Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن قَاسم فِي شرح الألفيّة على أنّ الطّيبي صفة مشبّهة مُضَافَة إِلَى مُضَاف وَقَوله: إِذا رجا الرّكب الخ التَّعْرِيس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل للاستراحة وَالنَّوْم.
وَقَوله: بِحَيْثُ تلحس أَي: فِي مَوضِع لَا نَبَات بِهِ وَلَا مَاء.
وَابْن ليلى هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أميّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف. وليلى هِيَ أمّه وَهِي بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁.
والْعرف بِالضَّمِّ: الْمَعْرُوف.
وَقَوله: إِذْ فِي وحشها غرر الْغرَر بِالْكَسْرِ: جمع غرّة وَهِي الْغَفْلَة. يُرِيد أَن وحشها لَا يدعرها أحد فَهِيَ فِي غرّة من عيشها يُقَال: هُوَ فِي غرّة من الْعَيْش إِذا كَانَ فِي عَيْش لَيْسَ فِيهِ كدر وَلَا خوف. وأزمان: نَائِب فَاعل أُعِيد. وأتيتهم خطاب لعمر بن عبد الْعَزِيز. وَضمير وحشها للمدينة المنوّرة.
قَالَ ابْن خلف: مدح الفرزدق بِهَذَا الشّعْر بن عبد الْعَزِيز. وَكَانَ قد ولي الْمَدِينَة. يَقُول: وَمَا أُعِيد لأهل الْمَدِينَة وَلمن بهَا من قُرَيْش أزمانٌ مثل أزمان مَرْوَان فِي الخصب والسّعة حَتَّى وليت أَأَنْت عَلَيْهِم فَعَاد لَهُم مثل مَا كَانُوا فِيهِ من الْخَيْر حِين كَانَ مَرْوَان والياً عَلَيْهِم فَأَصْبحُوا بولايتك عَلَيْهِم قد أعَاد الله نعمتهم عَلَيْهِم.
وَقَالَ الأعلم: مدح بالشعر بني أميّة فَقَالَ: كَانَ ملك الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة
стр. 1542
لغير قُرَيْش وَسَائِر مُضر وَكَانُوا أحقّ بِهِ لفضلهم على الْبُسْر فقد أَصْبحُوا وَالْإِسْلَام فيهم فَعَاد إِلَيْهِم مَا رَجَعَ عَن غَيرهم بِمَا كَانَ وَاجِبا لَهُم بفضلهم انْتهى.
وَالْمعْنَى هُوَ الأوّل ويدلّ لَهُ قَوْله: قد أعَاد الله نعمتهم فإنّ نعمتهم كَانَت مُنْقَطِعَة بعزل مَرْوَان)
وأعيدت أليهم بتولية عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَيْهِم فإنّ الْعود رُجُوع الشَّيْء إِلَى الشَّيْء بعد انْفِصَاله عَنهُ.
وأمّا قَوْله: فَعَاد إِلَيْهِم بعد مَا خرج عَن غَيرهم فَهَذَا انْتِقَال لَا عود.
وَقَوله: قد أعَاد الله نعمتهم هَذِه الْجُمْلَة خبر صَار.
وَالْعجب من العيبيّ فِي قَوْله صَار من الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَجعله هَذِه الْجُمْلَة حَالا مَعَ أَنه لم يعيّن الْخَبَر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
على أَن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز تَقْدِيم الْخَبَر الْمَنْصُوب إِذْ الْبَاء لَا تدخل إلاّ على الْخَبَر الْمَنْصُوب.
وعَلى هَذَا بني أَبُو عليّ والزمخشريّ امْتنَاع دُخُولهَا على مَا التميمية
стр. 1543
وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش.
قَالَ أَبُو عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أمّا مَا انشده بعض البغداديين:
(أما وَالله عَالم كل غيبٍ ... وربّ الْحجر وَالْبَيْت الْعَتِيق)
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
فإنّه يكون شَاهدا على مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو فِي نصب خبر مَا مقدّما. وَمن دفع ذَلِك أمكن أَن يَقُول إِن الْبَاء دخلت على الْمُبْتَدَأ وَحمل مَا على أَنَّهَا مَا التميمية. ويقوى أَن مَا حجازيّة أنّ أَنْت أخصّ من الحرّ فَهُوَ أولى بِأَن يكون الِاسْم وَيكون الحرّ الْخَبَر. انْتهى.
أَقُول: من يدْفع ذَلِك يَقُول: إنّ الْبَاء زيدت فِي خبر مَا التميمية وَلَا يذهب أَن مذخولها مُبْتَدأ. وَالصَّحِيح أنّها تزاد فِي خبر مَا على اللّغتين وَهُوَ ظاره كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي مَسْأَلَة مَا زيد بِشَيْء إلاّ شَيْء لَا يعبأ بِهِ.
قَالَ الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة: والأصحّ مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أوجه: أَحدهَا: أنّ بني تَمِيم يدْخلُونَهَا فغي الْخَبَر فَيَقُولُونَ: مَا زيد بقائم فَإِذا لم يدخلوها رفعوا.
قَالَ ابْن خروف: إنّ بني تَمِيم يرفعون مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر ويدخلون الْبَاء فِي الْخَبَر لتأكيد النَّفْي. ثمَّ حكى عَن الفرّاء أنّه قَالَ: أنشدتني امرأةٌ.)
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
стр. 1544
قَالَ: فأدخلت الْبَاء فِيمَا يَلِي مَا. فَإِن ألغيتها رفعت. انْتهى.
وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق وَهُوَ تميمي: الطَّوِيل
(لعمرك مَا معن بتارك حقّه ... وَلَا منسئٌ معنٌ وَلَا متيسّر)
وَهُوَ كثير فِي أشعارهم لمن بحث عَنهُ.
وَالثَّانِي: أَن الْبَاء إِنَّمَا دخلت على الْخَبَر بعد مَا لكَونه منفيّاً لَا لكَونه خَبرا مَنْصُوبًا وَلذَلِك دخلت فِي خبر لم يكن وَلم يدْخل فِي خبر كنت. وَإِذا ثَبت أَن المسوّغ لدخولها إنّما هُوَ النَّفْي فَلَا فرق بَين منفي مَنْصُوب الْمحل ومنفيّ مَرْفُوع الْمحل.
وَالثَّالِث: أنّه قد ثَبت دُخُول الْبَاء مَعَ إبِْطَال الْعَمَل وَمَعَ أداةٍ لَا عمل لَهَا الْبَتَّةَ نَحْو قَوْله: المتقارب.
(لعمرك مَا إِن أَبُو مالكٍ ... بواهٍ وَلَا بضعيف قواه)
وَأنْشد الفارسيّ فِي التّذكرة للفرزدق: الطَّوِيل
(يَقُول إِذا اقلولى عَلَيْهَا وأقردت ... أَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم)
وإنّما دخلت بعد هَل لشبهها بِحرف النَّفْي فَدَخَلُوهَا بعد النَّفْي الْمَحْض وَهُوَ مَا التميميّة أحقّ.
قَالَ ابْن مَالك: لِأَن شبه مَا بهَا أكمل من شبه هَل بهَا. ثمَّ ذكر مَا حكى الفرّاء عَن كثيرٍ من أهل نجد. أَنهم يجرّون الْخَبَر بَعْدَمَا بِالْبَاء وَإِذا أسقطوا الْبَاء رفعوا.
قَالَ ابْن مَالك: وَهَذَا دَلِيل واضحٌ على أَن دُخُول
стр. 1545
الْبَاء جارّة للْخَبَر بعد مَا لَا يلْزم مِنْهُ كَون الْخَبَر مَنْصُوب الْمحل بل جَازَ أَن يُقَال هُوَ مَنْصُوب المحلّ وَأَن يُقَال هُوَ مَرْفُوع المحلّ وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ حجازياً فإنّ الحجازيّ قد يتَكَلَّم بِغَيْر لغته وَغَيره يتكلّم بلغته. إلاّ أنّ الظَّاهِر أنّ محلّ الْمَجْرُور نصبٌ إِن كَانَ الْمُتَكَلّم حجازياً ورفعٌ إِن كَانَ تميمياً أَو نجدياً.
قَالَ: فَمن دُخُول اللُّغَة التميمية فِي الحجازية كسر هَاء الْغَائِب بعد كسرة أَو يَاء سَاكِنة وإدغام نَحْو: وَلَا يضارّ كاتبٌ وَلَا شهيدٌ وَرفع الله من قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إلاّ الله لأنّ اللُّغَة الحجازيّة بِهِ وَفِيه بِالضَّمِّ وَلَا يضارر بالفكّ وإلاّ الله بِالنّصب لأنّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع.
قَالَ: وَإِذا جَازَ للحجازيّ أَن يتَكَلَّم باللغة التميميّة جَازَ للتميميّ أَن يتَكَلَّم باللغة الحجازيّة بل)
التميميّ بذلك أولى لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أنّ الحجازية أفْصح وانقياد غير الْأَفْصَح لموافقة الْأَفْصَح أَكثر وقوعاً من الْعَكْس.
وَالثَّانِي: أنّ مُعظم الْقُرْآن حجازيّ والتميميّون متعبّدون بتلاوته كَمَا أنزل وَلذَلِك لَا يقْرَأ أحد مِنْهُم مَا هَذَا بشر إلاّ من جهل كَونه منزلا. هَذَا مَا قَالَه وَفِيه نظر لَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع. انْتهى مَا أوردهُ الشّاطبي.
وروى الفرّاء هَذَا الْبَيْت فِي تَفْسِيره كَذَا:
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
أنْشدهُ فِي سُورَة الجنّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِن استقاموا على الطّريقة.
