← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل (بَكت جزعاً واسترجعت ثمّ آذَنت ... ركائبها أَن لَا إِلَيْنَا رُجُوعهَا) على أَن لَا يجوز عدم تكريرها مَعَ المفصول عِنْد المبّرد وَابْن كيسَان كَمَا فِي الْبَيْت وَعند غَيرهمَا شاذّ. وَقد أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه على عدم تَكْرِير لَا مَعَ الْمعرفَة وَهُوَ الْوَجْه. قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: إِذا كَانَ بعد لَا معرفَة ارْتَفَعت الْمعرفَة بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ قَوْلك: لَا أَبوك فيرتفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خَبره مضمراً وَتَكون لَا جَوَابا كأنّه قَالَ: هَل أبي فَقَالَ: لَا أَبوك. فنفى أَن يكون أَبَاهُ. وَأما قَول الشَّاعِر: بَكت جزعاً واسترجعت. الْبَيْت فَرفع رُجُوعهَا بِالِابْتِدَاءِ وأضمر الْخَبَر كأنّه قَالَ: مَوْجُود أَو وَاقع وَجعل إِلَيْنَا تبييناً مثل قَوْله سُبْحَانَهُ إنّي لَكمَا لمن النّاصحين هـ. وَزعم صدر الأفاضل فِي التحبير كَمَا نَقله عَنهُ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل وبعضٌ آخر فِي شرح أَبْيَات الموشح أنّ لَا هُنَا لَيست بالنافية للْجِنْس إنّما هِيَ الَّتِي تدخل على الْفِعْل الْمُضَارع. ورُجُوعهَا مَرْفُوع على أَنه فَاعل فعل مُضْمر تَقْدِيره ألاّ ترى أنّه لَو لم

стр. 1437

تضمر فِيهِ الْوُقُوع للَزِمَ التناقص وَهَذَا لأنّ الإيذان يَقْتَضِي ألاّ يكون الرُّجُوع فِي الْحَال متحققاً كَمَا يُقَال: هَذِه الْعَارِضَة تؤذن بالاستسقاء إِذا لم يكن وَاقعا وَلَو لم يضمر الْفِعْل فِيهِ لاقتضت لَا أَن يكون انتقاء الرُّجُوع فِي الْحَال متحقّقاً هـ. وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف فِيهَا الْفِعْل وَيبقى الْفَاعِل. ويندفع مَا عدّه تناقصاً بِجعْل خبر رُجُوعهَا اسْم فَاعل من الْوُقُوع. فتأمّل. وَقَوله: بَكت جزعاً هُوَ مفعول مُطلق نوعيُّ أَي بكاء جزع وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لأَجله. وروى: قَضَت وطراً واسترجعت وَفِي الاسترجاع هُنَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أنّه من الاسترجاع عِنْد الْمُصِيبَة وَهُوَ قَول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. وَثَانِيهمَا: أَنه طلب الرّجوع من الرّحيل لكَرَاهَة فِرَاق الأحبّة. وَقَوله: ثمَّ آذَنت الخ ركائبها فَاعل آذَنت جمع ركوبة وَهِي الرَّاحِلَة الَّتِي تركب. وآذَنت بِمَعْنى أشعرت وأعلمت. جعل تهيؤ الْإِبِل للرّكوب عَلَيْهَا كأنّه إعلامٌ مِنْهَا بالفراق. وَفِي إِسْنَاد) الإيذان للرّكائب دون الحبيبة أمرٌ لطيف لَا يخفى حسنه. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف أَي: وَقَوله: أَن لَا إِلَيْنَا الخ أَن هُنَا مفسّرة للإيذان وَهِي الْوَاقِعَة بعد جملَة فِيهَا معنى القَوْل دون حُرُوفه. وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل إنّما هِيَ المخفّفة من الثَّقِيلَة قَالُوا: وَالْأَصْل بِأَنَّهُ وَالضَّمِير للشأن.

стр. 1438

وَالْبَيْت ظَاهره إخبارٌ وَمَعْنَاهُ: تأسف وتحسّر. وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل (وَأَنت امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لَا نفعٌ وموتك فاجعُ) على أنّ لَا يجوز عدم تكريرها مَعَ المنكّر غير المفصول مَعَ إلغائها عِنْد المبرّد وَابْن كيسَان وَعند غَيرهمَا شاذّ. قَالَ الأعلم: وسوّغ الْإِفْرَاد هُنَا أنّ مَا بعده يقوم مقَام التكرير فِي الْمَعْنى لأنّ قَوْله وموتك فاجع دلّ على أنّ حَيَاته لَا تضرّ. يَقُول: هُوَ منّا فِي النّسَب إلاّ أَن نَفعه لغيرنا فحياته لَا تنفعنا لعدم مشاركته لنا وَمَوته يفجعنا لأنّه أَحَدنَا هـ. وَقَوله: لَا نفعٌ هُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: فِيهَا وَالْجُمْلَة خبر قَوْله حياتك. وَأكْثر الرِّوَايَة على إِسْقَاط الْوَاو أوّله على أَنه مخروم وَهُوَ الصَّوَاب لأنّه لم يتقدمه شَيْء حَتَّى تكون الْوَاو عاطفة.

стр. 1439

وَهَذَا الْبَيْت نسبه شرّاح أَبْيَات الْكتاب لرجل من بني سلول وَنسبه العسكريّ فِي كتاب وَزَاد الحصريّ بعده بَيْتَيْنِ وهما: الطَّوِيل (وَأَنت على مَا كَانَ مِنْك ابْن حرّةٍ ... أبيٌّ لما يرضى بِهِ الْخصم مَانع) (وفيك خصالٌ صالحاتٌ يشينها ... لديك جفاءٌ عِنْده الودُّ ضائع) قَوْله: وَأَنت على مَا كَانَ الخ أَي: أَنْت مَعَ مَا كَانَ مِنْك إِلَيْنَا من سوء الْمُعَامَلَة ابْن حرّة أبيّ ذُو حميّة مَانع لما يرضى بِهِ الْخصم. قَالَ بعض فضلاء العجمى فِي شرح أَبْيَات المفصّل: الْمَقُول فِيهِ هَذَا الشّعْر هُوَ الحضنين بن) الْمُنْذر وقائله الضحّاك بن هنام هـ. وَضبط العسكريّ ابْن هنّام بِفَتْح الْهَاء وَالنُّون المشدّدة وَقد وَقع فِي بعض كتب الْأَدَب مُصحفا بهمّام بِالْمِيم بدل النُّون. وشذّ ياقوت الحمويّ فنسبه فِي محتضر جمهرة الْأَنْسَاب إِلَى جنف بن مَالك ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى قضاعة إِحْدَى قبائل الْيمن.

стр. 1440

وَضبط العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف الْمُتَعَلّق بِعلم الحَدِيث الحضين بن الْمُنْذر بقوله: حضين الْحَاء مَضْمُومَة غير مُعْجمَة وَالضَّاد مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَنون هُوَ حضين ابْن الْمُنْذر أَبُو ساسان الرّقاشيّ من سَادَات ربيعَة وَكَانَ صَاحب راية أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ يَوْم صفيّن وَفِيه (لمن رايةٌ سَوْدَاء يخْفق ظلّها ... إِذا قيل قدّمها حضين تقدّما) ثمَّ ولاّه إصطخر وَكَانَ يبخل وَفِيه يَقُول زِيَاد الْأَعْجَم: الطَّوِيل (يسدّ حضينٌ بَابه خشيَة الْقرى ... بإصطخر والشّاة السّمين بدرهم) وَفِيه يَقُول الضحّاك بن هنّام: الطَّوِيل (وَأَنت امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لَا نفعٌ وموتك فاجع) وروى الحَدِيث عَن عُثْمَان وعليّ وَعَن مجاشع بن مَسْعُود وَالْمُهَاجِر بن قنفذ. وروى عَنهُ الْحسن وَعبد الله بن الداناج وَعبد الْعَزِيز بن معمر وعليّ بن سُوَيْد بن منجوف. وَلَا أعرف من يسمّى حضيناً بالضاد الْمُعْجَمَة غَيره وَغير من ينْسب إِلَيْهِ من وَلَده. وَمن أَوْلَاده: يحيى بن حضين وساسان بن حضين وعياض بن حضين. وَفِي يحيى يَقُول الفرزدق: مجزوء الرمل (واصرف الكأس عَن الْفَا ... تَرَ يحيى بن حضين) انْتهى مَا أوردهُ العسكريّ.

