم شَرحه قَرِيبا. وَقَوله: مكرّ مفرّ الخ بِكَسْر أَولهمَا وَفتح ثَانِيهمَا وهما بِالْجَرِّ صفتان لقَوْله منجرد وَكَذَلِكَ مقبل ومدبر صفتان لَهُ لكنهما اسْما فَاعل بِضَم أَولهمَا.
قَالَ صَاحب الْقَامُوس: كرّ عَلَيْهِ: عطف وَعنهُ: رَجَعَ فَهُوَ كرّار ومكرّ بِكَسْر الْمِيم. وَقَالَ
стр. 1178
الزوزني: مفعل يتَضَمَّن مُبَالغَة كَقَوْلِهِم: فلَان مسعر حَرْب. وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ متضمناً مُبَالغَة لِأَن مفعلاً يكون من أَسمَاء الأدوات كَأَنَّهُ أَدَاة للكرّ والفرّ
وَآلَة لتسعّر الْحَرْب والجلمود بِالضَّمِّ: الصَّخْرَة الملساء. وعل: بِمَعْنى فَوق وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَصَاحب مُغنِي اللبيب على أَنه بِمَعْنَاهُ وَأَن قَالَ ابْن رَشِيق فِي بَاب الاتساع من الْعُمْدَة: إِن الشَّاعِر يَقُول بَيْتا يَتَّسِع فِيهِ التَّأْوِيل فَيَأْتِي كل وَاحِد بِمَعْنى وَإِنَّمَا يَقع ذَلِك لاحْتِمَال اللَّفْظ وقوته واتساع الْمَعْنى من ذَلِك قَول امْرِئ الْقَيْس: مكرّ مفرّ مقبل مُدبر مَعًا فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه يصلح للكرّ والفرّ وَيحسن مُقبلا ومدبراً. ثمَّ قَالَ: مَعًا أَي: جَمِيع ذَلِك فِيهِ.)
وشبّهه فِي سرعته وشدّة جريه بجلمود حطّه السَّيْل من أَعلَى الْجَبَل وَإِذا انحط من عل كَانَ شَدِيد السرعة فَكيف إِذا أعانته قُوَّة السَّيْل من وَرَائه وَذهب قوم مِنْهُم عبد الْكَرِيم إِلَى أَن معنى قَوْله: كجلمود صَخْر الخ إِنَّمَا هُوَ الصلابة لِأَن الصخر عِنْدهم كلما كَانَ أظهر للشمس وَالرِّيح كَانَ أَصْلَب.
وَقَالَ بعض من فسّره من الْمُحدثين: غنما أَرَادَ الإفراط: فرزعم أَنه يرى مُقبلا مُدبرا فِي حَال وَاحِدَة عِنْد الْكر والفر لشدّة سرعته وَاعْترض على نَفسه فاحتج بِمَا يُوجد عيَانًا فمثّله بالجلمود المنحدر من قنّة الْجَبَل: فَإنَّك ترى ظَهره فِي النّصبة على الْحَال الَّتِي ترى فِيهَا بَطْنه وَهُوَ مقبل إِلَيْك. . ولعلّ هَذَا مَا مرّ قطّ ببال امْرِئ الْقَيْس وَلَا خطر فِي وهمه وَلَا وَقع فِي خلده وَلَا روعه انْتهى.
وَحَاصِل هَذَا وَصفه بلين الرَّأْس وَسُرْعَة الانحراف فِي صدر الْبَيْت
стр. 1179
وَشدَّة الْعَدو لكَونه قَالَ فِي صدر الْبَيْت: إِنَّه حسن الصُّورَة كَامِل النصبة فِي حالتي إقباله وإدباره وكرّه وفرّه ثمَّ شبّهه فِي عجز الْبَيْت بجلمود صَخْر حطّه السَّيْل من الْعُلُوّ لشدَّة الْعَدو فَهُوَ فِي الْحَالة الَّتِي ترى يها لببه ترى فِيهَا كفله. وَبِالْعَكْسِ.
وَقَوله: كميت يزلّ اللبد الخ الْكُمَيْت: الَّذِي عرفه وذنبه أسودان وَهُوَ مجرور صفة منجرد.
وَالْحَال: مقْعد الْفَارِس من ظهر الْفرس. والمتن:
مَا اتَّصل بِالظّهْرِ من الْعَجز. والصفواء: الصَّخْرَة الملساء الَّتِي لَا يثبت فِيهَا شَيْء. والمتنزل اسْم فَاعل: الطَّائِر الَّذِي يتنزّل على الصَّخْرَة وَقيل: هُوَ السَّيْل لِأَنَّهُ يتنزل الْأَشْيَاء وَقيل: هُوَ الْمَطَر. وَالْبَاء للتعدية. يَقُول: هَذَا الْكُمَيْت يزلّ لبده عَن حَال مَتنه لانملاس ظَهره واكتناز لَحْمه وهما يحمدان من الْفرس كَمَا يزلّ الْحجر الأملس النَّازِل عَلَيْهِ فَلَا يثبت عَلَيْهِ شَيْء.
