← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الْأَسْفَل والرِّدَاء: مَا يستر النّصْف الْأَعْلَى. قَالَ الأعلم: مدح مَرْوَان بن الحكم وَابْنه عبد الْملك بن مَرْوَان وجعلهما لشهرة مجدهما كاللابسين لَهُ المرتديين بِهِ وَجعل الْخَبَر على أَحدهمَا وَهُوَ يعنيهما اختصاراً لعلم السَّامع اه. وَلَقَد كذب الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَدْح فإنّ النبيّ ﷺ قَالَ فِي حقّ مَرْوَان: الوزغ بن الوزغ. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف لَهَا قَائِل. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شواهده: إنّه لرجل من عبد مَنَاة بن كنَانَة وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط (أَلا طعان إِلَّا فرسَان عاديةٍ ... إلاّ تجشّؤكم حول التنانير) على أَن لَا إِذا تقدمها همزَة الِاسْتِفْهَام تعْمل كعملها مُجَرّدَة مِنْهَا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أنّ لَا فِي الِاسْتِفْهَام تعْمل فِيهَا بعْدهَا كَمَا تعْمل فِيهِ إِذا كَانَت فِي الْخَبَر فَمن ذَلِك قَوْله: أَلا طعان. . الْبَيْت. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي المعني أَلا تَأتي للتوبيخ وَالْإِنْكَار كَقَوْلِه: أَلا طعان أَلا فرسَان ... الْبَيْت

стр. 1472

وللتمني كَقَوْلِه: الطَّوِيل (أَلا عمر ولّى مستطاعٌ رُجُوعه ... فيرأب مَا أثأت يَد الغفلات) وَلِهَذَا نصب يرأب لأنّه جَوَاب تمنّ مقرون بِالْفَاءِ. وللاستفهام عَن النَّفْي كَقَوْلِه: الْبَسِيط أَلا اصطبار لسلمى أم لَهَا جلدٌ وَفِي هَذَا الْبَيْت ردٌّ على من أنكر وجود هَذَا الْقسم وَهُوَ الشّلوبين. وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة مختصّة بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الاسميّة وتعمل عمل لَا التبرئة وَلَكِن تختصّ الَّتِي للتمنّي بِأَنَّهَا لَا خبر لَهَا لفظا وَلَا تَقْديرا بِأَنَّهَا لَا يجوز مُرَاعَاة محلّها مَعَ اسْمهَا وبأنّها لَا يجوز إلغاؤها وَلَو تَكَرَّرت. أمّا الأوّل فلأنّها بِمَعْنى أتمنّى وأتمنّى لَا خبر لَهُ وأمّا الأخيران فلأنّهما بِمَنْزِلَة لَيْت. وَهَذَا كلّه قَول سِيبَوَيْهٍ وَمن وَافقه اه. بِاخْتِصَار. وَزعم الزجاجيّ فِي الْجمل أنّ أَلا فِي هَذَا الْبَيْت للتمنّي. وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْبَيْت من الهجو وَلَو كَانَ تمنّياً لما كَانَ ذمّاً. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ ﵁ هجا بهَا بني الْحَارِث بن كَعْب المذحجيّ جعلهم أهل أكل وَشرب لَا أهل غَارة وَحرب يَقُول: لَا خيل تَعدونَ بهَا على الأقران وَلَا طعان لكم فِي نحور الشّجعان إلاّ الْأكل والجشاء عِنْد التنانير فَلَيْسَ لكم رغبةٌ فِي طلب الْمَعَالِي وإنّما فعلكم فعل الْبَهَائِم. كَمَا قَالَ الآخر:

стр. 1473

الْكَامِل (إنّي رَأَيْت من المكارم حسبكم ... أَن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا)) (فَإِذا تذوكرت المكارم مرّةً ... فِي مجْلِس أَنْتُم فتقنّعوا) وَزعم اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل أنّ الِاسْتِفْهَام هُنَا للتقرير قَالَ: قرّرهم على مَا علم من أَمرهم. فَيكون الْمُقَرّر النَّفْي وَمَا بعده. وطعان: مصدر طَاعن بالرّمح. والفرسان: جمع فَارس. وعَادِية بِالْمُهْمَلَةِ وَالنّصب: صفة لفرسان وَقيل حَال مِنْهُ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لكم وَهُوَ من عدا عَلَيْهِ بِمَعْنى اعْتدى والمصدر الْعدوان. وَالْعرب تتمدّح بِهِ بِاعْتِبَار مَا يلْزمه من الشجَاعَة. وَقيل: هُوَ من الْعَدو أَي: الجري وَقيل هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ من الغدوّ وَهُوَ التبكير لأنّ الْعَرَب تبكر للغارة وَالْحَرب. قَالَ النحّاس: وَعند أبي الْحسن الأول هُوَ الْأَحْسَن لأنّ العادية تكون بِالْغَدَاةِ وَغَيرهَا. وَرُوِيَ بِالرَّفْع على الرِّوَايَتَيْنِ على أنّه صفة لفرسان على الْموضع وَقيل خبر. وَقَوله: إلاّ تجشّؤكم بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع قيل: وَيجوز رَفعه على الْبَدَل من مَوضِع أَلا طعان على لُغَة تَمِيم. قَالَ النحّاس: هَذَا غلط وَالصَّوَاب عِنْد أبي الْحسن النصب. والتجشّؤ: خُرُوج نفسٍ من الْفَم ينشأ من امتلاء الْمعدة يُقَال: تجشّأ تجشّؤاً وتجشئة مَهْمُوز وَالِاسْم الجشاء بِضَم الْجِيم وَفتح الشين. قَالَ الأصمعيّ: وَيُقَال الجشاء على فعال كأنّه من بَاب العطاس والسعال. قَالَ اللّخميّ: وَرُوِيَ: إلاّ تحشؤكم بِالْحَاء الْمُهْملَة مَأْخُوذ من المحشأ وَهُوَ الكساء الغليظ الَّذِي والمحشأ على

стр. 1474

وزن مفعل وَالْجمع المحاشئ بِالْهَمْز على وزن مفاعل. والتّنانير: جمع تنّور وَهُوَ مَا يخبز فِيهِ الْخبز. والأبيات هَذِه برمتّها: الْبَسِيط (حَار بن كعبٍ أَلا أَحْلَام تزجركم ... عنّا وَأَنْتُم من الْجوف الجماخير) (لَا عيب بالقوم من طولٍ وَلَا عظمٍ ... جسم البغال وأحلام العصافير) (كأنّهم قصبٌ جوفٌ مكاسره ... مثقّب فِيهِ أَرْوَاح الأعاصير) (دعوا التّخاجؤ وامشوا مشْيَة سجحا ... إنّ الرِّجَال أولو عصبٍ وتذكير) (لَا ينفع الطّول من نوك الْقُلُوب وَلَا ... يهدي الْإِلَه سَبِيل المعشر البور) (إنّي سأنصر عرضي من سراتكم ... إنّ الحماس نسيٌّ غير مَذْكُور) (ألفى أَبَاهُ وألفى جدّه حبسا ... بمعزلٍ عَن معالي الْمجد وَالْخَيْر)) أَلا طعان أَلا فرسَان عاديةٍ ... ... ... ... . الْبَيْت كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد وَغَيره من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب لديوان حسّان. وَقَوله: حَار بن كَعْب هُوَ مرخّم حَارِث وَبِه اسْتشْهد الزّجاجيّ فِي جمله. والأحلام: الْعُقُول جمع حلم بِالْكَسْرِ. والْجوف بِضَم الْجِيم: جمع أجوف وَهُوَ الْخَالِي الْجوف. والجماخير: جمع جمخور بِضَم الْجِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا مِيم سَاكِنة هُوَ الْعَظِيم الْجِسْم الخوّار. وَقَوله: لَا عيب

стр. 1475

بالقوم رُوِيَ أَيْضا: لَا بَأْس بالقوم. يُرِيد أنّ أجسامهم لَا تعاب وَهِي طَوِيلَة عَظِيمَة ولكنّها كأجسام البغال لَا عقول لَهَا. هَكَذَا رَوَاهُ النَّاس وَرَوَاهُ الزمخشريّ: جسم الْجمال وأحلام الخ عِنْد قَوْله تَعَالَى: حَتَّى يلج الْجمل فِي سمّ الْخياط على أنّ الْجمل مثلٌ فِي عظم الجرم وَهَذَا مثل قَول بَعضهم: الوافر (وَقد عظم الْبَعِير بِغَيْر لبٍّ ... فَلم يسْتَغْن بالعظم الْبَعِير) وَقَالَ آخر: الطَّوِيل (فأحلامهم حلم العصافير دقةً ... وأجسامهم جسم الجمائل أَو أجفى) وَهَذَانِ البيتان أوردهما سِيبَوَيْهٍ على رفع الْجِسْم والأحلام على إِضْمَار مُبْتَدأ لما أَرَادَ من تَفْسِير أَحْوَالهم دون الْقَصْد إِلَى الذَّم. وَالتَّقْدِير أجسامهم أجسام البغال وأحلامهم أَحْلَام العصافير: عظما وحقارة. وَيجوز أَن يُرِيد لَا أَحْلَام لَهُم كَمَا أنّ العصفور لَا حلم لَهُ وَلَو قصد بِهِ الذمّ فنصبه بإضمار فعل لجَاز. قَالَ ابْن خلف: ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الشّعْر بعد أَبْيَات أنشدها وَذكر فِيهَا أَسمَاء قد نصبت على وَقَوله: وَلم يرد أَن يَجعله شتماً يُرِيد أنّه لم يَجعله شتماً من طَرِيق اللَّفْظ إنّما هُوَ شتمٌ من طَرِيق الْمَعْنى وَهُوَ أغْلظ من كثير من الشتم. وأفرد الْجِسْم وَهُوَ يُرِيد الْجمع ضَرُورَة كَقَوْلِه: الرجز فِي حلقكم عظمٌ وَقد شجينا

