Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَكَانَ السَّبَب فِي القصيدة: أنّه كَانَ لمَالِك بن العجلان مولى يُقَال لَهُ بجير جلس مَعَ نفر من الْأَوْس من بني عَمْرو بن عَوْف فتفاخروا فَذكر بجيرٌ مَالك بن العجلان ففضّله على قومه وَكَانَ سيّد الحيّين فِي زَمَانه: الْأَوْس والخزرج فَغَضب جماعةٌ من كَلَام بجير وَعدا عَلَيْهِ رجلٌ من الْأَوْس يُقَال لَهُ سمير من زيد بن مَالك أحد بني عَمْرو بن عَوْف فَقتله فَبعث مَالك إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف: أَن ابْعَثُوا إليّ بسمير حَتَّى أَقتلهُ بمولاي وإلاّ جرّ ذَلِك الْحَرْب بَيْننَا.
فبعثوا إِلَيْهِ: إنّا نعطيك الرِّضَا فَخذ منا عقله. فَقَالَ: لَا آخذ إلاّ دِيَة الصّريح وَهِي عشرٌ من الْإِبِل: ضعف دِيَة الْمولى وَهِي خمس فَقَالُوا: إنّ هَذَا مِنْك استذلالٌ لنا وبغيٌ علينا فَأبى مالكٌ إلاّ أَخذ دِيَة الصّريح فَوَقَعت الْحَرْب بَينهم فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى نَالَ بعض الْقَوْم من بعض.
ثمَّ إنّ رجلا من الْأَوْس نَادَى: يَا مَالك نشدتك الله والرّحم أَن تجْعَل بَيْننَا حكما من قَوْمك فارعوى مالكٌ وحكّموا عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس صَاحب القصيدة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَقضى لمَالِك بن العجلان بدية الْمولى فَأبى مَالك وآذن بِالْحَرْبِ فخذلته بَنو الْحَارِث لردّة قَضَاء عَمْرو.
وَأنْشد يَقُول: المنسرج
(إنّ سميراً أرى عشيرته ... قد حدبوا دونه وَقد أنفوا)
(إِن يكن الظّنّ صادقي ببني النّ ... جّار لَا يطعموا الَّذِي علفوا)
(لَا يسلمونا لمعشر أبدا ... مَا دَامَ منّا بِبَطْنِهَا شرف)
...
стр. 1682
(لَكِن مواليّ قد بدا لَهُم ... رأيٌ سوى مَا لديّ أَو ضعفوا)
(بَين بني جحجبى وَبَين بني ... زيدٍ فأنّى لجاريّ التّلف)
(يَمْشُونَ بالبيض والدّروع كَمَا ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ قطف)
(كَمَا تمشّى الْأسود فِي رهج ال ... موت إِلَيْهِ وكلّهم لهف)
وَقَالَ بعده عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس قصيدته الَّتِي شرحناها.
وَقَالَ دِرْهَم بن زيد أَخُو سمير: المنسرح
(يَا قوم لَا تقتلُوا سميراً فإنّ ... الْقَتْل فِيهِ الْبَوَار والأسف)
(لَا تقتلوه ترنّ نسوتكم ... على كريمٍ ويفزع السّلف)
(يَا مَال والحقّ إِن قنعت بِهِ ... فِينَا وفيّ لأمرنا نصف))
(إنّ بجيراً عبدٌ فَخذ ثمنا ... والحقّ نوفي بِهِ ونعترف)
(ثمّ اعلمن إِن أردْت ظلم بني ... زيدٍ فإنّا وَمن لَهُ الْحلف)
(لنصبحن داركم بِذِي لجبٍ ... يكون لَهُ من أَمَانه عزف)
(الْبيض حصنٌ لَهُم إِذا فزعوا ... وسابغاتٌ كأنّها النّطف)
стр. 1683
(وَالْبيض قد فللت مضاربها ... بهَا نفوس الكماة تختطف)
(كَأَنَّهَا فِي الأكف إِذْ لمعت ... وميض برقٍ وينكشف)
وَقَالَ قيس بن الخطيم من قصيدةٍ يجِيبه وَلم يحضر الْوَقْعَة وَلَا كَانَ فِي عصرها: المنسرح
(أبلغ بني جحجبى وقومهم ... خطمة أنّا وَرَاءَهُمْ أنف)
(وأنّنا دون مَا يسومهم ال ... أَعدَاء من ضيم خطةٍ نكف)
(نفلي بحدّ الصّفيح هامهم ... وفلينا هامهم بهَا عنف)
وَبعد هَذَا سِتَّة أَبْيَات: فردّ عَلَيْهِ حسان بن ثَابت شَاعِر النّبيّ ﷺ وَهَذَا من تِلْكَ القصيدة: المنسرح
(دع ذَا وعدّ القريض فِي نفرٍ ... يرجون مدحي ومدحي الشّرف)
(إِن سميراً عبدٌ طَغى سفهاً ... ساعده أعبدٌ لَهُم نطف)
ثمَّ إنّهم تهيؤوا للحرب وتقاتلوا قتالاً شَدِيدا ومشت الْحَرْب بَين الْأَوْس والخزرج عشْرين سنة فِي أَمر سمير.
فَلَمَّا طَالَتْ الْحَرْب وكادت الْعَرَب يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا أرْسلُوا إِلَى مالكٍ أَن يحكموا بَينهم ثَابت بن الْمُنْذر أَبَا حسّان فأجابهم إِلَى ذَلِك فاتوه وَقَالُوا: قد حكّمناك بَيْننَا. قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي ذَلِك.
стр. 1684
قَالُوا: وَلم قَالَ: أَخَاف أَن تردّوا حكمي كَمَا رددتم حكم عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
فَأَعْطوهُ عهودهم: أَن لَا يردّون مَا حكم بِهِ فَحكم أَن يودى حَلِيف مَالك دِيَة الصّريح ثمَّ تكون السّنّة فيهم على مَا كَانَت بِهِ: الصّريح على دِيَته والحليف على دِيَته وَأَن يعدّوا الْقَتْلَى الَّتِي أَصَابَت بَعضهم من بعض فيقابل الْبَعْض بِالْبَعْضِ ثمَّ تُعْطى الدِّيَة لمن كَانَ لَهُ فضلٌ فِي الْقَتْلَى من الْفَرِيقَيْنِ. فرضوا بذلك ففضلت الْأَوْس على الْخَزْرَج بِثَلَاثَة نفر فودتهم الْأَوْس واصطلحوا. .
وَقيل: الْخَمْسَة المكملة لدية الصّريح أَعْطَاهَا ثابتٌ من عِنْده حِين أَبَت عَلَيْهِ الْأَوْس أَن تُؤدِّي أَكثر من خمس وأبى مَالك أَن يقبل أقلّ من عشر إطفاءً لنائرتهم ولمّا لشعثهم.)
وَقَول مَالك: بَين بني جحجبى الخ بحاء سَاكِنة بَين جيمين مفتوحتين: حيّ من الْأَوْس وَكَذَلِكَ بَنو بدر. والاستفهام للإنكار.
وَقَول قيس بن الخطيم: أبلغ بني جحجبى وقومهم إِلَى آخِره خطمة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء وَبعدهَا مِيم هُوَ عبد الله بن جشم بن مَالك بن الْأَوْس قيل لَهُ لأنّه ضرب رجلا بِسَيْفِهِ على خطمه أَي: أَنفه فسميّ خطمة.
وجحجبى وخطمة: حيّان لقبيلة قيس بن الخطيم لأنّه أوسيّ. والسّوم: التَّكْلِيف. والخطّة بِالضَّمِّ: الشَّأْن وَالْأَمر الْعَظِيم. ونكف بِضَمَّتَيْنِ: جمع ناكف من نكفت من كَذَا أَي: استنكفه وأنفت مِنْهُ.
وَعرف من إيرادنا لهَذِهِ القصائد مَا وَقع من التَّخْلِيط بَين هَذِه القصائد
стр. 1685
كَمَا فعل ابْن السيّد واللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وتبعهما العينيّ والعبّاسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص.
فَإِنَّهُم جعلُوا مَا نقلنا من شعر قيس بن الخطيم مطلع القصيدة ثمَّ أوردوا فِيهَا الْبَيْت الشَّاهِد وَهُوَ: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة وَالشَّاهِد الثَّانِي وَهُوَ: نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا عنْدك راضٍ وَالْحَال أنّ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من قصيدة عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي نِسْبَة الْبَيْت الشَّاهِد أَعنِي: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة فنسبه التّبريزيّ فِي شرح إصْلَاح الْمنطق والجواليقيّ فِي شرح أدب الْكَاتِب وَابْن برّيّ فِي حَوَاشِي صِحَاح الجوهريّ إِلَى عَمْرو من امْرِئ الْقَيْس كَمَا نسبناه نَحن.
وَنسبه ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح لشريح بن عمروان من بني قُرَيْظَة قَالَ: وَيُقَال: إنّه لمَالِك بن العجلان الخزرجيّ. وَنسبه ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَفِي شرح أبيادت أدب الْكَاتِب وَابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَعلي بن حَمْزَة فِي أغلاط الرّواة والعباسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص لقيس بن الخطيم.
وَالْعجب من العينيّ أَنه نقل عَن اللّخميّ أنّه لعَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 1686
الوافر
(أَنا ابْن التّارك الْبكْرِيّ بشرا)
هَذَا صدر وعجزه: عَلَيْهِ الطّير ترقبه وقوعا على أنّه عِنْد الْمبرد لَا يتبع مجرور ذِي اللَّام إلاّ مَا يُمكن وُقُوعه موقع متبوعه: فبشر
عِنْده مَنْصُوب لَا غير للْحَمْل على محلّ البكريّ.
أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ بجرّ بشر على أنّه بدل أَو عطف بَيَان للفظ البكريّ وَإِن لم يكن فِي بشر الْألف وَاللَّام. وَجَاز ذَلِك عِنْده لبعده عَن الِاسْم الْمُضَاف ولأنّه تَابع وَالتَّابِع يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمَتْبُوع.
وغّلطه المبّرد وَقَالَ: الرِّوَايَة بِنصب بشر. وَاحْتج بأنّه إنّما جَازَ أَنا ابْن التارك البكريّ تَشْبِيها بالضارب الرجل فَلَمَّا جِئْت ببشر وَجَعَلته بَدَلا صَار مثل أَنا الضَّارِب زيدا الَّذِي لَا يجوز فِيهِ قَالَ الزّجّاج: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أَن بشرا عطف الْبَيَان الَّذِي يقوم مقَام الصّفة يجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي الْمَوْصُوف: تَقول يَا زيد الظريف وَلَا يجوز يَا الظريف وَكَذَا أَقُول الضَّارِب الرجل زيدٍ وَلَا أَقُول الضَّارِب زيد.