стр. 1441

وَأنْشد بعده: (من صدّ عَن نيرانها ... فَأَنا ابْن قيس لَا براح) على أَن لَا هُنَا بمهنى لَيْسَ وَلِهَذَا لم تكرّر. قَالَ الشَّارِح المحقّق: قد تقدّم أَنه لم يثبت عمل لَا عمل لَيْسَ. وَهَذَا مُخَالف لقَوْل أبي عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة إنّ لَا فِي هَذَا الْبَيْت أُرِيد بهَا لَيْسَ وَالْخَبَر) مَحْذُوف أَي: لنا وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْجَحِيم حِين لَا مستصرخ أَرَادَ لنا اه. وَهَذَا الْبَيْت قد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين فِي اسْم مَا وَلَا المشبهتين بليس. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط (تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِ ... وَحين جنّ زمَان النّاس أَو كَلْبا) على أنّ عدم تكرّر لَا فِي مثل هَذَا شَاذ. وأنشده س على إِضَافَة حِين إِلَى المَال وإلغاء لَا وزيادتها فِي اللَّفْظ. وَهَذِه عبارَة س: اعْلَم أنّ لَا قد تكون فِي بعض الْمَوَاضِع هِيَ والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَذَلِكَ قَوْلهم: أَخَذته بِلَا ذَنْب وغضبت من لَا شَيْء وَذَهَبت بِلَا عتاد وَالْمعْنَى ذهبت بِغَيْر عتاد. وَتقول إِذا قللّت الشَّيْء: مَا كَانَ

стр. 1442

إلاّ كلاشيء وإنّك وَلَا شَيْئا سواءٌ. وَمن هَذَا النَّحْو قَول الشَّاعِر: تَرَكتنِي حِين لَا مَال أعيش بِهِ ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى وجوّز أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة الحركات الثَّلَاث فِي مَال قَالَ: الجرّ على الْإِضَافَة وَالرَّفْع على أَن تضيف حِين إِلَى الْجمل ولَا عاملة عمل لَيْسَ وَالنّصب تَجْعَلهُ كَمَا كَانَ مَبْنِيا وو جنّ بِضَم الْجِيم من الْجُنُون يُقَال: أجنّه الله بِالْألف فجنّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مَجْنُون. وكَلْبا الْكَلْب: مصدر كلب كَلْبا فَهُوَ كلبٌ من بَاب تَعب وَهُوَ داءٌ يشبه الْجُنُون يَأْخُذهُ فيعقر النَّاس. وَيُقَال لمن يعقره كلب أَيْضا. وكلب الزَّمَان: شدّته: وَضرب الْجُنُون وَالْكَلب مثلا لشدّة الزّمان. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لأبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة الصحابيّ رثى بهَا ابْنه طفيلاً. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: (خلّى طفيلٌ عليّ الهمّ فانشعبا ... وهدّ ذَلِك ركني هدّةً عجبا) (وَابْني سميّة لَا أنساهما أبدا ... فِيمَن نسيت وكلّ كَانَ لي وصبا) (فاملك عزاءك إِن رزءّ نكبت بِهِ ... فَلَنْ يردّ بكاء الْمَرْء مَا ذَهَبا) (وَلَيْسَ يشفي حَزينًا من تذكره ... إلاّ الْبكاء إِذا مَا ناح وانتحبا) (فَإِن سلكت سَبِيلا كنت سالكها ... وَلَا محَالة أَن يَأْتِي الَّذِي كتبا)) (فَمَا لفظتك من ريّ وَلَا شبعٍ ... وَلَا ظللت بباقي الْعَيْش مرتقبا)

стр. 1443

فارقتني حِين لَا مَال أعيش بِهِ ... ... ... . . الْبَيْت روى الأصبهانيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني أنّ أَبَا الطّفيل دعيّ إِلَى مأدبة فغنّت فِيهَا قينة بِهَذَا الشّعْر فَبكى أَبُو الطُّفَيْل حتّى كَاد يَمُوت. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَجعل ينشج وَيَقُول: هاه هاه طفيل وَأَرَادَ بِابْني سميّة عبّاداً وَعبيد الله ابْني زِيَاد بن سميّة. والوصب: الْمَرَض. والعزاء بالمدّ: الصَّبْر. وَقَوله: فَمَا لفظتك من ريّ الخ مَا رميتك فِي الْقَبْر لأجل أكلك وشربك بخلا. وأَبُو الطُّفَيْل هُوَ عَامر بن وائلة بن عبد الله بن عُمَيْر بن جَابر بن حميس ابْن جديّ بن سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار. وغلبت عَلَيْهِ كنيته. ومولده عَام أحد وَأدْركَ من حَيَاة النبيّ ﷺ َ ثَمَانِي سِنِين وَمَات سنة مائَة وَهُوَ آخر من مَاتَ مّمن رأى النبيّ ﷺ َ. وَقد رُوِيَ عَنهُ نَحْو أَرْبَعَة أَحَادِيث وَكَانَ محبّاً فِي عَليّ ﵄ وَكَانَ من أَصْحَابه فِي مُشَاهدَة وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل الشَّيْخَيْنِ إلاّ أنّه كَانَ يقدّم عليّاً. توفّي سنة مائَة من الْهِجْرَة. وَلما قتل عَليّ ﵁ انْصَرف إِلَى مكّة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ وَقيل أَقَامَ بِالْكُوفَةِ وَمَات بهَا والأوّل أصحّ. وَقد ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي شعراء الصّحابة. وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا حَاضر

стр. 1444

الْجَواب فصيحاً. وَكَانَ يتشيّع فِي عليّ ويفضله وَهُوَ شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل: الطَّوِيل (أيدعونني شَيخا وَقد عِشْت حقبةً ... وهنّ من الْأزْوَاج نحوي نوازع) (وَمَا شَاب رَأْسِي من سِنِين تَتَابَعَت ... عليّ وَلَكِن شيبتني الوقائع) وَقَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ أَبُو الطُّفَيْل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ ﵁ وروى عَنهُ. وَكَانَ من وُجُوه شيعته وَله مِنْهُ محلٌّ خَاص يسْتَغْنى بشهرته عَن ذكره. ثمَّ خرج طَالبا بِدَم الْحُسَيْن ﵁ مَعَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ مَعَه حتّى قتل الْمُخْتَار. ولّما استقام لمعاوية أمره لم يكن شَيْء أحبّ إِلَيْهِ من لِقَاء أبي الطُّفَيْل فَلم يزل يكاتبه ويلطف لَهُ حتّى أَتَاهُ فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ جعل يكلّمه وَدخل عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ وَمَعَهُ نفر فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: أما تعرفُون هَذَا هَذَا فَارس صفيّن وشاعرها خَلِيل أبي الْحسن. ثمَّ أنْشد من شعره.) قَالُوا: نعم هُوَ أفحش شَاعِر وألأم جَلِيسا فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا الطُّفَيْل أتعرفهم قَالَ: مَا أعرفهم بِخَير وَلَا أبعدهم من شرّ ثمَّ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا بلغ من حبّك لعليّ قَالَ: حبّ أمّ مُوسَى لمُوسَى قَالَ: فَمَا بلغ من بكائك عَلَيْهِ قَالَ: بكاء الْعَجُوز الثّكلى والشّيخ الرّقوب وَإِلَى الله أَشْكُو التَّقْصِير قَالَ مُعَاوِيَة: لكنّ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ لَو كَانُوا سئلوا عنّي مَا قَالُوا فيّ مَا قلت فِي صَاحبك. قَالُوا: إِذا وَالله مَا نقُول الْبَاطِل فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: لَا وَالله وَلَا الحقّ تَقولُونَ. ولّما رَجَعَ محمّد بن الْحَنَفِيَّة من الشَّام حَبسه ابْن الزّبير فِي سجن عَارِم

стр. 1445

فَخرج إِلَيْهِ جَيش من الْكُوفَة عَلَيْهِم أَبُو الطُّفَيْل حتّى أَتَوا السجْن فكسروه وأخرجوه وَكتب ابْن الزبير إِلَى أَخِيه مُصعب أَن يسيّر نسَاء كلّ من خرج لذَلِك فَأخْرج مُصعب مَعَ النِّسَاء أمّ الطُّفَيْل امْرَأَة أبي الطُّفَيْل وابناً لَهُ صَغِيرا يُقَال لَهُ يحيى فَقَالَ فِي ذَلِك: المتقارب (إِن يَك سيّرها مُصعب ... فإنّي إِلَى مُصعب مذنب) (أَقُود الكتيبة مستلئما ... كأنّي أَخُو عرّة أجرب) (عليّ دلاصٌ تخيّرتها ... وَفِي الكفّ ذُو رونق مقضب) (فَلَو أنّ يحيى بِهِ قوةٌ ... فيغزو مَعَ الْقَوْم أَو يركب) (ولكنّ يحيى كفرخ العقا ... ب فِي الوكر مستضعفٌ أزغب) وَلما دخل عبد الله بن صَفْوَان على عبد الله بن الزّبير بِمَكَّة. قَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فَإِن تصبك من الأيّام جائحةٌ ... لَا أبك مِنْك على دنيا وَلَا دين) قَالَ: وَمَا ذَاك يَا أعرج قَالَ: هَذَا عبد الله بن عَبَّاس يفقه النَّاس وَعبيد الله أَخُوهُ يطعم النَّاس فَمَا بقيّا لَك. فأحفظه ذَلِك فَأرْسل صَاحب شرطته عبد الله بن مُطِيع فَقَالَ انْطلق إِلَى ابْني عبّاس فَقل لَهما: أعمدتما إِلَى راية ترابيّة قد وَضعهَا الله فنصبتماها بدّدا عنّي جموعكما وَمن ضوى إلَيْكُمَا من ضلاّل أهل الْعرَاق وإلاّ فعلت وَفعلت فَقَالَ لَهُ ابْن عبّاس: قل لِابْنِ الزّبير:

стр. 1446

يَقُول لَك ابْن عبّاس: ثكلتك أمّك وَالله مَا يأتينا من النّاس إلاّ رجلَانِ: طَالب فقه أَو طَالب (لَا درّ درُّ اللّيالي كَيفَ تضحكنا ... مِنْهَا خطوبٌ أَعَاجِيب وتبكينا) (وَمثل مَا تحدث الأيّام من غيرٍ ... يَا بن الزّبير عَن الدّنيا تسلّينا) (كنّا نجيء ابْن عبّاس فيقبسنا ... علما ويكسبنا أجرا ويهدينا) (وَلَا يزَال عبيد الله مترعةً ... جفانه مطعماً ضيفاً ومسكينا)) (فالبرّ والدّين والدّنيا بدارهما ... ننال مِنْهَا الَّذِي نبغي إِذا شينا) (إنّ النّبي هُوَ النّور الَّذِي كشفت ... بِهِ عمايات باقينا وماضينا) (ورهطه عصمةٌ فِي ديننَا وَلَهُم ... فضلٌ علينا وحقّ وَاجِب فِينَا) (ولستفاعلمهأولادنا بهم رحما ... يَا ابْن الزّبير وَلَا أولى بِهِ دينا) (فقيم تمنعهم منّا وتمنعنا ... مِنْهُم وتؤذيهم فِينَا وتؤذينا) (لن يُؤْتِي الله من أخزى ببعضهم ... فِي الدّين عزّاً وَلَا فِي الأَرْض تمكينا) وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س:

стр. 1447

الرجز (حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن) على أنّ الشَّاعِر أضَاف حِين الأول إِلَى الْجُمْلَة كَمَا تَقول: حِين لَا رجل فِي الدَّار أَي: حِين لَا حِين حنينٌ حَاصِل. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب حِين بِلَا التبرئة وَإِضَافَة حِين إِلَى الْجُمْلَة وَخبر لَا مَحْذُوف وَالتَّقْدِير حِين لَا حِين محنٍّ لَهَا أَي: حنّت فِي غير وَقت الحنين. وَلَو جررت الْحِين على إِلْغَاء لَا جَازَ. والقلوص: النّاقة الشّابة بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة من الأناسيّ. وحنينها: صَوتهَا شوقاً إِلَى أَصْحَابهَا. وَالْمعْنَى أنّها حنّت إِلَيْهَا على بعدٍ مِنْهَا وَلَا سَبِيل لَهَا إِلَيْهَا. انْتهى. وقدّر ابْن الشجريّ الْخَبَر لنا بالنُّون وَالصَّوَاب مَا قبله. وجوّز أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة الحركات الثَّلَاث فِي حِين الثَّانِي: النصب على إِعْمَال لَا عمل إنّ وَالرَّفْع على إعمالها عمل لَيْسَ والجرّ على إلغائها وَإِضَافَة حِين الأوّل إِلَى الثَّانِي. وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية لَا يقدّر للا هَذِه فِي رِوَايَة النصب خبر فَإِنَّهُ قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَوْلهم: أَلا مَاء بَارِد: قَالَ المازنيّ: يرفع بَارِد على أَنه خبر وَيجوز على قِيَاس قَوْله أَن يرْتَفع لأنّه صفة مَاء ويضمر الْخَبَر. وَيجوز نَصبه على قَوْله أَيْضا على أَنه صفة وَالْخَبَر مُضْمر وَيجوز على قِيَاس سِيبَوَيْهٍ وَمن عدا الْمَازِني أَلا مَاء بَارِد بِلَا تَنْوِين إلاّ أنّك لَا تضمر لَهَا خَبرا

стр. 1448

لِأَنَّهَا مَعَ معمولها الْآن بِمَنْزِلَة اللَّفْظَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِهِم: جِئْت بِلَا مَال وغضبت من لَا شَيْء أَي: بفتحهما فَلَا يلزمك إِضْمَار الْخَبَر) فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَمثله قَوْله: حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن أضَاف حِين إِلَيْهِمَا كَمَا تضيفه إِلَى الْمُفْرد. وَقد يحْتَمل هَذَا عِنْدِي أَن يكون إِضَافَة إِلَى جملَة وَالْخَبَر مَحْذُوف كَمَا يُضَاف أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْجمل وَذَلِكَ لأنّ حنت مَاض فحين بِمَعْنى إِذْ وَهِي مِمَّا يُضَاف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. فَأَما قَوْله حِين لَا حِين فَالثَّانِي غير الأوّل لأنّ الْحِين يَقع على الْكَبِير واليسير من الزَّمَان قَالَ: الطَّوِيل تطلقه حينا وحيناً تراجع وَلَا زَائِدَة وَلَا تكون غير زَائِدَة لما فِي ذَلِك من النَّقْض. وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كلّ حِين: ستّة أشهر فَيكون على هَذَا حِين حِين من إِضَافَة الْبَعْض إِلَى الكلّ نَحْو: حَلقَة فضّة وَعِيد السّنة وسبت الْأُسْبُوع فَلَا يكون إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. وَمثله قَول الفرزدق: الوافر (وَلَوْلَا يَوْم يومٍ مَا أردنَا ... جزاءك والقروض لَهَا جَزَاء) فيومٌ الأوّل وضح النّهار وَالثَّانِي البرهة كَالَّتِي فِي قَوْله: وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله. وَأنْشد أَبُو عَمْرو:

стр. 1449

مجزوء الْكَامِل (حبّذا العرصات يَوْمًا ... فِي ليالٍ مقمرات) فَقَالَ يَوْمًا فِي لَيَال أَرَادَ المرّة دون العاقب لِليْل. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا وَلَا تَتِمَّة لَهَا. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط (مَا بَال جهلك بعد الْحلم والدّين ... وَقد علاك مشيبٌ حِين لَا حِين) على أنّ الأولى أَن تكون لَا فِيهِ زَائِدَة لفظا وَمعنى. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إنّما أَرَادَ حِين حِين وَلَا بِمَنْزِلَة مَا إِذا ألغيت. قَالَ الأعلم: وإنّما أضَاف الْحِين إِلَى الْحِين لأنّه قدر أَحدهمَا بِمَعْنى التَّوْقِيت فَكَأَنَّهُ قَالَ: حِين وَقت حُدُوثه ووجوبه هَذَا تَفْسِير سِيبَوَيْهٍ. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: مَا بَال جهلك بعد الْحلم وَالدّين حِين لَا حِين جهلٍ وصبا فَتكون لَا لَغوا فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى انْتهى. وَلم يتنبّه ابْن الشّجريّ فِي أَمَالِيهِ لمراد سِيبَوَيْهٍ بعد نقل عِبَارَته ففهم

стр. 1450

أنّ لَا زَائِدَة لفظا فَقَط فَقَالَ: حِين الأوّل مُضَاف إِلَى الثَّانِي وفصلت لَا بَين الْخَافِض والمخفوض كفصلهما فِي جِئْت بِلَا شَيْء كَأَنَّهُ قَالَ: حِين لَا حِين لَهو فِيهِ وَلعب أَو نَحْو ذَلِك من الْإِضْمَار لأنّ المشيب يمْنَع من اللَّهْو واللعب. هَذَا كَلَامه وَقد أوردهُ فِي معرض الشَّرْح لكَلَام سِيبَوَيْهٍ. وَقد طبّق المفصّل أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْحجَّة فِي الْكَلَام على آخر سُورَة الْفَاتِحَة قَالَ: لَا فِيهِ زَائِدَة وَالتَّقْدِير: وَقد علاك مشيبٌ حِين حِين وإنّما كَانَت زَائِدَة لأنّك إِن قلت: علاك مشيبٌ حينا فقد أثبتّ حينا علاهُ فِيهِ المشيب. فَلَو جعلت لَا غير زَائِدَة لوَجَبَ أَن تكون نَافِيَة على حدّها فِي قَوْلهم: جِئْت بِلَا مَال فنفيت مَا أثبت من حَيْثُ كَانَ النَّفْي بِلَا عَاما منتظماً لجَمِيع الْجِنْس فلمّا لم يستقم حمله على النَّفْي للتدافع الْعَارِض فِي ذَلِك حكمت بزيادتها فَصَارَ التَّقْدِير: حِين حِين. وَهَذِه الْإِضَافَة من بَاب حَلقَة فضَّة: لأنّ الْحِين يَقع على الزَّمَان الْقَلِيل كالساعة وَنَحْوهَا يدلّ على ذَلِك قَوْله: تطلقه حينا وحيناً تراجع وَيَقَع على الزَّمَان الطَّوِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: هَل أُتِي على الْإِنْسَان حِين من الدّهر وعَلى مَا هُوَ أقصر من ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كل حينٍ فَصَارَ حِين حِين كَقَوْل الآخر: (وَلَوْلَا يَوْم يومٍ مَا أردنَا ... جزاءك والقروض لَهَا جَزَاء)

стр. 1451

وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِه:) حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لأنّه فِي قَوْله لَا حِين محن نافٍ حينا مَخْصُوصًا لَا يَنْتَفِي بنفيه جَمِيع الأحيان كَمَا كَانَ يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ العامّ جَمِيعهَا فَلم يلْزم أَن تكون لَا زَائِدَة فِي هَذَا الْبَيْت كَمَا لزم لزيادتها فِي حِين لَا حِين. فَهَذَا الْحَرْف يدْخل فِي النّكرة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون زَائِدا كَمَا مرّ فِي بَيت جرير وَالْآخر أَن يكون غير زَائِد. فَإِذا لم يكن زَائِدا كَانَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون لَا مَعَ الِاسْم بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد نَحْو خَمْسَة عشر ونَحْو غضِبت من لَا شَيْء فَلَا مَعَ الِاسْم المنكور فِي مَوضِع جرّ بِمَنْزِلَة خَمْسَة عشر وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون من هَذَا الْبَاب قَوْله: حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لِأَن حِين هُنَا مَنْصُوب نصبا صَحِيحا لِإِضَافَتِهِ وَلَا يجوز بِنَاء الْمُضَاف مَعَ لَا كَمَا جَازَ بِنَاء الْمُفْرد مَعهَا وإنّما حِين فِي الْبَيْت مُضَافَة إِلَى جملَة كَمَا أَنَّهَا فِي قَوْله تَعَالَى: حِين لَا يكفون عَن وُجُوههم النّار إلاّ أنّ الْخَبَر مَحْذُوف وَخبر لَا يحذف كثيرا. وَنَظِير هَذَا فِي حذف الْخَبَر من الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا ظرف الزَّمَان قَوْلهم: كَانَ هَذَا إِذْ ذَاك. والآخر أَن لَا تعْمل فِي اللَّفْظ وَيُرَاد بهَا معنى النَّفْي فَتكون صورتهَا صُورَة الزِّيَادَة وَمعنى النَّفْي فِيهِ مَعَ هَذَا صَحِيح كَقَوْل النَّابِغَة:

стр. 1452

الْبَسِيط وَقَالَ الشمّاخ: الوافر (إِذا مَا أدلجت وصفت يداها ... لَهَا إدلاج لَيْلَة لَا هجوع) وَقَالَ رؤبة: الرجز وَقد عرفت حِين لَا اعْتِرَاف وَبَيت الْكتاب. تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِ الْبَيْت وَهَذَا الْوَجْه عكس مَا جَاءَ فِيمَا أنْشدهُ أَبُو الْحسن من قَول الشَّاعِر: (لَو لم تكن غطفان لَا ذنُوب لَهَا ... إليّ لامت ذَوُو أحسابها عمرا) أَلا ترى أنّ لَا فِي الْمَعْنى زَائِدَة وَقد عملت وَفِي قَوْله: لَيْلَة لَا هجوع وبابه معنى النَّفْي فِيهِ صحيحٌ وَلم تعْمل انْتهى كَلَام أبي عليّ.)