стр. 1476

وَقَوله: كَأَنَّهُمْ قصب الخ هُوَ جمع قَصَبَة والْجوف جمع أجوف كَمَا مرّ. ومكاسره مُبْتَدأ جمع مكسر أَي: محلّ الْكسر ومثقب خَبره والْأَرْوَاح: جمع ريح. والتخاجؤ بعد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة خاء مُعْجمَة وَبعدهَا جِيم بعْدهَا همزَة هُوَ مشي فِيهِ تبختر. والمشية السّجح) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم بعْدهَا حاء مُهْملَة: السّهلة الْحَسَنَة. وأولو عصب: أَصْحَاب شدّة خلق يُقَال: رجل معصوب الْخلق أَي: مدمجه. والتذكير: كَونهم على خلقَة الذُّكُور. والنّوك بِضَم النُّون: الحماقة. والبور: جمع بائر وَهُوَ الْهَالِك. والحماس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا مِيم فرقة من بني الْحَارِث بن كَعْب. والنّسيّ: المنسيّ الخامل الذّكر. وَقَوله: حبسا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْحَبْس. والْمجد: الشّرف. والْخَيْر بِكَسْر الْمُعْجَمَة: الْكَرم. وَسبب هجو حسّان بني الْحَارِث أنّ النّجاشيّ وَهُوَ من رَهْط الْحَارِث بن كَعْب هجا بني (لَسْتُم بني النّجّار أكفاء مثلنَا ... فأبعد بكم عنّا هُنَالك أبعد) (فَإِن شِئْتُم نافرتكم عَن أبيكم ... إِلَى من أردتم من تهامٍ ومنجد) قَالَ السّكريّ فِي ديوَان حسّان: ذكرُوا أنّ الْأَنْصَار اجْتَمعُوا فِي مجْلِس فتذاكروا هجاء النّجاشيّ إيّاهم فَقَالُوا: من لَهُ فَقَالَ الْحَارِث بن معَاذ بن عفراء: حسّان لَهُ. فأعظم ذَلِك الْقَوْم فتوجّه نَحوه وَالْقَوْم كلّهم معظمٌ لذَلِك فلمّا دخل عَلَيْهِ كلّمه فَقَالَ: أَيْن أَنْتُم هم ابْني عبد الرَّحْمَن قَالَ: إيّاك أردنَا قد قاوله عبد الرَّحْمَن فَلم يصنع شَيْئا. فَوَثَبَ وَقَالَ: كن وَرَاء

стр. 1477

الْبَاب واحفظ مَا ألقِي. فضربته زافرة الْبَاب فشجتّه على حَاجِبه فَقَالَ: بِسم الله ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اخلف فيّ رَسُولك الْيَوْم ﷺ َ قَالَ الْحَارِث: فَعرفت حِين قَالَهَا ليغلبنّه. فَدخل وَهُوَ يَقُول: الْكَامِل (أبني الحماس أَلَيْسَ مِنْكُم ماجدٌ ... إنّ الْمُرُوءَة فِي الحماس قَلِيل) (يَا ويل أمّكم وويل أبيكم ... ويلاً تردّد فِيكُم وعويل) إِلَى أَن قَالَ: فاللؤم حلّ على الحماس فَمَا لَهُم كهلٌ يسود وَلَا فَتى بهْلُول ثمَّ مكث طَويلا فِي الْبَاب يَقُول: وَالله مَا بلغت مَا أُرِيد. ثمَّ ألْقى عليّ: حَار بن كعبٍ أَلا أَحْلَام ثمَّ قَالَ لِلْحَارِثِ: اُكْتُبْهَا صكوكا فَأَلْقِهَا إِلَى غلْمَان الكتّاب قَالَ الْحَارِث: فَفعلت فَمَا مرّ بِنَا بضع وَخَمْسُونَ لَيْلَة حتّى طرقت بَنو عبد المدان حسّان بالنّجاشيّ موثقًا فَقَالَ حسّان لبنته: نَادِي بِأَبْيَات أَطَم حسّان ليأتيك قَوْمك فيحضروا. فَلم يبْق أحدٌ إلاّ جَاءَ وَمَعَهُ السّلاح. فَلَمَّا اجْتمع النّاس وضع لَهُ مِنْبَر وَنزل وَفِي يَده مخصرة فَقَامَ عبد الله بن عبد المدان فَقَالَ: يَا) ابْن الفريعة جئْنَاك بِابْن أَخِيك فاحكم فِيهِ بِرَأْيِك فَأتى بالنّجاشيّ فأجلس بَين يَدَيْهِ وَاعْتذر الْقَوْم فَقَالَ حسّان لابنته: هَاتِي البقيّة

стр. 1478

الَّتِي بقيت من جَائِزَة مُعَاوِيَة. فَأَتَتْهُ بِمِائَة دِينَار إلاّ دينارين فَقَالَ: دُونك هَذِه يَا ابْن أخي. وَحمله على بغلةٍ لعبد الرَّحْمَن فَقَالَ لَهُ ابْن الديّان: كنّا نفتخر على النّاس بالعظم والطّول فأفسدته علينا. قَالَ: كلاّ أَلَيْسَ أَنا الَّذِي أَقُول: الوافر (وَقد كنّا نقُول إِذا رَأينَا ... لذِي جسمٍ يعدّ وَذي بَيَان) (كَأَنَّك أيّها الْمُعْطى بَيَانا ... وجسماً من بني عبد المدان) انْتهى مَا أوردهُ السكّريّ. وَعبد المدان: هُوَ ابْن الديّان بن قطن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن مَالك بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عِلّة بِضَم الْمُهْملَة وخفّة اللَّام ابْن جلد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام ابْن مَالك بن أدد. وترجمة حسّان بن ثَابت تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ. والنَّجَاشِيّ اسْمه قيس بن عَمْرو من رَهْط الْحَارِث بن كَعْب وَكَانَ فِيمَا رُوِيَ ضَعِيف الدَّين: ذكر أَنه شرب الْخمر فِي رَمَضَان وَثَبت خَبره عِنْد عليّ ﵇ فجلده مائَة سوطٍ فلمّا رَآهُ قد زَاد على الثَّمَانِينَ صَاح بِهِ: مَا هَذِه العلاوة يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ عليّ ﵁: لجراءتك على الله فِي رَمَضَان. قَالَ ابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: رُوِيَ أنّه لما هاجى

стр. 1479

النّجاشيّ عبد الرَّحْمَن بن حسّان أَعَانَهُ أَبوهُ بالشعر الْمَذْكُور. وَرُوِيَ من طَرِيق أُخْرَى أنّه لما مَضَت مدّة لمهاجاة عبد الرَّحْمَن بن حسان للنّجاشيّ علم بذلك أَبوهُ حسّان فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الرَّحْمَن أَرِنِي مَا جرى بَيْنك وَبَين الْحَارِثِيّ. فأنشده لنَفسِهِ وللحارثيّ فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الرَّحْمَن إنّي أرَاهُ قد أكلك فَهَل تحبّ أَن أعينك قَالَ: نعم يَا أَبَت. فَقَالَ حسّان الأبيات الْمَذْكُورَة. ثمَّ ذكر بقيّة القصّة من كتاف النّجاشيّ وعفو حسّان عَنهُ. وَالله أعلم أيّ ذَلِك كَانَ. تَتِمَّة كَون الْبَيْت الشَّاهِد لحسّان هُوَ مَا رَوَاهُ السكّريّ وَغَيره من جملَة الأبيات الْمَذْكُورَة إلاّ ابْن السيرفيّ والزّمخشريّ فإنّه رَوَاهُ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ من قصيدة لخداش بن زُهَيْر يُخَاطب بهَا) بعض بني تَمِيم من أجل مسابقةٍ كَانَت بَينهم وَبَين كرز ابْن ربيعَة وَهُوَ من رَهْط خِدَاش وأوّل القصيدة: الْبَسِيط (أبلغ أَبَا كنف إمّا عرضت لَهُ ... والأبجرين ووهباً وَابْن مَنْظُور) (أَلا طعان أَلا فرسَان عاديةٍ ... إلاّ تجشّؤكم حول التنانير) (ثمَّ احضرونا إِذا مَا احمر أَعيننَا ... فِي كلّ يَوْم يزِيل الْهَام مَذْكُور) (تلقوا فوارس لَا ميلًا وَلَا عزلا ... وَلَا هلابيج روّاثين فِي الدّور) (تلقوا أسيداً وعمراً وَابْن عمّهما ... وَرْقَاء فِي النّفر الشّعث المغاوير)