قَالَ النّحاس: وَقد قَالَ المبّرد فِي الْكتاب الَّذِي سمّاه الشَّرْح: القَوْل فِي ذَلِك أَن قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشرٍ عطف بَيَان وَلَا يكون بَدَلا لأنّ عطف الْبَيَان يجْرِي مجْرى النَّعْت سَوَاء ألاّ ترى بَيَان فِي بَاب النداء تَقول: يَا هَذَا زيدٌ وَإِن شِئْت زيدا على عطف الْبَيَان فيهمَا. وَإِن أردْت الْبَدَل قلت زيد. فَهَذَا وَاضح جدا لأنّك أزلت هَذَا وَجعلت
стр. 1687
زيدا مَكَانَهُ منادى.
انْتهى. وَهَذَا من الْمبرد رُجُوع إِلَى رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ خَالفه فِي شَيْء آخر.
وَقد أوردهُ شرّاح ألفيّة ابْن مَالك بجرّ بشر على أنّه عطف بَيَان للبكريّ لَا بدل لِأَنَّهُ فِي حكم تنحية الْمُبدل مِنْهُ وحلوله محلّه. والتارك إِن كَانَ من التّرك الَّذِي بِمَعْنى الْجعل والتصيير فَهُوَ متعدّ لمفعولين: الأول قد وَقع مُضَافا إِلَيْهِ وَالثَّانِي هُوَ جملَة عَلَيْهِ الطّير من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَإِن كَانَ من التّرْك الَّذِي بِمَعْنى التَّخْلِيَة فَهُوَ متعدّ لمفعول وَاحِد وَهُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيكون الظّرْف أَعنِي عَلَيْهِ حَالا من الْبكْرِيّ)
وَالطير فَاعل الظّرْف أَو الطير مُبْتَدأ وَعَلِيهِ الْخَبَر وَالْجُمْلَة حَال مِنْهُ وَجُمْلَة ترقبه حَال من وأعربه الشَّارِح فِي عطف الْبَيَان فَقَالَ: عَلَيْهِ الطير ثَانِي مفعولي التارك إِن جَعَلْنَاهُ بِمَعْنى المصيّر وإلاّ فَهُوَ حَال.
وَقَوله: ترقبه حَال من الطّير إِن كَانَ فَاعِلا لعليه وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَهُوَ حَال من الضَّمِير المستكن فِي عَلَيْهِ. انْتهى.
وَمعنى ترقبه أَي: تنْتَظر انزهاق روحه لأنّ الطّير لَا يَقع على الْقَتِيل وَبِه رَمق فَفِيهِ حذف مُضَاف.
وَقَوله: وقوعاً فِيهِ أعاريب: أَجودهَا أَنه مفعول لَهُ أَي: تنْتَظر ازهاق روحه للوقوع عَلَيْهِ.
وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن خلف إِنَّه حَال من الضَّمِير فِي ترقبه. وَلَو رفع على الْخَبَر لجَاز. وقوعٌ عِنْده جمع وَاقع وَهُوَ ضدّ الطّائر. وَهَذِه الحاليّة لَا تصحّ من جِهَة الْمَعْنى لأنهّ لَا معنى للانتظار بعد الْوُقُوع على الْمَيِّت. وَلَو جعله حَالا من الطّير كَمَا قَالَه بَعضهم لَكَانَ صَحِيحا وَكَانَ حِينَئِذٍ فِيهِ بيانٌ لقَوْله عَلَيْهِ الطير.
وَقَالَ ابْن يعِيش: وقوعاً جمع وَاقع وَهُوَ إِمَّا من الضَّمِير المستكنّ فِي عَلَيْهِ وَإِمَّا من الْمُضمر الْمَرْفُوع فِي ترقبه.
وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَيجوز أَن يكون مصدرا فِي مَوضِع
стр. 1688
الْحَال. وَلم يعيّن صَاحب الْحَال. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي إِعْرَاب أَبْيَات الْمفصل: وَلَا يبعد أَن يَجْعَل وقوعاً مصدرا وَيكون مَنْصُوبًا على الْبَدَل من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى بشر فِي ترقبه لأنّه فِي معنى وقوعاً عَلَيْهِ فيتخصص نوع اخْتِصَاص وَيكون من بَاب بدل الاشتمال. هَذَا كَلَامه وَهُوَ جيّد إلاّ أنّ فِيهِ حذف الضَّمِير.
وَقَالَ العينيّ: قَوْله: الطير مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة أَعنِي قَوْله ترقبه خَبره وَقد وَقعت حَالا عَن البكريّ وَقَوله: عَلَيْهِ يتَعَلَّق بقوله وقوعاً. وَلَا يخفى مَا فِي تَعْبِيره من الاختلال وكأنّه لم يبلغهُ منع تقدّم مَعْمُول الْمصدر مَعَ هَذَا الْفضل الْكثير.
وَهَذَا الْبَيْت للمرّار بن سعيد الفقعسيّ. وَبعده:
(علاهُ بضربةٍ بعثت بليلٍ ... نوائحه وأرخصت البضوعا)
(وقاد الْخَيل عَائِدَة لكلبٍ ... ترى لوجيفها رهجاً سَرِيعا)
)
(عَجِيب لقائين صهٍ لقومٍ ... علاهم يفرع الشّرف الرّفيعا)
بعثت أَي: نبهت من النّوم يُقَال: بَعثه أَي: أهبّه أَي: أيقظه. والنوائح: جمع نائحة من ناحت الْمَرْأَة على الْمَيِّت نوحًا إِذا بَكت عَلَيْهِ مَعَ صُرَاخ. والبضوع إمّا جمع بضعَة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم وإمّا جمع بضع بضمّ فَسُكُون يُطلق وَرُوِيَ بدله: البضيعا بِفَتْح فَكسر وَهِي اللَّحْم. والوجيف بِالْجِيم: مصدر وجف الْفرس إِذا عدا وأوجفته إِذا أعديته وَهُوَ الْعُنُق فِي السّير بِفتْحَتَيْنِ. والرّهج: الْغُبَار. وصهٍ أَي: اسْكُتْ سكُوتًا مَا. ويفرع بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة بِمَعْنى يَعْلُو يُقَال: فرعت الْجَبَل إِذا صعدته.
قَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد س: بشر فِي قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشر هُوَ بشر بن عَمْرو بن مرْثَد
стр. 1689
وَقَتله رجلٌ من بني أَسد ففخر المرّار بقتْله. وَبشر هُوَ من بني بكر بن وَائِل.
وأرخصت البضوعا أَي: أرخصت الضَّرْبَة اللَّحْم على الطير. والبضوع: جمع بضعَة ويروى البضيعا وَهُوَ اللَّحْم.
وَزعم بعض الروَاة أَنه يُرِيد بالبضوع بضوع نِسَائِهِ أَي: نكاحهنّ يَقُول: لما قَتَلُوهُ سبوا نساءة فنكحوهنّ بِلَا مهر. والبضوع: النِّكَاح. وَالتَّفْسِير الأوّل أعجب إليّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ الْأسود فِي فرحة الأديب وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي أوّل الْكتاب: مَا أَكثر مَا يرجّح ابْن السيرافيّ الرَّدِيء على الجيّد والزائف على الْجَائِز وَذَلِكَ أَنه مَال إِلَى القَوْل بِأَن البضوع هُنَا اللَّحْم ولعمري أنّها لَو كَانَت لُحُوم المعزى وَالْإِبِل لجَاز أَن يَقع عَلَيْهَا الرّخص والغلاء وَهَذِه غباوة تَامَّة.
وَالصَّوَاب لّما قَتَلُوهُ عرضوا نِسَاءَهُ للسّباء لِأَنَّهُ لم يبْق لهنّ من يحميهنّ ويذود عنهنّ. ثمَّ إنّه لم يذكر قَاتل بشر من أيّ قبائل بني أَسد كَانَ وَإِذا لم يعرف حَقِيقَة هَذَا وَلم يدر لأيّ شَيْء افتخر المرّار بذلك.
وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسيّ وَرَئِيس الْجَيْش بني أَسد ذَلِك الْيَوْم خَالِد بن نصلة الفقعسيّ وَهَذَا جدّ المرّار بن سعيد بن حبيب بن خَالِد بن نَضْلَة. انْتهى وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ: أَرَادَ ببشر بن عَمْرو وَكَانَ قد جرح وَلم يعلم جارحه يَقُول: أَنا ابْن الَّذِي ترك بشرا بِحَيْثُ تنْتَظر الطُّيُور أَن تقع عَلَيْهِ إِذا مَاتَ هَذَا كَلَامه.
وليت شعري كَيفَ يفتخر الشَّاعِر بقتيل جهل قَاتله فَإِن قلت: فعلى قَول الْأسود الأعرابيّ)
قَاتله سبع بن الحسحاس كَيفَ افتخر المرّار بِهِ مَعَ أَنه لَيْسَ بأب من آبَائِهِ وَلَا مّمن ينتسب إِلَيْهِ قلت: افتخاره بجده خَالِد بن نَضْلَة فَإِنَّهُ كَانَ أَمِير الْجَيْش وسبعٌ الْمَذْكُور كَانَ من أَفْرَاد عسكره ومأموراً لَهُ وَالْفِعْل لسبع وَالِاسْم لخَالِد.
стр. 1690
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْيَوْم وَهُوَ يَوْم قلاب: أنّ حيّا من بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان غزوا وَعَلَيْهِم خالدٌ جدّ المرّار الْمَذْكُور فَاعْترضَ بشر بن عَمْرو لآثارهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم قَالَ: عَلَيْكُم الْقَوْم. قَالَ ابْنه: إنّ فِي بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بني فقعس وَإِن تلقهم تلق الْقِتَال. فَقَالَ: اسْكُتْ فإنّ وَجهك شَبيه بِوَجْه أمّك عِنْد الْبناء فلمّا الْتَقَوْا هزم جَيش بشر فاتّبعه الْخَيل حتّى توالى فِي إثره ثَلَاثَة فوارس فَكَانَ أوّلهم سبع بن الحسحاس وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبيّ وَآخرهمْ خَالِد بن نَضْلَة فأدركت نبل الوالبيّ الْأَوْسَط فرس بشر ابْن عَمْرو برميّة عقرته ولحقه سبعٌ فاعتنقه وَجَاء خَالِد وَقَالَ: يَا سبع لَا تقتله فإنّا لَا نطلبه بِدَم وَعِنْده مَال كثير وَهُوَ سيد من هُوَ مِنْهُ. وأتتهم الْخَيل فكلّما مرّ بِهِ رجلٌ أمره بقتْله فيزجر عَنهُ خَالِد.
