Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وَالثَّانِي: أَنه مَا فِي جوابها من فعل أَو شبهه وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين. انْتهى.
وعَلى هَذَا اقْتصر اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل فَقَالَ: الْعَامِل فِي إِذا فعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ عَاقِر وَالتَّقْدِير: إِذا عدموا زاداً عقرت. وَلَا يجوز أَن يعْمل فِي إِذا عَاقِر لأنّه لَا يعْمل مَا بعد إنّ فِيمَا قبلهَا.
وَالْعجب من العينيّ هُنَا فإنّه بعد أَن ذهب إِلَى أنّها شرطيّة جازمة قَالَ: وَالْعَامِل فِيهَا فعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ عَاقِر أَي: عقرت. وَلَا يخفى تعسّفه. وَقيل إِذا ظرفيّة وَلَيْسَت شرطيّة وعاملها ضروب. وَهَذَا رَكِيك والأوّل هُوَ البليغ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لأبي طالبٍ عمّ النّبيّ ﷺ رثى بهَا أَبَا أميّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَكَانَ ختنه فَخرج تَاجِرًا إِلَى الشَّام فَمَاتَ بِموضع يُقَال لَهُ: سرو)
سحيم فرثاه أَبُو طَالب بِهَذِهِ القصيدة.
كَذَا فِي شُرُوح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وأبيات الْجمل وَغَيرهَا إلاّ أنّ فِي بعض نسخ مَا ذكرنَا سقطا من الْكتاب وَهُوَ أَنهم حذفوا الْمُضَاف من أبي أميّة وَالصَّوَاب إثْبَاته كَمَا يَأْتِي بَيَانه.
وَغلظ بَعضهم فَزعم أنّها مدحٌ فِي مُسَافر بن أبي عَمْرو.
وأفحش من هَذَا القَوْل قَول ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ إنّها مدحٌ فِي النّبيّ ﷺ .
وَالْقَصِيدَة هَذِه:
стр. 1647
الطَّوِيل
(كأنّ فِرَاشِي فَوْقه نَار موقدٍ ... من اللّيل أَو فَوق الْفراش السّواجر)
(على خير حافٍ من قُرَيْش وناعلٍ ... إِذا الْخَيْر يُرْجَى أَو إِذا الشّرّ حَاضر)
(أَلا إنّ زَاد الرّكب غير مدافعٍ ... بسرو سحيمٍ غيّبته الْمَقَابِر)
(بسرو سحيم عارفٌ ومناكرٌ ... وَفَارِس غاراتٍ خطيبٌ وياسر)
(تنادوا بِأَن لَا سيّد الحيّ فيهم ... وَقد فجع الحيّان كعبٌ وعامر)
(وَكَانَ إِذا يَأْتِي من الشَّام قَافِلًا ... تقدّمه تسْعَى إِلَيْنَا البشائر)
(فَيُصْبِح أهل الله بيضًا كأنّما ... كستهم حبيراً ريدةٌ ومعافر)
(ترى دَاره لَا يبرح الدّهر عِنْدهَا ... مجعجعة كومٌ سمانٌ وباقر)
(إِذا أكلت يَوْمًا أَتَى الْغَد مثلهَا ... زواهق زهمٌ أَو محاضٌ بهازر)
(ضروبٌ بنصل السّيف سوق سمانها ... إِذا عدموا زاداً فإنّك عَاقِر)
(فإلاّ يكن لحمٌ غريضٌ فإنّه ... تكبّ على أفواههنّ الغرائر)
(فيا لَك من ناعٍ حبيت بألّةٍ ... شراعيّةٍ تصفرّ مِنْهَا الأظافر)
الغائر: من غَار المَاء فِي الأَرْض غوراً: ذهب فِيهَا. والشؤون: جمع شَأْن وَهُوَ عرق ينحدر من الرَّأْس إِلَى الْحَاجِب ثمَّ إِلَى الْعين وَمِنْه تَجِيء الدُّمُوع. والأعاور: جمع أَعور من عورت الْعين من بَاب تَعب: نقصت أَو غارت. والسّواجر: جمع ساجر بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الْموضع الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ السّيل فيملؤه. يُرِيد كَثْرَة الدُّمُوع.
стр. 1648
وَقَوله: أَلا إنّ زَاد الرّكب الخ زَاد الركب: لقب أبي أميّة قَالَ الزّبير بن بكّار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: كَانَ أزواد الرّكب من قُرَيْش ثَلَاثَة: أحدهم: مُسَافر بن أبي عَمْرو بن أميّة بن عبد شمس.)
وثانيهم: زَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد العزّى.
وثالثهم: أَبُو أميّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم. وإنّما قيل لَهُم أزواد الرّكب لأَنهم كَانُوا إِذا سافروا لم يتزوّد مَعَهم أحد. وسحيم بضمّ السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَوضِع وسروه: أَعْلَاهُ. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد وَغَيره.
وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظ فِي مُعْجم مَا استعجم وَلَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ. وَالْمَوْجُود فِي الأول سخيم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة على وَزنه قَالَ: هُوَ مخلاف بن مخاليف الْيمن تنْسب إِلَيْهِ الْخُمُور الجيدّة.
وَقَالَ فِي مَادَّة سرو: والسّرو ارْتِفَاع وهبوط بَين حزن وَسَهل وسرو حمير أَعلَى بِلَاد حمير.
وَقَوله: بسرو سحيم عَارِف الخ عَارِف مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَمَا بعده مَعْطُوف على عَارِف وَحذف حرف الْعَطف من خطيب ضَرُورَة. والْعَارِف من عرف على الْقَوْم يعرف من بَاب قتل عرافة بِالْكَسْرِ فَهُوَ عَارِف أَي: مدبّر أَمرهم وقائم بسياستهم. ومناكر: اسْم فَاعل من ناكرة أَي: قَاتله. وخطيب الْقَوْم هُوَ الْمُتَكَلّم عَنْهُم. والياسر: اللاعب بقداح الميسر
стр. 1649
وَهُوَ قمار الْعَرَب وتسمّى الأزلام. وَكَانَ الميسر منقبةٌ فِي الجاهليّة يَلْعَبُونَ بِهِ فِي أيّام الجدب والقحط وَكَانَ الْغَالِب يفرق مَا اخذه على الْفُقَرَاء. والقافل: الرّاجع من السّفر. والبشائر: جمع بِشَارَة.
وَأَرَادَ بِأَهْل الله قُريْشًا وَكَانَت الْعَرَب تسمّيهم أهل الله لكَوْنهم أَرْبَاب مكّة. وبيض: جمع أَبيض وَالْبَيَاض لعزّته عِنْد الْعَرَب لغَلَبَة السمرَة عَلَيْهِم يستعيرونه لحسن الْحَال والجودة. والحبير بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة: ثِيَاب ناعمة كَانَت تصنع بِالْيمن. وريدة بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: بَلْدَة من بِلَاد الْيمن. ومعافر بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْفَاء وَبَينهمَا عين مُهْملَة: حيّ من هَمدَان فِي الْيمن إِلَيْهِم تنْسب الثِّيَاب المعافريّة.
وَقَوله: مجعجعة اسْم فَاعل من جعجعت الْإِبِل إِذا صوّتت والجعجعة
: أصواتها إِذا اجْتمعت وَهِي حَال من كوم جمع كوماء كصحراء وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة السنام.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد وَغَيره من شرّاح الشواهد: المجعجعة المصروعة وَعَلِيهِ فَهِيَ اسْم مفعول. وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ هُنَا: مجعجعة من الجعجعة وَهِي صَوت الرَّحَى. والباقر: اسْم لجَماعَة)
الْبَقر كالجامل لجَماعَة الْجمال.
وَقَوله: إِذا أكلت يَوْمًا. . الخ الْغَد مَنْصُوب على الظرفيّة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْمك. ومثلهَا: حَال من زواهق وَهِي جمع زاهقة وَهِي السّمينة. والزّهم: الكثيرات الشَّحْم جمع زهمة بِفَتْح فَكسر وَكِلَاهُمَا بالزاي الْمُعْجَمَة. والْمَخَاض: الْحَوَامِل من الْإِبِل وَاحِدهَا خلفة من غير لَفظهَا. والبهازر: جمع بهزرة كحيدرة وَهِي الْعَظِيمَة الْجِسْم.
стр. 1650
وَقَوله: ضروبٌ بنصل السَّيْف الخ السِّيَاق والسباق يمْنَع أَن يكون تَقْدِيره أَنْت ضروب كَمَا زَعمه بَعضهم. والْغَرِيض بإعجام الطَّرفَيْنِ: الطريّ من اللَّحْم. وتكبّ: تصبّ. والغرائر: جمع غرارة وَهِي الْعدْل يكون فِيهَا الدَّقِيق وَالْحِنْطَة وغسيرهما.
وَقَوله: فيا لَك من ناع الخ هَذَا تعجبّ. والنّاعي: الَّذِي يخبر بِمَوْت الْإِنْسَان. وحبيت: خصصت من الحباء وَهُوَ العطّية. والألّة بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة وَهِي الحربة. وشراعيّة بِالْكَسْرِ لَا بِالضَّمِّ كَمَا ضَبطه العينيّ. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: ورمح شراعيّ أَي: وَقَالَ ابْن السَّيِّد وَتَبعهُ ابْن خلف: الشّراعيّة الَّتِي قد أشرعت للطّعن أَي: صوّبت وسدّدت.
وَقَوله: تصفر مِنْهَا الخ أَي: تَمُوت مِنْهَا لأنّ الْمَيِّت يصفرّ ظفره دعاءٌ على من أخبر بِمَوْت أبي أميّة بِالْقَتْلِ.
