← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَالْحمام بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم. وَهُوَ فَارس شَاعِر. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني مرّة جاهلي يعد من أوفياء الْعَرَب. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اتَّفقُوا على أَن أشعر المقلّين ثَلَاثَة: الْمسيب بن علس وَالْحصين بن الْحمام والمتلمّس. وَهَذِه نسبته كَمَا فِي الجمهرة وَشرح المفضليات: الْحصين بن الْحمام بن ربيعَة بن مساب بِضَم) الْمِيم وَتَخْفِيف السِّين بن حرَام بن وائلة بن سهم بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار. الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س: (وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب) على انه عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع جعل كالمتصل لصِحَّة دُخُول الْبَدَل فِي الْمُبدل مِنْهُ. وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق أحسن بَيَان. وَقَوله: أَن سيوفهم الخ مؤول بمصدر مجرور أَي: غير كَون سيوفهم بهَا فلول الخ. والفلول: جمع فلّ بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ كسر فِي حدّ

стр. 1262

السَّيْف وَسيف أفلّ بَين الفلل يُقَال: فلّه فانفلّ أَي: كَسره فانكسر وفللت الْجَيْش أَي هزمتهم. والقراع: الْمُضَاربَة مصدر قارعه يُقَال قرعته بالمقرعة: إِذا ضَربته بهَا وقرعت الْبَاب: إِذا طرقته. والكتائب: جمع كَتِيبَة وَهِي الطَّائِفَة المجتمعة من الْجَيْش. وَهَذَا الْبَيْت مَشْهُور قد تداوله الْعلمَاء فِي تصانيفهم وَقد أوردهُ عُلَمَاء البديع شَاهدا لتأكيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذمّ فَإِنَّهُ نفى الْعَيْب عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم على جِهَة الِاسْتِغْرَاق ثمَّ أثبت لَهُم عَيْبا وَهُوَ تثلم سيوفهم من مُضَارَبَة الجيوش. وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْب بل هُوَ غَايَة الْمَدْح فقد أكد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة على أَن الْآيَة أشبه بتأكيد الذَّم بِمَا يشبه الْمَدْح: عكس الْبَيْت فَإِن إِطْلَاق الْحجَّة على قَول الَّذين ظلمُوا ذمّ فِي صُورَة مدح لَا أَنه مدح فِي صُورَة ذمّ. وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لايكون إِلَّا على معنى وَلَكِن. قَالَ النّحاس: فرق سِيبَوَيْهٍ بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله لِأَن الَّذِي قبله يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب وَالنّصب أَجود وَهَذَا الْبَاب لَا يجوز فِيهِ عِنْده غلا النصب لنه لَيْسَ من الأول فِي شَيْء. وَأَجَازَ الْمبرد فِي جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَاب الرّفْع وَكَذَا فِي: لَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم انْتهى. وعَلى قَول الْمبرد فَتكون غير بَدَلا من الضَّمِير المستقر فِي الظّرْف.

стр. 1263

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر مُلُوك الشَّام الغسانيين وَذَلِكَ لما هرب من النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ من) مُلُوك الْحيرَة. وَلَيْسَ الممدوح بهَا النُّعْمَان بن الْحَارِث كَمَا وهم شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي لتصريح الممدوح بهَا فِي القصيدة كَمَا سَيَأْتِي. ومطلع القصيدة: (كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب) وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت وَسبب هروبه فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة مفصلا. وَقَالَ بعد ثَلَاثَة أَبْيَات شرحت هُنَاكَ: (لَئِن كَانَ للقبرين قبر بجلّق ... وقبر بصيداء الَّتِي عِنْد حَارب) (وللحارث الجفنيّ سيد قومه ... ليلتمسن بِالْجمعِ أَرض الْمُحَارب) الْبَيْت الأول من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ بِنصب مَا بعد إِلَّا على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَن حسن الظَّن لَيْسَ من الْعلم. وَرَفعه جَائِز على الْبَدَل من مَوضِع الْعلم وَإِقَامَة الظَّن مقَام الْعلم اتساعاً ومجازاً. وَقَوله: غير ذِي مثنوية هُوَ مصدر بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين أَي: حَلَفت غير مستثن فِي يَمِيني ثِقَة بِفعل هَذَا الممدوح وَحسن ظن بِهِ.

стр. 1264

وروى أَبُو عُبَيْدَة: وَمَا ذَاك إِلَّا حسن ظن بِصَاحِب وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ وَالْإِشَارَة للْيَمِين. . وَجُمْلَة المصراع الثَّانِي على الرِّوَايَتَيْنِ مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. وَقَوله: لَئِن كَانَ للقبرين الخ اللَّام الدَّاخِلَة على إِن موطئة للقسم أَي: وطأت أَن الْجَواب الَّذِي بعد الشَّرْط للقسم فجملة قَوْله الْآتِي: ليلتمسن بِالْجمعِ الخ جَوَاب الْقسم. وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم وَاسم كَانَ ضمير عَمْرو الممدوح الْمُتَقَدّم فِي قَوْله: (عَليّ لعَمْرو نعْمَة بعد نعْمَة ... لوالده لَيست بِذَات عقارب) وَأَرَادَ بالقبرين المقبورين: الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَهُوَ الجفني الْآتِي ذكره. يَقُول: لَئِن كَانَ عَمْرو ابْن هذَيْن الرجلَيْن المقبورين فِي هذَيْن المكانين ليمضينّ أمره وليلتمسن أَرض من حاربه. وجلّق بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة هِيَ الشَّام. وصيداء مَدِينَة بِالشَّام بالسَّاحل. وَحَارب: مَوضِع وَقيل اسْم رجل. وَقَوله: لِلْحَارِثِ الجفني الخ بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن مَاء السَّمَاء وهم الْمُلُوك الَّذين كَانُوا بِالشَّام. وَقَوله: ليلتمسن هَذَا جَوَاب الْقسم مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيفَة. وَقَوله: بِالْجمعِ أَي: بجموع العساكر والجيوش.) وَقَالَ بَعْدَمَا ذكر: (لَهُم شِيمَة لم يُعْطهَا الله غَيرهم ... من النَّاس والأحلام غير عوازب) (مجلتهم ذَات الْإِلَه وَدينهمْ ... قويم فَمَا يرجون غير العواقب) والشيمة: الطبيعة. وَقَوله: والأحلام الخ أَي: لَا تعزب عُقُولهمْ عَنْهُم كَمَا

стр. 1265

تعزب الْمَاشِيَة عَن أَهلهَا أَي: لَا تغيب. وَقَوله: مجلتهم ذَات الْإِلَه الْمجلة بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم: الْكتاب لِأَنَّهُ يجلّ ويعظّم وَأَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيل لأَنهم كَانُوا نَصَارَى. قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: قرأته على ابْن دُرَيْد: مجلتهم بِالْجِيم وَقَالَ لي: سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول: رِوَايَة الْأَصْمَعِي بِالْجِيم قَالَ: وَهُوَ كتاب النَّصَارَى. وَكَذَا كل كتاب جمع حِكْمَة وأمثالاً فَهُوَ عِنْد الْعَرَب مجلة وَمن هَذَا سمى أَبُو عُبَيْدَة كِتَابه الَّذِي جمع فِيهِ أَمْثَال الْعَرَب الْمجلة. وروى أَيْضا: محلتهم بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: مَنْزِلَتهمْ بَيت الْمُقَدّس وَأَرْض الشَّام ومنازل الْأَنْبِيَاء وَهِي الْقُدس. وروى ابْن السّكيت: مخافتهم يُرِيد يخَافُونَ أَمر الله. وَذَات الْإِلَه: كِتَابه. وقويم: مُسْتَقِيم. وَقَوله: فَمَا يرجون الخ قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: مَا يطْلبُونَ إِلَّا عواقب أُمُورهم فَلَيْسَ يرجون شَيْئا من أَمر الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يرجون مَا بعد الْمَوْت. وَبعد الْبَيْت المستشهد بِهِ أَعنِي قَوْله: وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم (تخيّرن من أزمان يَوْم حليمة ... إِلَى الْيَوْم قد جرّبن كل التجارب) وَأوردهُ ابْن هِشَام ف يالمغني على أَن من تَأتي لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان

стр. 1266

أَيْضا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين والأخفش والمبرد وَابْن درسْتوَيْه بِدَلِيل: من أول يَوْم. وَفِي الحَدِيث: فمطرنا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة. وَهَذَا الْبَيْت. وَقيل: التَّقْدِير: من مُضِيّ أزمان وَمن تأسيس أول يَوْم. وردّه السُّهيْلي بِأَنَّهُ لَو كَانَ هَكَذَا لاحتيج إِلَى تَقْدِير الزَّمَان وتخيرن وجربن كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير السيوف. والتجارب: جمع تجربة. وكل مَنْصُوب على الْمصدر. وَإِلَى مُتَعَلقَة بقوله تخيّرن. وَيَوْم حليمة قَالَ العسكري ف يالتصحيف: هُوَ يَوْم كَانَ بَين مُلُوك الشَّام من الغسانيين وملوك الْعرَاق قتل فِيهِ الْمُنْذر غما جد النُّعْمَان أَو أَبوهُ وَقيل فِي هَذَا الْيَوْم مَا يَوْم حليمة بسرّ انْتهى.) وَفِي الدرة الفاخرة لِحَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ وَهِي الْأَمْثَال الَّتِي جَاءَت على وزن أفعل التَّفْضِيل وَكَذَلِكَ فِي مستقصى الْأَمْثَال للزمخشري وَاللَّفْظ للْأولِ: أعز من حليمة هِيَ بنت الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْأَعْرَج ملك عرب الشَّام وفيهَا سَار الْمثل فَقيل: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: خَفِي. وَهَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ الْمُنْذر بن الْمُنْذر ملك عرب الْعرَاق فَسَار بعربها إِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج الغساني وَهُوَ ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَكَانَ فِي عرب الشَّام وَهُوَ أشهر أَيَّام الْعَرَب. وَإِنَّمَا نسب هَذَا الْيَوْم إِلَى حليمة