стр. 1546
قَالَ: قد اجْتمع الفرّاء على كسر إنّا فِي قَوْله تَعَالَى: فَقَالُوا إنّا سمعنَا قُرْآنًا عجيباً وَاخْتلفُوا فِيمَا بعد ذَلِك فقرؤوا: وَأَنا وإنّا إِلَى آخر السُّورَة فكسروا بَعْضًا وفتحوا بَعْضًا. فأمّا الَّذين فتحُوا كلّها فإنّهم ردّوا أنّ على قَوْله: فَآمَنا بِهِ وآمنا بكلّ ذَلِك ففتحت أنّ لوُقُوع الْإِيمَان ويقويّ النصب قَوْله تَعَالَى: وَأَن لَو استقاموا فَيَنْبَغِي لمن كسر أَن يحذف أَن من لَو لأنّ إنّ إِذا خفّفت لم تكن فِي حِكَايَة أَلا ترى أنّك تَقول: أَقُول لَو فعلت لفَعَلت وَلَا تدخل أَن.
وَأما الَّذين كسروا كلّها فهم فِي ذَلِك يَقُولُونَ: وَأَن لَو استقاموا فكأنهم أضمروا يَمِينا مَعَ لَو وقطعوها عَن النسق فَقَالُوا: وَالله أَو لَو استقاموا. وَالْعرب تدخل أَن فِي هَذَا الْموضع مَعَ الْيَمين وتحذفها قَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل فأقسم لَو شَيْء أَتَانَا رَسُوله
وأنشدني آخر: أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... ... ... . . الْبَيْت وَمن كسر كلّها وَنصب وأنّ الْمَسَاجِد لله خصّه بِالْوَحْي وَجعل وَأَن لَو مضمرة فِيهَا الْيَمين على مَا وصفت لَك. انْتهى.
وَكَذَا أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث أَن وَجعلهَا زَائِدَة قَالَ: وَمن مَوَاضِع زيادتها أَن تقع بَين لَو وَفعل الْقسم مَذْكُورا كَقَوْلِه:
стр. 1547
فأقسم أَن لَو الْتَقَيْنَا وَأَنْتُم ... ... ... ... .
أَو متروكاً كَقَوْلِه:)
وَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَغَيره. وَفِي مقرب ابْن عُصْفُور: أنّها فِي ذَلِك حرف جِيءَ بِهِ لربط الْجَواب بالقسم. ويبعده أنّ الْأَكْثَر تَركهَا والحروف الرابطة لَيست كَذَلِك انْتهى.
ونقضه الدّمامينيّ بِاللَّامِ الدَّاخِلَة على الْجَواب المنفيّ كَقَوْلِك: الوافر
وَلَو نعطى الْخِيَار لما افترقنا فإنّها حرف رابط وَالْأَكْثَر تَركهَا نَحْو: وَلَو شَاءَ ربّك مَا فَعَلُوهُ انْتهى.
وأنشده المراديّ أَيْضا كَذَا فِي شرح الألفيّة شَاهدا على أنّ أَن رابط لجواب الْقسم.
وَقَوله: أما وَالله عَالم كلّ غيب ... الخ
стр. 1548
أما بِالتَّخْفِيفِ حرف تبينه يستفتح بِهِ الْكَلَام وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف أَي: لقاومتك أَو فِي بيتٍ آخر.
وَقَوله: لَو أنّك يقْرَأ بِنَقْل فَتحه الْألف من أنّك إِلَى وَاو لَو. والحرّ من الرِّجَال: الْكَرِيم الأَصْل الَّذِي خلص من الرّق مُطلقًا وساء كَانَ رّق الْعُبُودِيَّة أَو رّق النَّفس بِأَن تستخدمه فِي الرذّائل. والخليق: الجدير واللائق أَي: وَلَا أَنْت جدير بِأَن تكون حرّاً. والْعَتِيق على رِوَايَة الفرّاء وَغَيره هُوَ الْكَرِيم والأصيل. وَالَّذِي خلص من الرقّ عَتيق أَيْضا. ولذكره بِجنب الحرّ حسن وَهَذَانِ البتان لم أعرف قائلهما. وَقَالَ العينيّ فِي الْبَيْت الشَّاهِد: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَلم يعزه إِلَى أحد. أَقُول: لم ينشده سِيبَوَيْهٍ وَلَا وَقع فِي كِتَابه. وَصَوَابه أنْشدهُ الفرّاء فإنّه أوّل من اسْتشْهد بِهِ.
وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
المتقارب
(لعمرك مَا إِن أَبُو مَالك ... بوانٍ وَلَا بضعيف قواه)
على أنّ الْبَاء تزاد بعد مَا النافية المكفوفة بإن اتِّفَاقًا. وَهَذَا يدلّ على أنّه لَا اخْتِصَاص لزِيَادَة الْبَاء فِي خبر مَا الحجازيّة.
وَهَذَا الْبَيْت أول أبياتٍ للمتنخّل الهذليّ يرثي بهَا أَبَاهُ وَبعده: ...
стр. 1549
(وَلَا بألدّ لَهُ نازعٌ ... يغاري أَخَاهُ إِذا مَا نَهَاهُ)
(ولكنّه هيّنٌ ليّنٌ ... كعالية الرّمح عردٌ نساه)
(إِذا سدته سدت مطواعةً ... وَمهما وكلت إِلَيْهِ كَفاهُ)
(أَلا من يُنَادي أَبَا مالكٍ ... أَفِي أمرنَا هُوَ أم فِي سواهُ)
(أَبُو مالكٍ قاصرٌ قفره ... على نَفسه ومشيعٌ غناهُ)
وَقَوله: لعمرك مَا إِن الخ اللَّام لَام الِابْتِدَاء وفائدتها توكيد مَضْمُون الْجُمْلَة. وعمرك بِالْفَتْح بِمَعْنى حياتك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة مَا إِن أَبُو مَالك الخ جَوَاب الْقسم وأَبُو مَالك هُوَ أَبُو الشَّاعِر. واسْمه عُوَيْمِر لأنّ المتنخّل اسْمه مَالك بن عُوَيْمِر كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
وَلم يصب ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء فِي زَعمه أَنه يرثي أَخَاهُ أَبَا مَالك عويمراً. وان: اسْم فَاعل من ونى فِي الْأَمر ونى وونياً من بَابي تَعب ووعد بِمَعْنى ضعف وفتر.
وَرُوِيَ بدله واهٍ وَهُوَ أَيْضا اسْم فَاعل من وهى من بَاب وعد بِمَعْنى ضعف وَسقط. والقوى: جمع قوّة خلاف الضعْف قَالَ فِي الصِّحَاح: وَرجل
شَدِيد القوى أَي: شَدِيد أسر الْخلق. يُرِيد أَن أَبَاهُ كَانَ جلدا شهماً لَا يكل أمره إِلَى أحد وَلَا يُؤَخِّرهُ لعَجزه إِلَى وَقت آخر.
وَقَوله: وَلَا بألدّ الخ الألدّ: الشَّديد الْخُصُومَة من اللّدد بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ شدّة الْخُصُومَة.
قَالَ السكّريّ فِي شرح أشعار هُذَيْل هُنَا وَتَبعهُ السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَمعنى لَهُ نازعٌ أَي: خلق سوء يَنْزعهُ من نَفسه يُرِيد أَنه من نزعت الشَّيْء من مَكَانَهُ من بَاب ضرب بِمَعْنى قلعته وَيجوز أَن يكون من قَوْلهم لعلّ لَهُ عرقاً نزع أَي: مَال بالشبه. وَيَقُولُونَ أَيْضا: الْعرق نزّاع.
стр. 1550
وَنزع إِلَى أَبِيه وَنَحْوه فِي الشّبَه أَي: ذهب. وَهَذَا عِنْدِي أولى.
وَقَوله: يغاري أَخَاهُ قَالَ السكّريّ وَتَبعهُ السيّد المرتضى: أَي: يلاحي ويشارّ من غاريت)
بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا واليت بَينهمَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَهُوَ من غري بالشَّيْء يغرى بِهِ. أَقُول: كَونه من غري فلَان إِذا تَمَادى فِي غَضَبه أولى. وَرُوِيَ بدله: يعادي من العدواة ضدّ الصّداقة. وَهَذَا وَمَا قبله كِلَاهُمَا داخلان تَحت النَّفْي.
وَقَوله: كعالية الرّمح الخ عالية الرمْح: مَا دخل فِي السنان إِلَى ثلثه وَمعنى: كَونه لينّا كعالية الرّمح أنّه إِذا دعِي أجَاب بسرعةٍ كعالية الرّمح فَإِنَّهُ إِذا هزّ الرّمح اضْطربَ وانهزّ للينه بِخِلَاف غَيره من الأخشاب فَإِنَّهُ لَا يَتَحَرَّك طرفها إِذا هزّت لصلابتها ويبسها.
وَقَوله: عرد نساه العرد بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّديد. وَالضَّمِير لأبي مَالك. والنّسا قَالَ الأصمعيّ: بِالْفَتْح مَقْصُور: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثمَّ يمرّ بالعرقوب حتّى يبلغ الْحَافِر فَإِذا سمنت الدابّة انفلقت فخذاها بلحمتين عظمتين وَجرى النّسا بَينهمَا واستبان. وَإِذا هزلت الدابّة اصطربت الفخذان وَمَاجَتْ الرّبلتان وخفي النّسا.
وَإِذا قَالُوا: إنّه لشديد النّسا فإنّما يُرِيدُونَ بِهِ النّسا نَفسه كَذَا فِي الصِّحَاح. قَالَ السكّريّ: أَرَادَ غليظ مَوضِع النسا.
وَقَوله: إِذا سدته سدت الخ قَالَ السيّد المرتضى: وَمعنى سدته من المساودة الَّتِي هِيَ المساررة والسّواد هُوَ السّرار كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا ساررته طاوعك وساعدك. وَقَالَ قوم: هُوَ من وَقوم ينشدونه: إِذا سسته سست مطواعةً
стр. 1551
وَلم أجد ذَلِك فِي رِوَايَة. انْتهى.
وَهَذِه الرِّوَايَة أثبتها أَبُو تَمام صَاحب الحماسة فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل. وسته من سست الرعيّة سياسة. والمطواع: الْكثير الطوع أَي: الانقياد وَالتَّاء لتأكيد الْمُبَالغَة.