وأَبُو أميّة اسْمه كنيته تقدم ذكر نسبه قَرِيبا مَاتَ فِي الجاهليّة وَكَانَ زوج أُخْت أبي طَالب وَهِي عَاتِكَة بنت عبد المطلّب بن هَاشم عمّه النّبيّ ﷺ .
قَالَ الزّبير بن بكّار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: كَانَ عِنْد أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة ابْن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم أَربع عواتك: عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب وَهِي أمّ زُهَيْر وَعبد الله وَهُوَ الَّذِي قَالَ للنّبيّ ﷺ :
стр. 1651
لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا وَقَرِيبَة الْكُبْرَى وعاتكة بنت جذل الطّعان وَهِي أم أمّ سَلمَة وَالْمُهَاجِر. وعاتكة بنت عتبَة بن ربيعَة وَهِي أم قريبَة الصُّغْرَى. وعاتكة التميميّة وَهِي بنت قيس بن سعد بن زَمعَة بن نهشل بن دارم وَهِي أم أبي الحكم درج وأمّ مَسْعُود قتل يَوْم بدر كَافِرًا وَرَبِيعَة وهشامٍ الْأَكْبَر وصفيّة.
وَكَانَ زُهَيْر بن أبي أميّة من رجال قُرَيْش وَكَانَ عبد الله بن أبي أميّة شَدِيد الْخلاف على الْمُسلمين ثمَّ خرج مُهَاجرا من مكّة يُرِيد النّبيّ ﷺ فَلَقِيَهُ بالطّلوب بَين السّقيا)
وَالْعَرج هُوَ وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَأَعْرض عَنْهُمَا رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ فَقَالَ عليّ بن أبي طَالب لأبي سُفْيَان بن الْحَارِث: ائْتِ رَسُول ﷺ من قبل وَجهه وَقل لَهُ مَا قَالَ إخْوَة يُوسُف ليوسف: تا لله لقد آثرك الله علينا وَإِن كنّا لخاطئين فإنّه لَا يُرْضِي أَن يكون أحد أحسن مِنْهُ قولا. فَفعل ذَلِك أَبُو سُفْيَان فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرّاحمين وَقبل مِنْهُمَا وأسلما.
وَهُوَ أَخُو أمّ سَلمَة لأَبِيهَا وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ فتح مكّة
وحنين. وَقتل يَوْم الطَّائِف شَهِيدا. وَقتل هِشَام بن أبي أميّة يَوْم أحد كَافِرًا.
стр. 1652
وَأسلم المُهَاجر وَزُهَيْر. وَولد زُهَيْر معبدًا وَقتل يَوْم الْجمل وَعبد الله بن زُهَيْر. وَولدت قريبَة الْكُبْرَى لزمعة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد العزّى. وَولدت قريبَة الصُّغْرَى عبد الله وأمّ حَكِيم ابْني عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصدّيق ﵁.
وترجمة أبي طَالب عمّ النّبيّ ﷺ تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل على أنّ قيدا بِمَعْنى مقيّد فإضافته إِلَى الأوابد لفظيّة لم تكسبه تعريفاً وَلِهَذَا وَقع نعتاً لمنجرد.
وَهَذَا عجز وصدره: أَي: أخرج غدْوَة للصيّد والوكنة: عشّ الطَّائِر الَّذِي يبيض فِيهِ. والمنجرد من الْخَيل: الْمَاضِي فِي السّير. والأوابد: جمع آبدة بالمدّ وَهِي الوحوش يُرِيد أنّ هَذَا الْفرس من سرعته يلْحق الوحوش فَيصير لَهَا بِمَنْزِلَة الْقَيْد.
стр. 1653
وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس تقدّم شَرحه وَالْكَلَام على قيد الأوابد بلاغة وإعراباً فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار على أنّ إِضَافَة سَارِق إِلَى اللّيلة بِمَعْنى فِي أَي: يَا سَارِقا فِي اللّيلة.
وَقد تقدّم الْكَلَام على هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ الطَّوِيل)
(لِحَافِي لِحَاف الضيّف وَالْبرد برده)
على أنّ أل فِي الْبرد عِنْد الكوفيّين عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالتَّقْدِير: ويردي برده. وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: لِحَافِي لِحَاف الضّيف.
وَهَذَا صَدره وعجزه: وَلم يلهني عَنهُ غزالٌ مقنّع وَبعده:
(أحدّثه إنّ الحَدِيث من الْقرى ... وَتعلم نَفسِي أنّه سَوف يهجع)
стр. 1654
وَهَذَانِ البيتان أوردهما أَبُو تّمام فِي بَاب الأضياف من الحماسة لمسكين الدّارميّ إلاّ أنّه روى المصراع الشَّاهِد: لِحَافِي لِحَاف الضّيف وَالْبَيْت بَيته.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمِيع من سَيذكرُ من رُوَاته مِنْهُم ابْن الْأَثِير فِي الْمثل السائر وَقَالَ: الغزال اسْتِعَارَة للْمَرْأَة الْحَسْنَاء.
وَمِنْهُم السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ: وَمعنى أحدثه إِن الحَدِيث من الْقرى أَي: أَصْبِر على حَدِيثه وَأعلم أنّه سَوف ينَام وَلَا أضجر بمحادثته فَأَكُون قد محقت قراي. والْحَدِيث الْحسن من تَمام الْقرى.
وَقَالَ التبريزيّ: أَي تعلم نَفسِي وَقت هجوعه فَلَا أكلّمه. يُرِيد أنّه يحدثه بعد الْإِطْعَام كأنّه يسامره حتّى تطيب نَفسه فَإِذا رَآهُ يمِيل إِلَى النّوم خلاّه.
وَلم أقعد إِلَيْهِ أسائله قلت: هَذَا إِشَارَة إِلَى ابْتِدَاء النُّزُول وَذَلِكَ وَقت الِاشْتِغَال بالضيافة وَهَذَا يُرِيد بحَديثه بعد الْإِطْعَام.
وَمِنْهُم الأعلم الشنتمريّ فِي حماسته إلاّ أنّه روى المصراع الْأَخير: وتكلأ عَيْني عينه حِين يهجع
стр. 1655
وتكلأ: تحرس والكلاءة: الحراسة وَالْحِفْظ. وَالْعين الأوّل حاسّة الْبَصَر وَالثَّانِي بِمَعْنى الذَّات.
وَمِنْهُم أَبُو زيد فِي نوادره وَمِنْهُم الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين إلاّ أَنَّهُمَا زادا على الْبَيْتَيْنِ قبلهمَا)
بَيْتَيْنِ آخَرين وهما:
(أرى كلّ ريحٍ تسكن مرّةً ... وكلّ سماءٍ ذَات درّ ستقلع)
(فَإنَّك والأضياف فِي بردةٍ مَعًا ... إِذا مَا تبض الشّمس سَاعَة تنْزع)
لِحَافِي لِحَاف الضّيف ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ قَالَ أَبُو زيد: تبضّ أَي: تجْرِي إِلَى الْمغرب أَي: أَمرهم لَازم لَك كأنّك أَنْت وهم فِي بردة. وَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وبضّ المَاء بيضّ بضيضاً أَي: سَالَ قَلِيلا قَلِيلا. وتنْزع: تذْهب من نزع إِلَى كَا: إِذا مَال إِلَيْهِ وَذهب. وَأَرَادَ بالسماء السَّحَاب. والدّرّ الْقطر. والإقلاع: الكفّ عَن الشَّيْء يُقَال: أقلع عمّا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالْكَاف من قَوْله فإنّك الخ مَكْسُورَة لأنّه خطاب مَعَ امْرَأَته.
وَقَوله: وَلم يلهني أَي: لم يشغلني. والمقنّع: اسْم مفعول الَّذِي ألبس الْمقنع والمقنعة بِالْكَسْرِ وهما مَا تقنّع بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا أَي: تغطّية. والقناع أوسع من المقنعة. وإنّما لم يقل المقنّعة بالتأنيث لأنّه جرى على لفظ الغزال.
стр. 1656
وكلّهم روى هَذَا الشّعْر لمسكين الدّارميّ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة إلاّ الجاحظ والأعلم الشنتمريّ فَإِنَّهُمَا نسباه إِلَى كَعْب ابْن سعد الغنويّ.
وَنسبه التبريزيّ إِلَى عتبَة بن بجير وَبَعض شرّاح الحماسة.
وَقد انْفَرد ابْن الشّجريّ بنسبته إِلَى عتبَة بن مِسْكين الدّارميّ فإنّه قَالَ: محادثة الضَّيْف من دَلَائِل الْكَرم وَقد مدحوا بذلك وتمدحوا بِهِ: فَمن الْمَدْح قَول الشمّاخ يمدح عبد الله بن جَعْفَر: الرجز
(إنّك يَا ابْن جَعْفَر نعم الْفَتى ... وَنعم مأوى طَارق إِذا أَتَى)
(وربّ ضيفٍ طرق الحيّ سرى ... صَادف زاداً وحديثاً مَا اشْتهى)
وَمن التمدّح قَول عتبَة بن مِسْكين الدّارميّ: لِحَافِي لِحَاف الضيّف وَالْبَيْت بَيته ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ وَقَوله: وربّ ضيف هُوَ بِفَتْح الرَّاء وضمّ الْبَاء عطف على نعم.
وَقد نسب ابْن الشّجريّ الدارميّ إِلَى الْبُخْل فإنّه قَالَ قبل دينك الْبَيْتَيْنِ.