стр. 1453

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لجرير بن الخطفى هجا بهَا الفرزدق وَبعده: الْبَسِيط (للغانيات وصالٌ لست قاطعه ... على مواعيد من خلفٍ وتلوين) (إنّي لأرهب تَصْدِيق الوشاة بِنَا ... وَأَن يَقُول غويّ للنّوى بيني) (مَاذَا يهيجك من دارٍ تباكرها ... أَرْوَاح مخترق هوج الأفانين) وَجَرِير قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب وَالْخطاب لنَفسِهِ. وَقد الْتزم الْإِتْيَان بِالْحَال بعد مَا بَال فجملة وَقد علاك مشيبٌ حَال والظرف الأول مُتَعَلق بجهلك وَالثَّانِي مُتَعَلق بقوله علاك. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الستّون بعد الْمِائَتَيْنِ) الرجز (فِي بِئْر لَا حور سرى وَمَا شعر) على أنّ لَا فِيهِ زَائِدَة لفظا وَمعنى أوّل من قَالَ بزيادتها فِي هَذَا الْبَيْت أَبُو عُبَيْدَة وَتَبعهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة قَالَ فِيهَا: وَمن أمثالهم: حورٌ فِي محارة يضْرب للرجل الَّذِي لَا يعرف وَجه أمره وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لَا هُنَا لَغْو. وَمِنْهُم أَبُو مَنْصُور الأزهريّ فِي التَّهْذِيب إلاّ أنّه قَالَ: حور أَصله حؤور مَهْمُوز فخفّفه الشَّاعِر بِحَذْف الْهمزَة.

стр. 1454

وَمِنْهُم صَاحب الصِّحَاح قَالَ فِيهِ: حَار يحور حوراً وحؤوراً: رَجَعَ. يُقَال حَار بَعْدَمَا كار ونعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور أَي: من النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة. وَكَذَلِكَ الْحور بِالضَّمِّ. وَفِي الْمثل حورٌ فِي محارةٍ: أَي: نُقْصَان يضْرب للرجل إِذا كَانَ أمره يدبر. والْحور أَيْضا: الِاسْم من قَوْلك طحنت الطّاحنة فَمَا أحارت شَيْئا أَي: مَا ردّت شَيْئا من الدّقيق. والحور أَيْضا: الهلكة. فِي بِئْر لَا جورٍ سرى وَمَا شعر وَلَا زَائِدَة. وَمِنْهُم صَاحب الْعباب وَنقل كَلَام الصِّحَاح برمتّه وَزَاد فِي الْمثل قَوْلهم: حور فِي محارة هَذَا خلاف مَا روى ابْن الأعرابيّ أنّه بِفَتْح الْحَاء قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال: فلانٌ حور فِي محارة هَكَذَا سمعته بِفَتْح الْحَاء يضْرب مثلا للشَّيْء الَّذِي لَا يصلح أَو كَانَ صَالحا ففسد.) وَمِنْهُم الزّمخشريّ فِي تَفْسِيره وَفِي مفصله قَالَ: لَا فِي سُورَة الْقِيَامَة فِي قَوْله تَعَالَى: لَا أقسم زَائِدَة كَمَا زيدت فِي هَذَا الْبَيْت. وَمِنْهُم ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَمِمَّا زيدت فِيهِ قَول العجّاج: فِي بِئْر لَا حور سرى وَمَا شعر مَعْنَاهُ فِي بِئْر حورٍ أَي: فِي بِئْر هَلَاك. وَذهب جمَاعَة إِلَى أنّ لَا هُنَا نَافِيَة لَا زَائِدَة أوّلهم الفرّاء قَالَ فِي آخر سُورَة الْفَاتِحَة من تَفْسِيره: إِذا كَانَت غير فِي معنى سوى لم يجز أَن تكرّ عَلَيْهَا لَا أَلا ترى أنّه لَا يجوز عِنْدِي سوى عبد الله وَلَا زيد. وَقد قَالَ

стр. 1455

بعض من لَا يعرف العربيّة إنّ معنى غير فِي الْحَمد معنى سوى وإنّ لَا صلّة فِي الْكَلَام فِي بِئْر لَا حورٍ سرى وَمَا شعر وَهَذَا غير جَائِز لِأَن الْمَعْنى وَقع على مَا لَا يتبيّن فِيهِ عمله فَهُوَ جحدٌ مَحْض وإنّما يجوز أَن تجْعَل لَا صلَة إِذا اتّصلت بجحد قبلهَا وَأَرَادَ فِي بِئْر لَا حور فَلَا هِيَ الصَّحِيحَة فِي الْجحْد لأنّه أَرَادَ فِي بِئْر مَاء لَا يحير عَلَيْهِ شَيْئا كَأَنَّك قلت إِلَى غير رشد توجّه وَمَا درى وَالْعرب تَقول: طّحنت الطّاحنة فَمَا أحارت شَيْئا أَي: لم يتبيّن لَهَا أثر عمل. انْتهى. وَتَبعهُ ابْن الأعرابيّ فِي نوادره. وَمِنْهُم ابْن جنّي قَالَ فِي الخصائص قَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله: فِي بئرٍ لَا حورٍ سرى وَمَا شعر أَرَادَ حؤور أَي: فِي بِئْر لَا حؤور وَلَا رُجُوع قَالَ: فأسكنت الْوَاو الأولى وحذقت لسكونها وَسُكُون الثَّانِيَة بعْدهَا. وَرَأَيْت فِي شرح شَوَاهِد الموشّح والمفصّل قَالَ صدر الأفاضل: الْحور هُنَا: جمع حائر من حَار إِذا هلك. وَنَظِيره على مَا حَكَاهُ الغوريّ قُتل: جمع قَاتل وبُزل جمع بازل وقُرح جمع قارح. وَيحْتَمل أَن يكون اسْم جمع حائر أَي هُلّك وَقيل هِيَ بِئْر سكنها الجنّ. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة للعجّاج وَهِي نَحْو مِائَتي بَيت مدح بهَا

стр. 1456

عمر بن عبيد الله بن معمر وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد وجّهه لقِتَال أبي فديك الحروريّ فأوقع بِهِ وبأصحابه ومطلعها: الرجز) (قد جبر الدّين الْإِلَه فجبر ... وعوّر الرّحمن من ولّى العور) (فَالْحَمْد لله الَّذِي أعْطى الشّبر ... موَالِي الحقّ أَن الْمولى شكر) إِلَى أَن قَالَ: (وَاخْتَارَ فِي الدّين الحروريّ البطر ... فِي بِئْر لَا حورٍ سرى وَمَا شعر) بإفكه حتّى رأى الصبّح جشر الْجَبْر: أَن تغني الرجل من فقره أَو تصلح عظمه من كسر يُقَال: جبر الْعظم جبرا وجبر الْعظم بِنَفسِهِ جبوراً أَي: انجبر وَقد جَمعهمَا العجّاج. وعوّر بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو أَي: أفسد الله من ولاّه الْفساد. والشّبر: بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة والموحّدة الْخَيْر ويروى الحبر: بِفَتْح الْمُهْملَة والموحّدة وَهُوَ السرُور. وموالي الْخَيْر بِفَتْح الْمِيم يُرِيد العبيد وَهُوَ مفعول ثَان لأعطى وَرُوِيَ موَالِي بِضَم الْمِيم فَيكون من صفة الله ونصبه على الْمَدْح. والْمولى بِالْفَتْح: العَبْد. والحروريّ أَرَادَ بِهِ أَبَا فديك بِالتَّصْغِيرِ الخارجيّ. قَالَ فِي الصِّحَاح: وحروراء: اسْم قَرْيَة يمد وَيقصر نسبت إِلَيْهَا الحرورية من الْخَوَارِج كَانَ أوّل وَقَوله: بإفكه الخ الْبَاء سَبَبِيَّة مُتَعَلقَة بقوله سرى والْإِفْك الْكَذِب مَأْخُوذ من أفكته إِذا صرفته. وكلّ أمرٍ صرف عَن وَجهه فقد أفك. وجشر الصبّح بِالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة يجشر جشوراً إِذا انْفَلق وأضاء. وروى:

стр. 1457

حتّى إِذا الصبّح جشر وملخّص هَذِه القصّة كَمَا فِي نِهَايَة الأرب فِي فنون الْأَدَب للنّويريّ أنّ أَبَا فديك وَهُوَ من الْخَوَارِج واسْمه عبد الله بن ثَوْر بن قيس بن ثَعْلَبَة بن تغلب غلب على الْبَحْرين فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْهِجْرَة فَبعث خَالِد بن عبد الله القسريّ أَمِير الْبَصْرَة أَخَاهُ أُميَّة بن عبد الله فِي جندٍ كثيف فَهَزَمَهُ أَبُو فديك وَأخذ جاريةٍ لَهُ فاتّخذها لنَفسِهِ فَكتب خَالِد إِلَى عبد الْملك بذلك فَأمر عبد الْملك عمر بن عبيد الله بن معمر أَن ينْدب النّاس مَعَ أهل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ويسير إِلَى قِتَاله فَانْتدبَ عشرَة آلَاف وَسَار بهم. وَجعل أهل الْكُوفَة على الميمنة وَعَلَيْهِم محمّد بن مُوسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله وَأهل الْبَصْرَة على الميسرة وَعَلَيْهِم عمر بن مُوسَى بن عبيد الله بن معمر وَهُوَ ابْن أخي عمر وَجعل خيله فِي) الْقلب وَسَارُوا حتّى انْتَهوا إِلَى الْبَحْرين فاصطفّوا لِلْقِتَالِ. فَحمل أَبُو فديك وَأَصْحَابه حَملَة رجل واحدٍ فكشفوا ميسرَة عمر حتّى أبعدوا إلاّ الْمُغيرَة بن المهلّب وفرسان النَّاس فإنّهم مالوا إِلَى صفّ أهل الْكُوفَة بالميمنة ثمَّ رَجَعَ أهل الميسرة وقاتلوا واشتدّ قِتَالهمْ حتّى دخلُوا عَسْكَر الْخَوَارِج وَحمل أهل الميمنة حتّى استباحوا عَسْكَر الْخَوَارِج وَقتلُوا أَبَا فديك وحصروا أَصْحَابه حتّى نزلُوا على الحكم فَقتل مِنْهُم نَحْو ستّة آلَاف وَأسر ثَمَانمِائَة. ووجدوا جَارِيَة أميّة بن عبد الله حُبْلَى من أبي فديك وعادوا إِلَى الْبَصْرَة وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة اه. وَبِمَا ذكرنَا يطبّق الْمفصل ويصاب المحزّ. ولّما لم يقف شرّاح الشواهد على مَا مرّ قَالُوا بالتخمين وَرَجَمُوا بالظنون مِنْهُم بعض فضلاء الْعَجم قَالَ فِي شرح أَبْيَات الْمفصل وَتَبعهُ فِي شرح شَوَاهِد

стр. 1458

الموشّح: قيل يصف فَاسِقًا أَو كَافِرًا. وَالْمعْنَى على الأوّل أنّ الْفَاسِق سرى بأفكه وأباطيله فِي بِئْر الْمهْلكَة من الْمعاصِي وَمَا علم لفرط غفلته إِذا صَار فِيهَا حتّى إِذا انْفَلق الصّبح وأضاء الحقّ وانكشف ظلمات الشّبه واطلع علم مُعَاينَة لَكِن لم يَنْفَعهُ ذَلِك الْعلم. وعَلى الثَّانِي: أَن الْكَافِر سرى بإفكه وبطلانه فِي ورطة الْهَلَاك من كفره وَمَا شعر بذلك لإعراضه عَن الْآخِرَة حتّى إِذا قَامَت الْقِيَامَة علم أَنه كَانَ خابطاً فِي ظلمات الْكفْر وَلكنه لَا خوّاض فِي المهالك سالك فِي مسالك الجنّ. وَهَذَا مّما تتمدّح بِهِ الْعَرَب وأشعارهم ناطقة بذلك. وَمعنى قَوْله: بإفكه أَنه يكذب نَفسه إِذا حدّثها بِشَيْء وَلَا يصدقها فِيهِ وَيَقُول لَهَا: إِن الشَّيْء الَّذِي تطلبينه بعيد لتزداد جدّاً فِي طلبه وَلَا تتوانى فِيهِ ولذاك قَالَ لبيد: الرمل (اكذب النّفس إِذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل) وَالْمعْنَى: سَار لَيْلًا هَذَا الرجل لجرأته وجلادته فِي مهاوي الْهَلَاك أَو فِي الْمَوَاضِع الخالية الَّتِي يسكنهَا الجنّ حتّى أَضَاء الصبّح وَمَا شعر بِهِ ذَلِك الَّذِي ألْقى بِيَدِهِ فِي المهالك وَهُوَ غافل عَن ذَلِك لعدم مبالاته. وَهَذَا الْمَعْنى أشبه بِمذهب الْعَرَب. هَذَا كَلَامه. وترجمة العجّاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.

стр. 1459

وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز (لَا هثيم اللّيلة للمطيّ) على أَن لَا النافية للْجِنْس لَا تدخل على الْعلم وَهَذَا مؤوّل إمّا بِتَقْدِير مُضَاف وَهُوَ مثل وإمّا بِتَأْوِيل الْعلم باسم الْجِنْس. وَقد بيّنهما الشَّارِح المحقّق. وَقد أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا على أنّه على تَقْدِير مثل ملْء الأَرْض فَحذف مثل كَمَا حذفت من لَا هَيْثَم اللّيلة. قَالَ الْفَاضِل اليمنيّ: وَقد اعْترض هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: الْتزم الْعَرَب تجرّد الِاسْم الْمُسْتَعْمل عَن الْألف وَاللَّام وَلم يجوّزوا قَضِيَّة وَلَا أَبَا الْحسن كَمَا جوّزوا وَلَا أَبَا حسن وَلَو كَانَت إِضَافَة مثل منوّية لم يحْتَج إِلَى ذَلِك. وَالثَّانِي: إِخْبَار الْعَرَب عَن الْمُسْتَعْمل ذَلِك الِاسْتِعْمَال بِمثل كَقَوْل الشَّاعِر: الطَّوِيل (تبْكي على زيدٍ وَلَا زيد مثله ... بريءٌ من الحمّى سليم الجوانح) أَقُول: لَا يضر هَذَا الِالْتِزَام فإنّه واردٌ على أحد الجائزين فإنّ أل

стр. 1460

للمح الأَصْل وَالْغَالِب عدم ذكرهَا مَعَ أنّها عَلامَة لفظيّة للتعريف. وتعريف العلميّة وَإِن كَانَ أقوى مِنْهَا إلاّ أنّه معنوي فَلَو وجدت مَعَ لَا لَكَانَ الْقبْح ظَاهرا. ثمَّ رَأَيْت فِي تذكرة أبي حيّان مَا نصّه: قَالَ الفرّاء من قَالَ قضيّة وَلَا أَبَا حسن لَهَا لَا يَقُول وَلَا أَبَا الْحسن لَهَا بِالْألف وَاللَّام لأنّها تمحّض التَّعْرِيف فِي ذَا الْمَعْنى وَتبطل مَذْهَب التنكير. وَقَالَ: إنّما أجزنا لَا عبد الله لَك بِالنّصب لأنّه حرف مُسْتَعْمل يُقَال لكلّ أحد عبد الله وَلَا نجيز لَا عبد الرَّحْمَن وَلَا عبد الرَّحِيم لِأَن اسْتِعْمَال لم يلْزم هذَيْن كلزومه الأول. وَكَانَ الْكسَائي يقيس عبد الرَّحْمَن وَعبد الْعَزِيز على عبد الله وَمَا لذَلِك صحّة اه. وَأما جعله بِتَأْوِيل اسْم الْجِنْس فقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا قَضِيَّة وَلَا أَبَا حسن لَهَا قَالَ الْخَلِيل: نجعله نكرَة. فَقلت: كَيفَ يكون هَذَا وإنّما أَرَادوا عليّاً ﵇ فَقَالَ: لأنّه لَا يجوز لَك أَن تعْمل لَا إلاّ فِي نكرَة فَإِذا جعلت أَبَا حسن نكرَة حسن لَك أَن تعْمل لَا وَعلم الْمُخَاطب أنّه قد دخل فِي هَؤُلَاءِ المنكورين. وهَيْثَم اسْم رجل كَانَ حسن الحداء لِلْإِبِلِ وَقيل كَانَ جيّد الرّعية والسياق يدلّ للأوّل كَمَا) يظْهر. وَكَذَلِكَ قَالَ بعض شرّاح أَبْيَات المفصّل: المُرَاد هَيْثَم بن الأشتر وَكَانَ مَشْهُورا بَين الْعَرَب بِحسن الصَّوْت فِي حدائه الْإِبِل وَكَانَ أعرف أهل زَمَانه بِالْبَيْدَاءِ والفلوات وسوق الْإِبِل. وللمطيّ خبر لَا وَهُوَ ظرف مُسْتَقر عَامل فِي اللّيلة وَبعده: وَلَا فَتى مثل ابْن خبيري

стр. 1461

ّ قَالَ الصّاغانيّ فِي الْعباب: ذكر مثل هُنَا يعيّن أَن يكون مَا قبله بِتَقْدِير لَا مثل هَيْثَم وَابْن خبيريّ: قَالَ ابْن الكلبيّ فِي جمهرة نسب عذرة: فَمن بني ضبيس جميل بن عبد الله بن معمر بن الْحَارِث بن خبيريّ بن ظبْيَان اه. وَجَمِيل هَذَا هُوَ صَاحب بثينة الْمَشْهُور وَهُوَ المُرَاد بِابْن خبيريّ: فَيكون نسب إِلَى أحد أجداده. ومدحه بالفتوّة لأنّه كَانَ شجيعاً يحمي أدبار المطيّ من الْأَعْدَاء. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِابْن خبيريّ عليّ ﵁ وَالْإِضَافَة للملابسة. وَهَذَا لَا أصل لَهُ. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مرْحَبًا وَهُوَ الَّذِي بارزه عليّ ﵁ يَوْم خَيْبَر فَقتله. وَهَذَا الشَّاهِد من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يعيّن قَائِلهَا. وَقد أورد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المصنّف مَعَ أَبْيَات قبلهمَا وَهِي: الرجز (قد حشّها اللّيل بعصلبيّ ... مهَاجر لَيْسَ بأعرابيّ) (أروع خرّاج من الدّوّيّ ... عمرّسٍ كالمرس الملويّ) قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب: العصلبيّ بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّديد الْبَاقِي على الْمَشْي وَالْعَمَل. وَأنْشد الأبيات على الفرّاء فِي نوادره لبَعض بني دبير بِضَم الدَّال وَفتح الْمُوَحدَة مُصَغرًا وَهِي قَبيلَة من بني أَسد. وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْغَرِيب ابْن السّيرافيّ: يُقَال حشّ النّار يحشّها حشّاً إِذا بَالغ فِي إيقادها وإحمائها. وَإِنَّمَا يُرِيد أنّ الْإِبِل قد رميت بِرَجُل