стр. 1267

لِأَنَّهَا حضرت المعركة محضضة لعسكر أَبِيهَا فتزعم الْعَرَب أَن الْغُبَار ارْتَفع فِي يَوْم حليمة حَتَّى سدّ عين الشَّمْس وَظَهَرت الْكَوَاكِب المتباعدة من مطلع الشَّمْس فَسَار الْمثل بِهَذَا الْيَوْم قَالُوا: لأرينك الْكَوَاكِب ظهرا. وَأَخذه طرفَة فَقَالَ: (إِن تنوّله فقد تَمنعهُ ... وتريه النَّجْم يجْرِي بِالظّهْرِ اه) وَفِي شرح ديوَان النَّابِغَة: سَبَب ذَلِك أَن الْملك كَانَ فِي الضجاعم فَأتى رجل مِنْهُم رجلا من غَسَّان يُقَال لَهُ جذع فَسَأَلَهُ الْخراج فَأعْطَاهُ دِينَارا فَقَالَ: هَات آخر وشدد عَلَيْهِ فاستأجله فَلم يفعل فَلَمَّا ضيق عَلَيْهِ دخل جذع منزله فالتحف على سَيْفه ثمَّ خرج فَضرب بِهِ الضجعمي فَقتله. فَقَالَ الْقَاتِل: خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. وَوَثَبْت غَسَّان ورأسوا عَلَيْهِم رجلا ثمَّ أوقعوا بالضجاعم فَغَلَبَتْهُمْ غَسَّان وَأخذت الْملك مِنْهُم. . وَأما حليمة فَهِيَ ابْنة الغساني الَّذِي رئس عَلَيْهِم وَكَانَت من اجمل النِّسَاء فَأَعْطَاهَا طيبا وأمرها أَن تطيّب من مرّ بهَا من جنده فَجعلُوا يَمرونَ بهَا وتطيبهم فَمر بهَا شَاب فَلَمَّا طيبته تنَاولهَا فقبلها فصاحت وَشَكتْ ذَلِك إِلَى أَبِيهَا فال: اسكتي فَمَا فِي الْقَوْم أجلد مِنْهُ حِين فعل هَذَا بك واجترأ عَلَيْك فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يبلي بلَاء حسنا فَأَنت امْرَأَته وَإِمَّا أَن يقتل فَذَاك أَشد عَلَيْهِ مِمَّا تريدين بِهِ من الْعقُوبَة فأبلى الْفَتى ثمَّ رَجَعَ فزوّجه ابْنَته حليمة انْتهى. وَفِي الْقَامُوس: وحليمة بنت الْحَارِث بن أبي شمر وَجه أَبوهَا جَيْشًا إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فأخرجت لَهُم مركناً من طيب وطيبتهم مِنْهُ

стр. 1268

والمركن بِكَسْر الْمِيم: الإجانة الَّتِي تغسل فِيهَا الثِّيَاب وَسَببه: أَن غَسَّان كَانَت تُؤدِّي كل سنة إِلَى ملك سليح دينارين من كل رجل وَكَانَ يَلِي ذَلِك سبطة بن الْمُنْذر السليحي فجَاء سبطة يسْأَل الدينارين من جذع بن عَمْرو الغساني فَدخل جذع منزله فَخرج مُشْتَمِلًا بِسَيْفِهِ فَضرب بِهِ سبطة حَتَّى برد وَقَالَ: خُذ من جذع مَا) أَعْطَاك. يضْرب فِي اغتنام مَا يجود بِهِ الْبَخِيل. وسليح كجريح: قَبيلَة بِالْيمن. وجذع بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة ثمَّ إِن جَيش الْحَارِث توجه إِلَى الْمُنْذر فَقَالُوا: أَتَيْنَا من عِنْد صاحبنا وَهُوَ يدين لَك ويعطيك حَاجَتك فتباشر هُوَ وَأَصْحَابه وغفلوا بعض الْغَفْلَة فَحمل ذَلِك الْجَيْش على الْمُنْذر فَقَتَلُوهُ. فَقيل فِي ذَلِك الْيَوْم: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: بخفي. فَصَارَ يضْرب لكل أَمر مَشْهُور. وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وانشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (فَتى كملت أخلاقه غير أَنه ... جواد فَمَا يبقي من لمَال بَاقِيا) لما تقدم بله. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن قِرَاءَة عَلَيْهِ عَن أَحْمد بن يحيى قَالَ: لما أنشدته يَعْنِي ابْن الْأَعرَابِي قَول الشَّاعِر: وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم

стр. 1269

قَالَ: هَذَا اسْتثِْنَاء قيس يَقُولُونَ: غير أَن هَذَا أشرف من هَذَا وَهَذَا أطرف من هَذَا. يكون (فَتى تمّ فِيهِ مَا يسرّ صديقه ... على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا) انْقَضتْ الْحِكَايَة. وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء على إغرابه جَار مجْرى الِاسْتِثْنَاء الْمَعْهُود أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ: فَتى تمّ فِيهِ مَا يسر صديقه جَازَ أَن يظنّ أَنه مَقْصُور على هَذَا وَحده فَإِذا قَالَ: على أَن فِيهِ مَا يسوء عاديا أَزَال هَذَا الظَّن وَصَارَ مَعْنَاهُ أَن فِيهِ مَسَرَّة لأوليائه ومساءة لأعدائه وَلَيْسَ مَقْصُورا على أحد الْأَمريْنِ. فَهُوَ إِخْرَاج شَيْء من شَيْء لخلاف الثَّانِي الأول. وَكَذَلِكَ: فَتى كملت أخلاقه. . الْبَيْت لما كَانَ إِتْلَافه لِلْمَالِ عَيْبا عِنْد كثير من النَّاس اسْتثْنى هَذِه الْحَالة فأخرجها من جملَة خلال الْمَدْح لمخالفتها إِيَّاهَا عِنْدهم وعَلى مَذْهَبهم. وَلَيْسَ شَيْء يعْقد على أَصله فَيخرج عَنهُ شَيْء مِنْهُ فِي الظَّاهِر إِلَّا وَهُوَ عَائِد إِلَيْهِ وداخل فِيهِ فِي الْبَاطِن مَعَ التَّأَمُّل. انْتهى كَلَامه. وَأوردهُ عُلَمَاء البديع أَيْضا فِي بَاب تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للنابغة الْجَعْدِي رثى بهَا أَخَاهُ. وَقد أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من) الحماسة وَهِي من قصيدة. . وَقَبله: (ألم تعلمي أَنِّي رزئت مُحَاربًا ... فَمَا لَك مِنْهُ الْيَوْم شَيْء وَلَا ليا)

стр. 1270

(وَمن قبله مَا قد رزئت بوحوح ... وَكَانَ ابْن أُمِّي والخليل المصافيا) (فَتى تمّ فِيهِ مايسر صديقه ... على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا) (يَقُول لمن يلحاه فِي بذل مَاله ... أأنفق أيامي وأترك ماليا) (يدر الْعُرُوق بِالسِّنَانِ وَيَشْتَرِي ... من الْحَمد مَا يبْقى وَإِن كَانَ غاليا) قَوْله: ألم تعلمي الخ يُخَاطب امْرَأَته. ومحارب قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي: هُوَ محَارب بن قيس بن عدس من أَشْرَاف قومه. وَهُوَ تفجع وتوجع. يَقُول: قد فجعنا بِهِ فأصبحنا لَا نستمتع بِهِ وَلَا ننتفع بمكانه. ثمَّ ذكر أَنه قد فجع قبله بأَخيه وحوح وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم وحوح الرجل: إِذا ردد صَوتا فِي صَدره وَهُوَ نَحْو النحنحة. وَقَوله: فَتى كملت الخ رُوِيَ أَيْضا: فَتى كملت فِيهِ الْمُرُوءَة وَيجوز أَن يحمل الْفَتى على ابْنه وعَلى أَخِيه ... قَالَ المرزباني فِي الموشح: أَخْبرنِي الصولي عَن أبي العيناء عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: أنشدت الرشيد أَبْيَات النَّابِغَة الْجَعْدِي من قصيدته الطَّوِيلَة: فَتى تمّ فِيهِ مَا يسر صديقه فَتى كملت أعراقه غير أَنه (أَشمّ طَوِيل الساعدين سميدع ... إِذا لم يرح للمجد أصبح غاديا) فَقَالَ الرشيد: ويله لم لم يروحه فِي الْمجد كَمَا أغداه أَلا قَالَ:

стр. 1271

فَقلت: أَنْت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا أعلم مِنْهُ بالشعر. وَمن أَبْيَات الْغَزل فِي هَذِه القصيدة (بَدَت فعل ود فَلَمَّا تبعتها ... تولت وبقت حَاجَتي فِي فؤاديا) (وحلت سَواد الْقلب لَا أَنا بَاغِيا ... سواهَا وَلَا فِي حبها متراخيا) قَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح: قَوْله فعل ذِي ود إِمَّا مصدر لبدت لِأَن المصادر وَمَا يشتق مِنْهَا يعبر عَنْهَا بلف الْفِعْل قَالَ تَعَالَى: وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون أَو لفعل مَحْذُوف أَي: بَدَت وَفعلت فعل ذِي ود أَي فاعلةً فعله. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بِتَقْدِير: كَفعل ذِي ود وَالْمعْنَى: فعلت معي فعل ذِي محبَّة) وَقَوله: وحلت سَواد الْقلب هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة أوردوه شَاهدا على عمل لَا عمل لَيْسَ فِي الْمعرفَة وَهُوَ شَاذ. وَأجِيب عَنهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الأَصْل لَا أرى بَاغِيا فَلَمَّا حذف الْفِعْل برز الضَّمِير فباغياً حَال. وَالثَّانِي: أَن أَنا مُبْتَدأ وَالْفِعْل الْمُقدر الْمَذْكُور خَبره. وَرُوِيَ: لَا أَنا مبتغ سواهَا وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ على أَن لَيْسَ وَلَا يكون وخلا وَعدا لَا يستعملن فِي الِاسْتِثْنَاء

стр. 1272

المفرغ وَقد جَاءَ التفريغ فِي لَيْسَ كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف أَي: مَا ترك الصنع شَيْئا إِلَّا جلدا وأعظماً. فالمنصوب بعد لَيْسَ خَبَرهَا وَاسْمهَا قد بَينه الشَّارِح. وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ فَمَا ترك الصنع الَّذِي قد صَنعته بِالْخِطَابِ مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز أَرَادَ بصنعه تقريب ضِدّه: زيد بن أسلم وَمَا عَامل بِهِ الْأَحْوَص من الْجفَاء. وَقَوله: وَلَا الغيظ عطف على الصنع. ثمَّ ذكر الشَّارِح أَن هَذِه الْأَفْعَال لم تسْتَعْمل إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل. . أَقُول: قد وَردت خلا فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع كَقَوْل العجاج وَهُوَ من أبياته كَمَا مر شَرحه: (وبلدة لَيْسَ بهَا طوري ... وَلَا خلا الْجِنّ بهَا إنسي) فَإِن قَوْله إنسي هُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالْجِنّ هُوَ الْمُسْتَثْنى وجنس كل مِنْهُمَا مُغَاير لجنس الآخر. وَالْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة أدنى زيد بن أسلم وجفا الْأَحْوَص فَقَالَ لَهُ الْأَحْوَص: (أَلَسْت أَبَا حَفْص هديت مخبري ... أَفِي الْحق أَن أقْصَى وتدني ابْن أسلما)