وَقَوله: على الذب جيّاش الخ الذبل: الضمور. والجيّاش: الْفرس الَّذِي يَجِيش فِي عدوه كَمَا تجيش الْقدر فِي غليانها. واهتزامه: صَوته. وحميه: غليه. والمرجل بِكَسْر الْمِيم: كل قدر من حَدِيد أَو حجر أَو نُحَاس أَو خزف أَو غَيره. يَقُول: تغلي حرارة نشاطه على ذبول خلقه وضمر بَطْنه وَكَأن تكسّر صهيله فِي صَدره غليان قدر. جعله ذكي الْقلب نشيطاً فِي الْعَدو مَعَ ضمره ثمَّ شبّه تكسّر صهيله فِي صَدره بغليان الْقدر.
стр. 1180
وَرُوِيَ على الْعقب جيّاش. والعقب بِفَتْح فَسُكُون: جري بعد جري وَقيل: مَعْنَاهُ إِذا حرّكته)
بعقبك جاش وَلم تحتج إِلَى السَّوْط فَإِذا كَانَ آخر عدوه على هَذِه الْحَالة فَمَا ظَنك بأوله وجيّاش بِالْجَرِّ صفة منجرد.
وَقَوله: يزلّ الْغُلَام الخفّ الخ يزلّ: يزلق. والخفّ بِكَسْر الْمُعْجَمَة: الْخَفِيف وَسمع أَبُو عُبَيْدَة فتحهَا. والصهوة: مَوضِع اللبد وَهُوَ مقْعد الْفَارِس. وَجَمعهَا بِمَا حولهَا. ويلوي بِالضَّمِّ أَي: يذهبها ويبعدها. والعنيف: من لَيْسَ لَهُ رفق. والمثقّل: الثقيل. قَالَ بَعضهم: إِذا كَانَ رَاكب الْفرس خَفِيفا رمى بِهِ وَإِن كَانَ ثقيلاً رمى بثيابه. والجيد أَن المعني بأثواب
العنيف نَفسه لِأَنَّهُ غير حاذق بركوبه. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنه إِذا رَكبه العنيف لم يَتَمَالَك أَن يصلح ثِيَابه وَإِذا رَكبه الْغُلَام الخفّ زلّ عَنهُ لسرعته ونشاطه وَإِنَّمَا يصلح لَهُ من يداريه.
وَقَوله: درير كخذروف الْوَلِيد الخ درير: مستدرّ فِي الْعَدو. ويصف سرعَة جريه.
والخذروف بِالضَّمِّ: الخرّارة الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان يسمع لَهَا صَوت. وأمرّه: احكم فتله. يَقُول: هُوَ يدرّ الجري أَي: يديمه ويواصله ويسرع فِيهِ إسراع خذروف الصَّبِي إِذا أحكم فتل خيطه وَتَتَابَعَتْ كفّاه
стр. 1181
فِي فتله وإدارته بخيط انْقَطع ثمَّ وصل. وَذَلِكَ أشدّ لدورانه لانملاسه.
وَقَوله: أيطلا ظَبْي الخ الأيطل: الخاصرة. وَإِنَّمَا شبهه بأيطل الظبي لِأَنَّهُ طاو. وَقَالَ: ساقا نعَامَة والنعامة قَصِيرَة السَّاقَيْن صلبتهمت وَهِي غَلِيظَة ظمياء لَيست برهلة. وَيسْتَحب من الْفرس قصرالساق لِأَنَّهُ أشدّ لرميها لوظيفها. وَيسْتَحب مِنْهُ مَعَ قصر السَّاق طول وظيف الرجل وَطول الذِّرَاع لِأَنَّهُ أشدّ لدحوه أَي: لرميه بهَا. والإرخاء: جري لَيْسَ بالشديد. وَفرس مرخاء.
وَلَيْسَ دابّة أحسن إرخاء من الذِّئْب. والسرحان: الذِّئْب. والتقريب: أَن يرفع يَدَيْهِ مَعًا ويضعهما مَعًا. والتتفل: بِضَم التَّاء الأولى وَفتحهَا مَعَ الْفَاء: ولد الثَّعْلَب وَهُوَ احسن الدَّوَابّ تَقْرِيبًا.
وَقَوله: مسحّ إِذا مَا السابحات الخ الْمسْح بِكَسْر الْمِيم: الْفرس الَّذِي كَأَنَّهُ يصبّ الجري صبّاً.
والسابحات: اللواتي عدوهنّ سباحة. والسباحة فِي الجري: أَن تدحو بأيديها دحواً أَي: تبسطها. والونا بِفَتْح الْوَاو وَالنُّون يمدّ وَيقصر: الفتور. والكديد بِفَتْح الْكَاف: الْموضع الغليظ. والمركّل اسْم مفعول: الَّذِي يركّل بالأرجل. يَقُول: إِن الْخَيل السريعة إِذا فترت فأثارت الْغُبَار بأرجلها من التَّعَب جرى هَذَا الْفرس جَريا سهلاً كَمَا يسحّ السَّحَاب الْمَطَر. وعَلى تتَعَلَّق بأثرن وَكَذَلِكَ الْبَاء.)
وَقَوله: ضليع إِذا استدبرته الخ الضليع: الْعَظِيم الأضلاع المنتفخ الجنبين ضلع يضلع ضلاعة.