стр. 1462

عصلبيّ يسْرع سوقها وَلَا يَدعهَا تفتر كَمَا تحشّ النّار. وحشّ بحاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة. ويروى: قد لفّها اللّيل أَي: اللَّيْل جعل هَذَا الرّجل ملتفاً بهَا. وإنّما نسب الْفِعْل إِلَى اللّيل لأنّ اللَّيْل حمله على الجدّ فِي السّير. وَجعله مُهَاجرا وَالْمُهَاجِر الَّذِي هَاجر إِلَى الْأَمْصَار من الْبَادِيَة فَأَقَامَ بهَا وَصَارَ من أَهلهَا) ليَكُون سيره أشدّ. وخصّ المُهَاجر لأنّه من أهل الْمصر الَّذِي يَقْصِدهُ فَلهُ بِالْمِصْرِ مَا يَدعُوهُ إِلَى إسراع السّير وَيجوز أَن يكون خصّ المُهَاجر لأنّه أعلم بالأمور من الأعرابيّ وَأبْصر بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ. والأروع: الْحَدِيد الْفُؤَاد. والدّوّيّ: جمع دوّيّة يُرِيد أنّه ذُو هِدَايَة وبصر بِقطع الفلوات وَالْخُرُوج مِنْهَا. والعمرّس: الشَّديد بِفَتْح الْعين وَالْمِيم وَتَشْديد الرَّاء وبالسين المهملات. والدّوّيّ بتَشْديد الْوَاو وَالْيَاء قَالَ فِي الصِّحَاح: الدوّ والدوّيّ: الْمَفَازَة وَكَذَلِكَ الدوّيّة لأنّها مفازة مثلهَا فنسبت إِلَيْهَا كَقَوْلِهِم دهرٌ دوّار ودوّاريّ. وَعرف بِهَذَا السّياق أنّه مدحٌ لهيثم فِي جودة حدائه المنشط لِلْإِبِلِ فِي سَيرهَا وأنّه لَا يقوم أحدٌ مقلمه وَلَا يسدّ مسدّه فِي حدائها. وَظهر مِنْهُ أَيْضا أَن المُرَاد لَا مثل هَيْثَم لَا تَأْوِيله باسم الْجِنْس لشهرته فِي صفة الحداء فتأمّل. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أنّ هَذَا الْكَلَام تأسّف وتحسرّ عَلَيْهِمَا. وكأنّه فهم أَنَّهُمَا مَاتَا وَالشعر مرثية فيهمَا. أَو هما غائبان عَن المطيّ فِي تِلْكَ اللّيلة.

стр. 1463

تَتِمَّة قَالَ أَبُو حيّان فِي تَذكرته: قَالَ الكسائيّ فِي قَول الْعَرَب لَا أَبَا حَمْزَة لَك: أَبَا حَمْزَة نكرَة وَلم ينصب حَمْزَة لِأَنَّهُ معرفَة. لكنّهم قدّروا أنّه آخر الِاسْم الْمَنْصُوب بِلَا فنصب الآخر كَمَا تفتح اللَّام فِي لَا رجل. وَقَالَ: سَمِعت الْعَرَب تَقول: لَا أَبَا زيد لَك وَلَا أَبَا مُحَمَّد عنْدك فعلّة نصبهم مُحَمَّدًا وزيداً أنّهم جعلُوا أَبَا مُحَمَّد وَأَبا زيد اسْما وَاحِدًا وألزموا آخِره نصب النّكرة. انْتهى. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي والستّون بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر (أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيب ... نكدن وَلَا أميّة فِي الْبِلَاد) على أَن التَّقْدِير إمّا: وَلَا أَمْثَال أميّة فِي الْبِلَاد وإمّا: وَلَا أجواد فِي الْبِلَاد لأنّ بني أميّة قد اشتهروا بالجود. فأوّل الْعلم باسم الْجِنْس لشهرته بِصفة الْجُود. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعبد الله بن الزّبير الأسديّ قَالَهَا فِي عبد الله بن الزّبير بن العوّام وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل قَالَ الحصريّ فِي زهر الْآدَاب

стр. 1464

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَفد عبد الله بن الزّبير الأسديّ على عبد الله بن الزّبير بن العوّام فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ بيني وَبَيْنك رحما من قبل فُلَانَة الكاهليّة وَهِي عمّتنا وَقد ولدتكم فَقَالَ ابْن الزّبير: هَذَا كَمَا وصفت وَإِن فَكرت فِي هَذَا وجدت النّاس كلّهم يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد وَإِلَى أمّ وَاحِدَة. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ نفقتي قد ذهبت. قَالَ: مَا كنت ضمنت لأهْلك أنّها تكفيك إِلَى أَن ترجع إِلَيْهِم. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ نَاقَتي قد نقبت ودبرت. قَالَ لَهُ: أنجد بهَا يبرد خفّها وارقعها بسبتٍ واخصفها بهلبٍ وسر عَلَيْهَا البردين تصحّ. قَالَ: إنّما جئْتُك مستحملاً وَلم آتِك مستوصفاً فلعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك قَالَ ابْن الزّبير: إنّ وراكبها. فَخرج وَهُوَ يَقُول: (أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيبٍ ... نكدن وَلَا أميّة فِي الْبِلَاد) (من الأعياص أَو من آل حربٍ ... أغر كغرّة الْفرس الْجواد) (وَمَالِي حِين أقطع ذَات عرقٍ ... إِلَى ابْن الكاهليّة من معاد) (وَقلت لصحبتي: أدنوا ركابي ... أُفَارِق بطن مَكَّة فِي سَواد) فَبلغ شعره هَذَا عبد الله بن الزّبير فَقَالَ: لَو أعلم أنّ لي أمّاً أخسّ

стр. 1465

من عمّته الكاهليّة لنسبتي إِلَيْهَا. وَكَانَ ابْن الزّبير يكنى أَبَا بكر وَأَبا خبيب. قَالَ الصّوليّ: أَخذ المعتصم من مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فرسا أَشهب كَانَ عِنْده مكيناً وكَانَ بِهِ ضنيناً فَقَالَ يرثيه: الْكَامِل (قَالُوا جزعت فَقلت إنّ مُصِيبَة ... جلت رزيّتها وضاق الْمَذْهَب) قَالَ أَبُو بكر الصّوليّ: هَكَذَا أنشدنيه ابْن المعتز على أنّ إنّ بِمَعْنى نعم وَأنْشد النّحويون: الْكَامِل) (قَالُوا كَبرت فَقلت إنّ وربّما ... ذكر الْكَبِير شبابه فتطرّبا) وَكَذَا نقل السّيوطيّ فِي تَارِيخ الْخُلَفَاء. وَهَذِه الْحِكَايَة عَن تَارِيخ ابْن عَسَاكِر من طَرِيق أبي عُبَيْدَة. وَقَوله: إنّ نَاقَتي قد نقبت فِي الصِّحَاح: ونقب الْبَعِير بِالْكَسْرِ: إِذا رقت أخفافه. ودبر الْبَعِير بِالْكَسْرِ وأدبره القتب إِذا جرحه وَهِي الدّبرة بِفَتَحَات. وأنجد إِذا أَخذ فِي بِلَاد نجد. وَهُوَ من بِلَاد الْعَرَب وَهُوَ خلاف الْغَوْر وتهامة وكلّ مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. ونجد مَوْصُوف بالبرد. والسّبت بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمُوَحدَة: جُلُود الْبَقر المدبوغة بالقرظ تحذى مِنْهُ النِّعَال السّبتيّة. والهلب بِضَم الْهَاء: شعر الْخِنْزِير الَّذِي يخرز بِهِ الْوَاحِد هلبة وَكَذَلِكَ مَا غلظ من شعر الذَّنب وَغَيره. والبردان

стр. 1466

: العصران وَكَذَلِكَ الأبردان وهما الْغَدَاة والعشيّ وَيُقَال ظلاّهما. ومستحملاً أَي: طَالبا أَن تحملنِي على دَابَّة. وَأَبُو خبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة الأولى كنية عبد الله بن الزّبير كني بأكبر أَوْلَاده قَالَ الثعالبيّ فِي لطائف المعارف: كَانَ لَهُ ثَلَاث كنى: أَبُو خبيب وَأَبُو بكر وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَكَانَ إِذا هجي كني بِأبي خبيب. ونكدن من نكد نكداً من بَاب تَعب فَهُوَ نكد إِذا تعسّر. ونكد الْعَيْش نكداً إِذا اشتدّ. وأميّة: أَبُو قَبيلَة من قُرَيْش وهما أميّتان: الْأَكْبَر والأصغر ابْنا عبد شمس بن عبد منَاف أَوْلَاد علّة فَمن أميّة الْكُبْرَى أَبُو سُفْيَان بن حَرْب والعنابس والأعياص. وأميّة الصُّغْرَى هم ثَلَاثَة إخْوَة لأمٍّ اسْمهَا عبلة يُقَال لَهُم العبلات بِالتَّحْرِيكِ. والأعياص بإهمال الأوّل وَالْآخر هم من قُرَيْش أَوْلَاد أميّة ابْن عبد شمس الْأَكْبَر وهم أَرْبَعَة: الْعَاصِ وَأَبُو الْعَاصِ والعيص وَأَبُو الْعيص. وذَات عرق بِالْكَسْرِ: مِيقَات أهل الْعرَاق وَهُوَ من مكّة نَحْو مرحلَتَيْنِ وَيُقَال هُوَ من نجد الْحجاز. والصّحبة أَرَادَ بِهِ الْأَصْحَاب وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر. وادنوا بِفَتْح الْهمزَة: أَمر مُسْند لجَماعَة الذُّكُور من الإدناء وركابي: إبلي. وأفارق مجزوم فِي جَوَاب الْأَمر. وَعبد الله بن الزّبير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.