وَاقْتصر السكّريّ على الْمَعْنى الثَّانِي فَقَالَ: يَقُول إِذا كَانَ لَك السؤدد عَلَيْهِ أطاعك وَلم يحسدك.
وَمهما وكلت إِلَيْهِ أَي: مهما تركته وإيّاه كَفاهُ. انْتهى.
والسّواد بِالْكَسْرِ كالسّرار وزنا وَمعنى.
وَهَذَا الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي الجوازم. وَقَوله: أَفِي أمرنَا هُوَ الخ يَعْنِي غيبته عَنَّا ألنفعنا كَمَا كَانَ تعوّد أم لشَيْء آخر كالموت. وَهَذَا كَلَام المتولّه الَّذِي حصل لَهُ ذُهُول لعظم مَا)
أَصَابَهُ.
وَقَالَ السكّريّ: هَذَا مِنْهُ توجّع أَرَادَ من يُنَادي أَبَا مَالك فيسأله أمضى أم قد ذهب وَأمره يصير إِلَيْنَا أم يذهب وَقَالَ الباهليّ: أمرنَا أمره.
وَقَوله: قَاصِر فقره على نَفسه هُوَ من الْقصر وَهُوَ الْحَبْس. والمشيع: من الإشاعة وَهِي الإذاعة. يُرِيد أنّه إِذا افْتقر أخْفى فقره وَإِذا أثرى أذاع غناهُ ليقصد من كلّ جِهَة وَهَذَا من شرف النَّفس.
وَهَذِه الأبيات على هَذَا التَّرْتِيب للمتنخّل الهذليّ رَوَاهَا ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء والسكّريّ فِي أشعار هُذَيْل والسيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ والأصبهانيّ
فِي أغانيه. وروى أَبُو تّمام فِي مُخْتَار أشعار البائل الْبَيْت الشَّاهِد مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين لذِي الإصبع العدوانيّ هَكَذَا: ...
стр. 1552
(وَمَا إِن أسيدٌ أَبُو مالكٌ ... بوانٍ وَلَا بضعيفٍ قواه)
(ولكنّه هيّنٌ ليّنٌ ... كعالية الرّمح عردٌ نساه)
(فَإِن سسته سست مطواعةً ... وَمهما وكلت إِلَيْهِ كَفاهُ)
وَأسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة. والمتنخّل بِكَسْر الْخَاء الْمُشَدّدَة اسْم فَاعل من تنخّل يُقَال تنخّلته أيّ: تخيّرته كأنّك صفتيه من نخالته. والمتنخل لقبٌ واسْمه مَالك وَهُوَ جاهليّ.
ونسبته: مَالك بن عُوَيْمِر بن عُثْمَان بن خُنَيْس بن عَادِية بن صعصعة بن كَعْب بن طابخة أَخُو بني لحيان بن هُذَيْل بن مدركه. شاعرٌ محسّن من شعراء هُذَيْل.
قَالَ الآمديّ: والمتنخّل السّعديّ شَاعِر أَيْضا وَلم يَقع إليّ من شعره شيءٌ. وَاسْتشْهدَ
(يَا زبرقان أَخا بني خلفٍ ... مَا أَنْت ويب أَبِيك وَالْفَخْر)
وَمن شعر المتنخّل الهذليّ أنْشدهُ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح نَوَادِر القالي وَلَيْسَ مَوْجُودا فِي رِوَايَة السكّريّ: الْبَسِيط
(لَا ينسئ الله منّا معشراً شهدُوا ... يَوْم الأميلح لَا عاشوا وَلَا مرحوا)
...
стр. 1553
(عقّوا بسهمٍ فَلم يشْعر لَهُ أحدٌ ... ثمّ استفاؤوا وَقَالُوا حبذا الوضح)
قَالَ البكريّ: هَذَا من شعر يهجو بِهِ نَاسا من قومه كَانُوا مَعَ أَبِيه حجّاجاً يَوْم قتل. وَقَوله: لَا ينسئ الله أَي: لَا يُؤَخر الله مَوْتهمْ من الْإِنْشَاء وَهُوَ التَّأْخِير.)
قَالَ أَبُو العبّاس ثَعْلَب: التّعقية: سهم الِاعْتِذَار. قَالَ ابْن الأعرابيّ: أصل هَذَا أَن يقتل الرجل رجلا من قبيلته فيطلب الْقَاتِل بدمه فتجتمع جمَاعَة من الرؤساء إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول بديةٍ مكملة ويسألونهم الْعَفو وَقبُول الدِّيَة فَإِن كَانَ أولياؤه ذَوي قوّة أَبَوا ذَلِك وإلاّ قَالُوا لَهُم: بَيْننَا وَبَين خالقنا علامةٌ لِلْأَمْرِ والنّهي فَيَقُول الْآخرُونَ: مَا علامتكم فَيَقُولُونَ: أَن نَأْخُذ سَهْما فنرمي بِهِ نَحْو السَّمَاء فَإِن رَجَعَ إِلَيْنَا مضرّجاً بِالدَّمِ فقد نهينَا عَن أَخذ الدِّيَة وَإِن رَجَعَ كَمَا صعد فقد أمرنَا بأخذها. وَحِينَئِذٍ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدِّيَة. وَكَانَ مسح اللّحية عَلامَة للصّلح قَالَ الأسعر الْجعْفِيّ: قَالَ ابْن الأعرابيّ: مَا رَجَعَ ذَلِك السّهم قطّ إلاّ نقيّاً وَلَكنهُمْ يَعْتَذِرُونَ بِهِ عِنْد الجهّال انْتهى. وعقّوا بِضَم الْقَاف وَفتحهَا لأنّه جَاءَ من بَابَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَال: عقّ بِالسَّهْمِ إِذا رمي بِهِ نَحْو السَّمَاء وَذَلِكَ السهْم يسمّى عقيقة بقافين وَيُقَال لَهُ أَيْضا: سهم
стр. 1554
الِاعْتِذَار. فعقّوا بِضَم الْقَاف. وَيُقَال: عقّى بسهمه تعقية: إِذا رَمَاه فِي الْهَوَاء. فعقّوا بِفَتْح الْقَاف.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(نَدِمت على لِسَان كَانَ منّي ... فليت بأنّه فِي جَوف عكم)
على أنّ الْبَاء قد تزاد بعد لَيْت كَمَا هُنَا.
قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: الْبَاء زَائِدَة وَالْوَجْه فليت أنّه.
قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: وَجه زِيَادَة الْبَاء فِي اسْم لَيْت شبه لَيْت لنصبها ورفعها بِالْفِعْلِ وَالْفِعْل يصل تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِالْبَاء قَالَ تَعَالَى: ألم يعلم بأنّ الله يرى ويعلمون أنّ الله هُوَ الحقّ الْمُبين.
وَمثله فِي أَنه لما أشبه الْفِعْل عديّ تعديته تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِحرف الْجَرّ يَا زيد وبالزيد.
فَإِن قلت: فَهَل يكون على إِضْمَار اسْم لَيْت كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(أَلا لَيْت أنّي يَوْم تَدْنُو منيّتي ... شممت الَّذِي مَا بَين عَيْنَيْك والفم)
فغن ذَلِك لَا يَسْتَقِيم لِئَلَّا يبتدأ بأنّ مَفْتُوحَة.
وسدّ الظّرْف فِي خبر أنّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا سدّ فِي قَوْلك علمت أَن زيدا فِي الدَّار مسدّ)
الْمَفْعُول الثَّانِي. وَجَوَاز حذف الْخَبَر فِي لَيْت وأنّ وبابه بِوُقُوع الْجمل أَخْبَارًا لَهَا. انْتهى.
стр. 1555
وَقَالَ فِي الْحجَّة عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولكنّ الشّياطين كفرُوا من سُورَة الْبَقَرَة: فَأَما مَا أنْشدهُ أَبُو زيد:
نَدِمت على لِسَان فَاتَ منّي الْبَيْت فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْبَاء زَائِدَة وَتَكون أنّ مَعَ الجارّ فِي مَوضِع نصب وَيكون مَا جرى فِي صلَة أنّ قد سدّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا أنّها فِي ظَنَنْت أنّ زيدا منطلق كَذَلِك.
وَيحْتَمل أَن الْهَاء مُرَادة وَدخلت الْبَاء على الْمُبْتَدَأ كَمَا دخلت فِي بحسبك أَن تفعل ذَلِك.
وَلَا يمْتَنع هَذَا من حَيْثُ امْتنع الِابْتِدَاء بأنّ لمَكَان الْبَاء أَلا ترى أنّ أنّ قد وَقعت بعد لَوْلَا فِي نَحْو قَوْلك: لَوْلَا أنّك منطلق وَلم يجر ذَلِك الِامْتِنَاع مجْرى أنّك منطلق بَلغنِي لأنّ الْمَعْنى الَّذِي لَهُ لم يبتدأ بالمفتوحة مَعَ لَوْلَا مَعْدُوم. انْتهى كَلَامه.
وروى شَارِح ديوَان الحطيئة: فليت بَيَانه فَلَا شَاهد فِيهِ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للحطيئة قَالَهَا لأبي سهم عود بن مَالك بن غَالب. وَهِي أَرْبَعَة أَبْيَات فِي ديوانه.
(فيا ندمي على سهم بن عوذٍ ... ندامة مَا سفهت وضلّ حلمي)
(نَدِمت ندامة الكسعيّ لمّا ... شريت رضَا بني سهمٍ برغميّ)
стр. 1556
.
(نَدِمت على لسانٍ فَاتَ منّي ... فليت بأنّه فِي جَوف عكم)
(هنالكم تهدّمت الرّكايا ... وضمّنت الرّجا فهوت بذميّ)
قَوْله: فيا ندمي قَالَ أَبُو عمر الْجرْمِي: أَرَادَ فيا ندامتاه فَحذف الْهَاء
لما وصل الْكَلَام.