стр. 1480

. (من آل كرز غَدَاة الروّع قد عرفُوا ... عِنْد الْقِتَال إِلَى ركنٍ ومحبور) (يحدون أقرانهم فِي كلّ معتركٍ ... طَعنا وَضَربا كشقٍّ بالمناشير) وَهِي قصيدة تزيد على عشْرين بَيْتا أوردهَا أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ فِي فرحة الأديب وَقَالَ: كَانَ من قصّة هَذَا الشّعْر أنّ أوّل مَا هاج بَين قُرَيْش وَبَين بني عَامر ابْن صعصعة أَن كرز بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة رَاهن أسيداً وعمراً وَعبد الله بني العرقة من بني تيم بن غَالب وهم تيمٌ الأدرم على فرسٍ لَهُم يُقَال لَهُ الْبَرْق والسّبق ثَلَاثُونَ نَاقَة. وَجعلُوا المدى والمضمار إِلَى كرز فَجعل المدى مَا بَين السّجسج إِلَى ذَات الفلج وَحمل كرز على فرسه المجالد بن زُهَيْر بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر فجَاء سَابِقًا وَهلك الْبَرْق فَأخذ السّبق وَنَاشَدُوهُ فِي ردّه فَأبى فلبثوا قَرِيبا من سنتَيْن ثمَّ ركب بَنو العرقة فَلَقوا أسيد بن مَالك وَعَمْرو بن مَالك وَعُثْمَان بن أسيد من بني عَامر بن ربيعَة بِأَسْفَل العقيق فِي إبل لَهُم فِيهَا بكرَة يُقَال لَهَا الْعِنَب عشراء فطردوا الْإِبِل فَاسْتَقْبلهَا عُثْمَان بن أسيد ينفر بِثَوْبِهِ وَبعث أمة نَحْو أَبِيه وَعَمه مغوثاً فَركب أَبوهُ فرسا كَبِيرَة وَركب

стр. 1481

عمّه بنتهَا فرسا صعبة. فلمّا لحق بالقوم قَالَ عَمْرو بن مَالك: أعلمونا من أَنْتُم قَالُوا: قُرَيْش قَالُوا: وأيّهم قَالُوا: بَنو العرقة. قَالُوا: فَهَل كَانَ منا حدث قَالُوا: لَا إلاّ يَوْم الْبَرْق فَقَالَ لَهُم: احْبِسُوا الْعِنَب احْبِسُوا الْعِنَب احْبِسُوا اللّقحة لقحة من لَا يغدر فَقَالَ لَهُم عَمْرو: لَا وَالله لَا ترْضع مِنْهَا قادماً وَلَا آخرا قَالَ: إنّا لَا نرضع الْإِبِل وَلَكِن نحتلبها. وَحمل عَلَيْهِ فَقتله وَحمل أسيد بن مَالك على أسيد بن العرقة فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك: الرجز (إنّي كَذَاك اضْرِب الكميّ ... وَلم يكن يشقى بِي السّميّ)) فَذَلِك يَوْم الْعِنَب. وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر فِي ذَلِك: المتقارب (كَذَاك الزّمان وتصريفه ... وَتلك فوارس يَوْم الْعِنَب) ثمَّ وَقع بَينهم بعد ذَلِك التغاور والقتال فَقَالَ فِي ذَلِك خِدَاش بن زُهَيْر القصيدة الَّتِي مِنْهَا: أَلا طعان أَلا فرسَان عَادِية الْبَيْت وخداش بن زُهَيْر شَاعِر جاهليّ وَقيل مخضرم كَمَا يَأْتِي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.

стр. 1482

وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) الْبَسِيط (أَلا سَبِيل إِلَى خمر فأشربها ... أم لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج) على أَن أَلا فِيهِ لِلتَّمَنِّي. وَلِهَذَا سمّيت قائلة هَذَا الْبَيْت المتمنّية وَضرب بهَا الْمثل فَقيل: أصبّ من المتمنية وَضرب بِهِ الْمثل أَيْضا فَقيل أدنف من المتمني كَمَا يَجِيء شَرحه. قَالَ ابْن برّيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح للفارسي: وَقَبله: (يَا لَيْت شعري عَن نَفسِي أزاهقةٌ ... منّي وَلم أقض مَا فِيهَا من الْحَاج) وأنشده الفارسيّ على أَن خبر لَيْت مَحْذُوف. قَالَ ابْن برّيّ: وَالْبَيْت لفريعة بنت همّام وتعرف بالذلفاء وَهِي أمّ الحجّاج. انْتهى. وَقَالَ حَمْزَة الأصبهانيّ فِي الدّرّة الفاخرة: وَأما قَوْلهم أصبّ من المتمنية فإنّ هَذَا الْمثل من أَمْثَال أهل الْمَدِينَة سَار فِي صدر الْإِسْلَام. والمتمنية: امْرَأَة مَدِينَة عشقت فَتى من بني سليم يُقَال لَهُ نصر بن الحجّاج بن علاط وَكَانَ أحسن أهل زَمَانه صُورَة فضنيت من أَجله ودنفت فَقَالَ أَحْمد بن أعنم فِي الْفتُوح كَانَ السَّبَب فِي ذَلِك: أنّ امْرَأَة من أهل الْمَدِينَة يُقَال لَهَا الذّلفاء هويت نصر بن الحجّاج فَأرْسلت إِلَيْهِ ودعته إِلَى نَفسهَا فزجرها وَلم يُوَافِقهَا فَبينا عمر

стр. 1483

ذَات لَيْلَة يعسّ فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة إِذْ سمع نشيد شعرٍ من دَار فَوقف يسمع فَإِذا الذّلفاء تَقول: أَلا سَبِيل إِلَى خمر فأشربها الْبَيْت فَلَمَّا سمع عمر الشّعْر أَمر الذلفاء فأخرجت من منزلهَا فحسبها فَعلمت الذّلفاء أنّه قد سَمعهَا) وَهِي تنشد الشّعْر فَكَأَنَّهَا أنفت على نَفسهَا أَن يُعَاقِبهَا فَكتبت إِلَيْهِ: قل للْإِمَام الَّذِي تخشى بوادره الأبيات الْآتِيَة فَلَمَّا نظر عمر فِي الأبيات أطلقها من الْحَبْس وَأرْسل إِلَى نصر فحلق جمّته ونفاه إِلَى الْبَصْرَة. قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ: قَالَ النسّابون: هَذِه المتمنية هِيَ الفريعة بنت همّام أم الحجّاج بن يُوسُف الثّقفيّ وَكَانَت حِين عشقت نصرا تَحت الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث رَوَوْهُ وَهُوَ أنّ الحجّاج حضر مجْلِس عبد الْملك يَوْمًا وَعُرْوَة بن الزّبير يحدّثه وَيَقُول: قَالَ أَبُو بكر كَذَا وَسمعت أَبَا بكر يَقُول كَذَا يَعْنِي أَخَاهُ عبد الله بن الزّبير فَقَالَ لَهُ الحجّاج: عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ تكنّي أَخَاك الْمُنَافِق لَا أمّ لَك فَقَالَ لَهُ عُرْوَة: يَا ابْن المتمنية أَلِي تَقول لَا أمّ لَك وَأَنا ابْن إِحْدَى عَجَائِز الجنّة: صفيّة

стр. 1484

كَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ابْن المتمنية هُوَ الحجّاج بن يُوسُف الثّقفيّ من قَول أمّه: أَلا سَبِيل إِلَى خمرٍ فاشربها ... ... ... ... . الْبَيْت وَقد ذكر خَبَرهَا مَعَ نصر جماعةٌ مِنْهُم الجاحظ فِي كتاب المحاسن والمساوي وَأَبُو الْقَاسِم الزجاجيّ فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَأَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي فِي كتاب المغرّبين وَحَمْزَة الأصبهانيّ فِي أَمْثَاله والسهيليّ فِي الرّوض الْأنف وَإِسْمَاعِيل بن هبة الله الموصليّ فِي كتاب غَايَة السّائل إِلَى معرفَة الْأَوَائِل وَقد جمعت بَين مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَبَين مَا انفردوا بِهِ. وَقَالُوا: أوّل من عسّ باللّيل فِي الْإِسْلَام عمر بن الْخطاب ﵁ فَبينا يعسّ لَيْلَة سمع امْرَأَة تَقول: (أَلا سَبِيل إِلَى خمرٍ فأشربها ... أم لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج) (إِلَى فَتى ماجد الْأَخْلَاق ذِي كرمٍ ... سهل المحيّا كريمٍ غير فجفاج) كَذَا رَوَاهُمَا الجاحظ. وَرُوِيَ الْمَدَائِنِي الْبَيْت الثَّانِي مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين لرجل من ولد الحجّاج بن علاط وهما: (تنمية أعراق صدق حِين تنسبه ... ذِي نجداتٍ عَن المكروب فرّاج) ...

