Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الرَّابِع: أنّها تعْمل عمل لَيْسَ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور. قَالَ أَبُو حيّان فِي الارتشاف: والعطف على خبر لات عِنْد من أعملها إِعْمَال لَيْسَ كالعطف على خبر مَا الحجازية لات حِين جزع ولات حِين طيش ولات حِين قلق بل حِين
صَبر تنصب فِي الأولى وترفع فِي الثَّانِيَة كَمَا كَانَ فِي مَا)
وَلَا النافية. ثمَّ قَالَ: وَقد جَاءَت لات غير مُضَاف إِلَيْهَا حِين وَلَا مَذْكُور بعْدهَا حِين وَلَا مَا رادفة فِي قَول الأافوة الأوديّ: الرمل
(ترك النّاس لنا أَكْنَافهم ... وتولّوا لات لم يغن الْفِرَار)
قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: وَهَذَا يدلّ على أَن لات لَا تعْمل وإنّما هِيَ فِي هَذَا الْبَيْت حرف نفي مُؤَكد بِحرف النَّفْي الَّذِي هُوَ لم. وَلَو كَانَت عاملةً لم يجز حذف الجزأين بعْدهَا كَمَا لَا يحذفان بعد مَا وَلَا العاملتين عمل لَيْسَ.
وَالْبَيْت الشَّاهِد الَّذِي قَالَ الفرّاء لَا احفظ صَدره رَوَاهُ مَعَ صَدره ابْن السكّيت فِي كتاب الأضداد وَهُوَ:
(ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ولتندمنّ ولات سَاعَة مندم)
قَالَ فِيهِ قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال: أَخْلَاق مشمولة أَي: مشؤومة وأخلاق سوء.
وَأنْشد: ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ... ... ... الْبَيْت وَيُقَال أَيْضا رجل مشمول الْخَلَائق أَي: كريم الْأَخْلَاق. قَالَ: وَأنْشد أَبُو عَمْرو لرجل من بني
стр. 1577
(كَأَن لم أعش يَوْمًا بصبهاء لذّةٍ ... وَلم أند مشمولاً خلائقه مثلي)
.. . انْتهى وأند بالنُّون قَالَ أَبُو حنيفَة الدّينوري فِي كتاب النَّبَات: ناديت الرجل
مثل نادمت وَهُوَ المجالسة وَلم أند: لم أجالس. والنادي مِنْهُ هُوَ الْمجْلس. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَزعم الشاطبيّ أنّ هَذَا الْبَيْت برمتّه رَوَاهُ الْفراء عَن المفضّل. وَهَذَا لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي رَوَاهُ عَن المفضّل الْبَيْت الَّذِي بعده كَمَا هُوَ ظَاهر من نقل عبارَة الفرّاء.
وَرَأَيْت ابْن عقيل وَغَيره ذكر للبيت الشَّاهِد رِوَايَة غير مَا نَقَلْنَاهُ جعله صَدرا وتمّمه بعجز كَذَا: الْكَامِل
(نَدم الْبُغَاة ولات سَاعَة مندمٍ ... وَالْبَغي مرتع مبتغيه وخيم)
وَقَالَ: هُوَ لرجل من طَيئ أَي: ولات السَّاعَة سَاعَة مندم. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور المتداوال فِي كتب النَّحْو.
وَقَالَ العينيّ: قَائِله مُحَمَّد بن عيس بن طَلْحَة بن عبيد الله التيميّ وَيُقَال مهلهل ابْن مَالك)
الكنانيّ. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وانشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْكَامِل
(العاطفون تحين مَا من عاطف ... والمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم)
على أنّ أَبَا عبيد زعم أنّ التَّاء فِي قَوْلهم لات حِين مناص من تَمام حِين
стр. 1578
كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
وَمثله لصَاحب اللب وَغَيره قَالَ: وَعَن أبي عبيد: تحين لُغَة فِي حِين وَلَا لنفي الْجِنْس.
أَقُول: إنّ أَبَا عبيد لم يذهب إِلَى هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ قَول للأموي نَقله عَنهُ فِي كِتَابه فِي اللُّغَة الْمَشْهُور بالغريب المُصَنّف وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ: وَقَالَ الْأَحْمَر: تالآن فِي معنى الْآن وأنشدنا: الْخَفِيف
(نوّلي قبل نأي دَاري جمانا ... وصلينا كَمَا زعمت تالآنا)
وَكَذَلِكَ قَالَ الأمويّ وَأنْشد لأبي وجزة:
(العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... والمفضلون يدا إِذا مَا أنعموا)
قَالَ: وإنّما هُوَ حِين قَالَ: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ولات حِين مناص مَعْنَاهُ لَا حِين مناص. انْتهى كَلَامه.
فَعلم بِهِ أنّ القَوْل بِكَوْن لات حِين هُوَ لَا تحين وَالتَّاء زَائِدَة إنّما هُوَ قَول
стр. 1579
الأمويّ لَا أبي عبيد وَإِن اشْتهر النَّقْل عَنهُ. وَقد ردّه الشَّارِح المحقّق وَلم يبين موقع التَّاء فِي هَذَا الْبَيْت.
وَقد رَأَيْت فِي تَخْرِيجه وَجْهَيْن: أَحدهمَا: ذكره ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة وَسَبقه ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: وَهُوَ أنّها فِي
الأَصْل هَاء السكت لاحقة لقَوْله العاطفون اضطرّ الشَّاعِر إِلَى تحريكها فأبدلها تَاء وَفتحهَا.
قَالَ ابْن جنّي: أَرَادَ أَن يجريه فِي الْوَصْل على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ فِي الْوَقْف وَذَلِكَ أَنه يُقَال فِي الْوَقْف هَؤُلَاءِ مسلمونه وضاربونه فتلحق الْهَاء لبَيَان حَرَكَة النُّون كَمَا أنشدوا: الرجز
(أهكذا يَا طيب تفعلونه ... أعللاً وَنحن منهلونه)
فَصَارَ التَّقْدِير العاطفونه ثمَّ إنّه شبه هَاء الْوَقْف بهاء التَّأْنِيث فَلَمَّا احْتَاجَ إِقَامَة الْوَزْن إلأى حَرَكَة الْهَاء قَلبهَا بتاء كَمَا تَقول فِي الْوَقْف: هَذَا طلحه فَإِذا وصلت صَارَت الْهَاء تَاء فَقلت)
هَذَا طلحتنا. وعَلى هَذَا قَالَ العاطفونه.
وَيُونُس بصحّة هَذَا قَول الرّاجز: الرجز
(من بعد مَا وَبعد مت ... صَارَت نفوس الْقَوْم عِنْد الغلصمت)
أَرَادَ: وَبعد مَا فأبدل الْألف فِي التَّقْدِير هَاء فَصَارَت بِعَدَمِهِ ثمَّ إنّه أبدل الْهَاء تَاء لتوافق بقيّة القوافي الَّتِي يَليهَا وشجّعه شبه الْهَاء الْمقدرَة فِي قَوْله وبعدمه بهاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَلما كَانَ يراهم قد يَقُولُونَ فِي الْوَقْف: هَذَا
стр. 1580
طلحت وحمزت قَالَ هُوَ أياً وبعدمت فأبدل الْهَاء المبدلة من الْألف تَاء.
وَلَيْسَ شَيْء مِمَّا يضطرون إِلَيْهِ إلاّ وهم يحاولون بِهِ وَجها. فَإِذا جَازَ أَن تشبه هَاء وبعدمه بتاء الائيث حَتَّى يُقَال فِيهَا وبعدمت جَازَ أَيْضا أَن تشبه هَاء العاطفونه بهاء التَّأْنِيث فَيُقَال العاطفونت وَفتحت التَّاء كَمَا فتحت فِي آخر ربّت وثمّت. انْتهى مُخْتَصرا.
قَالَ ابْن السيرافيّ: وَيجوز أَن ينشد العاطفونه بِإِسْكَان الْهَاء فَيكون قد أضمر
وَجعل مستفعلن فِي مَوضِع متفاعلن. وأظنّ أنّ الرّواة غيّروه وحرّكوه طلبا لِأَن يكون الْجُزْء تَاما على الأَصْل. انْتهى.
وَالْوَجْه الثَّانِي ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل وَتَبعهُ شَارِح اللبّ: وَهُوَ أَن التَّاء بقيّة لات فحذفت لَا وَبقيت التَّاء. قَالَ: وَقد يُضَاف إِلَى لات حِين لفظا أَو تَقْديرا وربّما اسْتغنى مَعَ التَّقْدِير عَن لَا بِالتَّاءِ.
ومثّل ابْن عقيل للأوّل بقوله: الوافر أَي: أذيتي ومثّل للثَّانِي بقوله: الوافر
(تذكّر حبّ ليلى لات حنيناً ... وَأمسى الشّيب قد قطع القرينا)
أَي: حِين لات حِين تذكر.
ومثّل للثَّالِث بقوله: العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... ... ... . . الْبَيْت أَي: حِين لات حِين مَا من عاطف فَحذف حِين وَلَا.
هَذَا كَلَامهمَا وَلَا يخفى تعسّفه. وَتَخْرِيج هَذَا الْبَيْت على زِيَادَة التَّاء أسهل وَأَقل كلفة من هذَيْن التخريجين وَإِن كَانَ لَا يطّرد زِيَادَة التَّاء فِي كل مَوضِع فِيهِ لَا. وَهَذِه التَّاء زيادتها غير مطّردة)
وَغير لَازِمَة.
وَقد سمع زيادتها مَعَ لفظ
стр. 1581
الْآن أَيْضا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: سَمِعت من يَقُول حَسبك تالآن يُرِيد الْآن.
وَقَالَ ابْن الْأَحْمَر:
(نولّي قبل نأي دَاري جمانا ... وصلينا كَمَا زعمت تالآنا)
أَي: كَمَا زعمت الْآن. ونوّلي: أَمر من النّوال وَهُوَ الْقبْلَة. وجمانا
: منادى مرخّم جمانة بِضَم وَهَذَا الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لأبي وجزة السّعديّ مدح بهَا آل الزّبير بن العوّام لكنه مركب من مصراعي بَيْتَيْنِ وَقع فِي صِحَاح الجوهريّ هَكَذَا فَتَبِعَهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَغَيره.