والاستدبار: النّظر إِلَى دبر الشَّيْء. والفرج هُنَا: مَا بَين الرجلَيْن. والضافي: السابغ. والأعزل: المائل النب. وَيكرهُ
стр. 1182
من الْفرس أَن يكون أعزل ذَنبه إِلَى جَانب وَأَن يكون قصير الذَّنب وَأَن يكون طَويلا يطَأ عَلَيْهِ. وَيسْتَحب أَن يكون سابغاً قصير العسيب.
وَقَوله: كَأَن سراته لَدَى الْبَيْت الخ السراة بِالْفَتْح: الظّهْر. والمداك بِالْفَتْح الْحجر الَّذِي يسحق بِهِ والمدوك بِالْكَسْرِ: الْحجر الَّذِي يسحق عَلَيْهِ من الدوك وَهُوَ السحق والطحن. والصلابة بِالْفَتْح: الْحجر الأملس الَّذِي يسحق عَلَيْهِ شَيْء. يَقُول: إِذا كَانَ قَائِما عِنْد الْبَيْت غير مسرج رَأَيْت ظَهره أملس فَكَأَنَّهُ مداك عروس: فِي صفائها وانملاسها. وَإِنَّمَا قيّد المداك بالعروس لِأَنَّهُ قريب الْعَهْد بالطيب. وقيّد الصلابة بالحنظل لِأَن حبّ الحنظل يخرج دهنه فيبرق على الصلابة.
وَرَوَاهُ العسكري فِي التَّصْحِيف صراية قَالَ: وَمِمَّا يرْوى على وَجْهَيْن مداك عروس أَو صراية حنظل: رِوَايَة الْأَصْمَعِي صراية بالصَّاد مَفْتُوحَة غير مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَهِي الحنظلة الخضراء وَقيل: هِيَ الَّتِي اصفرّت لِأَنَّهَا إِذا اصفرّت برقتْ وَهِي قبل أَن تصفرّ مغبرّة. قَالَ: وَمثله:
(إِذا أَعرَضت قلت دبّاءة ... من الْخضر مغموسة فِي الْغدر)
أَي: من بريقها كَأَنَّهَا قرعَة. قَالَ الشَّاعِر: وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة صراية بِكَسْر الصَّاد وَقَالَ: هُوَ المَاء الَّذِي ينقع فِيهِ الحنظل وَيُقَال: صرى يصري صرياً وصراية وَهُوَ أَخْضَر صَاف. وَرَوَاهُ بَعضهم
صرابة حنظل بباء تحتهَا نقطة وَاحِدَة. فَمن قَالَ هَذَا أَرَادَ الملوسة والصفاء. يُقَال: اصرأبّ الشَّيْء أَي: املاسّ. انْتهى.
стр. 1183
وَقَوله: كَأَن دِمَاء الهاديات بنحره الخ الهاديات: المتقدمات والأوائل. وَيُرِيد بعصارة الْحِنَّاء مَا بَقِي من الْأَثر. والمرجّل بِالْجِيم: المسرّح والترجيل: التسريح. يَقُول: إِنَّه يلْحق أوّل الْوَحْش فَإِذا لحق أوّلها علم أَنه قد أحرز آخرهَا وَإِذا لحقها طَعنهَا فتصيب دماؤها نَحره. وَقَوله: فعنّ لنا سرب الخ عنّ: عرض وَظهر. والسرب بِالْكَسْرِ: القطيع من الْبَقر والظباء وَالنِّسَاء.
والنعاج: جمع نعجة وَهِي الْأُنْثَى من بقر الْوَحْش وَمن الضَّأْن. ودوار بِالْفَتْح: صنم كَانُوا يدورون حوله أسابيع كَمَا يُطَاف بِالْبَيْتِ الْحَرَام.)
والملاء بِضَم الْمِيم: جمع ملاءة وَهِي الملحفة. والمذيّل: السابغ وَقيل: مَعْنَاهُ لَهُ هدب وَقيل: إِن مَعْنَاهُ لَهُ ذيل أسود. وَهُوَ أشبه بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ يصف بقر الْوَحْش وَهِي بيض الظُّهُور سود القوائم. يَقُول: إِن هَذَا القطيع من الْبَقر يلوذ بِبَعْضِه ويدور كَمَا تَدور العذارى حول دوار. وَهُوَ نسك كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يدورون حوله.
وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف: يرْوى دوار بدال مَضْمُومَة ودوار بدال مَفْتُوحَة وَاو مُخَفّفَة.
وَهُوَ نسك كَانَ لَهُم فِي الْجَاهِلِيَّة يدار حوله. ودوّار فِي غير هَذَا بفتحه الدَّال وَتَشْديد الْوَاو سجن فياليمامة. ودوّار مضموم الدَّال مثقّل الْوَاو: مَوضِع انْتهى.
