← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

(فذلكم ذُو التَّاج منا مُحَمَّد ... ورايته فِي حومة الْمَوْت تخفق) وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن مُغفل بِضَم أَوله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء ثمَّ لَام وَهُوَ وَالِد هبيب بموحدتين مصغر وَهُوَ على شَرط الْمَذْكُورين فَإِن لوَلَده صُحْبَة. وَمَات هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْحَارِث بن حديج بن حويص ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عمر وَقَالَ: إِنَّه أحد من تسمى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد) الْفُقيْمِي وَمُحَمّد الأسيدي ذكرهمَا ابْن سعد وَلم ينسبهما بِأَكْثَرَ من ذَلِك. . فَعرف بِهَذَا وَجه الرَّد على الْحصْر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض. وَعجب من السُّهيْلي كَيفَ لم يقف على مَا قَالَه القَاضِي مَعَ كَونه قَالَ قبله وَقد تحرر لنا من أسمائهم قدر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض مرَّتَيْنِ بل ثَلَاث مَرَّات فَإِنَّهُ ذكر فِي السِّتَّة الَّذين جزم بهم: مُحَمَّد بن مسلمة وَهُوَ غلط فَإِنَّهُ ولد بعد مِيلَاد النَّبِي ﷺ َ ففضل لَهُ خَمْسَة. وَقد خلص لنا خَمْسَة عشر وَالله أعلم. انْتهى مَا قَالَ ابْن حجر. وَقَالَ زين الدَّين الْعِرَاقِيّ: قلت: عده أَعنِي عياضاً مُحَمَّد بن

стр. 1297

مسلمة فِيهِ نظر من حَيْثُ أتنه ولد بعده بِعشر سِنِين وَلكنه صَحِيح من حَيْثُ أَنه لم يكن ظَهرت النُّبُوَّة وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ (قَلما عرس حَتَّى هجته ... بالتباشير من الصُّبْح الأول) على أَن أَبَا عَليّ قَالَ: إِن قَلما قد تَجِيء بِمَعْنى إِثْبَات الشَّيْء الْقَلِيل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت وَالْكثير أَن تكون للنَّفْي الصّرْف. وَهَذَا كَلَام أبي عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ: وَأما قَول لبيد: قَلما عرس حَتَّى هجته فَإِن قَوْلهم قَلما يسْتَعْمل على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون بِمَعْنى النَّفْي لَا يثبت بِهِ شَيْء وَالْآخر: أَن يكون خلاف كثر يثبت بِهِ شَيْء قَلِيل. فَمن الأول قَوْلهم: قَلما سرت حَتَّى أدخلها فتنصب الْفِعْل مَعَه بعد حَتَّى كَمَا تنصب فِي قَوْلك: مَا سرت حَتَّى أدخلها وَمِنْه: قَلما سرت فَأدْخلهَا فتنصب مَعَه الْفِعْل بعد الْفَاء كَمَا تفعل ذَلِك بِالنَّفْيِ وَمِنْه قلّ رجل جَاءَنِي إِلَّا زيد كَمَا تَقول: مَا جَاءَنِي إِلَّا زيد فَهَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة النَّفْي. وَلَو أردْت نفي كثر لجَاز الرّفْع فِي الْفِعْل بعد حَتَّى كَمَا تَقول: سرت قَلِيلا حَتَّى أدخلها. وَلَو أجري هَذَا الضَّرْب مجْرى الأول على معنى أَن الْقَلِيل لم يعتدّ بِهِ لقلته لَكَانَ ذَلِك قِيَاسا على كَلَامهم أَلا تراهم قَالُوا: مَا أَدْرِي أأذن أَو قَامَ فَجعل

стр. 1298

الْفِعْل غير مُعْتَد بِهِ وَالْبَيْت مِمَّا قد ثَبت فِيهِ التَّعْرِيس وَلم بنفه ألبتّة يدلك على ذَلِك قَول ذِي الرّمّة: (زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت ... بِهِ التنائف والمهرية النّجب) انْتهى. بَيَانه: أَن ذَا الرمّةّ أَرَادَ بالهاجع المعرس نَفسه. والهاجع: النَّائِم. ولعبت بِهِ: ترامت بِهِ بَلْدَة إِلَى بَلْدَة. والمهرية بِالْفَتْح: الْإِبِل المنسوبة إِلَى مهرَة وَهِي حَيّ بِالْيمن. والنّجب: جمع نجيب:) كرام الْإِبِل. والتعريس: الْإِقَامَة فِي آخر اللَّيْل. ومعرساً: صفة هاجعاً. أَي: زارني خيال ميّ وَأَنا معرّس نَائِم. وَجُمْلَة: فِي بَيَاض الصُّبْح وقعته صفة لقَوْله: معرساً. يُرِيد الْوَقْعَة الَّتِي ينامها عِنْد الصُّبْح لِأَن كل من سَار ليلته فَذَلِك وَقت إراحته ونومه. ويروى: وَسَائِر اللَّيْل. ومنجذب: خبر سَائِر أَي: مَاض. وَقَوله: إِلَّا ذَاك اسْتثِْنَاء للتعريس من السّير وَهَذَا وَجه الدَّلِيل. ويروى أَيْضا: فِي سَواد اللَّيْل. وَالتَّفْسِير فِي السّير وَاللَّيْل والسواد سَوَاء. وَهَذَا الشّعْر من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة مطْلعهَا: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَهَذِه القصيدة أول ديوانه. وَاعْلَم أَن أَبَا عَليّ قد تكلم هُنَا على أقل وقلّ وقلما بِكَلَام جيد قد اخْتَصَرَهُ الشَّارِع الْمُحَقق أَحْبَبْت أَن أنقله هُنَا برمّته تتميماً للفائدة: قَالَ:

стр. 1299

اعْلَم أَنهم قَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك وَأَقل امْرَأَة تَقول ذَلِك وَأَقل امْرَأتَيْنِ تقولان ذَلِك محملوا الصّفة فِيهَا على الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل لَا على أقل. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا مَوضِع تَقول ذَلِك وَتَقُولَانِ ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ: أَن مَوْضِعه جرّ على مَا عَلَيْهِ استعمالهم وَلَا يجوز أَن يكون مَوْضِعه رفعا لِأَنَّهُ لَو كَانَ رفعا لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون مَحْمُولا على أقل إِمَّا أَن يكون وَصفا أَو خَبرا. فَإِن قلت: إِذا كَانَ أقل مُبْتَدأ فَمَا خَبره فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه لَا يَخْلُو من أَن يكون مضمراً مَتْرُوك الْإِظْهَار والاستعمال كَمَا كَانَ خبر الِاسْم بعد لَوْلَا كَذَلِك. أَو يكون قد استغني عَن الْخَبَر بِالصّفةِ الْجَارِيَة على الْمُضَاف أقل إِلَيْهِ وَصَارَ أقل لَا خبر لَهُ لما فِيهِ من معنى النَّفْي كَمَا أَن قَلما فِي قَوْلهم: (قَلما ... وصال على طول الصدود يَدُوم) غير مُسْند إِلَى فَاعل لما فِيهِ من معنى النَّفْي فَكَمَا صَار قل غير مُسْند إِلَى فَاعل كَذَلِك أقل غير مُسْند إِلَى خبر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قد جرى مجْرى صَاحبه أَلا ترى أَنهم قَالُوا قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا وَيَد كَمَا قَالُوا: مَا رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد وَقَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد فأبدلوا زيدا من أقل وأجروه مجْرى قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد أَلا ترى أَنه لم يُبدل من رجل الْمَجْرُور بل أجري مجْرى قل رجل فَأَما صفة الِاسْم الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ أقل فَإِنَّهُ يكون فعلا أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل وَالْفَاعِل أَلا ترى أَنه فِي صلَة الْمَوْصُول كالفعل: فِي اسْتِقْلَال الْمَوْصُول) بِهِ وَقَالَ

стр. 1300

أَبُو الْحسن: لَو قلت أقل رجل ذِي جمّة أَو نَحْو ذَلِك لم يحسن. قَالَ أَبُو عَليّ: وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا لِأَن أقل قد أجري مجْرى حرف النَّفْي فَلم يظْهر لَهُ خبر كَمَا أَن قل جرى مجْرَاه فَلم يسند إِلَى فَاعل. فَإِذا علمت أَنه قد أجري مجْرى حرف النَّفْي بِمَا ذكرت وبأنهم قَالُوا: قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد كَانَ قَوْلهم: أقل رجل يَقُول ذَلِك أقل فِيهِ بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي وحرف النَّفْي يَنْبَغِي أَن يدْخل على كَلَام تَامّ وَالْكَلَام التَّام الْفِعْل وَالْفَاعِل وَمَا حكمهمَا من الظروف وَلَيْسَ الْمُبْتَدَأ وَخَبره مِمَّا يجْرِي مجْرى الْفِعْل وَالْفَاعِل هُنَا. أَلا ترى أَن أَبَا الْحسن يَقُول: لَو قلت أقل رجل وَجهه حسن لم يحسن. فَدلَّ ذَلِك على أَنهم جعلُوا أقل بِمَنْزِلَة مَا وَمَا حَقّهَا أَن تَنْفِي فعل الْحَال فِي الأَصْل ويؤكد ذَلِك أَنه صفة وَالصّفة يَنْبَغِي أَن تكون مصاحبة للموصوف فَكَمَا لَا تدخل مَا فِي نفي الْفِعْل إِلَّا على فعل وفاعل كَذَلِك يَنْبَغِي أم يكون الْوَصْف الْوَاقِع بعد الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل فعلا وفاعلاً أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل. وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَو أوقعت جملَة من ابْتِدَاء وَخبر بعده لم يحسن لِأَن مَا فِي الأَصْل لَا تنفيها إِنَّمَا تَنْفِي الْفِعْل وَلَو أوقعت صفة لَا معنى للْفِعْل فِيهَا نَحْو ذِي جمة وَمَا أشبههَا مِمَّا لَا يشابه الْفِعْل لم يجز. وَلَو أوقعت الصّفة المشابهة للْفِعْل نَحْو ضَارب وَصَالح لم يحسن فِي الْقيَاس أَيْضا أَلا ترى أَن هَذَا مَوضِع جملَة وَاسم الْفَاعِل لَا يسد مسد الْجُمْلَة وَلذَلِك لم تستقل الصِّلَة بِهِ وَاسم الْفَاعِل فِي صفة الِاسْم الْمَجْرُور بربّ أحسن مِنْهُ فِي صفة الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل. لِأَن ربّ وَمَا انجر بِهِ من جملَة كَلَام أَلا ترى أَن الْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ مُرَاد وَإِن كَانَ قد يتْرك من اللَّفْظ كَمَا أَن مَا يتَعَلَّق بِهِ الْكَاف من قَوْلك: الَّذِي كزيد كَذَلِك: فَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت فضلَة والفضلة لَا تمْتَنع أَن تُوصَف بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تناسب الْفِعْل وَالَّتِي تناسبه