وَالَّذِي فِي ديوانه كَذَا: الْكَامِل
(وَإِلَى ذرا آل الزّبير بفضلهم ... نعم الذّرا فِي النّائبات لنا هم)
(العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... والمسبغون يدا إِذا مَا انعموا)
(واللاحقون دفانهم قمع الذّرا ... والمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم)
(والمانعون من الهضيمة جارهم ... والحاملون إِذا الْعَشِيرَة تغرم)
والذّرا بِالْفَتْح: كلّ مَا استترت بِهِ يُقَال: أَنا فِي ظلّ فلَان وَفِي ذراه أَي: فِي كنفه وستره. والنائبات: شَدَائِد الدّهر وحوادثه. وَفِي وَاللَّام متعلقان بالذّرا لأنّه بِمَعْنى الملتجأ. وهم هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. والْعَطف: الشَّفَقَة والتحنّن. وتحين ظرف للعاطفون وَالتَّاء زَائِدَة أَو أنّها مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا على أنّها هَاء السكت كَمَا بيّناه وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ مَا نَافِيَة وَحين مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة فَإِن من زَائِدَة. وعاطف مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: يُوجد وَنَحْوه أَو أَنه بقيّة لات وحِين خَبَرهَا وَاسْمهَا مَحْذُوف كَمَا قَالَ ابْن مَالك. وَفِيه غرابةٌ حَيْثُ يحذف الْعَامِل وَيبقى مِنْهُ حرف وَينظر على هَذَا فِي حِين هَل
стр. 1582
هِيَ مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة أَو أنّ مَا لَيست نَافِيَة فَإِن كَانَت نَافِيَة انْتقض النَّفْي الأوّل بهَا. وَهَذَا غير مُرَاد الشَّاعِر. وَإِن كَانَت غير نَافِيَة فَينْظر من أَي أَنْوَاع مَا هِيَ. وَبِالْجُمْلَةِ: كَون التَّاء بقيّة لات يشكل عَلَيْهِ معنى الْبَيْت وَإِعْرَابه وَلَا دَاعِي إِلَى هَذَا كُله.
وَقَالَ نَاظر الْجَيْش: وَتَخْرِيج الْبَيْت على مَا ذكره المصنّف لَا يتعقّل لأنّه يكون الْمَعْنى هم العاطفون وَقت لَيْسَ الْحِين حِين لَيْسَ ثمّ عاطف.)
وروى صَاحب الْغَرِيب المصنّف: المفضلون بدل المسبغون من الإفضال وَهُوَ الإنعام والجيّد هُوَ الأوّل. والْيَد: النِّعْمَة.
يَقُول: هم يعطفون على من سَأَلَهُمْ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم إِذا اشتدت الْأَحْوَال وأجدب الزَّمَان وَلم يجد المسترفد رافداً وَإِذا أنعموا أوسعوا على الْمُنعم عَلَيْهِ إفضالاً ونائلاً.
وَقَوله: اللاحقون الخ أَي: والمتبعون يُقَال: لحقته وَلَحِقت بِهِ من بَاب تَعب لحَاقًا بِالْفَتْح إِذا تَبعته وأدركته وألحقته بِالْألف مثله ولحقه الثّمن لُحُوقا: لزمَه فاللحوق: اللُّزُوم واللّحاق: الْإِدْرَاك. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والجفان بِالْكَسْرِ: جمع جَفْنَة بِالْفَتْح وَهِي الْقَصعَة الْكَبِيرَة للطعام. والقمع بِفَتْح الْقَاف والذّرا بِالضَّمِّ: جمع ذرْوَة بِضَم الذَّال وَكسرهَا: أَعلَى السنام إنّما خصّة لأنّه أطيب لحم الْإِبِل عِنْدهم. وزمَان ظرف للمطعمون وَهُوَ مُضَاف للجملة بعده لَكِن بِتَقْدِير مُضَاف أَي: زمَان سُؤال أَيْن الْمطعم.
وَرَوَاهُ الأمويّ على مَا نَقله أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المصنّف: والمطعمون زمَان مَا من مطعم
стр. 1583
فَيكون فِي الْبَيْت على هَذِه الرِّوَايَة إقواء. مدحهم بأنّهم يطْعمُون الْفُقَرَاء أطيب اللَّحْم فِي أيّام الْقَحْط والجدب وَفِي الزَّمَان الَّذِي يتسلءل النَّاس عَن الكرماء المطعمين للطعام.
وَقَوله: المانعون الخ الهضمية: الْمظْلمَة فَعَلَيهِ بِمَعْنى فاعلة من هضمت الشَّيْء إِذا كَسرته. والحاملون: من حمل الدّية. يَقُول: إِن وزّعت دِيَة قَتِيل على عشيرته حملهَا عَنْهُم وَدفعهَا من مَاله.
وتركيب بَيت من بَيْتَيْنِ وَنَحْوه فِي الاستشهاد شَائِع عِنْد المصنّفين يَفْعَلُونَهُ قصدا إِمَّا لأنّ الْمَعْنى مُتَفَرقًا يكون فِي أَبْيَات وإمّا لأنّ فِي أحد المصراعين قلاقة معنى أَو لُغَة فيحتضرونه بِأخذ مصراعين مِنْهُ كَمَا فعل ابْن الشجريّ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي
قَوْله: الطَّوِيل
(وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكي ... فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طَاعَة)
وَالْأَصْل هَكَذَا: الطَّوِيل
(وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكي ... على الرّمل من جنباته لم توسّد))
(فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طاعةٌ ... وَإِن كنت قد كلّفت مَا لم أعوّد)
فَأخذ مِنْهُمَا مصراعين وَلم يتَنَبَّه لهَذَا أحد من شرّاح الْمُغنِي. وكما فعل الزمخشريّ فِي المفصّل وَغَيره كَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي قَوْله:
стр. 1584
الْكَامِل
(حاشا أَبَا ثَوْبَان إنّ لَهُ ... ضنّاً على الملحاة والشّتم)
وَهُوَ من قصيدة مسطورة ف يالمفضليات وَالْأَصْل:
(حاشا أَبُو ثَوْبَان إنّ أَبَا ... ثَوْبَان لَيْسَ ببكمةٍ فدم)
(عَمْرو بن عبد الله إنّ بِهِ ... ضنّاً على الملحاة والشّتم)
وأَبُو وجزة هُوَ بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا زَاي مُعْجمَة يُقَال رجل وجز أَي: سريع الْحَرَكَة وَامْرَأَة وجزة.
وَأَبُو وجزة اسْمه يزِيد بن عبيد وَقيل ابْن أبي عبيد. وَهُوَ شَاعِر ومحدث ومقرئ كَذَا قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني سعد بن بكر بن هوَازن أظآر النّبيّ ﷺ وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً وَهُوَ الَّذِي روى الْخَبَر فِي استسقاء عمر بن الخطّاب ﵁: وتوفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ أوّل من شّبب بِعَجُوزٍ.
أَقُول: أَبُو وجزة إنّما هُوَ من بني سليم بِالتَّصْغِيرِ وإنّما نَشأ فِي بني سعد فغلب عَلَيْهِ نسبهم.
وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب والتهذيب: أَبُو وجزة السَّعْدِيّ المدنيّ الشَّاعِر ثِقَة وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة من التَّابِعين ثمَّ ذكر مشايخه وتلاميذه.
стр. 1585
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْخَفِيف
(طابوا صلحنا ولات أَوَان ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
على أَن أَصله عِنْد المبرّد والسيرافيّ: ولات أَوَان طلبُوا فحذفت الْجُمْلَة وَبني أَوَان على السّكُون أَو على الْكسر ثمَّ أبدل التَّنْوِين من الْمُضَاف إِلَيْهِ كَمَا فِي يَوْمئِذٍ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قرئَ ولات حِين مناصٍ بخفض الجين فَزعم الفرّاء أَن لات تسْتَعْمل حرفا جارّاً لأسماء الزَّمَان خَاصَّة وَأنْشد: طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ وَأجِيب عَن الْبَيْت بجوابين: أَحدهمَا: على إِضْمَار من الاستغراقيّة. وَنَظِيره فِي بَقَاء عمل الجارّ مَعَ حذفه وزيادته قَوْله: الوافر أَلا رجلٍ جزاه الله خيرا
стр. 1586
وَالثَّانِي: أَن الأَصْل: ولات أَوَان صلح ثمَّ بنى الْمُضَاف لقطعه عَن الْإِضَافَة وَكَانَ بِنَاؤُه على الْكسر لشبهه بنزال وزنا ولأنّه قدّر بناءه على السّكُون ثمَّ كسر على أصل التقاء الساكنين كأمس ونوّن للضَّرُورَة وَقَالَ الزمخشريّ: للتعويض كيومئذ. وَلَو كَانَ كَمَا زعم لأعرب لِأَن الْعِوَض ينزّل منزلَة المعوّض مِنْهُ.
وَعَن الْقِرَاءَة بِالْجَوَابِ الأوّل وَهُوَ وَاضح وَبِالثَّانِي وتوجيهه: أنّ الأَصْل حِين مناصهعم ثمَّ نزّل قطع الْمُضَاف إِلَيْهِ من مناص منزلَة قطعه من حِين لاّتحاد الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ قَالَه الزمخشريّ. وَجعل التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ ثمَّ بنى إِضَافَته إِلَى غير مُتَمَكن. انْتهى.