وَقَالَ الزوزني: المذيّل: الَّذِي أطيل ذيله وأرخي. يَقُول: تعرّض لنا قطيع من بقر الْوَحْش كَأَن إناثه عذارى يطفن حول حجر مَنْصُوب يُطَاف حوله فِي ملاء طَوِيلَة الذيل. شبّه الْبَقر فِي بَيَاض ألوانها بالعذارى لِأَنَّهُنَّ مصونات بالخدور لَا يُغير ألوانهن حرّ الشَّمْس وَغَيره وشبّه
стр. 1184
طول أذنابها وسبوغ شعرهَا بالملاء المدذيّل. وشبذه حسن مشيها بِحسن تبختر العذارى فِي مشيهنّ.
وَقَوله: فأدبرن كالجزع المفصّل الخ الْجزع بِالْفَتْح: الخرز وَقَالَ
أَبُو عُبَيْدَة بِالْكَسْرِ وَهُوَ الخرز الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض. وبجيد أَي: فِي جيد وَهُوَ الْعُنُق وَمعنى معمّ مخول أَي لَهُ أعمام وأخوال وهم فِي عشيرة وَاحِدَة كَأَنَّهُ قَالَ: كريمالأبوين. وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ خرزه أصفى وَأحسن.
يصف أَن هَذِه الْبَقر من الْوَحْش تفرّقت كالجزع أَي: كانها قلادة فِيهَا خرز قد فصّل بَينه بالخرز وَجعلت القلادة فِي عنق صبيّ كريم الْأَعْمَام والأخوال. شبّه بقر الْوَحْش بالخرز الْيَمَانِيّ لِأَنَّهُ يسود طرفاه وسائره أَبيض وَكَذَلِكَ بقر الْوَحْش يسودّ أكارعها وخدودها وسائرها أَبيض.
شَرط كَونه جيد معمّ مخول لِأَن جَوَاهِر قلادة مثل هذاالصبي أعظم من جَوَاهِر قلادة غَيره.
وَقَوله: فألحقه بالهاديات تقدم شَرحه. وَقَوله: فعادى عداء بَين ثَوْر ونعجة الخ عادى: والى بَين اثْنَيْنِ فِي طلق وَلم يعرق أَي: أدْرك صَيْده قبل أَن يعرق. وَقَوله: فَيغسل: أَي: لم يعرق فَيصير كَأَنَّهُ قد غسل بِالْمَاءِ. ودراكاً بِمَعْنى مداركة فِي مَوضِع الْحَال. وَلم يرد ثوراً ونعجة فَقَط وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكثير وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله دراكاً وَلَو أرادهما فَقَط لاستغنى عَنهُ بعاذى. وَفِيه مُبَالغَة لَا تخفى.
وَقَوله: فظلّ طهاة اللَّحْم الخ هُوَ جمع طاه وَهُوَ الطباخ. والصفيف: الَّذِي قد صفّف مرقّقاً)
على الْجَمْر وَهُوَ شواء الْأَعْرَاب. والقدير: مَا طبخ
стр. 1185
فِي قدر. وَوصف بمعجّل لأَنهم كَانُوا يستحسنون تَعْجِيل مَا كَانَ من الصَّيْد يستطرفونه. يَقُول: ظلّ المنضجون اللَّحْم وَهُوَ صنفان: صنف ينضجون شوائً مصفوفاً على الْحِجَارَة فِي النَّار والجمر وصنف يطبخون اللَّحْم فِي الْقدر. يَقُول: كثر الصَّيْد فأخصب الْقَوْم فطبخوا واشتووا. وَمن للتفصيل وَالتَّفْسِير نحوهم من بَين عَالم أَو زاهد يُرِيد أَنهم لَا يعدون الصِّنْفَيْنِ. وصفيف: منصوببمنضج وَهُوَ اسْم فَاعل.
وقدير: مجرور بِتَقْدِير مُضَاف مَعْطُوف على منضج وَالتَّقْدِير:
أَو طابخ قدير أَو لَا تَقْدِير لكنه مَعْطُوف على صفيف وخفض على الْجوَار أَو على توهم أَن الصفيف مجرور بِالْإِضَافَة وَعند البغداديين هُوَ مَعْطُوف على صفيف من قبيل الْعَطف على المحلّ وَلَا يشترطون أَن يكون المحلّ وَقَوله: ورحنا يكَاد الطّرف الخ يَقُول: إِذا نظرت الْعين إِلَى هَذَا الْفرس أَطَالَت النّظر إِلَى مَا ينظر مِنْهُ لحسنه فَلَا تكَاد الْعين تستوفي النّظر إِلَى جَمِيعه. وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: أَنه إِذا نظرت إِلَى هَذَا الْفرس لم تدم النّظر إِلَيْهِ لِئَلَّا يصاب بِالْعينِ لحسنه.
وَقَوله: مَتى مَا ترقّ الخ أَي: مَتى نظرت إِلَى أَعْلَاهُ نظرت إِلَى أَسْفَله لكماله ليستتم النّظر إِلَى جَمِيع جسده. أَصلهمَا تترقّ وتتسهّل بتاءين وجزما على أنّ الأوّل فعل الشَّرْط وَالثَّانِي جَوَابه.
وَمَا زَائِدَة وَرُوِيَ: ورحنا وَرَاح الطّرف ينفض رَأسه والطرف بِالْكَسْرِ: الْكَرِيم الطَّرفَيْنِ. وينفض رَأسه من المرح والنشاط.
