Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وَيجوز أَن يكون المُرَاد مدح هَؤُلَاءِ الْقَوْم بِالْكَرمِ وأنّهم لَا يسقون المَاء إلاّ ممزوجاً بِالْخمرِ لسعتهم وكرمهم وتعظيم من يرد عَلَيْهِم. انْتهى.
وَالظَّاهِر أنّ المُرَاد هُوَ الثَّانِي لَا الأوّل للسياق والسّباق. وَلَيْسَ معنى التصفيق مَا ذكره وَالصَّوَاب مَا ذكره بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل من أَنه يصفهم بالجود على من يرد عَلَيْهِم فيسقونه مَاء مصفّى ممزوجاً بِالْخمرِ الصافية السائغة فِي الْحلق.
وَحمل هَذَا الْكَلَام على الْقلب أظهر يُرِيد: يسقون من يرد عَلَيْهِم الرَّحِيق السلسل يصفّق ببردى أَي: بِمَائِهَا. انْتهى.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فيالشاهد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مدح بهَا آل جَفْنَة مُلُوك الشَّام. وَهَذِه قِطْعَة مِنْهَا بعد المطلع بِثَلَاثَة أَبْيَات:
(لله درّ عصابةٍ نادمتهم ... يَوْمًا بجلّق فِي الزَّمَان الأوّل)
(أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل)
(يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السّواد الْمقبل)
يسقون من ورد ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(يسقون درياق الرّحيق وَلم تكن ... تدعى ولائدهم لنقف الحنظل)
(فَلَبثت أزماناً طوَالًا فيهم ... ثمّ ادّكرت كأنّني لم أفعل)
إِلَى أَن قَالَ بعد بَيْتَيْنِ:
(وَلَقَد شربت الْخمر فِي حانوتها ... صهباء صافيةٌ كطعم الفلفل)
...
стр. 1787
(يسْعَى عليّ بكأسها متنطّفٌ ... فيعلّني مِنْهَا وَإِن مِنْهَا وَإِن لم أنهل)
(إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل)
(كلتاهما حلب الْعصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصل)
(بزجاجةٍ رقصت بمل فِي قعرها ... رقص القلوص براكبٍ مستعجل)
الْعِصَابَة: الْجَمَاعَة من النَّاس. وجلّق: بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام أَيْضا. قَالَ الجواليقي فِي المعربات: يُرَاد بِهِ دمشق وَقيل مَوضِع بِقرب دمشق وَقيل إِنَّه صُورَة امْرَأَة كَانَ المَاء يخرج من فِيهَا فِي قَرْيَة من قرى دمشق وَهُوَ أعجميّ مُعرب وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: أَوْلَاد جَفْنَة الخ بالجرّ بدل من عِصَابَة وَيجوز رَفعه. وجَفْنَة بِفَتْح الْجِيم هُوَ أَبُو مُلُوك الشَّام وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن حَارِثَة بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مازنٍ الغسانيّ.
وَأما جبلة بن الْأَيْهَم فَهُوَ ابْن ماوية لأنّه ابْن الْأَيْهَم بن جبلة بن الْحَارِث الْأَعْرَج. وَأَرَادَ باولاد جَفْنَة أَوْلَاد الْحَارِث الْأَعْرَج بن مَارِيَة وهم: النُّعْمَان وَالْمُنْذر والمنيذر وجبلة وَأَبُو شمر.
وَهَؤُلَاء كلّهم مُلُوك وهم أعمام جبلة بن الْأَيْهَم. كَذَا فِي مُخْتَصر أَنْسَاب الْعَرَب لياقوت الحمويّ.
قَالَ السيّد الجرجانيّ فِي شرح الْمِفْتَاح: ترك تَفْضِيلهمْ احْتِرَازًا عَن تَقْدِيم بَعضهم على بعض.)
ثمَّ قَوْله وَعَن التَّصْرِيح بأسامي الْإِنَاث الدَّاخِلَة فيهم فِيهِ نظر فَإِن ذكر نسَاء الْمُلُوك لَا يعْهَد عِنْد ذكر الْمُلُوك.
وَقَوله: إنّ مَارِيَة
стр. 1788
هِيَ أمّ جَفْنَة غير صَوَاب وإنّما هِيَ أم الْحَارِث الْأَعْرَج. ومارية قَالَ جُمْهُور النسّابين: هِيَ مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع الكندية.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَابْن السّكيت: هِيَ مَارِيَة بنت أَرقم بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن جَفْنَة فَتكون على هَذَا غسّانية وَهِي أُخْت هِنْد امْرَأَة حجر وَالِد امْرِئ الْقَيْس صَاحب المعلّقة وَلَيْسَت أمه.