وَالْأولَى أَن يُقَال: إنّ التَّنْزِيل الْمَذْكُور اقْتضى بِمَاء الْحِين ابْتِدَاء وإنّ المناص مُعرب وَإِن كَانَ قد قطع عَن الْإِضَافَة بِالْحَقِيقَةِ لكنه لَيْسَ بِزَمَان فَهُوَ ككل وَبَعض. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام. أَقُول: تَقْدِير الْمُضَاف إِلَيْهِ جملَة هُوَ الْمُنَاسب لتشبيه أَوَان بيومئذ فِي الْبناء وغي كَون التَّنْوِين بَدَلا من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأما تَقْدِيره مُفردا ثمَّ تَعْلِيل بنائِهِ بِقطعِهِ عَن الْإِضَافَة كَمَا صنع ابْن هِشَام تبعا لغيره فَفِيهِ أنّ مَا ذكره مُخْتَصّ بالظروف النّسبيّة وَيكون بناؤها حِينَئِذٍ على الضمّ وَأما أَوَان فإنّه ظرف متصرف كَمَا يَأْتِي قَرِيبا وَلَيْسَ مضموماً كقبل وَبعد.)
وَيجوز أَن يقدّر الْمُضَاف إِلَيْهِ ولات أَوَان نصطلح فإنّ المنفيّ فِي الْحَقِيقَة هُوَ أَوَان الصُّلْح أَو يقدّر جملَة اسمية أَي: ولات أَوَان صلحنا مُمكن فأوان خبر لات وَهُوَ مَنْصُوب لفظا أَو مَبْنِيّ على الفتحة إِضَافَته إِلَى مبنيّ وَاسْمهَا مَحْذُوف أَي: ولات الأوان.
стр. 1587
قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: قَالَ أَبُو العبّاس المبّرد: أَوَان هُنَا مَبْنِيَّة لأنّ أَوَان تُضَاف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فكأنك حذفت مِنْهُ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فنونّت ليعلم أنّك قد اقتطعت الْإِضَافَة مِنْهُ.
وَلم يرتض ابْن جنّي فِي الخصائص كَون التَّنْوِين عوضا عَن الْجُمْلَة كيومئذ وفرّق بَينهمَا بِأَن إِذْ ظرف نَاقص وَأَوَان ظرف متصرّف. قَالَ: وتأوّل أَبُو العبّاس المبرّد قَول الشَّاعِر: طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... ... ... ... ... الْبَيْت على أَنه حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان فعوض التَّنْوِين عَنهُ على حد قَول الْجَمَاعَة فِي تَنْوِين إِذْ.
وَهَذَا لَيْسَ بالسهل وَذَلِكَ أنّ التَّنْوِين فِي نَحْو هَذَا إنّما دخل فِيمَا لَا يُضَاف إِلَى الْوَاحِد أَي: الْمُفْرد وَأما أَوَان فمعرب ويضاف إِلَى الْوَاحِد كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(فَهَذَا أَوَان الْعرض حيّ ذبابه ... زنانيره والأزرق المتلمس)
وَقد كسّروه على آوانه وتكسيرهم إيّاه يبعده عَن الْبناء لأنّه أخذٌ بِهِ فِي شقّ التصريف والتصرّف.
وَكَذَا قَالَ فِي سرّ الصِّنَاعَة: ذهب أَبُو العبّاس إِلَى أَن كسرة أَوَان لَيست إِعْرَاب وَلَا هِيَ علما للجرّ وَلَا أنّ التَّنْوِين الَّذِي بعْدهَا هُوَ التَّابِع لحركات الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا تَقْدِيره عِنْده أنّ أَوَان بِمَنْزِلَة إِذْ فِي أنّ حكمه أَن يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة نَحْو قَوْلك: جئْتُك أَوَان قَامَ زيد وَأَوَان الْحجَّاج أَمِير
стр. 1588
أَي: إِذْ ذَاك كَذَلِك فلمّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان عوّض من الْمُضَاف إِلَيْهِ تنويناً.
وَالنُّون عِنْده كَانَت فِي التَّقْدِير سَاكِنة كسكون ذال إِذْ فلمّا لقيها التَّنْوِين سَاكِنا كسرت النُّون لالتقاء الساكنين. فَهَذَا شرح هَذِه الْكَلِمَة وَقَوله هَذَا غير مرضيّ لأنّ أواناً قد يُضَاف إِلَى الْآحَاد نَحْو قَوْله: ارجز هَذَا أَوَان الشدّ فاشتدّي زيم وَقَوله: فَهَذَا أَوَان الْعرض وَغير ذَلِك. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فهلاّ حركوا النُّون فِي يَوْمئِذٍ وَأَوَان لسكونها وَسُكُون)
الذَّال وَالنُّون قبله وَلم يحرّكوهما لذَلِك دونه فَالْجَوَاب: أنّهم لَو فعلوا ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُولُوا إِذن فَيُشبه التَّنْوِين الزَّائِد النُّون الأصيّلة.
وايضاً فَلَو فعلوا ذَلِك فِي إِذْ لما أمكنهم أَن يفعلوه فِي اوان لأنّهم لَو آثروا إسكان النُّون لما قدرُوا على ذَلِك لأنّ الْألف سَاكِنة قبلهَا وَكَانَ يلْزمهُم من ذَلِك أَن يكسروا النُّون لسكونها وَسُكُون فَإِن قيل: فلعلّ على هَذَا كسرهم النُّون من أَوَان إنّما هُوَ لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا دون أَن يكون كسرهم ذال إِذْ لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا.
فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يحمل كسر النُّون من أَوَان لِئَلَّا يخْتَلف الْبَاب
стр. 1589
وَلِأَن أَوَان أَيْضا لم ينْطق بِهِ قبل لحاق التَّنْوِين لنونه فيقدّر مكسور النُّون لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا وإنّما حذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وعوّض مِنْهُ التَّنْوِين عقيب ذَلِك فَلم يُوجد لَهُ زمن يلفظ بِهِ بِلَا تَنْوِين فَيلْزم الْقَضَاء بِأَن نونه إنّما كسرت لكَون الْألف قبلهَا فاعرف ذَلِك من مَذْهَب أبي العبّاس.
وأمّا الْجَمَاعَة غَيره وَغير أبي الْحسن فعندهم أنّ أَوَان مجرورة بلات وأنّ ذَلِك لُغَة شاذّة. وروينا عَن قطرب قَالَ: قِرَاءَة عِيسَى: ولات حِين مناصٍ بِالْجَرِّ. انْتهى كَلَامه.
وَهَذَا حقّ لَا شُبْهَة فِيهِ فَالْوَجْه كَون لات فِيهِ حرف جرّ كَمَا نَقله الفرّاء فِي قَوْله: ولات سَاعَة. وَفِي هَذَا الْبَيْت أَيْضا.
وَكَذَلِكَ نَقله أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل عَن أبي عمر الْجرْمِي. وَاسْتَشْكَلَهُ أَبُو عليّ بأنّ حُرُوف الجرّ لَا بدّ أَن تتعلّق بِشَيْء ولات هُنَا لَا تتَعَلَّق بِشَيْء كَمَا بيّنه الشَّارِح وَجَوَابه: أنّ لنا حُرُوف جرّ لَا تتَعَلَّق بِشَيْء مِنْهَا لَوْلَا فِي نَحْو قَوْله: لولاي ولولاه فَلْيَكُن هَذَا مِنْهَا.
وَقَول ابْن هِشَام: وَزعم الفرّاء أَن لات تجرّ أَسمَاء الزّمان خَاصَّة تقدم النّقل عَنهُ قبل هَذَا
وَقَوله: وَأجِيب عَن الْبَيْت بجوابين: أَحدهمَا: على إِضْمَار من الخ هَذَا الْجَواب فَاسد لأنّ تَقْدِير من يَقْتَضِي أَن لَا يكون لَهَا مَعْمُول وَإِذا لم يكن لَهَا مَعْمُول اقْتضى كَونهَا غير عاملة.
وَالْجَوَاب إنّما هُوَ لبَيَان عَملهَا.
стр. 1590
وَمن الْغَرِيب قَول أبي حيّان على مَا نَقله السّمين فِي إعرابه: إِن من المقدّرة ومجرورها موضعهما رفع على أَنَّهُمَا اسْم لات. قَالَ: كَمَا تَقول لَيْسَ من رجل قَائِما وَالْخَبَر مَحْذُوف. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: وَعَن الْقِرَاءَة بِالْجَوَابِ الأوّل. وَهَذَا الْجَواب لَا يصحّ هُنَا أَيْضا لما بيّنّاه.)
وَقَوله: وتوجيهه أنّ الأَصْل حِين مناصهم الخ وَهَذَا الأَصْل لَا يصحّ لأنّ مَعْمُول لات لَا يجوز إِضَافَته إلاّ إِلَى نكرَة.
وَدَعوى أَن الْمُضَاف وَهُوَ حِين اكْتسب الْبناء من الْمُضَاف إِلَيْهِ فَفِيهَا أنّ شَرط اكْتِسَاب الْبناء بِالْإِضَافَة فِي مثله أَن يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ إِمَّا إِذْ أَو فعل أَو جملَة اسمية وماص لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا. ثمَّ إنّ الْبناء إنّما سمع فِيمَا ذكرنَا على الْفَتْح لَا على الْكسر.
وَنقل السّمين فِي إعرابه عَن الْأَخْفَش أنّه خرّج الْبَيْت على حذف مُضَاف أَي: ولات حِين أَوَان فَبَقيَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مجروراً بعد حذف الْمُضَاف. وردّ عَلَيْهِ مكّي بأنّه كَانَ يَنْبَغِي أأن يقوم وَأجَاب عَنهُ السّمين بِأَن بَقَاء مثله على الجرّ قَلِيل وَمِنْه قِرَاءَة من قَرَأَ: وَالله يُرِيد الْآخِرَة بجرّ الى خرة.
أَقُول: تَقْدِير هَذَا الْمُضَاف لَا قرينَة تدلّ عَلَيْهِ وَإِن صحّ إِضَافَة حِين إِلَى أَوَان بِجعْل الْحِين عَاما والأوان خاصّاً بِحمْلِهِ على أَوَان الصُّلْح.