стр. 1186
وَقَوله: فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه فِي بَات ضمير الْكُمَيْت وَجُمْلَة عَلَيْهِ سَرْجه خبر بَات وَبَات الثَّانِي مَعْطُوف على الأول وبعيني خَبره أَي: بِحَيْثُ أرَاهُ وَقَائِمًا حَال وَغير مُرْسل أَي: غير مهمل.
وَمَعْنَاهُ: أَنه لما جِيءَ بِهِ من الصَّيْد لم يرفع عَنهُ سَرْجه وَهُوَ عرق وَلم يقْلع لجامه فيعتلف على التَّعَب فيؤذيه ذَلِك.
وَيجوز أَن يكون معنى فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجه الخ أَنهم مسافرون كانه أَرَادَ الغدوّ فَكَانَ معدّاً لذَلِك. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ
(وغنّ امْرأ أسرى إِلَيْك ودونه ... من الأَرْض موماة وبيداء سملق)
لما تقدّم قبله: فَإِن جملَة قَوْله: ودونه من الأَرْض موماة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر حَال لَا الظّرْف وَحده كَمَا بَيناهُ. وَصَاحب الْحَال الْفَاعِل الْمُسْتَتر فِي قَوْله أسرى الْعَائِد إِلَى امْرِئ. وَأسرى: بِمَعْنى سرى قَالَ فِي الصِّحَاح: وسريت سرى ومسرىً وأسريت بِمَعْنى: إِذا سرت لَيْلًا. وبالألف لُغَة أهل الْحجاز وَجَاء الْقُرْآن بهما جَمِيعًا. وَالْكَاف من إِلَيْك مَكْسُورَة لِأَنَّهُ خطاب مَعَ نَاقَته.
وَدون هُنَا بِمَعْنى أَمَام وقدّام. والموماة بِالْفَتْح: الأَرْض الَّتِي لَا مَاء فِيهَا وَفِي الْقَامُوس: الموماء والموماة: الفلاة وَالْجمع
стр. 1187
الموامي. وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا فوعلة: لِأَنَّهُ ذكرهَا فِي المعتلّ الآخر بِالْوَاو.
والبيداء: القفر فعلاء من باد يبيد: إِذا هلك. والسملق: الأَرْض المستوية. وبيداء مَعْطُوف على موماة وسملق صفته. وَجُمْلَة أسرى إِلَيْك صفة امْرِئ. وَخبر إِن المحقوقة فِي بَيت بعده وَهُوَ:
(لمحقوقة أَن تستجيبي لصوته ... وَأَن تعلمي أَن المعان موفّق)
وَقد أنْشد الْمُحَقق الشَّارِح هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي بَاب الضَّمِير على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهَذَا على أَنه يجوز ترك التَّأْكِيد بالمنفصل فِي الصّفة الْجَارِيَة على غير من هِيَ لَهُ عِنْد امن اللّبْس وَالْأَصْل لمحقوقة أَنْت. وَهَذِه مَسْأَلَة خلافية بَين الْبَصرِيين والكوفيين يَأْتِي الْكَلَام فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الضَّمِير.
ومطلع هَذِه القصيدة:
(أرقت وَمَا هَذَا السهاد المؤرّق ... وَمَا بِي من سقم وَمَا بِي معشق)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: سمع كسْرَى انوشروان يَوْمًا الْأَعْشَى يتَغَنَّى بِهَذَا الْبَيْت فَقَالَ: مَا يَقُول هَذَا العربيّ قَالُوا: يتَغَنَّى بِالْعَرَبِيَّةِ. قَالَ: فسّروا قَوْله. قَالُوا: زعم أَنه سهر من غيرمرض وَلَا عشق. قَالَ: فَهَذَا إِذا لصّ.
وَبعد هَذَا المطلع بِأَبْيَات فِي وصف الْخمْرَة وَهُوَ من أَبْيَات الكشّاف وَالْقَاضِي:
(تريك القذى من دونهَا وَهِي دونه ... إِذا ذاقها من ذاقها يتمطّق)
стр. 1188
وَهَذَا وصف بديع فِي صفاء الْخمْرَة. والتمطّق: التذوّق. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: أَرَادَ أَنَّهَا من صفائها تريك القذاة عالية عَلَيْهَا والقذى فِي أَسْفَلهَا فَأَخذه الأخطل فَقَالَ:
(وَلَقَد تباكرني على لذّاتها ... صهباء عالية القذى خرطوم))
اه وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بعض هَذِه القصيدة فِي بَاب الضَّمِير وَبَعضهَا فِي عوض من بَاب الظروف.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَتَيْنِ كَمَا انتفض العصفور بلّله الْقطر هَذَا عجز وصدره: وَإِنِّي لتعروني لذكراك هزّة على ان الْأَخْفَش والكوفيين استدلوا بِهَذَا على أَنه لم تجب قد مَعَ الْمَاضِي الْمُثبت الْوَاقِع حَالا فَإِن جملَة بلّله الْقطر من الْفِعْل وَالْفَاعِل حَال من العصفور وَلَيْسَ مَعهَا قد لَا ظَاهِرَة وَلَا مقدرَة.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا خلافية: ذهب الْكُوفِيّين إِلَى أَن الْمَاضِي الْمُثبت
стр. 1189
بِدُونِ قد يَقع حَالا بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ فحصرت حَال بِدَلِيل قِرَاءَة الْحسن الْبَصْرِيّ وَيَعْقُوب والمفضل عَن عَاصِم: أَو جاؤكم حصرةً صُدُورهمْ وَقَول أبي صَخْر الْهُذلِيّ: كَمَا انتفض العصفور بلّله الْقطر وَقَالَ البصريون: لَا يجوز وُقُوعه حَالا بِدُونِ قد لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: انه لَا يجوز يدلّ على الْحَال وَالثَّانِي: أَنه إِنَّمَا يصلح أَن يوضع مَوضِع الْحَال مَا يصلح أَن يُقَال فِيهِ الْآن نَحْو: مَرَرْت بزيد يضْرب وَهَذَا لَا يصلح فِي الْمَاضِي وَلِهَذَا لم يجز مَا زَالَ زيد قَامَ لِأَن مَا زَالَ وَلَيْسَ يطلبان الْحَال وَقَامَ مَاض وَلَا يلْزم على كلامنا إِذا كَانَ مَعَ الْمَاضِي قد لن قد تقرّب الْمَاضِي من الْحَال.