стр. 1485

(سامي النّواظر من بهزٍ لَهُ كرمٌ ... تضيء سنته فِي الحالك الدّاجي) (إِلَى فَتى ماجد الأعراق مقتبلٍ ... تضيء صورته فِي الحالك الدّاجي) (نعم الْفَتى فِي سَواد اللّيل نصرته ... ليائس أَو لملهوفٍ ومحتاج)) وَزَاد المدائنيّ: (يَا منية لم أرب فِيهَا بضائرةٍ ... والنّاس من صَادِق فِيهَا وَمن داجي) ثمَّ قَالَ: وَقَالَ قومٌ: هَذَا الشّعْر مَصْنُوع إلاّ الْبَيْت الأول. فَقَالَ عمر: من هَذِه المتمنية فلزمها هَذَا الِاسْم واستلبه نسَاء الْمَدِينَة فضربن بِهِ الْمثل وقلن: أصب من المتمنية. وَقَالَ الزجاجيّ: د لما أنشدت: أَلا سَبِيل إِلَى خمر فاشربها ... ... ... ... الْبَيْت قَالَت لَهَا امْرَأَة مَعهَا: من نصر بن حجّاج قَالَت: رجلٌ وددت أنّه معي فِي ليلةٍ من ليَالِي الخريف فِي اطول لَيْلَة من ليَالِي الشتَاء وَلَيْسَ مَعنا أحد فَدَعَا بهَا عمر فضربها بالدّرة ضرباتٍ ثمَّ سَأَلَ عَنْهَا فَلم يخبر عَنْهَا إلاّ بِخَير

стр. 1486

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أرسل إِلَى نصر بن حجّاج فَأحْضرهُ وَله شَعْرَة فَقَالَ: إنّه ليتمثّل بك ويغني بك وَأمر بشعرته فحلقت ثمَّ رَاح إلأيه بالعشيّ فَرَآهُ فِي الحلاق أحسن مِنْهُ الشّعر فَقَالَ: لَا تساكنّي فِي بَلْدَة فاختر أيّ الْبلدَانِ شِئْت فَكتبت الْمَرْأَة إِلَى عمر: الْبَسِيط (قل للْإِمَام الَّذِي تخشى بوادره ... مَالِي وللخمّر أَو نصر بن حجّاج) (إنّي عنيت أَبَا حَفْص بِغَيْرِهِمَا ... شرب الحليب وطرف قَاصِر ساجي) (لَا تجْعَل الظّنّ حقّاً أَو تيقّنه ... إِنَّا السَّبِيل سَبِيل الْخَائِف الرّاجي) (إِن الْهوى زمه التَّقْوَى فخّيسه ... حتّى أقرّ بإلجام وإسراج) فَبعث إِلَيْهَا عمر: لم يبلغنَا عَنْك إلاّ خير وَقَالَ حَمْزَة: فَلَمَّا أصبح عمر أحضر المتمنى فَلَمَّا رَآهُ بهره جماله فَقَالَ لَهُ: أَنْت تتمنّاك الغانيات فِي خدورهنّ لَا أمّ لَك أما وَالله لأزيلنّ عَنْك الْجمال ثمَّ دَعَا بحجّام فحلق جمّته ثمَّ تأمّله فَقَالَ: أَنْت محلوقاً أحسن فَقَالَ: وأيّ ذَنْب لي فِي ذَلِك فَقَالَ: صدقت الذَّنب لي إِذا تركتك فِي دَار الْهِجْرَة. ثمَّ أركبه جملا وسيرّه إِلَى الْبَصْرَة وَكتب بِهِ إِلَى مجاشع بن مَسْعُود السّلميّ: بأنّي قد سيّرت المتمنى نصر بن حجّاج السّلميّ إِلَى الْبَصْرَة.) وكما قَالُوا بِالْمَدِينَةِ: أصبّ من المتمنية قَالُوا بِالْبَصْرَةِ: أدنف من المتمنى

стр. 1487

وَذَلِكَ أَن نصر بن حجّاج لما ورد الْبَصْرَة أَخذ النّاس يسْأَلُون عَنهُ وَيَقُولُونَ: أَيْن المتمنى الَّذِي سيّره عمر فغلب هَذَا الِاسْم عَلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ كَمَا غلب ذَلِك الِاسْم على عاشقته بِالْمَدِينَةِ. وَمن حَدِيث هَذَا الْمثل الثَّانِي: أنّ نصرا لما نزل الْبَصْرَة أنزلهُ مجاشع بن مَسْعُود منزله من أجل قرَابَته وأخدمه امْرَأَته شميلة وَكَانَت أجمل امرأةٍ بِالْبَصْرَةِ فعلقته وعلقها وخفي على كلّ وَاحِد مِنْهُمَا خبر الآخر لملازمة مجاشع لضيفه وَكَانَ مجاشعٌ أميّاً ونصرٌ وشميلة كاتبين فعيل صَبر نصر فَكتب على الأَرْض بِحَضْرَة مجاشع: إنّي أحببتك حبّاً لَو كَانَ فَوْقك لأظلّك أَو تَحْتك لأقلك. فَوَقَعت تَحْتَهُ غير محتشمة: وَأَنا كَذَلِك. فَقَالَ مجاشع لَهَا: مَا الَّذِي كتب فَقَالَت: كتب كم تحلب ناقتكم. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي كتبت قَالَت: كتبت وَأَنا. فَقَالَ مجاشع: مَا هَذَا لهَذَا بطبق فَقَالَت: أصدقك إنّه كتب كم تغلّ أَرْضكُم. فَقَالَ مجاشع مَا بَين كَلَامه وجوابك هَذَا أَيْضا قرَابَة ثمَّ كفأ على الْكِتَابَة جَفْنَة ودعا بِغُلَام من الكتّاب فقرأه عَلَيْهِ فَالْتَفت إِلَى نصر فَقَالَ: يَا ابْن عمّ مَا سيّرك عمر إِلَى خير قُم فإنّ وَرَاءَك أوسع لَك. فَنَهَضَ مستحيياً وَعدل إِلَى منزل بعض السّلمييّن وَوَقع لجنبه وضني من حبّ شميلة ودنف حتّى صَار رَحْمَة وانتشر خَبره فَضرب نسَاء الْبَصْرَة بِهِ الْمثل فَقُلْنَ: أدنف من

стр. 1488

المتمنّى. ثمَّ إنّ مجاشعاً وقف على خبر علّة نصر فَدخل عَلَيْهِ عَائِدًا فلحقته رقّة لما رأى بِهِ من الدّنف فَرجع إِلَى بَيته وَقَالَ لشميلة: عزمت عَلَيْك لّما أخذت خبْزًا فلبكته بِسمن ثمّ بادرت بِهِ إِلَى نصر. فبادرت بِهِ إِلَيْهِ فَلم يكن بِهِ نهوض فضمّته إِلَى صدرها وَجعلت تلقمه بِيَدِهَا فَعَادَت قواه وبرأ كَأَن لم تكن بِهِ قلبه فَقَالَ بعض عوّاده: قَاتل الله الْأَعْشَى حَيْثُ قَالَ: السَّرِيع (لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر) فلمّا فارقته عاوده النّكس وَلم يزل يتردّد فِي علّته حتّى مَاتَ مِنْهَا. كَذَا قَالَ حَمْزَة وَصَاحب الْأَوَائِل. وَقَالَ المدائنيّ: إِن عمر لما أخرج نصرا من الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة قَالَ نصر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمهم أنّك إنّما أخرجتني لهَذَا الشّعر لَا لغيره. وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَن نصرا لما أَتَى الْبَصْرَة دخل مجاشع بن مَسْعُود عَائِدًا لَهُ وَعِنْده شميلة بنت جُنَادَة بن أبي أزيهر فَجرى بَينهمَا كلامٌ وَلم يفهم مِنْهُ مجاشع إلاّ كلمة وَاحِدَة من نصر: قَالَ: وَأَنا.) فَلَمَّا خرج نصرٌ قَالَ لَهَا: مَا قَالَ لَك قَالَت: قَالَ لي: كم لبن ناقتكم هَذِه فَأَخْبَرته قَالَ: مَا هَذَا جَوَاب كَلَامه وَأرْسل إِلَى نصر فَسَأَلَهُ وَأعظم عَلَيْهِ فَقَالَ: قَالَت لي إنّي أحبّك حبّاً شَدِيدا لَو كَانَ فَوْقك لأظلّك وَلَو كَانَ تَحْتك لأقلّك فَقلت: وَأَنا. قَالَ: فَأنْزل لَك عَنْهَا قَالَ: أذكّرك الله أَن يبلغ هَذَا مَعَ مَا فعل بِي وَأما حَدِيث العامّة فَيَقُولُونَ: كتبت لَهُ فِي الأَرْض هَذَا الْكَلَام فَقَالَ

стр. 1489

: وأمّا الزّجّاج فإنّه قَالَ بعد مَا قَرَأَ خطّها: ثمَّ الْتفت إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أخي إِن يكن الطّلاق ثَلَاثًا فَهِيَ طالقٌ ألفا فَقَالَ: وَهِي طالقٌ إِن جمعني وإيّاها بيتٌ أبدا ثمّ ارتحل إِلَى فَارس. وَقَالَ فِي امْرَأَة مجاشع: كَانَت امْرَأَته يُقَال لَهَا خضراء بني سليم وَكَانَت من أجمل النِّسَاء. وَهِي أوّل من لبس الشّفوف. وَحكى السّهيليّ فِي الرَّوْض الْأنف هَذِه الْحِكَايَة على خلاف مَا تقدّم قَالَ: الحجّاج بن علاط وَهُوَ وَالِد نصر الَّذِي حلق عمر رَأسه ونفاه من الْمَدِينَة فَأتى الشَّام فَنزل على أبي الْأَعْوَر السّلميّ فهويته امْرَأَته وهويها وفطن أَبُو الْأَعْوَر لذَلِك بسببٍ يطول ذكره فابتنى لَهُ قبّة فِي أقْصَى الحيّ فَكَانَ بهَا فاشتدّ ضناه بِالْمَرْأَةِ حتّى مَاتَ كلفاً بهَا وسميّ المضنى وَضربت بِهِ الْأَمْثَال. وَذكر الأصبهانيّ فِي كتاب الْأَمْثَال لَهُ خَبره بِطُولِهِ. انْتهى. قَالَ المدائنيّ وَصَاحب الْأَوَائِل: وَبعد أَن أَقَامَ نصرٌ بِالْبَصْرَةِ حولا كتب إِلَى عمر ﵁: الطَّوِيل (لعمري لَئِن سيّرتني أَو حرمتني ... وَمَا نلْت ذَنبا إنّ ذَا لحرام) (وَمَالِي ذنبٌ غير ظنٍّ ظننته ... وَفِي بعض تَصْدِيق الظّنون أثام) (ظَنَنْت بِي الظّنّ الَّذِي لَيْسَ بعده ... بقاءٌ وَمَالِي فِي النّديّ كَلَام) (وأصبحت منفيّاً على غير ريبةٍ ... وَقد كَانَ لي بالمكّتين مقَام) (ويمنعني ممّا تظنّ تكرّمي ... وآباء صدقٍ سالفون كرام) ...