وَمن شعره الَّذِي استدلّ بِهِ على بخله قَوْله يذكر ضيفاً نزل بِهِ: الطَّوِيل)
(أَتَى يخبط الظّلماء واللّيل دامسٌ ... يسائل عَن غير الَّذِي هُوَ آمل)
стр. 1657
.
(فَقلت لَهَا قومِي إِلَيْهِ فيسّري ... طَعَاما فإنّ الضّيف لَا بدّ نَازل)
(يَقُول وَقد ألْقى مراسيه للقرى ... أبن لي مَا الحجّاج بالنّاس فَاعل)
(فَقلت لعمري مَا لهَذَا طرقتنا ... فَكل ودع الحجّاج مَا أَنْت آكل)
(أَتَانَا وَلم يعدله سُبْحَانَ وائلٍ ... بَيَانا وعلماً بِالَّذِي هُوَ قَائِل)
(فَمَا زَالَ عَنهُ اللّقم حتّى كأنّه ... من العي لمّا أَن تكلم بَاقِل)
قَوْله: ألْقى مراسيه أَي: ألْقى أثقاله وَثَبت كلّ الثَّبَات. وسؤاله عَن الحجّاج هُوَ الَّذِي عناه بقوله: يسائل عَن غير الَّذِي هُوَ آمل. وطرقتنا: أَتَيْتنَا لَيْلًا.
وَقَوله: فَمَا زَالَ عَنهُ اللّقم الخ أَرَادَ أنّه امْتَلَأَ من الطَّعَام حتّى كسبته الكظّة العيّ كَقَوْلِهِم: البطنة تذْهب الفطنة. ولّما بدأه الضَّيْف بِالْحَدِيثِ وَسَأَلَهُ عَن الحجّاج طلبا للاستئناس قطع عَلَيْهِ كَلَامه بقوله: مَا لهَذَا طرقتنا فَكل ودع الْحجَّاج. وَهَذَا مِنْهُ نهايةٌ فِي الْبُخْل لأنّ محادثة الضّيف من دَلَائِل الْكَرم. انْتهى كَلَام ابْن الشّجريّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 1658
الْكَامِل
(الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... عوذا تزجّي خلفهَا أطفالها)
على أَنه قد يَجْعَل ضمير المعرّف بِاللَّامِ فِي التَّابِع مثل المعرّف بِاللَّامِ فإنّ قَوْله: عَبدهَا بالجرّ مَعْطُوف على الْمِائَة وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ أل. واغتفر هَذَا
لكَونه تَابعا وَالتَّابِع يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمَتْبُوع.
قَالَ أَبُو بكر بن السرّاج فِي بَاب الْعَطف: وَمِمَّا جَاءَ فِي الْعَطف لَا يجوز فِي الأوّل قَول الْعَرَب: كلّ شَاة وسخليها بدرهم وَلَو جعلت السّخلة تلِي كلّ لم يستقم.
وَمن كَلَام الْعَرَب: هَذَا الضَّارِب الرجل وزيدٍ وَلَو كَانَ زيد يَلِي الضَّارِب لم يكن جرّ.
وينشدون هَذَا الْبَيْت جرّاً.
الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها وَكَانَ أَبُو العبّاس المبّرد يفرق بَين عَبدهَا وَزيد يَقُول: إنّ الضَّمِير فِي عَبدهَا هُوَ الْمِائَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَعبد الْمِائَة وَلَا يستحسن ذَلِك فِي زيد وَلَا يُجِيزهُ. وَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ والمازنيّ وَلَا أعلمهم قاسوه إلاّ على هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ المازنيّ: إنّه من كَلَام الْعَرَب. وَالَّذِي قَالَه أَبُو العبّاس أولى وَأحسن. انْتهى.
وَقَالَ الأعلم: قد غلط سِيبَوَيْهٍ فِي استشهاده بِهَذَا لأنّ العَبْد مُضَاف إِلَى ضمير الْمِائَة وضميرها بمنزلتها وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاع وَلَيْسَ مثل الضَّارِب الرجل وَعبد الله لِأَن عبد الله علم كالفرد لم يضف إِلَى ضمير الأوّل فَيكون بِمَنْزِلَتِهِ.
وإنّما احتجّ سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا بعد أَن صحّ عِنْده بِالْقِيَاسِ جَوَاز الجرّ فِي الِاسْم الْمَعْطُوف. وَأنْشد الْبَيْت ليري ضربا من الْمِثَال فِي الِاسْم الْمَعْطُوف. لأنّه حجّة لَهُ لَا أنّه لَيْسَ يجور فِيهِ غَيره. هَذَا كَلَامه.
стр. 1659
وَمعنى الْبَيْت أنّ هَذَا الممدوح يهب الْمِائَة من الْإِبِل الْكَرِيمَة ويهب راعيها أَيْضا وَهُوَ المُرَاد من العَبْد. وخصّ الهجان لِأَنَّهُ أكرمها. والهجان: الْبيض قَالَ الجوهريّ: هُوَ من الْإِبِل الْأَبْيَض يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع وَقَالَ الأصمعيّ: الهجان: الْكِرَام وأصل الهجان الْبيَاض وَهِي تكون للْوَاحِد وَالْجمع وربّما جمع هجائن كَمَا قَالُوا شمال وشمائل.)
وَقَالَ شَارِح ديوَان الْأَعْشَى: العوذ: الحديثات النِّتَاج قبل أَن توفى خمس عشرَة لَيْلَة ثمَّ هِيَ مطفل بعده.
وَقَالَ ابْن خلف: هِيَ الحديثة النِّتَاج كَانَ مَعهَا ولد أَو لم يكن. قَالَ الأعلم: وسمّيت عائذاً لأنّ وَلَدهَا يعوذ بهَا لصغره وَبني على فَاعل لأنّه على نِيَّة النّسَب لَا على مَا يُوجب التصريف كَمَا قَالُوا عيشة راضية. وتزجيّ: بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْجِيم أَي: تَسوق والتّزجية: السّوق وَمثله الإزجاء.
وَرُوِيَ بدله: ترشّح والترشيح: التربية يَعْنِي إِذا تخلّفت أَوْلَادهَا وقفت وحنّت حتّى يلْحق أَوْلَادهَا بهَا فتعذّيها وَكَذَلِكَ التزجية. وَقيل إنّما تكون التزجية من بَين يَديهَا. وفاعل تزجّي ضمير العوذ وَالْجُمْلَة صفة لَهَا وأطفالها مفعول تزجيّ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد
стр. 1660
الثَّالِث وَالْعِشْرين فِي أَوَائِل الْكتاب وَقد اسْتعْمل هَذَا الْمَعْنى فِي شعره كثيرا مِنْهَا قَوْله: الْكَامِل
(الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... قطناً تشبّهها النّخيل المكرعا)
الْقطن والقطين: أَتبَاع الْملك وَهُوَ حَال من العَبْد. وتشبّهها بِالْخِطَابِ. والمكرع بِوَزْن اسْم وَمِنْهَا قَوْله: المتقارب
(هُوَ الْوَاهِب الْمِائَة المصطفا ... ة إمّا مخاضاً وإمّا عشارا)
وَقَالَ أَيْضا فِي قصيدة نونية: المتقارب
(هُوَ الْوَاهِب الْمِائَة المصطفا ... ة كالنخل زيّنها بالرّجن)
والرّجن بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة وبالجيم قَالَ فِي الصِّحَاح: قَالَ الفرّاء: رجنت الْإِبِل ورجنت أَيْضا بِالْكَسْرِ وَهِي راجنة وَقد رجنتها أَنا وأرجنتها: إِذا حبستها لتعلفها وَلم تسرّحها.
وَقد سبق الْأَعْشَى فِي هَذَا الْمَعْنى إمّا بشر بن أبي خازم وإمّا أَوْس بن حجر فَإِنَّهُمَا متعاصران وَكَانَا قبله: قَالَ الأوّل يمدح عَمْرو بن أم أنَاس:
стр. 1661
الْكَامِل
(والمانح الْمِائَة المعكاء يشفعها ... يَوْم النّضار بِأُخْرَى غير مجهود)
والمعكاء بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا كَاف قَالَ ابْن الأنباريّ فِي الْمَقْصُود)
والممدود: يُقَال أعطَاهُ مائَة معكاء: إِذا أعطَاهُ مائَة من الْإِبِل سماناً غلاظاً. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَتلك القصيدة يمدح بهَا الْأَعْشَى قيس بن معد يكرب الكنديّ. وَهَذَا مطْلعهَا: الْكَامِل
(رحلت سميّة غدْوَة أجمالها ... غَضبى عَلَيْك فَمَا تَقول بدا لَهَا)
(هَذَا النّهار بدا لَهَا من همّها ... مَا بالها باللّيل زَالَ زَوَالهَا)
ثمَّ قَالَ:
(وسبيئةٍ ممّا تعتّق بابلٌ ... كَدم الذّبيح سلبتها جريالها)
(وغريبةٍ تَأتي الْمُلُوك حكيمةٍ ... قد قلتهَا ليقال من ذَا قَالَهَا)
ثمَّ وصف نَاقَته فَقَالَ مُخَاطبا لَهَا:
(وَلَقَد نزلت بِخَير من وطئ الْحَصَى ... قيسٍ فَأثْبت نعلها وقبالها)
(مَا النّيل أصبح زاحراً من مدّه ... جَادَتْ لَهُ ريح الصبّا فَجرى لَهَا)
...