стр. 1273

فَقَالَ عمر ذَلِك هُوَ الْحق قَالَ الزبير وأنشدنيها عبد الْملك ابْن الْمَاجشون (أَلا صلَة الْأَرْحَام أقرب للتقى ... وَأظْهر فِي أكفائه لَو تكرما) (فَمَا ترك الصنع الَّذِي قد صَنعته ... وَلَا الغيظ مني لَيْسَ جلدا وأعظما) (وَكُنَّا ذَوي قربى إِلَيْك فَأَصْبَحت ... قرابتنا ثدياً أجد مصرما) (وَكنت لما أرجوه مِنْك كبارق ... لوى قطره من بعد مَا كَانَ غيما) (وَقد كنت أَرْجَى النَّاس عِنْدِي مَوَدَّة ... ليَالِي كَانَ الظَّن غيباً مرجما)) (أعدك حرْزا إِن جنيت ظلامة ... ومالاً ثرياً حِين أحمل مغرما) (تدارك بعتبى عاتباً ذَا قرَابَة ... طوى الغيظ لم يفتح بسخط لَهُ فَمَا) وَهَذِه القصيدة أرسلها إِلَى عمر وَهُوَ منفي بدهلك كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك قد نَفَاهُ لما تقدم فِي تَرْجَمته فَبَقيَ هُنَاكَ مَحْبُوسًا مُدَّة سُلَيْمَان ثمَّ ولي

стр. 1274

عمر بن عبد الْعَزِيز فَكتب إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْقدوم ويمدحه فَأبى أَن يَأْذَن لَهُ. وَكَانَ فِيمَا كتب إِلَيْهِ: (أيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... هديت أَمِير الْمُؤمنِينَ رسائلي) (وَقل لأبي حَفْص إِذا مَا لَقيته ... لقد كنت نَفَّاعًا قَلِيل الغوائل) (فَكيف ترى للعيش طيبا وَلَذَّة ... وخالك أَمْسَى موثقًا فِي الحبائل) وَأنْشد بعده وَهُوَ (وكل أبي باسل غير أنني ... إِذا عرضت أولى الطرائد أبسل) على أَن غيراً تسْتَعْمل فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل. وَقد مر مافيه آنِفا. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مَشْهُورَة للشنفرى تسمى لامية الْعَرَب مطْلعهَا: (أقِيمُوا بني أُمِّي صُدُور مطيكم ... فَإِنِّي إِلَى قوم سواكم لأميل) (فقد حمت الْحَاجَات وَاللَّيْل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل) (وَفِي الأَرْض منأى للكريم عَن الْأَذَى ... وفيهَا لمن خَافَ القلى متغزل) (لعمرك مَا بِالْأَرْضِ ضيق على امْرِئ ... سرى رَاغِبًا أَو رَاهِبًا وَهُوَ يعقل) (ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيال) (هم الْأَهْل لَا مستودع السِّرّ ذائع ... لديهم وَلَا الْجَانِي بِمَا جر يخذل) وكل أبي باسل غير أنني (وَإِن مدت الْأَيْدِي إِلَى الزَّاد لم أكن ... بأعجلهم إِذْ أجشع الْقَوْم أعجل) (وَمَا ذَاك إِلَّا بسطة عَن تفضل ... عَلَيْهِم وَكَانَ الْأَفْضَل المتفضل)

стр. 1275

. وَهَذِه القصيدة قد شرحها جمَاعَة مِنْهُم الْخَطِيب التبريزي والزمخشري وَابْن الشجري وَابْن أكْرم. وَلم يحضرني الْآن غير الأول وَالثَّانِي: قَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: إِن القصيدة المنسوبة إِلَى الشنفرى الَّتِي أَولهَا: أقِيمُوا بني أُمِّي صُدُور مطيكم لَهُ هِيَ من الْمُقدمَات فِي الْحسن والفصاحة والطول. وَكَانَ أقدر النَّاس على قافية. انْتهى.) وعدتها ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ بَيْتا وَقد اسْتشْهد الشَّارِح مِنْهَا بِسِتَّة أَبْيَات أخر فِي بَاب الْجمع وَفِي الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَفِي رب من حُرُوف الْجَرّ وَفِي حُرُوف الشَّرْط. وَقَوله: أقِيمُوا بني أُمِّي الخ يُقَال: أَقَامَ صدر مطيته. إِذا جد فِي السّير وَكَذَلِكَ إِذا جد فِي أَمر كَانَ. يُؤذن قومه بالرحيل وَأَن غفلتهم عَنهُ توجب مفارقتهم. وبني أُمِّي: منادى وأضاف الْأَبْنَاء إِلَى الْأُم لِأَنَّهَا أَشد شَفَقَة كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن هرون: يَا ابْن أم. وأميل هُنَا بِمَعْنى مائل وَنَظِيره كثير نَحْو أكبر وأوحد. وَقَوله: فقد حمت الْحَاجَات الخ يُرِيد تنبهوا من رقدتكم فَهَذَا وَقت الْحَاجة وَلَا عذر لكم فَإِن اللَّيْل كالنهار فِي الضَّوْء والآلة حَاضِرَة. وحمت بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: حم الشَّيْء بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: قدر وهيئ. وأقمر اللَّيْل أَي: أَضَاء. والطية بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الطية النِّيَّة قَالَ الْخَلِيل: الطية تكون منزلا وَتَكون منتأى تَقول: مضى

стр. 1276

لطيته أَي: لنيته الَّتِي انتواها وبعدت عَنَّا طيته وَهُوَ الْمنزل الَّذِي انتواه وَمضى لطيته وطية بعيدَة: أَي شاسعة. وَقَوله: وَفِي الأَرْض منأى الخ المنأى: اسْم مَكَان من نأى أَي: بعد وَهُوَ مُتَعَلق قَوْله عَن الْأَذَى. والقلى بِكَسْر الْقَاف: البغض وَإِن فتحتها مددت. ومتعزل بِفَتْح الزاء: اسْم مَكَان من تعزله بِمَعْنى اعتزله. وَقَوله: ولي دونكم الخ أورد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْجمع. وَدون هُنَا بِمَعْنى غير. والسَّيِّد بِكَسْر السِّين: الذِّئْب وَالْأُنْثَى سيدة وَرُبمَا سمي بِهِ الْأسد. والعملس بِفَتْح الْعين وَالْمِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة: الْقوي على السّير السَّرِيع. وَأَرَادَ بالأرقط النمر وَهُوَ مَا فِيهِ سَواد يشوبه نقط بيض. والزهلول بِضَم الزَّاي: الأملس وَفِي الْعباب: يُقَال للضبع عرفاء لِكَثْرَة شعر رقبَتهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وجيأل على وزن فيعل: اسْم للضبع معرفَة وَتَكون بَدَلا من عرفاء وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث. وَقَوله: هم الْأَهْل الخ أَي: مَا ذكرته من الوحوش هم الْأَهْل لَا غَيرهم. وَبَين وَجه انحصار الْأَهْلِيَّة فيهم دون من عداهم من الْإِنْس بقوله: لَا مستودع السِّرّ إِلَى آخِره أَي: السِّرّ الْمُسْتَوْدع عِنْدهم غير ذائع. والجاني: اسْم فَاعل من جنى عَلَيْهِ جِنَايَة أَي: أذْنب. وَالْبَاء سَبَبِيَّة. وجر بِمَعْنى جنى يُقَال: جر عَلَيْهِم جريرةً أَي: جنى عَلَيْهِم جِنَايَة ويخذل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من خذلته) وخذلت عَنهُ من بَاب قتل وَالِاسْم الخذلان: إِذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عَنهُ.

стр. 1277

فَهُوَ آب وَأبي. والباسل: الجريء الشجيع من بسل بسالة مثل ضخم ضخامة بِمَعْنى شجع فَهُوَ باسل. وَقَوله: غير أنني الخ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. وَعرضت من عرض لَهُ كَذَا من بَاب ضرب: أَي: ظهر. وَأولى: مؤنث الأول. والطريدة: مَا طردت من صيد وَغَيره وَالْمرَاد هُنَا الفرسان ومطاردة الأقران فِي الْحَرْب إِذا حمل بَعضهم على بعض يُقَال: هم فرسَان الطراد. وأبسل: أفعل تَفْضِيل. وَقَوله: وَإِن مدت الْأَيْدِي الخ وصف عدم شرهه على الطَّعَام وَصَبره على الْجُوع. وَهَذَا مدح عِنْد الْعَرَب. والزاد: مَا يُؤْكَل وَأَصله الطَّعَام الْمُتَّخذ للسَّفر. وَالْبَاء فِي قَوْله: بأعجلهم زَائِدَة دخلت فِي خبر الْكَوْن الْمَنْفِيّ. وَقد اسْتشْهد لَهُ شرَّاح الألفية بِهَذَا الْبَيْت. وأجشع: أفعل تَفْضِيل من الجشع بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ أَشد الْحِرْص وَفعله من بَاب فَرح. وَأعجل الأول بِمَعْنى عجل بِفَتْح فَكسر لَا أَنه أفعل تَفْضِيل كالثاني لِأَن مُرَاده أَن يَنْفِي العجلة كَبِير مدح. وَالشّرط وَالْجَوَاب هُنَا كلهما حِكَايَة حَال مَاضِيَة وَلذَلِك صَحَّ وُقُوع لم فِي جَوَاب الشَّرْط. وَقَوله: وَمَا ذَاك إِلَّا بسطة الخ الْإِشَارَة رَاجِعَة إِلَى عدم مد يَده إِلَى الزَّاد مستعجلاً وَقيل رَاجِعَة إِلَى مَجْمُوع مَا مدح بِهِ نَفسه. والبسطة: السعَة. والتفضل: الإنعام يُقَال: تفضل عَلَيْهِ وَأفضل إفضالاً بِمَعْنى. وَالْأَفْضَل خبر كَانَ تقدم على اسْمهَا وَهُوَ المتفضل. والشنفرى شَاعِر جاهلي قحطاني من الأزد. وَهُوَ كَمَا فِي الجمهرة وَغَيرهَا من بني الْحَارِث بن ربيعَة بن الأواس بن الْحجر بن الهنء بن الأزد.