ثمَّ قَالَ السمين: وَقَالَ الزجّاج: الأَصْل ولات أواننا فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ
стр. 1591
فَوَجَبَ ألاّ يعرب وكسره لالتقاء الساكنين. قَالَ أَبُو حيّان: وَمِنْه أَخذ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله أَصله وَلَا أَوَان صلح.
أَقُول: عبارَة الزّجاج فِي تَفْسِيره: وَمن خفض جعلهَا مبنيّة مَكْسُورَة لالتقاء السّاكنين كَمَا قَالُوا فدَاء لَك فبنوه على الْكسر. وَلما قَالَ ولات أَوَان جعله على معنى لَيْسَ حِين أواننا فلمّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ بنى على الْوَقْف ثمَّ كسر لالتقاء الساكنين. وَالْكَسْر شاذّ شَبيه بالْخَطَأ عِنْد البصريّين. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي زبيدٍ الطّائيّ النّصرانيّ. سَببهَا مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو الشيبانيّ وَابْن الأعرابيّ قَالَا: نزل رجلٌ من بني شَيبَان اسْمه المكاء برجلٍ من طيّئ فأضافه وسقاه فلمّا سكر وثب إِلَيْهِ الشّيبانيّ بِالسَّيْفِ فَقتله وَخرج هَارِبا.
وافتخر بَنو شَيبَان بذلك فَقَالَ أَبُو زبيد هَذِه القصيدة. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الْخَفِيف
(ولعمري لعارها كَانَ أدنى ... لكم من تقى وَحسن وَفَاء)
(ظلّ ضيفاً أخوكم لأخينا ... فِي صبوحٍ ونعمةٍ وشواء)
(لم يهب حُرْمَة النّديموحقت ... يَا لقومي للسّوءة السّواء)
(فاصدقوني وَقد خبرتم وَقد ثا ... بت إِلَيْكُم جوائب الأنباء))
(هَل علمْتُم من معشرٍ سافهونا ... ثمّ عاشوا صفحاً ذَوي غلواء)
(كم أزالت رماحنا من قتيلٍ ... قاتلونا بنكبة وشقاء)
(بعثوا حربنا إِلَيْهِم وَكَانُوا ... فِي مقامٍ لَو أبصروا ورخاء)
(ثمّ لمّا تشذّرت وأنافت ... وتصلوا مِنْهَا كريه الصّلاء)
стр. 1592
.
(طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
(ولعمري لقد لقوا أهل بأسٍ ... يصدقون الطّعان عِنْد اللّقاء)
(وَلَقَد قَاتلُوا فَمَا جبن القو ... م عَن الْأُمَّهَات وَالْأَبْنَاء)
إِلَى أَن قَالَ:
(فاصدقوني أسوقةٌ أم ملوكٌ ... أَنْتُم والملوك أهل عَلَاء)
(أبديءٌ أَن تقتلُوا إِذْ قتلتم ... أم لكم بسطةٌ على الْأَكفاء)
(فلحا الله طَالب الصّلح منّا ... مَا اطاف المبسّ بالدّهناء)
(إننا معشرٌ شَمَائِلنَا الصّب ... ر وَدفع الأسى بِحسن العزاء)
(وَلنَا فَوق كلّ مجدٍ لواءٌ ... فاضلٌ فِي التّمام كلّ لِوَاء)
(فَإِذا مَا اسْتَطَعْتُم فاقتلونا ... من يصب يرتهن بِغَيْر فدَاء)
المكّاء بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الْكَاف: اسْم الشيبانيّ الْقَاتِل. وعارها: عَار الضّربة.
وَقَوله: لم يهب حُرْمَة النّديم الخ أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: كَيفَ يواري سوءة أَخِيه على أنّ السوءة مَا يقبح كشفه. والسّوءة
السّواء على وزن اللَّيْلَة الليلاء: الحصلة القبيحة. ويهب: من الهيبة وَالْخَوْف.
وَالْمعْنَى: أَنه لم يعظم حُرْمَة الصاحب وحقّت تِلْكَ الْحُرْمَة بِأَن تهاب. ثمَّ نَادَى قومه ليعجّبهم من النّظر إِلَى هَذِه الفضيحة الَّتِي هِيَ هتك حُرْمَة النديم.
وَرُوِيَ: وَلَكِن بدل قَوْله: وحقّت.
стр. 1593
وَقد وَقع الْعَجز شَاهدا فِي الكشّاف قَالَ الطّيبيّ: إنّي لم أظفر بصدره وَلَا بقائله. وجوائب الأنباء: جمع جائبة من الْجَواب وَهُوَ الْقطع. قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال هَل جَاءَكُم جائبة خبر أَي: خبر يجوب الأَرْض من بلد إِلَى بلد.
وَقَوله: سافهونا من السّفه وَهُوَ ضدّ الْحلم. وصفحاً: غعراضاً مِنْهُم. وذَوي حَال من)
الْوَاو فِي عاشوا. والغلواء بِضَم الْمُعْجَمَة: النشاط ومرح الشَّبَاب.
وَقَوله: لَو أبصروا لَو للتمنّي. ورخاء: مَعْطُوف على مقَام. وتشذّرت بالشين والذال المعجمتين قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال: تشذّر فلَان: إِذا تهيّأ لِلْقِتَالِ وتشذّر الْقَوْم فِي الْحَرْب: أَي تطاولوا. وأنافت: زَادَت. وتصلّوا: من صلي بالنَّار صلّى من بَاب تَعب: وجد حرّها. والصّلاء كتاب: حرّ النَّار.
وَقَوله: طلبُوا صلحنا الخ هُوَ جَوَاب لّما. وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ: طلبُوا فعل وفاعله مستتر فِيهِ ولات أَوَان فِي مَحل الْحَال من الصُّلْح.
وَقَوله: فأجبنا مَعْطُوف على طلبُوا وَأَن مصدريّة يُقَال: أَجَابَهُ بِكَذَا. وَقَالَ السيوطيّ: هِيَ تفسيريّة. وحِين خبر لَيْسَ أَي: لَيْسَ الْحِين حِين بَقَاء. والْبَقَاء: اسْم من قَوْلهم أبقيت على فلَان إبْقَاء: إِذا رَحمته وتلطّفت بِهِ. وَالْمَشْهُور أنّ الِاسْم مِنْهُ البقيا بِالضَّمِّ والبقوى بِالْفَتْح.
وَقَالَ العينيّ وَتَبعهُ السّيوطيّ: الْمَعْنى بَقَاء الصُّلْح.
وَقَوله: أبديءٌ الْهمزَة للاستفهام الإنكاريّ وبديء بِالْهَمْز كبديع وزنا وَمعنى. وتقتلُوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وقتلتم بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل.
стр. 1594
وَقَوله: فلحا الله أَي: قبح الله.
وَقَوله: مَا أطاف الخ مَا: مَصْدَرِيَّة ظرفيّة. وأطاف وَطَاف بِمَعْنى دَار حول الشَّيْء. والمبسّ: حاديّ الْإِبِل وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم فَاعل من أبسست الْإِبِل: إِذا زجرتها. والدهناء: مَوضِع فِي بِلَاد بني تَمِيم. ويصب ويرتهن كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وأَبُو زبيد اسْمه الْمُنْذر بن حَرْمَلَة من طَيئ. قَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين وَابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَغَيرهمَا: عَاشَ أَبُو زبيد مائَة وَخمسين سنة وَكَانَ نصرانيّاً غَيره. وَكَانَ عُثْمَان بن عفّان يقرّبه ويدنيّ مَجْلِسه.
وَكَانَ مغرىً بِوَصْف الْأسد بعبارات
стр. 1595
مهولة تزعج السّامع حتّى كأنّه يُشَاهد الْأسد فِي حُضُوره فَقَالَ لَهُ عُثْمَان ﵁ يَوْمًا: إنّي لأحسبك جَبَانًا. فَقَالَ: كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن رَأَيْت مِنْهُ منْظرًا وَشهِدت مِنْهُ مشهداً لَا يبرح ذكره يتردّد ويتجدّد فِي قلبِي.
ثمّ وصف مَا شَاهد مِنْهُ وَنقل كَلَامه برمتّه صَاحب الأغاني إِلَى أَن قَالَ لَهُ عُثْمَان رَضِي الله)
عَنهُ: اسْكُتْ قطع الله لسَانك قد أرعبت قُلُوب الْمُؤمنِينَ.
وَقَالَ الطبريّ: كَانَ أَبُو زيد فِي الْجَاهِلِيَّة مُقيما فِي أَخْوَاله بني تغلب بالجزيرة وَفِي الْإِسْلَام مُنْقَطِعًا إِلَى الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط فِي ولَايَة الجزيرة وَولَايَة الْكُوفَة وَلم يزل بِهِ الْوَلِيد حتّى أسلم وَحسن إِسْلَامه.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ خلاف مَا قَالَ الْعلمَاء: أنّه مَاتَ على نصرانيّته.
قَالَ صَاحب الأغاني: ولّما وَفد أَبُو زبيد إِلَى الْوَلِيد بن عقبَة أَيَّام ولَايَته الْكُوفَة أنزلهُ دَار عقيل بن أبي طَالب على بَاب الْمَسْجِد فاستوهبها مِنْهُ فَوَهَبَهَا لَهُ فَكَانَ ذَلِك أوّل مَا طعن بِهِ على الْوَلِيد لأنّ أَبَا زبيد كَانَ يخرج مِنْهَا إِلَى الْوَلِيد فيسمر عِنْده وَيشْرب مَعَه ويشقّ الْجَامِع وَهُوَ سَكرَان فَلَمَّا شهد على الْوَلِيد بِشرب الْخمر عَزله عُثْمَان عَن الْكُوفَة وحدّه فِي الْخمر.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلما اعتزل الْوَلِيد بن عقبَة عليّاً وَمُعَاوِيَة صَار إِلَى الرّقة وَكَانَ أَبُو زبيد ينادمه.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: وَمَات الْوَلِيد قبل أبي زبيد فمرّ أَبُو زبيد بقبره فَوقف ثمَّ قَالَ:
стр. 1596
الْكَامِل.
