Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
(وأرسليه إِلَيْنَا كي نسائله ... عَن أمره مَا يرى فِي النّوم والسهر)
(فَقَالَ حِين أَتَانَا منطقاً عجبا ... يقفّ مِنْهُ أعالي الْجلد وَالشعر)
(ثمَّ اسْتمرّ فكاد الْخَوْف يذعرني ... مِمَّا يسلّم مَا حَولي من الشّجر)
(فَقلت: ظَنِّي وَمَا أَدْرِي أيصدقني ... أَن سَوف يبْعَث يَتْلُو منزل السُّور)
(وسوف أبليك إِن أعلنت دعوتهم ... من الْجِهَاد بِلَا منّ وَلَا كدر)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر هَذَا عجز وصدره: أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره على أَن ترك تَنْوِين سُبْحَانَ لَيْسَ لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية وَزِيَادَة الْألف وَالنُّون بل لأجل بَقَائِهِ على صُورَة الْمُضَاف لما غلب اسْتِعْمَاله مُضَافا وَالْأَصْل سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ للضَّرُورَة.
وَهَذَا ردّ على سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه فِي زَعمه أَن سُبْحَانَ علم غبر منصرف. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْعلم.
قَالَ الرَّاغِب: قَوْله: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر تَقْدِيره: سُبْحَانَ عَلْقَمَة على التهكم فَزَاد فِيهِ من ردّاً إِلَى أَصله وَقيل: أَرَادَ سُبْحَانَ الله من أجل عَلْقَمَة فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ اه.
стр. 1332
أَقُول: وَالْوَجْه الأول ضَعِيف لُغَة وصناعة: أما الأول فَلِأَن الْعَرَب لَا يستعملونه إِلَّا مُضَافا إِلَى الله وَلم يسمع إِضَافَته إِلَى غَيره وَأما صناعَة فَلِأَن من لَا تزاد فِي الْوَاجِب عِنْد الْبَصرِيين وَسُبْحَان فِي الْبَيْت للتعجب وَمن دَاخِلَة على المتعجب مِنْهُ وَالْأَصْل فِيهِ أَن يسبح الله تَعَالَى)
عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل متعجب مِنْهُ.
قَالَ بَعضهم: يسْتَلْزم التَّنْزِيه التَّعَجُّب من بعد مَا نزّه عَنهُ من المنزه فَكَأَنَّهُ قيل ماأبعده مِنْهُ فقد يقْصد بِهِ التَّنْزِيه أصلا والتعجب تبعا كَمَا فِي سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ وَقد يقْصد بِهِ التَّعَجُّب وَيجْعَل تنزيهه تَعَالَى ذَرِيعَة لَهُ فيسبح الله عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه. ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل عِنْد كل تعجب من شَيْء كَمَا فِي: سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم اه. وَالْمعْنَى أعجب من عَلْقَمَة إِذْ فاخر عَامر بن الطُّفَيْل.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأعشى مَيْمُون قبحه الله تَعَالَى هجا بهَا عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ ﵁ ومدح ابْن عَمه عَامِرًا الْمَذْكُور لَعنه الله تَعَالَى وغلّبه عَلَيْهِ فِي الْفَخر.
وَسبب هَذِه القصيدة أَن عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل عَدو الله والمنافرة: المحاكمة فِي الْحسب والشرف فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين ثمَّ أَن الْأَعْشَى مدح الْأسود الْعَنسِي فَأعْطَاهُ خَمْسمِائَة مِثْقَال ذَهَبا وَخَمْسمِائة
стр. 1333
حللاً وعنبراً فَخرج فَلَمَّا مرّ بِبِلَاد بني عَامر وهم قوم عَلْقَمَة وعامر خافهم على مَا مَعَه فَأتى عَلْقَمَة بن علاثة فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ: لَا.
فَأتى عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ عَامر: وَمن الْمَوْت أَيْضا قَالَ: وَكَيف تجيرني من الْمَوْت قَالَ: إِن مت فِي جواري بعثت إِلَى أهلك الدِّيَة قَالَ: الْآن علمت أَنَّك قد أجرتني فحرّضه عَامر على تنفيره على عَلْقَمَة فغلّبه عَلَيْهِ بقصائد فَلَمَّا سمع نذر لَيَقْتُلَنهُ إِن ظفر بِهِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة.
ومطلعها:
(شاقك من قتلة أطلالها ... بالشط فالجزع إِلَى حاجر)
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا ... يَا عجبا للْمَيت الناشر)
(دعها فقد أعذرت فِي ذكرهَا ... وَاذْكُر خنى عَلْقَمَة الخائر)
(يحلف بِاللَّه: لَئِن جَاءَهُ ... عنّي نباً من سامع خابر)
(ليجعلني ضحكة بعْدهَا ... خدعت يَا علقم من ناذر))
إِلَى أَن قَالَ: ...
стр. 1334
(إِن الَّذِي فِيهِ تماريتما ... بيّن للسامع والناظر)
(مَا جعل الجدّ الظنون الَّذِي ... جنّب صوب اللجب الماطر)
(مثل الفراتي إِذا مَا جرى ... يقذف بالبوصيّ والماهر)
(أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر)
(علقم لَا تسفه وَلَا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر)
(وَأول الحكم على وَجهه ... لَيْسَ قضائي بالهوى الجائر)
(حكّمتموه فَقضى بَيْنكُم ... أَبْلَج مثل الْقَمَر الباهر)
(لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي حكمه ... وَلَا يُبَالِي غبن الخاسر)
(سدت بني الْأَحْوَص لَا تعدهم ... وعامر سَاد بني عَامر)
(قد قلت شعري فَمضى فيكما ... فاعترف المنفور للنافر)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة: وَمِنْهَا:
وَسَيَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات فِي بَاب أفعل التَّفْضِيل.
وَقد نهى النَّبِي ﷺ َ عَن رِوَايَة هَذِه القصيدة وَلِهَذَا لم أذكرها كلهَا.
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وعلقمة بن علاثة صحابيّ قدم على رَسُول الله ﷺ َ وَهُوَ شيخ فَأسلم وَبَايع وروى حَدِيثا وَاحِدًا. أخرج
стр. 1335
ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح قَالَ: حَدثنِي عَلْقَمَة بن علاثة قَالَ: أكلت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ رؤوساً. وَاسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب على حوران فَمَاتَ بهَا.
وَأخرج أَبُو نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي ﷺ َ وَعِنْده حسان فَقَالَ: يَا حسان أنشدنا من شعر الْجَاهِلِيَّة مَا عَفا الله لنا فِيهِ فأنشده حسان قصيدة الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:
(علقم مَا أَنْت إِلَى عَامر ... الناقض الأوتار والواتر)
فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: يَا حسان لَا تنشدني مثل هَذَا بعد الْيَوْم فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله مَا يَمْنعنِي من رجل مُشْرك هُوَ عِنْد قَيْصر أَن أذكر هجاء لَهُ فَقَالَ: يَا حسان إِنِّي ذكرت عِنْد قَيْصر وَعِنْده أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وعلقمة بن علاثة فَأَما أَبُو سُفْيَان فَلم يتْرك فيّ)
وَأما عَلْقَمَة فَحسن القَوْل وَإنَّهُ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس. فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله وَقَالَ وَكِيع فِي الْغرَر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: رخّص رَسُول الله ﷺ َ فِي الْأَشْعَار كلهَا إِلَّا هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ: الَّتِي قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي أهل
بدر:
(مَاذَا ببدر فالعقنقل ... من مرازبة جحاجح)
وَالَّتِي قَالَ الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:
стр. 1336
شاقك من قتلة أطلالها.
انْتهى مَا رَوَاهُ السُّيُوطِيّ.
قَالَ شَارِح ديوَان الْأَعْشَى مُحَمَّد بن حبيب وَكَذَلِكَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: إِن عَلْقَمَة بن علاثة لما نذر بِدَم الْأَعْشَى جعل لَهُ على كل طَرِيق رصداً فاتفق أَن الْأَعْشَى خرج يُرِيد وَجها وَمَعَهُ دَلِيل فَأَخْطَأَ بِهِ الطَّرِيق فَأَلْقَاهُ على ديار بني عَامر بن صعصعة فَأَخذه رَهْط عَلْقَمَة بن علاثة فَأتوهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَة: الْحَمد لله الَّذِي أمكنني مِنْك فَقَالَ الْأَعْشَى:
(أعلقم قد صيّرتني الْأُمُور ... إِلَيْك وَمَا أَنْت لي منقص)
(فَهَب لي ذُنُوبِي فدتك النُّفُوس ... وَلَا زلت تنمو وَلَا تنقص)
فَقَالَ قوم عَلْقَمَة: يَا عَلْقَمَة: اقتله وَأَرِحْنَا مِنْهُ وَالْعرب من شرّ لِسَانه فَقَالَ عَلْقَمَة: إذاّ تَطْلُبُوا بدمه وَلَا يغسل عني مَا قَالَه وَلَا يعرف فضلي عِنْد الْقُدْرَة فَأمر بِهِ فحلّ وثَاقه وَألقى عَلَيْهِ حلَّة وَحمله على نَاقَة وَأحسن عطاءه وَقَالَ: انج حَيْثُ شِئْت وَأخرج مَعَه من بني كلاب من يبلغهُ مأمنه فَقَالَ الْأَعْشَى بعد ذَلِك:
(علقم يَا خير بني عَامر ... للضيف والصاحب والزائر)
(والضاحك السن على همّة ... والغافر العثرة للعاثر
стр. 1337
)
وترجمة عَلْقَمَة بن علاثة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين وترجمة عَامر بن الطُّفَيْل فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وقتلة: اسْم امْرَأَة. والشط: جَانب النَّهر وَمَوْضِع. والخنى: الْفُحْش. والخاتر: الغادر. وَقَوله: مَا جعل الجدّ الخ مَا نَافِيَة. والجدّ بِضَم الْجِيم: الْبِئْر الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يدرى أفيها مَاء أم لَا.