стр. 1278

وَهُوَ بِفَتْح الشين وَآخره ألف مَقْصُورَة وَهُوَ اسْمه. والأواس بِفَتْح الْهمزَة. وَالْحجر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم. والهنء بِتَثْلِيث الْهَاء وَسُكُون النُّون وَبعدهَا همزَة. وَزعم بَعضهم أَن الشنفرى لقبه وَمَعْنَاهُ عَظِيم الشّفة وَأَن اسْمه ثَابت بن جَابر. وَهَذِه غلظ كَمَا غلظ الْعَيْنِيّ فِي زَعمه أَن اسْمه عَمْرو بن براق بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة بل هما صَاحِبَاه فِي التلصص وَكَانَ الثَّلَاثَة أعدى العدائين فِي الْعَرَب لم تلحقهم الْخَيل وَلَكِن جرى الْمثل بالشنفرى فَقيل: أعدى من الشنفرى. وَمن حَدِيثه مَا ذكره أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ كَمَا نَقله ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات وَحَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي الدرة الفاخرة قَالَ: أغار تأبط شرا وَهُوَ ثَابت بن جَابر والشنفرى) الْأَزْدِيّ وَعَمْرو بن براق على بجيلة بِفَتْح الْبَاء وَكسر الْجِيم. فوجدوا بجيلة قد أقعدوا لَهُم على المَاء رصداً فَلَمَّا مالوا لَهُ فِي جَوف اللَّيْل قَالَ لَهُم تأبط شرا: إِن بِالْمَاءِ رصداً. وَإِنِّي لأسْمع وجيب قُلُوب الْقَوْم أَي: اضْطِرَاب قُلُوبهم قَالُوا: وَالله مَا نسْمع شَيْئا وَلَا هُوَ إِلَّا قَلْبك يجب فَوضع يَده على قلبه فَقَالَ: وَالله مَا يجب وَمَا كَانَ وجاباً قَالُوا: فَلَا وَالله مَا لنا بُد من وُرُود المَاء فَخرج الشنفرى فَلَمَّا رَآهُ الرصد عرفوه فَتَرَكُوهُ فَشرب ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: وَالله مَا بِالْمَاءِ أحد وَلَقَد شربت من الْحَوْض فَقَالَ تأبط شرا: بلَى لَا يريدونك وَلَكِن يريدونني. ثمَّ ذهب ابْن براق فَشرب ثمَّ رَجَعَ فَلم يعرضُوا لَهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْمَاءِ أحد فَقَالَ تأبط شرا: بلَى لَا يريدونك وَلَكِن يريدونني ثمَّ قَالَ للشنفرى: إِذا أَنا كرعت فِي الْحَوْض فَإِن الْقَوْم سيشدون عَليّ

стр. 1279

فيأسرونني فَاذْهَبْ كَأَنَّك تهرب ثمَّ ارْجع فَكُن فِي أصل ذَلِك الْقرن فَإِذا سمعتني أَقُول: خُذُوا خُذُوا فتعال فاطلقني. وَقَالَ لِابْنِ براق: إِنِّي سآمرك إِن تستأسر للْقَوْم فَلَا تبعد مِنْهُم وَلَا تمكنهم من نَفسك. ثمَّ أقبل تأبط شرا حَتَّى ورد المَاء فَلَمَّا كرع فِي الْحَوْض شدوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ وكتفوه بِوتْر وطار الشنفرى فَأتى حَيْثُ أمره وانحاز ابْن براق حَيْثُ يرونه فَقَالَ تأبط شرا: يَا بجيلة هَل لكم فِي خير هَل لكم أَن تياسرونا فِي الْفِدَاء ويستأسر لكم ابْن براق فَقَالُوا: نعم وَيلك يَا ابْن براق إِن الشنفرى قد طَار فَهُوَ يصطلي نَار بني فلَان وَقد علمت الَّذِي بَيْننَا وَبَين أهلك فَهَل لَك أَن تستأسر ويياسرونا فِي الْفِدَاء فَقَالَ: أما وَالله حَتَّى أروز نَفسِي شوطاً أَو شوطين. فَجعل يعدو فِي قبل الْجَبَل ثمَّ يرجع حَتَّى إِذا رَأَوْا أَنه قد أعيا وطمعوا فِيهِ اتَّبعُوهُ ونادى تأبط شرا: خُذُوا خُذُوا فَذَهَبُوا يسعون فِي أَثَره فَجعل يُطعمهُمْ وَيبعد عَنْهُم وَرجع الشنفرى إِلَى تأبط شرا فَقطع وثَاقه فَلَمَّا رَآهُ ابْن براق قد قطع عَنهُ انْطلق وكر إِلَى تأبط شرا فَإِذا هُوَ قَائِم فَقَالَ: أعجبكم يَا معشر بجيلة عَدو ابْن براق أما وَالله لأعدون لكم عدوا أنسيكموه ثمَّ انْطلق هُوَ والشنفرى. انْتهى. وَمن الْمَشْهُورين فِي الْعَدو السليك بن السلكة وَهُوَ تميمي من بني سعد. والسليك بِالتَّصْغِيرِ: فرخ الحجلة والنثى سلكة بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي اسْم أمه وَكَانَت سَوْدَاء وإليها نسب. وَذكر أَبُو عُبَيْدَة

стр. 1280

السليك فِي العدائين مَعَ الْمُنْتَشِر بن وهب الْبَاهِلِيّ وأوفى بن مطر الْمَازِني.) والمثل للسليك من بَينهم فَقيل: أعدى من السليك. وَمن حَدِيثه فِيمَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة كَمَا نَقله حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي الدرة الفاخرة: أَن السليك رَأَتْهُ طلائع لجيش بكر بن وَائِل جاؤوا متجردين ليغيروا على بني تَمِيم وَلَا يعلم بهم فَقَالُوا: إِن علم بِنَا السليك أنذر قومه فبعثوا إِلَيْهِ فارسين على جوادين فَلَمَّا هايجاه خرج يعدو كَأَنَّهُ ظَبْي فطارداه يَوْمًا أجمع ثمَّ قَالَا: إِذا كَانَ اللَّيْل أعيا فَيسْقط فنأخذه. فَلَمَّا أصبحا وجدا أَثَره قد عثر بِأَصْل شَجَرَة وَقد وثب وانحطمت قوسه فوجدا قِطْعَة مِنْهَا قد ارتزت بِالْأَرْضِ فَقَالَا: لَعَلَّ هَذَا كَانَ من أول اللَّيْل ثمَّ فتر فتبعاه فَإِذا أَثَره متفاجاً قد بَال فِي الأَرْض وخدها فَقَالَا: مَاله قَاتله الله مَا أَشد مَتنه وَالله لَا نتبعه فانصرفا. وَوصل السليك إِلَى قومه فأنذرهم فَكَذبُوهُ لبعد الْغَايَة وَجَاء الْجَيْش فَأَغَارُوا عَلَيْهِم. رَجعْنَا إِلَى حَدِيث الشنفرى. روى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أَن الشنفرى أسرته بَنو شَبابَة وهم حَيّ من فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان وَهُوَ غُلَام صَغِير فَلم يزل فيهم حَتَّى أسرت بَنو سلامان بن مفرج بِسُكُون الْفَاء وَآخره جِيم رجلا من فهم ثمَّ أحد بني شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ففدته بَنو شَبابَة بالشنفرى فَكَانَ الشنفرى فِي بني سلامان بِفَتْح الْمُهْملَة يظنّ أَنه أحدهم حَتَّى نازعته ابْنة الرجل

стр. 1281

الَّذِي كَانَ فِي حجره وَكَانَ قد اتَّخذهُ ابْنا فَقَالَ لَهَا: اغسلي رَأْسِي يَا أخية فأنكرت أَن يكون أخاها فلطمته فَذهب مغاضباً إِلَى الَّذِي هُوَ فِي حجره فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي من أَنا فَقَالَ لَهُ: أَنْت من الأواس بن الْحجر فَقَالَ: أما إِنِّي سأقتل مِنْكُم مائَة رجل بِمَا اعتبدتموني ثمَّ إِن الشنفرى لزم دَار فهم وَكَانَ يُغير على بني سلامان على رجلَيْهِ فِيمَن تبعه من فهم وَكَانَ يُغير عَلَيْهِم وَحده أَكثر وَمَا زَالَ يقتل مِنْهُم حَتَّى قتل تِسْعَة وَتِسْعين رجلا حَتَّى قعد لَهُ فِي مَكَان أسيد بن جَابر السلاماني بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين وَمَعَ أسيد ابْن أَخِيه وخازم البقمي وَكَانَ الشنفرى قتل أَخا أسيد بن جَابر فَمر عَلَيْهِم الشنفرى فأبصر السوَاد بِاللَّيْلِ فَرَمَاهُ وَكَانَ لَا يرى سواداً إِلَّا رَمَاه فَشك ذِرَاع ابْن أخي أسيد إِلَى عضده فَلم يتَكَلَّم وَكَانَ خازم منبطحاً يرصده فَقطع الشنفرى بضربة أصبعين من أَصَابِع خازم وَضَبطه خازم حَتَّى لحقه أسيد وَابْن أَخِيه فَأخذُوا سلَاح الشنفرى وأسروه وأدوه إِلَى أهلهم وَقَالُوا لَهُ: أنشدنا فَقَالَ: إِنَّمَا النشيد على المسرة فَذَهَبت مثلا. ثمَّ ضربوا يَده فقطعوها ثمَّ قَالُوا لَهُ حِين أَرَادوا قَتله أَيْن نقبرك فَقَالَ:) (لَا تقبروني إِن قَبْرِي محرم ... عَلَيْكُم وَلَكِن أَبْشِرِي أم عَامر) (إِذا احتملت رَأْسِي وَفِي الرَّأْس أكثري ... وغودر عِنْد الْمُلْتَقى ثمَّ سائري) ...