стр. 1490

(ويمنعها ممّا تمنّت صَلَاحهَا ... وَطول قيامٍ لَيْلهَا وَصِيَام) (فهاتان حالانا فَهَل أَنْت راجعي ... وَقد جبّ منّي كاهلٌ وسنام) قَالَ الجاحظ: ردّه عمر بعد هَذِه الأبيات لما وصف لَهُ من عفّته. وَقَالَ صَاحب الْأَوَائِل: فَلَمَّا وصلت الأبيات إِلَى عمر وَنظر فِيهَا كتب إِلَى أبي مُوسَى الأشعريّ) وَأمره بالوصاة بِهِ إِن أحبّ أَن يُقيم بِالْبَصْرَةِ وَإِن أحبّ الرّجوع إِلَى الْمَدِينَة فَذَاك إِلَيْهِ. قَالَ: فَاخْتَارَ الْفَتى الْمقَام بِالْبَصْرَةِ فَلم يزل مُقيما بهَا إِلَى أَن خرج أَبُو مُوسَى إِلَى محاربة أهل الأهواز فَخرج مَعَه نصر بن حجّاج فِي الْجَيْش وَحضر مَعَه فتح تستر. انْتهى. وروى الزجّاجيّ فِي أَمَالِيهِ أَن نصرا أرسل هَذِه الأبيات إِلَى عمر حِين نَفَاهُ إِلَى الْبَصْرَة فَبعث إِلَيْهِ عمر: أَن لَا رَجْعَة. فارتحل إِلَى الْبَصْرَة فَنزل على مجاشع إِلَى آخر الْحِكَايَة. هَذَا مَا طلّعت عَلَيْهِ وَلَا يخفى مَا فِيهِ من جَمِيع الْجِهَات حَتَّى فِي الْبَيْت الشَّاهِد فَالرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة هِيَ رِوَايَة الجاحظ وَحَمْزَة الأصبهانيّ والسّهيليّ. (هَل من سبيلٍ إِلَى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيلٍ إِلَى نصر بن حجّاج) وروى صَاحب الْأَوَائِل: (هَل من سبيلٍ إِلَى خمر فأشربها ... أم هَل سبيلٌ إِلَى نصر بن حجّاج)

стр. 1491

وَهَاتَانِ الرّوايتان لَا يناسبان تَسْمِيَة الْمَرْأَة بالمتمنّية وَتَسْمِيَة نصر بالمتمنّى. وروى الزّجاجيّ المصراع هَكَذَا: أم هَل سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج وَرَوَاهُ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي إِيضَاح الشّعْر عَن أبي عُبَيْدَة: أَو لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج على أنّ أَو بِمَعْنى الْوَاو. قَالَ: تمنّتهما جَمِيعًا وَجعله مثل أَو فِي قَوْله: (وَكَانَ سيّان ألاّ يسرحوا عنماً ... أَو يسرحوه بهَا واغبرّت السّوح) وأشربها مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد الْفَاء فِي جَوَاب التّمنّي. وَأنْشد بعده: الوافر (أَلا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلةٍ تبيت) على أنّ يُونُس قَالَ: أَصله أَلا رجل فنوّن للضَّرُورَة وَألا عِنْده فِيهِ للتّمنّي. وَعند الْخَلِيل لَيست للتمنّي وإنّما هِيَ للتحضيض ورجلاً مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: ألآ ترونني رجلا بِضَم تَاء ترونني. وَقد تقدم شرح هَذَا الْبَيْت مفصّلاً فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد

стр. 1492

الْمِائَة. وَفِي هَذَا الْبَيْت تضمين لِأَن خبر تبيت فِي بَيت بعده وَهُوَ:) (ترجّل لمّتي وتقمّ بَيْتِي ... وأعطيها الإتاوة إِن رضيت) وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط (ويلمّها فِي هَوَاء الجوّ طالبةً ... وَلَا كَهَذا الَّذِي فِي الأَرْض مَطْلُوب) على أنّ قَوْله: مَطْلُوب عطف بَيَان لاسم لَا الْمُضَاف: فَإِن الْكَاف اسمٌ مُضَاف لاسم الْإِشَارَة فِي مَحل نصب بِلَا على أَنه اسْمهَا وَقد تبعه الْبَيَان بِالرَّفْع بِاعْتِبَار أنّ لَا مَعَ اسْمهَا فِي محلّ رفع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: مَوْجُود وَنَحْوه. وَيجوز أَن يكون مَطْلُوب صفة اسْم لَا وَلَا يضرّ إِضَافَة الْكَاف إِلَى اسْم الْإِشَارَة فَإِنَّهَا بِمَعْنى مثل وَهِي لَا تتعرّف بِالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة. هَذَا محصّل مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق. وَفِيه أنّهم قَالُوا: إنّ الْبَيَان يكون فِي الجوامد وَالصّفة تكون فِي المشتقّات فَكيف لَا يكون فرق بَين الْبَيَان وَالْوَصْف. وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت من بَاب الْوَصْف لَا غير. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع مَطْلُوب حملا على مَوضِع الْكَاف لأنّها فِي تَأْوِيل مثل

стр. 1493

وموضعها مَوضِع رفع وَهُوَ بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجل. وَنقل ابْن السراج فِي الْأُصُول عَن سِيبَوَيْهٍ أنّ اسْم لَا فِي مثل هَذَا مَحْذُوف وَالْكَاف حرف وَهَذَا كَلَامه: وَتقول لَا كزيد رجلٌ لأنّ الآخر هُوَ الأوّل ولأنّ زيدا رجل وَصَارَ لَا كزيد كأنّك قلت: لَا أحد كزيد ثمَّ قلت رجل كَمَا تَقول لَا مَال لَهُ قَلِيل وَلَا كثير على الْموضع. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: ويلمّها فِي هَوَاء الجوّ طالبة ... ... ... . . الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا شَيْء كَهَذا وَرفع على الْموضع وَإِن شِئْت نصبت على التَّفْسِير كَأَنَّهُ قَالَ: لَا اُحْدُ كزيد رجلا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَنَظِير لَا كزيد فِي حذفهم الِاسْم قَوْلهم: لَا عَلَيْك وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ لَا بَأْس عَلَيْك وَلَا شَيْء عَلَيْك وَلكنه حذف لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه. انْتهى. وَاعْلَم أنّه يجوز أَن يكون مَطْلُوب مُبْتَدأ مُؤَخرا واسمٍ لَا بِمَعْنى لَيْسَ والظرف قبله الْخَبَر. قَالَ النّحاس فِي شرح أَبْيَات الْكتاب نَاقِلا عَن أبي الْحسن الْأَخْفَش: هَذَا هُوَ الْجيد.) وَقَوله: ويلمّها. الخ هَذَا فِي صُورَة الدُّعَاء على الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ التَّعَجُّب وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث مفسّر بالتمييز أَعنِي طالبةً المُرَاد بهَا الْعقَاب وَهُوَ تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة وَقد أوضحها الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب التَّمْيِيز. وَمعنى الْكَلَام: مَا أشدّ طيران هَذِه الْعقَاب فِي هَوَاء وويل إِذا أضيفت فَالْوَجْه النصب كَقَوْلِك ويل زيد لَكِنَّهَا هُنَا مَضْمُومَة اللَّام أَو مَكْسُورَة وَالْأَصْل ويلٌ لأمّها. قد تقدم شرح جَمِيع هَذَا مفصّلاً فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر

стр. 1494

بعد الْمِائَتَيْنِ. وَهَذِه رِوَايَة النُّحَاة وَأما الثَّابِت فِي ديوَان امْرِئ الْقَيْس فهوّ: لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبة الْبَيْت والْهَوَاء: الشَّيْء الْخَالِي والجوّ: مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَهُوَ من قبيلٍ إِضَافَة الصّفة إلأى موصوفها. وَأَرَادَ بالمطلوب الذِّئْب فَإِنَّهُ وصف عقَابا تبِعت ذئباً لتصيده فتعجّب مِنْهَا فِي شدّة طلبَهَا وتعجّب من الذِّئْب أَيْضا فِي سرعته وشدّة هربه مِنْهَا. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لامرئ الْقَيْس وَهِي: الْبَسِيط (الْخَيْر مَا طلعت شمسٌ وَمَا غربت ... مطلبٌ بنواصي الْخَيل معصوب) (قد أشهد الْغَارة الشّعواء تحملنِي ... جرداء معروقة اللّحيين سرحوب) (كأنّها حِين فاض المَاء وَاخْتلفت ... صقعاء لَاحَ لَهَا بالسّرحة الذّيب) (فَأَبْصَرت شخصه من دون مرقبةٍ ... وَدون موقعها مِنْهُ شناخيب) (فَأَقْبَلت نَحوه فِي الرّيح كاسرةً ... يحثّها من هَوَاء الجوّ تصويب) (كالدّلو بتّت عراها وَهِي مثقلةً ... إِذْ خانها وذمٌ مِنْهَا وتكريب) (لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبةً ... وَلَا كَهَذا الَّذِي فِي الأَرْض مَطْلُوب) ...