ثمّ إنّ رجلا همّ أَن يوجّه إِلَيْهِ السّنان فنشر خالدٌ على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اجْتنب أسيري فَغَضب سبع أَن يدّعيه خَالِد فَدفع سبعٌ ف ينْحَر بشر فَوَقع مُسْتَلْقِيا فَأخذ
برجلة ثمَّ أتبع السَّيْف فرج الدّرع حتّى خَاضَ بِهِ كبده فَقَالَ بشر: أجيروا سراويلي فإنّي لم أستعن. وَعمد إِلَى فرسه فاقتاده. انْتهى. والمرّار بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة الأولى ينْسب تَارَة إِلَى فقعس وَهُوَ أحد آبَائِهِ الْأَقْرَبين وَتارَة إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَهُوَ جدّه الْأَعْلَى.
стр. 1691
وَهَذِه نسبته من المؤتلف والمختلف للآمذي: المرّار بن سعيد بن حبيب ابْن خَالِد بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْجِيم الْمَفْتُوحَة على الْحَاء الْمُهْملَة الساكنة بن قفعس بن طريف الشَّاعِر الْمَشْهُور.
والمرّار بن سعيد من شعراء الدولة الأموية وَقد أدْرك الدولة العبّاسيّة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ المرّار بن سعيد الأسديّ يهاجي الْمسَاوِر بن هِنْد وَكَانَ قَصِيرا مفرط الْقصر ضئيلاً. تَتِمَّة)
هَذَا الْمَعْنى أَعنِي تتبّع الطّير للجيش الْغَازِي للأعداء حتّى تتَنَاوَل من الْقَتْلَى متداولٌ بَين الشُّعَرَاء قَدِيما وحديثاً وأوّل من جَاءَ بِهِ الأفواه الأوديّ فِي قَوْله: الرمل
(وَترى الطّير على آثارنا ... رَأْي عينٍ ثِقَة أَن ستمار)
أَي: تَأْخُذ الْميرَة من لُحُوم الْقَتْلَى. وَأَخذه النّابغة الذّيبانيّ فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا مَا غزا بالجيش حلّق فَوْقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب)
(جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إِذا مَا التقى الجيشان أوّل غَالب)
(لهنّ عَلَيْهِم عادةٌ قد عرفنها ... إِذا عرض الخطيّ فَوق الكواثب)
стр. 1692
. والكاثبة من الْفرس: حَيْثُ تقع يَد الْفَارِس. وأخذهالحطيئة فَقَالَ: الطَّوِيل
(ترى عافيات الطّير قد وثقت لَهَا ... بشبعٍ من السّخل الْعتاق مَنَازِله)
وَأَخذه مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ: الْبَسِيط ثمَّ تبعه أَبُو نواس وَإِن كَانَ فِي عصره:
(تتأيّا الطّير غدوته ... ثِقَة بالشّبع من جزره)
ثمَّ أَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ: طالطويل
(وَقد ظلّلت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طيرٍ فِي الدّماء نواهل)
(أَقَامَت مَعَ الرّايات حتّى كأنّها ... من الْجَيْش إلاّ أنّها لم تقَاتل)
وكلّهم قصرّ عَن النَّابِغَة لأنّه زَاد فِي الْمَعْنى فَأحْسن التَّرْكِيب ودلّ على أنّ
الطير إنّما أكلت أَعدَاء الممدوح وَكَلَامهم مُحْتَمل وإنّ كَانَ أَبُو تَمام قد زَاد فِي الْمَعْنى. على أنّ الطّير إِذا شبعت مَا تسْأَل: أيّ القبيلتين الْغَالِب وَقد أحسن المتنبيّ فِي قَوْله: الطَّوِيل
(لَهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍِإذا رمى ... بهَا عسكراً لم تبْق إلاّ جماحمه)
وَقَالَ أَبُو عَامر: الطَّوِيل
(وَتَدْرِي كماة الطّير أنّ كماته ... إِذا لقِيت صيد الكماة سِبَاع)
стр. 1693
.
(وَتَطير جياعاً فَوْقه وتردّها ... ظباه إِلَى الأوكار وَهِي شباع)
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَرْوَان بن أبي الْجنُوب فَقَالَ يمدح المعتصم: الْبَسِيط
(عوارفاً أنّه فِي كلّ معتركٍ ... لَا يغمد السّيف حتّى يكثر الجزرا))
فَأَخذه بكر بن النّطاح فَقَالَ: مجزوء الْكَامِل
(وَترى السّباع من الجوا ... رح فَوق عسكرنا جوانح)
(ثِقَة بِأَنا لَا نزا ... نمير ساغبها الدّبائح)
وَأَخذه ابْن جهور فَقَالَ: الْبَسِيط
(ترى جوارح طير الجوّ فَوْقهم ... بَين الأسنّة والرّايات تختفق)
وَأَخذه آخر فَقَالَ: الطَّوِيل وَلست ترى الطّير الحوائم وقّعا من الأَرْض إلاّ حَيْثُ كَانَ مواقعا وَمِنْه قَول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف: الوافر
(وَقد سترت أسنّته المواضي ... حديّا الجوّ والرّخم السّغاب)
وَمِنْه قَول ابْن قيس الرّقيّات: الْبَسِيط
(وَالطير إِن سَار سَارَتْ فَوق موكبه ... عوارفاً أنّه يَسْطُو فيقريها)
стр. 1694
. وَأَخذه عبّاس الْخياط فَقَالَ: السَّرِيع
(يَا مطعم الطّير لُحُوم العدا ... فكلّها تثني على بأسه)
إِذا حوّمت فَوق الرّماح نسوره أطار إِلَيْهَا الضّرب مَا تنرقّب وأبدع من هَذَا كلّه قَول المتنبيّ: الْبَسِيط
(يطْمع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتّى تكَاد على أحيائهم تقع)
وَقد جَاءَ امْرُؤ الْقَيْس بِهَذَا الْمَعْنى بِوَجْه آخر فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا مَا ركبنَا قَالَ ولدان أهلنا ... تَعَالَوْا إِلَى أَن يأتنا الصّيد نحطب)
يَقُول: قد وثقوا بصيد هَذَا الْفرس فهم يهيؤون لمجيء صَيْده الْحَطب.
وَأَخذه حميد بن ثَوْر الهلاليّ الصّحابيّ فَقَالَ فِي صفة الذّئب: الطَّوِيل
(ينَام بِإِحْدَى مقلتيه ويتّقي ... بِأُخْرَى المنايا فَهُوَ يقظان هاجع)
(إِذا مَا إِذا يَوْمًا رَأَيْت غيابةً ... من الطّير ينظرن الَّذِي هُوَ صانع)
زأخذه ابْن المعتز بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس فَقَالَ: الرجز قد وثق الْقَوْم لَهُ بِمَا طلب فَهُوَ إِذا جلّى لصيدٍ واضطرب عرّوا سكاكينهم من الْقرب)
стр. 1695
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الموفى ثَلَاثمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(أَقَامَت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي حونتا مصطلاهما)
على أنّ الصّفة المشبهة قد تُضَاف إِلَى ظاهرٍ مُضَاف إِلَى ضمير صَاحبهَا.
يَنْبَغِي أَن تشرح أَولا أَلْفَاظه اللغويّة حَتَّى يظْهر مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الْمَسْأَلَة النحوية فَنَقُول: هَذَا الْبَيْت للشمّاخ بن ضرار وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة وَقيل هَذَا بَيت.
وَهُوَ مطلع القصيدة:
(أَمن دمنتين عرّس الرّكب فيهمَا ... بحقل الرّخامى قد أَنى لبلاهما)
وَقد أوردهما مَعًا سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وبعدهما:
(وإرث رمادٍ كالحمامة مائلٍ ... ونؤيان فِي مظلومتين كداهما)
(أَقَامَا لليلى والرّباب وزالتا ... بِذَات السّلام قد عَفا طللاهما)
قَوْله: امن دمنتين الْجَار متعلّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أتحزن أَو أتجرع من دمنتين رأيتهما فتذكرت من كَانَ يحلّ بهما. والاستفهام تقريريّ وَالْخطاب لنَفسِهِ. ذكر فِي هَذِه الأبيات أَنه رأى منَازِل حبائبه وَأَنه لم يبْق فِيهَا غير الأثافي والرماد والنؤي. والدّمنة بِالْكَسْرِ: الْموضع الَّذِي أثّر فِيهِ
стр. 1696
النَّاس بنزولهم وغقامتهم فِيهِ. والتَّعْرِيس: نزُول الْمُسَافِرين فِي آخر اللَّيْل قَلِيلا للاستراحة ثمَّ يرتحلون.
وَرُوِيَ بدله: عرّج الرّكب والتعريج: أَن يعطفوا رواحلهم فِي الْموضع ويقفوا فِيهِ. والرّكب: ركاب الْإِبِل جمع رَاكب. والحقل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: القراح الصّلب وَهِي المزرعة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا شجر. والرّخامى بِضَم الرَّاء بعْدهَا خاء مُعْجمَة وَآخره ألف مَقْصُورَة وَهُوَ شجر مثل الضال وَهُوَ السّدر البرّيّ. وبحقل الرّخامى حَال من الضَّمِير فِي فيهمَا. وأَنى بالنُّون فعل مَاض بِمَعْنى حَان. والبلى بِكَسْر الْمُوَحدَة: الفناء والذّهاب بالمرّة وَاللَّام زَائِدَة أَي: قد حَان بلاهما.
وَقد روى كثيرٌ بدلهما: قد عَفا طللاهما وَهَذَا غير صَوَاب لِأَنَّهُ يتكررّ مَعَ مَا بعده:)
وَقَوله: أَقَامَت على ربعيهما الخ أَي: بعد ارتحال أهلهما. والرّبع: الدَّار والمنزل. وَضمير المثنّى للدمنتين خلافًا للسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فإنّه قَالَ: يَعْنِي بربعيهما منزلي الأمرأتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا مَعَ أَنه لم يقدّم ذكرهمَا بل أخرهما كَمَا رَأَيْت. وجارتا: فَاعل أَقَامَت وَهُوَ مُضَاف. والصّفا بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء: الصخر الأملس وَاحِدَة صفاة وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ.