وَأما الْآيَة وَالْبَيْت فقد فيهمَا مقدرَة وَقَالَ بَعضهم: حصرت صفة لقوم الْمَجْرُور فِي أول الْآيَة وَهُوَ: إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض وَيُؤَيِّدهُ أَنه قرئَ بِإِسْقَاط أَو. وعَلى ذَلِك يكون جاؤكم صفة لقوم وَيكون حصرت صفة ثَانِيَة. وَقيل: صفة لموصوف لمَحْذُوف أَي: قوما حصرت صُدُورهمْ.
قَالَ صَاحب اللّبَاب: وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ إِذا قدّر الْمَوْصُوف يكون حَالا موطّئة وَصفَة الموطئة فِي حكم الْحَال فِي إِيجَاب تصدّرها بقد وَهُوَ يمْنَع حذف قد لَا سيّما والموصوف مَحْذُوف فّن الصّفة تكون فِي صُورَة الْحَال فالإتيان بقد يكون أولى.)
стр. 1190
وَقَالَ المبرّد: جملَة حصرت إنشائية مَعْنَاهَا الدُّعَاء عَلَيْهِم فَهِيَ مستانفة. وردّ بِأَن الدُّعَاء عَلَيْهِم بِضيق قُلُوبهم عَن قتال قَومهمْ لَا يتجّه. وَقيل: حصرت بدل اشْتِمَال من جاؤكم لِأَن الْمَجِيء مُشْتَمل على الْحصْر. وَفِيه بعد لِأَن الْحصْر من صفة الجائين لَا من صفة الْمَجِيء.
وَقد بسط ابْن الْأَنْبَارِي الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف.
وَاسْتشْهدَ ابْن هِشَام بِهَذَا الْبَيْت فِي شرح الألفيّة على أَن الْمَفْعُول لَهُ يجرّ بِاللَّامِ إِذا فقد بعذ شُرُوطه فَإِن قَوْله هُنَا لذكراك مفعول لَهُ جرّ بِاللَّامِ لِأَن فَاعله غير فَاعل الْفِعْل المعلّل. وَهُوَ قَوْله لتعروني فَإِن فَاعله هزة وفاعل ذكراك الْمُتَكَلّم فَإِنَّهُ مصدر مُضَاف لمفعوله وفاعله مَحْذُوف أَي: لذكري إياك.
والهزة بِفَتْح الْهَاء: الْحَرَكَة يُقَال: هززت الشَّيْء: إِذا حركته وَأَرَادَ بهَا الرعدة. وَرُوِيَ بدلهَا رعدة.
وروى القاليّ فِي أَمَالِيهِ فَتْرَة. وَسُئِلَ ابْن الْحَاجِب: هَل تصح رِوَايَة القاليّ فَأجَاب: يَسْتَقِيم ذَلِك على مَعْنيين: احدهما أَن يكون معنى لتعروني لترعدني أَي: تجْعَل عِنْدِي العرواء وَهِي الرعدة كَقَوْلِهِم: عري فلَان: إِذا أَصَابَهُ ذَلِك لِأَن الفتور الَّذِي هُوَ السّكُون عَن الإجلال والهيبة يحصل عَنهُ الرعدة غَالِبا عَادَة فَيصح نِسْبَة الإرعاد إِلَيْهِ فَيكون كَمَا انتفض مَنْصُوبًا انتصاب
стр. 1191
قَوْلك: أخرجته كخروج زيد إِمَّا على معنى كإخراج زيد وَإِمَّا لتَضَمّنه معنى خرج غَالِبا فَكَأَنَّهُ قيل خرج فصحّ لذَلِك مثل خُرُوج زيد وَحسن ذَلِك تَنْبِيها على حُصُول المطاوع الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود فِي مثل ذَلِك فَيكون أبلغ فِي الِاقْتِصَار على المطاوع إِذْ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فَلَا يخرج.