стр. 1662
(زيدا بمصرٍ يَوْم يسْقِي أَهلهَا ... وَغدا تفجّره النّبيط خلالها)
(يَوْمًا بأغزر نائلاً مِنْهُ إِذا ... نفس الْبَخِيل تجهّمت سؤالها)
الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... ... ... . . الْبَيْت
(والقارح الأحوى وكلّ طمرّةٍ ... مَا عَن تنَال يَد الطَّوِيل قذالها)
وَقَالَ فِي آخر القصيدة:
(وَإِذا تَجِيء كتيبةٌ ملمومةٌ ... خرساء يخْشَى الذّائدون نهالها)
(كنت المقدّم غير لابس جنةٍ ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها)
(وَعرفت أنّ النَّفس تلقى حتفها ... مَا شَاءَ خَالِقهَا المليك قضى لَهَا)
وَقَوله: هَذَا النَّهَار بدا لَهَا الخ قَالَ أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ رَوَاهُ أَبُو الْحسن: هَذَا النّهار بِالنّصب وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ فأمّا من رفع النَّهَار فَجعله وَصفا لهَذَا وَحذف الرَّاجِع من خبر الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا النَّهَار
بدا لَهَا فِيهِ. فأمّا فَاعل بدا فَيكون ضمير الْمصدر أَي: بدا البداء وَقَوله: من همّها حَال من هَذَا الْفَاعِل وَيجوز على قَول الْأَخْفَش بِزِيَادَة من فِي الْوَاجِب أَن يكون مجرورها فَاعل بدا.
وَمن استجاز حذف الْفَاعِل مّمن خَالف سِيبَوَيْهٍ أجَاز أَن يكون من همّها صفة للْفَاعِل الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: بدا لَهَا بداءٌ من همّها. وَمن نصب النَّهَار فَفِيهِ وَجْهَان:)
أَحدهمَا: أَن يكون على حدّ زيدا مَرَرْت بِهِ.
وَالْآخر: أَن يكون ظرفا لبدا كَأَنَّهُ قَالَ: بدا لَهَا البداء من همّها
стр. 1663
فِي هَذَا النَّهَار.
وَيجوز أَن يكون قَوْله: هَذَا فِيمَن نصب النَّهَار إِشَارَة إِلَى الارتحال كَأَنَّهُ لّما قَالَ: رحلت قَالَ: هَذَا الارتحال بدا لَهَا النَّهَار فَيكون فِي بدا ذكر يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ هَذَا. وَكَانَ الْمَعْنى عَلَيْهِ لأنّ الْمَعْنى هَذَا الارتحال والمفارقة قد بدا لَهَا فِي النَّهَار فَمَا بالها بِاللَّيْلِ يعتادنا خيالها هلاّ فارقتنا بِاللَّيْلِ كَمَا فارقتنا بِالنَّهَارِ.
فأمّا فَاعل زَالَ فِيمَن نصب زَوَالهَا فَجَائِز أَن يكون الهمّ لأنّ ذكره قد تقدّم كَأَنَّهُ قَالَ: زَالَ وَقد حُكيَ هَذَا القَوْل عَن أبي عَمْرو الشيبانيّ. وَيجوز أَن يكون الْفَاعِل اسْم الله تَعَالَى كَأَنَّهُ قَالَ: زَالَ الله زَوَالهَا. من قَوْله زلته فَلم يزل وعَلى هَذَا قَول ذِي الرّمّة: الطَّوِيل
(وبيضاء لَا تنحاش منّا وأمّها ... إِذا مَا رأتنا زيل منّا زويلها)
انْتهى كَلَام أبي عليّ وَكَأَنَّهُ لم يطّلع على مَا للْعُلَمَاء بالشعر فِي هَذَا الْبَيْت.
وَقد جمعه حَمْزَة بن الْحسن فِي كتاب التّنبيه على حُدُوث التَّصْحِيف قَالَ: قَوْله: هَذَا النَّهَار بدا قَالَ الْأَخْفَش: النَّهَار ظرف أَي: فِي هَذَا النَّهَار.
وَقَوله: من همّها مَا بالها بِاللَّيْلِ قَالَ بَعضهم: يَقُول: هَذَا الارتحال الَّذِي يرى لنا من همّها فِي النَّهَار فَمَا بالها بِاللَّيْلِ إِذا نمنا ألمّ بِنَا خيالها.
وَقَالَ آخر: يَقُول: هَذَا الهمّ بدا لَهَا نَهَارا والهمّ مَا همّت بِهِ من مُفَارقَته وصرمه. وَقَالَ آخر: هِيَ بِالنَّهَارِ تخَاف الْعُيُون وتراقب الوشاة فَمَا بالها بِاللَّيْلِ أَيْضا بِمثل تِلْكَ الْحَال لَا تزورني وَقد زَالَ عَنْهَا مَا تحاذر.
وَقَالَ آخر: إنّما ردّه على آخر الْبَيْت الأول وَهُوَ قَوْله: فَمَا تَقول بدا لَهَا ثمَّ قَالَ مُفَسرًا
стр. 1664
لذَلِك: بدا لَهَا أَن همّت بصرمي نَهَارا فَمَا بالها بِاللَّيْلِ أَي: مَا لنا وَلها بِاللَّيْلِ لسنا ننامه شوقاً إِلَيْهَا وذكراً لَهَا.
وَقَوله: زَالَ زَوَالهَا قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ دُعَاء على الْمَرْأَة أَي: هَذِه الْمَرْأَة لَا أكاد أَرَاهَا بِالنَّهَارِ فَإِذا جَاءَ اللَّيْل إِذْ أَتَانِي خيالها فَمَا بالها ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا فَقَالَ: زَالَ زَوَالهَا وَمَعْنَاهُ لَا زَالَ همّها يَزُول زَوَالهَا أَي: يَزُول مَعهَا أَرَادَ أنّه لَا يفارقها. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا دُعَاء على الهمّ وَمَعْنَاهُ زَالَ الهمّ مَعهَا حَيْثُ زَالَت. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ كلمة يدعى بهَا فَتَركهَا على حَالهَا.)
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ دُعَاء على الخيال وَمَعْنَاهُ أذهب الله خيالها عنّي كَمَا ذهبت هِيَ فَأَسْتَرِيح.
وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ دُعَاء على اللَّيْل وَمَعْنَاهُ أَزَال الله اللَّيْل الَّذِي نقاسي فِيهِ مِنْهُ مَا نقاسيه مَعَ صرمها لنا نَهَارا كَمَا زَالَت سميّة. وَهَذَا كَمَا تَقول: هلك فلَان أَي: أهلكه الله.
وَقَالَ الْأَخْفَش: قَالَ بَعضهم: زَالَ هُنَا بِمَعْنى أَزَال وَهِي لُغَة قوم من الْعَرَب تَقول: زلت الرجل عَن مقَامه بِمَعْنى أزلته وَعَلِيهِ قَول ذِي الرّمّة: الطَّوِيل
زيل مِنْهَا زويلها فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا بَال هَذَا اللَّيْل أزالها.
ويحكى هَذَا القَوْل بِعَيْنِه عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ الأصمعيّ فِي بعض
стр. 1665
الحكايات عَنهُ: هَذَا مقلوب يجب أَن يَقُول زَالَت زَوَاله أَي: زَوَال النَّهَار ثمّ قلب الْكَلَام كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
( ... ... ... ... . كَمَا ... كَانَ الزناء فَرِيضَة الرَّجْم)
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ خيرٌ لَيْسَ بِدُعَاء وَمَعْنَاهُ مَا بَال حظّنا من سميّة بِاللَّيْلِ قد أزل كَمَا زَالَت وإنّما يُرِيد تَأَخّر الخيال عَنهُ الَّذِي كَانَ يقوم مقَامهَا فيستريح إِلَيْهِ. وعلّة تأخرّ الخيال عَنهُ أَنه سهر لفراقها فَلم ينم فيبصره.
قَالَ: وَقد يجوز أَن يكون دُعَاء على اللَّيْل إِذْ فَاتَهُ حظّه فِيهِ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أَنا أرويه: زَالَ زَوَالهَا بِالرَّفْع وَإِن كَانَ إقواء وعَلى هَذَا يكون دُعَاء على الْمَرْأَة بِالْهَلَاكِ وَأَن تذْهب من الدّنيا والأعشى شَاعِر أفحل من أَن يُقَوي.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ دعاءٌ مِنْهُ لسميّة لَا عَلَيْهَا زَالَ مَا تهمّ بِهِ من صرمنا فِي النّهار وَاللَّيْل كَمَا زَالَت هِيَ أَي: زَالَ عنّا همّها بذلك.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ إِخْبَار عَن اللَّيْل وَفِيه تَقْدِير قد أَي: قد زَالَ زَوَالهَا أَي: كأنّ اللَّيْل الَّذِي كَانَ لنا مِنْهَا قد زَالَ وَهَذَا كَمَا تَقول: مَالِي مَعَ فلَان ليلٌ وَلَا نَهَار وَإِنَّمَا تَعْنِي مَالِي حظّ من اللَّيْل وَلَا النّهار وَلست تَعْنِي أنّ هُنَاكَ نَهَارا وَلَا لَيْلًا. انْتهى مَا أوردهُ حَمْزَة.
وَقَوله: وسبيئة مّما تعتّق بابل الخ السّبيئة: الْخمر فَعَلَيهِ بِمَعْنى من سبأت الْخمر سّبئاً: إِذا اشْتَرَيْتهَا لتشربها وَالِاسْم السّباء بِالْكَسْرِ على
فعال والسّبّاء: الخمّار وزنا وَمعنى. والجريال بِكَسْر الْجِيم وَبعد الرَّاء
стр. 1666
مثنّاة تحتيّة.