стр. 1495

(كالبرق والرّيح مرٌّ مِنْهُمَا عجبٌ ... مَا فِي اجتهادٍ عَن الإسراح تغبيب) (فَأَدْرَكته فنالته مخالبها ... فانسلّ من تحتهَا والدّفّ مثقوب) وَقَوله: الْخَيْر مَا طلعت الخ الْخَيْر مُبْتَدأ ومطّلب خَبره ووزنه مفتعل من الطّلب فأبدل وأدغم: ومَا مَصْدَرِيَّة ظرفية. ومعصوب خبر بعد خبر بِمَعْنى مشدود وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا أَو بِمَا بعْدهَا ويضمر لأَحَدهمَا فَهُوَ من التجاذب كَقَوْلِه تَعَالَى: تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم. وَهَذَا يشبه الحَدِيث وَهُوَ: الْخَيل معقودٌ بنواصيها الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.) وَقَوله: قد اشْهَدْ الْغَارة الخ وقد هُنَا للتكثير وأشهد: أحضر. والشّعواء بِالْعينِ الْمُهْملَة: المتفرقة الفاشية. والجرداء: الْفرس القصيرة الشّعْر. ومَعْرُوفَة اللحيين أَي: قَليلَة لحم اللّحيين بِفَتْح اللَّام وهما العظمان اللَّذَان ينْبت عَلَيْهِمَا الْأَسْنَان. والسرحوب بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ: الطَّوِيلَة الظّهْر السريعة. وَهَذَا الوصفان مدحٌ فِي الْخَيل. وَقَوله: كَأَنَّهَا حِين فاض الضَّمِير للْفرس أَي: كَأَنَّهَا حِين عرقت فأملأ عرقها. وَاخْتلفت أَي: استقت مَاء يُرِيد كأنّها استقت مَاء من شدّة عرقها أَو مَعْنَاهُ تردّدت هُنَا وَهنا فإنّ الِاخْتِلَاف وصقعاء خبر كأنّها وَهِي الْعقَاب بَيْضَاء الرَّأْس قَالَ فِي الصِّحَاح: والأصقع من الْخَيل وَالطير وَغَيرهمَا: الَّذِي فِي وسط رَأسه بَيَاض يُقَال: عقابٌ صقعاء وَالِاسْم الصّقعة انْتهى. ولَاحَ: ظهر. والسّرحة: شَجَرَة. وَقيل مَوضِع يَقُول: كَانَت الْعقَاب واقفه تبصر صيدا فلاح لَهَا الذِّئْب. وَقَوله: فَأَبْصَرت شخصه الخ المرقبة بِالْفَتْح: الْموضع العالي الَّذِي

стр. 1496

يرقب فِيهِ العدوّ. وموقع الْعقَاب الْموضع الَّذِي هِيَ واقفة عَلَيْهِ. والشّناخيب: رُؤُوس الْجبَال أَي: بَين موقعها من الذِّئْب وَبَينه رُؤُوس جبال عالية. وَقَوله: فَأَقْبَلت نَحوه الخ أَي: نَحْو الذِّئْب. وكسر الطَّائِر: إِذا صفّ جناحيه. والتصويب: الانصباب. وَقَوله: صبّت عَلَيْهِ الخ الْأُمَم بِفتْحَتَيْنِ: الْقرب يُقَال: أخذت ذَلِك من أُمَم. والأشقين: جمع أَشْقَى. وَهَذَا المصراع من إرْسَال الْمثل. وَقَوله: كالدلو بتّت عراها الخ شبّه هويّ الْعقَاب بِسُرْعَة هويّ الدّلو الملأى إِذا انْقَطع حبلها. وبتّت قطعت من البتّ. والعرا: جمع عُرْوَة. والوذم بِفَتْح الْوَاو والذال الْمُعْجَمَة: السيور الَّتِي بَين آذان الدَّلْو وأطراف العراقيّ وَهِي العيدان المصلّبة تشدّ من أَسْفَل الدّلو إِلَى قدر ذِرَاع أَو ذراعين من حَبل الدَّلْو مِمَّا يَلِي الدّلو فَإِن انْقَطع حبلها تعلّقت بالوذم. والتكّريب: شدّ الكرب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشدّ فِي وسط العراقيّ ثمّ يثنّى ثمَّ يثلّث ليَكُون هُوَ الَّذِي يَلِي المَاء فَلَا يعفن الْحَبل الْكَبِير. وَقَوله: لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبة الخ قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: هَذَا الْبَيْت عِنْد دعبل أشعر بَيت قالته الْعَرَب وَبِه قدّمه على الشُّعَرَاء.) وَقَوله: كالبرق وَالرِّيح الخ يَقُول: إنّ الْعقَاب وَالذِّئْب مرّهما وسرعتهما كالبرق وَالرِّيح. والتغبيب: الفتور وَالتَّقْصِير يُقَال: غبّب فلَان فِي الْحَاجة إِذا لم يُبَالغ فِيهَا وَهُوَ من الغبّ بالغين الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة. وَقَوله: فَأَدْرَكته فنالته الخ وانسلّ أَي: انفلت والدّفّ بِفَتْح الدَّال

стр. 1497

وَتَشْديد الْفَاء: الْجنب يَعْنِي أفلت الذِّئْب من الْعقَاب وَنَجَا لَكِن ثقبت جنبه. وترجمة امْرِئ الْقَيْس قد تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل (لَا كالعشيّة زَائِرًا ومزورا) على أنّ زَائِرًا قيل مَنْصُوب على تَقْدِير فعل أَي: لَا أرى كعشية الْيَوْم زَائِرًا. وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْكَاف اسْما ل لَا مُضَافا إِلَى العشيّة وَيكون زَائِرًا عطف بَيَان للكاف تبعه على اللَّفْظ أَو صفة على طرز الْبَيْت الَّذِي قبله لأنّ الزّائر غير العشية فَلَمَّا كَانَ الثَّانِي غير الأوّل لعدم صحّة الْحمل جعلت لَا نَافِيَة للْفِعْل المقدّر دون كَونهَا نَافِيَة للْجِنْس. وَصَاحب هَذَا القيل هُوَ سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نصّه: وَأما قَول جرير: لَا كالعشيّة زَائِرًا ومزورا فَلَا يكون إلاّ نصبا من قبل أنّ العشيّة لَيست بالزائر وَإِنَّمَا أَرَادَ لَا أرى كالعشيّة زَائِرًا كَمَا تَقول مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا فكاليوم مثل قَوْلك فِي الْيَوْم لأنّ الْكَاف لَيست باسم. وَفِيه معنى التعجّب كَمَا قَالَ تالله رجلا

стр. 1498

وَسُبْحَان الله رجلا إنّما أَرَادَ تالله مَا رَأَيْت رجلا وَسُبْحَان الله مَا رَأَيْت رجلا لكنه يتْرك إِظْهَار الْفِعْل اسْتغْنَاء لأنّ الْمُخَاطب يعلم أنّ هَذَا الْموضع إنّما يضمر فِيهِ هَذَا الْفِعْل لِكَثْرَة استعمالهم إيّاه انْتهى. قَالَ الأعلم: اصله لَا أرى زَائِرًا ومزوراً كزائر العشيّة ومزورها فَحذف اختصاراً للْعلم كَمَا قَالُوا: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا أَي: كَرجل أرَاهُ الْيَوْم. وَلَا تجيزن فِي هَذَا رفع الزائر لأنّه غير العشيّة وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجل لأنّ زيدا من الرِّجَال انْتهى.) وَقد نقل أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ قَاعِدَة لحذف الْفِعْل مَعَ الظّرْف الزمانيّ قَالَ: حكى الكسائيّ نزلنَا الْمنزل الَّذِي البارحة والمنزل الَّذِي آنِفا والمنزل الَّذِي أمس. فَيَقُولُونَ فِي كلّ وَقت شاهدوه من قرب ويحذفون الْفِعْل وَحده كأنّهم يَقُولُونَ: نزلنَا الْمنزل الَّذِي نزلنَا أمس وَالَّذِي نزلناه الْيَوْم اكتفوا بِالْوَقْتِ من الْفِعْل إِذْ كَانَ الْوَقْت يدّل على الْفِعْل وَهُوَ قريب. وَلَا يَقُولُونَ الَّذِي يَوْم الْخَمِيس وَلَا الَّذِي يَوْم الْجُمُعَة. وَكَذَا يَقُولُونَ: لَا كَالْيَوْمِ رجلا. وَلَا كالعشيّة رجلا وَلَا كالسّاعة رجلا فيحذفون مَعَ الْأَوْقَات الَّتِي هم فِيهَا. وأباه الفرّاء مَعَ الْعلم. وَهُوَ جَائِز وَأنْشد: لَا كالعشية زَائِرًا ومزورا وكلّ مَا كَانَ فِيهِ الْوَقْت فَجَائِز أَن يكون بِحَذْف الْفِعْل مَعَه لأنّ الْوَقْت الْقَرِيب يدل على فعل لقُرْبه. انْتهى.