стр. 1282

(هُنَالك لَا أَرْجُو حَيَاة تسرني ... سجيس اللَّيَالِي مبسلاً بالجرائر) وَكَانَت حلفة الشنفرى على مائَة قَتِيل من بني سلامان فَبَقيَ عَلَيْهِ مِنْهُم رجل إِلَى أَن قتل. فَمر رجل من بني سلامان بجمجمته فضرها بِرجلِهِ فعقرته فتم بِهِ عدد الْمِائَة. . وذرع خطو الشنفرى يَوْم قتل فَوجدَ أول نزوة نزاها إِحْدَى وَعشْرين خطْوَة وَالثَّانيَِة سبع عشرَة خطْوَة ... وَكَانَ حرَام بن جَابر أَخُو أسيد بن جَابر الْمَذْكُور قتل أَبَا الشنفرى وَلما قدم منى وَبهَا حرَام بن جَابر فَقيل للشنفرى: هَذَا قَاتل أَبِيك فَشد عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ سبق النَّاس على رجلَيْهِ وَقَالَ: (قتلت حَرَامًا مهدياً بملبد ... بِبَطن منى وسط الحجيج المصوت) وَقيل فِي سَبَب قتل الشنفرى غير هَذَا وَهُوَ مسطور فِي شرح المفضليات والأغاني. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س: (فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا ... يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها) على أَن قَوْله كواكبها بِالرَّفْع بدل من الضَّمِير فِي يَحْكِي الرَّاجِع إِلَى

стр. 1283

أحد مَعَ أَن مرجع الضَّمِير لَيْسَ مَعْمُولا للابتداء أَو أحد نواسخه. وَأما نرى فَهِيَ بصرية والمبصر هُوَ أحد وكواكبها لَا أَنَّهَا قلبية فَتكون من النواسخ خلافًا لسيبويه فيهمَا أَي: فِي اشْتِرَاط مرجع الضَّمِير أَن يكون مَعْمُولا للابتداء أَو ناسخه وَفِي جعله نرى قلبية. هَذَا محصلما نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَن سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَ فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْمقَام وَاحِد مِنْهُمَا وَلَعَلَّ مَا نَقله الشَّارِح ثَابت فِي مَوضِع آخر من كِتَابه. وَأما عِبَارَته هُنَا فَهِيَ هَذِه: وَتقول مَا مَرَرْت بِأحد يَقُول ذَاك إِلَّا عبد الله وَمَا رَأَيْت أحدا يفعل ذَلِك إِلَّا زيدا. هَذَا وَجه الْكَلَام. وَإِن حَملته على الْإِضْمَار الَّذِي فِي الْفِعْل فَقلت: غلآ زيد فَرفعت فعربي قَالَ الشَّاعِر: (فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا ... يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها) وَكَذَلِكَ مَا أَظن أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيدا. وَإِن رفعت فَجَائِز حسن. وَإِنَّمَا اختير النصب هَا) هُنَا لأَنهم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا الْمُسْتَثْنى بِمَنْزِلَة الْمُبدل مِنْهُ وَلَا يكون بَدَلا إِلَّا من منفي لِأَن الْمُبدل مِنْهُ مَنْصُوب منفي ومضمره مَرْفُوع فأرادوا أَن يجْعَلُوا الْمُسْتَثْنى بَدَلا من أحد لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْفِيّ وَجعلُوا يَقُول ذَلِك وَصفا للمنفي. وَقد تكلمُوا بِالْآخرِ لِأَن مَعْنَاهُ معنى الْمَنْفِيّ إِذْ كَانَ وَصفا لمنفي. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ صَرِيح فِي عدم اشْتِرَاط وَاحِد مِنْهُمَا يدلك عَلَيْهِ عطف قَوْله: وَكَذَلِكَ مَا أَظن أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيدا على قَوْله: مَا رَأَيْت أحدا يفعل ذَلِك إِلَّا زيدا فَإِنَّهُ سوى بَين الْفِعْل القلبي وَالْفِعْل الْبَصْرِيّ وَغَيرهمَا.

стр. 1284

وَمعنى قَوْله: تكلمُوا بِالْآخرِ أَي: تكلمُوا بِالرَّفْع فِي الْمُسْتَثْنى. وَكَذَلِكَ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ للنحاس والأعلم: قَالَ النّحاس: قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد: أبدل الْكَوَاكِب من الْمُضمر فِي يَحْكِي وَلَو أبدله من أحد لَكَانَ أَجود لِأَن أحدا منفي فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَالَّذِي فِي الْفِعْل بعده منفي فِي الْمَعْنى. قَالَ: وَمثل ذَلِك مَا علمت أحدا دخل الدَّار إِلَّا زيدا وَإِلَّا زيد النصب على الْبَدَل من أحد وعَلى أصل الِاسْتِثْنَاء وَالرَّفْع على الْبَدَل من الْمُضمر انْتهى. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي الْقَاعِدَة الَّتِي يعْطى الشَّيْء فِيهَا حكم مَا أشبهه فِي مَعْنَاهُ من الْبَاب الثَّامِن: قَوْلهم إِن أحدا لايقول ذَلِك فأوقع أحد فِي الْإِثْبَات لِأَنَّهُ نفس الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يَقُول وَالضَّمِير فِي سِيَاق النَّفْي فَكَأَن أحدا كَذَلِك وَقَالَ: فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا فَرفع كواكبها بَدَلا من ضمير يَحْكِي لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى أحد وَهُوَ وَاقع فِي سِيَاق غير الْإِيجَاب فَكَانَ الضَّمِير كَذَلِك. وَقَالَ أَيْضا فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء من الْجِهَة الْخَامِسَة من الْبَاب الْخَامِس: إِن قلت مَا رَأَيْت أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد إِن رفع زيد فرفعه من وَجه وَهُوَ كَونه بَدَلا من ضمير يَقُول وَمِنْه هَذَا الْبَيْت. وَإِن نصب فنصبه من وَجْهَيْن على الْبَدَلِيَّة من أحد وعَلى الِاسْتِثْنَاء. فَإِن قلت: مَا أحد يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد فرفعه من وَجْهَيْن: كَون زيد بَدَلا من أحد وَهُوَ الْمُخْتَار وَكَونه بَدَلا من ضَمِيره ونصبه من جِهَة وَهُوَ على الِاسْتِثْنَاء وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي الشَّرْح قَرِيبا.

стр. 1285

وَقد نقل الدماميني هُنَا مَا اعْترض بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق على سِيبَوَيْهٍ وَلم يزدْ عَلَيْهِ بِشَيْء.) وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: رفع كواكبها على الْبَدَل من الْمُضمر فِي يَحْكِي وَلَوْلَا احْتِيَاجه إِلَى تَصْحِيح القافية كَانَ النصب فِيهَا أولى من ثَلَاثَة أوجه: إبدالها من الظَّاهِر الَّذِي تنَاوله النَّفْي على الْحَقِيقَة وَالثَّانِي: نصبها على أصل بَاب الِاسْتِثْنَاء كَقِرَاءَة ابْن عَامر: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالثَّالِث: أَنه اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس كَقَوْلِك: مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا الْخيام. وَأهل الْحجاز مجمعون فِيهِ على النصب وعَلى ذَلِك أجمع الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى: مَالهم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن انْتهى. وَقَوله: يَحْكِي علينا الْحِكَايَة بِمَعْنى الرِّوَايَة. وعَلى بِمَعْنى عَن وَقد يُقَال ضمن يَحْكِي معنى ينم. قالهما ابْن هِشَام فِي الْبَاب الأول من الْمُغنِي. وَهَذَا الْبَيْت نسبه الشَّارِح الْمُحَقق إِلَى عدي بن زيد مُوَافقَة لشراح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَلم ينْسبهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه إِلَى أحد وَإِنَّمَا أوردهُ غفلاً. وَقد تصفحت ديوَان عدي بن زيد مرَّتَيْنِ فَلم أَجِدهُ فِيهِ وَإِنَّمَا هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأحيحة بن الجلاح الْأنْصَارِيّ أثبتها لَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني وَهِي: (يشتاق قلبِي إِلَى مليكَة لَو ... أَمْسَى قَرِيبا لمن يطالبها) ...

стр. 1286

(مَا أحسن الْجيد من مليكَة وَال ... لبات إِذْ زانها ترائبها) (يَا لَيْتَني لَيْلَة إِذا هجع ال ... نَاس ونام الْكلاب صَاحبهَا) (فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا ... يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها) (ولتبكني نَاقَة إِذا رحلت ... وَغَابَ فِي سربخ مناكبها) (ولتبكني عصبَة إِذا اجْتمعت ... لم يعلم النَّاس مَا عواقبها) وبهذه الأبيات عرف أَن القافية مَرْفُوعَة. وَقَوله: لَو أَمْسَى الخ لَو لِلتَّمَنِّي وَاسم أَمْسَى ضمير الْقلب وَمن مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّتِي. ومليكة بِالتَّصْغِيرِ: اسْم امْرَأَة. وَقَوله: مَا أحسن الْجيد مَا تعجبية. واللبة بِفَتْح اللَّام: مَوضِع القلادة من الصَّدْر. والترائب: جمع تريبة وَهِي عِظَام الصَّدْر مَا بَيت الترقوتين إِلَى الثدي. وَقَالَ ابْن الشجري: اللبة: الْموضع الَّذِي عَلَيْهِ طرف القلادة. والترائب واحدتها تريبة وَقيل تريب وَهُوَ الصَّدْر وَإِنَّمَا جَمعهمَا لما حولهما كَأَنَّهُ سمّى مَا يجاور اللبة لبّة وَمَا يجاور التربية تربية كَمَا قَالُوا: شابت مفارقه. وَقَوله: يَا لَيْتَني لَيْلَة الخ صَاحبهَا خبر لَيْت وَلَيْلَة ظرف) لصَاحِبهَا وَإِذا بدل مِنْهَا بدل اشْتِمَال والمضير مقدّر أَي: هجع النَّاس فِيهَا. وَقَوله: فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا ... الخ فِي لَيْلَة بدل من قَوْله إِذا وَجُمْلَة لَا نرى بهَا الخ صفة لَيْلَة ونرى بالنُّون يوروى بِالتَّاءِ وَهُوَ قريب. وَجُمْلَة يَحْكِي علينا: صفة أحدا. وَرُوِيَ بدله: يسْعَى علينا من سعى بِهِ إِلَى الْوَالِي: إِذا وشى بِهِ ونمّ عَلَيْهِ. وَقَوله: تبكني هُوَ أَمر الْغَائِب. والقينة بِالْفَتْح: الْأمة مغنية كَانَت كَمَا هُنَا أَو غير مغنية. والمزهر بِكَسْر الْمِيم: الْعود الَّذِي يضْرب بِهِ من آلَات الملاهي. والقهوة: الْخمر. وَقَوله: إِذا رحلت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول

стр. 1287

من رحلت الْبَعِير رحلاً من بَاب نفع: إِذا شددت عَلَيْهِ رَحْله وَهُوَ أَصْغَر من القتب. وَقَوله: وَغَابَ فِي سربخ الخ السربخ بِفَتْح السِّين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وفتحالموحدة وَآخره خاء مُعْجمَة: الأَرْض الواسعة. وَقَوله: مَا عواقبها مَا استفهامية مُبْتَدأ وعواقبها الْخَبَر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع مفعولي علم المعلّق عَن الْعَمَل بالاستفهام. وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ مُشِيرا إِلَى أَن هَذَا الْبَيْت لأحيحة بن الجلاح بقوله: وَالْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ سيبلويه شَاهدا على جَوَاز الرّفْع من مَقْطُوعَة لرجل من الْأَنْصَار. وَرُوِيَ أَنه لما أدخلت حبابة على يزِيد بن عبد الْملك دخلت وَعَلَيْهَا ثِيَاب معصفرة وبيدها دفّ وَهِي تصفقه بِيَدِهَا وتغني بِهَذِهِ الأبيات: (مَا أحسن الْجيد من مليكَة وَال ... لّبات إِذْ زانها ترائبها) (يَا لَيْتَني لَيْلَة إِذا هجع ال ... نَاس ونام الْكلاب صَاحبهَا) (فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا ... يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها) ثمَّ قَالَ ابْن الشجري: وَوَقع فِي أَكثر نسخ كتاب سِيبَوَيْهٍ غير مَنْسُوب إِلَى شَاعِر مسمّى وَوَجَدته فِي كتاب لغويّ مَنْسُوبا إِلَى عدي بن زيد وتصفحت نسختين من ديوَان شعر عديّ فَلم أجد فيهمَا هَذِه المقطوعة بل وجدت لَهُ قصيدة على هَذَا الْوَزْن وَهَذِه القافية أَولهَا: (لم أر مثل الأقوام فِي غبن الْأَيَّام ... ينسون مَا عواقبها) (يرَوْنَ إخْوَانهمْ ومصرعهم ... وَكَيف تعتاقهم مخالبها) (فَمَا ترجّي النُّفُوس من طلب الْخَيْر ... وَحب الْحَيَاة كاذبها)

стр. 1288

ثمَّ قَالَ: قَوْله: فِي غبن الْأَيَّام يدلّ على أَنهم قد استعملوا الْغبن المتحرك الْأَوْسَط فِي البيع) وَالْأَشْهر غبنه فِي البيع غبناً بِسُكُون وَسطه والأغلب على الْغبن المفتوح أَن يسْتَعْمل فِي الرَّأْي وَفعله غبن يغبن مثل فَرح يفرح يُقَال: غبن رَأْيه وَالْمعْنَى: فِي رَأْيه. ومفعول الْغبن فِي الْبَيْت مَحْذُوف أَي: فِي غبن الْأَيَّام إيَّاهُم. وَمِمَّا اسْتعْمل فِيهِ الْغبن المفتوح الْأَوْسَط فِي البيع قَول الْأَعْشَى: (لَا يقبل الرِّشْوَة فِي حكمه ... وَلَا يُبَالِي غبن الخاسر) وَقَوله: مَا عواقبها مَا استفهامية وينسون معلّق كَمَا علّق نقيضه وَهُوَ يعلمُونَ وَالتَّقْدِير: ينسون أيّ شَيْء عواقبها. وَمعنى قَوْله: وَحب الْحَيَاة كاذبها أَن حب النُّفُوس للحياة قد يَسْتَحِيل بغضاً لما يتَكَرَّر عَلَيْهَا من الشدائد والآفات الَّتِى يتَمَنَّى صَاحبهَا الْمَوْت كَمَا قَالَ المتنبي: (كفى بك دَاء أَن ترى الْمَوْت شافياً ... وَحسب المنايا أَن يكنّ أمانيا اه) وَبعد أَن نسب هَذِه الأبيات صَاحب الأغاني لأحيحة بن الجلاح بيّن منشأها فَقَالَ: إِن تبّعاً الْأَخير وَهُوَ أَبُو كرب بن حسان بن تبّع بن أسعد الْحِمْيَرِي أقبل من الْيمن يُرِيد الشرق كَمَا كَانَت التبابعة تفعل فمرّ بِالْمَدِينَةِ فخلّف بهَا ابْنه وَمضى حَتَّى قدم الْعرَاق فَنزل بالمشقّر فَقتل ابْنه بِالْمَدِينَةِ غيلَة فَبَلغهُ الْخَبَر فكرّ رَاجعا حَتَّى دخل الْمَدِينَة وَهُوَ مجمع على

стр. 1289

إخرابها وَقطع نخلها واستئصال أَهلهَا وَسبي الذرّية فَنزل بسفح أحد فاحتفر بهَا بِئْرا فِي الَّتِي يُقَال لَهَا إِلَى الْيَوْم: بِئْر الْملك ثمَّ أرسل إِلَى أَشْرَاف أهل الْمَدِينَة ليأتوه فَكَانَ مِمَّن أرسل إِلَيْهِ زيد بن ضبيعة وَابْن عمّه زيد بن أُميَّة وَابْن عَمه زيد بن عبيد وَكَانُوا يسمون الأزياد وأحيحة بن الجلاح فَلَمَّا جَاءَ رَسُوله قَالَ الأزياد: غنما أرسل إِلَيْنَا ليملّكنا على أهل يثرب فَقَالَ أحيحة: وَالله مَا دعَاكُمْ لخير وَكَانَ يُقَال إِن مَعَ أحيحة تَابعا من الْجِنّ يُعلمهُ الْخَبَر لِكَثْرَة صَوَابه لِأَنَّهُ كَانَ لَا يظنّ شَيْئا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُول فَخَرجُوا إِلَيْهِ وَخرج أحيحة وَمَعَهُ قينة لَهُ وخباء وخمر فَضرب الخباء وَجعل فِيهِ الْقَيْنَة وَالْخمر ثمَّ اسْتَأْذن على تبّع فَأذن لَهُ ة وَأَجْلسهُ على زربيّة تَحْتَهُ وتحدث مَعَه وَسَأَلَهُ عَن أَمْوَاله بِالْمَدِينَةِ فَجعل يُخبرهُ عَنْهَا فَخرج من عِنْده فَدخل خباءه فَشرب الْخمر وقرض أبياتاً وامر القينى أَن تغنيه بهَا وَجعل تبّع عَلَيْهِ حرساً وَكَانَت قَيْنَته تدعى مليكَة فَقَالَ: الأبيات الْمُتَقَدّمَة. فَلم تزل الْقَيْنَة تغنيه بذلك يَوْمه وعامّة ليلته فَلَمَّا نَام الحرس قَالَ لَهَا: إِنِّي ذَاهِب إِلَى أَهلِي فشدّي عَلَيْك الخباء فَإِذا جَاءَ رَسُول الْملك فَقولِي: هُوَ نَائِم فَإِذا أَبَوا إِلَّا أَن يوقظوني فَقولِي: قد رَجَعَ إِلَى أَهله أَرْسلنِي إِلَى الْملك برسالة فَإِن ذَهَبُوا بك إِلَيْهِ فَقولِي: يَقُول لَك) أحيحة اغدر بقينة أَو دع ثمَّ انْطلق فتحصّن فِي أطمه الضحيان فَأرْسل تبّع من جَوف اللَّيْل إِلَى الأزياد فَقَتلهُمْ. وَأرْسل إِلَى أحيحة ليَقْتُلهُ فَخرجت إِلَيْهِم الْقَيْنَة فَقَالَت: هُوَ رَاقِد فانصرفوا وترددوا عَلَيْهَا مرَارًا كل ذَلِك تَقول: هُوَ

стр. 1290

رَاقِد ثمَّ عَادوا فَقَالُوا: لتوقظنّه أَو لندخلن عَلَيْك قَالَت: فَإِنَّهُ قد رَجَعَ إِلَى أَهله وأرسلني إِلَى الْملك برسالة فَذَهَبُوا بهَا إِلَى الْملك وأبلغته الرسَالَة فجرّه لَهُ كَتِيبَة من خيله ثمَّ أرسلهم فِي طلبه فوجدوه قد تحصّن فِي أطمه فحاصروه ثَلَاثًا فَكَانَ يقاتلهم بِالنَّهَارِ ويرميهم بِالنَّبلِ وَالْحِجَارَة وَيَرْمِي إِلَيْهِم فِي اللَّيْل بِالتَّمْرِ. فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاث رجعُوا إِلَى تبع فَقَالُوا: بعثتنا إِلَى رجل يقاتلنا بِالنَّهَارِ ويضيفنا فِي اللَّيْل فَتَركه وَأمرهمْ أَن يحرقوا نخله وشبّت الْحَرْب بَين أهل الْمَدِينَة: اوسها وخزرجها ويهودها وَبَين تبّع وتحصنوا فِي الْآطَام فَخرج رجل من أَصْحَاب تبّع حَتَّى جَاءَ بني عدي بن النجار وهم متحصنون فِي أطمهم فَدخل حديقة من حدائقهم فرقي بهَا عذقاً مِنْهَا يجدّها فَاطلع إِلَيْهِ رجل من بني عدي من الأطم فَنزل إِلَيْهِ فَضَربهُ بمنجل حَتَّى قَتله ثمَّ أَلْقَاهُ فِي بِئْر فَلَمَّا انْتهى ذَلِك لى تبّع زَاده غيظاً وحنقاً وجرد إِلَى بني النجار جَرِيدَة من خيله فَقَاتلهُمْ بَنو النجار ... فَبينا يُرِيد تبع إخراب الْمَدِينَة اتاه حبران من الْيَهُود فَقَالَا: أَيهَا الْملك انْصَرف عَن هَذِه الْبَلدة فَإِنَّهَا مَحْفُوظَة وَإِنَّهَا مهَاجر نَبِي من بني إِسْمَاعِيل اسْمه أَحْمد يخرج من هَذَا الْحرم. فأعجبه مَا سمع مِنْهُمَا وكفّ عَن أَهلهَا. انْتهى مَا نقلته من الأغاني مُخْتَصرا. والأطم قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ مثل الأجم يُخَفف ويثقّل وَالْجمع آطام وَهِي حصون لأهل الْمَدِينَة والواحدة أطمة بِفَتَحَات. والضحيان بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء مثناة تحتية: اسْم حصن لأحيحة

стр. 1291

وَقد بَينه صَاحب الأغاني بعد هَذَا فَقَالَ: وَكَانَ لأحيحة أطمان أَطَم فِي قومه يُقَال لَهُ المستظل وَهُوَ الَّذِي تحصن فِيهِ حِين قَاتل تبعا أَبَا كرب الْحِمْيَرِي وأطمه الضحيان بالعصبة فِي أرضه الَّتِي يُقَال لَهَا الغابة بناه بحجارة. وَكَانَت الْآطَام عزّهم ومنعتهم وحصونهم الَّتِي يتحرزون فِيهَا من عدوهم. انْتهى كَلَامه. وَقد خَالف بَين كلاميه فَقَالَ هُنَاكَ: تحصّن بأطمه الضحيان. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: تحصن فِي أطمه المستظل. وأحيحة هُوَ أحيحة بن الجلاح بن الْحَرِيش بن جحجبى بن كلفة بن عَوْف بن عَمْرو بن مَالك بن) وأحيحة بضمّ الْهمزَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ: مصغّر الأحيحة وَهُوَ الغيظ وحزازة الغمّ. والجلاح بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره حاء مُهْملَة وَهُوَ فِي اللُّغَة السَّيْل الجراف. والحريش بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخره شين مُعْجَمه وَهُوَ نوع من الْحَيَّات أرقط. وجحجبى بحاء مُهْملَة سَاكِنة بَين جيمين مفتوحتين وَبعد الْمُوَحدَة ألف مَقْصُورَة وَهَذِه الْمَادَّة غير مَذْكُورَة فِي الصِّحَاح قَالَ صَاحب الْقَامُوس: جحجب الْعَدو: أهلكه وَفِي الشَّيْء: تردد وَجَاء وَذهب. وجحجب: اسْم. وجحجبى: حَيّ من الْأَنْصَار انْتهى. وكلفة بِضَم الْكَاف وَسُكُون اللَّام. وَكَانَ أحيحة سيد الْأَوْس فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت أم عبد الْمطلب بن هَاشم تَحْتَهُ. وَالْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عقبَة بن أحيحة صَحَابِيّ شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم بِئْر