(يَا هاجري إِذْ جِئْت زائرة ... مَا كَانَ من عاداتك الهجر)
(يَا صَاحب الْقَبْر السّلام على ... من حَال دون لِقَائِه الْقَبْر)
ثمَّ انْصَرف. وَكَانَ يَجِيء إِلَى قَبره فيشرب عِنْده ويصبّ الشَّرَاب على قَبره ويبكي. وَبَقِي أَبُو زبيد إِلَى أَيَّام مُعَاوِيَة.
قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: كَانَ يَجْعَل لَهُ فِي كل يَوْم أحد طعامٌ كثير ويهيأ لَهُ شرابٌ كثير وَيذْهب أَصْحَابه يتفرقون فِي الْبيعَة ويحملنه النِّسَاء فيضعه فِي ذَلِك الْمجْلس فيشرب والنّصارى حوله فَجَاءَهُ الْمَوْت فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا جعل الْمَرْء الَّذِي كَانَ حازماً ... يحلّ بِهِ حلّ الحوار وَيحمل)
(فَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَيْش خير يُريدهُ ... وتكفينه مَيتا أعفّ وأجمل)
(أَتَانِي رَسُول الْمَوْت يَا مرْحَبًا بِهِ ... لآتيه وسوف وَالله أفعل)
ثمَّ مَاتَ فَجَاءَهُ اصحابه فوجدوه مَيتا فَدفن على البليخ وَهُوَ مَوضِع إِلَى جَانب قبر الْوَلِيد بن عقبَة. وَفِي ذَلِك يَقُول أَشْجَع السّلميّ وَقد مرّ بقبرهما: الوافر
(مَرَرْت على عِظَام أبي زبيدٍ ... وَقد لاحت ببلقعة صلود)
стр. 1597
. (وَكَانَ لَهُ الوليدج نديم صدقٍ ... فنادم قَبره قبر الْوَلِيد)
وَأنْشد بعده: أَلا رجلٍ على أنّ رجلا مجرور بِمن المقدّرة. وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(أَلا رجلٍ جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلةٍ تبيت)
وَذكر الشَّارِح المحقّق هُنَاكَ أَن رجل يرْوى أَلا رجلا وبالرفع وبالجرّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْكَامِل
(حنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الَّذِي كَانَت نوار أجنّت)
على أنّ هنّا فِي الأَصْل للمكان استعير للزمان وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة الفعلية وَهُوَ حنت.
يُرِيد أَن لات مَعَ هنّا عاملة عمل لَيْسَ أَيْضا لَا مُهْملَة وإلاّ لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي هنّا. وَاعْلَم أنّ هنّا بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا مَعَ تَشْدِيد النُّون ححاهما السيرافيّ وَقَالَ: الْكسر رَدِيء.
وَوهم العينيّ هُنَا فضبط الْهَاء بِالضَّمِّ وَتَبعهُ السيوطيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وَهِي عِنْد أهل اللُّغَة قاطبة اسْم إِشَارَة
стр. 1598
للقريب وَعند ابْن مَالك للبعيد.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هنّا بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد مَعْنَاهُ هَاهُنَا وهنّاك أَي: هُنَاكَ. قَالَ: الرجز
(لمّا رَأَيْت محمليها هنّا ... محدّرين كدت أَن أجنّا)
وَمِنْه قَوْلهم: تجمعُوا من هنّا وَمن هنّا أَي: من هَاهُنَا وَمن هَاهُنَا. انْتهى.
وَمن لَازم اسْم الْإِشَارَة التَّعْرِيف وَعدم إِضَافَته إِلَى شَيْء وَقد ورد فِي الشّعْر كثيرا لات هنّا فالتزم أَبُو عليّ الفارسيّ وَتَبعهُ ابْن مَالك إهمال لات لأنّها لَا يصحّ إعمالها فِي معرفَة وَمَكَان وَقَالا: إِذا دخلت لات على هنّا كَانَت مُهْملَة وَكَانَت هنّا مَنْصُوبَة على الظّرْف فِي مَوضِع رفع على الْخَبَر لمبتدأ بعْدهَا سَوَاء كَانَ اسْما نَحْو: الْخَفِيف لات هنّا ذكرى جبيرَة
وَأورد عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَفِي شرح شواهده أنّ فِيهِ الْجمع بَين معموليها وَإِخْرَاج هنّا)
عَن الظرفيّة وإعمال لات فِي معرفَة ظَاهِرَة وَفِي غير الزَّمَان وَهُوَ جملَة النائبة عَن الْمُضَاف وَحذف الْمُضَاف إِلَى جملَة. انْتهى.
وَذهب بعض شرّاح المفصّل إِلَى أنّ هنّا خبر لات وَاسْمهَا مَحْذُوف وأنّ هنّا بِمَعْنى الْحِين وَالتَّقْدِير لَيْسَ الْحِين حِين حنينها.
وَهَذَا مُرَاد الشَّارِح المحقّق: فَقَوله: إنّ هنّا فِي الأَصْل للمكان استعير للزمان قصد بِهِ الردّ على أبي عليّ وَمن تبعه بأنّ هنّا لَيست على أَصْلهَا
стр. 1599
حتّى يلْزم الْمَحْذُور بل قد استعيرت للزمان فَهِيَ ظرف بِمَعْنى حِين وَكَانَ أَصْلهَا الْإِشَارَة للمكان فتوسّع فِيهَا فَجعلت مجرّدة للزمان.
وَالْمعْنَى فِي جَمِيع مَا ورد شَاهد لَهُ فتيقى لات على مَا عهد لَهَا من الْعَمَل عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن وَقَوله: وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة أَرَادَ بِهِ الردّ على ابْن عُصْفُور: بأنّ هنّا خبر لات لَا اسْمهَا وأنّها مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة بعْدهَا لَا أنّ الْجُمْلَة خبر لات بِتَقْدِير مُضَاف.
وَالشَّارِح المحقّق قد أَخذ كَلَامه هَذَا من الْإِيضَاح لِابْنِ الْحَاجِب فإنّه قَالَ فِي فصل إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْجمل: هنّا فِي قَوْله: لولات هنّا حنّت الْبَيْت مَحْمُول على الزَّمَان لأمور: أَحدهَا: أنّ لَا الَّتِي لنفي الْجِنْس المكسوعة بالتّاء لَا تدخل إلاّ على الأحيان.
وَالثَّانِي: أنّ الْمَعْنى إِنْكَار الحنين بعد الْكبر وَذَلِكَ إنّما ينحقّق بِالزَّمَانِ لَا بِالْمَكَانِ.
وَالثَّالِث: أنّه لَو جعل للمكان لم يصحّ إِضَافَته إِلَى الْفِعْل إِذْ لم يضف من أَسمَاء الْمَكَان إِلَى الْأَفْعَال إلاّ الظروف غير المتمكنة كحيث. انْتهى.
وَقد ذهب ابْن الخبّاز أَيْضا فِي النِّهَايَة إِلَى هنّا مضافةٌ إِلَى الْجُمْلَة بعْدهَا.
نَقله عَنهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده وردّه بِأَن اسْم الْإِشَارَة لَا يُضَاف. وَهَذَا الردّ غير متّجه فإنّ من يَجْعَلهَا مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة كالزمخشري
стр. 1600
فِي المفصّل لم يقل
إنّها اسْم إِشَارَة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إِذْ من الْقَوَاعِد أنّ أَسمَاء الْإِشَارَة لَا تصحّ إضافتها إِلَى شَيْء وإنّما هِيَ عِنْده مجردّة لِمَعْنى الْحِين.
وَبِمَا ذكرنَا يسْقط أَيْضا توقّف الدّمامينيّ فِي شرح التسهيل عِنْدَمَا نقل كَلَام الشَّارِح هُنَاكَ وَقَالَ: قَوْله: وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة إِن كَانَ مَعَ الْتِزَام أَنه اسْم إِشَارَة فمشكل لِأَنَّهُ لَا يُضَاف وَإِن كَانَ مَعَ ادّعاء التجرّد عَنْهَا فَيحْتَاج إِلَى نقل هـ.
وَمِنْه تعلم فَسَاد كَلَام الشاطبيّ أَيْضا وَجعله هنّا اسْم إِشَارَة للزمان مَعَ إِعْمَال لات فإنّه قَالَ:)
فَإِن قيل من شَرط لات عَملهَا فِي زمَان منكّر.
وَقَوْلهمْ ولات هنّا حنّت وَنَحْوه هنّا فِيهِ معرفَة وَهِي إِشَارَة للمكان. . فَالْجَوَاب أنّ هنّا لَا تختصّ بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْمَكَان بل قد يُرَاد بهَا الزَّمَان وَمن ذَلِك هَذِه الْمَوَاضِع فإنّ مَعْنَاهَا الْإِشَارَة إِلَى الزَّمَان أَي: ذكرى جبيرَة لَيْسَ فِي هَذَا الزَّمَان وحنينها لَيْسَ فِي هَذَا الْوَقْت. وأمّا عَملهَا فِي الْمعرفَة فإنّها عِنْد ابْن مَالك غير عاملة فِي هَذِه الْمَوَاضِع هـ.
فغن قلت: كَيفَ الْتزم الشَّارِح المحقّق أَن يُضَاف هنّا إِلَى الْجُمْلَة وَقد وَقع بعْدهَا الْمُفْرد فِي قَول الْأَعْشَى: الْخَفِيف
(لات هنّا ذكرى جبيرَة أم من ... جَاءَ مِنْهَا بطائف الْأَهْوَال)
وَفِي قَول الطّرمّاح: الْخَفِيف
(لات هنّا ذكرى بلهنية الدّه ... ر وأنّي لذِي السّنين المواضي)
стр. 1601
قلت: ذكرى مفعول مُطلق عَامله مَحْذُوف أَي: لات هنّا أذكر ذكرى جبيرَة فالجملة محذوفة والحنين: الشوق ونراع النَّفس إِلَى الشَّيْء. وَالتَّاء من حنّت وأجنّت مَكْسُورَة
للوزن. ونوار: فَاعل حنّت مبنيّ على الْكسر فِي لُغَة الْجُمْهُور وَعند تَمِيم مُعرب لَا ينْصَرف وَهُوَ من أَسمَاء النِّسَاء مَأْخُوذ من نارت الْمَرْأَة تنور: إِذا نفرت من الرِّيبَة وَجمع نوار بِالضَّمِّ. وَجُمْلَة ولات هنّا حنّت حَال من نوار.