стр. 1499

وَقد قدّر أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة فعلين قَالَ: نصب زَائِرًا لأنّ الْفِعْل مقدّر فَكَأَن تَقْدِيره: لَا أرى زَائِرًا ومزوراً لَهُ كَرجل أرَاهُ العشيّة. فنصبه على الْفِعْل وَحذف ذَلِك لما فِي الْكَلَام من الدّلالة عَلَيْهِ. وَيجوز الرّفْع هَاهُنَا وَهُوَ قَبِيح لأنّ الزّائر لَيْسَ هُوَ العشية وَيجوز رَفعه كأنّك أردْت كصاحب العشيّة فحذفت صاحباً وَجعلت العشيّة إِذا رفعتهما دلَالَة على مَا حذفت. هَذَا وَقد اعْترض عَلَيْهِم الشَّارِح المحقّق فِي إخراجهم لَا هَذِه عَن الْبَاب مَعَ قَوْلهم إنّ الأَصْل كزائر العشيّة بِتَقْدِير الْمُضَاف قَالَ: مَعَ تقديرهم هَذَا صَار الآخر هُوَ الأَصْل الأوّل كَمَا فِي قَوْلك: لَا كالعشيّة عشيّةٌ وعشيّةً فَيجوز أَن يكون زَائِرًا تَابعا على اللَّفْظ. وَهَذَا حقّ لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ وأل فِي العشيّة للْعهد الحضوريّ كَقَوْلِه تَعَالَى: الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ والعشيّة قَالَ ابْن الأنباريّ: مؤنّثة وربّما دكّرتها الْعَرَب على معنى العشيّ. وَقَالَ بَعضهم: العشيّة وَاحِدَة جمعا عشيّ والعشيّ قيل: مَا بَين الزَّوَال إِلَى الْغُرُوب وَمِنْه يُقَال لِلظهْرِ وَالْعصر صلاتا العشيّ وَقيل هُوَ آخر النَّهَار وَقيل من الزّوال إِلَى الصبّاح وَقيل العشيّ

стр. 1500

وَهَذَا المصراع عجز وصدره: يَا صاحبيّ دنا الصبّاح فسيرا وَالْبَيْت من قصيدة لجرير بن الخطفى يهجو بهَا الأخطل النّصرانيّ مطْلعهَا: الْكَامِل) (صرم الخليط تباينا وبكوراً ... وحسبت بَينهم عَلَيْك يَسِيرا) وفيهَا بيتان من شَوَاهِد الكشّاف أَحدهمَا: فِي سُورَة مَرْيَم وَهُوَ: (إنّي إِذا مضرٌ عليّ تحدّبت ... لاقيت مطلع الْجبَال وعورا) على أنّ اطّلع فِي قَوْله تَعَالَى: اطّلع الْغَيْب بِمَعْنى ارْتقى من قَوْلهم اطّلع الْجَبَل. ومطّلع الْجَبَل مصعده ومرتقاه. ووعور: جمع وعر وَهُوَ الْمَكَان الخشن الصعب ونصبه إِمَّا على أَنه مفعول لاقيت ومطّلع الْجبَال ظرف وَإِمَّا حَال من الْجبَال على أنّ المطّلع مصدر أَو حَال من المطّلع بِتَقْدِير تعدّده إِضَافَته إِلَى متعدّد. وَرُوِيَ وعورا بِفَتْح الْوَاو: بِمَعْنى أَنه من الْفَخر بمَكَان لَا ينَال. والثَّانِي: فِي الْمَلَائِكَة وَهُوَ: (مشق الهواجر فِي القلاص مَعَ السّرى ... حتّى ذهبن كلاكلاً وصدورا) أوردهُ عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات. وَالرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة:

стр. 1501

وَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي نصب كلاكلاً بقوله ذهبن نصب التَّمْيِيز لَا نصب التَّشْبِيه بالظرف. وَعبر سِيبَوَيْهٍ عَمَّا أَرَادَ من نصب هَذَا وَنَحْوه على التّمييز بِذكرِهِ الْحَال لما بَين التّمييز وَالْحَال من الْمُنَاسبَة بوقوعهما نكرتين بعد تَمام الْكَلَام وتبيينهما للشَّيْء الْمَقْصُود من النَّوْع تَقول ذهب زيد ظهرا وصدراً وتغيّر وَجها وجسماً تُرِيدُ ذهب ظَهره وصدره وتغيّر وَجهه وجسمه. فعبّر سِيبَوَيْهٍ عَن التّمييز بِالْحَال. وعَلى هَذَا يجرى سَائِر الأبيات انْتهى. والْمُشْتَقّ: الترقيق والإهزال. والهواجر: جمع هاجرة وَهِي نصف النَّهَار وَقت اشتداد الحرّ. والسّرى: سير اللَّيْل. ومن فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة بِمَعْنى مَعَ. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر وَهُوَ الصّدر وَعطف عَلَيْهِ الصَّدْر للتفسير أَو أَنه أَرَادَ بالكلكل أَعلَى الصَّدْر. وصف رواحل أنضاها دؤوب السّير فِي الهواجر وَاللَّيْل حتّى ذهب لُحُوم صدرها. وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع فِي أوّل الْكتاب. وَأنْشد بعده: يَا تيم تيم عديٍّ وَهُوَ قِطْعَة من بَيت هُوَ:

стр. 1502

الْبَسِيط) وَقد تقدّم شَرحه مفصّلاً فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) الطَّوِيل (وَقد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّدٌ ... وأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد) على أَن إِضَافَة أَبَا إِلَى الضَّمِير بِدُونِ اللَّام شاذّة لَا يُقَاس عَلَيْهَا. قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: والشاعر قد يضطّرّ فيحذف اللَّام ويضيف قَالَ الشَّاعِر: الوافر (أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني) وَقَالَ الآخر: (وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مزرّدٌ ... وأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد) وَكَذَا أنشدهما الْمبرد فِي الْكَامِل. قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة قَالَ أَبُو عُثْمَان: لم يَجِيء فِي بَاب النَّفْي مثل لَا أَبَاك مُضَافا بِغَيْر لَام إلاّ هَذَا وَحده. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ. وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ عينيّة لمسكين الدّارميّ وَلَيْسَ فِيهَا الضَّرُورَة.

стр. 1503

وأيّ كريم لَا أَبَا لَك يمْنَع وَهِي قصيدة أورد فِيهَا شعراء كلّ مِنْهُم نسب قَبره إِلَى بَلَده ومسقط رَأسه وَذكر حَال الشُّعَرَاء المتقدّمين وأنّهم ذَهَبُوا وَلم يبْق مِنْهُم أحدٌ يصغّر أَمر الدُّنْيَا ويحقّره. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل (وَلست بأحيا من رجالٍ رَأَيْتهمْ ... لكلّ امْرِئ يَوْمًا حمامٌ ومصرع) (دَعَا ضابئاً دَاعِي المنايا فَجَاءَهُ ... وَلما دعوا باسم ابْن دارة أسمعوا) (وحصنٌ بصحراء الثّويّة بَيته ... أَلا إنّما الدّنيا متاعٌ يمتّع) (وَأَوْس بن مغراء القريعيّ قد ثوى ... لَهُ فَوق أبياتالرّياحيّ مَضْجَع) (ونابغة الجعديّ بالرّمل بَيته ... عَلَيْهِ صفيحٌ من رخامٍ مرصّع) (وَمَا رجعت من حميريّ عصابةٌ ... إِلَى ابْن وثيلٍ نَفسه حِين تنْزع) (أرى ابْن جعيلٍ بالجزيرة بَيته ... وَقد ترك الدّنيا وَمَا كَانَ يجمع)) (بِنَجْرَان أوصال النّجاشيّ أَصبَحت ... تلوذ بِهِ طيرٌ عكوفٌ ووقّع) (وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مرزّدٌ ... وأيّ عَزِيز لَا أَبَا لَك يمْنَع) (أُولَئِكَ قومٌ قد مضوا لسبيلهم ... كَمَا مَاتَ لُقْمَان بن عادٍ وتبّع) قَوْله: ونابغة الجعديّ الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَأَرَادَ بالرمل رمل بني جعدة وَهِي رمالٌ وَرَاء الفلج من طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مكّة. وَابْن

стр. 1504

وثيل هُوَ سحيم ابْن وثيل بن حميريّ. وَكَعب بن جعيل دفن بِجَزِيرَة ابْن عمر لأنّها بِلَاد بني تغلب وَدفن النّجاشيّ بِنَجْرَان لأنّه من الْيمن بِلَاد بني الْحَارِث بن كَعْب. وَقَوله: وَفد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّد هما أَخَوان لأَب وأمّ وصحابيان وشاعران. وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الشمّاخ فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة. واسْمه معقل بن ضرار والمزرّد اسْمه يزِيد بن ضرار وإنّما سمّي مزرّداً بقوله: الطَّوِيل. (فَقلت تزرّدها عبيد فإنّني ... لدرد الموَالِي فِي السّنين مزرّدٌ) وَلَهُمَا أَخ آخر شقيقهما وَهُوَ جُزْء بن ضرار بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا همزَة. وَمَات الشمّاخ وجزءٌ متهاجرين. وَسبب ذَلِك على مَا روى الكلبيّ أنّ الشمّاخ كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا كلبة بنت جوّال وَكَانَ يتحدّث إِلَيْهَا وَيَقُول فِيهَا الشّعْر فَخَطَبَهَا فأجابته وهمّت أَن تتزوجه ثمَّ خرج إِلَى سفرٍ لَهُ فتزوّجها أَخُوهُ جُزْء فآلى الشمّاخ أَن لَا يكلمهُ أبدا وهجاه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:

стр. 1505

الطَّوِيل (لنا صاحبٌ قد خَان من أجل نظرةٍ ... سقيم فؤاد حبّ كلبة شاغلة) وَقَوله: لَا أَبَا لَك جملَة اعتراضيّة بَين أيّ عَزِيز وَهُوَ مَوْصُوف وَبَين يمْنَع وَهُوَ صفة لأيّ. وَكَذَلِكَ يخلّد ومخلّد على تِلْكَ الرِّوَايَة. قَالَ المبرّد فِي الْكَامِل: لَا أَبَا لَك هِيَ كلمة فِيهَا جفَاء وغلظة وَالْعرب تستعملها عِنْد الْحَث على أَخذ الحقّ والإغراء وربّما استعملتها الجفاة من الْأَعْرَاب عِنْد الْمَسْأَلَة والطلب فَيَقُول الْقَائِل للأمير والخليفة: انْظُر فِي أَمر رعيّتك لَا أَبَا لَك. وَسمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك رجلا من الْأَعْرَاب فِي سنة مُجْدِبَة يَقُول: الرجز (ربّ الْعباد مَا لنا وَمَا لكا ... قد كنت تسقينا فَمَا بدا لكا) أنزل علينا الْغَيْث لَا أَبَا لكا) فَأخْرجهُ سُلَيْمَان أحسن مخرج. فَقَالَ: أشهد أنّه لَا أَبَا لَهُ وَلَا ولد وَلَا صَاحِبَة وَأشْهد أَن الْخلق جَمِيعًا عباده وَهُوَ الْأَحَد الصَّمد. وَقَالَ رجلٌ من بني عَامر بن صعصعة أبعد من هَذِه الْكَلِمَة لبَعض قومه: الْكَامِل (أبني عقيلٍ لَا أَبَا لأبيكم ... أبيّ وأيّ بني كلابٍ أكْرم) اه. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد عِنْد قَوْله: الْبَسِيط اعْلَم أنّ قَوْلهم: لَا أَبَا لَهُ كلامٌ يسْتَعْمل كِنَايَة عَن الْمَدْح والذمّ وَوجه

стр. 1506

الأوّل أَن يُرَاد نفي النّظير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي أَن يُرَاد أنّه مَجْهُول النّسَب. والمعنيان محتملان هُنَا أمّا الثَّانِي فَوَاضِح لأنّهم لما لم يغنوا عَنهُ شَيْئا أَمرهم بتخلية سَبيله ذامّاً لَهُم وأمّا الأوّل فعلى وَجه الِاسْتِهْزَاء انْتهى. وَزَاد عَلَيْهِ شارحها البغداديّ قَالَ: تَقول الْعَرَب لَا أَبَا لَك وَلَا أَب لَك يسْتَعْمل فِي التفجّع والتعجّب وَيُقَال فِي الْمَدْح والذم وربّما قَالُوا لَا أَبَاك وَهُوَ نَادِر. وأمّا لَا أمّ لَك فَلَا يُقَال إلاّ فِي الذّم وَحده دلّ على ذَلِك استقراء كَلَام الْعَرَب. وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: إِن قلت إنّ الْألف فِي لَا أَبَا لَك تؤذن بِالْإِضَافَة والتعريف وَاللَّام تؤذن بِالْفَضْلِ والتنكير فقد جمعت على الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَعْنيين ضدّين وهما التَّعْرِيف والتنكير. وَهَذَا كَمَا ترى متدافعان قلت: الْفرق وَاضح فإنّه كَلَام جرى مجْرى الْمثل فإنّك لَا تَنْفِي فِي الْحَقِيقَة أَبَاهُ وَإِنَّمَا تخرجه مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ أَي: أَنْت عِنْدِي مّمن يستحقّ أَن يدعى عَلَيْهِ بفقد أَبِيه. كَذَا فسّره أَبُو عليّ وَكَذَلِكَ هُوَ لمتأمّله أَلا ترى أَنه قد أنْشد توكيداً لما رَآهُ من هَذَا الْمَعْنى فِيهِ قَوْله: الطَّوِيل وتترك أُخْرَى فردةً لَا أَخا لَهَا وَلم يقل لَا أُخْت لَهَا وَلَكِن لّما جرى هَذَا الْكَلَام على أَفْوَاههم لَا أَبَا لَك وَلَا أَخا لَك قيل مَعَ المؤنّث على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ مَعَ المذكّر

стр. 1507

فَجرى نَحوا من قَوْلهم لكلّ أحدٍ: من ذكر وَأُنْثَى واثنين واثنتين وَجَمَاعَة: الصّيف ضيّعت اللَّبن على الأنيث لأنّه كَذَا جرى أوّله. وَأما قَوْله: (أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني)) فقد قَالَ شَارِح أبي عليّ الفارسيّ: هُوَ لأبي حيّة النّميريّ قَالَه أَبُو عَمْرو قَالَ: جلبه أَبُو عليّ شَاهدا على حذف هَذِه اللَّام ضَرُورَة فثبوت الْألف فِي أَبَا دَلِيل الْإِضَافَة والتعريف وَوُجُود اللَّام دَلِيل الْفَصْل والتنكير. حذف لَام الجرّ وَهُوَ يريدها وَلَوْلَا أنّها فِي حكم الثّابت فِي اللَّفْظ لما عملت لَا لأنّها لَا تعْمل إلاّ فِي نكرَة. فأمّا دلَالَة الْألف فِيهِ وَحذف النُّون من نَحْو لَا يَدي بهَا لَك على إِرَادَة الْإِضَافَة فلأنّ وجود الْعَمَل مانعٌ فِيهَا من اللَّفْظ فضعف اقْتِضَاء الْمَعْنى مَعَ وجود الْمَانِع اللفظيّ. فإنّ هَذَا مثلٌ لم يقْصد بِهِ نفي الْأَب وإنّما قصد بِهِ الذمّ. وَكَذَلِكَ لَا يَدي لَك إنّما المُرَاد لَا طَاقَة لَك بهَا. وَهُوَ قِيَاس من النّحويين على قَوْلهم لَا أَبَا لَك. وَفِي الْكتاب: لَا أَبَا فَاعْلَم لَك وَفِيه دَلِيل على أنّه لَيْسَ بمضاف. وَيجوز أَن تكون الْألف لَام الْكَلِمَة كَمَا قَالَ: الرجز فأمّا قَوْله تخوّفيني فإنّه أَرَادَ تخوفينني فَحذف إِحْدَى النونين: فَقيل حذف الأولى كَمَا حذف الْإِعْرَاب فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:

стр. 1508

السَّرِيع فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ وَقَالَ المبّرد حذف الثَّانِيَة وَهُوَ أولى لأنّها إِنَّمَا زيدت مَعَ الْيَاء لتقي الْفِعْل من الكسرة وَالْأولَى عَلامَة الرّفْع انْتهى كَلَامه. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك علم أنّ قَوْلهم لَا أَبَا لَك إنّما فِيهِ تعادي ظَاهره واجتماع صُورَتي الْفَصْل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لَا معنى ... . وَنحن إنّما عَقدنَا فَسَاد الْأَمر وصلاحه على الْمَعْنى كَأَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد قَلِيلا كثيرا. هَذَا مَا لَا يدّعيه مدّع. ويؤكد عنْدك خُرُوجه مخرج الْمثل كثرته فِي الشّعْر وأنّه يُقَال لمن لَهُ أَب وَلمن لَيْسَ لَهُ أَب. وَهُوَ دُعَاء فِي الْمَعْنى لَا محَالة وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ خَبرا وَلَو كَانَ دُعَاء مصرّحاً وأمراً مغنيّاً لما جَازَ أَن يُقَال لمن لَا أَب لَهُ لأنّه إِذا كَانَ لَا أَب لَهُ لم يجز أَن يدعى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ لَا محَالة فَيعلم أنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّما هِيَ خَارِجَة مخرج الْمثل قَالَ عنترة: الْكَامِل (فاقني حياءك لَا أَبَا لَك واعلمي ... أنّي امرؤٌ سأموت إِن لم أقتل) ...

стр. 1509

(ألق الصّحيفة لَا أَبَا لَك إنّه ... يخْشَى عَلَيْك من الحباء النّقرس) وَقَالَ:) (أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني) أَرَادَ: لَا أَبَا لَك فَحذف اللَّام. وَقَالَ جرير: يَا تيم تيم عديّ لَا أَبَا لكم وَهَذَا أقوى دَلِيل على كَونه مثلا لَا حَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون لتيم كلّها أبٌ وَاحِد وَلَكِن مَعْنَاهُ كلّكم أهل للدّعاء عَلَيْهِ والإغلاظ لَهُ. وَقَالَ الحطيئة: الطَّوِيل (أقلّوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكم ... من اللوم أَو سدّوا الْمَكَان الَّذِي سدوا) فَإِن قلت: فقد أثبت الحظيئة فِي هَذَا الْبَيْت مَا نفيته فِي الْبَيْت قبله فَجعل للْجَمَاعَة أَبَا وَاحِدًا وَأَنت قلت إنّه لَا يكون لجَماعَة تيم أبٌ وَاحِد. قيل: الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أنّه مثلٌ لَا يُرِيد حَقِيقَة الْأَب وإنّما غَرَضه الدّعاء مُرْسلا ففحّش بِذكر الْأَب. وَالْآخر: يجوز أَن يُرِيد بأبيكم الْجمع أَي: لَا أَبَا لآبائكم يُرِيد الدّعاء على آبَائِهِم من حَيْثُ

стр. 1510

(فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا) انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار. وَأنْشد بعده: يَا بؤس للْجَهْل ضرّاراً لأقوام هَذَا عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ وَقد تقدّم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط (كَأَن أصوات من إيغالهنّ بِنَا ... أَوَاخِر الميس إنقاض الفراريج) على أنّه قد فصل لضَرُورَة الشّعْر بالظرف بَين المتضايفين. وَالْأَصْل: كَأَن أصوات أَوَاخِر الميس من إيغالهنّ بِنَا إنقاض الفراريج.
следующие страницы →