قَالَ السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَيَعْنِي بجارتا صفا الأثفيّتين لأنّهما مقطوعتان من الصّفا الَّذِي هُوَ الصخر.
وَيُمكن فِي قَوْله: جارتا صفا وجهٌ آخر هُوَ أحسن من هَذَا وَهُوَ أنّ الأثقيّتين توضعان قَرِيبا قَرِيبا من الْجَبَل لتَكون حِجَارَة الْجَبَل ثَالِثَة لَهما وممسكةً للقدر مَعَهُمَا
وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب: رَمَاه بثالثة الأثافي أَي: بالصخرة أَو الْجَبَل انْتهى.
стр. 1697
وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ
стр. 1698
وَتَبعهُ الْجَمَاعَة قَالَ: الصّفا هُوَ الْجَبَل فِي هَذَا الْموضع وجارتاه: صخرتان تجعلان تَحت الْقدر وهما الأثفيّتان اللَّتَان تقربان من الْجَبَل فَيقوم الْجَبَل مقَام صَخْرَة ثَالِثَة تكون تَحت الْقدر وَمُقْتَضى الْمَعْنى أنّ فِي كلّ من الرّبعين جارتا صفا لَا أنّ فِي مَجْمُوع الربعين جارتا صفا.
وَقَوله: كميتا الأعالي. . الخ هُوَ صفة جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ مثله وَهُوَ مثنّى كميت بِالتَّصْغِيرِ من الكمتة وَهِي الْحمرَة الشَّدِيدَة المائلة إلأى السوَاد. واراد بالأعالي أعالي الجارتين قَالَ الأعلم: يَعْنِي أنّ الأعالي من الأثفيّتين لم تسود لبعدها عَن مُبَاشرَة النَّار فَهِيَ على لون الْجَبَل.
وَكَذَلِكَ قَالَ السَّيِّد المرتضى: شبّه أعلاهما بلون الْكُمَيْت وَهُوَ لون الْحجر نَفسه لِأَن النّار لم تصل إِلَيْهِ فتسوّده.
وَقَالَ ابْن السيرافيّ وَتَبعهُ من بعده: يُرِيد أنّ أعالي الأثافي ظهر فِيهَا لون الكمتة من ارْتِفَاع النّار إِلَيْهَا. وَقَوله: جونتا مصطلاهما نعتٌ ثَان لقَوْله: جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ أَيْضا وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا.
وَمن الْغَرِيب قَول النحّاس: إنّ الجون هُنَا هُوَ الْأَبْيَض. والمصطلى: اسْم مَكَان الصّلاء أَي: الاحتراق بالنّار فَيكون المصطلى مَوضِع إحراق النَّار.)
يُرِيد أَن أسافل الأثافي قد اسودّت من إيقاد النّار بَينهَا. وَالضَّمِير المثنّى فِي مصطلاهما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لقَوْله جارتا صفا وَعند المبّرد للأعالي كَمَا يَأْتِي بيانهما. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شَوَاهِد المفصّل أنّ الكمتة هُنَا السّواد. وَهَذَا غير صَوَاب.
وَقَوله: وإرث رماد الخ هُوَ مَعْطُوف على فَاعل أَقَامَت. وإرث كلّ شَيْء: أَصله وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَآخره ثاء مُثَلّثَة. والحمامة هُنَا: القطاة. شبّه لون الرّماد بريش القطاة. وماثل: قَالَ شَارِح الدِّيوَان: والمظلومة: الأَرْض الغليظة الَّتِي يحْفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر. والكدية بِالضَّمِّ: الأَرْض الغليظة الَّتِي ظلمت كداها أَي: حفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر.
وَقَوله: أَقَامَا لليلى الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: هَذَانِ الطللان أَقَامَا بعد أهلهما. أَشَارَ إِلَى أنّ اللَّام فِي لليلى بِمَعْنى بعد. وذَات السَّلَام: مَوضِع. وعَفا: تغيّر. والطّلل قَالَ الأعلم: هُوَ مَا شخص من عَلَامَات الدَّار وأشرف كالأثفية والوتد وَنَحْوهمَا وَإِن لم يكن لَهُ شخص كأئر الرماد وملاعب الغلمان فَهُوَ رسم.
وَقَوله: كأنّها عزالي الخ هُوَ جمع عزلاء بِفَتْح مهملةٍ وَسُكُون مُعْجمَة وَهِي فَم الْقرْبَة ومصبّ المَاء من المزادة. والشّعيبان: المزادتان قَالَ أَبُو عبيد: الشّعيب والمزادة وَالرِّوَايَة والسّطحية شيءٌ وَاحِد. والمخلف: المستقي. والكلى: الرّقاع الَّتِي تكون فِي المزادة وأحدها كُلية.
هَذَا. وَأما محلّ الشَّاهِد قَوْله: جونتا مصطلاهما فَإِنَّهُ أضَاف جونتا إِلَى مصطلاهما. قَالَ السيرافيّ: جونتا مثنّى وَهُوَ بِمَنْزِلَة حسنتا وَقد أضيفا إِلَى مصطلاهما ومصطلاهما يعود إِلَى جارتا صفا وَمعنى جارتا صفا الأثافيّ والصفا هُوَ الْجَبَل وَإِنَّمَا يبْنى فِي أصل الْجَبَل فِي موضِعين مَا يوضع عَلَيْهِ الْقدر وَيكون الْجَبَل هُوَ الثَّالِث فالبناء فِي موضِعين هما جارتا صفا.
وَقَوله: كميتا الأعاللي يَعْنِي أنّ الأعالي من مَوضِع الأثافيّ لم تسود لأنّ الدّخان لم يصل
стр. 1699
إِلَيْهَا فَهِيَ على لون الْجَبَل وَجعل الْأَعْلَى من الْجَبَل أعالي الجارتين. وجونتا مصطلاهما يَعْنِي مسودّتا المصطلى يَعْنِي الجارتين مسودّتا المصطلى وَهُوَ مَوضِع الْوقُود.
وَقد أنكر هَذَا على سِيبَوَيْهٍ وخرّد للبيت مَا يخرج بِهِ عَن: حسن وَجهه وحسنة
وَجههَا قَالَ: وَذَلِكَ أنّه لَا خلاف بَين النّحويين أنّ قَوْلنَا زيد حسن وَجه الْأَخ جيّد بَالغ وأنّه يجوز أَن يكنى عَن الْأَخ فَنَقُول زيد حسن وَجه الْأَخ جميل وَجهه فالهاء تعود إِلَى الْأَخ لَا إلأى زيد فكأنا قُلْنَا زيد حسن وَجه الْأَخ. جميل وَجه الْأَخ.)
قَالَ: فعلى هَذَا قَوْله كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما كَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلى الأعالي فَالضَّمِير فِي الصطلى يعود إِلَى الأعالي لَا إِلَى الجارتين فَيصير بِمَنْزِلَة قَوْلك: الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما. فَإِن أردْت بالضمير فِي خدودهما الْوُجُوه كَانَ كلَاما مُسْتَقِيمًا كأنّك قلت حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدود الْوُجُوه. فَإِن أردْت بالضمير الهندين فَالْمَسْأَلَة فَاسِدَة فَكَذَلِك جونتا مصطلاهما إِن أردْت بالضمير الأعالي فَهُوَ صَحِيح وَإِن أردْت بالضمير الجارتين فَهُوَ رَدِيء لأنّه مثل قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا.
قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا كَانَ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود إِلَى الأعالي فَلم يثنّى والأعالي جمع قيل لَهُ: الأعالي فِي معنى الأعليين فردّ الضَّمِير إِلَى الأَصْل.
(مَتى مَا تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا)
فردّ تستطار إِلَى رانفتين لِأَن روانف فِي معنى رانفتين. وعَلى هَذَا يجوز
стр. 1700
أَن تَقول الهندان حسنتا الْوُجُوه جميلتا خدودهنّ لأنّ الْوُجُوه فِي معنى الْوَجْهَيْنِ فكأنّك قلت: جميلتا خدود الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ أَبُو بكر بن ناهض القرطبيّ: هَذَا التَّأْوِيل حسن فِي إِعَادَة الضَّمِير الَّذِي فِي مصطلاهما إِلَى الأعالي لَوْلَا مَا يدْخل الْبَيْتَيْنِ من فَسَاد الْمَعْنى وَذَلِكَ أنّك إِذا قلت: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما إنّ مَعْنَاهُ اسودّت الجارتان واصطلى أعاليهما كَمَا أَن معنى قَوْلك الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما إنّما الْمَعْنى
حسنت وُجُوههمَا وملحت خدودهما فَكَذَلِك يجب أَن يكون مصطلاهما إِذا أُعِيد الضَّمِير إِلَى الأعالي أَن يكون قد اصطلت الأعالي وَإِذا اصطلت الأعالي فقد اسودّت وَهُوَ بِخَير أنّهما لم يسودّا لأنّهما لم يصل الدّخان إِلَيْهِمَا.
وَالدَّلِيل على ذَلِك أنّه وصف الأعالي بالكمته وَلم يصفها بالسّواد كَمَا وصف الجارتين فَلَا يشبه هَذَا قَوْلك الهندان حسنتا الْوَجْه مليحتا خدودهما لأنّ كلّ واحدٍ من هذَيْن الضميرين قدج ارْتَفع بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ يجب أَن يرفع ضمير الأعالي بِفِعْلِهِ فَيكون على هَذَا الأعالي قد اصطلت بالنّار وَهَذَا خلاف مَا أَرَادَ الشَّاعِر لِأَنَّهُ ذكر أَنه لم يصطل مِنْهَا غير الجارتين وأنّ الأعالي لم يصل إِلَيْهَا الدُّخان. فَهَذَا خلاف مَا نظره النحويون وقاسوه. فَلَا بدّ من الذّهاب فِي معنى الْبَيْت إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أنّ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود على الجارتين. انْتهى.
وَقد ردّ مَا ذهب إِلَيْهِ المبّرد ابْن جنّي أَيْضا بِوَجْه غير هَذَا قَالَ فِي بَاب الْحمل على الْمَعْنى من)
الخصائص: اعْلَم أنّ الْعَرَب إِذا حملت على الْمَعْنى لم تكد تراجع اللَّفْظ كَقَوْلِك شكرت من أَحْسنُوا إليّ على فعله.