قَالَ الجواليقي فِي المعرّبات: هُوَ صبغ أَحْمَر وَيُقَال: جَرَيَان بالنُّون وَقيل هُوَ مَاء الذَّهَب)
وَذهب الأصمعيّ أنّه رومي مُعرب وَرُوِيَ لي عَن الْأَصْمَعِي عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن يُونُس بن متّى راوية الْأَعْشَى قَالَ: قلت للأعشى: مَا معنى قَوْلك: سلبتها جريالها قَالَ: شربتها حَمْرَاء وبلتها بَيْضَاء فسلبتها لَوْنهَا. يَقُول: لما شربتها نقلّت لَوْنهَا إِلَى وَجْهي فَصَارَت حمرتها فِيهِ. وَهَذَا الْمَعْنى أَرَادَ أَبُو نواس بقوله: الْبَسِيط أجدته حمرتها فِي الْعين والخدّ وربّما سميّت الْخمر جريالاً. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وغريبةٍ تَأتي الْمُلُوك حكيمةٍ أَي: ربّ قصيدة غَرِيبَة فِي أسلوبها محكمَة.
وَقَوله: وَلَقَد نزلت الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان ابْن حبيب: يجوز ضم التَّاء بالتكلم وَكسرهَا بخطاب النَّاقة وَالْمرَاد لقد نزلت برجلي فَأثْبت نعلها أَي: قضى حوائجي. وتجهمت: بِمَعْنى استثقلت.
وَقَوله: والقارح الأحوى الخ هُوَ بالجرّ عطف على الْمِائَة الهجان. والقارح: مَا جَاوز خمس سِنِين من ذَوَات الْحَافِر. والأحوى: مَا خالط لَونه لون آخر إِذا كَانَ كميتاً مثل صدأ الْحَدِيد وَقيل حَمْزَة يخالطها سَواد. والطمّرة بكسرتين وَتَشْديد الرَّاء: المستفز للوثب.
стр. 1667
وَقَوله: وَإِذا تَجِيء كَتِيبَة الخ الكتيبة: الْجَيْش والخرساء: الَّتِي لَا يسمع فِيهَا قعقعة سلَاح من كَثْرَة الدروع وملمومة: مَجْمُوعَة. والجنّة
بِالضَّمِّ الْوِقَايَة. يُرِيد أَنه يهجم فِي الْحَرْب على الْإِبْطَال غير مكترث بِلبْس وقاية من السِّلَاح. وَهَذَا غَايَة فِي التهورّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(وَلَيْسَ حاملني إلاّ ابْن حمّال)
على أنّه قيل النُّون فِي حاملني هُوَ نون التَّنْوِين وَقيل نون وقاية وَكِلَاهُمَا شاذّ وَقبل الرِّوَايَة يحملني لَا حاملني.
وَهَذَا عجز وصدره: أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني وَهُوَ من أَبْيَات لم أرها إلاّ فِي كَامِل المبّرد قَالَ فِيهِ: أنشدنا أَبُو محلّم السّعديّ:
(لطلْحَة بن حبيبٍ حِين تسأله ... أندى وَأكْرم من فند بن هطّال)
(وَبَيت طَلْحَة فِي عزّ ومكرمةٍ ... وَبَيت فندٍ إِلَى ربقٍ وأحمال)
(أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني ... وَلَيْسَ يحملني إلاّ ابْن حمّال)
(فَقلت: طَلْحَة أولى من عَمَدت لَهُ ... وَجئْت أَمْشِي إِلَيْهِ مشي مختال)
قَوْله: إِلَى ربق وأحمال أَرَادَ جمع حمل على الْقيَاس كَمَا تَقول فِي جمع بَاب فعل: جمل وأجمال وصنم وأصنام.
стр. 1668
وَقَوله: أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني يَعْنِي ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر.
وَأنْشد بَعضهم:
وَلَيْسَ حاملني إلاّ ابْن حمّال وَهَذَا لَا يجوز فِي الْكَلَام لأنّه إِذا نوّن الِاسْم لم يتّصل بِهِ الْمُضمر لأنّ الْمُضمر لَا يقوم بِنَفسِهِ وإنّما يَقع معاقباً للتنوين. تَقول: هَذَا ضاربٌ زيدا غَدا وَهَذَا ضاربك غَدا وَلَا يَقع التَّنْوِين هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَو وَقع لَا نفصل الْمُضمر. وعَلى هَذَا قَول الله : إنّا منجّوك وَأهْلك.
وَقد روى سِيبَوَيْهٍ بَيْتَيْنِ محمولين على الضَّرُورَة وَكِلَاهُمَا مَصْنُوع وَلَيْسَ أحد من النَّحْوِيين المتقنين يُجِيز مثل هَذَا فِي الضَّرُورَة لما ذكرت لَك من انْفِصَال الْكِنَايَة والبيتان اللَّذَان رَوَاهُمَا سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(هم الْقَائِلُونَ الْخَيْر والآمرونه ... إِذا مَا خَشوا يَوْمًا من الْأَمر مُعظما))
وَأنْشد: الطَّوِيل وإنّما جَازَ أَن تبيّن الجركة إِذا وقفت فِي نون الِاثْنَيْنِ وَالْجمع لِأَنَّهُ لَا يلتبس بالمضمر تَقول: هما رجلانه وهم ضاربونه إِذا وقفت لِأَنَّهُ
стр. 1669
لَا يلتبس بالمضمر إِذْ كَانَ لَا يَقع هَذَا الْموقع وَلَا يجوز أَن تَقول: ضَربته وَأَنت تُرِيدُ ضربت وَالْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة لأنّ الْمَفْعُول يَقع فِي هَذَا الْموضع فَيكون لبساً.
فأمّا قواهم: ارمه واغزه فلتلحق الْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة فإنّما جَازَ ذَلِك لما حذفت من أصل الْفِعْل وَلَا يكون فِي غير الْمَحْذُوف.
وَقَوله: فِي رَأس ذياله يَعْنِي فرسا انثى أَو حصاناً. والذّيال: الطَّوِيل الذَّنب. وإنّما يحمد مِنْهُ طول شعر الذَّنب وَقصر العسيب فَأَما الطَّوِيل العسيب فمذموم. هـ كَلَام المبّرد.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: لَيْسَ مَا أصّل بِصَحِيح وَلَا لَازم قد قَالُوا: ضربتنه وهلمّه يُرِيدُونَ: ضربتنّ وهلمّ وَالْمَفْعُول يَقع هَاهُنَا. وَمَا ذكرته مَذْكُور فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ.
وَأنْشد: يَا أَيهَا النَّاس أَلا هلمّه وَالْمَفْعُول يَقع هَذَا الْموقع.
وَقَوله لطلْحَة بن حبيب اللَّام للابتداء وَطَلْحَة مُبْتَدأ واندى خَبره. وَالسُّؤَال: استدعاء معرفةٍ فاستدعاء الْمعرفَة جوابها بِاللِّسَانِ وتنوب عَنهُ الْيَد فاليد خَليفَة عَنهُ بِالْكِتَابَةِ أَو الْإِشَارَة.
ويتعدّى لاثْنَيْنِ ثَانِيهمَا بِنَفسِهِ تَارَة وبحرف الجرّ أُخْرَى وَهُوَ عَن وتنوب عَنْهَا الْبَاء.
стр. 1670
واستدعاء المَال جَوَابه بِالْيَدِ وتنوب عَنهُ اللِّسَان بوعدٍ أَو ردّ ويتعدّى بِنَفسِهِ أَو بِمن قَالَ تَعَالَى: وَإِذا سألتموهنّ مَتَاعا وَقَالَ: واسئلوا الله من فَضله. كَذَا فِي مُفْرَدَات الْقُرْآن للسمين. وأندى: أفعل تَفْضِيل من النّدى وَهُوَ السّخاء. وفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون: اسْم رجل. والرّبق بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة: حَبل فِيهِ عدّة يشدّ بِهِ البهم كلّ عروةٍ ربقة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَالْجمع كعنب. والبهم
بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء: ولد الضَّأْن والمعز وَالْبَقر وَقيل صغَار الْإِبِل. والْأَحْمَال: جمع حمل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم: الخروف وَقيل هُوَ الْجذع أَي: الشابّ من اولاد الضّأن فَمَا دونه.
جعل بَيت طَلْحَة مظروفاً فِي العزّ والمكرمة وَبَيت فندٍ منتهياً إِلَى مَا ذكر وَأَرَادَ أنّ الْبَيْت الأوّل)
مَمْلُوء بِالْخَيْلِ وَبهَا يكون العزّ وَالْبَيْت الثَّانِي بَيت ذلّ وهوان لأنّ اقتناء الخرفان عِنْدهم يدلّ على الْفقر والضعف وأنّ بَيتهمْ إنّما هُوَ مربط للبهائم.
وَقَوله: أَلا فَتى من بني ذبيان الخ أَلا هُنَا للعرض والتخصيص وفَتى: مَنْصُوب بِفعل يفسّره يحملني أَو مَنْصُوب بِمَحْذُوف أَي: أَلا ترونني فَتى هَذِه صفته كَمَا قَالَ الْخَلِيل فِي قَوْله: وَلَا يجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي فَيكون فَتى مَبْنِيا مَعهَا على الْفَتْح لوُجُود الْخَبَر
стр. 1671
وَهُوَ يحملني فإنّ الَّتِي للتمنيّ لَا خبر لَهَا لفظا وَلَا تَقْديرا وَالْمعْنَى أَيْضا لَا يساعد فِي جعلهَا للتوبيخ أَو للاستفهام عَن النَّفْي فإنّه بعيد. وَلَا معنى لجعلها هُنَا للتّنْبِيه. ويحملني: من حمله: إِذا أعطَاهُ دابّةً تحمله. وحمّال هُنَا مُبَالغَة حَامِل بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور. وحاملني فِيمَن رَوَاهُ خب لَيْسَ مقدّم وَمَا بعد إلاّ اسْمهَا وعَلى رِوَايَة لَيْسَ يحملني اسْمهَا ضمير الشَّأْن.