стр. 1301

وَلَيْسَ صفة الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل كَذَلِك أَلا ترى أَن أقل بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي كَمَا كَانَ قل كَذَلِك وَحكم حرف النَّفْي أَن يدْخل على جملَة. وَجه جَوَاز وصف الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ اقل بِصَالح وَنَحْوه هُوَ أَن هَذَا الضَّرْب قد أجري مجْرى الْجمل فِي غير هَذَا الْموضع ألاترى أَن سِيبَوَيْهٍ قد أجَاز حِكَايَة عَاقِلَة لَبِيبَة وَنَحْوهَا إِذا سمي بهَا فَجعله فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْجمل حَيْثُ كَانَ فِي حكمهَا من حَيْثُ كَانَ حَدِيثا ومحدثاً عَنهُ وَقد) جرى هَذَا النَّحْو مجْرى الْفِعْل وَالْفَاعِل أَيْضا فِي الْأَسْمَاء الْمُسَمّى بهَا الْفِعْل فَكَذَلِك فِيمَا ذكرنَا. والأقيس فِيمَا يجرّ بربّ أَن يُوصف بِفعل وفاعل لِأَن أصل رب وَإِن كَانَ كَمَا ذكرنَا فقد صَار عِنْدهم بِمَنْزِلَة النَّفْي أَلا ترى أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا صداراً كَمَا أَن النَّفْي كَذَلِك وَأَن الْمُفْرد بعد قل دلّ على أَكثر من وَاحِد وَهَذَا مِمَّا يخنص بِهِ النَّفْي وَنَحْوه فَإِذا كَانَ كَذَلِك صَار ذَلِك الْأَمر كالمرفوض وَصَارَ الحكم لهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال الْآن. وَقد صَار كانفي بِمَا لزمَه بِمَا ذكرنَا كَمَا صَار أقل رجل بِمَنْزِلَة ذَلِك فَكَمَا أَن حكم صفة الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل أَن يكون على مَا ذكرنَا كَذَلِك حكم مَا انجر بِرَبّ. وَمِمَّا يدل على أَن أقل منزل منزلَة النَّفْي امْتنَاع العوامل الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ من الدُّخُول عَلَيْهِ امتناعها من الدُّخُول على مَا لزمَه حرف النَّفْي. وَمِمَّا جرى مجْرى أقل رجل فِيمَا ذكرنَا قَوْلهم: خَطِيئَة يَوْم لَا أصيد فِيهِ أَلا ترى أَن الْكَلَام مَحْمُول على على مَا أضيف خَطِيئَة إِلَيْهِ كَمَا كَانَ مَحْمُولا على مَا أضيف أقل إِلَيْهِ وَلم يعد على خَطِيئَة مِمَّا بعده ذكر كَمَا لم يعد على أقل شَيْء مِمَّا بعده. وَقِيَاس خَطِيئَة أَن تمْتَنع العوامل الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر من الدُّخُول عَلَيْهَا كَمَا امْتنعت من الدُّخُول على أقل لاتِّفَاقهمَا فِيمَا ذكرت

стр. 1302

وَفِي الْمَعْنى أَلا ترى أَنه يُرِيد مَا يَوْم لَا أصيد فِيهِ إِلَّا الْخَطِيئَة فَصَارَ كَقَوْلِهِم أقل من جِهَة الْمَعْنى وَمن جِهَة حمل مَا بعْدهَا على مَا أضيف إِلَيْهِ من دونهَا. وَالْقِيَاس فِيهَا وَفِي أقل أَن يكون مَا جرى بعدهمَا من الْكَلَام قد سد مسد الْخَبَر وَصَارَ معنى أقل امْرَأتَيْنِ تقولان ذَلِك مَا امْرَأَتَانِ تقولان ذَلِك وَكَذَلِكَ خَطِيئَة فَحمل الْكَلَام على الْمَعْنى فَلم يحْتَج إِلَى إِضْمَار خبر كَمَا لم تحتج إِلَيْهِ فِي قَوْلك: أذاهب أَخَوَاك وَمَا أشبهه. انْتهى وَبَيت الشَّاهِد من قصيدة طَوِيلَة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ عدَّة أبياتها خَمْسَة وَثَمَانُونَ بَيْتا وَلَا بُد من ذكر أَبْيَات مُتَّصِلَة بِهِ ليتضح مَعْنَاهُ وَهِي: (ومجود من صبابات الْكرَى ... عاطف النمرق صدق المبتذل) (قَالَ هجدنا فقد طَال السرى ... وقدرنا إِن خنى الدَّهْر غفل) (يَتَّقِي الأَرْض بدف شاسف ... وضلوع تَحت صلب قد نحل) (قَلما عرس حَتَّى هجته ... بالتباشير من الصُّبْح الأول) (يلمس الأحلاس فِي منزله ... بيدَيْهِ كاليهودي المصل)) (يتمارى فِي الَّذِي قلت لَهُ ... وَلَقَد يسمع قولي حيهل) (فوردنا قبل فراط القطا ... إِن من وردي تغليس النهل) قَوْله: ومجود من صبابات الخ الْوَاو وَاو رب والمجود: الَّذِي جاده النعاس وألح عَلَيْهِ حَتَّى أَخذه فَنَامَ من الْجُود بِالْفَتْح وَهُوَ الْمَطَر الغزير

стр. 1303

يُقَال: أَرض مجودة أَي: مغيثة وجيدت الأَرْض: إِذا مطرَت جوداً. وَقَالَ أَعْرَابِي: المجود: الَّذِي قد جاده الْعَطش أَي: غَلبه كَذَا فِي شرح أبي الْحسن الطوسي. وَهَذَا لَا يُنَاسب قَوْله: صبابات الْكرَى فَإِن الْكرَى النّوم وصبابته بَقِيَّته. والجيد مَا ذكره صَاحب الْقَامُوس: من أَن الْجواد كغراب: النعاس وجاده الْهوى: شاقه وغلبه وَقَوله: عاطف النمرق صفة مجود وَالْإِضَافَة لفظية يُرِيد: عطف نمرقته وثناها فَنَامَ. والنمرقة مُثَلّثَة النُّون: الوسادة والطنفسة فَوق الرحل وَهِي المرادة هُنَا والطنفسة مُثَلّثَة الطَّاء وَالْفَاء وبكسر الطَّاء وَفتح الْفَاء وَبِالْعَكْسِ: الْبسَاط. وَقَوله: صدق المبتذل بِفَتْح الصَّاد أَي: جلد قوي لَا يُغير عِنْد ابتذاله نَفسه وَلَا يسْقط وَلَا يجوز أَن يُقَال صدق المبتذل إِلَّا إِذا امتهن وَوجد صَادِق المهنة يُوجد عِنْده مَا يحب وَيُرَاد. وَفِي الْقَامُوس: الصدْق: الصلب المستوي من الرماح وَالرِّجَال والكامل من كل شَيْء وَهِي صَدَقَة. والمبتذل: مصدر بِمَعْنى الابتذال وَهُوَ ضد الصيانة يُقَال: سيف صدق المبتذل أَي: ماضي الضريبة. وَقَوله: قَالَ هجدنا الخ قَالَ: هُوَ مُتَعَلق رب. والتهجيد من الأضداد. يُقَال: هجده إِذا نَومه أَي: دَعْنَا ننام وَهُوَ المُرَاد هُنَا وهجده: إِذا أيقظه. وَالْفَاء للتَّعْلِيل. والسرى بِالضَّمِّ: سير عَامَّة اللَّيْل. وَقَوله: وقدرنا أَي: وقدرنا على وُرُود المَاء وَذَلِكَ إِذا قربوا مِنْهُ. وَفِي الْقَامُوس ة بَيْننَا لَيْلَة قادرة: هينة السّير لَا تَعب فِيهَا. والخنى بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْقصر: الآفة وَالْفساد أَي: إِن غفل عَنَّا فَسَاد الدَّهْر فَلم يعقنا. وَقيل: قَدرنَا أَي: على التهجيد وَقيل: على السّير. وَقَوله: يَتَّقِي الأَرْض الخ أخبر عَن صَاحبه النعسان بِأَنَّهُ يَتَّقِي الأَرْض أَي: يتجافى عَنْهَا. والدف بِفَتْح الدَّال: الْجنب. وَرُوِيَ:

стр. 1304

يَتَّقِي الرّيح. والشاسف بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة: الْيَابِس ضمراً وهزالاً وَقد شسف كنصر وَضرب وكرم شسوفاً وَيكسر: إِذا يبس وَنحل جِسْمه كمنع وَعلم وَنصر وكرم نحولاً: ذهب من مرض أَو سفر. وَقَوله: قَلما عرّس الخ مَا الْمُتَّصِلَة بقلّ كَافَّة لَهَا عَن طلب الْفَاعِل وجاعلة إِيَّاهَا بِمَنْزِلَة مَا النافية فِي الْأَغْلَب وَهنا لإِثْبَات الْقلَّة كَمَا تقدم وَمَا تتصل بِأَفْعَال ثَلَاثَة فتكفها عَن طلب الْفَاعِل وَهِي) قَلما وطالما وَكثر مَا وَيَنْبَغِي أَن تتصل بالأولين كِتَابَة. والتعريس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل للاستراحة وَالنَّوْم وَمثله الإعراس. وهجته: أيقظته من النّوم وهاج يهيج يَجِيء لَازِما ومتعدياً يُقَال هاج: إِذا ثار وهجته: إِذا أثرته. وَحَتَّى هُنَا حرف جر بِمَعْنى إِلَّا الاستثنائية أَي: مَا عرس إِلَّا أيقظته أَي: نَام قَلِيلا ثمَّ أيقظته وَأكْثر دُخُولهَا على الْمُضَارع كَقَوْلِه: (لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحة ... حَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل) وَقَوله: بالتباشير أَي: بظهورها والتباشير: أَوَائِل الصُّبْح وَهُوَ جمع تبشير وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا جمعا قَالَ فِي الْقَامُوس: التباشير الْبُشْرَى وأوائل الصُّبْح وكل شَيْء وطرائق على الأَرْض من آثَار الرِّيَاح وآثار بِجنب الدَّابَّة من الدبر والبواكر من النّخل وألوان النّخل أول مَا ترطب. انْتهى. ولكونه مُشْتَركا بَين هَذِه الْمعَانِي بَين المُرَاد بقوله: من الصُّبْح. والأول صفة التباشير وَهُوَ بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو جمع أولى مؤنث

стр. 1305

الأول كالكبر جمع كبرى. وَقد جَاءَ هَذَا المصراع الثَّانِي فِي شعر النَّابِغَة الْجَعْدِي وَهُوَ: (وشمول قهوة باكرتها ... فِي التباشير من الصُّبْح الأول) والنابغة وَإِن كَانَ عصري لبيد إِلَّا أَنه أسن مِنْهُ كَمَا بَيناهُ فِي ترجمتها وَقد عيب هَذَا الْبَيْت على النَّابِغَة قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع: وَأما الأبيات المستكرهة الْأَلْفَاظ المتفاوتة النسج القبيحة الْعبارَة الَّتِي يجب الِاحْتِرَاز مِنْهَا كَقَوْل النَّابِغَة الْجَعْدِي: (وشمول قهوة باكرتها ... فِي التباشير من الصُّبْح الأول) يُرِيد بالتباشير الأول من الصُّبْح. وعابه المرزباني أَيْضا فِي كِتَابه الموشح. وَقَوله: يلمس الأحلاس فَاعل يلمس ضمير المجود. واللمس: الطّلب وَفعله من بَابي قتل وَضرب. والأحلاس: جمع حلْس بِالْكَسْرِ وَهُوَ كسَاء رَقِيق يكون على ظهر الْبَعِير تَحت رَحْله. أَي: يطْلبهَا بيدَيْهِ وَهُوَ لَا يعقل من غَلَبَة النعاس. وَقَوله: كاليهودي المصل قَالَ الطوسي فِي شَرحه كَأَنَّهُ يَهُودِيّ يُصَلِّي فِي جَانب يسْجد على جَبينه. هَذَا كَلَامه. واليهودي يسْجد على شقّ وَجهه وأصل ذَلِك أَنهم لما نتق الْجَبَل فَوْقهم قيل لَهُم: إِمَّا أَن تسجدوا وَإِمَّا أَن يلقى عَلَيْكُم فسجدوا على شقّ وَاحِد مَخَافَة أَن يسْقط عَلَيْهِم الْجَبَل فَصَارَ عِنْدهم سنة إِلَى الْيَوْم. وَقَوله: يتمارى فِي الَّذِي قلت لَهُ الخ)

стр. 1306

هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح فِي اسْم الْفِعْل وَهُنَاكَ يشْرَح إِن شَاءَ الله تَعَالَى. التماري فِي الشَّيْء والامتراء فِيهِ: المجادلة وَالشَّكّ فِيهِ يُقَال: ماريت الرجل أماريه مراء وممارة: إِذا جادلته والمرية: الشَّك. قَالَ الطوسي: يَقُول: قَالَ لَهُ الصُّبْح والنجاء قد أَصبَحت وَنَحْو هَذَا من الْكَلَام. وحيهل: أَي: أسْرع وَأعجل. قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد: قد قَالَ النَّاس فِي وصف قلَّة النّوم. ومواصلة السرى والإدلاج وشعث السارين فَأَكْثرُوا فَمن أحسن مَا قيل فِي ذَلِك قَول لبيد. وَأنْشد هَذِه الأبيات الْخَمْسَة وَأورد لَهَا نَظَائِر جَيِّدَة. وَقَوله: فوردنا قبل فرّاط القطا الخ القطا: مَشْهُور بالتبكير والسبق إِلَى المَاء. وفرّاط القطا: أوائلها وَهُوَ جمع فارط يُقَال: فرطت الْقَوْم أفرطهم فرطا من بَاب نصر أَي: سبقتهم إِلَى المَاء. وَقَوله: إِن من وردي الخ أَي: من عادتي. والتغليس: السّير بِغَلَس وَهُوَ ظلمَة آخر اللَّيْل يُقَال: غلسنا المَاء أَي: وردناه بِغَلَس. والنهل: الشربة الأولى والعلل: الشربة الثَّانِيَة. قَالَ الطوسي: قَالَ وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة ومطلع هَذِه القصيدة: (إِن تقوى رَبنَا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل) (أَحْمد الله فَلَا ند لَهُ ... بيدَيْهِ الْخَيْر مَا شَاءَ فعل) ...

стр. 1307

(من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى ... ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ) قَوْله: خير نفل هَذِه رِوَايَة الْأَصْمَعِي وروى أَبُو عُبَيْدَة: خير النَّفْل وَالنَّفْل: الْفضل والعطية كَذَا قَالَ الطوسي: وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذَا الْبَيْت فِي سُورَة الْأَنْفَال على أَن النَّفْل بِالتَّحْرِيكِ الْغَنِيمَة. وَأَصله الزِّيَادَة وَلِهَذَا يُقَال هَذَا نفل أَي: فضل وَزِيَادَة وَمِنْه النَّافِلَة فِي الصَّلَاة. والريث مصدر رثت أريث: إِذا أَبْطَأت. قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَمِمَّنْ قيل أَنه على مَذْهَب الْجَبْر من الْمَشْهُورين لبيد بن ربيعَة العامري وَاسْتدلَّ بقوله: (إِن تقوى رَبنَا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل) (من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى ... ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ) وَإِن كَانَ لَا طَرِيق إِلَى نسب الْجَبْر إِلَى مَذْهَب لبيد إِلَّا هَذَانِ البيتان فَلَيْسَ فيهمَا دلَالَة على) ذَلِك. وَأما قَوْله: وبإذن الله ريثي والعجل فَيحْتَمل أَن يُرِيد بِعِلْمِهِ كَمَا يتَأَوَّل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله أَي: بِعِلْمِهِ. وَإِن قيل فِي هَذِه الْآيَة أَنه أَرَادَ: بِتَخْلِيَتِهِ وتمكينه وَإِن كَانَ لَا شَاهد لذَلِك فِي اللُّغَة أمكن مثله فِي قَول لبيد. وَأما قَوْله: من هداه سبل الْخَيْر الخ فَيحْتَمل أَن يكون مصروفاً إِلَى بعض الْوُجُوه الَّتِي يتَأَوَّل عَلَيْهَا الضلال وَالْهدى الْمَذْكُورَان فِي الْقُرْآن مِمَّا يَلِيق بِالْعَدْلِ وَلَا يَقْتَضِي الْإِجْبَار اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَذْهَب لبيد فِي الْإِجْبَار مَعْرُوفا بِغَيْر هَذِه الأبيات فَلَا يتَأَوَّل لَهُ هَذَا التَّأْوِيل بل يحمل على مُرَاده على مُوَافقَة الْمَعْرُوف من مذْهبه. انْتهى كَلَامه.

стр. 1308

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَمَا اغتره الشيب إِلَّا اغْتِرَارًا على أَن مَا بعد إِلَّا مفعول مُطلق مُؤَكد للْفِعْل قبله. وَوجه الشَّارِح الْمُحَقق صِحَة التفريغ فِي الْمَفْعُول الْمُطلق الْمُؤَكّد. وَقَوله: إِن ابْن يعِيش قَالَ: أَصله وَمَا اغتره اغْتِرَارًا إِلَّا الشيب فَقدم وَأخر. فَهَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وَابْن يعِيش مَسْبُوق بِهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قَالَ الْفَارِسِي: إِن إِلَّا قد تُوضَع فِي غير موضعهَا مثل: إِن نظن إِلَّا ظنا. وَقَوله: لِأَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ لَا يكون فِي الْمَفْعُول الْمُطلق التوكيدي لعدم الْفَائِدَة فِيهِ. وَأجِيب: بَان الْمصدر فِي الْآيَة وَالْبَيْت نَوْعي على حذف الصّفة أَي: إِلَّا ظنا ضَعِيفا وَإِلَّا اغْتِرَارًا ضَعِيفا. انْتهى. وَكَذَا قَالَ الْخفاف الإشبيلي فِي شرح الْجمل قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي أَن تكون إِلَّا فِي موضعهَا وَيكون مِمَّا حذف فِيهِ الصّفة لفهم الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: إِن نظن إِلَّا ظنا ضَعِيفا وَمَا اغتره الشيب إِلَّا اغْتِرَارًا بَينا. وَهَذَا أولى لِأَنَّهُ قد ثَبت حذف الصّفة وَلم يثبت وضع إِلَّا فِي غير موضعهَا. وَهَذَا جَوَاب ثَان لَكِن جَوَاب الشَّارِح الْمُحَقق أدق. وَهَذَا المصراع عجز وصدره:

стр. 1309

أحل لَهُ الشيب أثقاله وَأحل أنزل والإحلال: الْإِنْزَال. والأثقال: جمع ثقل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَتَاع الْمُسَافِر وحشمه. وَالْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل) الْكتاب. وَهَذَا مطلع القصيدة: (أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذِي هوى أَن تزارا) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ على أَن الْفراء يُجِيز النصب على الِاسْتِثْنَاء المفرغ نظرا إِلَى الْمُقدر واستدلالاً بِهَذَا الْبَيْت. فَإِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَمَالِي نُوق إِلَّا ثمانيا. ورده الشَّارِح الْمُحَقق بِمَا ذكره. أَقُول: هَذَا الْبَيْت من قصيدة نونية طَوِيلَة عدتهَا ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ بَيْتا لعروة بن حزَام العذري. وَالْبَيْت قد تحرف على من اسْتشْهد بِهِ وَرِوَايَته هَكَذَا: (يكلفني عمي ثَمَانِينَ بكرَة ... وَمَا لي يَا عفراء غير ثَمَان) وَرُوِيَ أَيْضا: (يكلفني عمي ثَمَانِينَ نَاقَة ... وَمَا لي والرحمن غير ثَمَان)

стр. 1310

وعَلى هَذَا فالاستثناء على الطَّرِيقَة المألوفة. وَهَذِه القصيدة ثَابِتَة فِي ديوانه أقل مِمَّا ذكرنَا وعدتها على مَا فِيهِ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا وأوردها بِالْعدَدِ الأول القالي فِي آخر ذيل أَمَالِيهِ وَفِي أول نوادره. وَقد ترجمنا عُرْوَة بن حزَام مَعَ عفراء العذريين وَذكرنَا حكايتهما مفصلة فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة. وَالْقَصِيدَة غرامية فَلَا بَأْس بإيرادها لانسجامها ورقتها وَأَخذهَا بِمَجَامِع الْقُلُوب. قَالَ القالي فِي الذيل وَفِي النَّوَادِر. قَالَ أَبُو بكر: وقصيدة عُرْوَة النونية يخْتَلف النَّاس فِي أَبْيَات مِنْهَا ويتفقون على بَعْضهَا فَأول الأبيات الْمجمع عَلَيْهَا وَمَا يتلوها مِمَّا لَا يخْتَلف فِيهِ أَنْشدني جَمِيعه أبي ﵀ عَن أَحْمد بن عبيد وَغَيره وَعبد الله بن خلف الدَّلال عَن أبي عبد الله السدُوسِي وَأَبُو الْحسن بن برَاء عَن الزبير بن بكار وَأَلْفَاظهمْ مختلطة بَعْضهَا بِبَعْض: (خليليّ من عليا هِلَال بن عَامر ... بِصَنْعَاء عوجا الْيَوْم وانتظراني) (وَلَا تزهدا فِي الْأجر عِنْدِي وأجملا ... فإنكما بِي الْيَوْم مبتليان) (ألم تعلما أَن لَيْسَ بالمرخ كُله ... أَخ وصديق صَالح فذراني)

стр. 1311

. (أَفِي كل يَوْم أَنْت رام بلادها ... بعينين إنساناهما غرقان) (أَلا فاحملاني بَارك الله فيكما ... إِلَى حَاضر الروحاء ثمَّ دَعَاني)) (على جسرة الأصلاب نَاجِية السرى ... تقطّع عرض البيد بالوخدان) (ألمّا على عفراء إنَّكُمَا غَدا ... لشحط النَّوَى والبين معترفان) (فيا واشيي عفرا دَعَاني ونظرة ... تقرّ بهَا عَيْنَايَ ثمّ كلاني) (أغرّكما مني قَمِيص لبسته ... جَدِيد وبردا يمنة زهياني) (مَتى ترفعا عني الْقَمِيص تبيّنا ... بِي الضّر من عفراء يَا فتيَان) (وتعترفا لَحْمًا قَلِيلا وأعظما ... دقاقاً وَقَلْبًا دَائِم الخفقان) (على كَبِدِي من حب عفراء قرحَة ... وعيناي من وجد بهَا تكفان) قَالَ أَبُو بكر: قَالَ بعض الْبَصرِيين: ذكّر المعرض لِأَنَّهُ أَرَادَ: وعفراء عني الشَّخْص المعرض. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: ذكره بِنَاء على التَّشْبِيه أَي: وعفراء عني مثل المعرض كَمَا تَقول الْعَرَب: عبد الله الشَّمْس منيرة يُرِيدُونَ مثل الشَّمْس فِي حَال إنارتها. (فيا لَيْت كل اثْنَيْنِ بَينهمَا هوى ... من النَّاس والأنعام يَلْتَقِيَانِ) (فَيَقْضِي حبيب من حبيب لبانة ... ويرعاهما رَبِّي فَلَا يريان) ويروى: فيسترهما رَبِّي على أَن الأَصْل يسترهما فسكّن الرَّاء لِكَثْرَة الحركات. ...

стр. 1312

(هوى نَاقَتي خَلْفي وقدامي الْهوى ... وَإِنِّي وَإِيَّاهَا لمختلفان) (هواي أَمَامِي لَيْسَ خَلْفي معرّج ... وشوق قلوصي فِي الغدوّ يمَان) (هواي عراقي وَتثني زمامها ... لبرق إِذا لَاحَ النُّجُوم يمَان) (مَتى تجمعي شوقي وشوقك تظلعي ... وَمَا لَك بالعبء الثقيل يدان) (يَقُول لي الْأَصْحَاب إِذْ يعذلونني ... أشوق عراقي وَأَنت يمَان) (وَلَيْسَ يمَان للعراق بِصَاحِب ... عَسى فِي صروف الدَّهْر يَلْتَقِيَانِ) (تحملت من عفراء مَا لَيْسَ لي بِهِ ... وَلَا للجبال الراسيات يدان) (كَأَن قطاة علّقت بجناحها ... على كَبِدِي من شدَّة الخفقان) (فَقَالَا: نعم نشفى من الدَّاء كُله ... وقاما مَعَ العوّاد يبتدران) (فَمَا تركا من رقية يعلمانها ... وَلَا سلوة إِلَّا وَقد سقياني) (وَلَا شفيا الدَّاء الَّذِي بِي كُله ... وَمَا ذخْرا نصحاً وَمَا ألواني) (فَقَالَا: شفاك الله وَالله مَا لنا ... بِمَا ضمّنت مِنْك الضلوع يدان)) (فرحت من العراف تسْقط عَمَّتي ... عَن الرَّأْس مَا ألتاثها ببناني) (معي صاحبا صدق إِذا ملت مَيْلَة ... وَكَانَ بدفي نضوتي عدلاني) (فيا عمّ يَا ذَا الْغدر لَا زلت مبتلىً ... حليفاً لهمّ لَازم وهوان) (غدرت وَكَانَ الْغدر مِنْك سجية ... فألزمت قلبِي دَائِم الخفقان) ...

стр. 1313

(وأورثتني غمّاً وكرباً وحسرةً ... وأورثت عَيْني دَائِم الهملان) (فَلَا زلت ذَا شوق إِلَى من هويته ... وقلبك مقسوم بِكُل مَكَان) (وَإِنِّي لأهوى الْحَشْر إِذْ قيل إِنَّنِي ... وعفراء يَوْم الْحَشْر ملتقيان) (أَلا يَا غرابي دمنة الدَّار بيّنا ... أَبَا لهجر من عفراء تنتحبان) (فَإِن كَانَ حَقًا مَا تقولان فاذهبا ... بلحمي إِلَى وكريكما فكلاني) (كلاني أكلا لم ير النَّاس مثله ... ولاتهضما جنبيّ وازدرداني) (أَلا لعن الله الوشاة وَقَوْلهمْ ... فُلَانَة أمست خلّة لفُلَان) (إِذا مَا جلسنا مَجْلِسا نستلذه ... تواشوا بِنَا حَتَّى أملّ مَكَاني) (تكنّفني الواشون من كل جَانب ... وَلَو كَانَ واش وَاحِد لكفاني) (وَلَو كَانَ واش بِالْيَمَامَةِ دَاره ... أحاذره من شؤمه لأتاني) (يكلفني عمي ثَمَانِينَ بكرَة ... وَمَا لي والرحمن غير ثَمَان) (فيا لَيْت محيانا جَمِيعًا وليتنا ... إِذا نَحن متْنا ضمّنا كفنان) (وَيَا لَيْت أنّا الدَّهْر فِي غير رِيبَة ... خليّان نرعى القفر مؤتلفان) (فو الله مَا حدثت سرك صاحباً ... أَخا لي وَلَا فاهت بِهِ الشفتان) (سوى أنني قد قلت يَوْمًا لصاحبي ... ضحى وقلوصانا بِنَا تخدان) (ضحيّا ومسّتنا جنوب ضَعِيفَة ... نسيم لريّاها بِنَا خفقان) ...

стр. 1314

(تحملت زفرات الضُّحَى فأطقتها ... وَمَا لي بزفرات العشيّ يدان) (فيا عمّ لَا أسقيت من ذِي قرَابَة ... بِلَالًا فقد زلّت بك القدمان) (ومنيتني عفراء حَتَّى رجوتها ... وشاع الَّذِي منّيت كل مَكَان) (فو الله لَوْلَا حب عفراء مَا التقى ... عَليّ رواقا بَيْتك الخلقان) (رواقان خفاقان لَا خير فيهمَا ... إِذا هبّت الْأَرْوَاح يصطفقان)) (وَلم أتبع الأظعان فِي رونق الضُّحَى ... ورحلي على نهّاضة الخديان) (لعفراء إِذْ فِي الدَّهْر وَالنَّاس غرَّة ... وَإِذ خلقانا بالصبا يسران) (لأدنو من بَيْضَاء خفاقة الحشا ... بنية ذِي قاذورة شنآن) (كَأَن وشاحيها إِذا مَا ارتدتهما ... وَقَامَت عناناً مهرَة سلسان) (يعضّ بأبدان لَهَا ملتقاهما ... ومثناهما رخوان يضطربان) (وتحتهما حقفان قد ضربتهما ... قطار من الجوزاء ملتبدان) (أعفراء كم من زفرَة قد أذقتني ... وحزن ألجّ الْعين فِي الهملان) ...