ويروى: يَا ندمي بِإِسْقَاط الْفَاء. وندامة بِالنّصب وَمَا مصدريّة أَي: ندامة سفهى وَيشْهد لَهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي ندامة أَن سفهت وَقد رَوَاهَا شَارِح ديوانه. والسّفه: طيشٌ وخفّة عقل. والْحلم بِالْكَسْرِ: الْعقل. والكسعيّ: رجلٌ جاهليّ كَانَت لَهُ قَوس رمى عَلَيْهَا باللّيل حميراً من الْوَحْش فظنّ أَنه أَخطَأ وَكَانَ قد أصَاب فَغَضب فَكَسرهَا فلمّا أصبح رأى الْحمير مجدلّةٌ فندم على كسر قوسه.
فَضرب بِهِ الْمثل فَقيل: أندم من الكسعيّ و: نَدِمت ندامة الكسعيّ.
وَشرح هَذَا الْمثل مفصّل فِي أَمْثَال حَمْزَة والميدانيّ والزمخشريّ.)
وشريت هُنَا بِمَعْنى بِعْت. يَقُول: بِعْت رضاهم برغمٍ منّي.
وَقَوله: نَدِمت على لِسَان الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: اللِّسَان هَاهُنَا الْكَلَام فَيكون مجَازًا أطلق وَقَالَ ابْن الأنباريّ فِي شرح المفضّليات: اللِّسَان هَاهُنَا الرسَالَة أوردهُ نظيراً لمطلع قصيدة مرقش الْأَكْبَر: المتقارب
(أَتَتْنِي لِسَان بني عامرٍ ... فَجلت أحاديثها عَن بصر)
стр. 1557
وَقد تكلّم أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ على اللِّسَان بِكَلَام مَبْسُوط على قَول يزِيد بن الحكم: الطَّوِيل لسَانك لي أريٌ وعينك علقم وشرّك مبسوطٌ وخيرك ملتوي وَقد تقدم هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته مشروحةً فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة فَأَحْبَبْت أَن أوردهُ هُنَا لحسنه قَالَ: لَيْسَ يَخْلُو اللِّسَان من أحد الْمَعْنيين إمّا أَن يكون الْجَارِحَة أَو الَّتِي بِمَعْنى الْكَلَام كَقَوْلِه : وَمَا أرسلنَا من رسولٍ إلاّ بِلِسَان
قومه كأنّ الْمَعْنى: بلغتهم. وَمِمَّا يقويّ ذَلِك إِفْرَاد اللِّسَان حَيْثُ أُرِيد بِهِ الحارجة قَالَ : وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم.
وَأنْشد أَبُو زيد: نَدِمت على لسانٍ كَانَ منّي ... ... ... . . الْبَيْت فَبِهَذَا يعلم أَنه لَا يُرِيد بِهِ الحارجة لأنّ النّدم لَا يَقع على الْأَعْيَان إنّما يَقع على معانٍ فِيهَا. فَإِن قلت: فقد قَالَ: فليت بأنّه فِي جَوف عكم إنّما يكون الْعين. قيل: هَذَا اتّساع وإنّما أَرَادَ فليته كَانَ مطويّاً لم ينتشر كَمَا قَالَ أَوْس: الْبَسِيط
(لَيْسَ الحَدِيث بنهى بينهنّ وَلَا ... سرّ يحدّثنه فِي الحيّ منشور)
فَلَيْسَ المنشور هُنَا كَقَوْلِك نشرت الثَّوْب الَّذِي هُوَ خلاف طويته وغنّما يُرِيد إِنَّه لَا يذاع وَلَا يشاع فاتسع.
وَكَذَلِكَ قَوْله:
стр. 1558
الْبَسِيط إنّي أَتَانِي لسانٌ لَا أسرّ بِهِ انْتهى المُرَاد مِنْهُ.
وتقدّم بقيّة هَذَا على بَيت ابْن الحكم هُنَاكَ. وَمُرَاد أبي عليّ بالاتساع الِاسْتِخْدَام فإنّ اللِّسَان)
أُرِيد بِظَاهِرِهِ معنى وبضميره معنى آخر كَقَوْلِه: الوافر
(إِذا نزل السّماء بِأَرْض قومٍ ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
وَكَانَ هُنَا تَامَّة بِمَعْنى حدث وَجرى ويروى بدله فَاتَ منّي. والعكم بِكَسْر الْمُهْملَة: الْعدْل وَقَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ مثل الجوالق.
وَقَوله: هُنَا لكم الخ أَي: عِنْد ذَلِك القَوْل الَّذِي صدر منّي فِي حَقهم. والرّكايا: الْآبَار جمع قَالَ فِي الصِّحَاح: وكلّ شَيْء جعلته فِي فِي وعَاء فقد ضمنته إِيَّاه. والرّجا بِالْجِيم قَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ جَانب الْبِئْر من دَاخل وجولها بِالضَّمِّ: جوانبها من خَارج. والرّجا: النّاحية من كلّ شَيْء قَالَ أَبُو زيد: الرّجا هُنَا بِمَعْنى الأرجاء.
يُرِيد أَنه مُفْرد معرّف بللام وَقع موقع الْجمع لأنّ الْبِئْر لَهَا نواح. يَقُول: عِنْدَمَا صدر منّي قولٌ فِي حَقهم كأنّ الْآبَار تهدّمت وَسَقَطت عليّ بِجَمِيعِ نَوَاحِيهَا بِسَبَب ذميّ. وروى بذمّ بالتنكير.
قَالَ شَارِح ديوانه: أَي: بذمّ الرّكايا.
وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة: يَقُول كَالَّذي حفر بِئْرا وَهُوَ حِين حفرهَا لم يقدّر أَنَّهَا تقع على فَسَاد فلمّا أَن حفرهَا وَقع على فَسَاد فبناها
стр. 1559
على ذَلِك وتهدّم مَا بنى وَكَانَ قبل ذَلِك يأمل التَّمام لما يُرِيد. فَمثل هَذَا لّما أَن مدح على رَجَاء تَمام للمدح فأخلف فهوى بذّم. انْتهى.
ثمَّ رَأَيْت ديوَان الحطيئة جمع أبي سعيد السكّريّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَقبل هَذِه الأبيات قصيدةٌ فِي ذمّ بني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس وهم بَنو عمّه مِنْهَا: الطَّوِيل
(وَلَو وجدت سهمٌ على الغيّ ناصراً ... لقد حلبت فِيهِ زَمَانا وصرّت)
(وَلَكِن سَهْما أفسدت دَار غالبٍ ... كَمَا أعدت الجرب الصّحاح فعّرت)
قَالَ السكّريّ: كَانَ من حَدِيث هَذِه القصيدة أنّ بني مَالك بن غَالب وهم رَهْط الحطيئة وَبني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب أَغَارُوا وَفِيهِمْ سمير المخزوميّ وَرَئِيسهمْ قدامَة بن عَلْقَمَة وَمَعَهُمْ المسّيب على هوَازن فَأَصَابُوا سبياً وإبلاً فَتَنَازَعَ المسيّب وسمير فِي الْإِبِل فَأَمَرته بِربع مِنْهَا فَأَخذه فَوَجَدَهُ بعد أَنْجَب بعير فِي النَّاس وَهُوَ الرّواح.
ثمَّ إِن سميراً خرج بِنَفر من قومه حتّى أَتَوا الْإِبِل فأطردوها وَقَالَ الوليدة: أخيري مَوْلَاك أَنه قد ذهب بِالْإِبِلِ فَلَمَّا أَتَى المسيّب الْخَبَر ركب بِأَصْحَابِهِ فَالْتَقوا فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل مِنْهُم)
أَرْبَعَة نفر وَذهب بهَا سمير.
وَكَانَ قَالَ هَذِه الأبيات قبل أَن يذهب بهَا سميرً فَلَمَّا ذهب بهَا سمير نَدم الحطيئة مِمَّا قَالَ فَقَالَ: فيا ندمي على سهم بن عوذٍ الأبيات الْأَرْبَعَة
стр. 1560
قَالَ السكّريّ: أَرَادَ بِاللِّسَانِ الشّعْر يُرِيد: وددت أنّ الشّعْر الَّذِي قلت فيهم كَانَ مخبوءاً فِي جوالق. والرّجا: مَا بَين رَأس الْبِئْر إِلَى أَسْفَلهَا فَجعله هَاهُنَا أَسْفَلهَا.
وَقَوله: وضمنت الرّجا يُرِيد أنّها تهدّمت فَصَارَ أَعْلَاهَا فِي أَسْفَلهَا. فَلذَلِك جعل جعل أَسْفَلهَا تضمّن أَعْلَاهَا. وَهَذَا مثل. وهوت بذمّ: سَقَطت مذمومة انْتهى كَلَامه.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرة ... وَلَا ناعب إلاّ يبين غرابها)
على أنّ ناعبٍ عطف بالجرّ على مصلحين الْمَنْصُوب على كَونه خبر لَيْسَ لتوهّم الْبَاء فإنّها تجوز زيادها فِي خبر لَيْسَ ويسمّى هَذَا فِي غير الْقُرْآن الْعَطف على التوهمّ وَفِي الْقُرْآن الْعَطف على الْمَعْنى.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ ف يموضعين بروايتين الأول أنْشدهُ وَلَا ناعباً بِالنّصب للْعَطْف على مصلحين اسْتشْهد بِهِ على نصب عشيرة بمصلحين لأنّ
стр. 1561
النُّون فِيهِ بِمَنْزِلَة التَّنْوِين فِي واحده وَكِلَاهُمَا يمْنَع من الْإِضَافَة وَيُوجب نصب مَا بعده وَالثَّانِي بجرّ ناعب على توهّم الْبَاء فِي خبر لَيْسَ.
وَلم يجز المبّرد إلاّ نصب ناعب قَالَ: لأنّ حرف الْجَرّ لَا يضمر.
وَقد بيّن سِيبَوَيْهٍ ضعفه وَبعده مَعَ أَخذه لذَلِك عَن الْعَرَب سَمَاعا فَلَا معنى للردّ عَلَيْهِ.