وَقَوله: فَقلت التَّاء مَضْمُومَة. وعمدت: قصدت.
وَقَوله: مُسْتَيْقنًا أنّ حبلي الخ هُوَ حَال من فَاعل أَمْشِي. ويعلقه: مضارع أعلق حبله إِذا امكنه أَن يعلق حبله ويربطه بِهِ. وعسيب الذَّنب: منبته من الْجلد والعظم. وَالْمَعْرُوف أنّه لَا يُقَال ذيّال إلاّ أَن يكون مَعَ طول الذَّنب طَويلا فِي نَفسه فَإِن كَانَ طَوِيل الذَّنب فَقَط فَهُوَ ذائل.
ومخلّم السعديّ بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام المشدّدة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات س: الطَّوِيل
(هم الفاعلون الْخَيْر والآمرونه ... إِذا مَا خَشوا من مُحدث الْأَمر مُعظما)
على أنّه قد جمع فِي قَوْله الآمرونه النُّون وَالضَّمِير ضَرُورَة وَصَوَابه والآمروه بِحَذْف نون الْجمع للإضافة فإنّ حكم الضَّمِير أَن يُعَاقب النُّون والتنوين لأنّه بمنزلتها فِي الضعْف والاتصال فَهُوَ معاقب لَهما إِذْ كَانَ الْمظهر مَعَ قوّته وانفصاله يعاقبهما.
стр. 1672
قَالَ أَبُو جَعْفَر النحّاس: هَذَا خطأ عِنْد المبّرد لأنّ الْمَجْرُور لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا ينْطق بِهِ وَحده فَإِذا أَتَى بالتننوين فقد فصل مَا لَا ينْفَصل وَجمع بَين زائدين. وَهَذَا لَا يلْزم سِيبَوَيْهٍ مِنْهُ غلط لأنّه قد قَالَ نصّاً: وَزَعَمُوا أنّه مَصْنُوع. فَهُوَ عِنْده مَصْنُوع لَا يجوز فَكيف يلْزمه مِنْهُ غلط. انْتهى.
وَلَا يبعد أَن يكون من بَاب الْحَذف والإيصال وَالْأَصْل والآمرون بِهِ فحذفت الْبَاء واتّصل الضَّمِير بِهِ فإنّ أَمر يتعدّى إِلَى الْمَأْمُور بِنَفسِهِ وَإِلَى الْمَأْمُور بِهِ بِالْبَاء يُقَال: أَمرته بِكَذَا. والمأمور هُنَا مَحْذُوف أَي: الآمرون النَّاس بِالْخَيرِ فَيكون الضَّمِير مَنْصُوبًا لَا مجروراً.
يَقُول: هَؤُلَاءِ يَفْعَلُونَ الْخَيْر ويأمرون بِهِ فِي وَقت خشيتهم الْأَمر الْعَظِيم من حوادث الدّهر فَلَا يمنعهُم خوف الضَّرَر عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ.
وَقد رَوَاهُ المبّرد فِيمَا سبق النَّقْل عَنهُ بِمَا يقرب مِمَّا هُنَا.
وَرُوِيَ فِي المفصّل وَغَيره:
(هم الآمرون الْخَيْر والفاعلونه ... إِذا مَا خَشوا من حَادث الدّهر مُعظما)
والْمُعظم: اسْم مفعول وَهُوَ الْأَمر الَّذِي يعظم دَفعه. وَقد روى الجوهريّ فِي هَاء السكت المصراع الثَّانِي كَذَا: إِذا مَا خَشوا من مُعظم الْأَمر مفظعا وَهُوَ اسْم فَاعل من أفظع الْأَمر إفظاعاً وَمثله من فظع الْأَمر فظاعة: إِذا جَاوز الحدّ فِي الْقبْح. وخَشوا بضمّ الشين وَأَصله خشيوا بِكَسْرِهَا فحذفت الكسرة ونقلت ضمّة الْيَاء إِلَيْهَا ثمَّ حذفت الْيَاء الساكنين.
стр. 1673
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات س: الطَّوِيل
(وَلم يرتفق والنّاس محتضرونه ... جَمِيعًا وأيدي المعتفين رواهقه)
لما تقدّم قبله وَهُوَ أنّه قد جمع النُّون وَالضَّمِير فِي قَوْله: محتضرونه ضَرُورَة.
وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدّم فِي الَّذِي قبله فَمن جعل الْهَاء ضميراً جعلهَا ضمير الممدوح وَمن جعلهَا للسكت فإنّه احْتَاجَ إِلَى تحريكها.
وَفِيه أنّ حضر واحتضر إِن كَانَ مَعْنَاهُ ضدّ غَابَ فَهُوَ لَازم وَغير هَذَا مردٌ هُنَا. وَإِن كَانَ بِمَعْنى شهد فَهُوَ متعدّ وَهَذَا هُوَ المُرَاد. يُقَال: حضرت القَاضِي أَي: شهدته.
وَفِي الْقَامُوس: حضر كنصر وَعلم حضوراً وحضارة: ضدّ غَابَ كاحتضر وتحضّر وَيَتَعَدَّى يُقَال وتحضّره. انْتهى.
وعَلى هَذَا فَالضَّمِير مَنْصُوب على المفعولية لَا أنّه مُضَاف إِلَيْهِ. ومحتضرون عَامل النصب فِيهِ لوُجُود شَرط عمل النصب وَهُوَ جمع محتضر. والارتفاق: الاتكاء على الْمرْفق أَي: لم يشْتَغل عَن قَضَاء حوائج النَّاس. وَيحْتَمل أنّ الْمَعْنى لم يرتفق بِمَالِه أَي: لم يبذله بالرفق بل جَار عَلَيْهِ بالجود. والمعتقون: الَّذين يأْتونَ يطْلبُونَ الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان يُقَال عفوته أَي: أَتَيْته أطلب معروفه. والرّواهق: جمع راهقة من رهقه من بَاب تَعب إِذا غشيه وَأَتَاهُ.
стр. 1674
ورهقه بِمَعْنى أدْركهُ وَقرب مِنْهُ أَيْضا. وَالْهَاء يجوز أَن تكون ضميراً وَأَن تكون للسكت.
وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا مَصْنُوع.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: المنسرح
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة)
على أنّ الضَّمِير بعد الْوَصْف ذِي اللَّام المثنّى وَالْمَجْمُوع يحْتَمل عِنْد سِيبَوَيْهٍ أَن يكون مجروراً على الْإِضَافَة أَو مَنْصُوبًا كَمَا ورد الظَّاهِر مَنْصُوبًا بعده.
قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: وَقد أَجَازُوا: رَأَيْت الضاربي زيدا وَلَيْسَ ذَلِك بِحسن وإنّها جَوَاز ذَلِك على أنّك أردْت النُّون فحذفتها لطول الِاسْم كَمَا
تَقول: الَّذِي ضربت زيد فتحذف الْهَاء من ضَربته وَأَنت تريدها. وَحذف النُّون من الضّاربين والضّاربين مَعَ الإعمال قَبِيح قَالَ الشَّاعِر:
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة ل ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا نطف)
وَلَو جرّوا لَكَانَ الجيّد الصَّوَاب هـ.
وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ أنّه حذف النُّون من الحافظون وَنصب عَورَة الْعَشِيرَة بِمَا فِي الصِّلَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: الَّذين حفظوا عَورَة الْعَشِيرَة. وَلم يحذفها للإضافة إنّما حذفهَا تَخْفِيفًا مَعَ مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام.
стр. 1675
وَقَالَ ابْن جنّي: حذفوا النُّون تَشْبِيها لهَذِهِ الْأَسْمَاء المتمكّنة غير الموصولة بالأسماء الموصولة لأنّها فِي معنى الموصولة.
قَالَ أَبُو عليّ: وَالْأَكْثَر الجرّ وَقَرَأَ بضعهم: والمقيمي الصّلاة بِنصب الصّلاة وَحكى أَبُو الْحسن عَن أبي السماك: وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله وَلَيْسَت فِيهِ ألف لَام حتّى يشبّه بالذين.
وَقَرَأَ بَعضهم أَيْضا: إنّكم لذائقوا الْعَذَاب الْأَلِيم بِالنّصب. وَقَرَأَ عمَارَة بن عقيل: وَلَا اللّيل سَابق النّهار بِنصب النَّهَار. وَالْأَشْبَه فِي هَذَا أَن يكون حذف التَّنْوِين لالتقاء الساكنين.
وَرُوِيَ: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة بجرّ الْعَوْرَة على أنّ الحافظو مُضَاف فَيكون سُقُوط النُّون للإضافة. وَقَوله: الحافظو صَوَابه والحافظو بِالْوَاو
فإنّه مَعْطُوف على خبر مُبْتَدأ فِي بَيت قبله كَمَا سَيَأْتِي. وَبِه يسْقط قَول ابْن خلف: الحافظو مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ أَو على الْخَبَر وَهُوَ مدح كأنّه قَالَ: هم الحافطون عَورَة الْعَشِيرَة فَحذف الْمُبْتَدَأ أَو الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة هم فَحذف الْخَبَر.