стр. 1292

مَعُونَة كَذَا فِي الجمهرة. وعد عَبْدَانِ فِي الصَّحَابَة مُحَمَّد بن عقبَة هَذَا لكنه نسبه إِلَى جده فَقَالَ: مُحَمَّد بن أحيحة. وَقَالَ: بَلغنِي أَنه أول من سمي مُحَمَّدًا وَأَظنهُ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين سموا مُحَمَّدًا قبل مولد النَّبِي ﷺ َ. وَأَبوهُ كَانَ زوج سلمى أم عبد الْمطلب. قَالَ ابْن الْأَثِير: من يكون أَبوهُ تزوج أم عبد الْمطلب مَعَ طول عمر عبد الْمطلب كَيفَ تكون لَهُ صُحْبَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ هَذَا بعيد وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن الْمُنْذر بن عقبَة بن أحيحة الَّذِي ذكرُوا أَبَاهُ فِيمَن شهد بَدْرًا. قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: وَفِيه نظر لأَنهم لم يذكرُوا للمنذر ولدا اسْمه مُحَمَّد انْتهى. وَالصَّوَاب مَا فِي الجمهرة وَبِه يَزُول الْإِشْكَال. قَالَ صَاحب الأغاني: وَكَانَت عِنْد أحيحة سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش إِحْدَى نسَاء بني عدي بن النجار لَهُ مِنْهَا عَمْرو بن أحيحة ثمَّ أَخذهَا هَاشم بعد أحيحة فَولدت لَهُ عبد الْمطلب بن هَاشم وَكَانَت امْرَأَة شريفة لَا تنْكح الرِّجَال إِلَّا وأمرها بِيَدِهَا وَإِذا كرهت من رجل شَيْئا تركته. وَكَانَ أحيحة كثير اللمال شحيحاً عَلَيْهِ يَبِيع بيع الرِّبَا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَاد يُحِيط بِأَمْوَالِهِمْ وَكَانَ لَهُ تسع وَتسْعُونَ بِئْرا كلهَا ينضح عَلَيْهَا وَكَانَ لَهُ أطمان: أَطَم فِي قومه يُقَال لَهُ المستظل وَهُوَ الَّذِي تحصن فِيهِ حِين قَاتل تبعا الْحِمْيَرِي وأطمه الضحيان بالعصبة فِي أرضه الَّتِي يُقَال لَهَا الغابة بناه بحجارة سود ويزعمون أَنه لما بناه أشرف هُوَ وَغُلَام لَهُ ثمَّ قَالَ: لقد بنيت حصناً) حصيناً مَا بنى مثله رجل من الْعَرَب أمنع مِنْهُ

стр. 1293

وَلَقَد عرفت مَوضِع حجر مِنْهُ لَو نزع وَقع جَمِيعًا. فَقَالَ غُلَامه: أَنا أعرفهُ قَالَ: فأرنيه يَا بني قَالَ: هُوَ هَذَا وَصرف إِلَيْهِ رَأسه فَلَمَّا رأى أحيحة أَنه قد عرفه دَفعه من رَأس الأطم فَوَقع على رَأسه فَمَاتَ. وَإِنَّمَا قَتله لِئَلَّا يعرف ذَلِك الْحجر أحد. فَلَمَّا بناه قَالَ: (بنيت بعد مستظل ضاحيا ... بنيته بعصبة من ماليا) (للستر مِمَّا يتبع القواضيا ... أخْشَى ركيبا أَو رجيلا غاديا) وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَتِمَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شرح شَوَاهِد الشافية عِنْد شرح قَوْله: أخْشَى ركيباً أَو رجيلاً غاديا. فَإِنَّهُ من شواهده وشواهد الْكَشَّاف أَيْضا. وَلم يعرف أحد تتمته وَلَا أَصله مِمَّن كتب على الْكَشَّاف وَغَيره. وَاعْلَم أَن جملَة من سمي بِمُحَمد فِي الْجَاهِلِيَّة ذكرهم ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ. وَهَذَا كَلَامه: قَالَ عِيَاض: حمى الله هَذَا الِاسْم أَن يُسمى بِهِ أحد قبله وَإِنَّمَا سمى بعض الْعَرَب مُحَمَّدًا قرب مِيلَاد النَّبِي ﷺ َ لما سمعُوا من الْكُهَّان والأحبار أَن نَبيا سيبعث فِي ذَلِك الزَّمَان يُسمى مُحَمَّدًا فَرجوا أَن يَكُونُوا هم فسموا أَبْنَاءَهُم بذلك وهم سِتَّة لَا سَابِع لَهُم. كَذَا قَالَ. وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى مُحَمَّدًا قبل النَّبِي ﷺ َ إِلَّا ثَلَاثَة: مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع وَمُحَمّد بن أحيحة

стр. 1294

بن الجلاح وَمُحَمّد بن حمْرَان بن وَسبق السُّهيْلي إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو عبد الله بن خالويه فِي متاب لَيْسَ. وَهُوَ حصر مَرْدُود. وَقد جمعت أَسمَاء من تسمى بذلك فِي جُزْء مُفْرد فبلغوا نَحْو الْعشْرين لَكِن مَعَ تَكْرِير فِي بَعضهم وَوهم فِي بعض فتلخص مِنْهُ خَمْسَة عشر نفسا. وأشهرهم مُحَمَّد بن عدي بن ربيعَة التَّمِيمِي السَّعْدِيّ. وَقد سُئِلَ مُحَمَّد بن ربيعَة والسائل ابْنه قَالَ لَهُ: كَيفَ سماك أَبوك فِي الْجَاهِلِيَّة مُحَمَّدًا قَالَ: سَأَلت أبي عَمَّا سَأَلتنِي فَقَالَ: خرجت رَابِع أَرْبَعَة من بني تَمِيم أَنا أحدهم وسُفْيَان بن مجاشع وَيزِيد بن عَمْرو بن ربيعَة وَأُسَامَة بن مَالك بن حبيب بن العنبر نُرِيد ابْن جَفْنَة الغساني بِالشَّام فنزلنا على غَدِير دير فَأَشْرَف علينا الديراني فَقَالَ لنا: إِنَّه سيبعث مِنْكُم وشيكاً نَبِي فسارعوا إِلَيْهِ. فَقُلْنَا: مَا اسْمه قَالَ: مُحَمَّد.) فَلَمَّا انصرفنا ولد لكل منا ولد فَسَماهُ مُحَمَّدًا. وَقَالَ ابْن سعد عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن مسلمة بن محَارب عَن قَتَادَة بن السكن قَالَ: كَانَ فِي بني تَمِيم مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع قيل لِأَبِيهِ: إِنَّه سَيكون نَبِي فِي الْعَرَب اسْمه مُحَمَّد فَسمى ابْنه مُحَمَّدًا. فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يشْعر بِأَن فيهم من لَهُ صُحْبَة إِلَّا مُحَمَّد بن عدي. قَالَ ابْن سعد لما ذكره فِي الصَّحَابَة: عداده فِي أهل الْكُوفَة. وَذكر عَبْدَانِ الْمروزِي أَن مُحَمَّد بن أحيحة بن الجلاح أول من تسمى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَأَنَّهُ تلقى ذَلِك من قصَّة تبع لما حاصر الْمَدِينَة وَخرج إِلَيْهِ أحيحة الْمَذْكُور هُوَ والحبر الَّذِي كَانَ عِنْدهم بِيَثْرِب فَأخْبرهُ الحبر أَن هَذَا بلد نَبِي يبْعَث يُسمى مُحَمَّدًا. فَسمى ابْنه مُحَمَّدًا وَذكر البلاذري مِنْهُم مُحَمَّد بن غقبة بن أحيحة فَلَا أَدْرِي: أَهما وَاحِد نسب مرّة إِلَى أَبِيه وَمرَّة

стр. 1295

إِلَى جده أم هما اثْنَان. . أَقُول: الصَّوَاب أَنَّهُمَا وَاحِد نسب مرّة إلة أَبِيه وَمرَّة إِلَى جده كَمَا تقدم بَيَانه. ثمَّ قَالَ ابْن حجر: وَمِنْهُم مُحَمَّد بن براءالبكري ذكره ابْن حبيب. وَضبط البلاذري أَبَاهُ فَقَالَ: مُحَمَّد بن بر بتَشْديد الرَّاء لَيْسَ بعْدهَا ألف بن طريف بن عتوارة بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وَلِهَذَا نسبوه أَيْضا العتواري. وغفل ابْن دحْيَة فعد فيهم مُحَمَّد بن عتوارة وَهُوَ هُوَ نسب إِلَى جده الْأَعْلَى. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن اليحمدي الْأَزْدِيّ ذكره المفجع الْبَصْرِيّ فِي كتاب المنقذ. وَمُحَمّد بن خولي الْهَمدَانِي. ذكره ابْن دُرَيْد. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن حمْرَان بن أبي حمْرَان واسْمه ربيعَة بن مَالك الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالشويعر ذكره المرزباني فَقَالَ: هُوَ أحد من سمي فِي الجاهلي مُحَمَّدًا وَله قصَّة مَعَ امْرِئ الْقَيْس. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن خزاعي عَلْقَمَة بن حرابة السّلمِيّ من بني ذكْوَان ذكره ابْن سعد عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن سَلمَة بن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: سمي مُحَمَّد ين خزاعي طَمَعا فِي النُّبُوَّة. وَذكر الطَّبَرَانِيّ أَن أبيرهة الحبشي توجه وَأمره أَن يَغْزُو بني كنَانَة فَقَتَلُوهُ وَكَانَ ذَلِك من أَسبَاب