وَلَو قلت
стр. 1701
شكرت من أحسن إِلَيّ على فعلهم جَازَ وَلِهَذَا ضعف عندنَا أَن يكون هما من مصطلاهما فِي قَوْله: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما عَائِدًا على الأعالي فِي الْمَعْنى إِذا كَانَا فاعلين اثْنَيْنِ لأنّه مَوضِع قد ترك فِيهِ لفظ التَّثْنِيَة حملا على الْمَعْنى لأنّه جعل كلّ جِهَة مِنْهُمَا أَعلَى كَقَوْلِهِم: شابت مُفَارقَة وَهَذَا بعيرٌ ذُو عثانين وَنَحْو ذَلِك. أَو لأنّ الأعليين شَيْئَانِ من شَيْئَيْنِ فَإِذا كَانَ قد انْصَرف عَن اللَّفْظ إِلَى غَيره ضعفت معاودته إيّاه لأنّه انتكاث وتراجع فَجرى ذَلِك مجْرى إدغام الملحق وتوكيد مَا حذف. على أنّه قد جَاءَ مِنْهُ شَيْء قَالَ: الطَّوِيل رُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان وَأما قَوْله: الْبَسِيط
(كِلَاهُمَا حِين جدّ الجري بَينهمَا ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي)
فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب وَإِن كَانَ قد عَاد من بعد التَّثْنِيَة إِلَى الْإِفْرَاد وَذَلِكَ أَنه لم يقل كِلَاهُمَا قد أقلعا وَأَنْفه رابٍ فَيكون مَا أنكرناه لكنه قد أعَاد كلا أُخْرَى غير الأولى فعاملها على لَفظهَا. وَلم يقبح ذَلِك لأنّه قد فرغ من حَدِيث الأولى ثمَّ اسْتَأْنف من بعْدهَا أُخْرَى وَلم يَجْعَل الضميرين عائدين إِلَى كلا واحدةٍ.
وَهَذَا كَقَوْلِك: من يقومُونَ أكْرمهم وَمن يقْعد أضربه. وَلَا يحسن وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك حتّى إِذا خَرجُوا من
стр. 1702
عنْدك لما ذَكرْنَاهُ. وَهَذَا وَاضح فاعرفه. انْتهى.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام أبي عليّ فِي الْمسَائِل البغداديات وَقد بسط القَوْل على هَذَا الْبَيْت فَلَا بَأْس بإبراد كَلَامه قَالَ: فَأَما قَوْله: جونتا مصطلاهما فقد قدّره سِيبَوَيْهٍ تَقْدِير حَسَنَة وَجههَا وَجعل قِيَاسه كقياسه وَكَانَ حكمه عِنْده إِن أجراد على الأَصْل دون الْحَذف أَن يَقُول: جارتا صفا جونٌ مصطلاهما فيجرى جونٌ على الجارتين فيرتفع بجريه عَلَيْهِمَا لأنّهما مرفوعتان ثمَّ يرْتَفع المصطلى بجون وَيعود ضمير التَّثْنِيَة على الجارتين فَيكون كَقَوْلِك: الهندانحسنٌ ثوبهما وَهِنْد حسنٌ وَجههَا.
وَإِن أجراه على الْحَذف دون الأَصْل أَن يَقُول: أَقَامَت على ربيعيهما جارتا صفا جونتا المصطليات فِيمَن قَالَ الهندان حسنتا الْوُجُوه وفيمن قَالَ صفا رحليهما
جونتا المصطلين)
فَيصير كَقَوْلِك الهندان حسنتا الثَّوْبَيْنِ. فَلم يَسْتَعْمِلهُ على الْإِتْمَام وَالْأَصْل وَلَا على الِاخْتِصَار والحذف وَلَكِن جعله كَقَوْلِك: هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا فثنّى الجونة وهما وَصفا الجارتين وأضافه مثنّى إِلَى المصطلى وَهُوَ هما فِي الْمَعْنى إلاّ أنّه وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع فِيمَن قَالَ: حسان الْوُجُوه وَمَوْضِع التَّثْنِيَة فِيمَن قَالَ: صفا رحليهما وَهُوَ المصطلى أَلا ترى أنّ لكل وَاحِدَة من الجارتين مصطلى.
وَإِن وجّهته على أنّ المصطلى يكون جَمِيع ذَلِك وَأحد لم يضع وَاحِدًا مَوضِع جمع ثمَّ أضَاف مصطلى
стр. 1703
إِلَى ضمير الجارتين كَمَا أضَاف الْوَجْه فِي قَوْله هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا إلأى ضمير الْمَرْأَة بعد إِضَافَة حسن الَّذِي هُوَ الْوَجْه فِي الْمَعْنى إِلَى الْوَجْه. فعلى هَذَا وضع سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت.
وَقد يحْتَمل غير مَا تأوّله وَهُوَ مَا ذكره بَعضهم: من أنّ الشَّاعِر إنّما ردّ الضَّمِير المثنّى فِي قَوْله مصطلاهما إِلَى الأعالي لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة اثْنَان.
وَهَذَا مثل قَوْله: الطَّوِيل
(رَأَتْ جبلا فَوق الْجبَال إِذا الْتَقت ... رُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان)
وَلست أعرف من قَائِل هَذَا القَوْل إلاّ أنّه لَيْسَ بممتنع. وَيخرج الْكَلَام بِهِ من أَن يكون على قَوْلك: هِنْد حَسَنَة وَجههَا لأنّ الضَّمِير المثنّى على هَذَا فِي قَوْله مصطلاهما لَيْسَ يرجع إِلَى الجارتين إنّما يرجع إِلَى الأعالي لأنّ الأعالي وَإِن كَانَ مجموعاً فِي اللَّفْظ فَهُوَ اثْنَان فِي الْمَعْنى فَحَمله على ذَلِك فَكَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلاهما الأعالي.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن على حَسَنَة وَجههَا لِأَن الجونة لم تضف إِلَى اسْم يتّصل بِهِ ضمير يعود من الِاسْم الَّذِي بعد الصّفة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا ضميرٌ يعود إِلَى هِنْد لكَون الضَّمِير الْعَائِد إِلَى الجارتين محذوفاً كَمَا أنّ الضَّمِير من هِنْد حَسَنَة الْوَجْه ودعد حَسَنَة وَجه الْأَب مَحْذُوف فَلذَلِك أنّث جونة من قَوْله جونتا مصطلاهما كَمَا أنّث حَسَنَة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يعد فِيهِ إِلَى هِنْد ضمير.
وَقِيَاس هَذَا إِذا رفع الِاسْم بِالصّفةِ وَلم تصف الصّفة إِلَى مَا هُوَ فاعلها فِي الْمَعْنى كحسنٌ وجهٌ حسنٌ الْوَجْه أَن يُقَال جارتا صفا جونٌ مصطلاهما أعاليهما أَو أعلييهما فمصطلاهما فِي مَوضِع رفع مثل قَوْلك هَاتَانِ امْرَأَتَانِ حسنٌ غُلَام أبويهما. وعيب هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل هُوَ أنّ التَّثْنِيَة حملت على أنّها جمع وَذَلِكَ بعيد لأَنا وجدناهم يجْعَلُونَ الِاثْنَيْنِ على لفظ)
الْجمع فِي نَحْو
стр. 1704
قَوْله : إِذْ تسوّروا الْمِحْرَاب وقد صغت قُلُوبكُمَا وبابه وَلم نرهم يجْعَلُونَ لفظ التَّثْنِيَة للْجمع.
إلاّ أنّه لَا يمْتَنع ذَلِك فِي هَذَا الْموضع لأنّ الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ قَوْلنَا: الأعالي هُنَا اثْنَان فِي الْحَقِيقَة فَحَمله على الْمَعْنى أَو اسْتعْمل اللغتين فِي نَحْو هَذَا جَمِيعًا فَحمل الأوّل على قَوْله: فقد صنعت قُلُوبكُمَا وَالثَّانِي على صفا رحليهما. وَلَيْسَ ذَلِك بِحسن لأنّ الرَّاجِع أَن يكون على لفظ المرجوع إِلَيْهِ أحسن إلاّ أَن ذَلِك لَا يمْتَنع.
فَفِي هَذَا التَّأْوِيل تَخْلِيص للشعر من عيب وإدخاله فِي عيب آخر. انْتهى كَلَام أبي عليّ.
وَمثله لِابْنِ السّرّاج فِي الْأُصُول قَالَ: وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ أنّ بَعضهم يَقُول زيد حسن وَجهه شبهوه بِحسن الْوَجْه واحتجّ بقوله جونتا مصطلاهما فَجعل المصطلى هَاهُنَا فِي مَوضِع خفض وَالْهَاء وَالْمِيم رَاجِعَة إِلَى الِاثْنَيْنِ وهما جارتا صفا. وَكَانَ حقّه أَن يَقُول جونتا المصطلين.
وَقَالَ غَيره: لَيْسَ الْمَعْنى على هَذَا وَالْهَاء وَالْمِيم ترجع إِلَى الأعالي وَإِن كَانَت جمعا لأنّ مَعْنَاهُمَا معنى اثْنَيْنِ وإنّما جمعت لأنّها من اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ: الرجز ظهراهما مثل ظُهُور التّرسين.
فَكَانَ معنى الشّعْر مصطلى الأعالي. وَنَظِير هَذَا: هِنْد فارهة العَبْد حَسَنَة وَجهه. تُرِيدُ حَسَنَة وَجه العَبْد. وَلَو قلت حَسَنَة وَجههَا كنت قد أضفت الشَّيْء إِلَى نَفسه. وسيبويه إنّما ذكر هَذَا الْبَيْت على ضَرُورَة الشَّاعِر والغلط عِنْدِي.
ثمَّ قَالَ فِي آخر الْكتاب فِي ذكر مَا جَاءَ كالشاذّ الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ: وَهُوَ سَبْعَة مِنْهُ تَغْيِير وَجه الْأَعْرَاب للقافية تَشْبِيها بِمَا يجوز: قَالَ: ومّما يقرب من
стр. 1705
هَذَا قَوْله جونتا مصطلاهما وَإِنَّمَا الْكَلَام المصطلين فردّه إِلَى الأَصْل فِي الْمَعْنى لأنّك إِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه فَمَعْنَاه حسن وَجهه فَإِذا ثنيتقلت مَرَرْت برجلَيْن حسني الْوَجْه فَإِن رَددته إِلَى أَصله قلت برجلَيْن حسن وُجُوههمَا. فَإِذا قلت وُجُوههمَا لم يكن فِي حسن ذكرٌ مّما قبله وَإِذا أتيت بِالْألف وَاللَّام وأضفت الصّفة إِلَيْهَا كَانَ فِي الصّفة ذكر الْمَوْصُوف. فَكَانَ حق هَذَا الشَّاعِر لّما قَالَ مصطلاهما أَن يوحّد الصّفة فَيَقُول: جون مصطلاهما. انْتهى.