стр. 1315

(وعينان مَا أوفيت نشزاً فتنظرا ... بمأقيهما إِلَّا هما تكفان) (فَهَل حَادِيًا عفراءإن خفت فوتهاعليّ إِذا ناديتمرعويان ... ضروبان للتالي القطوف إِذا ونى) (فَمَا لَكمَا من حاديين رميتما ... بحميّ وطاعون أَلا تقفان) (وَمَا لَكمَا من حاديين كسيتما ... سرابيل مغلاة من القطران) (فويلي على عفراء ويلاً كَأَنَّهُ ... على الكبد والأحشاء حرّ سِنَان) قَالَ أَبُو بكر: أَخْبرنِي أبي عَن الطوسيّ قَالَ: أَرَادَ بقوله: ملتقى نعم وألالا شفتيها لِأَن الْكَلِمَتَيْنِ فِي الشفتين تلتقيان. وَرُوِيَ: (أَلا حبّذا من حب عفراء ملتقى ... نعام وبرك حَيْثُ يَلْتَقِيَانِ) وَقيل: هما موضعان. (لَو أَن أَشد النَّاس وجدا وَمثله ... من الْجِنّ بعد الْإِنْس يَلْتَقِيَانِ) (فيشتكيان الوجد ثمّت أشتكي ... لأضعف وجدي فَوق مَا يجدان) (فقد تَرَكتنِي مَا أعي لمحدّث ... حَدِيثا وَإِن نَاجَيْته ونجاني) (ة وَقد تركت عفراء قلبِي كَأَنَّهُ ... جنَاح غراب دَائِم الخفقان)

стр. 1316

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ (مهامهاً وخروقاً لَا أنيس بهَا ... إِلَّا الضوابح والأصداء والبوما) على ان النصب فِيهِ قَلِيل كَقَوْلِه: لَا أحد فِيهَا إِلَّا زيدا. وَفِيه أَن الْبَيْت من الِاسْتِثْنَاء المقطع فَإِن الضوابح وَمَا بعده لَيست من جنس الأنيس بِخِلَاف الْمِثَال فَإِنَّهُ اسْتثِْنَاء مُتَّصِل. وَالْبَيْت قد أنْشدهُ الفرّاء للنصب على الِانْقِطَاع كَمَا نَقله السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ عِنْد الْكَلَام على قَول النَّبِي ﷺ َ: لَا يَمُوت لمُؤْمِن ثَلَاثَة من الْأَوْلَاد فتمسّه الناء إِلَّا تَحِلَّة الْقسم قَالَ: الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع كَأَنَّهُ قَالَ: فَتَمَسهُ الناء لَكِن تَحِلَّة الْيَمين أَي: لَكِن وُرُود النَّار لَا بدّ مِنْهُ فَجرى مجْرى قَول الْعَرَب: سَار النَّاس إِلَّا الأثقال وَأنْشد الفرّاء: مهامهاً وخروقاً لَا أنيس بهَا وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات عدتهَا أحد عشر بَيْتا للأسود بن يعفر وَهِي فِي آخر المفضليات: (قد أصبح الْحَبل من أَسمَاء مصروما ... بعد ائتلاف وَحب كَانَ مكتوما) (واستبدلت محلّة مني وَقد علمت ... أَن لن أَبيت بوادي الْخَسْف مذموما) ...

стр. 1317

(عفّ صَلِيب إِذا مَا جلبة أزمت ... من خير قَوْمك مَوْجُودا ومعدوما) (لما رَأَتْ أَن شيب الرَّأْس شامله ... بعد الشَّبَاب وَكَانَ الشيب مسؤوما) (صدّت وَقَالَت: أرى شيباً تفرّعه ... إِن الشَّبَاب الَّذِي يَعْلُو الجراثيما) (كَأَن ريقتها بعد الْكرَى اغتبقت ... صرفا تخيرها الحانون خرطوما) (سلافة الدّن مَرْفُوعا نصائبه ... مقلد الفغو وَالريحَان ملثوما) (وَقد ثوى نصف حول أشهراً جدداً ... بِبَاب أفّان يبتار السلاليما) (وسمحة الْمَشْي شملال قطعت بهَا ... أَرضًا يحار بهَا الهادون ديموما) مهامها وخروقاً لَا أنيس بهَا قَوْله: قد أصبح الْحَبل هُوَ الْوَصْل. والمصروم: الْمَقْطُوع. وَقَوله: واستبدلت خلة الخ الْخلَّة: الْخَلِيل وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر وَلِهَذَا يكون للْوَاحِد وَالْجمع والمؤنث. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْخَسْف: الذل وَأَصله أَن تبيت الدَّابَّة على غير علف ثمَّ أطلق على من أَقَامَ على ذل. وَقَوله: عفّ صَلِيب. إِلَى آخِره الصَّلِيب: الْجلد على المصائب الصبور على النوائب. والجلبة) بِضَم الْجِيم وبالموحدة: الْقَحْط. وَرُوِيَ: إِذا مَا أزمة أزمت والأزمة: الشدَّة وأزمت: اشتدت من بَاب ضرب وأصل الأزم العض بالأسنان يَقُول: أَنا صبور على النوائب فِي الجدب حَيْثُ لَا يقوم أحد بِحَق ينوبه لشدَّة الزَّمَان. والْمَوْجُود: الْحَيّ والمعدوم: الْمَيِّت. وَقَوله: وَكَانَ الشيب مسؤوماً قَالَ الضَّبِّيّ: مسؤوم: مملول مفعول من سئمته سآمة إِذا مللته. وَقَوله: أرى شيباً تفرعه قَالَ الضَّبِّيّ: تفرّعه أَي: ثار فِي فروعه وَفرع كل شَيْء: أَعْلَاهُ. والجرثومة بِالضَّمِّ: أصل الشَّجَرَة تجمع إِلَيْهَا الرِّيَاح

стр. 1318

التُّرَاب. يُرِيد: أَن الشَّبَاب يَعْلُو ويرتفع مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الشُّيُوخ وَإِنَّمَا هَذَا مثل. وَقَوله: كَأَن ريقتها الخ اغتبقت من الغبوق وَهُوَ شرب العشيّ. وَالصرْف: مَا لم يمزج. والحانون: جمع حَان بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الخمّار. والخرطوم: أول مَا قَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا خص الغبوق لِأَنَّهُ أقرب من نومها قَالَ: وَإِنَّمَا خص الحانين لأَنهم أبْصر بِالْخمرِ من غَيرهم. وَقَوله: سلافة الدّنّ الخ قَالَ الضّبّي: أَرَادَ بالمرفوع نصائبه الإبريق يُقَلّد الريحان. ونصائبه: قوائمه. والغفو بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ضرب من النبت يكون طيبا وَقد قيل إِنَّه الحنّاء وَهُوَ الفاغية. وَقَالَ أَحْمد: نصائبه مَا انتصب عَلَيْهِ الدن من أَسْفَله وَهُوَ شَيْء محدد دَقِيق يَجْعَل لَهُ ذَلِك ليرْفَع الدّنّ للريح وَالشَّمْس. بقول: قلّد الريحان وَهَذَا مثل يَقُول من طيب رَائِحَته كَأَنَّهُ قلد الريحان والمسك وَلذَلِك ذكر الغفو يُرِيد ريح الريحان. ويروى: الريحان نصبا وخفضاً. وَقَوله: وَقد ثوى نصف حول الخ بَاب أفان بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْفَاء: مَوضِع. ويبتار: يختبر ويمتحن. والسلاليم: مَا يتَّصل بِهِ إِلَى حَاجته. وَرُوِيَ: يبْتَاع. وَالْمعْنَى: يصونها فِي مَكَان مُرْتَفع. وَأنكر أَحْمد مَا قَالَ الضَّبِّيّ فِي الإبريق وَقَالَ: لم يذكر الإبريق بعد وَإِنَّمَا ثوى نصف حول ليَشْتَرِي الْخمر أَي: فَهُوَ يطْلبهَا لم يشترها بعد وَكَيف يَجْعَلهَا فِي الأباريق وَإِنَّمَا هُوَ يبتار: يصعد سلما بعد سلم لِأَنَّهَا وضعت على السطوح لبروز الشَّمْس وَالرِّيح. وَقَوله: حَتَّى تنَاولهَا الخ قَالَ الضَّبِّيّ الصَّهْبَاء من عِنَب أَبيض والصافية: الْخَالِصَة. والتجار: جمع تَاجر وهم تجار الْخمر. والتراجيم: خدم من خدم

стр. 1319

الخمارين وَيُقَال: يُرِيد التراجمة لِأَن وَقَوله: وسمحة الْمَشْي الْوَاو وَاو رب. والسمحة: السهلة. والديموم: القفر الَّتِي لَا مَاء فِيهَا وَلَا علم. والشملال: السريعة. وَقَوله: مهامهاً. . الخ هُوَ بدل من قَوْله: أَرضًا فِي الْبَيْت السَّابِق. والمهمه: القفر. والأنيس: من) يؤنس بِهِ وَإِلَيْهِ. والضوابح: جمع ضابح بالضاد الْمُعْجَمَة وبالموحدة والحاء الْمُهْملَة وَهُوَ الثَّعْلَب والضباح بِالضَّمِّ: صَوته. والأصداء: جمع صدى وَهُوَ ذكر البوم. والخروق: جمع خرق بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَآخره قَاف وَهِي الفلاة الَّتِي تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. وترجمة الْأسود بن يعفر تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: وَلَا أَمر للمعصي إِلَّا مضيعا هَذَا عجز. وصدره: أَمرتكُم أَمْرِي بمنعرج اللوى لما تقدم قبله. وَقَوله: وَقَالَ الْخَلِيل: مضيعاً حَال الخ بِهَذَا يسْقط قَول

стр. 1320

الأعلم حَيْثُ قَالَ فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الشَّاهِد فِيهِ نصب مضيع على الْحَال من الْأَمر وَهُوَ حَال من النكرَة وَفِيه ضعف لِأَن أصل الْحَال أَن يكون للمعرفة انْتهى. وَأَقُول: إِن جعل حَالا من الضَّمِير المستقر فِي قَوْله: للمعصي فَإِنَّهُ خبر لَا النافية فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا ذكر. وَقَالَ النّحاس: وَيجوز أَن يكون حَالا للمضمر التَّقْدِير: إِلَّا أمرا فِي حَال تضييعه فَهُوَ حَال من نكرَة. أَقُول: هَذَا التَّقْدِير يَقْتَضِي أَن يكون مضيعاً صفة لَا حَالا. وَقَالَ الأعلم: وَيجوز نَصبه على الِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْدِير: إِلَّا أمرا مضيعاً. وَفِيه قبح لوضع الصّفة مَوضِع الْمَوْصُوف. أَقُول: لَا قبح فَإِن الْمَوْصُوف كثيرا مَا يحذف لقَرِينَة.