стр. 1296

(فذلكم ذُو التَّاج منا مُحَمَّد ... ورايته فِي حومة الْمَوْت تخفق) وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن مُغفل بِضَم أَوله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء ثمَّ لَام وَهُوَ وَالِد هبيب بموحدتين مصغر وَهُوَ على شَرط الْمَذْكُورين فَإِن لوَلَده صُحْبَة. وَمَات هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْحَارِث بن حديج بن حويص ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عمر وَقَالَ: إِنَّه أحد من تسمى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد) الْفُقيْمِي وَمُحَمّد الأسيدي ذكرهمَا ابْن سعد وَلم ينسبهما بِأَكْثَرَ من ذَلِك. . فَعرف بِهَذَا وَجه الرَّد على الْحصْر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض. وَعجب من السُّهيْلي كَيفَ لم يقف على مَا قَالَه القَاضِي مَعَ كَونه قَالَ قبله وَقد تحرر لنا من أسمائهم قدر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض مرَّتَيْنِ بل ثَلَاث مَرَّات فَإِنَّهُ ذكر فِي السِّتَّة الَّذين جزم بهم: مُحَمَّد بن مسلمة وَهُوَ غلط فَإِنَّهُ ولد بعد مِيلَاد النَّبِي ﷺ َ ففضل لَهُ خَمْسَة. وَقد خلص لنا خَمْسَة عشر وَالله أعلم. انْتهى مَا قَالَ ابْن حجر. وَقَالَ زين الدَّين الْعِرَاقِيّ: قلت: عده أَعنِي عياضاً مُحَمَّد بن

стр. 1297

مسلمة فِيهِ نظر من حَيْثُ أتنه ولد بعده بِعشر سِنِين وَلكنه صَحِيح من حَيْثُ أَنه لم يكن ظَهرت النُّبُوَّة وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ (قَلما عرس حَتَّى هجته ... بالتباشير من الصُّبْح الأول) على أَن أَبَا عَليّ قَالَ: إِن قَلما قد تَجِيء بِمَعْنى إِثْبَات الشَّيْء الْقَلِيل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت وَالْكثير أَن تكون للنَّفْي الصّرْف. وَهَذَا كَلَام أبي عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ: وَأما قَول لبيد: قَلما عرس حَتَّى هجته فَإِن قَوْلهم قَلما يسْتَعْمل على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون بِمَعْنى النَّفْي لَا يثبت بِهِ شَيْء وَالْآخر: أَن يكون خلاف كثر يثبت بِهِ شَيْء قَلِيل. فَمن الأول قَوْلهم: قَلما سرت حَتَّى أدخلها فتنصب الْفِعْل مَعَه بعد حَتَّى كَمَا تنصب فِي قَوْلك: مَا سرت حَتَّى أدخلها وَمِنْه: قَلما سرت فَأدْخلهَا فتنصب مَعَه الْفِعْل بعد الْفَاء كَمَا تفعل ذَلِك بِالنَّفْيِ وَمِنْه قلّ رجل جَاءَنِي إِلَّا زيد كَمَا تَقول: مَا جَاءَنِي إِلَّا زيد فَهَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة النَّفْي. وَلَو أردْت نفي كثر لجَاز الرّفْع فِي الْفِعْل بعد حَتَّى كَمَا تَقول: سرت قَلِيلا حَتَّى أدخلها. وَلَو أجري هَذَا الضَّرْب مجْرى الأول على معنى أَن الْقَلِيل لم يعتدّ بِهِ لقلته لَكَانَ ذَلِك قِيَاسا على كَلَامهم أَلا تراهم قَالُوا: مَا أَدْرِي أأذن أَو قَامَ فَجعل

стр. 1298

الْفِعْل غير مُعْتَد بِهِ وَالْبَيْت مِمَّا قد ثَبت فِيهِ التَّعْرِيس وَلم بنفه ألبتّة يدلك على ذَلِك قَول ذِي الرّمّة: (زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت ... بِهِ التنائف والمهرية النّجب) انْتهى. بَيَانه: أَن ذَا الرمّةّ أَرَادَ بالهاجع المعرس نَفسه. والهاجع: النَّائِم. ولعبت بِهِ: ترامت بِهِ بَلْدَة إِلَى بَلْدَة. والمهرية بِالْفَتْح: الْإِبِل المنسوبة إِلَى مهرَة وَهِي حَيّ بِالْيمن. والنّجب: جمع نجيب:) كرام الْإِبِل. والتعريس: الْإِقَامَة فِي آخر اللَّيْل. ومعرساً: صفة هاجعاً. أَي: زارني خيال ميّ وَأَنا معرّس نَائِم. وَجُمْلَة: فِي بَيَاض الصُّبْح وقعته صفة لقَوْله: معرساً. يُرِيد الْوَقْعَة الَّتِي ينامها عِنْد الصُّبْح لِأَن كل من سَار ليلته فَذَلِك وَقت إراحته ونومه. ويروى: وَسَائِر اللَّيْل. ومنجذب: خبر سَائِر أَي: مَاض. وَقَوله: إِلَّا ذَاك اسْتثِْنَاء للتعريس من السّير وَهَذَا وَجه الدَّلِيل. ويروى أَيْضا: فِي سَواد اللَّيْل. وَالتَّفْسِير فِي السّير وَاللَّيْل والسواد سَوَاء. وَهَذَا الشّعْر من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة مطْلعهَا: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَهَذِه القصيدة أول ديوانه. وَاعْلَم أَن أَبَا عَليّ قد تكلم هُنَا على أقل وقلّ وقلما بِكَلَام جيد قد اخْتَصَرَهُ الشَّارِع الْمُحَقق أَحْبَبْت أَن أنقله هُنَا برمّته تتميماً للفائدة: قَالَ:

стр. 1299

اعْلَم أَنهم قَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك وَأَقل امْرَأَة تَقول ذَلِك وَأَقل امْرَأتَيْنِ تقولان ذَلِك محملوا الصّفة فِيهَا على الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل لَا على أقل. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا مَوضِع تَقول ذَلِك وَتَقُولَانِ ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ: أَن مَوْضِعه جرّ على مَا عَلَيْهِ استعمالهم وَلَا يجوز أَن يكون مَوْضِعه رفعا لِأَنَّهُ لَو كَانَ رفعا لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون مَحْمُولا على أقل إِمَّا أَن يكون وَصفا أَو خَبرا. فَإِن قلت: إِذا كَانَ أقل مُبْتَدأ فَمَا خَبره فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه لَا يَخْلُو من أَن يكون مضمراً مَتْرُوك الْإِظْهَار والاستعمال كَمَا كَانَ خبر الِاسْم بعد لَوْلَا كَذَلِك. أَو يكون قد استغني عَن الْخَبَر بِالصّفةِ الْجَارِيَة على الْمُضَاف أقل إِلَيْهِ وَصَارَ أقل لَا خبر لَهُ لما فِيهِ من معنى النَّفْي كَمَا أَن قَلما فِي قَوْلهم: (قَلما ... وصال على طول الصدود يَدُوم) غير مُسْند إِلَى فَاعل لما فِيهِ من معنى النَّفْي فَكَمَا صَار قل غير مُسْند إِلَى فَاعل كَذَلِك أقل غير مُسْند إِلَى خبر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قد جرى مجْرى صَاحبه أَلا ترى أَنهم قَالُوا قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا وَيَد كَمَا قَالُوا: مَا رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد وَقَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد فأبدلوا زيدا من أقل وأجروه مجْرى قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد أَلا ترى أَنه لم يُبدل من رجل الْمَجْرُور بل أجري مجْرى قل رجل فَأَما صفة الِاسْم الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ أقل فَإِنَّهُ يكون فعلا أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل وَالْفَاعِل أَلا ترى أَنه فِي صلَة الْمَوْصُول كالفعل: فِي اسْتِقْلَال الْمَوْصُول) بِهِ وَقَالَ

стр. 1300

أَبُو الْحسن: لَو قلت أقل رجل ذِي جمّة أَو نَحْو ذَلِك لم يحسن. قَالَ أَبُو عَليّ: وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا لِأَن أقل قد أجري مجْرى حرف النَّفْي فَلم يظْهر لَهُ خبر كَمَا أَن قل جرى مجْرَاه فَلم يسند إِلَى فَاعل. فَإِذا علمت أَنه قد أجري مجْرى حرف النَّفْي بِمَا ذكرت وبأنهم قَالُوا: قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد كَانَ قَوْلهم: أقل رجل يَقُول ذَلِك أقل فِيهِ بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي وحرف النَّفْي يَنْبَغِي أَن يدْخل على كَلَام تَامّ وَالْكَلَام التَّام الْفِعْل وَالْفَاعِل وَمَا حكمهمَا من الظروف وَلَيْسَ الْمُبْتَدَأ وَخَبره مِمَّا يجْرِي مجْرى الْفِعْل وَالْفَاعِل هُنَا. أَلا ترى أَن أَبَا الْحسن يَقُول: لَو قلت أقل رجل وَجهه حسن لم يحسن. فَدلَّ ذَلِك على أَنهم جعلُوا أقل بِمَنْزِلَة مَا وَمَا حَقّهَا أَن تَنْفِي فعل الْحَال فِي الأَصْل ويؤكد ذَلِك أَنه صفة وَالصّفة يَنْبَغِي أَن تكون مصاحبة للموصوف فَكَمَا لَا تدخل مَا فِي نفي الْفِعْل إِلَّا على فعل وفاعل كَذَلِك يَنْبَغِي أم يكون الْوَصْف الْوَاقِع بعد الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل فعلا وفاعلاً أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل. وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَو أوقعت جملَة من ابْتِدَاء وَخبر بعده لم يحسن لِأَن مَا فِي الأَصْل لَا تنفيها إِنَّمَا تَنْفِي الْفِعْل وَلَو أوقعت صفة لَا معنى للْفِعْل فِيهَا نَحْو ذِي جمة وَمَا أشبههَا مِمَّا لَا يشابه الْفِعْل لم يجز. وَلَو أوقعت الصّفة المشابهة للْفِعْل نَحْو ضَارب وَصَالح لم يحسن فِي الْقيَاس أَيْضا أَلا ترى أَن هَذَا مَوضِع جملَة وَاسم الْفَاعِل لَا يسد مسد الْجُمْلَة وَلذَلِك لم تستقل الصِّلَة بِهِ وَاسم الْفَاعِل فِي صفة الِاسْم الْمَجْرُور بربّ أحسن مِنْهُ فِي صفة الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل. لِأَن ربّ وَمَا انجر بِهِ من جملَة كَلَام أَلا ترى أَن الْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ مُرَاد وَإِن كَانَ قد يتْرك من اللَّفْظ كَمَا أَن مَا يتَعَلَّق بِهِ الْكَاف من قَوْلك: الَّذِي كزيد كَذَلِك: فَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت فضلَة والفضلة لَا تمْتَنع أَن تُوصَف بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تناسب الْفِعْل وَالَّتِي تناسبه
следующие страницы →