وَأوردهُ صَاحب الكشّاف نظيراً لقَوْله تَعَالَى: كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا
بعد إِيمَانهم وشهدوا أنّ الرّسول حقّ قَالَ: شهدُوا مَعْطُوف على مَا فِي إِيمَانهم من معنى الْفِعْل فَهُوَ من قبيل عطف الْفِعْل على الْمصدر بِتَقْدِير أَن إِذْ الْمَعْنى بعد أَن آمنُوا وشهدوا كَمَا جرّ الشَّاعِر ناعباً بتوهّمك الْبَاء فِي خبر لَيْسَ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ عدّتها ستّة وَعِشْرُونَ بَيْتا للأخوص اليربوعيّ وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا)
أنشدها الجاحظ فِي كتاب الْبَيَان:
(وَلَيْسَ بيربوع إِلَى الْعقل حاجةٌ ... سوى دنس يسودّ مِنْهُ ثِيَابهَا)
(فَكيف بنوكى مالكٍ إِن غفرتم ... لَهُم هَذِه أم كَيفَ بعد خطابها)
стр. 1562
مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرة ... ... ... ... الْبَيْت
(فَإِن أَنْتُم لم تقتلُوا بأخيكم ... فكونوا غايا بالأكف عيابها)
(سيخبر مَا أحدّثتم فِي أخيكم ... رفاقٌ من الْآفَاق شتّى إيابها)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: هَذَا الشّعْر لقِتَال كَانَ بَين بني يَرْبُوع وَبَين بني دارم. فَأَرَادَ بقوله مشائيم بني دارم بن مَالك لَا بني يَرْبُوع.
وَكَانَ من قصَّة هَذَا الشّعْر أنّ نَاسا من بني يَرْبُوع وَبني دارم اجْتَمعُوا على القرعاء فَقتل بَينهم رجلٌ من بني غُدَانَة يكنى أَبَا بدر فَقَالَت بَنو يَرْبُوع: وَالله لَا نَبْرَح حتّى ندرك ثَأْرنَا فَقَالَت بَنو فَقَالَت بَنو غُدَانَة: نَحن نَفْعل. فأخرجوا خمسين فَحَلَفُوا كلّهم إلاّ رجلا: أنّ الَّذِي قتل أَبَا بدرٍ عبيد بن زرْعَة فَقَالَ الْبَاقِي من الْخمسين: أَلَيْسَ تدفعون إِلَيْنَا
عبيدا إِذا أَنا أكملت الْخمسين قَالُوا: لَا ولكنّا نديه لأنّا لَا نَدْرِي من قَتله. فَقَالَ الْبَاقِي عِنْد ذَلِك وَهُوَ أَبُو بيض الغدانيّ: وَالله لَا أكملهم أبدا وَلَا يفارقنا عبيد حتّى نَقْتُلهُ فَقَامَ ضرار بن الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة وشيبان بن حَنْظَلَة بن بشر بن عَمْرو فكفلا بعبيد فَدَفَعته بَنو غُدَانَة إِلَيْهِمَا فَلَمَّا جنّهم اللّيل قَالَ ضرار وشيبان لِعبيد: انْطلق حَيْثُ شِئْت.
وغدت بَنو غُدَانَة على بني دارم فَقَالُوا لَهُم: إنّ صَاحبكُم قد هرب وَلَكِن هَذِه وَلَكِن هَذِه الدّية فاقبلوها من إخوتكم وَلَا تَطْلُبُوا غير ذَلِك فتكونوا كجادع أَنفه وَلَو علمنَا مَكَان صَاحبكُم
стр. 1563
قصدنا إِلَيْهِ. فلمّا سمعهم الأخوص يذكرُونَ الدِّيَة قَالَ: دَعونِي أتكلّم يَا أَبَا خَوْلَة.
فَقَالَ هَذِه الأبيات من قصيدة.
قَوْله: وَلَيْسَ بيربوع إِلَى الْعقل الخ يَقُول: إنّ الْعقل لَا يَنْفَعهُمْ بل يضرّهم ويكسبهم عاراً. ونوكى: بِالْفَتْح جمع أنوك كأحمق وحمقى وزنا وَمعنى أَي: كَيفَ الْعشْرَة مَعَهم. ويروى بدل خطابها سبابها بِالْكَسْرِ: مصدر سابّه أَي: شاتمه. ومشائيم: جمع مشؤوم كمقصور قَالَ فِي الصِّحَاح وَقد شأم فلَان قومه يشأمهم فَهُوَ شائم: إِذا جرّ عَلَيْهِم الشؤم وَقد شئم عَلَيْهِم فَهُوَ مشؤوم: إِذا صَار شؤماً عَلَيْهِم وَقوم مشائيم.)
وَقَالَ السَّيِّد المرتضى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنّ الْعَرَب لَا تعرف هَذَا وإنّما هُوَ من كَلَام أهل الْأَمْصَار. وإنّما تسميّ الْعَرَب من لحقه الشّؤم مشؤوماً كَمَا فِي قَول عَلْقَمَة بن عَبدة: الْبَسِيط
(وَمن تعرّض للغربان يزجرها ... على سَلَامَته لَا بدّ مشؤوم)
وعشيرة الرجل: بَنو أَبِيه الأدنون. قَالَ الأعلم: نسبهم إِلَى الشؤم وقلّة الصّلاح وَالْخَيْر فَيَقُول: لَا يصلحون أَمر الْعَشِيرَة إِذا فسد مَا بَينهم وَلَا يأتمرون بِخَير فغرابهم لَا ينعب إلاّ بالتشتيت والفراق.
وَهَذَا مثل للتعصّم مِنْهُم والتشؤّم. والنّعيب بِالْعينِ الْمُهْملَة: صَوت الْغُرَاب ومدّه عُنُقه عِنْد ذَلِك وَمِنْه يُقَال نَاقَة نعوب: إِذا مدّت عُنُقهَا فِي السّير.
وَقَالَ ابْن
стр. 1564
السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يُقَال نعب الْغُرَاب: إِذا صَاح. وهم يتشاءمون بِصَوْت الْغُرَاب.
وإنّما ذكر هَذَا على طَرِيق الْمثل وَإِن لم يكن غراب كَمَا يُقَال فلَان مشؤوم الطَّائِر وَيُقَال طَائِر الله لَا طائرك. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: وَقَوْلهمْ: أشأم من غراب الْبَين فإنّما لزمَه هَذَا الِاسْم لأنّ الْغُرَاب إِذا بَان أهل الدَّار لنجعةٍ وَقع فِي مَوَاضِع بُيُوتهم يتلمس مَا يَأْكُلهُ فتشاءموا بِهِ وتطيّروا مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يعتري مَنَازِلهمْ إلاّ إِذا بانوا فسمّوه غراب الْبَين.
ثمَّ كَرهُوا إِطْلَاق ذَلِك الِاسْم مَخَافَة الزّجر والطيرة فَعَلمُوا أنّه نَافِذ الْبَصَر صافي الْعين حَتَّى قَالُوا: أصفي من عين الْغُرَاب كَمَا قَالُوا: أصفى من عين الديك فسمّوه الْأَعْوَر كِنَايَة كَمَا كنّوا عَن الْأَعْمَى فسمّوه أَبَا بَصِير وكما سمّوا الملدوغ سليما والفيافي مفاوز. وَهَذَا كثير.
وَمن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقوا من اسْمه الغربة والاغتراب والغريب. وَلَيْسَ فِي الأَرْض شَيْء مّما يتشاءمون بِهِ إلاّ الْغُرَاب عِنْدهم أنكد مِنْهُ.
وَذكر بعض أَصْحَاب الْمعَانِي أَن نعيب الْغُرَاب يتطيّر مِنْهُ ونغيقه يتفاؤل بِهِ وَأنْشد قَول جرير الْكَامِل
(إنّ الْغُرَاب بِمَا كرهت مولعٌ ... بنوى الأحبّة دَائِم التّشحاج)
(لَيْت الْغُرَاب غَدَاة ينعب دائباً ... كَانَ الْغُرَاب مقطّع الْأَوْدَاج))
ثمَّ أنْشد فِي النّغيق: الوافر
(تركت الطّير عاكفةً عَلَيْهِ ... وللغربان من شبعٍ نغيق)
قَالَ: وَيُقَال نغق الْغُرَاب إِذا قَالَ: غيق غيق. فَيُقَال نغق بِخَير. ونعب نعيباً. إِذا قَالَ غاق غاق.
فَيُقَال عِنْدهَا نعب ببين. قَالَ: وَمِنْهُم من يَقُول نغق ببين وَأنْشد فِي ذَلِك:
стр. 1565
الْبَسِيط أبقى فراقهم فِي المقلتين قذىً أَمْسَى بِذَاكَ غراب الْبَين قد نغقا قَالَ: وَبَعض الْعَرَب قد يتيمنّ بالغراب فَيُقَال: هم فِي خيرٍ لَا يطار غؤابه أَي: يَقع الْغُرَاب فَلَا ينفّر لِكَثْرَة مَا عِنْدهم فلولا تيمنّهم بِهِ لكانوا ينفّرونه.
وَقَالَ الدافعون لهَذَا القَوْل: الْغُرَاب فِي هَذَا الْمثل السوَاد وَاحْتَجُّوا بقول النَّابِغَة: الْكَامِل
(ولرهط حرّاب وزيدٍ سورةٌ ... فِي الْمجد لَيْسَ غرابها بمطار)
أَي: من عرض لَهُم لم يُمكنهُ أَن ينفّر سوادهم لعزّهم وكثؤتهم.
وَقَوله: فكونوا بَغَايَا الخ البغايا جمع بغيّ يُقَال: بَغت الْمَرْأَة بغاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ أَي: زنت فَهِيَ بغيٌّ. والعياب بِكَسْر الْمُهْملَة: جمع عَيْبَة بِفَتْحِهَا وَهِي مَا يَجْعَل فِيهِ الثِّيَاب.