قَالَ ابْن هِشَام: وَتَكون حَالا إِذا وَقعت بعد الْوَاو. وبدا بِمَعْنى ظهر. ونوار الثَّانِي قد وضع مَوضِع الضَّمِير. وأجنّت بِالْجِيم: أخفت وسترت.
وَبعد هَذَا الْبَيْت بَيت ثانٍ لَا ثَالِث لَهُ وَهُوَ: الْكَامِل
(لما رَأَتْ مَاء السّلى مشروباً ... والفرث يعصر فِي الْإِنَاء أرنّت)
والسّلى بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالْقصر هِيَ الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون الْوَلَد فِيهَا من الْمَوَاشِي وَهِي المشميمة لَهُ. والفرث بِالْفَتْح: السّرجين مَا دَامَ فِي الكرش. وأرنّت من الرّنّة وَهُوَ الصَّوْت يُقَال: رنّت ترنّ رنيناً وأرنّت إرناناً: إِذا صاحت. وإنّما صاحت نوار وبكت لأنّها تيقنت فِي تِلْكَ الْمَفَازَة الْهَلَاك حَيْثُ لَا مَاء إلاّ مَا يعصر من فرث الْإِبِل وَمَا يخرج من المشيمة من بطونها.
وَهَذَانِ البيتان اخْتلف فِي قائلهما:)
فَقيل: شبيب بن جعيل التغلبيّ وَهُوَ جاهليّ. وَإِلَيْهِ ذهب الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف قَالَ: وشبيب هَذَا كَانَ بَنو قُتَيْبَة الباهليّون
стр. 1602
أسروه فِي حَرْب كَانَت بَينهم وَبَين بني تغلب فَقَالَ شبيب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لما رأى أمّه نوار أرنّت وَهِي بنت عَمْرو بن كُلْثُوم.
وَقيل: هُوَ حجل بن نَضْلَة وَهُوَ جاهليّ أَيْضا. وَهُوَ قَول أبي عبيد وَتَبعهُ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل البصرية قَالُوا: قالهما فِي نوار بنت عَمْرو بن كُلْثُوم لما أسرها يَوْم طلح فَركب بهَا الفلاة خوفًا من أَن يلْحق. وَالله أعلم.
وَمِنْه تعرف أنّه لَا وَجه لقَوْل ابْن الْحَاجِب المتقدّم هنّا: إنّ معنى الْبَيْت إِنْكَار الحنين بعد الْكبر وَذَلِكَ إنّما يتحقّق بِالزَّمَانِ لَا بِالْمَكَانِ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة والآمدي: قد نقص حرف من فاضلة الْبَيْت الثَّانِي وَبَعض النَّاس يسمّون هَذَا إقواء لأنّه نقص من عروضه قوّة وَكَانَ يَسْتَوِي الْبَيْت بِأَن يَقُول متشرّباً.
يُقَال أقوى فلَان الْحَبل: إِذا جعل إِحْدَى قواه أغْلظ من الْأُخْرَى. وَالْمَشْهُور أنّ الأغقواء كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَهُوَ اخْتِلَاف الْإِعْرَاب فِي القوافي: وَذَلِكَ أَن تكون قافية مَرْفُوعَة واخرى مجرورة. وَبَعض النَّاس يسمّي هَذَا الِاخْتِلَاف الإكفاء هـ.
стр. 1603
وجعيل بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة. والتّغلبيّ بِالْمُثَنَّاةِ من فَوق بعْدهَا غين مُعْجمَة. وعَمْرو بن كُلْثُوم هُوَ صَاحب الْمُعَلقَة إِحْدَى المعلقات السَّبع وَقد تقدّمت تَرْجَمته.
وحجل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم. ونَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. تَتِمَّة قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح شَوَاهِد المفصّل عِنْد شرح هَذَا الْبَيْت: نوار اسْم لابنَة عبد شمس وَكَانَت قد عشقت ملكا فهمّ الْملك بِأَن يُوقع بِعَبْد شمس فشعرت نوار بذلك وآذنت أَبَاهَا فَقَالَ رجل من أقربائها: حنّت نوار أَي: اشتاقت إِلَى من تحبه وَلَيْسَ الْوَقْت وَقت الحنين والاشتياق إِلَيْهِ لظُهُور الْعَدَاوَة بَيْننَا وَظهر الَّذِي كَانَت هَذِه الْمَرْأَة أجنّته وسترته من الاشتياق.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ خطأ فَاحش وَمَا قَالَه شرحٌ لمثل: وَهُوَ حنّت ولات هنت وإنّي لَك مقروع.
стр. 1604
وَقد خبط خبط عشواء أَيْضا فِي بَيَانه كَمَا يعلم وَجهه مِمَّا سَيَأْتِي.
وَهَذَا الْمثل أوردهُ الجوهريّ فِي مَادَّة لَيْت وَفِي مَادَّة هنن وَزعم أَنه شعر وَلَيْسَ كَذَلِك وَغنما)
هُوَ نثر. قَالَ: يُقَال: هنّ يهنّ هنيناً أَي: حنّ.
وَذكره أَبُو عبيد فِي مِثَاله وَالرِّوَايَة عِنْده حنّت ولات هنّت إِلَى آخِره قَالَ: يضْرب مثلا لمن يتهم فِي حَدِيثه وَلَا يصدق.
وأوّل من قَالَه مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم لابنَة اخيه الهيجمانة بنت العنبر ابْن عَمْرو بن تَمِيم حِين أخْبرت أَبَاهَا أنّ عبد شمس بن سعد بن زيد مَنَاة يُرِيد أَن يُغير عَلَيْهِم فاتّهمها مَازِن لِأَن عبد شمس كَانَ يهواها وَكَانَت تهواه فَقَالَ مَازِن هَذِه الْمقَالة. انْتهى كَلَامه.
وَأوردهُ صَاحب اللّبَاب للردّ على أبي عبيد فِي زَعمه أنّ تَاء لَا تحين من الْحِين. قَالَ شَارِحه الفالي: وَجه الِاسْتِدْلَال أنّ التَّاء دخلت مَعَ لَا على هنّت فَلَيْسَ جُزْءا من الْحِين وهنّت بِمَعْنى حنّت ومقروع: لقب عبد شمس بن سعد وَفِيه
يَقُول مَازِن بن مَالك فِي الهيجمانة بنت العنبر بن تَمِيم.
حنّت ولات هنّت وأنّي لَك مقروع وَهُوَ مثل وَأَصله أنّ الهيجمانة بنت الهنبر كَانَت تعشق عبد شمس وَكَانَ يلقّب بمقروع فَأَرَادَ أَن يُغير على قَبيلَة الهيجمانة وَعلمت بذلك فَأخْبرت أَبَاهَا فَقَالَ مَازِن: حنّت ولات هنّت أَي: اشتاقت وَلَيْسَ وَقت اشتياقها. ثمّ رَجَعَ من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب فَقَالَ: وأنّي لَك مقروع أَي: من أَيْن تظفرين بِهِ. يضْرب لمن يحنّ إِلَى مَطْلُوبه قبل أَوَانه. انْتهى.
стр. 1605
وَفِي هَذَا الْمثل شيءٌ لم يتنبّه لَهُ وَهُوَ أنّ لات فِيهِ لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر لأنّها دخلت على فعل مَاض فَتكون مُهْملَة كَمَا تقدّم.
وَقَول صَاحب الْقَامُوس تبعا لصَاحب الْعباب: لَا تكون لات إلاّ مَعَ حِين وَقد تحذف وَهِي مُرَادة كَقَوْلِه: حنّت ولات هنّت وأنّي لَك مقروع فَإِن أَرَادَ أنّ الزَّمَان الْمَحْذُوف معمولها فَهَذَا غير صَحِيح لأنّه لَا يجوز حذف معمولي لات كَمَا لَا يجوز جَمعهمَا.
وَإِن أَرَادَ أنّها مُهْملَة وأنّ الزَّمَان لَا بدّ مِنْهُ لتصحيح اسْتِعْمَالهَا فَغير صَحِيح أَيْضا لأنّها إِذا أهملت ذخلت على غير الزَّمَان أَيْضا كَمَا تقدّم بَيت الأفوه الأوديّ عَن أبي حيّان. وَالله تَعَالَى أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(أَفِي أثر الأظعان عَيْنك تلمح ... نعم لات هنّا إنّ قَلْبك متيح)
على أنّ هنّا فِيهِ ظرف زمَان مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة وَالْأَصْل لات هنّا تلمح فَحذف تلمح لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ فهنّا فِي مَوضِع نصب على أنّه خبر لات هنّا ذكرى جبيرَة حذفت الْجُمْلَة وَبَقِي أَثَرهَا كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا.
стр. 1606
فَإِن قلت: لَو كَانَ هنّا مَقْطُوعَة عَن الْإِضَافَة كَمَا زعم الشَّارِح المحقّق لوَجَبَ أَن يلْحقهَا التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ الجمليّ كَمَا قَالَ هُوَ فِي بَاب الْإِضَافَة: إنّ الظروف الَّتِي فِيهَا معنى النِّسْبَة كقبل وَبعد إِن قطعت عَن الْإِضَافَة بنيت على الضَّم وَإِن كَانَت غير ذَلِك وَجب إِبْدَال التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ كإذ وَأَوَان.
وَقَالَ فِي شرح بَيت لات أَوَان قبل هَذَا: وَلَا يعوّض التَّنْوِين فِي المبنيات من الْمُضَاف إِلَيْهِ إلاّ إِذا كَانَ جملَة.