والصوب: الْمَطَر. واللجب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم: السَّحَاب والفراتي يَعْنِي الْفُرَات الْمَعْرُوف أَو المَاء الْمَعْرُوف. والبوصيّ بِضَم الْمُوَحدَة: ضرب من السفن. والماهر السابح. يُرِيد أَن الْبِئْر الَّتِي)
بهَا مَاء لَيست كالبحر الَّذِي تجْرِي فِيهِ السفن وَغَيرهَا. وَجُمْلَة سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر مقول القَوْل. والفاخر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. والمنفور: الْمَفْضُول. والنافر: الْفَاضِل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ هَذَا عجز وصدره: وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ على أَن الْمبرد اسْتدلَّ بِهِ على فعلية حاشى بتصرفه.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن حاشا
стр. 1338
فِي الِاسْتِثْنَاء فعل مَاض وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه اسْتعْمل اسْتِعْمَال الأدوات وَذهب
البصريون إِلَى انه حرف جر وَذهب أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد إِلَى أَنه يكون فعلا وَيكون حرفا. أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا على فعليته بِالتَّصَرُّفِ كَقَوْل النَّابِغَة:
(وَمَا أحاشي من الأقوام من أحد)
وَبِأَن لَام الْخَفْض تتَعَلَّق بِهِ قَالَ تَعَالَى: حاش لله وحرف الْجَرّ إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ لَا بالحرف وَبِأَن الْحَذف يلْحقهُ فَإِنَّهُم قَالُوا فِي حاشا لله: حاش لله. وَاسْتدلَّ البصريون على حرفيته بأنّ لَا يُقَال مَا حاشا زيدا كَمَا يُقَال مَا خلا زيدا وَمَا عدا عمرا وَبِأَن نون الْوِقَايَة لَا تلْحقهُ فَلَا يُقَال حاشاني وَلَو كَانَ فعلا لقيل. وَأَجَابُوا عَن قَول الْكُوفِيّين بِالتَّصَرُّفِ بِأَن أحاشي مَأْخُوذ من لفظ حائى وَلَيْسَ متصرفاً مِنْهُ كَمَا يُقَال: بسمل وَهَلل وحمدل وسبحل وحوقل: إِذا قَالَ بِسم الله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالْحَمْد لله وَسُبْحَان الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَكَذَلِكَ يُقَال: لبّي إِذا وَقَوْلهمْ: إِن لَام الْجَرّ تتَعَلَّق بِهِ قُلْنَا: لَا نسلّم فَإِنَّهَا زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء. وَأما قَوْله تَعَالَى: حاش لله فَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة فَإِن حاش فِيهِ لَيست للإستثناء وَإِنَّمَا هِيَ للتنزيه.
وَقَوْلهمْ: لحقه الْحَذف قُلْنَا: جَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الأَصْل حاش لله وَالْألف فِي حاشا حدثت زيادتها وَالثَّانِي أَن الْحَرْف يدْخلهُ الْحَذف كثيرا كربّ وَإِن يلحقهما التَّخْفِيف وكقولك: سَوْ أفعل فِي سَوف أفعل وَيُقَال: فِيهِ سف أفعل أَيْضا اه كَلَامه مُخْتَصرا.
стр. 1339
وَبِهَذَا وبكلام الشَّارِح الْمُحَقق يرد على ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَوْله أَن أحد أوجه حاشا أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفاً تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته وَدَلِيل تصرّفه قَوْله:)
وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للنابغة الذبياني مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَة.
وَقَبله:
(فَتلك تبلغني النُّعْمَان إِن لَهُ ... فضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبعد)
(وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ ... وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد)
(إِلَّا سُلَيْمَان إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُ ... قُم فِي الْبَريَّة فاحددها عَن الفند)
وَقَوله: فَتلك تبلغني الْإِشَارَة إِلَى النَّاقة الَّتِي وصفهَا فِي أَبْيَات شرحت هُنَاكَ. وَقَوله: وَلَا أحاشي أَي: لَا أستثني أحدا مِمَّن يفعل الْخَيْر فَأَقُول حاشا فلَان. وَمن زَائِدَة وَأحد مفعول ...
وَقَوله: إِلَّا سُلَيْمَان هَذَا اسْتثِْنَاء من قَوْله: من أحد أَو بدل من مَوضِع أحد وَالْمرَاد بِهِ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَإِذ تعليلية. وَقَوله: إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُ الخ يُرِيد لكَونه نَبيا إِذْ الْخطاب إِنَّمَا يكون مَعَ الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا خص بِالذكر من الْأَنْبِيَاء سُلَيْمَان لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ الْملك مَعَ النُّبُوَّة. يُرِيد: لَا يُشبههُ أحد مِمَّن أُوتِيَ الْملك إِلَّا سُلَيْمَان النَّبِي.
وَقَوله: فاحددها أَي: امْنَعْ الْبَريَّة والحدّ: الْمَنْع وَرجل مَحْدُود: مَمْنُوع والحداد: السجان لِأَنَّهُ يمْنَع. والفند بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون: خطأ الرَّأْي والصنيع وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الفند: الظُّلم.
стр. 1340
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت هَذَا صدر الْبَيْت وأنشده بِتَمَامِهِ فِي بَاب الظروف وَتَمَامه: على أَن غير إِذا أضيفت إِلَى إِن أَو أَن الْمُشَدّدَة فَلَا خلاف فِي جَوَاز بنائها على الْفَتْح. . فَإِن قلت: أَن حرف والحرف لَا يُضَاف إِلَيْهِ قلت: قَالَ ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية: إِنَّهُم جعلُوا مَا يلاقي الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَنَظِيره تَعْلِيل الزَّمَخْشَرِيّ الْبناء فِي يَوْم لَا تملك بِإِضَافَة يَوْم إِلَى لَا والحروف مَبْنِيَّة مَعَ علمنَا بِأَن أحدا لَا يتخيل الْإِضَافَة إِلَى الْحَرْف.
وَجعل بَعضهم الْمُضَاف إِلَيْهِ مَجْمُوع أَن نطقت حمامة أَي: جُمْلَتهَا.
قَالَ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي المزج: سَأَلَ بعض النَّاس كَيفَ أضيفت غير لمبني مَعَ ان هَذَا الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي تَقْدِير مُعرب
стр. 1341
وَهُوَ النُّطْق فَلم تضف فِي الْحَقِيقَة إِلَّا لمعرب فَقلت: المعرب إِنَّمَا هُوَ الِاسْم الَّذِي يؤول بِهِ وَأما الْحَرْف المصدري وصلته فمبني أَلا تراهم يَقُولُونَ: الْمَجْمُوع فِي مَوضِع كَذَا ... إِلَى آخر مَا بيّنه. وَظَاهره جَوَاز بِنَاء غير عِنْد إضافتها إِلَى أحد اللَّفْظَيْنِ من المبنيات لَا غير. وَقد عمّم سِيبَوَيْهٍ وَغَيره فِي إضافتها إِلَى كل مَبْنِيّ قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي غير أَنه يجوز بناؤها على الْفَتْح إِذا أضيفت لمبني كَقَوْلِه: لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت وَقَوله:
(لذ بقيس حِين يَأْبَى غَيره ... تلفه بحراً مفيضاً خَيره)
وَذَلِكَ فِي الْبَيْت الأول أقوى لِأَنَّهُ انْضَمَّ إِلَى الْإِبْهَام وَالْإِضَافَة لمبني تضمن غير
معنى إِلَّا وَقَالَ فِي الْأُمُور الَّتِي يكتسبها الِاسْم بِالْإِضَافَة من الْبَاب الرَّابِع: إِن الْبناء يكون فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب: أَحدهَا: أَن يكون الْمُضَاف مُبْهما كَغَيْر وَمثل وَدون. الثَّانِي: ان يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ إِذْ نَحْو وَمن خزي يَوْمئِذٍ. الثَّالِث: أَن يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ فعل مَبْنِيّ سَوَاء كَانَ الْبناء أَصْلِيًّا كَقَوْلِه: على حِين عاتبت المشيب أَو عارضاً كَقَوْلِه:)
على حِين يستصبين وَكَذَلِكَ يجوز الْبناء إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فعلا معرباً أَو جملَة إسمية على الصَّحِيح اه.
وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق عِلّة الْبناء فِي الظروف وَفِي الْإِضَافَة.
وَقد ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز بِنَاء غير فِي كل مَوضِع يحسن فِيهِ إِلَّا سَوَاء أضيفت إِلَى مُتَمَكن أَو غير مُتَمَكن. وَقد بسط الْكَلَام ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف على مَذْهَبهم وَذكر مَا ردّ بِهِ البصريون عَلَيْهِم مفصلا وَمن أحب الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَلْينْظر هُنَاكَ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت. وَقَبله:
(تعطيك مشياً وإرقالاً ودأدأة ... إِذا تسربلت الآكام بالآل)
(تردي الإكام إِذا صرّت جنادبها ... مِنْهَا بصلب وقاح الْبَطن عمّال)
لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت قَوْله: ارعويت أَي: رجعت. والوجناء: النَّاقة الشَّدِيدَة وَقيل الْعَظِيمَة الوجنتين. والشملال بِالْكَسْرِ: الْخَفِيفَة السريعة. وَضمير فِيهَا للدَّار. يُرِيد: أَنه طَال وُقُوفه على دَار حبيبته وَلَيْسَ فِيهَا أحد. والإرقال: مصدر أرقلت النَّاقة: إِذا أسرعت وَكَذَلِكَ الدأدأة مصدر دأدأت بِمَعْنَاهُ وهما نوع من الْعَدو.