وَقَوله: سيخبر مَا أحدثتم الخ المآب: الْمرجع أَي: إِذا رجعت الرفاق
تفرّقت فِي كل وَجه وانتشر فيهم قبح صنيعكم وَنَقله من سَمعه إِلَى من لم يسمعهُ.
والأخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة يُقَال: رجل أخوص بيّن الخوص أَي: غائر الْعَينَيْنِ وَقد خوص بِالْكَسْرِ وَأما الْأَحْوَص بِالْحَاء الْمُهْملَة فَلَيْسَ هَذَا وَكَثِيرًا مَا يصحف بِهِ. والحوص: ضيق فِي
стр. 1566
قَالَ الآمديّ فِي المؤتلف والمختلف: الأخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة اسْمه زيد ابْن عَمْرو بن قيس بن عتّاب بن هرميّ بن ريَاح بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم شَاعِر فَارس.
وَهُوَ الْقَائِل: الطَّوِيل
(وَكنت إِذا مَا بَاب ملكٍ قرعته ... قرعت بآباءٍ ذَوي شرفٍ ضخم)
(بأبناء عتّابٍ وَكَانَ أبوهم ... إِلَى الشّرف الْأَعْلَى بآبائه ينمي)
(وهم ملكوا الْأَمْلَاك آل محرّقٍ ... وَزَادُوا أَبَا قَابُوس رغماً على زعم)
(وقادوا بكرةٍ من شهَاب وحاجبٍ ... رُؤُوس معدّ فِي الأزمّة والخطم)
(أَنا ابْن الَّذِي سَاد الْمُلُوك حَيَاته ... وساس الْأُمُور بالمروءة والحلم)
(وكنّا إِذا قومٌ رمينَا صفاتهم ... تركنَا صدوعاً بالصّفاة الَّتِي نرمي))
(حمينا حمى الْأسد الَّتِي لشبولها ... تجرّ من الأقران لَحْمًا على لحم)
(وَنرعى حمى الأقوام غير محرّمٍ ... علينا وَلَا يرْعَى حمانا الَّذِي نحمي)
وَله فِي كتاب بني يَرْبُوع أشعارٌ جِيَاد مِمَّا تنخلّته من قبائلهم. انْتهى.
وَكتب أَبُو مُحَمَّد بن عبد الله ابْن برّيّ النّحوي فِي هامشه أنّ صَاحب المؤتلف والمختلف لم يذكر الأخوص الريَاحي وَهُوَ قيس بن زيد بن عَمْرو بن عتاب ابْن ريَاح. قَالَ:
مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرةً ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 1567
وَفِيه أَن الأخوص الرّياحيّ نسب تَارَة إِلَى جدّه الْأَدْنَى وَهُوَ ريَاح وَتارَة إِلَى جدّه الْأَعْلَى وَهُوَ يَرْبُوع.
وقدّم ابْن برّيّ بعض الْأَسْمَاء على بَعْضهَا وَالصَّوَاب مَا أثْبته الآمديّ.
وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه ياقوت فِي مُخْتَصر جمهرة الْأَنْسَاب فإنّه لما ذكر أَوْلَاد هرميّ ابْن ريَاح قَالَ: وَمِنْهُم عتّأب بن هرميّ بن ريَاح وَهُوَ ردف النّعمان وَالْمُنْذر أَبِيه.
وَمن وَلَده الأخوص الرّياحيّ إسلامي. وَالله أعلم.
ثمَّ رَأَيْت فِي ضالّة الأديب لأبي مُحَمَّد الأعرابيّ شعرًا لَهُ يتَعَلَّق بِإِبِل الصَّدَقَة فَعلم أنّه إسلاميّ وَهُوَ معاصر لسحيم بن وثيل.
وانشد بعده: الوافر
(معاري إنّنا فَأَسْجِحْ ... فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا)
على أنّ قَوْله الحديدا مَعْطُوف على مَحل قَوْله بالجبال فإنّه ف يمحل نصبٍ لأنّه خبر لَيْسَ وَالْبَاء زَائِدَة.
ومعاوي: منادى مرخّم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان.
стр. 1568
وَقد تقدّم شَرحه مفصّلاً فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: المنسرج
(إِن هُوَ مستولياً على أحد ... إلاّ على أَضْعَف المجانين)
على أَن الْمبرد أجَاز إِعْمَال إِن النافية عمل لَيْسَ وَاسْتشْهدَ بِهَذَا الْبَيْت: فَهُوَ اسْمهَا ومستولياً خَبَرهَا. وَإِن كَمَا النافية الحجازية فِي الحكم لَا تخْتَص فِي الْعَمَل بنكرةٍ دون معرفَة بل تعْمل فيهمَا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أجَاز الكسائيّ والمبرّد إِعْمَال إِن عمل لَيْسَ وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير:)
وَسمع من أهل الْعَالِيَة: إِن أحدٌ خيرا من أحد إلاّ بالعافية. وإنّ ذَلِك نافعك ولَا ضارّك.
انْتهى.
وَقَالَ فِي شرح شواهده: كَذَا خرّج ابْن جنّي قِرَاءَة سعيد بن جُبَير فظنّ أَبُو حيّان أَن تخريجها على ذَلِك يُوقع فِي تناقص الْقِرَاءَتَيْن فإنّ الْجَمَاعَة يقرؤون بتَشْديد النُّون وَفتحهَا وَرفع عباد وأمثالكم وَذَلِكَ إِثْبَات وَقِرَاءَة سعيد على هَذَا
التَّخْرِيج نفيٌ. فخرّجها على أنّها الْمُؤَكّدَة خفّفت ونصبت الجزأين كَقَوْلِه:
стр. 1569
الطَّوِيل وَلم يثبت الْأَكْثَرُونَ إعمالها النصب فِي الجزأين وتأوّلوا مَا أوهم ذَلِك. ثمَّ إِن الْقَائِلين بِهِ لم يذكروه إلاّ مَعَ التَّشْدِيد لَا مَعَ التَّخْفِيف. ثمّ إنّ التناقص الَّذِي توهّمه مَدْفُوع لأنّهم أمثالهم فِي أَنهم مخلوقون وَلَيْسوا أمثالهم فِي الْحَيَاة والنطق.
وَقِرَاءَة سعيد على هَذَا التَّخْرِيج أقوى فِي التشنيع عَلَيْهِم من قِرَاءَة الْجَمَاعَة ويؤيدها مَا بعْدهَا من قَوْله تَعَالَى: ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا ... الأبيات. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: إِذا كَانَت إِن نَافِيَة فسيبويه لَا يرى فِيهَا إلاّ رفع الْخَبَر. وإنّما حكم بِالرَّفْع لأنّها حرف جحد يحدث معنى فِي الِاسْم وَالْفِعْل كألف الِاسْتِفْهَام وكما لم تعْمل مَا التميميّة وَهُوَ رفاقٌ للْقِيَاس. وَلما خَالف بعض الْعَرَب الْقيَاس فأعملوا مَا لم يكن لنا أَن نتعدّى الْقيَاس فِي غير مَا وَغير سِيبَوَيْهٍ أعمل إِن على تشبيهها بليس كَمَا اسْتحْسنَ ذلم ف يما واحتجّ بِأَنَّهُ لَا فرق بَين إِن وَمَا فِي الْمَعْنى إِذْ هما لنفي مَا فِي الْحَال وَتَقَع بعدهمَا جملَة الِابْتِدَاء كَمَا تقع بعد لَيْسَ.
وَأنْشد:
(إِن هُوَ مستولياً على أحدٍ ... إلاّ على حزبه الملاعين)
وَهُوَ قَول الكسائيّ والمبرّد. وَوَافَقَ الفرّاء فِي قَوْله سِيبَوَيْهٍ. انْتهى.
إِلَّا على حزبه المناحيس
стр. 1570
قَالَ ابْن هِشَام: وَفِي الْبَيْت شَاهد على مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي أَن انتفاض النَّفْي بعد الْخَبَر لَا يقْدَح فِي الْعَمَل.)
وَمثله فِي ذَلِك قَول الآخر: الطَّوِيل
(إِن الْمَرْء مَيتا بِانْقِضَاء حَيَاته ... وَلَكِن بِأَن يَبْغِي فيخذلا)
وَهَذَا الشَّاهِد مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو لم يعلم لَهُ قَائِل. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(ولات سَاعَة مندم)
على أنّ الفرّاء قَالَ: لَا يختصّ عمل لات بِلَفْظ الْحِين بل تكون مَعَ الْأَوْقَات كلّها. وَأنْشد هَذَا الشّعْر.
أَقُول: لعلّ الفرّاء قَالَ مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَنهُ فِي غير تَفْسِيره وَأما فِي تَفْسِيره فإنّه لم يتَعَرَّض لهَذَا وَلَا لغيره أَيْضا.
وَرُوِيَ هَذَا الشّعْر على أنّ لات فِيهِ حرف جرّ وَهَذِه عِبَارَته فِي سُورَة ص عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَنَادوا ولات حِين مناص: يَقُول لَيْسَ حِين فرار. والنوص: التّأخر. وَمن الْعَرَب من يضيف لات فيخفض أنشدوني:
ولات سَاعَة مندم وَلَا أحفظ صَدره. وَالْكَلَام أَن ينصب بهَا فِي معنى لَيْسَ لأنشدوني المفضّل:
стр. 1571
الوافر فَهَذَا نصب. وَأنْشد بَعضهم: الْخَفِيف
(طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
فخفض أوانٍ. فَهَذَا خفض. انْتهى كَلَام الفرّاء.
فَظهر من كَلَامه أنّه لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد مَعْمُول لات بِزَمَان وَلَا غَيره.
وَقد نقل عَنهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي تبعا لأبي حيّان فِي الارتشاف خلاف مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق قَالَ: اخْتلف فِي معمولها: فنصّ الفرّاء على أَنَّهَا لَا تعْمل إلاّ فِي لفظ الْحِين وَهُوَ ظَاهر قَول سِيبَوَيْهٍ وَذهب الفارسيّ وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا تعملفي الْحِين وَفِيمَا رادفه. ثمَّ قَالَ بعد هَذَا: زعم الفرّاء أنّ لات تسْتَعْمل حرف جارّاً لأسماء الزَّمَان خَاصَّة.