стр. 1321

وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: الآستثناء مُنْقَطع وَلَو رفع فِي غير هَذَا الْموضع لجَاز بجعله خَبرا للا. أَقُول: يجب حِينَئِذٍ أَن يُقَال وَلَا أمرا للمعصي بِالتَّنْوِينِ إِلَّا هَذَا مَذْهَب البغداديين. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للكلحية العريني وَقد شرحناها وَذكرنَا موردها مفصلا وترجمناه فِي) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ ...

стр. 1322

(رَأَيْت النَّاس مَا حاشا قُريْشًا ... فَإنَّا نَحن أفضلهم فعالا) على أَن الْأَخْفَش روى حاشا مَوْصُولَة بِمَا المصدرية. قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وسيبويه منع من دُخُول مَا على حاشا قَالَ: لَو قلت أَتَوْنِي مَا حاشا زيدا لم يكن كلَاما. وَأَجَازَهُ بَعضهم على قلَّة. . وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ حَيْثُ زعم أَن مَا هُنَا نَافِيَة فَإِن مُرَاد الشَّاعِر تَفْضِيل قومه على مَا عدا قُريْشًا لَا تَفْضِيل قومه على قُرَيْش أَيْضا. وَقِيَاسه على قَول النَّبِي ﷺ َ: أُسَامَة أحب النَّاس إِلَيّ مَا حاشا فَاطِمَة. فِي أَن مَا نَافِيَة كَمَا قَالَ صَاحب الْمُغنِي يردهُ أَنه صرح أَن مَا فِي الْبَيْت مَصْدَرِيَّة فَإِنَّهُ قَالَ: وتوهم ابْن مَالك أَن مَا فِي الحَدِيث مَا المصدرية وحاشا الاستثنائية فاستدل بِهِ على أَنه قد يُقَال قَامَ الْقَوْم مَا حاشا زيدا كَمَا قَالَ رَأَيْت النَّاس مَا حاشا قُريْشًا. . الْبَيْت انْتهى كَلَام الْمُغنِي. وَرَأَيْت: من الرُّؤْيَة القلبية تطلب مفعولين وَالثَّانِي هُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره دُوننَا أَو الْجُمْلَة هِيَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَالْفَاء زَائِدَة كَمَا قَالَ الدحاميني وَزعم: الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد الْمُغنِي: أَن رَأَيْت من الرَّأْي وَلِهَذَا اكْتفى بمفعول وَاحِد. وَهَذَا لَا معنى لَهُ هُنَا. فَتَأمل. وَرُوِيَ أَيْضا: فَأَما النَّاس مَا حاشا قُريْشًا فالفاء فِي المصراع الثَّانِي فَاء الْجَواب. والفعال: بِفَتْح الْفَاء قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: هُوَ كل فعل حسن: من حلم أَو سخاء أَو إصْلَاح بَين النَّاس أَو نَحْو ذَلِك. فَإِن كسرت فاؤه صلح لما حسن من الْأَفْعَال وَمَا لم يحسن. وَهَذَا الْبَيْت قَالَ العييني وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ: إِنَّه للأخطل من قصيدة. وَقد راجعت ديوانه مرَّتَيْنِ وَلم أَجِدهُ فِيهِ وَرَأَيْت فِيهِ أبياتاً على هَذَا الْوَزْن يهجو بهَا جَرِيرًا ويفتخر بقَوْمه فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْبَيْت وَأول تِلْكَ الأبيات: (لقد جاريت يَا ابْن أبي جرير ... عذوماً لَيْسَ ينظرك المطالا) وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: (سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحاناً نَعُوذ بِهِ ... وَقَبلنَا سبح الجودي والجمد) على أَن سُبْحَانَ الله فِيهِ بِمَعْنى سبحاناً. يُرِيد: أَن سُبْحَانَ غير علم لمجيئه نكرَة كَمَا هُنَا ومعرفاً بِالْإِضَافَة وباللام كَمَا بَينه فِي بَاب الْعلم. وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله. وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن تنكيره وتنوينه ضَرُورَة وَالْمَعْرُوف فِيهِ أَن يُضَاف أَو يَجْعَل مُفردا معرفَة كَقَوْلِه: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر

стр. 1323

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لورقة بن نَوْفَل قَالَهَا لكفار مَكَّة حِين رَآهُمْ يُعَذبُونَ بِلَالًا على إِسْلَامه وَهِي: (لقد نصحت لأقوام وَقلت لَهُم: ... أَنا النذير فَلَا يغرركم أحد) (لَا تعبدن إِلَهًا غير خالقكم ... فَإِن دعيتم فَقولُوا: دونه حدد) (سُبْحَانَ ذِي الْعَرْش لَا شَيْء يعادله ... رب الْبَريَّة فَرد وَاحِد صَمد) (سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحاناً نَعُوذ بِهِ ... وَقَبلنَا سبح الجودي والجمد) (مسخر كل من تَحت السَّمَاء لَهُ ... لَا يَنْبَغِي أَن يناوي ملكه أحد) (لم تغن عَن هُرْمُز يَوْمًا خزائنه ... والخلد قد حاولت عَاد فَمَا خلدوا) (وَلَا سُلَيْمَان إِذْ دَان الشعوب لَهُ ... الْجِنّ وَالْإِنْس تجْرِي بَينهَا الْبرد) (لَا شَيْء مِمَّا ترى تبقى بشاشته ... يبْقى الْإِلَه ويودي المَال وَالْولد) قَوْله: دونه حدد بِفَتْح الْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: دونه حدد أَي: منع. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَهُوَ من الْحَد بِمَعْنى الْمَنْع أَي: قُولُوا: نَحن نمْنَع أَنْفُسنَا من عبَادَة إِلَه غير الله. . وَقَوله: نَعُوذ بِهِ أَي: كلما رَأينَا أحدا يعبد غير الله عذنا برحمته وسبّحناه حَتَّى يعصمنا من الضلال وروى الرياشيّ: نعود لَهُ بِالدَّال الْمُهْملَة وَاللَّام أَي: نعاوده مرّة بعد أُخْرَى. والجوديّ: جبل بالموصل وَقيل بالجزيرة كَذَا ورد فِي التَّفْسِير قَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم: رُوِيَ أَن السَّفِينَة اسْتَقَلت بهم فِي الْيَوْم الْعَاشِر من

стр. 1324

رَجَب واستقرت على الجودي يَوْم عَاشُورَاء من المحرّم.) وروى سعيد عَن قَتَادَة أَن الْبَيْت بني من خَمْسَة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء. والجمد بِضَم الْجِيم وَالْمِيم وتخفف الْمِيم أَيْضا بِالسُّكُونِ. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جبل تِلْقَاء أسنمة قَالَ نصيب: (وَعَن شمائلهم أنقاء أسنمة ... وَعَن يمينهم الأنقاء والجمد) وَقَالَ فِي أسنمة: بِفَتْح الْألف وَسُكُون السِّين وَضم النُّون وَكسرهَا مَعًا وَقَالَ عمَارَة بن عقيل: هِيَ أسنمة بِضَم الْهمزَة وَالنُّون وَقَالَ: هِيَ رَملَة أصفل الدهناء على طَرِيق فلج وَأَنت مصعد إِلَى مَكَّة وَهُوَ نقاً محدّد طَوِيل كَأَنَّهُ سَنَام انْتهى. وَرُوِيَ أَيْضا: وَقبل سبّحه الجوديّ. . الخ بضمّ لَام قبل. . وَقَوله: لَا يَنْبَغِي أَن يناوي الخ أَي: يعادي وناواه: عَادَاهُ وَأَصله الْهَمْز لِأَنَّهُ من النوء وَهُوَ النهوض. وَرُوِيَ: أَن يساوى أَي: لَا يعادله. وَقَوله: وَلَا سُلَيْمَان إِذْ دَان الخ دَان بِمَعْنى ذلّ وأطاع. والشعوب: جمع شعب بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ مَا تشعّب أَي: تفرّق من قبائل الْعَرَب والعجم وبيّنه هُنَا بقوله: الْجِنّ وَالْإِنْس وَضمير بَينهَا للشعوب. وَالْبرد بِضَمَّتَيْنِ. جمع بريد وَهُوَ الرَّسُول. وَقَوله: ويودي المَال الخ يُقَال أودى الشَّيْء أَي: هلك فَهُوَ مود.