وَقَوله: إِذا تسربلت الخ الظّرْف مُتَعَلق بقوله تعطيك يُرِيد: وَقت اشتداد الْحر فِي الظهيرة لِأَن الآكام وَهِي الْجبَال إِنَّمَا تتسربل بالآل وَهُوَ السراب عِنْد الظهيرة. والسربال: الْقَمِيص وتسربل أَي: لبس سربالاً والآكام فَاعله وَهُوَ جمع أكم بِضَمَّتَيْنِ كأعناق جمع عنق وَهُوَ جمع إكام بِالْكَسْرِ مثل كتب جمع كتاب والإكام أَيْضا جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ مثل جبال جمع جبل وأكم أَيْضا جمع أكمة بِفَتَحَات. يَقُول:
стр. 1342
إِنَّهَا نشيطة فِي الْعَدو وَقت الهاجرة.
وَقَوله: تردي الإكام الخ من ردى الْفرس بِالْفَتْح يردي ردياً وردياناً: إِذا رجم الأَرْض رجماً بَين الْعَدو وَالْمَشْي الشَّديد. والإكام بِالْكَسْرِ: جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ كَمَا تقدم والأكمة: الْجَبَل الصَّغِير.
وَإِذا مُتَعَلق بقوله تردي. وصرّت: صوتت. وَالْجَنَادِب: جمع جُنْدُب وَهُوَ نوع من الْجَرَاد يصوّت عِنْد اشتداد الهاجرة.
وَقَوله: بصلب أَي: بخفّ صلب سديد. والوقاح بِالْفَتْح هُوَ الصلب وَمِنْه الوقاحة لصلابة الْوَجْه. يُرِيد: ان خفها ظَهره وبطنه صلب. وعمال بِالْفَتْح مُبَالغَة عَامل وَهُوَ المطبوع على)
الْعَمَل.
وَقَوله: لم يمْنَع الشّرْب مِنْهُ ... الخ ضمير مِنْهَا رَاجع للوجناء وَالشرب مفعول يمْنَع وَغير فَاعله لكنه بني على الْفَتْح جَوَازًا لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيّ. وَرُوِيَ الرّفْع أَيْضا. ونطقت: صوتت وصدحت عبر عَنهُ بالنطق مجَازًا. وفيّ: بِمَعْنى على. وَذَات بِالْجَرِّ صفة لغصون لَا بِالرَّفْع صفة لحمامة كَمَا وهم ابْن الْمُسْتَوْفى فِي شرح شَوَاهِد الْمفصل. والأوقال: جمع وَقل بِفَتْح
الْوَاو وَسُكُون الْقَاف قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: قَالَ أَبُو عبد الله الزبير بن بكار: الْمقل إِذا كَانَ رطبا لم يدْرك فَهُوَ البهش فَإِذا يبس فَهُوَ الوقل والدوم: شجر الْمقل. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت اه.
وَبِهَذَا التَّفْسِير قد أصَاب المحزّ وطبّق الْمفصل وَبِه يضمحل التعسف الَّذِي ارْتَكَبهُ شرَّاح الشواهد. قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يُرِيد لم يمْنَعهَا أَن تشرب إِلَّا أَنَّهَا صوتت حمامة فنفرت. يُرِيد: أَنَّهَا حَدِيدَة النَّفس يخامرها فزع وذعر لحدة نَفسهَا. وَذَلِكَ وَأَبُو قيس بن الأسلت قَالَ صَاحب الأغاني: لم يَقع إليّ اسْمه.
стр. 1343
والأسلت لقب أَبِيه واسْمه عَامر بن جشم بن وَائِل بن زيد بن قيس بن عمَارَة بن مرّة بن مَالك بن الْأَوْس. . وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة. وَكَانَت الْأَوْس قد أسندت إِلَيْهِ حربها يَوْم بُعَاث وَجَعَلته رَئِيسا عَلَيْهَا فَكفى وساد.
وَأسلم عقبَة بن أبي قيس وَاسْتشْهدَ يَوْم الْقَادِسِيَّة. وَكَانَ يزِيد بن مرداس السّلمِيّ قتل قيس بن أبي قيس فِي بعض حروبهم فَطَلَبه بثأره هَارُون بن النُّعْمَان بن الأسلت حَتَّى تمكّن من يزِيد بن مرداس فَقتله بقيس وَهُوَ ابْن عَمه ولقيس يَقُول أَبوهُ أَبُو قيس بن الأسلت:
(أَقيس إِن هَلَكت وانت حيّ ... فَلَا تعدم مُوَاصلَة الْفَقِير)
وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ: كَانَت الْأَوْس قد أسندوا أَمرهم فِي يَوْم بُعَاث إِلَى أبي قيس بن الأسلت فَقَامَ فِي حربهم وآثرها على كل أَمر حَتَّى شحب وَتغَير ولبث أشهراً لَا يقرب امْرَأَته ثمَّ إِنَّه جَاءَ لَيْلَة فدقّ على امْرَأَته ففتحت لَهُ فَأَهوى إِلَيْهَا
بِيَدِهِ فَدَفَعته وأنكرته فَقَالَ: أَنا أَبُو قيس فَقَالَت: وَالله مَا عرفتك حَتَّى تَكَلَّمت فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو قيس القصيدة الَّتِي أَولهَا:
(قَالَت وَلم تقصد لقيل الخنى ... مهلا فقد أبلغت أسماعي)
(استنكرت لوناً لَهُ شاحباً ... وَالْحَرب غول ذَات أوجاع)
...
стр. 1344
(من يذقْ الْحَرْب يجد طعمها ... مرّاً وتتركه بجعجاع)
(أسعى على جلّ بني مَالك ... كل امْرِئ فِي شَأْنه ساعي))
(لَا نألم الْقَتْل ونجزي بِهِ ال ... أَعدَاء كيل الصَّاع بالصاع)
اه. كَلَام الأغاني.
وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: أَبُو قيس بن الأسلت اسْمه صيفيّ وَقيل: الْحَارِث وَقيل: عبد الله وَقيل: صرمة وَقيل غير ذَلِك. . وَاخْتلف فِي إِسْلَامه. فَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي تَرْجَمَة وَلَده عقبَة بن أبي قيس: كَانَ أَبُو قيس يحض قومه على الْإِسْلَام وَذَلِكَ بعد أَن اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ َ وَسمع كَلَامه.
وَكَانَ يتألّه فِي الْجَاهِلِيَّة وَيَدعِي الحنيفية وَكَانَ يَقُول: لَيْسَ أحد على دين إِبْرَاهِيم إِلَّا أَنا وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. وَكَانَ يذكر صفة النَّبِي ﷺ َ وَأَنه يُهَاجر إِلَى يثرب. وَشهد وقْعَة بُعَاث وَهُوَ يَوْم لِلْأَوْسِ على الْخَزْرَج وَكَانَت قبل الْهِجْرَة بِخمْس سِنِين.
وَزَعَمُوا أَنه لما حَضَره الْمَوْت أرسل إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ يَقُول لَهُ: قل لَا إِلَه إِلَّا الله أشفع لَك بهَا فَسمع يَقُول ذَلِك وَقيل: قَالَ: وَالله لَا أسلم إِلَى سنة فَمَاتَ قبل الْحول على رَأس عشرَة أشهر من الْهِجْرَة بشهرين. وَقد جَاءَ عَن ابْن إِسْحَق: أَنه هرب إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا مَعَ قُرَيْش إِلَى عَام الْفَتْح اه. بِاخْتِصَار.
стр. 1345
روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى الْمبرد قَالَ: قَالَ لي صَالح بن حسان: أَنْشدني بَيْتا خفراً فِي امْرَأَة خفرة شريفة فَقُلْنَا: قَول حَاتِم:
(يضيء لَهَا الْبَيْت الظليل خصاصه ... إِذا هِيَ يَوْمًا حاولت أَن تبسما)
فَقَالَ: هَذِه من الْأَصْنَام أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: قَول الْأَعْشَى:
(كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها ... مرّ السحابة: لَا ريث وَلَا عجل)
فَقَالَ: هَذِه خرّاجة ولاجة قُلْنَا: بَيت ذِي الرمة:
(تنوء بأخراها فلأياً قِيَامهَا ... وتمشي الهوينى من قريب فتبهر)
فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا أردْت إِنَّمَا وصف هَذِه بالسمن وَثقل الْبدن فَقُلْنَا: مَا عندنَا شَيْء.
فَقَالَ: قَول أبي قيس بن الأسلت:
(ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عَن إتيانهن فَتعذر)
(وَلَيْسَ لَهَا أَن تستهين بجارة ... وَلكنهَا منهنّ تحيا وتخفر)
ثمَّ قَالَ: أنشدوني أحسن بَيت وصفت بِهِ الثريا: قُلْنَا: بَيت ابْن الزبير الأسديّ:)
(وَقد لَاحَ فِي الْغَوْر الثريا كَأَنَّمَا ... بِهِ راية بَيْضَاء تخفق لِلطَّعْنِ)
قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: بَيت امْرِئ الْقَيْس: قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: بَين ابْن الطثرية
стр. 1346
:
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء كَأَنَّهَا ... جمان وَهِي من سلكه فتسرّعا)
قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: مَا عندنَا شَيْء قَالَ: قَول أبي قيس بن الأسلت:
(وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاّحيّة حِين نوّرا)
قَالَ: فَحكم لَهُ عَلَيْهِم فِي هذَيْن الْمَعْنيين بالتقدم. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير من أَبْيَات علم الْمعَانِي ولأجله أوردت هَذِه الْحِكَايَة.
٣ - (تَتِمَّة:)
الْبَيْت الشَّاهِد كَونه لِابْنِ الأسلت هُوَ مَا ذكره أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَهُوَ من معرفَة الْأَشْعَار أديب غير مُنَازع فِيهَا. وَقد نسبه الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأجاجي إِلَى الشماخ وَقد راجعت ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَنسبه بعض شرَّاح شَوَاهِد كتاب سِيبَوَيْهٍ لرجل من كنَانَة. وَنسبه بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل تبعا للزمخشري فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لأبي قيس بن رِفَاعَة الْأنْصَارِيّ.