قَالَ الدمامينيّ: بَين نقل ابْن هِشَام وَنقل الرضيّ عَن الفرّاء تخَالف. فَإِن قلت: هلا حملت نقل)
الرّضي عَن الفرّاء: أَنَّهَا تكون مَعَ الْأَوْقَات على مَا إِذا كَانَت عاملة للجرّ كَمَا نَقله المُصَنّف هُنَا وحملت حِكَايَة كَلَام المُصَنّف أوّلاً أَنَّهَا لَا تعْمل إلاّ فِي لفظ الْحِين على مَا إِذا كَانَت عاملة عمل لَيْسَ فَلَا يكون بَين النقلين تعَارض. قلت: لَا لأنّ الرضيّ لما ذكر عَنهُ أنّها تعْمل فِي الْأَوْقَات أنْشد:
ولات سَاعَة مندم
стр. 1572
أَقُول: قد وَقع هَذَا الشّعْر فِي كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق مُجملا لَا يعلم هَا هُوَ مَنْصُوب أَو مجرور وَبَان لَك من نقلنا لكَلَام الفرّاء أنّ الرِّوَايَة عَنهُ عَن الْعَرَب الجرّ فَكيف تكون الرِّوَايَة فِيهِ النصب نعم رُوِيَ النصب عَن غير الفرّاء وَبِه أوردهُ ابْن النَّاظِم وَابْن عقيل فِي شرح الألفية فَتكون سَاعَة خبر لات وَاسْمهَا مَحْذُوف.
وَيجوز الرّفْع بقلّة على أَنَّهَا اسْم لات وَالْخَبَر مَحْذُوف فيقدّر فِي الأوّل: ولات سَاعَة لَك سَاعَة مندم أَو ولات السَّاعَة سَاعَة مندم. وَقدر الشَّارِح المحقّق فِي الى ية أَي: لات الْحِين حِين مناص.
فَإِن قلت: إنّهم قَالُوا لات لَا تعْمل إلاّ فِي اسْم زمَان منكّر فَكَانَ الظَّاهِر فِي الْبَيْت التَّقْدِير الأوّل وَفِي الْآيَة نَحْو مَا قدّره الشاطبيّ وَهُوَ ولات حِين ينادون فِيهِ حِين مناص.
قلت: إنّهم قَالُوا مِنْهُم ابْن هِشَام فِي المغنيّ: إِن لات لاتعمل فِي معرفَة ظَاهِرَة فمفهومة أَنَّهَا أتعْمل فِي معرفَة مقدّرة.
وَنقل نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل عَن شرح الكافية لِابْنِ مَالك: لَا بدّ من تَقْدِير الْمَحْذُوف معرفَة لأنّ المُرَاد نفي كَون الْحِين الْحَاضِر حينا ينوصون فِيهِ أَي: يهربون أَو يتأخّرون وَلَيْسَ المُرَاد نفي جنس حِين المناص وَلذَلِك كَانَ رفع الْحِين الْمَوْجُود شاذّاً لأنّه محوج إِلَى تكلّف مُقَدّر يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى مثل أَن يُقَال مَعْنَاهُ لَيْسَ حِين مناص مَوْجُودا لَهُم عِنْد تناديهم ونزول مَا بهم بِهِ الْمَعْنى مثل أَن يُقَال مَعْنَاهُ لَيْسَ حِين مناص مَوْجُودا لَهُم عِنْد تناديهم ونزول مَا بهم إِذْ قد كَانَ لَهُم قبل ذَلِك حِين مناص فَلَا يصحّ نفي جنسه مُطلقًا بل مقيّداً.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق وتعمل عمل لَيْسَ بكسع التَّاء أَي: بلحاقها للات وتبعها إيّاها.
قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب فِي فصل الْكَاف من بَاب الْهمزَة: كسأ الْقَوْم وكسعهم: إِذا تَبِعَهُمْ.
وَهَذِه عبارَة مألوفة للنحاة قَدِيما وحديثاً. قَالَ
стр. 1573
ابْن مَالك فِي التسهيل هُنَا: وتكسع بِالتَّاءِ فتختصّ بالحين أَو مرادفه.)
وَقَول الشاطبيّ: كسعت بِالتَّاءِ أَي: ضرب فِي عجزها بهَا فِيهِ تكلّف للمناسبة. وَكَذَلِكَ قَول شَارِح اللّبَاب: يُقَال كسعت فلَانا: إِذا ضربت دبره بِيَدِك أَو بصدر قدمك. أَو من كسعت النَّاقة إِذا ضربت خلفهَا بِالْمَاءِ الْبَارِد ليترادّ اللَّبن فِي ضرْعهَا. انْتهى.
ويقدّر فِي السَّاعَة نَحْو لات سَاعَة مندم سَاعَة لَك. وقدّر الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْآيَة تبعا لأبي عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة أَي: لات حِين مناص حَاصِلا. وَفِيه أَنهم قَالُوا: إنّ عمل لات مختصٌّ بالحين اسْما وخبراً.
قَالَ ابْن مَالك: الرجز فَالظَّاهِر نَحْو مَا قدّره الشاطبيّ أَي: ولات حِين مناص حينا ينادون فِيهِ. وَقد جَاءَ عمل لات فِي غير الْحِين شذوذاً فِي قَول الحماسيّ: الْكَامِل
(لهفي عَلَيْك للهفةٍ من خائفٍ ... يَبْغِي جوارك حِين لات مجير)
وَلَا يَنْبَغِي حمل الْآيَة على هَذَا.
فَإِن قلت: اجْعَل حَاصِلا صفة زمَان مَحْذُوف أَي: حينا حَاصِلا وَنَحْوه قلت: شَرط هَذَا اخْتِصَاص الصّفة بالموصوف وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِك.
ثمَّ قَالَ الشَّارِح المحق: وَلَا يجوز أَن يُقَال بإضمار اسْمهَا لأنّ الْحُرُوف لَا يضمر فِيهَا.
стр. 1574
أَقُول: يُرِيد الردّ على المُصَنّف فِي الْإِيضَاح فإنّه عبّر هُنَاكَ بالإضمار دون الْحَذف. وَهَذَا شَيْء قد سبقه سِيبَوَيْهٍ فِيهِ فَإِنَّهُ كثيرا مَا يُطلق لفظ الأغضمار على الْحَذف.
وَكَذَلِكَ فعل صَاحب اللبّ قَالَ: وَاسم لات حِين مَحْذُوف أَو مُضْمر لجريها مجْرى الْفِعْل فِي إِلْحَاق التَّاء عِنْد الْخَلِيل وسيبويه.
وَقَالَ السَّيِّد شَارِحه: فإنّه لما ألحقت التَّاء صَارَت شَبيهَة بليس صُورَة وَمعنى فَحسن إِضْمَار الِاسْم فِيهَا كَمَا فِي لَيْسَ.
وَحمل ابْن خروف كَلَام سِيبَوَيْهٍ على التجوزّ لَا على حَقِيقَة الْإِضْمَار بِنَاء على أنّها عِنْده فَالْأول فِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب: أَحدهَا: أَنَّهَا كلمة وَاحِدَة فعل مَاض وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا أنّها فِي الأاصل بِمَعْنى نقص من قَوْله تَعَالَى: لَا يلتكم من أَعمالكُم شَيْئا فَإِنَّهُ يُقَال لات يليت كَمَا يُقَال ألت يألت وَقد قرئَ بهما ثمَّ اسْتعْملت للنَّفْي كَمَا أنّ قلّ كَذَلِك قَالَه أَبُو ذرّ الخشنيّ فِي شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ نَقله)
عَنهُ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَالْقَوْل الثانيّ: أنّ أَصْلهَا لَيْسَ أبدلت سينها تَاء كَمَا قَالُوا ستّ وَالْأَصْل سدس بِدَلِيل التصغير على سديس والتكسير على أَسْدَاس فَصَارَت لَيْت ثمَّ انقلبت الْيَاء أافتً لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا إِذْ أَصْلهَا عِنْدهم لَيْسَ بِكَسْر الْيَاء فَصَارَت لات فلمّا تَغَيَّرت اخْتصّت بالحين.
стр. 1575
وَالْمذهب الثَّانِي أنّها كلمتان: لَا النافية وَالتَّاء لتأنيث اللَّفْظ كَمَا شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. والثَّالِث أنّها حرف مستقلّ لَيْسَ أَصْلهَا لَيْسَ وَلَا لَا نَقله الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة. الرَّابِع أنّها كلمة وَبَعض كلمة وَذَلِكَ أنّها لَا النافية وَالتَّاء زَائِدَة فِي أول الْحِين. وَنسب هَذَا إِلَى أبي عبيد وَابْن الطّراوة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي المعني: واستدلّ أَبُو عبيد بأنّه وجدهَا فِي الإِمَام وَهُوَ مصحف عُثْمَان بن عفّان مختلطة بِحِين فِي الخطّ. وَلَا دَلِيل فِيهِ فِي الخطّ من أَشْيَاء خارجةٍ عَن الْقيَاس.
وَيشْهد لِلْجُمْهُورِ أَنه يُوقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَالْهَاء ورسمت مُنْفَصِلَة من الْحِين وَأَن التَّاء قد تكسر على أصل حَرَكَة التقاء الساكنين.
وَهُوَ معنى قَول الزمخشريّ: وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ على الْبناء كجير. انْتهى. وَلَو كَانَ فعلا مَاضِيا لم يكن للكسر وَجه.