فَإِن قلت: أيّ ضَرُورَة إِلَى ادّعاء حذف الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا هنّا مَعَ أَنه لم يقل بِهِ أحد وَلَا ابْن الْحَاجِب.
قلت: لّما حقّق أَن هنّا قد تجردت لظرف الزَّمَان كَانَ الظّرْف لَا بدّ لَهُ من مظروف وَالنَّفْي فِي الْحَقِيقَة متوجّه إِلَيْهِ وَلَوْلَا اعْتِبَاره لما كَانَ معنى لقولنا لات هنّا إِذْ لَا فَائِدَة فِي نفي الظّرْف.
وَهَذَا الْمَحْذُوف ملحوظ أَيْضا عِنْد من جعل هنّا إِشَارَة للمكان فإنّه لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ إِذْ لَا بدّ للْإِشَارَة من مشار إِلَيْهِ فَيكون المنفيّ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ.
هَذَا مَا أمكنني أَن أفهم فِي كَلَامه فِي لات هنّا وَللَّه درّه مَا ادق نظره وألطف فكره وَفَوق كلّ ذِي علم عليم. وَالله أعلم.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدةٍ لِلرَّاعِي عدّتها سَبْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا مدح بهَا بشر بن مَرْوَان المروانيّ.
وَبعده:
(ظغائن مينافٍ إِذا ملّ بَلْدَة ... أَقَامَ الرّكاب باكرٌ مترّوح)
فَقَوله: أَفِي أثر الأظعان الْهمزَة للاستفهام وَفِي متعلّق بقوله تلمح وقدّم لِأَنَّهُ هُوَ المستفهم عَنهُ.)
стр. 1607
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الظّعينة الْمَرْأَة وَاصل الظّعينة الرّاحلة الَّتِي ترحل ويظعن عَلَيْهَا أَي: يسَار وَقيل للْمَرْأَة ظَعِينَة لأنّها تظّعن مَعَ الزَّوْج حَيْثُمَا ظعن أَو لأنّها تحمل على الرَّاحِلَة إِذا ظعنت وَقيل الظعينة الْمَرْأَة فِي الهودج ثمّ قيل للهودج بِلَا امْرَأَة ظَعِينَة وَجَمعهَا ظعن وظعائن وأظعان وظعن يظعن ظعناً بِالتَّحْرِيكِ: إِذا سَار. انْتهى. واللّمح: الإبصار الْخَفِيف قَالَ صَاحب الصِّحَاح: لمحه وألمحه إِذا أبصره بِنَظَر خَفِيف. ونعم: إِعْلَام للمستفهم السَّائِل. والمتيح بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون المثنّاة الفوقيّة وَفتح المثنّاة التحتيّة قَالَ ابْن حبيب فِي شرح ديوَان جران الْعود: المتيح الَّذِي يَأْخُذ فِي كلّ جِهَة وَهُوَ مفعل كأنّه أتيح لَهُ إتاحة أَي: قدّر.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة رجل متيح: إِذا كَانَ قلبه يمِيل إِلَى كلّ شَيْء. وَكِلَاهُمَا أنْشد هَذَا الْبَيْت. والميناف بِكَسْر الْمِيم بعْدهَا يَاء أَصْلهَا الْهَمْز قَالَ فِي الْعباب رجل مثناف أَي: سَائِر فِي أول النَّهَار وَقَالَ الأصمعيّ: رجل مئناف: يرْعَى مَاله أنف الْكلأ يُقَال: أنفت الْإِبِل أنفًا: إِذا وطِئت كلأ أنفًا بِضَم الْألف وَالنُّون أَي: عشياً لم يرع وَلم يدس بالأرجل. والْبَلدة: الأَرْض. وأَقَامَهُ من مَوْضِعه: خلاف أقعده. والرّكاب: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا
وَمعنى الْبَيْت أَن الشَّاعِر خَاطب نَفسه لما رَآهَا ملتفتة إِلَى حبائبها ناظرةً إلأى آثارها بعد الرحيل فاستفهمها بِهَذَا الْكَلَام ثمَّ أجَاب جَازِمًا بأنّ عينهَا ناظرة إِلَى أثرهنّ. وسفّهها فِي هَذَا الْفِعْل بِأَن اللمح لَيْسَ صادراً فِي وقته لأنّ صاحبهن مُلْتَزم أسفار ومقتحم أخطار شَأْنه الذّهاب وَعدم الإياب فَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تكتسب من النظرة شَدَائِد الْحَسْرَة.
стр. 1608
وَقَوله: إنّ قَلْبك متيح اسْتِئْنَاف بيانيّ وَقع جَوَابا لسؤال عَن سببٍ خَاص نَشأ من الْجُمْلَة المنفية كَأَن نَفسه قَالَت لَهُ: هَل أَنا فِي هَذَا الْفِعْل متيح فأجابها بِالْجُمْلَةِ الْمُؤَكّدَة.
وَقَوله: ظعائن ميناف أَي: هنّ ظعائن وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لميناف. وَجُمْلَة: أَقَامَ الخ جَوَاب إِذا. وباكرٌ فَاعل أَقَامَ أَي: سائق باكر مترّوح: أَي شَأْنه سوق الْإِبِل بِالْغَدَاةِ والرّواح.
فَإِن قلت: كَيفَ يرتبط الجدواب بِالشّرطِ مَعَ خلّوه عَن ضمير الميناف قلت: هُوَ بِتَقْدِير أَقَامَ الركاب بأَمْره. ثمَّ وصف رحيل الميناف ونزوله ومنازله فِي أَبْيَات كَثِيرَة.)
ونرجمة الرَّاعِي قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة.
بَاب المجرورات الْإِضَافَة أنْشد فِيهَا: على أنّ ذَا اللَّام فِي أصل الْوَضع لوَاحِد معِين وَقد يسْتَعْمل بِلَا إِشَارَة إِلَى معيّن كالئيم فإنّ المُرَاد مِنْهُ لئيم من اللؤماء أيّ لئيمٍ كَانَ.
стр. 1609
وَتَمَامه: فمضيت ثمّت قلت لَا يعنيني وَقد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل
(علا زيدنا يبوم النّقا رَأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشّفرتين يماني)
على أنّ الْعلم إِذا أضيف نكّر بجعله وَاحِدًا من جملَة من سمّي بذلك اللَّفْظ كزيد فإنّه معرفَة بالعلميّة ولّما أضيف نكّر واكتسب التَّعْرِيف من الْإِضَافَة.
وَقد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضا فِي الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
: الْكَامِل
(إِن قلت خيرا قَالَ شرّاً غَيره)
على أنّ السّرّاج نقض بِهِ مَا قَالَه ابْن السّريّ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السّريّ الشّهير بالزجّاج من أَن غير إِذا أضيفت إِلَى معرّف لَهُ ضدّ وَاحِد تعرّفت كَقَوْلِك: عَلَيْك بالحركة غير السّكُون.
وَوجه النّقض: أنّ غيراً فِي الْبَيْت قد اضيفت إِلَى ضمير الْخَيْر وَهُوَ ضدّ الشَّرّ وَلم تتعرّف بِدَلِيل وُقُوعهَا صفة لقَوْله شرّاً.
стр. 1610
وَنقض عَلَيْهِ أَيْضا بقوله تَعَالَى: نعمل صَالحا غير الَّذِي كنّا نعمل.
وَأجَاب الشَّارِح المحقّق بأنّ غيراً فيهمَا بدل لَا صفة وَيجوز أَن تكون صفة على الْأَكْثَر الْأَغْلَب وَهُوَ عدم تعرّفها بالمضاف إِلَيْهِ. هَذَا كَلَامه وَمَا نسبه إِلَيْهِمَا لم أره فِي كَلَامهمَا.
أما ابْن السّريّ فَهَذِهِ عِبَارَته فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: وَقَوله تَعَالَى: غير المغضوب عَلَيْهِم فيخفض على ضَرْبَيْنِ: على الْبَدَل من الَّذين كأنّه قَالَ: صِرَاط غير المغضوب عَلَيْهِم ويستقيم أَن يكون غير المغضوب عَلَيْهِم من صفة للنكرة تَقول مَرَرْت برجلٍ غَيْرك فغيرك صفة لرجل كأنّك قلت: مَرَرْت بِرَجُل آخر.
وَيصْلح أَن يكون مَعْنَاهُ مَرَرْت برجلليس بك وأنّما وَقع هَهُنَا صفة للَّذين لأنّ الَّذين هَهُنَا لَيْسَ بمقصود قصدهم فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك إنّي لأمرّ بِالرجلِ مثلك فَأكْرمه. انْتهى كَلَامه.
فَعلم مِنْهُ أَن وُقُوع غير صفة للَّذين لتأويل الَّذين بِمَا يقرب بِهِ من النكرَة وَهُوَ كَون المعرّف الجنسي قَرِيبا من النكرَة لَا لكَونهَا وَقعت بَين ضدّين كَمَا نقل عَنهُ الشَّارِح المحقّق.
وَأما ابْن السرّاج فقد قَالَ فِي بَاب الْإِضَافَة من الْأُصُول: وأمّا مثل وَغير وَسوى فإنهنّ إِذا أضفن إِلَى المعارف لم يتعرّفن لأنّك إِذا قلت مثل زيد فَمثله كثير: واحدٌ فِي طوله وَآخر فِي علمه وَآخر فِي صناعته وَآخر فِي حسنه. وَهَذَا يكَاد يكون بِلَا نِهَايَة.
وَكَذَلِكَ غير إِذا قلت غير زيد فَهُوَ غير زيد.
стр. 1611
فَهَذَا وَمَا أشبهه لَا يتعرّف بِالْإِضَافَة. فَإِن أردْت مثل زيد الْمَعْرُوف بشبه زيد كَانَ معرفَة. انْتهى.
فَلَيْسَ فِيهِ ردّ وَلَا شعر.)