أَقُول: لم يُوجد فِي كتب الصَّحَابَة من يُقَال لَهُ أَبُو قيس بن رِفَاعَة وَإِنَّمَا الْمَوْجُود قيس بن رِفَاعَة وَهُوَ وَاحِد أَو اثْنَان. قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي الْقسم الأول: قيس بن رِفَاعَة الوَاقِفِي من بني وَاقِف
стр. 1347
بن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ. ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَقَالَ: أسلم وَكَانَ أَعور وَأنْشد لَهُ:
(أَنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لَا نلام على نهي وإنذار)
(من يصل نَارِي بِلَا ذَنْب وَلَا ترة ... يصل بِنَار كريم غير غدار)
(وَصَاحب الْوتر لَيْسَ الدَّهْر يُدْرِكهُ ... عِنْدِي وَإِنِّي لدرّاك لأوتاري)
ثمَّ قَالَ ابْن حجر: قيس بن رِفَاعَة بن الهميس بن عَامر بن عانس بن نمير الْأنْصَارِيّ ذكره الْعَدوي وَقَالَ: كَانَ شَاعِرًا وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم.
وَذكره ابْن الْأَثِير فَقَالَ: كَانَ من شعراء الْعَرَب. قلت: يحتملأن يكون الَّذِي قبله. انْتهى.
قلت: كَيفَ يكون هُوَ الَّذِي قبله مَعَ اخْتِلَاف النسبين وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا اثْنَان. وَالله أعلم.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
(غير أَنِّي قد أستعين على اله ... مّ إِذا خفّ بالثويّ النَّجَاء)
على أَن غيراً يجوز أَن تكون مَبْنِيَّة على الْفَتْح إضافتها إِلَى أَن الْمُشَدّدَة وَيجوز أَن تكون مَنْصُوبَة
стр. 1348
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة الْحَارِث بن حلّزة الْيَشْكُرِي وَهِي سابعة المعلّقات السَّبْعَة وأولها:
(آذنتنا ببينها أَسمَاء ... ربّ ثاو يملّ مِنْهُ الثواء)
(آذنتنا ببينها ثمَّ ولّت ... لَيْت شعري مَتى يكون اللِّقَاء)
(بعد عهد لَهَا ببرقة شمّا ... ء فأدنى ديارها الخلصاء)
(لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكى الي ... وم دلهاً وَمَا يردّ الْبكاء)
(وبعينيك أوقدت هِنْد النا ... ر أصيلاً تلوي بهَا العلياء)
(أوقدتها بَين العقيق وشخصي ... ن بِعُود كَمَا يلوح الضياء)
(فتنوّرت نارها من بعيد ... بخزاز هَيْهَات مِنْك الصلاء)
(غير أَنِّي قد أستعين على اله ... مّ إِذا خفّ بالثوي النَّجَاء)
(بزفوف كَأَنَّهَا هقلة أ ... مّ رئال دوية سقفاء)
قَوْله: آذنتنا أَي: أعلمتنا. والبين: الْفِرَاق. وَأَسْمَاء: حبيبته. والثاوي: الْمُقِيم يُقَال: ثوى يثوي ثواء وثواية: إِذا قَامَ وروى جمَاعَة من اللغويين أثوى بِمَعْنَاهُ وأنكرها الْأَصْمَعِي. ويملّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْملَل وَهُوَ الضجر والسأم. وَهَذَا المصراع الثَّانِي من قبيل إرْسَال الْمثل.
وَقَوله: بعد عهد لَهَا الخ البرقة بِالضَّمِّ: رابية فِيهَا حِجَارَة يخلطها
стр. 1349
رمل وطين وشماء: اسْم أكمة. وَأدنى: أقرب. والخلصاء: مَوضِع أَيْضا يَقُول: عزمت على فراقنا بعد أَن لقيتها ببرقة شمّاء والخلصاء هِيَ أقرب ديارها إِلَيْنَا.
ثمَّ اورد بَيْتَيْنِ آخَرين فيهمَا أسامي أَمَاكِن معطوفة على الخلصاء لَا فَائِدَة فِي إيرادها.
وَقَوله: لَا أرى من عهِدت الخ دلهاً أَي: بَاطِلا وَهُوَ مفعول مُطلق وَقيل: هُوَ من قَوْلهم دلّهني أَي: حيّرني فَهُوَ تَمْيِيز. يَقُول: لَا أرى فِي هَذِه الْمَوَاضِع من عهِدت وَهِي أَسمَاء فَأَنا أبْكِي الْيَوْم بكاء بَاطِلا اَوْ ذَاهِب الْعقل. وَمَا استفهامية للإنكار أَي: لَا يردّ الْبكاء شَيْئا على صَاحبه.
يَعْنِي: لما خلّت هَذِه الْمَوَاضِع مِنْهَا بَكَيْت جزعاً لفراقها مَعَ علمي أَنه لَا فَائِدَة فِي الْبكاء.)
وَرُوِيَ أَيْضا:
(لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكي ... أهل ودّي وَمَا يردّ الْبكاء)
أَي: فَأَنا أبْكِي أهل مودتي شوقاً إِلَيْهِم حِين نظرت إِلَى مَنَازِلهمْ الخالية وَرُوِيَ أَيْضا: وَمَا يحير الْبكاء من أحاره بِالْمُهْمَلَةِ أَي: رجعه.
وَقَوله: وبعينيك أوقدت الخ أَي: وَترى بِعَيْنَيْك أَو بمرأى عَيْنَيْك يُقَال: هُوَ مني بمرأى ومسمع أَي: حَيْثُ أرَاهُ وأسمعه. وَالْمعْنَى: أوقدت النَّار ترَاهَا لقربها مِنْك. وَهِنْد مِمَّن كَانَت تواصله بِتِلْكَ الْمنَازل. وَأَصِيلا: ظرف بِمَعْنى الْعشي وَرُوِيَ بدله أخيراً أَي: فِي آخر عَهْدك بهَا. يَقُول: والعلياء بِالْفَتْح: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَإِنَّمَا يُرِيد الْعَالِيَة وَهِي أَرض الْحجاز وَمَا والاها من بِلَاد قيس. وَيُقَال: قد ألوت الأَرْض بالنَّار تلوي بهَا إلواء أَي: رفعتها وَكَذَلِكَ النَّاقة: ألوت: إِذا رفعت ذنبها فلوّحت بِهِ.
стр. 1350
وَقَوله: أوقدتها بَين العقيق الخ العقيق وشخصان قَالَ الْأَخْفَش: شخصان: أكمة لَهَا قرنان ناتئان وهما الشعبتان. وَالْعود هُوَ عود البخور. وَأَرَادَ بالضياء ضِيَاء الْفجْر وَقيل ضِيَاء السراج.
وَقَوله: فتنوّرت نارها الخ يُقَال: تنورت النَّار: إِذا نظرتها بِاللَّيْلِ لتعلم: أقريبة هِيَ أم بعيدَة أكثيرة أم قَليلَة وخزاز بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والزاءين المعجمتين: مَوضِع.
وَقَوله: هَيْهَات الخ يَقُول: رَأَيْت نارها فطمعت أَن تكون قريبَة وتأملتها
فَإِذا هِيَ بعيدَة بخزار فَلَمَّا يئست مِنْهَا قلت: هَيْهَات أخبر أَنه رَآهَا بالعلياء ثمَّ أخبر أَنه رَآهَا بَين العقيق وشخصين ثمَّ بخزاز وَهُوَ جبل. والصلاء: مصدر صلا النَّار وَصلي بالنَّار يصلى صلاء. إِذا ناله حرهَا.
وَقَوله: غير أَنِّي قد أستعين. . الخ بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى دَال قد وخف فلَان للمضي إِذا تحرّك لذَلِك يُقَال: خف يخف خفَّة. والثوي مُبَالغَة ثاو أَي: مُقيم. والنجاء بِفَتْح النُّون وَالْجِيم: الْمُضِيّ يُقَال: مِنْهُ نجا ينجو نجاءً ونجواً. وَالْبَاء للتعدية. أَي: إِذا اضْطر الْمُقِيم للسَّفر وأقلقه السّير والمضي لعظم الْخطب وَشدَّة الْخَوْف.
وَبِهَذَا الْبَيْت خرج من صفة النِّسَاء وَصَارَ إِلَى صفة نَاقَته على طَريقَة الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع من قَوْله فتنورت أَو من قَوْله وَمَا يرد الْبكاء أَي: وَمَا يرد على بُكَائِي بعد أَن تَبَاعَدت عني فاهتممت)
بذلك لكني أستعين على همي بِهَذِهِ النَّاقة الْآتِي وصفهَا فِيمَا بعد. فَغير الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وفتحتها إِمَّا حَرَكَة إِعْرَاب وَإِمَّا فَتْحة بِنَاء بنيت لإضافتها إِلَى مَبْنِيّ فَتكون حِينَئِذٍ فِي مَحل نصب.
стр. 1351
وَقَوله: بزفوف كَأَنَّهَا الخ الْبَاء مُتَعَلقَة بأستعين. والزفوف بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وبفاءين أَرَادَ بِهِ النَّاقة السريعة من الزفيف وَهُوَ السرعة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي النعام. شبّه نَاقَته فِي وطاءتها وسرعتها بنعامة تزفّ والزفيف مثل الدفيف وَذَلِكَ أَن النعامة إِذا عدت نشرت جناحيها وَرفعت ذنبها ومرّت على الأَرْض أخفّ من الرّيح وَرُبمَا ارْتَفَعت من الأَرْض لخفتها. والزفيف للنعام والدفيف للطير يُقَال: زفّ النعام يزف زفاً وزفيفاً ودفّ الطير يدفّ دفّاً ودفيفاً.
والهقلة بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْقَاف: أُنْثَى النعام والهقل ذكره.