وَأما الِاخْتِلَاف فِي عَملهَا فَفِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب أَيْضا: أَحدهَا أنّه لَا تعْمل شَيْئا فَإِن وَليهَا مَرْفُوع فمبتدأ حذف خَبره أَو مَنْصُوب فمفعول بِفعل مَحْذُوف وَهُوَ قَول الْأَخْفَش وَالتَّقْدِير عِنْده فِي الْآيَة: لَا أرى حِين مناص وعَلى قِرَاءَة الرّفْع وَلَا حِين مناص كَائِن لَهُم. الثَّانِي: أَنَّهَا تعْمل لَا التبرئة وَهُوَ عمل إنّ. وَهَذَا قولٌ آخر للأخفش والكوفيّين. الثَّالِث: أنّها حرف جرّ عِنْد الفرّاء على مَا نقل عَنهُ.
стр. 1576
الرَّابِع: أنّها تعْمل عمل لَيْسَ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور. قَالَ أَبُو حيّان فِي الارتشاف: والعطف على خبر لات عِنْد من أعملها إِعْمَال لَيْسَ كالعطف على خبر مَا الحجازية لات حِين جزع ولات حِين طيش ولات حِين قلق بل حِين
صَبر تنصب فِي الأولى وترفع فِي الثَّانِيَة كَمَا كَانَ فِي مَا)
وَلَا النافية. ثمَّ قَالَ: وَقد جَاءَت لات غير مُضَاف إِلَيْهَا حِين وَلَا مَذْكُور بعْدهَا حِين وَلَا مَا رادفة فِي قَول الأافوة الأوديّ: الرمل
(ترك النّاس لنا أَكْنَافهم ... وتولّوا لات لم يغن الْفِرَار)
قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: وَهَذَا يدلّ على أَن لات لَا تعْمل وإنّما هِيَ فِي هَذَا الْبَيْت حرف نفي مُؤَكد بِحرف النَّفْي الَّذِي هُوَ لم. وَلَو كَانَت عاملةً لم يجز حذف الجزأين بعْدهَا كَمَا لَا يحذفان بعد مَا وَلَا العاملتين عمل لَيْسَ.
وَالْبَيْت الشَّاهِد الَّذِي قَالَ الفرّاء لَا احفظ صَدره رَوَاهُ مَعَ صَدره ابْن السكّيت فِي كتاب الأضداد وَهُوَ:
(ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ولتندمنّ ولات سَاعَة مندم)
قَالَ فِيهِ قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال: أَخْلَاق مشمولة أَي: مشؤومة وأخلاق سوء.
وَأنْشد: ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ... ... ... الْبَيْت وَيُقَال أَيْضا رجل مشمول الْخَلَائق أَي: كريم الْأَخْلَاق. قَالَ: وَأنْشد أَبُو عَمْرو لرجل من بني
стр. 1577
(كَأَن لم أعش يَوْمًا بصبهاء لذّةٍ ... وَلم أند مشمولاً خلائقه مثلي)
.. . انْتهى وأند بالنُّون قَالَ أَبُو حنيفَة الدّينوري فِي كتاب النَّبَات: ناديت الرجل
مثل نادمت وَهُوَ المجالسة وَلم أند: لم أجالس. والنادي مِنْهُ هُوَ الْمجْلس. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَزعم الشاطبيّ أنّ هَذَا الْبَيْت برمتّه رَوَاهُ الْفراء عَن المفضّل. وَهَذَا لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي رَوَاهُ عَن المفضّل الْبَيْت الَّذِي بعده كَمَا هُوَ ظَاهر من نقل عبارَة الفرّاء.
وَرَأَيْت ابْن عقيل وَغَيره ذكر للبيت الشَّاهِد رِوَايَة غير مَا نَقَلْنَاهُ جعله صَدرا وتمّمه بعجز كَذَا: الْكَامِل
(نَدم الْبُغَاة ولات سَاعَة مندمٍ ... وَالْبَغي مرتع مبتغيه وخيم)
وَقَالَ: هُوَ لرجل من طَيئ أَي: ولات السَّاعَة سَاعَة مندم. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور المتداوال فِي كتب النَّحْو.
وَقَالَ العينيّ: قَائِله مُحَمَّد بن عيس بن طَلْحَة بن عبيد الله التيميّ وَيُقَال مهلهل ابْن مَالك)
الكنانيّ. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وانشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْكَامِل
(العاطفون تحين مَا من عاطف ... والمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم)
على أنّ أَبَا عبيد زعم أنّ التَّاء فِي قَوْلهم لات حِين مناص من تَمام حِين
стр. 1578
كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
وَمثله لصَاحب اللب وَغَيره قَالَ: وَعَن أبي عبيد: تحين لُغَة فِي حِين وَلَا لنفي الْجِنْس.
أَقُول: إنّ أَبَا عبيد لم يذهب إِلَى هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ قَول للأموي نَقله عَنهُ فِي كِتَابه فِي اللُّغَة الْمَشْهُور بالغريب المُصَنّف وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ: وَقَالَ الْأَحْمَر: تالآن فِي معنى الْآن وأنشدنا: الْخَفِيف
(نوّلي قبل نأي دَاري جمانا ... وصلينا كَمَا زعمت تالآنا)
وَكَذَلِكَ قَالَ الأمويّ وَأنْشد لأبي وجزة:
(العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... والمفضلون يدا إِذا مَا أنعموا)
قَالَ: وإنّما هُوَ حِين قَالَ: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ولات حِين مناص مَعْنَاهُ لَا حِين مناص. انْتهى كَلَامه.
فَعلم بِهِ أنّ القَوْل بِكَوْن لات حِين هُوَ لَا تحين وَالتَّاء زَائِدَة إنّما هُوَ قَول
стр. 1579
الأمويّ لَا أبي عبيد وَإِن اشْتهر النَّقْل عَنهُ. وَقد ردّه الشَّارِح المحقّق وَلم يبين موقع التَّاء فِي هَذَا الْبَيْت.
وَقد رَأَيْت فِي تَخْرِيجه وَجْهَيْن: أَحدهمَا: ذكره ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة وَسَبقه ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: وَهُوَ أنّها فِي
الأَصْل هَاء السكت لاحقة لقَوْله العاطفون اضطرّ الشَّاعِر إِلَى تحريكها فأبدلها تَاء وَفتحهَا.
قَالَ ابْن جنّي: أَرَادَ أَن يجريه فِي الْوَصْل على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ فِي الْوَقْف وَذَلِكَ أَنه يُقَال فِي الْوَقْف هَؤُلَاءِ مسلمونه وضاربونه فتلحق الْهَاء لبَيَان حَرَكَة النُّون كَمَا أنشدوا: الرجز
(أهكذا يَا طيب تفعلونه ... أعللاً وَنحن منهلونه)
فَصَارَ التَّقْدِير العاطفونه ثمَّ إنّه شبه هَاء الْوَقْف بهاء التَّأْنِيث فَلَمَّا احْتَاجَ إِقَامَة الْوَزْن إلأى حَرَكَة الْهَاء قَلبهَا بتاء كَمَا تَقول فِي الْوَقْف: هَذَا طلحه فَإِذا وصلت صَارَت الْهَاء تَاء فَقلت)
هَذَا طلحتنا. وعَلى هَذَا قَالَ العاطفونه.
وَيُونُس بصحّة هَذَا قَول الرّاجز: الرجز
(من بعد مَا وَبعد مت ... صَارَت نفوس الْقَوْم عِنْد الغلصمت)
أَرَادَ: وَبعد مَا فأبدل الْألف فِي التَّقْدِير هَاء فَصَارَت بِعَدَمِهِ ثمَّ إنّه أبدل الْهَاء تَاء لتوافق بقيّة القوافي الَّتِي يَليهَا وشجّعه شبه الْهَاء الْمقدرَة فِي قَوْله وبعدمه بهاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَلما كَانَ يراهم قد يَقُولُونَ فِي الْوَقْف: هَذَا
стр. 1580
طلحت وحمزت قَالَ هُوَ أياً وبعدمت فأبدل الْهَاء المبدلة من الْألف تَاء.
وَلَيْسَ شَيْء مِمَّا يضطرون إِلَيْهِ إلاّ وهم يحاولون بِهِ وَجها. فَإِذا جَازَ أَن تشبه هَاء وبعدمه بتاء الائيث حَتَّى يُقَال فِيهَا وبعدمت جَازَ أَيْضا أَن تشبه هَاء العاطفونه بهاء التَّأْنِيث فَيُقَال العاطفونت وَفتحت التَّاء كَمَا فتحت فِي آخر ربّت وثمّت. انْتهى مُخْتَصرا.
قَالَ ابْن السيرافيّ: وَيجوز أَن ينشد العاطفونه بِإِسْكَان الْهَاء فَيكون قد أضمر
وَجعل مستفعلن فِي مَوضِع متفاعلن. وأظنّ أنّ الرّواة غيّروه وحرّكوه طلبا لِأَن يكون الْجُزْء تَاما على الأَصْل. انْتهى.
وَالْوَجْه الثَّانِي ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل وَتَبعهُ شَارِح اللبّ: وَهُوَ أَن التَّاء بقيّة لات فحذفت لَا وَبقيت التَّاء. قَالَ: وَقد يُضَاف إِلَى لات حِين لفظا أَو تَقْديرا وربّما اسْتغنى مَعَ التَّقْدِير عَن لَا بِالتَّاءِ.
ومثّل ابْن عقيل للأوّل بقوله: الوافر أَي: أذيتي ومثّل للثَّانِي بقوله: الوافر
(تذكّر حبّ ليلى لات حنيناً ... وَأمسى الشّيب قد قطع القرينا)
أَي: حِين لات حِين تذكر.
ومثّل للثَّالِث بقوله: العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... ... ... . . الْبَيْت أَي: حِين لات حِين مَا من عاطف فَحذف حِين وَلَا.
هَذَا كَلَامهمَا وَلَا يخفى تعسّفه. وَتَخْرِيج هَذَا الْبَيْت على زِيَادَة التَّاء أسهل وَأَقل كلفة من هذَيْن التخريجين وَإِن كَانَ لَا يطّرد زِيَادَة التَّاء فِي كل مَوضِع فِيهِ لَا. وَهَذِه التَّاء زيادتها غير مطّردة)
وَغير لَازِمَة.
وَقد سمع زيادتها مَعَ لفظ
следующие страницы →