وَالثَّانِي: أَن يكون معنى لتعروني لتَأْتِيني وتأخذني فَتْرَة أَي: سُكُون للسرور الْحَاصِل من الذكرى وعبّر بهَا عَن النشاط لِأَنَّهَا تستلزمه غَالِبا تَسْمِيَة للمسبّب باسم السَّبَب كَأَنَّهُ قَالَ: ليأخذني نشاط كنشاط العصفور. فَيكون كَمَا انتفض إِمَّا مَنْصُوبًا نصب لَهُ صَوت صَوت حمَار وَله وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون التَّقْدِير يصوّت صَوت حمَار وَإِن لم يجز إِظْهَاره اسْتغْنَاء عَنهُ بِمَا تقدم.
وَالثَّانِي: أَن يكون مَنْصُوبًا بِمَا تضمنته الْجُمْلَة من معنى يصوّت وَإِمَّا مَرْفُوعا صفة لفترة أَي: نشاط مثل نشاط العصفور. . وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الْوَجْه الثَّانِي فِي إِعْرَاب كَمَا)
انتفض تجْرِي على تَقْدِير رِوَايَة رعدة وهزّة. وروى الرمّاني عَن السكرِي عَن الْأَصْمَعِي:
(إِذا ذكرت يرتاح قلبِي لذكرها ... كَمَا انتفض العصفور بلّله الْقطر)
وَهَذَا ظَاهر. اه.
وانتفض بِمَعْنى تحرّك يُقَال: نفضت الثَّوْب وَالشَّجر: إِذا حركته ليسقط مافيه. وبلّه يبلّه بلاًّ: إِذا ندّاه بِالْمَاءِ وَنَحْوه. والقطر: الْمَطَر.
وَفِي شرح بديعيّة العميان لِابْنِ جَابر: أَن هَذَا الْبَيْت فِيهِ من البديع صَنْعَة الاحتباك وَهُوَ أَن يحذف من الأول مَا أثبت نَظِيره فِي الثَّانِي ويحذف
стр. 1192
من الثَّانِي مَا أثبت نَظِيره فِي الأول فَإِن التَّقْدِير فِيهِ. وَإِنِّي لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته. فَحذف من الأول وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي صَخْر الْهُذلِيّ. أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي بَاب النسيب من الحماسة وَكَذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيّ بَعْضهَا فِي الأغاني وَرَوَاهَا تَمامًا أَبُو عليّ القالي فِي أَمَالِيهِ عَن ابْن الأنباريّ وَابْن دُرَيْد. وَهِي هَذِه:
(لليلى بِذَات الْجَيْش دَار عرفتها ... وَأُخْرَى بِذَات الْبَين آياتها سطر)
(كَأَنَّهُمَا ملآن لم يتغيرا ... وَقد مرّ للدارين من عهدنا عصر)
(وقفت بربعيها فعيّ جوابهافقلتوعيني دمعها سرب همر ... أَلا أَيهَا الركب المخبّون هَل لكم)
(فَقَالُوا: طوينا ذَاك لَيْلًا وَإِن يكن ... بِهِ بعض من تهوى فَمَا شعر السّفر)
(أما وَالَّذِي أبكى وأضحك وَالَّذِي ... أمات وَأَحْيَا وَالَّذِي أمره الْأَمر)
(لقد كنت آتيها وَفِي النَّفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدَّهْر مَا طلع الْفجْر)
(فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءة ... فأبهت لَا عرف لديّ وَلَا نكر)
(وأنسى الَّذِي قد كنت فِيهِ هجرتهَا ... كَمَا قد تنسّي لبّ شاربها الْخمر)
(وَمَا تركت لي من شذىً أهتدي بِهِ ... وَلَا ضلع إِلَّا وَفِي عظمها كسر)
(وَقد تَرَكتنِي أغبط الْوَحْش أَن أرى ... قرينين مِنْهَا لم يفزّعهما نفر)
стр. 1193
.
(مَخَافَة أَنِّي قد علمت لَئِن بدا ... لي الهجر مِنْهَا مَا على هجرها صَبر)
(وَأَنِّي لَا أَدْرِي إِذا النَّفس أشرفت ... على هجرها مَا يبلغن بِي الهجر)
(أَبى الْقلب إِلَّا حبها عامريةً ... لَهَا كنية عمر وَلَيْسَ لَهَا عَمْرو))
(تكَاد يَدي تندى إِذا مَا لمستها ... وينبت فِي أطرافها الْوَرق الْخضر)
(وَإِنِّي لتعروني لذكراك فَتْرَة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)
(تمنيت من حبي علية أننا ... على رمث فِي الْبَحْر لَيْسَ لنا وفر)
(على دَائِم لَا يعبر الْفلك موجه ... وَمن دُوننَا الْأَعْدَاء واللجج الْخضر)
(فنقضي هموم النَّفس فِي غير رَقَبَة ... ويغرق من نخشى نميمته الْبَحْر)
(عجبت لسعي الدَّهْر بيني وَبَينهَا ... فَلَمَّا انْقَضى مَا بَيْننَا سكن الدَّهْر)
(فيا حب ليلى قد بلغت بِي المدى ... وزدت على مَا لَيْسَ يبلغهُ الهجر)
(وَيَا حبها زِدْنِي جوىً كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الْأَيَّام موعدك النَّضر)
(هجرتك حَتَّى قيل: مَا يعرف الْهوى ... وزرتك حتي قيل: لَيْسَ لَهُ صَبر)
(صدقت أَنا الصب الْمُصَاب الَّذِي بِهِ ... تباريح حب خامر الْقلب أَو سحر)
(فيا حبذا الْأَحْيَاء مَا دمت حَيَّة ... وَيَا حبذا الْأَمْوَات مَا ضمك الْقَبْر)
فَقَوله: ملآن أَصله من الْآن. وَقَوله: أما وَالَّذِي أبكى وأضحك
стр. 1194
الخ هُوَ من أَبْيَات الْكَشَّاف وَمُغْنِي اللبيب أنْشدهُ فِي أما. وَقَوله: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءة الخ هُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي نواصب الْفِعْل. وَقَوله: وَمَا تركت لي من شذى هُوَ بِفَتْح الشين والذال المعجمتين بِمَعْنى الشدَّة وَبَقِيَّة الْقُوَّة. والضلع بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام.