فقد بَان لَك مِمَّا نقلنا عَنْهُم وهم أَرْبَاب النَّقْد فِي هَذَا الْعلم أَن الرادّ عى سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ المبّرد لَا سيّما أَبُو عليّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أعرف قَائِل هَذَا القَوْل. وَالشَّارِح الْمُحَقق قَالَ هُوَ المبّرد. وَفَوق كلّ)
ذِي علمك عليم. وَالله أعلم.
وَقد تكلّم على هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الصّفة المشبّهة أَيْضا وَقَالَ: كَلَام المبّرد تكلّف وَالظَّاهِر مَعَ سِيبَوَيْهٍ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(رحيب قطاب الجيب مِنْهَا رقيقةٌ ... بجسّ النّدامى بضة المتجردّ)
على أنّ إِضَافَة رحيب إِلَى قطاب فِي حكم إِضَافَة جونتا إِلَى مصطلاهما فِي الْقبْح. قَالَ السيرافيّ: وَمِمَّا يدْخل فِي هَذَا النَّحْو قَول طرفَة: رحيب قطاب الجيب الْبَيْت وَهَذِه الْإِضَافَة رَدِيئَة بِمَنْزِلَة حَسَنَة وَجههَا وَذَلِكَ أنّ الأَصْل
وَهُوَ الإنشاد الصَّحِيح: رحيب قطاب الجيب بتنوين رحيب فقطاب يرْتَفع برحيب وَضمير مِنْهَا يعود إِلَى الأوّل فَإِذا أضفنا
стр. 1706
رحيب فقد خلا مِنْهُ الضَّمِير الْعَائِد فَلَا معنى لمنها على مَا بيّنّا فِي حَسَنَة الْوَجْه وَكَذَلِكَ لَا يحسن أَن تَقول زيد حسن الْعين مِنْهُ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد وَقَبله:
(نداماي بيضٌ كَالنُّجُومِ وقينةٌ ... تروح علينا بَين بردٍ ومجسد)
رحيب قطاب الجيب مِنْهَا ... ... ... ... . الْبَيْت
(إِذا رجعت فِي صَوتهَا خلت صَوتهَا ... تجاوب أظآرٍ على ربعٍ ردي)
(وَمَا زَالَ تشرابي الْخُمُور ولذّتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي)
(إِلَى أَن تحامتني الْعَشِيرَة كلّها ... وأفردت إِفْرَاد الْبَعِير المعبّد)
(رَأَيْت بني غبراء لَا ينكرونني ... وَلَا أهل هذاك الطّرف الممدّد)
قَوْله: نداماي بيضٌ الخ النّدامى: الْأَصْحَاب يُقَال: فلانٌ نديم فلَان إِذا شَاربه وفلانة نديمة فلَان. وَيُقَال ذَلِك أَيْضا إِذا صَاحبه وحدّثه وَإِن لم يَكُونُوا على شراب.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: سمّي النّديم نديماً لندامة جذيمة الأبرش حِين قتل مَالِكًا وعقيلاً
ابْني فارج اللَّذين أَتَيَا هـ بِعَمْرو ابْن أُخْته فَسَأَلَاهُ أَن يكون فِي سمره فَوجدَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا وَنَدم فسمّي كل مشارب نديماً. وواحدهم ندمانٌ ونديم وَالْمَرْأَة ندمانة ونديمة وَيُقَال من النّدم ندمان)
وندمى.
وَقَوله: بيض كَالنُّجُومِ أَي: هم ساداتٌ مشاهير كَالنُّجُومِ. وَقَوله: وقينة مَعْطُوف على بيض. والْقَيْنَة: المغنّية وكلّ أمة قينة وَإِنَّمَا قيل لَهَا قينة لِأَنَّهَا تعْمل بِيَدَيْهَا مَعَ غنائها. وَالْعرب تَقول لكّل من يصنع بيدَيْهِ شَيْئا قين. وَمعنى تروح علينا تجيئنا عشيّاً.
وروى: تروح إِلَيْنَا. والْبرد: ثوب وشيٍ. ومجسد هُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح السِّين
стр. 1707
قَالَ الأعلم فِي شرح المعلّقة: المجسد: الْمَصْبُوغ بالزعفران المشبع. والجساد بِالْفَتْح: الزَّعْفَرَان.
وَقَالَ ابْن السكّيت فِي شرح ديوانه: المجسد: الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد وَهُوَ الشّعار.
وَالْمعْنَى على الأول تَأْتِينَا بالعشيّ تَارَة وَعَلَيْهَا بردٌ ومرّةٌ وَعَلَيْهَا ثوب مصبوغ بالزعفران. وَالْمعْنَى على الثَّانِي تَأْتِينَا وَعَلَيْهَا هَذَانِ الثوبان.
وَقَوله: رحيب قطاب الجيب الخ رُوِيَ بِإِضَافَة رحيب إِلَى قطاب وتقدّم بَيَان ضعفه وَرُوِيَ تَنْوِين رحيب وَرفع قطاب وَهُوَ الإنشاد الثَّابِت الصَّحِيح فَيكون رحيب صفة سَبَبِيَّة لقينة فَيكون الرحب وَصفا للقينة فِي اللَّفْظ ووصفاً لقطاب الجيب فِي الْمَعْنى لِأَن الْمَعْنى رحب قطاب جيبها أَي: اتّسع. وَضمير مِنْهَا للقينة. وقطاب الجيب بِالْكَسْرِ: مجتمعه حَيْثُ قطب أَي: جمع وَهُوَ مخرج الرَّأْس من الثَّوْب. والرّحيب: الْوَاسِع وإنّما وصف قطاب جيبها بالسّعة لأنّها كَانَت توسّعه ليبدو صدرها فَينْظر إِلَيْهِ ويتلذّذ بِهِ. وَلَيْسَ الْمَعْنى أنّ عُنُقهَا وَاسع فَيحْتَاج إلأى أَن يكون جيبها وَاسِعًا كَمَا توهمه أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ والخطيب التّبريزيّ فإنّ هَذَا الْوَصْف ذمّ.
وَقَوله: رَفِيقَة بفاء وقاف من الرِّفْق وَهُوَ اللين والملاءمة. وَرُوِيَ رقيقَة بقافين من الرّقة وَهُوَ ضدّ الغلظة. والجسّ بِفَتْح الْجِيم: اللَّمْس أَي: لمس أوتار اللَّهْو. أَي: استمرت على الجسّ فَهِيَ رَفِيقَة بِهِ حاذقة. وَقيل جسّ النّدامى مَا
طلبُوا من غنائها وَقيل جسّ الّدامى هُوَ أَن يجسّوا بِأَيْدِيهِم فيلمسوها تلذّذاً كَمَا فسّرنا أوّلاً كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: الطَّوِيل لجسّ النّامى فِي يَد الدّرع مفتق
стр. 1708
وَكَانَت الْقَيْنَة يفتق فتيقٌ فِي كمّها إِلَى الْإِبِط فَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يلمس مِنْهَا شَيْئا أَدخل يَده فلمس. والدّرع: قَمِيص الْمَرْأَة ويَده: كمّه.)
وروى: لجسّ النّدامى بِاللَّامِ مَوضِع الْبَاء. والبضّة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْبَيْضَاء الناعمة الْبدن الرقيقة الْجلد. والمتجرّد على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول: مَا سترد الثّياب من الْجَسَد. يَقُول: هِيَ بضّة الْجِسْم على التجرّد من ثِيَابهَا وَالنَّظَر وَقَوله: إِذا نَحن قُلْنَا الخ أسمعينا أَي: غنّينا. وانبرت اعترضت وَأخذت فِيمَا طلبنا من غنائها. ورسلها بِالْكَسْرِ بِمَعْنى هينتها ورفقها ومهلها. ومطروفة بِالْفَاءِ: الفاترة الطّرف أَي: كَأَن عينهَا طرفت فَهِيَ سَاكِنة. وَقيل إنّ مَعْنَاهُ تحدّ النّظر بطرفها. وَهَذَا لَيْسَ بشيءٍ.
وَرُوِيَ: مطروقة بِالْقَافِ وَمَعْنَاهُ كسترخية ليّنة. وَهُوَ حَال من فَاعل انبرت. وَلم تشدّد وَقَوله: إِذا رجّعت فِي صَوتهَا التّرجيع: ترديد الصَّوْت. والأظآر: جمع ظئر وَهِي الَّتِي لَهَا ولد. وربع بضمّ الرَّاء وَفتح الموحّدة: ولد النَّاقة. وردي فعل مَاض من الرّدى وَهُوَ الْهَلَاك.
يَقُول: إِذا طرّبت فِي صَوتهَا وردّدت نغماتها حسبت صَوتهَا أصوات نوقٍ تحنّ لهلاك وَلَدهَا.
شبّه صَوتهَا بصوتهنّ فِي التحزين.
وَيجوز أَن يكون الأظآر النِّسَاء وَالرّبع مستعاراً لولد الْإِنْسَان فشبّه صَوتهَا فِي
التحزين والترقيق بِأَصْوَات النوادب والنّوائح على صبيّ هَالك. وَهَذَا الْبَيْت قلّما يُوجد فِي هَذِه القصيدة.
وَقَوله: وَمَا زَالَ تشربي الخ التّشراب: الشّرْب وَهُوَ للتكثير. والطريف والطارف: مَا اكْتَسبهُ الْإِنْسَان من المَال. والمتلد بِصِيغَة اسْم
стр. 1709
الْمَفْعُول وَكَذَا التالد والتليد: المَال الْقَدِيم الَّذِي وَرثهُ عَن آبَائِهِ. وَمَعْنَاهُ المتولّد وَالتَّاء بدل الْوَاو.
وَقَوله: إِلَى أَن تحامتني الخ أَي: تَرَكتنِي. والْعَشِيرَة: أهل بَيت الرجل والقبيلة. والمعبّد بزنة اسْم الْمَفْعُول: الأجرب وَقيل هُوَ المهنوء الَّذِي سقط وبره فأفرد عَن الْإِبِل أَي: تركت ولذّاتي.