وَقد نسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إلأى ابْن السرّاج مَا نسبه الشَّارِح المحقّق إِلَى ابْن السريّ.
(إنّ امْرأ مَوْلَاهُ أدنا دَاره ... فِيمَا ألمّ وشرّه لَك بَادِي)
(إِن قلت خيرا قَالَ شرّاص غَيره ... أَو قلت شرّاً مُدَّة بمداد)
(فلئن أَقمت لأظعننّ لبلدةٍ ... وَلَئِن ظعنت لأرسين أوتادي)
(كَانَ التفرّق بَيْننَا عَن مئرةٍ ... فَاذْهَبْ إِلَيْك فقد شفيت فُؤَادِي)
وَقَوله: إِن امْرأ مَوْلَاهُ الخ وَالْمولى هُنَا يجوز أَن يكون ابْن العمّ وَأَن يكون النَّاصِر وَأَن يكون الْجَار وأدنا بِمَعْنى أَضْعَف وأذلّ وَمن الدناءة فسهّل. وفِي للسببيّة وألمّ من اللّمم وَهُوَ مقاربة الذَّنب. وبَادِي: ظَاهر. ومَوْلَاهُ مُبْتَدأ وأدنا خَبره وَالْجُمْلَة صفة لاسم إنّ وخبرها الْجُمْلَة الشرطيّة وَهُوَ قَوْله: إِن قلت خيرا الخ. وَقلت فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْح التَّاء. وَقَوله: مدّه الخ أَي: زَاده بِزِيَادَة مُتَّصِلَة.
وَقَوله: فلئن أَقمت الخ هَذَا التفاف من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَقَوله: لأرسين النُّون الْخَفِيفَة للتَّأْكِيد. والإرساء: الْإِثْبَات يُقَال رسا الشَّيْء يرسو:
стр. 1612
إِذا ثَبت وأرساه: أثْبته. وَأَرَادَ بأوتاده أوتاد الْخَيْمَة. وإرساؤها كِنَايَة عَن الْإِقَامَة. والمئرة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهمزَة هِيَ العدواة قَالَ أَبُو زيد: مأرت بَين الْقَوْم مأراً وماءرت وَالْأسود بن يعفر شَاعِر جاهليّ تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... أجرت فَلَا قتلٌ عَلَيْهِ وَلَا أسر)
على أَن وَاحِد أمّه نكرَة لَا يتعرّف بِالْإِضَافَة وَإِن أضيف إِلَى الْمعرفَة لتوغله
فِي الْإِبْهَام إِذْ لَا ينْحَصر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُضَاف إِلَيْهِ معيّن إِذْ بعد الْإِضَافَة لَا يتعيّن الْمُضَاف أَيْضا فِيهِ نَظِير غَيْرك وَمثلك وَلذَلِك وَقع مجروراً لربّ.
وَالشَّارِح المحقّق نسب جعله مُنْكرا إِلَى بعض الْعَرَب واستدلّ لَهُ بِدُخُول ربّ عَلَيْهِ فإنّها لَا تدخل إلاّ على نكرَة. وَغَيره نسب التنكير إِلَى بعض النّحاة ويؤيّده قَول ابْن الأنباريّ فِي الزَّاهِر: إنّ الفرّاء وهشاماً قَالَا:
стр. 1613
نَسِيج وَحده وعيير وَحده وَوَاحِد أمّه نكرات.
وَالدَّلِيل على هَذَا أنّ الْعَرَب تَقول: ربّ نَسِيج وَحده قد رَأَيْت وربّ وَاحِد أمّه قد أجرت.
واحتجّ هشتامٌ بقول حَاتِم: أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ شَارِح اللّبَاب وَغَيره: وَالْأَكْثَر أَن يكون معرفَة على قِيَاس الْإِضَافَة إِلَى المعارف وأمّا وُرُوده نكرَة فنادر إنّما جَاءَ فِي الشّعْر.
وَقَول الشَّارِح المحقّق: وَلَيْسَ العلّة فِي تنكيرهما مَا قَالَ بَعضهم إنّ وَاحِد مُضَاف إِلَى أمّ إِلَى آخِره هُوَ كَلَام عبد القاهر الجرجانيّ قَالَ: وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بِبَطن وأمّ لَا يجوز أَن يعود إِلَى نفس وَاحِد وَعبد لأنّ الْمُضَاف يكْتَسب من الْمُضَاف إِلَيْهِ التَّعْرِيف فَإِذا كَانَ تَعْرِيف أمّ بإضافتها إِلَى ضمير الْوَاحِد كَانَ التمَاس تَعْرِيف الْوَاحِد مِنْهَا محالاً وَكَانَ بِمَنْزِلَة تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ فَوَجَبَ أَن يعود الضَّمِير إِلَى شَيْء غير عبد وَوَاحِد يجوز أَن تَقول: زيد عبد بَطْنه فَيكون تَعْرِيف عبد بِغَيْر ضَمِيره.
قَالَ: فإّذا قلت جَاءَنِي وَاحِد أمّه وَعبد بَطْنه جَازَ أَن يكون معرفَة بِأَن يتقدّم الذّكر كَأَنَّك قلت جَاءَنِي الْكَامِل النَّبِيل الَّذِي عَرفته.
وَإِذا جعل نكرَة فعلى أَنه يُوصف بِهِ نكرَة محذوفة كَمَا فِي الْبَيْت كأنّه قَالَ إنسانٌ وَاحِد أمّه بِمَنْزِلَة قَوْلك: ربّ إِنْسَان عَزِيز معظّم لأنّ ربّ لَا تدخل على المعارف. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: أماويّ الخ الْهمزَة للنداء وماويّ منادى مرخّم ماويّة وَهِي زَوْجَة حَاتِم.)
والماويّة فِي اللُّغَة: الْمرْآة الَّتِي يرى فِيهَا الْوَجْه كأنّها منسوبة إِلَى المَاء فإنّ النِّسْبَة إِلَى المَاء مائيّ وماويّ. وربّ هُنَا لإنشاء
стр. 1614
التكثير وَالْعَامِل فِي محلّ مجرورها أجرت بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة بِمَعْنى أمّنته مِمَّا يخَاف يُقَال: استجاره أَي: طلب مِنْهُ أَن يحفظه فأجاره. وروى بدله: أخذت قَالَ الزمخشريّ فِي أَمْثَاله عِنْد قَوْله أَجود من حَاتِم: كَانَ إِذا قَاتل غلب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا سُئِلَ وهب وَإِذا ضرب بالقدح سبق وَإِذا أسر أطلق وَإِذا أثرى أنْفق.
وَكَانَ أقسم بِاللَّه لَا يقتل وَاحِد أمّه. انْتهى.
وروى صَاحب اللّبَاب المصراع الثَّانِي هَكَذَا: قتلت فَلَا غرم عليّ وَلَا جدل من جدل عَلَيْهِ: إِذا صال عَلَيْهِ بالظّلم. وَلَيْسَ كَذَلِك فإنّ الْبَيْت من قصيدة رائيّة وَهِي:
(أماويّ قد طَال التّجنّب والهجر ... وَقد عذرتني فِي طلابكم عذر)
(أماويّ إنّ المَال غادٍ ورائحٌ ... وَيبقى من المَال الْأَحَادِيث والذّكر)
(أماويّ إنّي لَا اقول لسائلي ... إِذا جَاءَ يَوْمًا حلّ فِي مالنا النّزر)
(أماويّ إمّا مانعٌ فمبيّنٌ ... وإمّا عطاءٌ لَا ينهنهه الزّجر)
(أماويّ مَا يُغني الثّراء عَن الْفَتى ... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصّدر)
стр. 1615
(تري أنّ مَا انفقت لم يَك ضائري ... وأنّ يَدي ممّا بخلت بِهِ صفر)
(أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... أخذت فَلَا قتلٌ عَلَيْهِ وَلَا أسر)
(وَقد علم الأقوام لَو أنّ حاتماً ... أَرَادَ ثراء المَال كَانَ لَهُ وفر)
(أماويّ إنّ المَال مالٌ بذلته ... فأوّله شكرٌ وَآخره ذكر)
(وإنّي لَا آلو بِمَالي صَنِيعَة ... فأوّله زادٌ وَآخره دخر)
(يفكّ بِهِ العاني ويؤكل طيّباً ... وَمَا إِن يعريّه القداح وَلَا الْقَمَر)
(وَلَا أظلم ابْن العمّ إِن كَانَ إخوتي ... شُهُودًا وَقد اودى بإخوته الدّهر)
(غنينا زَمَانا بالتّصعلك والغنى ... وكلاّ سقاناه بكأسيهما الدّهر)
(فَمَا زادنا بأواً على ذِي قرابةٍ ... غنانا وَلَا ازرى بأحسابنا الْفقر)
(وَمَا ضرّ جاراً يَا ابْنة الْقَوْم فاعلمي ... يجاورني أَن لَا يكون لَهُ ستر)
(بعينيّ عَن جارات قومِي غفلةٌ ... وَفِي السّمع منّي عَن أحاديثها وقر))
قَوْله: وَقد عذرتني الخ عذرته فِيمَا صنع من بَاب ضرب: رفعت عَنهُ اللوم فَهُوَ مَعْذُور أَي: غير ملوم. وَالِاسْم الْعذر بِالضَّمِّ.
وَقَوله: حلّ فِي مالنا النزر أَي: القلّة. ونهنهه: كفّه وَمنعه.
وَقَوله: إِذا حشرجت يَوْمًا الخ أورد صَاحب الكشّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: كلا إِذا بلغت التّراقي على إِضْمَار النَّفس قبل الذّكر لذلالة الْكَلَام عَلَيْهِ كَمَا أضمرها الشَّاعِر فِي حشرجت. والحشرجة أَوله مُهْملَة وَآخره جِيم: الغرغرة عِنْد الْمَوْت وتردّد النَّفس.
والصّدى: مَا يبْقى من الْمَيِّت فِي قَبره قَالَه الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْد قَول النّمر بن تولب الصحابيّ:
следующие страницы →