هَذَا كَلَامه وَلَا يَنْبَغِي أَن يكْتب قبل أَنِّي يقف على السّياق
стр. 1676
والسّباق. ثمَّ بعد فصل أنّ الْمُبْتَدَأ)
يحذف فِي خَمْسَة مَوَاضِع وَالْخَبَر يحذف فِي اثْنَي عشر موضعا ثمَّ أَخذ فِي بَيَان أل الموصولة وأل والْعَوْرَة: الْمَكَان الَّذِي يخَاف مِنْهُ العدوّ. وَقَالَ ثَعْلَب: كلّ مخوف عَورَة. وَقَالَ كرَاع: عَورَة الرجل فِي الْحَرْب ظَهره. والْعَشِيرَة: الْقَبِيلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَالْجمع عشيرات وعشائر.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وَلَا يُنَاسِبه قَول العينيّ هُنَا: وعشيرة الرّجل: الَّذين يعاشرونه. والنّطف بِفَتْح النُّون والطاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الْعباب: قَالَ الفرّاء: النطف الْعَيْب وَقَالَ اللَّيْث: النطف: التلطّخ بِالْعَيْبِ.
وَرُوِيَ بدله الوكف بِفَتْح لواو وَالْكَاف أَيْضا قَالَ صَاحب الْعباب: هُوَ الْعَيْب وَالْإِثْم. انشد هَذَا الْبَيْت.
وَهَذَا الْمَعْنى الثَّانِي أوردهُ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف قَالَ: وكف وكفاً من بَاب فَرح.
وَقد ردّه عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم عليّ بن حَمْزَة البصريّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الرّواة بأنّ الوكف إنّما هُوَ الْعَيْب. وانشد هَذَا الْبَيْت.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وأبيات أدب الْكَاتِب وَتَبعهُ ابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: الْمَعْنى نَحن نَحْفَظ عَورَة عشيرتنا فَلَا يَأْتِيهم من وَرَائِنَا شَيْء يعابون بِهِ: من تَضْييع ثغرهم وَقلة رعايته. هَذَا على رِوَايَة: من وَرَائِنَا.
وَمن روى: من ورائهم أخرج الضَّمِير مخرج الْغَيْبَة على لفظ الْألف وَاللَّام لأنّ معنى الحافظو عَورَة: نَحن الَّذين يحفظون كَمَا تَقول أَنا الَّذِي قَامَ
فَتخرج الضَّمِير مخرج الْغَيْبَة وَإِن كنت
стр. 1677
تَعْنِي نَفسك لِأَن مَعْنَاهُ أَنا الرجل الَّذِي قَامَ. وَقد يَقُولُونَ أَنا الَّذِي قُمْت. فعلى هَذَا رِوَايَة من روى: من وَرَائِنَا. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: قَوْله: من وَرَائِنَا أَي: من غيبنا فكنى بوراء عَن ذَلِك فامتدح بحفظهم عَورَة قَومهمْ بِظهْر الْغَيْب وأمنهم من ناحيتهم كلّ نقض وعيب. وَيجوز أَن يَعْنِي من وَرَاء حفظنا إيَّاهُم وذّبنا عَن حماهم فَحذف الْمُضَاف الَّذِي هُوَ حفظ واقام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. وَمن روى: من ورائهم فَالْمَعْنى فِيهِ أوضح وَحمل الضَّمِير على الْعَشِيرَة أرجح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس الخزرجيّ وَهِي هَذِه:
(يَا مَال والسيّد المعمّم قد ... يطْرَأ فِي بعض رَأْيه السّرف))
(خَالَفت فِي الرَّأْي كلّ ذِي فَخر ... والحقّ يَا مَال غير مَا تصف)
(يَا مَال والحقّ قد قنعت بِهِ ... فالحقّ فِيهِ لأمرنا نصف)
(لَا ترفع العَبْد فَوق سنته ... والحقّ نوفي بِهِ ونعترف)
(إنّ بجيراً مولّى لقومكم ... يَا مَال والحقّ عِنْده فقفوا)
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك راضٍ والرّأي مُخْتَلف)
стр. 1678
(نَحن المكيثون حَيْثُ نحمد بَال ... مكث وَنحن المصالت الْأنف)
(والحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف)
(وَالله لَا تزِدْه كتيبتنا ... أَسد عرينٍ مقيدها الغرف)
(إِذا مشينا فِي الفارسين كَمَا ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ قطف)
(نمشي إِلَى الْمَوْت من حفائظنا ... مشياً ذريعاً وحكمنا نصف)
(إِن سميراً أَبَت عشيرته ... أَن يعرفوا فَوق مَا بِهِ نصف)
(أَو تصدر الْخَيل وَهِي جافلةٌ ... تَحت هَواهَا جماجمٌ خفف)
(أَو تجرعوا الغيظ مَا بدا لكم ... فهارشوا الْحَرْب حِين تَنْصَرِف)
(إنّي لأنمى إِذا انتميت إِلَى ... عزٍّ منيع وقومنا شرف)
(بيضٌ جعادٌ كأنّ أَعينهم ... يكحلها فِي الْمَلَاحِم السّدف)
قَوْله: يَا مَال هُوَ منادى مرخّم مَالك بن العجلان. والعمامة عِنْد الْعَرَب لَا يلبسهَا إِلَّا الْأَشْرَاف والعمائم تيجان الْعَرَب. وطرأ الشَّيْء يطْرَأ طرآنا مَهْمُوز أَي: حصل بَغْتَة. والسّرف بِفتْحَتَيْنِ: اسْم الْإِسْرَاف وَهُوَ مصدر أسرف إسرافاً إِذا جَاوز الْقَصْد. والْفَخر بِفتْحَتَيْنِ:: لُغَة فِي الْفَخر بِسُكُون الْخَاء وَهُوَ الافتخار وعدّ الْقَدِيم. والنّصف: الْعدْل والاستقامة. والسّنّة: الطَّرِيقَة. وبجير بِضَم الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم.
стр. 1679
وتكف: مضارع ركف وكفاً من بَاب فَرح: إِذا جَار عدل عَن الحقّ.
وَقَوله: نَحن بِمَا عندنَا الخ هَذَا من وَشَاهد النُّحَاة والمعانيّين حذف فِيهِ خبر نَحن أَي: رضوَان بِدلَالَة خبر الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَهُوَ أَنْت رَاض بِمَا عنْدك.
وَقَوله: نَحن المكيثون جمع مكيث فعيل من الْمكْث وَهُوَ الِانْتِظَار واللّبث أَرَادَ بِهِ هُنَا الصبّر والرّزانة يُقَال: رجلٌ مكيث أَي: رزين. والْمكْث بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم وَالْكَسْر الِاسْم.)
وَقَوله: والحافظو عَورَة الخ. هُوَ معظوف على المصالت أَي: نَحن نَحْفَظ عشيرتنا من أَن يصيبهم مَا يعانون بِهِ.
وَقَوله: لَا تزدهي كتيبتنا الخ تزدهي: تستخفّ. والكتيبة من الجيوش: مَا جمع فَلم ينتشر.
وَهُوَ مفعول وَالْفَاعِل أسدّ. والعرين بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء المهعملتين: الغابة والأجمة وَهِي مسكن الْأسد.
وأضاف الْأسد إِلَيْهَا لأنّها أشدّ مَا تكون وَهِي فِي الغابة وَلَا يقدر أحد أَن يهجم عَلَيْهَا. والغرف بِضَمَّتَيْنِ: جمع غريف بالغين الْمُعْجَمَة وَهِي الغابة والأجمة أَيْضا.
وَقَوله: إِذا مشينا فِي الفارسين أَي: بَينهم. والمصاعب بِفَتْح الْمِيم: جمع مُصعب بضَمهَا وَفتح ثالثه هُوَ الْفَحْل الشَّديد يُقَال: أصعبت الجيل فَهُوَ مُصعب إِذا تركته فَلم تركبه. وقطف بِضَمَّتَيْنِ: جمع قطوف
стр. 1680
بِفَتْح الْقَاف: البطيء يُقَال: قطفت الدايّة من بَاب قتل إِذا مشت مَعَ تقَارب الخطو.
وَقَوله: من حفائظنا: جمع حفيظة وَهِي الحميّة وَالْغَضَب. والذّريع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: السَّرِيع.
وَقَوله: أَو تصدر الْخَيل الخ أَو هُنَا بِمَعْنى إِلَى. وخفف بِضَمَّتَيْنِ: جمع خَفِيف. والهراش: مصدر هارش وَهُوَ التحريش وتحريك الْفِتْنَة.
وَقَوله: إنّي لأنمى إِذا انتميت الأوّل بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول يُقَال: نميت الرجل إِلَى أَبِيه نميّاً: إِذا نسبته إِلَيْهِ وانْتهى هُوَ: انتسب. وشرف بِضَمَّتَيْنِ أَي: أَشْرَاف.
وَقَوله: بيض جعاد الخ الْبيض قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح سقط الزّند: الْعَرَب تمدح السَّادة بالبياض من اللَّوْن وإنّما يُرِيدُونَ النَّقَاء من الْعُيُوب وربّما أَرَادوا بِهِ طلاقة الْوَجْه لأنّ الْعَرَب
والجعاد: جمع جعد بِفَتْح الْجِيم وَيكون الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الْكَرِيم من الرِّجَال. والْمَلَاحِم: جمع ملحمة بِالْفَتْح: الْقِتَال. والسّدف بِفَتْح السِّين وَالدَّال هِيَ الظلّمة فِي لُغَة نجد والضوء فِي لُغَة غَيرهم يَقُول: سَواد أَعينهم فِي الْمَلَاحِم باقٍ لأنّهم أنجادٌ لَا تبرق أَعينهم من الْفَزع فيغيب سوادها.)