وَقَوله: رَأَيْت بني غبراء غبراء: الأَرْض وَبَنُو غبراء الْفُقَرَاء وَيدخل فيهم الأضياف. وَأهل مَعْطُوف على الْوَاو فِي ينكروني. والطّراف بِالْكَسْرِ: بِنَا من أَدَم يكون للأغنياء. والممدّد: الْمَنْصُوب. يَقُول: إِن هجرني الْأَقَارِب وصلتني الأباعد الْفُقَرَاء والأغنياء فالفقراء لإنعامي عَلَيْهِم وَقد تقدّم شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... نوازع من قلبِي ظماءٌ وألبب)
على أنّ إِضَافَة ذَوي آل النَّبِي من إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: يَا أَصْحَاب
هَذَا الِاسْم.
أَرَادَ بِهَذَا الردّ على من زعم أنّ ذَا فِي مثله وَكَذَا فِي الأبيات الْآتِيَة زَائِد.
стр. 1710
وَهَذَا كلّه ملخّص من كَلَام ابْن جنّي فِي الخصائص وَغَيره وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي المفصّل وشروحه.
وجوّزأبو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ أَن يكون ذُو زَائِدا وَأَن يكون على جعل الِاسْم المسمّى على الاتساع لمصاحبته لَهُ وَكَثْرَة الملابسة.
قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة ابْن مَسْعُود من سُورَة يُوسُف وَفَوق كلّ ذِي عالمٍ عليمٌ: تحْتَمل هَذِه الْقِرَاءَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: فَوق كل شخص يُسمى عَالما أَو يُقَال
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... نوازع من نَفسِي ظماءٌ وألبب)
أَي: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ آل النَّبِي. وَعَلِيهِ قَول الْأَعْشَى: الْبَسِيط
(فكذّبوها بِمَا قَالَت فصبّحهم ... ذُو آل حسّان يزجي الْمَوْت والشرّعا)
أَي: صبّحهم الْجَيْش الَّذِي يُقَال لَهُ آل حسّان. وَهُوَ بابٌ وَاسع قد تقصّيناه فِي كتاب الخصائص.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون عَالم مصدرا كالفالج وَالْبَاطِل.
стр. 1711
وَالثَّالِث: أَن يكون على مَذْهَب من يعْتَقد زِيَادَة ذِي. انْتهى مُخْتَصرا.
وَقد ذكر ابْن جنّي هَذِه الْإِضَافَة فِي أَكثر قَالَ فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد
قَول طفيل الغنويّ: الطَّوِيل
(وَمَا أَنا بالمستنكر الْبَين إنّني ... بِذِي لطف الْجِيرَان قدماً مفجّع)
هَذَا من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه أَي: إنّني بالشيّ المسمّى بلطف الْجِيرَان. وَمثله بَيت الشمّاخ: الوافر)
وأدرج درج ذِي شطنٍ وَمثله بَيت الْكُمَيْت: إِلَيْكُم ذَوي آل النَّبِي. . الْبَيْت أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم واصحابه هم آل النبيّ صلّى عَلَيْهِ وَسلم فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ وَأَمْثَاله كَثِيرَة جدا قد ذَكرنَاهَا فِي غير مَوضِع. وَمن ذهب إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَات فِي هَذَا الْموضع ذهب إِلَى زيادتها فِي بَيت طفيل هَذَا أَيْضا وَمَعْنَاهُ فِي التَّأْويلَيْنِ جَمِيعًا أنّني بلطف الْجِيرَان أَي: بوصلهم مفجّع.
وَقَالَ أَيْضا فِي أَوَاخِر إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل
(فَلَمَّا رَآنِي أبْصر الشّخص أشخصاً ... قَرِيبا وَذَا الشّخص الْبعيد أَقَاربه)
стр. 1712
قَرِيبا إِن شِئْت ظرف أَي: من قريب وَإِن شِئْت حَال أَي: أبصره مقارباً أشخصاً مَعْنَاهُ أبصره وَأَنا قريب مِنْهُ أشخصاً.
وَقَوله: وَذَا الشّحص الْبعيد من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه كَقَوْل الشماخ. . وَقَول الْأَعْشَى. . وَقَول الْكُمَيْت. . وَأنْشد الأبيات الثَّلَاثَة ثمَّ قَالَ:
وَمعنى أَقَاربه أَي: أظنّه قَرِيبا.
وَلَو جرّ الْبعيد هُنَا لم يجز لأنّ الشَّخْص فِي هَذَا الْبَيْت اسمٌ لَا مسمّى. وَلَو قلت سمّيته بزيد الظريف على هَذَا لم يجز لأنّ الظّرْف لَا تُوصَف بِهِ الْأَسْمَاء.
ثمَّ قَالَ: وَقد دَعَا خَفَاء هَذَا الْموضع أَقْوَامًا إِلَى أَن ذَهَبُوا إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع وإنّما ذَلِك بعدٌ عَن إِدْرَاك هَذَا الْموضع. انْتهى.
وَزَاد فِي الخصائص على مَا ذَكرْنَاهُ أنّ أَبَا عَليّ حدّثه أنّ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أستاذ ثَعْلَب روى عَنْهُم: هَذَا ذُو زيد أَي: هَذَا صَاحب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ زيد.
وَقد عقد لهَذَا بَابا فِي الخصائص وَهُوَ بَاب إِضَافَة الِاسْم إِلَى المسمّى والمسمّي إِلَى الِاسْم وَأطَال الْكَلَام فِيهِ وأطاب وَقَالَ: هَذَا مَوضِع كَانَ يعتاده أَبُو عليّ ويألفه ويرتاح لاستعماله وَهُوَ فصلٌ من العربيّة
стр. 1713
غَرِيب وقلّ من يعتاده أَو ينظر فِيهِ وَقد ذكرته لتراه فتتنبّه على مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ: وَفِيه دَلِيل يدلّ على فَسَاد من ذهب إِلَى أنّ الِاسْم هُوَ المسمّى وَلَو كَانَ إيّاه لم تجز إِضَافَة واحدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه لأنّ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه. قيل لأنّ الْغَرَض من الْإِضَافَة)
إنّما هُوَ التَّعْرِيف والتخصيص وَالشَّيْء إنّما يعرّفه غَيره لأنّه لَو كَانَت نَفسه تعرّفه لما احْتَاجَ أبدا إِلَى أَن يعرّف بِغَيْرِهِ لأنّ نَفسه فِي حَالي تَعْرِيفه وتنكيره وَاحِدَة وموجودة غير مفتقدة.
وَلَو كَانَت نَفسه هِيَ المعرّفة لَهُ أَيْضا لما احْتَاجَ إِلَى اضافته إِلَيْهَا لأنّه لَيْسَ فِيهَا إلآ مَا فِيهِ فَكَانَ يلْزم الِاكْتِفَاء بِهِ عَن إِضَافَته إِلَيْهَا فَلهَذَا لم يَأْتِ عَنْهُم نَحْو هَذَا غُلَامه ومررت بِصَاحِبِهِ والمظهر هُوَ الْمُضمر الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا مَعَ فَسَاده فِي
الْمَعْنى لأنّ الْإِنْسَان لَا يكون أَخا نَفسه وَلَا صَاحبهَا.
فَإِن قلت: فقد تَقول مَرَرْت بزيدٍ نَفسه وَهَذَا نفس الحقّ يَعْنِي أنّه هُوَ الحقّ لَا غَيره. قيل: لَيْسَ الثَّانِي هُوَ مَا أضيف إِلَيْهِ من الْمظهر وإنّما النَّفس هُنَا بِمَعْنى خَالص الشَّيْء وَحَقِيقَته وَالْعرب تحلّ نفس الشَّيْء من الشَّيْء محلّ الْبَعْض من الكلّ وَلِهَذَا حكوا عَن أنفسهم مراجعتهم إيّاها وخطابها لَهُم وَأَكْثرُوا من ذكر التردّد بَينهَا وَبينهمْ.
أَلا ترى إِلَى قَوْله:
стр. 1714
الْبَسِيط
(أَقُول للنّفس تأساءً وتعزيةً ... إِحْدَى يديّ أصابتني وَلم ترد)
وَقَوله: الرجز
(قَالَت لَهُ النّفس تقدّم راشدا ... إنّك لَا ترجع إلاّ حامدا)
وأمثال هَذَا كثير جدا وَجَمِيع هَذَا يدلّ على أنّ نفس الشَّيْء عِنْدهم غير الشَّيْء.
فَإِن قلت: فقد تَقول هَذَا أَخُو غُلَامه وَهَذِه جَارِيَة بنتهَا فتعرّف الأول بِمَا أضيف إِلَى ضَمِيره وَالَّذِي أضيف إِلَى ضَمِيره إنّما تعرّف بذلك الضَّمِير وَنَفس الْمُضَاف الأول متعرّف بالمضاف إِلَى ضَمِيره وَقد ترى على هَذَا أنّ التَّعْرِيف الَّذِي استقرّ فِي جَارِيَة من قَوْلك هَذِه جَارِيَة بنتهَا إنّما أَتَاهَا من قبل ضميرها وضميرها هُوَ هِيَ فقد آل الْأَمر إِذا إِلَى أنّ الشَّيْء قد يعرّف نَفسه وَهَذَا خلاف مَا ركبته وَأعْطيت يدك بِهِ.
قيل: كَيفَ تصرّفت الْحَال فالجارية إنّما تعرّفت بالبنت الَّتِي هِيَ غَيرهَا وَهَذَا شَرط التَّعْرِيف من جِهَة الْإِضَافَة فَأَما ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ أمضاف هُوَ أم غير مُضَاف فَغير قَادِح.
والتعريف الَّذِي أَفَادَهُ ضمير الأول لم يعرّف الأول وَإِنَّمَا عرّف مَا عرّف الأوّل وَالَّذِي عرّف الأول غير الأوّل فقد استمرت الصّفة وَسَقَطت الْمُعَارضَة.
ويؤكذ ذَلِك أَيْضا أنّ الْإِضَافَة فِي الْكَلَام على ضَرْبَيْنِ:)
أَحدهمَا: ضمّ الِاسْم إِلَى اسمٍ هُوَ غَيره بِمَعْنى اللَّام نَحْو غُلَام زيد. وَالْآخر: ضمّ اسْم إلأى اسْم هُوَ بعضه بِمَعْنى من نَحْو هَذَا ثوب خزٌ. وَكِلَاهُمَا لَيْسَ الثَّانِي فِيهِ بالأوّل. واستمرار هَذَا عِنْدهم يدلّ على أَن الْمُضَاف لَيْسَ بالمضاف إِلَيْهِ الْبَتَّةَ انْتهى.