стр. 1325

ورقة بن نَوْفَل يعدّ من الصَّحَابَة: وَقد ألّف أَبُو الْحسن برهَان الدَّين إِبْرَاهِيم البقاعيّ الشَّافِعِي تأليفاً فِي إِيمَان ورقة بِالنَّبِيِّ وصحبته لَهُ ﷺ َ وَلَقَد أَجَاد فِي جمعه وشدد الْإِنْكَار على من أنكر صحبته وَجمع فِيهِ الْأَخْبَار الَّتِي نقلت عَن ورقة ﵁ بالتصريح بإيمانه بِالنَّبِيِّ ﷺ َ وسروره بنبوته وَالْأَخْبَار الشاهدة لَهُ بِأَنَّهُ فِي الْجنَّة وَمَا نَقله الْعلمَاء من الْأَحَادِيث فِي حَقه وَمَا ذَكرُوهُ فِي كتبهمْ المصنفة فِي أَسمَاء الصَّحَابَة وَسمي تأليفه: بذل النصح والشفقة للتعريف بِصُحْبَة السَّيِّد ورقة وَقَالَ فِي تَرْجَمته: هُوَ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصيّ يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ َ فِي جدّ جده. قَالَ الزبير بن بكار: كَانَ ورقة قد كره عبَادَة الْأَوْثَان وَطلب الدَّين فِي الْآفَاق وَقَرَأَ الْكتب وَكَانَت خَدِيجَة ﵂ تسأله عَن أَمر النَّبِي ﷺ َ فَيَقُول لَهَا: مَا أرَاهُ إِلَّا نَبِي هَذِه المة الَّذِي بشر بِهِ مُوسَى وَعِيسَى. وَقَالَ ابْن كثير: قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَت خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى ذكرت) لورقة وَكَانَ ابْن عَمها وَكَانَ نَصْرَانِيّا قد تتبع الْكتب وَعلم من علم النَّاس مَا ذكر لَهَا غلامها يَعْنِي ميسرَة من أَمر الراهب يَعْنِي الَّذِي قَالَ لما نزل مُحَمَّد ﷺ َ تَحت شَجَرَة قريبَة من الراهب فِي السفرة الَّتِي سافرها لِخَدِيجَة إِلَى الشَّام: مَا نزل تَحت هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا نَبِي وَمَا كَانَ ميسرَة يرى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْملكَانِ يظلانه فَقَالَ ورقة: إِن كَانَ هَذَا حَقًا يَا خَدِيجَة إِن مُحَمَّدًا لنَبِيّ هَذِه الْأمة وَقد عرفت أَنه كَائِن لهَذِهِ الْأمة نَبِي ينْتَظر هَذَا زَمَانه. قَالَ: فَجعل ورقة يستبطئ الْأَمر وَيَقُول: حَتَّى مَتى وَقَالَ فِي ذَلِك: ...

стр. 1326

(لججت وَكنت فِي الذكرى لجوجاً ... لهمّ طالما بعث النشيجا) (وَوصف من خَدِيجَة بعد وصف ... فقد طَال انتظاري يَا خديجا) (بِبَطن المكتين على رجائي ... حَدِيثك إِن أرى مِنْهُ خُرُوجًا) (بِمَا خبرتنا من قَول قسّ ... من الرهبان أكره أَن يعوجا) (بِأَن مُحَمَّدًا سيسود يَوْمًا ... ويخصم من يكون لَهُ حجيجا) (فَيلقى من يحاربه خساراً ... ويلقى من يسالمه فلوجا) (فيا لَيْتَني إِذا مَا كَانَ ذاكم ... شهِدت وَكنت أَوَّلهمْ ولوجا) (أرجّي بِالَّذِي كَرهُوا جَمِيعًا ... إِلَى ذِي الْعَرْش إِن سفلوا عروجا) (وَهل أَمر السفاهة غير كفر ... بِمن يخْتَار من سمك البروجا) (فَإِن يبقوا وأبق تكن أُمُور ... يضج الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجًا) (وَإِن أهلك فَكل فَتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خُرُوجًا) وَمَات ورقة فِي فَتْرَة الْوَحْي ﵁ قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام.

стр. 1327

وَقَالَ الزبير فِي كتاب نسب قُرَيْش: ورقة بن نَوْفَل لم يعقب وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لَا تسبوا ورقة فَإِنِّي رَأَيْته فِي ثِيَاب بيض. وَهُوَ الَّذِي يَقُول: (ارْفَعْ ضعيفك لَا يحر بك ضعفه ... يَوْمًا فَتُدْرِكهُ العواقب قد نما) (يجْزِيك أَو يثني عَلَيْك وَإِن من ... أثنى عَلَيْك بِمَا فعلت كمن جزى) ومرّ ببلال بن رَبَاح ﵁ وَهُوَ يعذب برمضاء مَكَّة فَيَقُول: أحد أحد فَوقف عَلَيْهِ فَقَالَ: أحد أحد وَالله يَا بِلَال ونهاهم عَنهُ فَلم ينْتَهوا فَقَالَ: وَالله لَئِن قَتَلْتُمُوهُ لأتخذنّ قَبره حنانا وَقَالَ:) الأبيات الَّتِي شرحناها وفيهَا بَيت الشَّاهِد. وَقد نسب هَذِه الأبيات إِلَى ورقة السُّهيْلي أَيْضا وَكَذَا الْحَافِظ أَبُو الرّبيع الكلاعيّ فِي سيرته. وَقَالَ السُّهيْلي: قَوْله: حنانا أَي: لأتخذنّ قَبره منسكاً ومترحما والحنان: الرَّحْمَة. وَقد وَقع بَيت الشَّاهِد فِي كتاب س غير معزوّ إِلَى وَاحِد وَاخْتلف شرّاح شواهده فأكثرهم قَالَ: إِنَّهَا لأمية بن أبي الصَّلْت وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا لزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ.

стр. 1328

وَحَاصِل مَا ذكره البقاعيّ فِي شَأْن ورقة بن نَوْفَل: أَنه مِمَّن وحّد الله فِي الْجَاهِلِيَّة فَخَالف قُريْشًا وَسَائِر الْعَرَب فِي عبَادَة الْأَوْثَان وَسَائِر أَنْوَاع الْإِشْرَاك وَعرف بعقله الصَّحِيح أَنهم أخطؤوا دين أَبِيهِم إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ ووحّد الله تَعَالَى واجتهد فِي تطلب الحنيفية دين إِبْرَاهِيم ليعرف أحب الْوُجُوه إِلَى الله تَعَالَى فِي الْعِبَادَة. فَلم يكتف بِمَا هداه إِلَيْهِ عقله بل ضرب فِي الأَرْض ليَأْخُذ علمه عَن أهل الْعلم بكتب الله الْمنزلَة من عِنْده الضابطة للأديان فأداه سُؤَاله أهل الذّكر الَّذين أَمر الله بسؤالهم إِلَى أَن اتبع الدَّين الَّذِي أوجبه الله فِي ذَلِك الزَّمَان وَهُوَ النَّاسِخ لشريعة مُوسَى ﵇: دين النَّصْرَانِيَّة وَلم يتبعهُم فِي التبديل بل فِي التَّوْحِيد وَصَارَ يبْحَث عَن النَّبِي ﷺ َ الَّذِي بشر بِهِ مُوسَى وَعِيسَى ﵉. فَلَمَّا أخْبرته ابْنة عمّه الصدّيقة الْكُبْرَى خَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا بِمَا رَأَتْ وأخبرت بِهِ فِي شَأْن النَّبِي ﷺ َ من المخايل: بإظلال الْغَمَام وَنَحْوهَا ترجى أَن يكون هُوَ المبشر بِهِ وَقَالَ فِي ذَلِك أشعاراً يتشوق فِيهَا غَايَة التشوق إِلَى إنجاز الْأَمر الْمَوْعُود لينخلع من النَّصْرَانِيَّة إِلَى دينه لِأَنَّهُ كَانَ قَالَ لزيد بن عَمْرو بن نفَيْل لما قَالَ لَهُم الْعلمَاء: إِن أحب الدَّين إِلَى الله دين هَذَا المبشر بِهِ: أَنا أستمر على نصرانيتي إِلَى أَن يَأْتِي هَذَا النَّبِي فَلَمَّا حقق الله الْأَمر وأوقع الإرهاصات: بِالسَّلَامِ من الْأَشْجَار والأحجار على النَّبِي ﷺ َ وبمناداة إسْرَافيل ﵇ للنَّبِي ﷺ َ مَعَ الاستتار مِنْهُ وَخَافَ النَّبِي ﷺ َ من ذَلِك فَاشْتَدَّ خَوفه فَنقل ذَلِك إِلَى ورقة بن نَوْفَل ﵁ اشْتَدَّ سروره بذلك وثبته وَشد قلبه وشجعه. فَلَمَّا بدا لَهُ الْأَمر بفراغ نوبَة إسْرَافيل وَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ وَفعل مَا أمره الله بِهِ: من شقّ صَدره

стр. 1329

الشريف وَغسل قلبه وإيداعه الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَمَا شَاءَ الله وتبدّى لَهُ جِبْرِيل وَأنزل عَلَيْهِ بعض الْقُرْآن وَأخْبرهُ بِهِ قفّ شعر ورقة) وَسبح الله وقدّسه وَعظم سروره بذلك وَشهد أَنه أَتَاهُ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاء قبله ﵈ وَشهد أَنه الَّذِي أنزل عَلَيْهِ كَلَام الله وَشهد أَنه نَبِي هَذِه الْأمة وَتمنى أَن يعِيش إِلَى أَن يُجَاهد مَعَه. هَذَا مَعَ مَا لَهُ بِالنَّبِيِّ ﵊ ُ وزوجه الصدّيقة خَدِيجَة وَمن شعره: (أتبكر أم أَنْت العشية رائح ... وَفِي الصَّدْر من إضمارك الْحزن قَادِح) (لفرقة قوم لَا أحب فراقهم ... كَأَنَّك عَنْهُم بعد يَوْمَيْنِ نازح) (وأخبار صدق خبّرت عَن مُحَمَّد ... يخبّرها عَنهُ إِذا غَابَ نَاصح) (فتاك الَّذِي وجّهت يَا خير حرَّة ... بغور وبالنجدين حَيْثُ الصحاصح) (إِلَى سوق بصرى فِي الركاب الَّتِي غَدَتْ ... وهنّ من الْأَحْمَال قعص دوالح) (يخبّرنا عَن كل حبر بِعِلْمِهِ ... وللحق أَبْوَاب لَهُنَّ مفاتح) (بِأَن ابْن عبد الله أَحْمد مُرْسل ... إِلَى كل من ضمت عَلَيْهِ الأباطح) (وظني بِهِ أَن سَوف يبْعَث صَادِقا ... كَمَا أرسل العبدان: هود وَصَالح) ...