والرئال بِكَسْر الرَّاء المهماة فَعَدهَا همزَة مَفْتُوحَة: جمع رأل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ ولد النعام. والدويّة بتَشْديد الْوَاو منسوبة إِلَى الدوّ وَهِي الأَرْض الْبَعِيدَة الواسعة وَهُوَ صفة أمّ وَكَذَلِكَ سقفاء من السّقف بفاء بعد قَاف وَهُوَ طول فِي انحناء وَالذكر أَسْقُف. يَقُول: أستعين على إِزَالَة همي بِنَاقَة مسرعة مكأنها فِي إسراعها نعَامَة لَهَا أَوْلَاد طَوِيلَة منحنية لَا تفارق المفاوز.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الْحَارِث بن حلّزة مَعَ شرح أَبْيَات من هَذِه الْمُعَلقَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ فِي بَاب التَّنَازُع.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(أنيخت فَأَلْقَت بَلْدَة فَوق بَلْدَة ... قَلِيل بهَا الْأَصْوَات إِلَّا بغامها)
стр. 1352
. على أَن إِلَّا صفة للأصوات وَهِي وَإِن كَانَت معرفَة بلام الْجِنْس فَهِيَ شَبيهَة بالمنكر. وَلما كَانَت إِلَّا الوصفية فِي صُورَة الْحَرْف الاستثنائي نقل إعرابها الَّذِي تستحقه إِلَى مَا بعْدهَا فَرفع بغامها إِنَّمَا هُوَ بطرِيق النَّقْل من إِلَّا إِلَيْهِ. وَالْمعْنَى: أَن صَوتا غير بغام النَّاقة قَلِيل فِي تِلْكَ الْبَلدة وَأما بغامها فَهُوَ كثير.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي الْبَيْت أَن تكون إِلَّا للإستثناء وَمَا بعْدهَا بَدَلا من الْأَصْوَات لن فِي قَلِيل معنى النَّفْي. وَالْمعْنَى على هَذَا: مَا فِي تِلْكَ الْبَلدة من جنس الْأَصْوَات إِلَّا بغامها بِخِلَاف الْمَعْنى الأول فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون فِيهَا صَوت غير البغام لكنه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى البغام.
قَالَ: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ جَوَاز وُقُوع إِلَّا صفة مَعَ صِحَة الِاسْتِثْنَاء.
نسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْجَوَاز إِلَى جماعات من النَّحْوِيين ثمَّ قَالَ: وَقد يُقَال إِنَّه مُخَالف لمثال سِيبَوَيْهٍ: لَو كَانَ مَعنا رجل إِلَّا زيد لغلبنا وَلقَوْله تَعَالَى: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا قَالَ: فَلَا يجوز فِي إِلَّا هَذِه أَن تكون للإستثناء من جِهَة الْمَعْنى إِذْ التَّقْدِير حِينَئِذٍ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة لَيْسَ فيهم الله لفسدتا وَذَلِكَ
يَقْتَضِي بمفهومه أَنه لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة فيهم الله لم يفسدا وَلَيْسَ ذَلِك المُرَاد. وَلَا من جِهَة اللَّفْظ لِأَن آلِهَة جمع منكّر فِي الْإِثْبَات فَلَا عُمُوم لَهُ فَلَا يَصح الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ لَو قلت قَامَ رجل إِلَّا زيد لم يَصح اتِّفَاقًا. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة وَقَبله:
(أَلا خيّلت ميّ وَقد نَام صحبتي ... فَمَا نفّر التهويم إِلَّا سلامها)
(طروقاً وجلب الرحل مشدودة بِهِ ... سفينة برّ تَحت خدي زمامها)
стр. 1353
.
(أنيخت فَأَلْقَت بَلْدَة فَوق بَلْدَة ... قَلِيل بهَا الْأَصْوَات إِلَّا بغامها)
قَوْله: أَلا خيلت مي الخ خيلت أَي: رَأينَا مِنْهَا خيالاً جَاءَ فِي الْمَنَام. وميّ: اسْم محبوبته.
وَجُمْلَة قد نَام الخ حَالية. والتهويم: مَفْعُوله مصدر هوّم الرجل: إِذا هزّ رَأسه من النعاس.
وسلامها: فَاعل نفر يَقُول: نفر نومنا حِين سلّم الخيال علينا.
وَقَوله: طروقاً الخ الطروق: مصدر طرق أَي: أَتَى لَيْلًا وَهُوَ من بَاب قعد. يُرِيد: خيلت)
طروقاً. وجلب الرحل: بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا: عيدانه وخشبه وَهُوَ مُبْتَدأ ومشدودة خَبره وسفينة نَائِب فَاعل الْخَبَر وَبِه أَي: بالجلب. وَأَرَادَ بسفينة البرّ النَّاقة. وزمامها مُبْتَدأ وَتَحْت خدّي خَبره. وَالْجُمْلَة: صفة سفينة يُرِيد: أَنه كَانَ نزل عَن نَاقَته آخر اللَّيْل وَجعل زمامها تَحت خَدّه ونام.
وَقَوله: أنيخت فَأَلْقَت. الخ هُوَ مَجْهُول أنختها أَي: أبركتها. والبلدة الأولى: الصَّدْر وَالثَّانيَِة: الأَرْض. أَي: أبركت فَأَلْقَت صدرها على الأَرْض. وَالضَّمِير فِي أنيخت وَأَلْقَتْ وبغامها رَاجع إِلَى سفينة برّ المُرَاد بهَا النَّاقة. وقَلِيل بالجرّ صفة سَبَبِيَّة للبلدة الثَّانِيَة. والأصوات: فَاعل قَلِيل والرابط ضمير بهَا.
وَيجوز رفع قَلِيل على انه خبر الْأَصْوَات وَالْجُمْلَة صفة. والبغام: بموحدة مَضْمُومَة بعْدهَا غين مُعْجمَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: بغام الظبية: صَوتهَا وَكَذَلِكَ بغام النَّاقة: صَوت لَا تفصح بِهِ وَقَوله: يَمَانِية فِي وثبها الخ بِالتَّخْفِيفِ أَي: هَذِه النَّاقة منسوبة إِلَى الْيمن.
стр. 1354
والوثب بِالْمُثَلثَةِ وثب وثباً ووثوباً: إِذا ظفر. والعجرفية: الْجفَاء وركوب الرَّأْس وَهُوَ أَن يسير سيراً مختلطاً. وإطلاها: خاصرتاها مثنى إطل بِكَسْر الْهمزَة. وأودى: ذهب وَهلك. يَقُول: هِيَ فِي ضمرها هَكَذَا شَدِيدَة فَكيف تكون قبل الضمر وترجمة ذِي الرمّة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
على أَن إِلَّا صفة لكل مَعَ صِحَة جعلهَا أَدَاة اسْتثِْنَاء وَنصب الفرقدين على الِاسْتِثْنَاء كَمَا هُوَ الشَّرْط فِي وَصفِيَّة إِلَّا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالْوَصْف هُنَا مُخَصص فَإِن مَا بعد إِلَّا مُطَابق لما قبلهَا لِأَن الْمَعْنى: كل أَخَوَيْنِ غير هذَيْن الكوكبين متفارقان. وَلَيْسَ إِلَّا استثنائية وَإِلَّا لقَالَ: إِلَّا الفرقدين بِالنّصب لِأَنَّهُ بعد كَلَام تَامّ مُوجب كَمَا هُوَ الظَّاهِر مَعَ كَونه لمستغرق وَهُوَ كل أَخ كَمَا نصب الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لأبي تَمام صَاحب الحماسة لأسعد الذهلي وَهُوَ:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ ... لشحط الدَّار إِلَّا ابْني شمام)
стр. 1355
قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم فِي أَمْثَاله: ابْني شمام هُنَا: جبلان. وَهُوَ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كحذام.
وَفِي المرصع لِابْنِ الْأَثِير: ابْنا شمام جبلان فِي دَار بني تَمِيم مِمَّا يَلِي دَار عَمْرو بن كلاب وَقيل: شمام هُوَ جبل. وابناه: رأساه وَأنْشد الْخَلِيل:
(وإنكما على غير اللَّيَالِي ... لأبقى من فروع ابْني شمام اه)
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله الَّتِي جَاءَت على أفعل: ابْنا شمام: هضبتان فِي أصل جبل يُقَال لَهُ: شمام.
وَعند ابْن الْحَاجِب فِي الْبَيْت الشَّاهِد شذوذ من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا: أَنه اشْترط فِي وُقُوع إِلَّا صفة تعذر الِاسْتِثْنَاء وَهنا يَصح لَو نَصبه.
وَثَانِيهمَا: وصف الْمُضَاف وَالْمَشْهُور وصف الْمُضَاف إِلَيْهِ. وثالثهما: الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بالْخبر وَهُوَ قَلِيل.
قَالَ صَاحب المقتبس: وَفِي الْبَيْت تَخْرِيج يتَرَاءَى لي غير بعيد عَن الصَّوَاب وَهُوَ أَن يَجْعَل قَوْله: مفارقه أَخُوهُ: صفة لكل وصاغ ذَلِك لكَونه نكرَة إِذْ أضافته لفظية ثمَّ يَجْعَل إِلَّا الفرقدان خباً للمبتدأ الْمَوْصُوف وَلَا يخرج جعلهَا خَبرا عَن الوصفية لِأَن الْخَبَر أَيْضا صفة حَقِيقِيَّة.)
فَتكون إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: إِلَّا الله لفسدتا صفة نحوية. وَفِي الْبَيْت صفة معنوية وَبِهَذَا الْوَجْه يخرج الْكَلَام عَن تخَلّل الْخَبَر بَين الصّفة والموصوف.
وَتَقْدِير الْبَيْت على مَا ذكرت: وكل أَخ مفارق أَخَاهُ مُغَاير للفرقدين أَي: لَيْسَ على صفتهما لِأَنَّهُمَا لَا يفترقان مُنْذُ كَانَا. انْتهى.
ورده السَّيِّد عبد الله فِي شرح اللب بقوله: وَلَا يجوز أَن يَجْعَل مفارقه صفة
стр. 1356
وَإِلَّا الفرقدان خَبرا حَتَّى يتَخَلَّص من هَذِه الفسادات كَمَا قيل لفساد الْمَعْنى. وَوَجهه أَن المُرَاد الحكم من على كل أَخ بِأَنَّهُ مفارق أَخَاهُ فِي الدُّنْيَا سوى الفرقدين فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان إِلَّا عِنْد فنَاء الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَفْهُومه: أَن كل أَخ لَا يُفَارق أَخَاهُ مثل الفرقدين فِي اجْتِمَاع الشمل. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَخَوان لَا يفترقان. فَتَأمل.
وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر: إِحْدَاهمَا للكوفيين نَقله عَنْهُم ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى الْوَاو وَهِي تَأتي بِمَعْنَاهُ كثيرا كَقَوْلِه تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا لَا تكون لَهُم
أَيْضا حجَّة وَقَوله تَعَالَى: لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم أَي: وَمن ظلم لَا يحب أَيْضا الْجَهْر بالسوء مِنْهُ وَكَذَا قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فِي أحد أوجه إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأورد هَذَا الْبَيْت وَغَيره شَاهدا لمجيء إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأجَاب البصريون أَن إِلَّا فِي الْبَيْت بِمَعْنى غير وَفِي الْآيَات للاستثناء الْمُنْقَطع.
ثَانِيهَا مَا ذهب إِلَيْهِ الْكسَائي. أَن أَصله إِلَّا أَن يكون الفرقدان وَقد رد سِيبَوَيْهٍ هَذَا القَوْل كَمَا بَينه الشَّرْح الْمُحَقق.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: أنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت
стр. 1357
وَقَالَ: لَا يجوز أَن يكون قَوْله: إِلَّا الفرقدان على تَقْدِير إِلَّا أَن يكون الفرقدان. وَإِنَّمَا لم يجز هَذَا لِأَنَّك لَا تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَن الصِّلَة تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول فَإِذا حذفت الْمَوْصُول لم يجز حذفه وذكرك مَا يكون إيضاحاً لَهُ.
وَنَظِير ذَلِك أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد. فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة وَكَذَلِكَ تحذف الْمَوْصُول وتذكر الصِّلَة قلت: لم يكن فِي هَذَا كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ)
كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك.
فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجمل من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة فَكَذَلِك لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وتقيم الصِّلَة مقَامه. فَإِن قلت: هلاّ جَازَ حذفهَا كَمَا جَازَ حذف الصلات وإبقاء الموصولة كَقَوْلِه: بعد اللتيا وَالَّتِي قلت: إبْقَاء الْمَوْصُول وَحذف الصِّلَة أشبه من عكس ذَلِك لِأَن
الْمَوْصُول مُفْرد وَلَيْسَ كالصلة الَّتِي هِيَ جملَة فَكَذَلِك جَاءَ فِي الشّعْر وَلم يمْتَنع كَمَا لَا يمْتَنع أَن يذكر الْمُؤَكّد وَلَا يذكر التَّأْكِيد. وَلَو ذكرت أَجْمَعُونَ وَنَحْوه وَلم تذكر الْمُؤَكّد لم يجز.
انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ برمّته.
ثالثهما مَا نَقله بعض شرّاح أَبْيَات الْمفصل من فضلاء الْعَجم وَهُوَ أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى حَتَّى وَالْمعْنَى: كل أَخ مفارقه أَخُوهُ حَتَّى إِن الفرقدين مَعَ
стр. 1358
شدَّة اجْتِمَاعهمَا وَكَثْرَة مصاحبتهما يفرق كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِمَا قَالَ: وعَلى هَذَا تكون إِلَّا مستعملة اسْتِعْمَال حَتَّى للمناسبة بَين الِاسْتِثْنَاء والغاية وَيكون ذَلِك كَقَوْلِهِم: مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء. هَذَا كَلَامه وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا زَعمه وَفِيه تعسف أَيْضا.
رَابِعهَا: مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا للاستثناء الْمُنْقَطع قَالَ: أَرَادَ لَكِن الفرقدان فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان على زعمهم فِي بَقَاء هَذِه الْأَشْيَاء. هُوَ غير متبادر مِنْهُ وَهُوَ كَقَوْل الأعلم فِي شرح أَبْيَات الْكتاب: وَهَذَا على مَذْهَب الْجَاهِلِيَّة مَعَ أَن قَائِل هَذَا الْبَيْت صَحَابِيّ كَمَا سَيَأْتِي.
وسبقهما الْمبرد فِي الْكَامِل فَإِنَّهُ بعد أَن نسب الْبَيْت لعَمْرو بن معد يكرب اعتذر عَنهُ فَقَالَ: وَهَذَا الْبَيْت قَالَه قبل أَن يسلم. ثمَّ أورد عقبه بَيت أبي الْعَتَاهِيَة دَلِيلا على مَا فهمه بقوله: وَقَالَ اسماعيل بن الْقَاسِم:
(وَلم أر مَا يَدُوم لَهُ اجْتِمَاع ... سيفترق اجْتِمَاع الفرقدين)
وَنحن نقُول: محمل هَذَا الْبَيْت أَنَّهُمَا يفترقان عِنْد قيام السَّاعَة. وَلكُل وجهة. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر.
وَبَقِي فِي الْبَيْت احْتِمَال وَجه آخر لم أر من ذكره وَهُوَ أَن تكون إِلَّا للاستثناء والفرقدان)
مَنْصُوب بعد تَمام الْكَلَام الْمُوجب لكنه بفتحة مقدرَة على
الْألف على لُغَة من يلْزم الْمثنى الْألف فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَهِي لُغَة بني الْحَارِث بن كَعْب. وَالله أعلم.
стр. 1359
وَقَوله: وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ قَالَ الفاليّ فِي شرح اللّبَاب: يحْتَمل وُجُوهًا من الْإِعْرَاب: أَحدهَا: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه خَبره وَأَخُوهُ فَاعل مفارقه. وَالثَّانِي: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه مُبْتَدأ ثَانِيًا وَأَخُوهُ خَبره والحملة خبر الأول. الثَّالِث: أَن يكون كل مُبْتَدأ وَأَخُوهُ مُبْتَدأ ثَانِيًا ومفارقه خبر الْمُقدم وَالْجُمْلَة خبر الأول. الرَّابِع: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه بَدَلا مِنْهُ وَأَخُوهُ خبر كلّ أَي: مفارق كل أَخ أَخُوهُ. الْخَامِس: ان يكون مفارقه بَدَلا من كل وَأَخُوهُ مُبْتَدأ وكل أَخ مفارقه خبر مقدم انْتهى.
وَقَوله: لعمر أَبِيك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قسمي. وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة. وَهَذَا الْبَيْت جَاءَ فِي شعرين لصحابيين: أَحدهمَا: عَمْرو بن معد يكرب انشده الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين لَهُ وَكَذَا نسبه إِلَيْهِ المبرّد فِي الْكَامِل وَصَاحب جمهرة الْأَشْعَار وَغَيرهم وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
الثَّانِي حضرمي بن عَامر الْأَسدي: قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ حضرمي بن عَامر بن مجمّع بن موعلة بن هِشَام بن ضَب بن كَعْب بن الْقَيْن بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَهُوَ شَاعِر فَارس سيد وَله فِي كتاب بني أَسد أشعار وأخبار حسان وَهُوَ الْقَائِل:
(أَلا عجبت عميرَة أمس لمّا ... رَأَتْ شيب الذؤابة قد علاني)
стр. 1360
. إِلَى أَن قَالَ:
(وَذي فخم عزفت النَّفس عَنهُ ... حذار الشامتين وَقد شجاني)
(قطعت قرينتي عَنهُ فأغنى ... غناهُ فَلم أرَاهُ وَلم يراني)
(وكل قرينَة قرنت بِأُخْرَى ... وَلَو ضنت بهَا ستفرّقان)
(وكل أَخ مُفَارقَة أَخُوهُ ... لعر أَبِيك أَلا الفرقدان)
(وكل إجَابَتِي إِيَّاه أَنِّي ... عطفت عَلَيْهِ خوّار الْعَنَان اه)
والذؤابة: الْخصْلَة من الشّعْر. والفخم: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: التعظم والاستعلاء وَمثله الفخيمة بِالتَّصْغِيرِ. وعزفت بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي وَالْفَاء أَي: صرفت. وحذار: مفعول)
لأَجله لقَوْله عزفت. وَجُمْلَة وَقد شجاني أَي: أحزنني حَالية.
وَقَوله: قطعت قرينتي هُوَ جَوَاب ربّ المقدّرة فِي قَوْله: وَذي فخم. وَمَعْنَاهُ كل نفس مقرونة بِأُخْرَى ستفارقها. وضنّت: بخلت. وَقَوله: وكل إجَابَتِي كلّ: فعل مَاض من الكلال. ويروى: وَكَانَ إجَابَتِي إِيَّاه.
وحضرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبعد الرَّاء مِيم مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة. ومجمّع بِوَزْن اسْم الْفَاعِل من جمع تجميعاً. وموألة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا همزَة مَفْتُوحَة قَالَ فِي الْقَامُوس: وَبَنُو موألة
стр. 1361
كمسعدة: بطن وَهُوَ مفعلة اسْم مَكَان من وأل إِلَيْهِ يئل بِمَعْنى لَجأ وخلص والموئل: الملجأ.
وَضَبطه ابْن حجر فِي الْإِصَابَة مولة بِفَتَحَات وَأورد حمام بدل هِشَام وَأورد بَاقِي النّسَب كَمَا ذكرنَا وَقَالَ: ذكره ابْن شاهين وَغَيره فِي الصَّحَابَة. وروى أَبُو يعلى وَابْن نَافِع من طَرِيق مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة عَن حضرمي بن عَامر الْأَسدي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: وَلم أَقف لحضرمي على رِوَايَة غير هَذَا الحَدِيث.
قَالَ ابْن حجر: وروى ابْن شاهين من طَرِيق الْمَدَائِنِي عَن جمَاعَة أَنهم قَالُوا: وَفد بَنو أَسد بن خُزَيْمَة وَفِيهِمْ حضرمي بن عَامر وَضِرَار بن الْأَزْوَر وَسَلَمَة وَقَتَادَة وَأَبُو مكعت. فَذكر الحَدِيث فِي قصَّة إسْلَامهمْ وَكتب لَهُم رَسُول الله ﷺ َ كتابا. قَالَ: فتعلّم حضرمي بن عَامر سُورَة عبس وَتَوَلَّى فَزَاد فِيهَا: وَهُوَ الَّذِي أنعم على الحبلى فَأخْرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: لَا تزد فِيهَا.