وَقَوله: تمنيت من حبي علية أناا على رمث هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة قَالَ القالي: أَعُود يضم بَعْضهَا إِلَى بعض كالطوف يركب عَلَيْهَا فِي الْبَحْر. وَقَوله: مَا أبرم السّلم النَّضر يُقَال: أبرم السّلم: إِذا خرجت برمتِهِ وَهِي ثَمَرَته. قَالَ فِي الصِّحَاح: الْبرم محركة: ثَمَر العضاه الْوَاحِدَة برمة وبرمة كل العضاه صفراء إِلَّا العرفط فَإِن برمتِهِ بَيْضَاء وبرمة السّلم أطيب الْبرم ريحًا.
حكى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني عَن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ: دخلت على الْهَادِي فَقَالَ: غنني صَوتا وَلَك حكمك فغنيته:
(وَإِنِّي لتعزوني لذكراك هزة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)
فَقَالَ: أَحْسَنت وَالله وَضرب بِيَدِهِ إِلَى حبيب دراعته فشق مِنْهَا ذِرَاعا ثمَّ قَالَ: زِدْنِي فغنيته:
стр. 1195
(هجرتك حَتَّى قيل: لَا يعرف الْهوى ... وزرتك حَتَّى قيل: لَيْسَ لَهُ صَبر))
(فيا حبها زِدْنِي جوىً كل لَيْلَة ... وَيَا سلوة الأحباب موعدك الْحَشْر)
فَقَالَ: أَحْسَنت وشقّ بَاقِي درّاعته من شدَّة الطَّرب ثمَّ رفع رَأسه إليّ وَقَالَ: تمن واحتكم فَقلت: أَتَمَنَّى عين مَرْوَان بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فرأيته قد دارت عَيناهُ فِي رَأسه فخلتهما جمرتين ثمَّ قَالَ: يَا ابْن اللخناء اتريد أَن تشهرني بِهَذَا الْمجْلس وتجعلني سمراً وحديثاً يَقُول النَّاس أطربه فوهبه عين مَرْوَان. أما وَالله لَوْلَا بادرة جهلك الَّتِي غلبت على صِحَة عقلك لألحقتك بِمن غبر من اهلك. وأطرق إطراق الأفعوان فخلت ملك الْمَوْت بيني وَبَينه ينْتَظر أمره. ثمَّ رفع رَأسه وَطلب إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم خُذ بيد هَذَا الْجَاهِل وَأدْخلهُ بَيت المَال فَإِن أَخذ جَمِيع مَا فِيهِ فَدَعْهُ وإياه قَالَ: فَدخلت وَأخذت من بَيت المَال خمسين ألف دِينَار. وأَبُو صَخْر الْهُذلِيّ هُوَ عبد الله بن سَالم السَّهْمِي الْهُذلِيّ شَاعِر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. كَانَ متعصباً لبني مَرْوَان موالياً لَهُم وَله فِي عبد الْملك بن مَرْوَان وأخيه عبد الْعَزِيز مدائح كَثِيرَة. ولمّا ظهر عبد الله بن الزبير فِي الْحجاز وَغلب عَلَيْهَا بعد موت يزِيد بن مُعَاوِيَة وتشاغل بَنو أُميَّة فِي الْحَرْب بَينهم فِي مرج راهط وَغَيره دخل عَلَيْهِ أَبُو صَخْر الْهُذلِيّ فِي هُذَيْل ليقبضوا عطاءهم وَكَانَ عَارِفًا بهواه فِي بني أُميَّة فَمَنعه عطاءه فَقَالَ: تمنعني حَقًا لي وَأَنا امْرُؤ مُسلم مَا أحدثت فِي الْإِسْلَام حَدثا وَلَا أخرجت من طَاعَة يدا قَالَ: عَلَيْك ببني أُميَّة اطلب مِنْهُم عطاءك قَالَ: إِذا أجدهم سبطة أكفهم سَمْحَة أنفسهم بذلاً لأموالهم وهّابين لمجتديهم كَرِيمَة
следующие страницы →