стр. 1681
وَكَانَ السَّبَب فِي القصيدة: أنّه كَانَ لمَالِك بن العجلان مولى يُقَال لَهُ بجير جلس مَعَ نفر من الْأَوْس من بني عَمْرو بن عَوْف فتفاخروا فَذكر بجيرٌ مَالك بن العجلان ففضّله على قومه وَكَانَ سيّد الحيّين فِي زَمَانه: الْأَوْس والخزرج فَغَضب جماعةٌ من كَلَام بجير وَعدا عَلَيْهِ رجلٌ من الْأَوْس يُقَال لَهُ سمير من زيد بن مَالك أحد بني عَمْرو بن عَوْف فَقتله فَبعث مَالك إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف: أَن ابْعَثُوا إليّ بسمير حَتَّى أَقتلهُ بمولاي وإلاّ جرّ ذَلِك الْحَرْب بَيْننَا.
فبعثوا إِلَيْهِ: إنّا نعطيك الرِّضَا فَخذ منا عقله. فَقَالَ: لَا آخذ إلاّ دِيَة الصّريح وَهِي عشرٌ من الْإِبِل: ضعف دِيَة الْمولى وَهِي خمس فَقَالُوا: إنّ هَذَا مِنْك استذلالٌ لنا وبغيٌ علينا فَأبى مالكٌ إلاّ أَخذ دِيَة الصّريح فَوَقَعت الْحَرْب بَينهم فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى نَالَ بعض الْقَوْم من بعض.
ثمَّ إنّ رجلا من الْأَوْس نَادَى: يَا مَالك نشدتك الله والرّحم أَن تجْعَل بَيْننَا حكما من قَوْمك فارعوى مالكٌ وحكّموا عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس صَاحب القصيدة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَقضى لمَالِك بن العجلان بدية الْمولى فَأبى مَالك وآذن بِالْحَرْبِ فخذلته بَنو الْحَارِث لردّة قَضَاء عَمْرو.
وَأنْشد يَقُول: المنسرج
(إنّ سميراً أرى عشيرته ... قد حدبوا دونه وَقد أنفوا)
(إِن يكن الظّنّ صادقي ببني النّ ... جّار لَا يطعموا الَّذِي علفوا)
(لَا يسلمونا لمعشر أبدا ... مَا دَامَ منّا بِبَطْنِهَا شرف)
...
стр. 1682
(لَكِن مواليّ قد بدا لَهُم ... رأيٌ سوى مَا لديّ أَو ضعفوا)
(بَين بني جحجبى وَبَين بني ... زيدٍ فأنّى لجاريّ التّلف)
(يَمْشُونَ بالبيض والدّروع كَمَا ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ قطف)
(كَمَا تمشّى الْأسود فِي رهج ال ... موت إِلَيْهِ وكلّهم لهف)
وَقَالَ بعده عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس قصيدته الَّتِي شرحناها.
وَقَالَ دِرْهَم بن زيد أَخُو سمير: المنسرح
(يَا قوم لَا تقتلُوا سميراً فإنّ ... الْقَتْل فِيهِ الْبَوَار والأسف)
(لَا تقتلوه ترنّ نسوتكم ... على كريمٍ ويفزع السّلف)
(يَا مَال والحقّ إِن قنعت بِهِ ... فِينَا وفيّ لأمرنا نصف))
(إنّ بجيراً عبدٌ فَخذ ثمنا ... والحقّ نوفي بِهِ ونعترف)
(ثمّ اعلمن إِن أردْت ظلم بني ... زيدٍ فإنّا وَمن لَهُ الْحلف)
(لنصبحن داركم بِذِي لجبٍ ... يكون لَهُ من أَمَانه عزف)
(الْبيض حصنٌ لَهُم إِذا فزعوا ... وسابغاتٌ كأنّها النّطف)
стр. 1683
(وَالْبيض قد فللت مضاربها ... بهَا نفوس الكماة تختطف)
(كَأَنَّهَا فِي الأكف إِذْ لمعت ... وميض برقٍ وينكشف)
وَقَالَ قيس بن الخطيم من قصيدةٍ يجِيبه وَلم يحضر الْوَقْعَة وَلَا كَانَ فِي عصرها: المنسرح
(أبلغ بني جحجبى وقومهم ... خطمة أنّا وَرَاءَهُمْ أنف)
(وأنّنا دون مَا يسومهم ال ... أَعدَاء من ضيم خطةٍ نكف)
(نفلي بحدّ الصّفيح هامهم ... وفلينا هامهم بهَا عنف)
وَبعد هَذَا سِتَّة أَبْيَات: فردّ عَلَيْهِ حسان بن ثَابت شَاعِر النّبيّ ﷺ وَهَذَا من تِلْكَ القصيدة: المنسرح
(دع ذَا وعدّ القريض فِي نفرٍ ... يرجون مدحي ومدحي الشّرف)
(إِن سميراً عبدٌ طَغى سفهاً ... ساعده أعبدٌ لَهُم نطف)
ثمَّ إنّهم تهيؤوا للحرب وتقاتلوا قتالاً شَدِيدا ومشت الْحَرْب بَين الْأَوْس والخزرج عشْرين سنة فِي أَمر سمير.
فَلَمَّا طَالَتْ الْحَرْب وكادت الْعَرَب يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا أرْسلُوا إِلَى مالكٍ أَن يحكموا بَينهم ثَابت بن الْمُنْذر أَبَا حسّان فأجابهم إِلَى ذَلِك فاتوه وَقَالُوا: قد حكّمناك بَيْننَا. قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي ذَلِك.
стр. 1684
قَالُوا: وَلم قَالَ: أَخَاف أَن تردّوا حكمي كَمَا رددتم حكم عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
فَأَعْطوهُ عهودهم: أَن لَا يردّون مَا حكم بِهِ فَحكم أَن يودى حَلِيف مَالك دِيَة الصّريح ثمَّ تكون السّنّة فيهم على مَا كَانَت بِهِ: الصّريح على دِيَته والحليف على دِيَته وَأَن يعدّوا الْقَتْلَى الَّتِي أَصَابَت بَعضهم من بعض فيقابل الْبَعْض بِالْبَعْضِ ثمَّ تُعْطى الدِّيَة لمن كَانَ لَهُ فضلٌ فِي الْقَتْلَى من الْفَرِيقَيْنِ. فرضوا بذلك ففضلت الْأَوْس على الْخَزْرَج بِثَلَاثَة نفر فودتهم الْأَوْس واصطلحوا. .
وَقيل: الْخَمْسَة المكملة لدية الصّريح أَعْطَاهَا ثابتٌ من عِنْده حِين أَبَت عَلَيْهِ الْأَوْس أَن تُؤدِّي أَكثر من خمس وأبى مَالك أَن يقبل أقلّ من عشر إطفاءً لنائرتهم ولمّا لشعثهم.)
وَقَول مَالك: بَين بني جحجبى الخ بحاء سَاكِنة بَين جيمين مفتوحتين: حيّ من الْأَوْس وَكَذَلِكَ بَنو بدر. والاستفهام للإنكار.
وَقَول قيس بن الخطيم: أبلغ بني جحجبى وقومهم إِلَى آخِره خطمة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء وَبعدهَا مِيم هُوَ عبد الله بن جشم بن مَالك بن الْأَوْس قيل لَهُ لأنّه ضرب رجلا بِسَيْفِهِ على خطمه أَي: أَنفه فسميّ خطمة.
وجحجبى وخطمة: حيّان لقبيلة قيس بن الخطيم لأنّه أوسيّ. والسّوم: التَّكْلِيف. والخطّة بِالضَّمِّ: الشَّأْن وَالْأَمر الْعَظِيم. ونكف بِضَمَّتَيْنِ: جمع ناكف من نكفت من كَذَا أَي: استنكفه وأنفت مِنْهُ.
وَعرف من إيرادنا لهَذِهِ القصائد مَا وَقع من التَّخْلِيط بَين هَذِه القصائد
стр. 1685
كَمَا فعل ابْن السيّد واللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وتبعهما العينيّ والعبّاسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص.
فَإِنَّهُم جعلُوا مَا نقلنا من شعر قيس بن الخطيم مطلع القصيدة ثمَّ أوردوا فِيهَا الْبَيْت الشَّاهِد وَهُوَ: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة وَالشَّاهِد الثَّانِي وَهُوَ: نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا عنْدك راضٍ وَالْحَال أنّ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من قصيدة عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي نِسْبَة الْبَيْت الشَّاهِد أَعنِي: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة فنسبه التّبريزيّ فِي شرح إصْلَاح الْمنطق والجواليقيّ فِي شرح أدب الْكَاتِب وَابْن برّيّ فِي حَوَاشِي صِحَاح الجوهريّ إِلَى عَمْرو من امْرِئ الْقَيْس كَمَا نسبناه نَحن.
وَنسبه ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح لشريح بن عمروان من بني قُرَيْظَة قَالَ: وَيُقَال: إنّه لمَالِك بن العجلان الخزرجيّ. وَنسبه ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَفِي شرح أبيادت أدب الْكَاتِب وَابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَعلي بن حَمْزَة فِي أغلاط الرّواة والعباسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص لقيس بن الخطيم.
وَالْعجب من العينيّ أَنه نقل عَن اللّخميّ أنّه لعَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
следующие страницы →