стр. 1467

وروى الاصبهاني فِي الأغاني هَذِه الأبيات لعبد الله بن فضَالة بن شريك ابْن سُلَيْمَان بن خويلد وأنهى نسبه إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر.) قَالَ: وَعبد الله بن فضَالة هُوَ الْوَافِد على ابْن الزّبير وَالْقَائِل لَهُ: إنّ نَاقَتي قد نقبت وَذكر الْقِصَّة بِعَينهَا إِلَى قَوْله فَقَالَ لَهُ ابْن الزّبير: إنّ وراكبها. فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: (أَقُول لغلمتي شدّوا ركابي ... أجاوز بطن مرّ فِي سَواد) (فَمَالِي حِين أقطع ذَات عرق ... إِلَى ابْن الكاهليّة من معاد) (وكل معّبد قد أعلمته ... مناسمهنّ طلاّع النّجاد) أرى الْحَاجَات عِنْد ابي خبيب ... ... ... الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ الأصبهانيّ: وَذكر ابْن حبيب أنّ هَذَا الشّعْر لِأَبِيهِ فضَالة مَعَ ابْن الزّبير وَزَاد فِيهَا: (شَكَوْت إِلَيْهِ أَن نقبت قلوصي ... فردّ جَوَاب مشدّود الصّفاد) (يضنّ بِنَاقَة ويروم ملكا ... محالٌ ذاكم غير السّداد) (وليت إِمَارَة وبخلت لمّا ... وليتهم بملكٍ مُسْتَفَاد) (فَإِن وليت أميّة أبدلوكم ... بكلّ سميدعٍ واري الزّناد) (من الأعياص أَو من آل حربٍ ... أغرّ كغرّة الْفرس الْجواد) (إِذا لم ألقهم بمنّى فإنّي ... بجوّ لَا يهشّ لَهُ فُؤَادِي) ...

стр. 1468

(سيدنيني لَهُم نصّ المطايا ... وَتَعْلِيق الأداوى والمزاد) (وَظهر معبّد قد أعلمته ... مناسمهنّ طلاّع النّجاد) مَعَ أَبْيَات ثَلَاثَة آخر. قَالَ ابْن حبيب: فلمّا ولي عبد الْملك بعث إِلَى فضَالة يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فَأمر لوَرثَته بِمِائَة نَاقَة تحمّل أوقارها برّاً وَتَمْرًا. قَالَ: والكاهليّة الَّتِي ذكرهَا هِيَ بنت جبيرَة من بني كَاهِل بن اسد وَهِي أم خويلد بن اسد بن وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أنّ الكاهليّة هِيَ أم عبد الله بن الزّبير وَهَذَا لَا أصل لَهُ. وَزعم أَيْضا أَن ابْن الزّبير صَاحب هَذِه الأبيات اسْمه عبد الله بن فضَالة وَنَقله عَن صدر الأفاضل. وَقَوله: أَقُول لغلمتي هُوَ بِكَسْر الْمُعْجَمَة: جمع غُلَام. وبطن مرّ بِفَتْح الْمِيم: مَوضِع بِقرب مكّة شرّفها الله. وَقَوله: فِي سَواد أَي: فِي ظلام اللّيل. ونصّ المطايا: مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله من نصصت الدّابّة: استحثثها واستخرجت مَا عِنْدهَا من السّير. والأداوى بِفَتْح الْوَاو: جمع إداوة بِالْكَسْرِ وَهِي المطهرة. والمزاد بِالْفَتْح: جمع مزادة وَهِي شطر الرّواية) وَالْقِيَاس كسر الْمِيم لأنّها آلَة يستقى فِيهَا وَهِي مفعلة من الزّاد لأنّه يتزوّد فِيهَا المَاء. وَالطَّرِيق المعبّد من التعبيد وَهُوَ التذليل. والمناسم: جمع منسم كمجلس: طرف خفّ الْإِبِل. وطلاّع حَال من ضمير المطايا جمع طالعة. والنّجاد بِكَسْر النُّون بعْدهَا جِيم: جمع نجد ككلب وكلاب وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض. والصّفاد بِكَسْر الصَّاد: مَا يوثق بِهِ الْأَسير من قدٍّ وَقيد وغلّ أَي: أجابني بِجَوَاب عَاجز مقيّد لَا يقدر على شَيْء. والسّميدع بِفَتْح السِّين: السّيد الَّذِي يسهل الْوُصُول إِلَيْهِ. وجوّ بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو: اسْم مَوضِع.

стр. 1469

وفضَالة بن شريك الْأَسدي بِفَتْح الْفَاء أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة من المخضرمين الَّذين أدركوا النبيّ ﷺ َ وَلم يعلم اجْتِمَاعهم بِهِ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل (فَلَا أَب وابنا مثل مَرْوَان وَابْنه) هَذَا صدرٌ وعجزه: إِذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزّرا على أنّه عطف الابْن بِالنّصب على لفظ اسْم لَا الْمَبْنِيّ وَيجوز رفع الْمَعْطُوف بِاعْتِبَار محلٌ لَا وَاسْمهَا فإنّهما فِي محلّ رفع على الِابْتِدَاء. وإنّما جَازَ الرّفْع لأنّ لَا إِذا لم تتكرّر فِي الْمَعْطُوف وَجب فتح الأول وَجَاز فِي الثَّانِي النصب وَالرَّفْع. قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل البصرية: مثل يحْتَمل أَن يكون صفة وَأَن يكون خَبرا. فَإِن جعلته صفة احْتمل أَمريْن: يجوز أَن تنصبه على اللَّفْظ لأنّ اللَّفْظ مَنْصُوب فتحمله عَلَيْهِ وَإِن حَملته على الْموضع هُنَا كَانَ أقبح مِنْهُ فِي غير هَذَا الْموضع وَذَاكَ أنّك لما عطفت بِالنّصب فقد أنبأت أنّه مَنْصُوب فَإِذا رفعته بعد ذَلِك كَانَ قبيحاً لأنّك كأنّك حكمت بِرَفْعِهِ بعد مَا حكمت وَهَذَا عِنْدِي أقبح من أَن تحمل الْأَسْمَاء المبهمة على الْمَعْنى ثمَّ ترجع إِلَى اللَّفْظ لأنّ الِاسْم كَمَا يعلم مِنْهُ الْإِفْرَاد فقد يعلم مِنْهُ الْجمع فَتكون دلَالَته على ذَا كدلالته على ذَا وَلَا يعلم من الرّفْع النصب وَلَا من النّصب الرّفْع

стр. 1470

فَلهَذَا يستحسن حمل الصّفة هُنَا على اللَّفْظ. فَإِن قلت: فصفة) أيّ الاسمين هُوَ فإنّا لَا نقُول صفة أَحدهمَا وَلَكِن صفتهما جَمِيعًا أَلا ترى أنّه قد أضيف إِلَى مَرْوَان وَعطف ابْن عَلَيْهِ فكأنّه قَالَ مثلهمَا أَلا ترى أنّ الْعَطف بِالْوَاو نَظِير التَّثْنِيَة فَكَمَا أنّ مثلهم فِي قَوْله تَعَالَى: إنّكم إِذا مثلهم خبر عَن جَمِيع الْأَسْمَاء حَيْثُ كَانَ مُضَافا إِلَى ضمير الْجمع كَذَلِك يكون مثل وَصفا للاسمين جَمِيعًا وتضمر الْخَبَر إِذا جعلته صفة. فَإِن جعلت مثلا الْخَبَر رفعت لَا غير وَلم تضمر شَيْئا وَمثل ذَلِك: الْبَسِيط وَلَا كريم من الْولدَان مصبوح وَقد يَسْتَقِيم أَن تَجْعَلهُ هُنَا وَصفا على الْموضع وتضمر وَلَا يقبح من حَيْثُ قبح فِي قَوْله: فَلَا أَب وابنا. فَأَما: إِذا هُوَ بالمجد ارتدى فالعامل فِي إِذا أضمرت. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وروى ابْن الأنباريّ: إِذا مَا ارتدى بالمجد ثمَّ تأزّرا وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ أولى لِأَن الائتزار قبل الارتداء. وَالْوَاو لَا تَرْتِيب فِيهَا بِخِلَاف ثمّ والْمجد: العزّ والشرّف وَرجل ماجد: كريم شرِيف. وارتدى: لبس الرِّدَاء. وتأزّر: لبس الْإِزَار: الثّوب الَّذِي يستر النّصْف