وَأخرجه من طَرِيق منْجَاب بن الْحَارِث من طرق ذكر فِيهَا أَن السُّورَة سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى: وروى عمر بن شبّة بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى أبي وَائِل قَالَ: وَفد بَنو أَسد فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ َ: من أَنْتُم قَالُوا: نَحن بَنو الزنية أحلاس الْخَيل قَالَ: بل أَنْتُم بَنو الرشدة فَقَالُوا: لَا نَدع اسْم أَبينَا وَذكر قصَّة طَوِيلَة.
وَقَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: كَانَ حضرمي يكنى أَبَا كدام وَلما سَأَلَهُ
стр. 1362
عمر بن الْخطاب عَن شعره فِي حَرْب الْأَعَاجِم أنْشدهُ أبياتاً حَسَنَة فِي ذَلِك.
وروى أَبُو عليّ القاليّ من طَرِيق ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَ حضرمي بن عَامر عَاشر عشرَة من إخْوَته)
فماتوا فورثهم فَقَالَ فِيهِ ابْن عَم لَهُ يُقَال لَهُ جُزْء بن مَالك: يَا حضرمي ورثت تِسْعَة إخْوَة فَأَصْبَحت نَاعِمًا فَقَالَ حضرمي من أَبْيَات:
(إِن كنت قاولتني بهَا كذبا ... جُزْء فلاقيت مثلهَا عجلا)
فَجَلَسَ جُزْء على شَفير بِئْر هُوَ وَإِخْوَته وهم أَيْضا تِسْعَة فانخسفت بهم فَلم ينج غير جُزْء فَبلغ ذَلِك حضرمي بن عَامر فَقَالَ: كلمة وَافَقت قدرا وأبقت حقدا انْتهى مَا أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة.
وَهَذَا الْبَيْت الَّذِي نَقله عَن أبي القاليّ هُوَ أحد أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَهِي:
(يزْعم جُزْء وَلم يقل جللا ... أَنِّي تروّحت نَاعِمًا جذلا)
(أفرح أَن أرزأ الْكِرَام وَأَن ... أورث ذوداً شصائصاً نبْلًا)
وجزء بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وثالثه همزَة وهومنادى فِي الْبَيْت الثَّانِي. والجلل هُنَا بِمَعْنى الحقير وَيَأْتِي بِمَعْنى الْعَظِيم أَيْضا وَهُوَ من الأضداد.
стр. 1363
وتروّح بِالْحَاء الْمُهْملَة: صَار ذَا رَاحَة.
وناعم: وصف من النَّعيم وَهُوَ الْخَفْض والدّعة وَالْمَال. وجذلان بِمَعْنى فرحان من الجذل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْفَرح. وأزننتني: اتهمتني يُقَال: زننته وأزننته بِكَذَا: إِذا اتهمته بِهِ ونسبته إِلَيْهِ.
وَقَوله: أفرح أَرَادَ أأفرح على معنى التَّقْرِير وَالْإِنْكَار فَترك ذكر الْهمزَة وَهُوَ يريدها حِين فهم مَا أَرَادَ وَهَذَا قَبِيح وَإِنَّمَا يحسن حذفهَا مَعَ أم.
وَقد أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِيره دَلِيلا على حذف همزَة الِاسْتِفْهَام.
والرزء برَاء مَضْمُومَة وزاي سَاكِنة بعْدهَا همزَة قَالَ صَاحب الْقَامُوس: رزأه مَاله كجعله وَعَمله رزْاً بِالضَّمِّ: أصَاب مِنْهُ شَيْئا. فالمفعول الثَّانِي فِي الْبَيْت مَحْذُوف أَي: أرزأ الْكِرَام مَالهم. وأورث بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
والذود من الْإِبِل: دون الْعشْرَة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْإِنَاث. والشصائص الَّتِي لَا ألبان لَهَا الْوَاحِد شصوص بِفَتْح الْمُعْجَمَة وإهمال الصادين يُقَال: شصّت النَّاقة وأشصت.
والنبل بِفَتْح النُّون وَالْمُوَحَّدَة: الصغار قَالَ فِي الْقَامُوس: والنبل محركة: عِظَام الْحِجَارَة والمدر
٣ - (تَتِمَّة:)
أورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف اثْنَيْنِ من الشُّعَرَاء مِمَّن اسْمه حضرمي أَحدهمَا هَذَا)
الصَّحَابِيّ.
وَالثَّانِي حضرمي بن الفلندح بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَآخره حاء مُهْملَة قَالَ: هُوَ أَخُو بني حرَام بن عَوْف المشجعي. وَبَنُو مشجعَة بن تيم بن النمر بن وبرة أَخُو كلب بن وبرة شَاعِر وَهُوَ الْقَائِل: ...
стр. 1364
(إِذا نفحت من نَحْو أَرْضك نفحة ... ريَاح الصِّبَا يَا قيل طَابَ نسيمها)
(كَأَنَّك فِي الجلباب شمس نقيّة ... تجوّب عَنْهَا يَوْم دجن غيومها)
انْتهى.
وَقيل مرخّم قيلة بِالْقَافِ اسْم امْرَأَة وَلَا أعرف هَل هُوَ إسلامي أَو لَا. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
(وَلم يبْق سوى الْعدوان دنّاهم كَمَا دانوا ... صفحنا عَن بني ذهل)
(عَسى الْأَيَّام أَن يرجع ... ن قوما كَالَّذي كَانُوا)
(فَلَمَّا صرّح الشَّرّ ... فأمسى وَهُوَ عُرْيَان)
(وَلم يبْق سوى العدوا ... ن دنّاهم كَمَا دانوا)
...
стр. 1365
(مشينا مشْيَة اللَّيْث ... غَدا وَاللَّيْث غَضْبَان)
(بِضَرْب فِيهِ توهين ... وتخضيع وإقران)
(وَطعن كفم الزقّ ... غَدا والزقّ ملآن)
(وَبَعض الْحلم عِنْد الجه ... ل للذلة إذعان)
وَفِي الشَّرّ نجاة حَيّ ن لَا ينجيك إِحْسَان)
الصفح: الْعَفو وَحَقِيقَته أعرضنا عَنْهُم وأوليناهم صفحة عنقنا. وَرُوِيَ:
عَن بني هِنْد وَهِي هِنْد بنت مرّ بن أدّ أُخْت تَمِيم. وَقَوله: عَسى الْأَيَّام الخ قَالَ المرزوقيّ: لَا يجوز أَن يكون الَّذِي بِمَعْنى الَّذين لِأَن الْمَوْصُول والصلة يصير صفة لقوم آخَرين كالقوم الْمَذْكُورين بل التَّقْدِير: أَن يرددن دأب الْقَوْم كَائِنا كالدأب الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْوَجْه يجوز أَن يكون الَّذِي للْجِنْس كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ ثمَّ قَالَ: أُولَئِكَ. والفصل بَين هَذَا الْوَجْه وَالْوَجْه الأول أَنه أمّل فِي الْوَجْه الأول أَنهم إِذا عفوا عَنْهُم أدّبتهم الْأَيَّام وردّت أَحْوَالهم كأحوالهم فِيمَا مضى: فِي الِاتِّفَاق والتوادّ وَفِي الْوَجْه الثَّانِي أمّل أَن ترجع الْأَيَّام أنفسهم إِذا صفحوا عَنْهُم كَمَا عهِدت: سَلامَة صُدُور وكرم عهود انْتهى.
وَمعنى يرجعن: يرددن من بَاب فعل وفعلته يُقَال: رَجَعَ فلَان رُجُوعا ومرجعاً ورجعاناً ورجعته رجعا والعائد مَحْذُوف أَي: كَالَّذي كانوه وَهُوَ خبر كَانَ.
стр. 1366
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على ان بَعضهم اسْتدلَّ بِهِ على أَن الْمعرفَة إِذا أُعِيدَت نكرَة كَانَت عينهَا على الْقَاعِدَة الْمَشْهُورَة.
وصرّح بِمَعْنى انْكَشَفَ وَيَأْتِي أَيْضا متعدّياً بِمَعْنى كشفه. وَجُمْلَة وَهُوَ عُرْيَان خبر أَمْسَى وَذكر الْعُرْيَان مثل لظُهُور الشرّ. وَرُوِيَ: فأضحى وَهُوَ عُرْيَان وَهَذِه احسن لِأَن الشَّيْء فِي الضُّحَى وَقَوله: وَلم يبْق سوى الْعدوان مَعْطُوف على قَوْله صرّح.
وَقَوله: دنّاهم. . الخ جَوَاب لما. والعدوان: الظُّلم الصَّرِيح. وَالدّين: الْجَزَاء. وَأورد الْبَيْضَاوِيّ هَذَا الْبَيْت فِي قَوْله تَعَالَى: مَالك يَوْم الدَّين على أَن الدَّين الْجَزَاء. وَالْمعْنَى: لما أصرّوا على الْبَغي وأبوا أَن يدعوا الظُّلم وَلم يبْق إِلَّا أَن نقاتلهم ونعتدي عَلَيْهِم كَمَا اعتدوا علينا جازيناهم بفعلهم الْقَبِيح كَمَا ابتدؤونا بِهِ. وَإِطْلَاق المجازاة على فعلهم مشاكلة على حد قَوْله تَعَالَى: فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ.
وَقَوله: مشينا مشْيَة الخ هَذَا تَفْصِيل لما أجمله فِي قَوْله دنّاهم وَتَفْسِير لكيفية المجازاة. وكرّر اللَّيْث وَلم يَأْتِ بِهِ مضمراً تفخيماً وتعظيماً.
وَالْمعْنَى: مشينا إِلَيْهِم مشْيَة الْأسد ابتكر وَهُوَ جَائِع. وكنى عَن الْجُوع بِالْغَضَبِ لِأَنَّهُ يَصْحَبهُ.