стр. 1715
وَقَول الْكُمَيْت: ذَوي آل النَّبِي هُوَ منادى حذف مِنْهُ حرف النداء أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم. وَفِيه من التفخيم مَا لَيْسَ فِي قَوْلك يَا آل النَّبِي لِأَنَّهُ قد جعلهم تشوّفت وَبِه يتعلّق قَوْله إِلَيْكُم. وقدّمه للحصر أَي: أَنا مشتاق إِلَيْكُم لَا إِلَى غَيْركُمْ. ونوزاع: جمع نازعة من نزعت النَّفس إِلَى الشَّيْء أَي: اشتاقت إِلَيْهِ وَمثله نازعت نزوعاً ونزاعاً بِالْكَسْرِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: جنّ والظّماء: العطاش يُقَال: ظمئ ظمأ بِالْهَمْز كعطش عطشاً وزنا وَمعنى فَهُوَ ظمآن وَهِي ظمأى مثل عطشان وعطشى وَالْجمع ظماء كسهام. وَوصف النوازع بالظماء للْمُبَالَغَة فِي قوّتها وشدّتها. وألبب: جمع لبّ بضمّ وَهُوَ الْعقل وَهُوَ شاذّ وَالْقِيَاس ألبٌّ بِالْإِدْغَامِ وَهُوَ مَعْطُوف على نوازع.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب مدح بهَا آل بَيت النَّبِي ﷺ وَهِي إِحْدَى القصائد الهاشميّات وَهِي من جيّد شعره.
وَقد اسْتشْهد النّحاة بِأَبْيَات من هَذِه القصيدة وَهَذَا مطْلعهَا مَعَ جملَة أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل
(طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب ... وَلَا لعباً منّي وَذُو الشّيب يلْعَب)
(وَلم تلهني دارٌ وَلَا رسم منزل ... وَلم يتطرّبني بنانٌ مخضّب)
(وَلَا السّانحات البارحات عشيّةً ... أمرّ سليم الْقرن أم مرّ أعضب)
...
стр. 1716
(وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى ... وَخير بني حوّاء وَالْخَيْر يطْلب)
(إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم ... إِلَى الله فِيمَا نابني أتقرّب)
(بني هاشمٍ رَهْط النّبيّ وإنّني ... بهم وَلَهُم أرْضى مرَارًا وأغضب)
(بأيّ كتابٍ أم بأيّة سنّةٍ ... ترى حبّهم عاراً عليّ وتحسب)
(وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ ... وَمَالِي إلاّ مشعب الحقّ مشعب)
(وَمن غَيرهم أرْضى لنَفْسي شيعَة ... وَمن بعدهمْ لَا من أجلّ وأرحب)
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... توازع من قلبِي ظماءٌ وألبب))
(وجدنَا لكم فِي آل حَامِيم آيَة ... تأوّلها منّا تقيٌّ ومعرب)
(فإنّي على الْأَمر الَّذِي تكرهونه ... بِقَوْلِي وفعلي مَا اسْتَطَعْت لأجنب)
(يشيرون بِالْأَيْدِي إليّ وَقَوْلهمْ ... أَلا خَابَ هَذَا والمشيرون خيّب)
(فطائفةٌ قد أكفرتني بحبّهم ... وَطَائِفَة قَالُوا: مسيءٌ ومذنب)
(يعيبونني من غيّهم وضلالهم ... على حبّكم بل يسخرون وأعجب)
(وَقَالُوا ترابيّ هَوَاهُ وَدينه ... بذلك أدعى فيهم وألقّب)
(فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتّهمونني ... وَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب)
(ألم ترني فِي حبّ آل محمّدٍ ... أروح وأغدر خَائفًا أترقّب)
(كَأَنِّي جانٍ محدثٌ وكأنّما ... بهم يتّقي من خشيَة العرّ أجرب)
(على أيّ جرمٍ أم بأيّة سيرةٍ ... أعنّف فِي تقريظهم واؤنّب)
стр. 1717
. روى الأصبهانيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ النَّوْفَلِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: الْكُمَيْت بن زيد الشَّاعِر كَانَ أوّل مَا قَالَ القصائد الهاشّميات فسترها ثمَّ أَتَى الفرزدق بن غَالب فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فراس إنّك شيخ مُضر وشاعرها وَأَنا ابْن أَخِيك الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ لَهُ: صدقت أَنْت ابْن أخي فَمَا حَاجَتك قَالَ: نفث على لساني فَقلت شعرًا فَأَحْبَبْت أَن أعرضه عَلَيْك فَإِن كَانَ حسنا أَمرتنِي بإذاعته وَإِن كَانَ قبيحاً أَمرتنِي بستره وَكنت أولى من ستره عليّ. فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أمّا عقلك فحسنٌ وإنّي لأرجو أَن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني مَا قلت.
فأنشده: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب قَالَ: فَقَالَ لي: فِيمَا تطرب يَا ابْن أخي فَقَالَ: وَلَا لعباً منّي وَذُو الشيب يلْعَب قَالَ: بلَى يَا ابْن أخي فالعب فإنّك فِي أَوَان اللّعب. فَقَالَ: وَلم يلهني دارٌ وَلَا رسم منزلٍ الْبَيْت
قَالَ: فَمَا يطربك يَا ابْن أخي فَقَالَ: فَقَالَ: أجل لَا تتطيّر. فَقَالَ:)
وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى الْبَيْت
стр. 1718
فَقَالَ: وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك فَقَالَ: إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم الْبَيْت فَقَالَ: أرحني وَيحك من هَؤُلَاءِ فَقَالَ: بني هَاشم رَهْط النّبيّ فإنّني الْبَيْت فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أذع أذع يَا ابْن أخي أَنْت وَالله أشعر من مضى وأشعر من بَقِي.
وَعَن عِكْرِمَة الضّبي عَن أَبِيه قَالَ: أدْركْت النَّاس بِالْكُوفَةِ من لم يرو: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَلَيْسَ بشيعيّ. وَمن لم يرو: ذكر الْقلب إلفه المهجورا فَلَيْسَ بأمويّ. وَمن لم يرو: هلاّ عرفت منازلاً بالأبرق فَلَيْسَ بمهلبيّ.
قَوْله: طربت وَمَا شوقاً الخ اسْتشْهد بِهِ أَبُو حيّان على تَقْدِيم الْمَفْعُول لَهُ على عَامله ردّاً على من منع ذَلِك فإنّ شوقاً مفعول لَهُ مقدّم على عَامله وَهُوَ أطرب. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي على أنّ همزَة الِاسْتِفْهَام لكَونهَا أصلا جَازَ
حذفهَا سَوَاء كَانَت مَعَ أم لَا فإنّه أَرَادَ فإنّه أَرَادَ: أَو ذُو الشيب
стр. 1719
يلْعَب والاستفهام إنكاريّ.
وَقَالَ شَارِح السَّبع الهاشميّات: ذُو الشيب خبر وَلَيْسَ باستفهام وَالْمعْنَى لم أطرب شوقاً إِلَى الْبيض وَلَا طربت لعباً منّي وَأَنا ذُو الشيب وَقد يلْعَب ذُو الشيب ويطرب وَإِن كَانَ قبيحاً بِهِ ولكنّ طربي إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى.
وَقَوله: وَلَا أَنا مّمن يزْجر الطير الخ همّه فَاعل يزْجر وَالطير مَفْعُوله. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الزّجر للطير هُوَ التّيمن والتشاؤم بهَا والتفاؤل بطيرانها كالسانح والبارح وَهُوَ نوع من الكهانة والعيافة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الْغُرَاب أعظم مَا يتطيّرون بِهِ ويتشاءمون بالثور الأعضب وَهُوَ المكسور الْقرن. والسانح مَا ولاّك ميامنه والبارح مَا ولاّك مياسره واهل نجد تتيمّن بالأوّل)
وتتشاءم بِالثَّانِي وَأهل الْعَالِيَة على عكس هَذَا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَفِي السانحات جوّز الْأَخْفَش النصب للْعَطْف على الطير.
وَقَوله: ترى حبّهم عاراً الخ اسْتشْهد بِعْ ابْن هِشَام فِي شرح الألفيّة على جَوَاز حذف مفعولي بَاب ظنّ للدّليل.
وَقَوله: وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد الخ اسْتشْهد بِهِ النّحاة مِنْهُم صَاحب الْجمل على تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. والمشعب: الطَّرِيق يَقُول:
стр. 1720
مَالِي مَذْهَب إلاّ طَرِيق الحقّ الَّذِي هُوَ حبّ آل النبيّ وتفضيلهم ﷺ .
وَقَوله: وجدنَا لكم الخ آل حم اسْم للسّور السَّبع الَّتِي أَولهَا حم وَيُقَال لَهَا أَيْضا الحواميم وَأَرَادَ الْآيَة الَّتِي فِي حمعسق: قل لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلاّ المودّة
فِي الْقُرْبَى يَقُول: من تأوّل هَذِه الْآيَة لم يَسعهُ إلاّ التشيّع فِي آل النبيّ ﷺ وإبداء المودّة لَهُم على تقيّةٍ كَانَت أَو غير تقيّة.
وَقَوله: تقيٌّ ومعرب قَالَ الجوهريّ: أعرب بحجتّه إِذا أفْصح بهَا وَلم يتّق أحدا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: يَعْنِي المفصح بالتّفضيل والساكت عَنهُ للتّقيّة. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا لترك صرف حَامِيم لكَونه وَافق بِنَاء مَا لَا ينْصَرف من الأعجمية نَحْو قابيل وهابيل.
قَالَ الأعلم: جعل حَامِيم اسْما للكلمة ثمَّ أضَاف السُّور إِلَيْهَا كإضافة النّسَب إِلَى قرَابَة كَمَا وَقَوله: ألم ترني فِي حبّ آل مُحَمَّد الخ قَالَ السيوطيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: أخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن سهل قَالَ: قَالَ الْكُمَيْت: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام وَأَنا مختفٍ فَقَالَ لي: ممّ خوفك فَقلت: يَا رَسُول الله من بني أميّة.
ثمَّ أنشدته: ألم ترني من حبّ آل محمدٍ الْبَيْت
следующие страницы →