стр. 1471

الْأَسْفَل والرِّدَاء: مَا يستر النّصْف الْأَعْلَى. قَالَ الأعلم: مدح مَرْوَان بن الحكم وَابْنه عبد الْملك بن مَرْوَان وجعلهما لشهرة مجدهما كاللابسين لَهُ المرتديين بِهِ وَجعل الْخَبَر على أَحدهمَا وَهُوَ يعنيهما اختصاراً لعلم السَّامع اه. وَلَقَد كذب الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَدْح فإنّ النبيّ ﷺ قَالَ فِي حقّ مَرْوَان: الوزغ بن الوزغ. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف لَهَا قَائِل. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شواهده: إنّه لرجل من عبد مَنَاة بن كنَانَة وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط (أَلا طعان إِلَّا فرسَان عاديةٍ ... إلاّ تجشّؤكم حول التنانير) على أَن لَا إِذا تقدمها همزَة الِاسْتِفْهَام تعْمل كعملها مُجَرّدَة مِنْهَا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أنّ لَا فِي الِاسْتِفْهَام تعْمل فِيهَا بعْدهَا كَمَا تعْمل فِيهِ إِذا كَانَت فِي الْخَبَر فَمن ذَلِك قَوْله: أَلا طعان. . الْبَيْت. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي المعني أَلا تَأتي للتوبيخ وَالْإِنْكَار كَقَوْلِه: أَلا طعان أَلا فرسَان ... الْبَيْت

стр. 1472

وللتمني كَقَوْلِه: الطَّوِيل (أَلا عمر ولّى مستطاعٌ رُجُوعه ... فيرأب مَا أثأت يَد الغفلات) وَلِهَذَا نصب يرأب لأنّه جَوَاب تمنّ مقرون بِالْفَاءِ. وللاستفهام عَن النَّفْي كَقَوْلِه: الْبَسِيط أَلا اصطبار لسلمى أم لَهَا جلدٌ وَفِي هَذَا الْبَيْت ردٌّ على من أنكر وجود هَذَا الْقسم وَهُوَ الشّلوبين. وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة مختصّة بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الاسميّة وتعمل عمل لَا التبرئة وَلَكِن تختصّ الَّتِي للتمنّي بِأَنَّهَا لَا خبر لَهَا لفظا وَلَا تَقْديرا بِأَنَّهَا لَا يجوز مُرَاعَاة محلّها مَعَ اسْمهَا وبأنّها لَا يجوز إلغاؤها وَلَو تَكَرَّرت. أمّا الأوّل فلأنّها بِمَعْنى أتمنّى وأتمنّى لَا خبر لَهُ وأمّا الأخيران فلأنّهما بِمَنْزِلَة لَيْت. وَهَذَا كلّه قَول سِيبَوَيْهٍ وَمن وَافقه اه. بِاخْتِصَار. وَزعم الزجاجيّ فِي الْجمل أنّ أَلا فِي هَذَا الْبَيْت للتمنّي. وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْبَيْت من الهجو وَلَو كَانَ تمنّياً لما كَانَ ذمّاً. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ ﵁ هجا بهَا بني الْحَارِث بن كَعْب المذحجيّ جعلهم أهل أكل وَشرب لَا أهل غَارة وَحرب يَقُول: لَا خيل تَعدونَ بهَا على الأقران وَلَا طعان لكم فِي نحور الشّجعان إلاّ الْأكل والجشاء عِنْد التنانير فَلَيْسَ لكم رغبةٌ فِي طلب الْمَعَالِي وإنّما فعلكم فعل الْبَهَائِم. كَمَا قَالَ الآخر:

стр. 1473

الْكَامِل (إنّي رَأَيْت من المكارم حسبكم ... أَن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا)) (فَإِذا تذوكرت المكارم مرّةً ... فِي مجْلِس أَنْتُم فتقنّعوا) وَزعم اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل أنّ الِاسْتِفْهَام هُنَا للتقرير قَالَ: قرّرهم على مَا علم من أَمرهم. فَيكون الْمُقَرّر النَّفْي وَمَا بعده. وطعان: مصدر طَاعن بالرّمح. والفرسان: جمع فَارس. وعَادِية بِالْمُهْمَلَةِ وَالنّصب: صفة لفرسان وَقيل حَال مِنْهُ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لكم وَهُوَ من عدا عَلَيْهِ بِمَعْنى اعْتدى والمصدر الْعدوان. وَالْعرب تتمدّح بِهِ بِاعْتِبَار مَا يلْزمه من الشجَاعَة. وَقيل: هُوَ من الْعَدو أَي: الجري وَقيل هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ من الغدوّ وَهُوَ التبكير لأنّ الْعَرَب تبكر للغارة وَالْحَرب. قَالَ النحّاس: وَعند أبي الْحسن الأول هُوَ الْأَحْسَن لأنّ العادية تكون بِالْغَدَاةِ وَغَيرهَا. وَرُوِيَ بِالرَّفْع على الرِّوَايَتَيْنِ على أنّه صفة لفرسان على الْموضع وَقيل خبر. وَقَوله: إلاّ تجشّؤكم بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع قيل: وَيجوز رَفعه على الْبَدَل من مَوضِع أَلا طعان على لُغَة تَمِيم. قَالَ النحّاس: هَذَا غلط وَالصَّوَاب عِنْد أبي الْحسن النصب. والتجشّؤ: خُرُوج نفسٍ من الْفَم ينشأ من امتلاء الْمعدة يُقَال: تجشّأ تجشّؤاً وتجشئة مَهْمُوز وَالِاسْم الجشاء بِضَم الْجِيم وَفتح الشين. قَالَ الأصمعيّ: وَيُقَال الجشاء على فعال كأنّه من بَاب العطاس والسعال. قَالَ اللّخميّ: وَرُوِيَ: إلاّ تحشؤكم بِالْحَاء الْمُهْملَة مَأْخُوذ من المحشأ وَهُوَ الكساء الغليظ الَّذِي والمحشأ على

стр. 1474

وزن مفعل وَالْجمع المحاشئ بِالْهَمْز على وزن مفاعل. والتّنانير: جمع تنّور وَهُوَ مَا يخبز فِيهِ الْخبز. والأبيات هَذِه برمتّها: الْبَسِيط (حَار بن كعبٍ أَلا أَحْلَام تزجركم ... عنّا وَأَنْتُم من الْجوف الجماخير) (لَا عيب بالقوم من طولٍ وَلَا عظمٍ ... جسم البغال وأحلام العصافير) (كأنّهم قصبٌ جوفٌ مكاسره ... مثقّب فِيهِ أَرْوَاح الأعاصير) (دعوا التّخاجؤ وامشوا مشْيَة سجحا ... إنّ الرِّجَال أولو عصبٍ وتذكير) (لَا ينفع الطّول من نوك الْقُلُوب وَلَا ... يهدي الْإِلَه سَبِيل المعشر البور) (إنّي سأنصر عرضي من سراتكم ... إنّ الحماس نسيٌّ غير مَذْكُور) (ألفى أَبَاهُ وألفى جدّه حبسا ... بمعزلٍ عَن معالي الْمجد وَالْخَيْر)) أَلا طعان أَلا فرسَان عاديةٍ ... ... ... ... . الْبَيْت كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد وَغَيره من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب لديوان حسّان. وَقَوله: حَار بن كَعْب هُوَ مرخّم حَارِث وَبِه اسْتشْهد الزّجاجيّ فِي جمله. والأحلام: الْعُقُول جمع حلم بِالْكَسْرِ. والْجوف بِضَم الْجِيم: جمع أجوف وَهُوَ الْخَالِي الْجوف. والجماخير: جمع جمخور بِضَم الْجِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا مِيم سَاكِنة هُوَ الْعَظِيم الْجِسْم الخوّار. وَقَوله: لَا عيب

стр. 1475

بالقوم رُوِيَ أَيْضا: لَا بَأْس بالقوم. يُرِيد أنّ أجسامهم لَا تعاب وَهِي طَوِيلَة عَظِيمَة ولكنّها كأجسام البغال لَا عقول لَهَا. هَكَذَا رَوَاهُ النَّاس وَرَوَاهُ الزمخشريّ: جسم الْجمال وأحلام الخ عِنْد قَوْله تَعَالَى: حَتَّى يلج الْجمل فِي سمّ الْخياط على أنّ الْجمل مثلٌ فِي عظم الجرم وَهَذَا مثل قَول بَعضهم: الوافر (وَقد عظم الْبَعِير بِغَيْر لبٍّ ... فَلم يسْتَغْن بالعظم الْبَعِير) وَقَالَ آخر: الطَّوِيل (فأحلامهم حلم العصافير دقةً ... وأجسامهم جسم الجمائل أَو أجفى) وَهَذَانِ البيتان أوردهما سِيبَوَيْهٍ على رفع الْجِسْم والأحلام على إِضْمَار مُبْتَدأ لما أَرَادَ من تَفْسِير أَحْوَالهم دون الْقَصْد إِلَى الذَّم. وَالتَّقْدِير أجسامهم أجسام البغال وأحلامهم أَحْلَام العصافير: عظما وحقارة. وَيجوز أَن يُرِيد لَا أَحْلَام لَهُم كَمَا أنّ العصفور لَا حلم لَهُ وَلَو قصد بِهِ الذمّ فنصبه بإضمار فعل لجَاز. قَالَ ابْن خلف: ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الشّعْر بعد أَبْيَات أنشدها وَذكر فِيهَا أَسمَاء قد نصبت على وَقَوله: وَلم يرد أَن يَجعله شتماً يُرِيد أنّه لم يَجعله شتماً من طَرِيق اللَّفْظ إنّما هُوَ شتمٌ من طَرِيق الْمَعْنى وَهُوَ أغْلظ من كثير من الشتم. وأفرد الْجِسْم وَهُوَ يُرِيد الْجمع ضَرُورَة كَقَوْلِه: الرجز فِي حلقكم عظمٌ وَقد شجينا
следующие страницы →