وَغدا بِمُعْجَمَة فمهملة وَلَا يجوز بمهملتين لِأَن اللَّيْث لَا يكون مَاشِيا عادياً فِي حَال. فَإِن قيل: اجْعَلْهُ من الْعدوان قلت: اللَّيْث لَا يمشي فِي حَال عدوانه وَإِنَّمَا يشدّ شدّاً وَيجوز على رِوَايَة)
شددنا شدَّة اللَّيْث على أَنه من الْعدوان.
стр. 1367
وَقَوله: بِضَرْب فِيهِ توهين الخ الْبَاء تتَعَلَّق بمشينا. والتوهين: التَّضْعِيف. والإقران: مُوَاصلَة لَا فتور فِيهَا. وَرُوِيَ: والتأييم: جعل الْمَرْأَة أيّماً والأيّم هِيَ الَّتِي قتل زَوجهَا أَو مَاتَ. والإرنان من الرنين والبكاء يُقَال: رنّ وأرنّ.
وَقَوله: وَطعن كفم الزقّ الخ غذا بمعجمتين بِمَعْنى سَالَ يُقَال: غذا يغذو غذواً وَالِاسْم الْغذَاء أَي: وَطعن فِي اتساعه وَخُرُوج الدَّم مِنْهُ كفم الزق إِذا سَالَ بِمَا فِيهِ وَهُوَ مَمْلُوء. وَجُمْلَة إِذا مَعَ ضَمِيره بِتَقْدِير قد حَالية.
وَقَوله: وَبَعض الْحلم الخ الإذعان: الانقياد يُقَال: أذعن لكذا: إِذا انْقَادَ لَهُ وأذعن بِكَذَا: إِذا أقرّ بِهِ. اعتذر فِي هَذَا الْبَيْت عَن تَركهم التحلم مَعَ الأقرباء بِأَنَّهُ كَانَ يُفْضِي إِلَى الذل.
وَقَوله: وَفِي الشَّرّ نجاة الخ أَرَادَ فِي دفع الشَّرّ وَيجوز أَن يُرِيد وَفِي عمل الشَّرّ نجاة كانه يُرِيد: وَفِي الْإِسَاءَة مخلص إِذا لم يخلّصك الْإِحْسَان.
والفند الزمّاني اسْمه شهل بن شَيبَان بن ربيعَة بن زمّان الْحَنَفِيّ. فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى جد أَبِيه.
وشهل بالشين وَلَيْسَ فِي الْعَرَب شهل بِالْمُعْجَمَةِ إِلَّا هُوَ وشهل بن أَنْمَار من قَبيلَة بجيلة. وزمّان بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم هُوَ إِمَّا فعلان من زممت أَو فعّال من الزَّمن. والفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون: الْقطعَة من الْجَبَل وَإِنَّمَا لقّب بِهِ لِأَن بكر بن وَائِل بعثوا إِلَى بني حنيفَة فِي حَرْب البسوس لينصروهم فأمدّوهم بِهِ وَكَتَبُوا إِلَيْهِم: قد بعثنَا إِلَيْكُم بثلثمائة فَارس فَلَمَّا أَتَى بكرا وَهُوَ مسنّ قَالُوا: وَمَا
стр. 1368
يُغني هَذَا العشبة قَالَ: أَو مَا ترْضونَ أَن أكون لكم فنداً تأوون إِلَيْهِ فلقب بِهِ ... والعشبة بِفَتَحَات الْعين الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُوَحدَة: الشَّيْخ الْكَبِير وَيُقَال: العشمة بِالْمِيم بدل الْمُوَحدَة كَذَا فِي إِعْرَاب الحماسة لِابْنِ جنّي.
وَفِي الأغاني: كَانَ الفند أحد فرسَان ربيعَة الْمَشْهُورين الْمَعْدُودين شهد حَرْب بكر وتغلب وَقد قَارب الْمِائَة سنة فأبلى بلَاء حسنا. وَإِنَّمَا لقّب فنداً لِأَن بكر بن وَائِل بعثوا إِلَى بني حنيفَة يستنصرونهم. وَذكر الْحِكَايَة الَّتِي ذَكرنَاهَا ثمَّ قَالَ: فوجّهوا إِلَيْهِم بالفند الزمّاني فِي سبعين رجلا وَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّا قد بعثنَا إِلَيْكُم ألف رجل.
وانشد بعده وَهُوَ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
(تجانف عَن جو الْيَمَامَة نَاقَتي ... وَمَا عدلت عَن أَهلهَا لسوائكا)
على أَن خُرُوج سَوَاء عَن الظَّرْفِيَّة شَاذ خَاص بالشعر وَإِذا خرجت كَانَت بِمَعْنى غير.
وَقد استفتى بَعضهم من جملَة أسئلة أَرْبَعَة: هَل تكون سَوَاء بِمَعْنى غير فَأَجَابَهُ أَبُو نزار الملقب بِملك النُّحَاة بِأَنَّهُ قد نَص على أَنَّهَا لَا تَأتي إِلَّا ظرف مَكَان وَأَن اسْتِعْمَالهَا اسْما متصرفاً بِوُجُوه الْإِعْرَاب بِمَعْنى غير خطأ.
وَنقل ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ صُورَة الاستفتاء الأسئلة الْأَرْبَعَة وَمَا أجَاب
стр. 1369
بِهِ أَبُو نزار وَجَوَاب الإِمَام أبي مَنْصُور الجواليقي واستجهل أَبَا نزار وذمّه وخطّأه تبعا للجواليقي وَأصَاب هُوَ أَيْضا عَن الأسئلة وَقَالَ فِي سوى: وَأما سوى فَإِن الْعَرَب استعملتها اسْتثِْنَاء وَهِي فِي ذَلِك مَنْصُوبَة على الظّرْف بِدلَالَة أَن النصب يظْهر فِيهَا إِذا مدّت فَإِذا قلت أَتَانِي الْقَوْم سواءك فكأنك قلت مَكَانك.
واستدلّ الْأَخْفَش على أَنَّهَا ظرف بوصلهم الِاسْم النَّاقِص بهَا فِي نَحْو: أَتَانِي الَّذِي سواك.
والكوفيون يرَوْنَ اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى غير. وَأَقُول: إِدْخَال الجارّ عَلَيْهَا فِي قَول الْأَعْشَى: وَمَا قصدت من أَهلهَا لسوائكا يُخرجهَا عَن الظَّرْفِيَّة. وَإِنَّمَا استجازت الْعَرَب ذَلِك فِيهَا تَشْبِيها لَهَا بِغَيْر من حَيْثُ استعملوها اسْتثِْنَاء. وعَلى تشبيهها بِغَيْر قَالَ أَبُو الطّيب:
(أَرض لَهَا شرف سواهَا مثلهَا ... لَو كَانَ مثلك فِي سواهَا يُوجد)
رفع سوى الأولى بِالِابْتِدَاءِ وخفض الثَّانِيَة بفي فأخرجهما من الظَّرْفِيَّة. فَمن خطّأه فقد خطّأ الْأَعْشَى فِي قَوْله: لسوائكا وَمن خطأ الْأَعْشَى فِي لغته الَّتِي جبل
عَلَيْهَا وشعره يستشهد بِهِ فِي كتاب الله تَعَالَى فقد شهد على نَفسه بِأَنَّهُ مَدْخُول الْعقل ضَارب فِي غمرة الْجَهْل. وَمن الْعجب أَن هَذَا الْجَاهِل يقدم على تخطئة سلف النَّحْوِيين وخلفهم وتخطئة الشُّعَرَاء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين وَلَا يُؤثر عَنهُ انه قَرَأَ مصنفاً فِي النَّحْو إِلَّا مُقَدّمَة من تأليف عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ قيل: إِنَّهَا لَا تبلغ أَن تكون فِي عشر
стр. 1370
أوراق وَقيل إِنَّه لَا يملك من كتب النَّحْو واللغة مَا مِقْدَاره عشر أوراق وَهُوَ مَعَ ذَلِك يردّ بقحّته على الْخَلِيل وسيبويه إِنَّهَا لوصمة اتسم بهَا زَمَاننَا هَذَا لَا يبعد عارها وَلَا يَنْقَضِي شنارها.)
وَإِنَّمَا طلب بتلفيق هَذِه الأهواس أَن تسطّر فَتْوَى فَيثبت خطّه فِيهَا مَعَ خطّ غَيره. فَيُقَال: أجَاب أَبُو نزار بِكَذَا وَأجَاب غَيره بِكَذَا وَقد أدْرك لعمر الله مَطْلُوبه وَبلغ مَقْصُوده وَلَوْلَا إِيجَاب حق من أوجبت حَقه والتزمت وفاقه واحترمت خطابه لصنت خطي ولفظي عَن مجاورة خطه وَلَفظه: انْتهى كَلَام ابْن الشجري.
واجاب الجواليقي بقوله: وَأما سوى فَلم يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا تكون بِمَعْنى غير تَقول: رَأَيْت سواك أَي: غَيْرك. وَحكى ذَلِك أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ الْأَعْشَى:
(وَمَا قصدت من أَهلهَا لسوائكا)
أَي: لغيرك وَهِي أَيْضا غير ظرف وَتَقْدِير الْخَلِيل لَهَا بالظرف فِي الِاسْتِثْنَاء بِمَعْنى مَكَان وَبدل لَا يُخرجهَا عَن ان تكون بِمَعْنى غير. وفيهَا لُغَات: إِذا فتحت مدّت لَا غير وَإِذا ضمت قصرت لَا غير وَإِذا كسرت جَازَ الْمَدّ وَالْقصر أَكثر. وَمَا يحمل الْمُتَكَلّم بالْقَوْل الهراء إِلَّا فشوّ الْجَهْل.
انْتهى.
وَقد حكى ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف مَذْهَب الْبَصرِيين والكوفيين
مفضّلاً فَلَا بَأْس بإيراده مُجملا. قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن
следующие страницы →