стр. 1330

(ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم حَتَّى يرى لَهُ ... بهاء ومنشور من الذّكر وَاضح) (ويتبعه حَيا لؤيّ بن غَالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح) (فَإِن أبق حَتَّى يدْرك النَّاس أمره ... فَإِنِّي بِهِ مُسْتَبْشِرٍ الودّ فارح) (وَإِلَّا فَإِنِّي يَا خَدِيجَة فاعلمي ... عَن أَرْضك فِي الأَرْض العريضة سائح) وَمن شعره أَيْضا: (وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال فاعلمي ... من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل) (يفوز بِهِ من فَازَ فِيهَا بتوبة ... ويشقى بِهِ العاتي الغرير المضلّل) (فريقان مِنْهُم فرقة فِي جنانه ... وَأُخْرَى بأجواز الْجَحِيم تغلّل) (فسبحان من تهوى الرِّيَاح بأَمْره ... وَمن هُوَ فِي الْأَيَّام مَا شَاءَ يفعل) (وَمن عَرْشه فَوق السَّمَاوَات كلهَا ... وأقضاؤه فِي خلقه لَا تبدّل) وَمن شعره أَيْضا: (يَا للرِّجَال وَصرف الدَّهْر وَالْقدر ... وَمَا لشَيْء قَضَاهُ الله من غير) (جَاءَت خَدِيجَة تَدعُونِي لأخبرها ... وَمَا لنا بخفي الْغَيْب من خبر)) (جَاءَت لتسألني عَنهُ لأخبرها ... أمرا أرَاهُ سَيَأْتِي النَّاس من أخر) (فخبّرتني بِأَمْر قد سَمِعت بِهِ ... فِيمَا مضى ن قديم الدَّهْر وَالْعصر) (بِأَن أَحْمد يَأْتِيهِ فيخبره ... جِبْرِيل أَنَّك مَبْعُوث إِلَى الْبشر) (فَقلت علّ الَّذِي ترجين يُنجزهُ ... لَك الْإِلَه فرجّي الْخَيْر وانتظري) ...

стр. 1331

(وأرسليه إِلَيْنَا كي نسائله ... عَن أمره مَا يرى فِي النّوم والسهر) (فَقَالَ حِين أَتَانَا منطقاً عجبا ... يقفّ مِنْهُ أعالي الْجلد وَالشعر) (ثمَّ اسْتمرّ فكاد الْخَوْف يذعرني ... مِمَّا يسلّم مَا حَولي من الشّجر) (فَقلت: ظَنِّي وَمَا أَدْرِي أيصدقني ... أَن سَوف يبْعَث يَتْلُو منزل السُّور) (وسوف أبليك إِن أعلنت دعوتهم ... من الْجِهَاد بِلَا منّ وَلَا كدر) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر هَذَا عجز وصدره: أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره على أَن ترك تَنْوِين سُبْحَانَ لَيْسَ لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية وَزِيَادَة الْألف وَالنُّون بل لأجل بَقَائِهِ على صُورَة الْمُضَاف لما غلب اسْتِعْمَاله مُضَافا وَالْأَصْل سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ للضَّرُورَة. وَهَذَا ردّ على سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه فِي زَعمه أَن سُبْحَانَ علم غبر منصرف. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْعلم. قَالَ الرَّاغِب: قَوْله: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر تَقْدِيره: سُبْحَانَ عَلْقَمَة على التهكم فَزَاد فِيهِ من ردّاً إِلَى أَصله وَقيل: أَرَادَ سُبْحَانَ الله من أجل عَلْقَمَة فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ اه.

стр. 1332

أَقُول: وَالْوَجْه الأول ضَعِيف لُغَة وصناعة: أما الأول فَلِأَن الْعَرَب لَا يستعملونه إِلَّا مُضَافا إِلَى الله وَلم يسمع إِضَافَته إِلَى غَيره وَأما صناعَة فَلِأَن من لَا تزاد فِي الْوَاجِب عِنْد الْبَصرِيين وَسُبْحَان فِي الْبَيْت للتعجب وَمن دَاخِلَة على المتعجب مِنْهُ وَالْأَصْل فِيهِ أَن يسبح الله تَعَالَى) عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل متعجب مِنْهُ. قَالَ بَعضهم: يسْتَلْزم التَّنْزِيه التَّعَجُّب من بعد مَا نزّه عَنهُ من المنزه فَكَأَنَّهُ قيل ماأبعده مِنْهُ فقد يقْصد بِهِ التَّنْزِيه أصلا والتعجب تبعا كَمَا فِي سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ وَقد يقْصد بِهِ التَّعَجُّب وَيجْعَل تنزيهه تَعَالَى ذَرِيعَة لَهُ فيسبح الله عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه. ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل عِنْد كل تعجب من شَيْء كَمَا فِي: سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم اه. وَالْمعْنَى أعجب من عَلْقَمَة إِذْ فاخر عَامر بن الطُّفَيْل. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأعشى مَيْمُون قبحه الله تَعَالَى هجا بهَا عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ ﵁ ومدح ابْن عَمه عَامِرًا الْمَذْكُور لَعنه الله تَعَالَى وغلّبه عَلَيْهِ فِي الْفَخر. وَسبب هَذِه القصيدة أَن عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل عَدو الله والمنافرة: المحاكمة فِي الْحسب والشرف فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين ثمَّ أَن الْأَعْشَى مدح الْأسود الْعَنسِي فَأعْطَاهُ خَمْسمِائَة مِثْقَال ذَهَبا وَخَمْسمِائة

стр. 1333

حللاً وعنبراً فَخرج فَلَمَّا مرّ بِبِلَاد بني عَامر وهم قوم عَلْقَمَة وعامر خافهم على مَا مَعَه فَأتى عَلْقَمَة بن علاثة فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ: لَا. فَأتى عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ عَامر: وَمن الْمَوْت أَيْضا قَالَ: وَكَيف تجيرني من الْمَوْت قَالَ: إِن مت فِي جواري بعثت إِلَى أهلك الدِّيَة قَالَ: الْآن علمت أَنَّك قد أجرتني فحرّضه عَامر على تنفيره على عَلْقَمَة فغلّبه عَلَيْهِ بقصائد فَلَمَّا سمع نذر لَيَقْتُلَنهُ إِن ظفر بِهِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة. ومطلعها: (شاقك من قتلة أطلالها ... بالشط فالجزع إِلَى حاجر) (لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر) (حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... يَا عجبا للْمَيت الناشر) (دعها فقد أعذرت فِي ذكرهَا ... وَاذْكُر خنى عَلْقَمَة الخائر) (يحلف بِاللَّه: لَئِن جَاءَهُ ... عنّي نباً من سامع خابر) (ليجعلني ضحكة بعْدهَا ... خدعت يَا علقم من ناذر)) إِلَى أَن قَالَ: ...

стр. 1334

(إِن الَّذِي فِيهِ تماريتما ... بيّن للسامع والناظر) (مَا جعل الجدّ الظنون الَّذِي ... جنّب صوب اللجب الماطر) (مثل الفراتي إِذا مَا جرى ... يقذف بالبوصيّ والماهر) (أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر) (علقم لَا تسفه وَلَا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر) (وَأول الحكم على وَجهه ... لَيْسَ قضائي بالهوى الجائر) (حكّمتموه فَقضى بَيْنكُم ... أَبْلَج مثل الْقَمَر الباهر) (لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي حكمه ... وَلَا يُبَالِي غبن الخاسر) (سدت بني الْأَحْوَص لَا تعدهم ... وعامر سَاد بني عَامر) (قد قلت شعري فَمضى فيكما ... فاعترف المنفور للنافر) وَهِي قصيدة طَوِيلَة: وَمِنْهَا: وَسَيَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات فِي بَاب أفعل التَّفْضِيل. وَقد نهى النَّبِي ﷺ َ عَن رِوَايَة هَذِه القصيدة وَلِهَذَا لم أذكرها كلهَا. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وعلقمة بن علاثة صحابيّ قدم على رَسُول الله ﷺ َ وَهُوَ شيخ فَأسلم وَبَايع وروى حَدِيثا وَاحِدًا. أخرج

стр. 1335

ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح قَالَ: حَدثنِي عَلْقَمَة بن علاثة قَالَ: أكلت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ رؤوساً. وَاسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب على حوران فَمَاتَ بهَا. وَأخرج أَبُو نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي ﷺ َ وَعِنْده حسان فَقَالَ: يَا حسان أنشدنا من شعر الْجَاهِلِيَّة مَا عَفا الله لنا فِيهِ فأنشده حسان قصيدة الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة: (علقم مَا أَنْت إِلَى عَامر ... الناقض الأوتار والواتر) فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: يَا حسان لَا تنشدني مثل هَذَا بعد الْيَوْم فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله مَا يَمْنعنِي من رجل مُشْرك هُوَ عِنْد قَيْصر أَن أذكر هجاء لَهُ فَقَالَ: يَا حسان إِنِّي ذكرت عِنْد قَيْصر وَعِنْده أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وعلقمة بن علاثة فَأَما أَبُو سُفْيَان فَلم يتْرك فيّ) وَأما عَلْقَمَة فَحسن القَوْل وَإنَّهُ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس. فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله وَقَالَ وَكِيع فِي الْغرَر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: رخّص رَسُول الله ﷺ َ فِي الْأَشْعَار كلهَا إِلَّا هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ: الَّتِي قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي أهل بدر: (مَاذَا ببدر فالعقنقل ... من مرازبة جحاجح) وَالَّتِي قَالَ الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:
следующие страницы →