ومارية هِيَ الَّتِي تضرب الْمثل بقرطيها فَيُقَال: خُذْهُ وَلَو بقرطيّ مَارِيَة يضْرب للترغيب فِي الشَّيْء وَإِيجَاب الْحِرْص عَلَيْهِ أَي: لَا يقوتنّك على كلّ حَال وَإِن كنت تحْتَاج فِي إحرازه إِلَى بذل النفائس.
قَالَ الزمخشريّ فِي أَمْثَاله: هِيَ أول عَرَبِيَّة تقرّطت وَسَار ذكر قرطيها فِي الْعَرَب وَكَانَا نفيسي الْقيمَة وَقيل إنّهما قوّما بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَقيل كَانَ فيهمَا درّتان كبيض الْحمام لم ير مثلهمَا وَقيل هِيَ من الْيمن أَهْدَت قرطيها إِلَى الْبَيْت. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: هِيَ ذَات القرطين لدرّتين كأنّهما بيضتا نعَامَة أَو حمامة.
وَأَرَادَ بقوله: حول قبر أَبِيهِم أنّهم مُلُوك ذَوُو حاضرةٍ ومستقرّ لَيْسُوا أَصْحَاب رحْلَة وانتجاع.
سُئِلَ الأصمعيّ بأنّه مَا أَرَادَ حسان بِهِ وَأي مدح لَهُم فِي كَونهم عِنْد قبر أَبِيهِم فَقَالَ: إنّهم مُلُوك حُلُول فِي مَوضِع وَاحِد وهم أهل مدر وَلَيْسوا بِأَهْل عمد. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ أنّهم آمنون لَا يبرحون وَلَا يخَافُونَ كَمَا تخَاف الْعَرَب وهم مخصبون لَا ينتجعون
стр. 1789
قَالَ السّيد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: هَذَا من الِاخْتِصَار الَّذِي لَيْسَ فِيهِ حذف. أَرَادَ أنّهم أعزّاء مقيمون بدار مملكتهم لَا ينتجعون كالأعراب. فاختصر هذاالمبسوط فِي قَوْله: حول قبر أَبِيهِم.
قَالَ: والاختصار غير الْحَذف وقومٌ يظنون أنّهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْحَذف يتعلّق بالألفاظ: وَهُوَ أَن تَأتي بِلَفْظ يَقْتَضِي غَيره ويتعلّق بِهِ وَلَا يستقلّ بِنَفسِهِ وَيكون فِي الْمَوْجُود دلالةٌ على الْمَحْذُوف فَيقْتَصر عَلَيْهِ طلبا للاختصار. والاختصار يرجع إِلَى الْمعَانِي: وَهُوَ أَن تَأتي بلفظٍ مفيدٍ لمعان كَثِيرَة لَو عبّر عَنْهَا بِغَيْرِهِ لاحتيج إِلَى أَكثر من ذَلِك اللَّفْظ. فَلَا حذف إلاّ وَهُوَ اختصارٌ وَلَيْسَ كلّ اخْتِصَار حذفا. انْتهى كَلَامه.
وأدرج ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة هَذَا النَّوْع فِي بَاب الْإِشَارَة قَالَ: وَالْإِشَارَة من غرائب الشّعْر)
وملحه وبلاغةٌ عجيبةٌ تدلّ على بعد المرمى وفرط الْقُدْرَة وَلَيْسَ يَأْتِي بهَا إلاّ الشَّاعِر المبرّز والحاذق الماهر وَهِي فِي كلّ نوعٍ من الْكَلَام لمحةٌ دالّةٌ واختصار وتلويج يعرف مُجملا وَمَعْنَاهُ بعيد من ظَاهر لَفظه.
وَقَوله: يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم الخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يتردّد إِلَيْهِم من غشيه: إِذا جَاءَهُ.
وهرّ الْكَلْب يهرّ من بَاب ضرب هريراً: إِذا صوّت وَهُوَ دون النّباح. يَعْنِي أنّ مَنَازِلهمْ لَا تَخْلُو من الأضياف والفقراء فكلابهم
لَا تهرّ على من يقْصد مَنَازِلهمْ لاعتيادها بِكَثْرَة التردّد إِلَيْهَا من الأضياف وَغَيرهم وَقَوله: لَا يسْأَلُون الخ أَي: هم فِي سَعَة لَا يسْأَلُون كم نزل
стр. 1790
بهم من النَّاس وَلَا يهولهم الْجمع الْكثير وَهُوَ السّواد إِذا قصدُوا نحوهم.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أنّ حتّى فِيهِ ابتدائية ألأي: حرف يبتدأ بعده الْجُمْلَة اسميّة أَو فعلية.
وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: اعْلَم أنّ يغشون للْحَال الْمَاضِي أَعنِي أنّه حِكَايَة لما مضى من الْحَال لَوْلَا تقديرك لَهُ بِالْحَال مَا صحّ الرّفْع لأنّ الرّفْع لَا يكون إلاّ وَالْفِعْل وَاقع. ويغشون لَا يكون إلاّ للْحَال أَو للآتي فَلَو قدّرته للآتي لم يصحّ الرّفْع إِذْ لَا يكون الرّفْع إلاّ وَمَا قبله وَاقع من عَادَتهم أنّهم يغشون حتّى لَا تهرّ كلابهم أَي: لَا يزالون يغشون. انْتهى.
وَقَوله: يسقون درياق الرّحيق الخ يسقون بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول قَالَ شَارِح الدِّيوَان السكريّ: الدّرياق: خَالص الْخمر وجيّده سبّهه بالدّرياق الشافي. والولائد: جمع وليدة وَهِي الْخَادِم. والنّقف: اسْتِخْرَاج مَا فِي الحنظل. يَقُول: هم ملوكٌ تجتني ولائدهم الحنظل وَلَا تنتقفه.
وَقَوله: يسْعَى على بكأسها الخ المتنطّف: المقرّط والنّطفة بِفَتَحَات: القرط. ويروى: متنطّق وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ منطقةٌ. وعلّة: سقَاهُ سقيا بعد سقِِي. والنّهل هُنَا: الْعَطش.
وَقَالَ السكريّ: يَقُول: يسقينيها على كلّ حالٍ عطشت أَو لم أعطش.
стр. 1791
وَقَوله: إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها قتلت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: مزجت بِالْمَاءِ وَالْجُمْلَة خبر إنّ.
وَقَوله: قتلت هَذَا أَيْضا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول لكنّه مُسْند إِلَى ضميرالمتكلم وَالْجُمْلَة اعتراضية.
وَقَوله: كلتاهما الخ أَرَادَ كلتا الممزوجة وَالصرْف حلب الْعِنَب فناولتي أشدّهما إرخاء وَهِي الصّرف الَّتِي طلبَهَا مِنْهُ فِي قَوْله لم تقتل. وهاتها بِكَسْر التَّاء أمرٌ من هاتى يهاتي مهاتاة. والْحَلب بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى المحلوب كالنقص بِمَعْنى المقنوص.)
قَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: قَالَ أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب كتاب الأغاني حَدِيثا رَفعه إِلَى أبي ظبْيَان الحمّاني قَالَ:
стр. 1792
اجْتمعت جماعةٌ من الحيّ على شرابٍ فتغنّى أحدهم بقول حسّان: إنّ الَّتِي ناولتني فَردَّتهَا الْبَيْت وَقَوله: كلتاهما حلب الْعصير الْبَيْت فَقَالَ رجلٌ مِنْهُم: كَيفَ ذكر واحدةٌ بقوله إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها ثمَّ قَالَ كلتاهما فَجَعلهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ أَبُو ظبْيَان: فَلم يقل أحدٌ من الْجَمَاعَة جَوَابا فَحلف رجلٌ مِنْهُم بِالطَّلَاق ثَلَاثًا إِن بَات وَلم يسْأَل القَاضِي عبد الله بن الْحسن عَن تَفْسِير
هَذَا الشّعْر قَالَ: فَسقط فِي أَيْدِينَا ليمينه ثمَّ اجْتَمَعنَا على قصد عبيد الله. فحدّثنا بعض أَصْحَابنَا السعديّين قَالَ: فيمّمناه نتخطّى إِلَيْهِ الْأَحْيَاء فصادفناه فِي مسجدٍ يُصَلِّي بَين العشاءين فلمّا سمع حسّناً أوجز فِي صلَاته.
ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ: مَا حَاجَتكُمْ فبدر رجلٌ منا كَانَ أحسننا بقيّة فَقَالَ: نَحن أعزّ الله القَاضِي قومٌ نَزَعْنَا إِلَيْك من طَرِيق الْبَصْرَة فِي حَاجَة مهمّة فِيهَا بعض الشَّيْء فَإِن أَذِنت لنا قُلْنَا. فَقَالَ: قُولُوا. فَذكر يَمِين الرجل والشّعر. فَقَالَ: أمّا قَوْله: إنّ الَّتِي ناولتني فإنّه يَعْنِي الْخمر. وَقَوله: قتلت أَرَادَ مزجت بِالْمَاءِ.
وَقَوله: كلتاهما حلب الْعصير يَعْنِي الْخمر ومزاجها فالخمر
стр. 1793
عصير الْعِنَب وَالْمَاء عصير السَّحَاب قَالَ الله تَعَالَى: وأنزلنا من المعصرات مَاء تجّاجاً. انصرفوا إِذا شِئْتُم.
وَأَقُول: إنّ هَذَا التَّأْوِيل يمْنَع مِنْهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أنّه قَالَ كلتاهما وكلتا مَوْضُوعَة لمؤنثين وَالْمَاء لمذكر والمذكر أبدا يغلّب على التَّأْنِيث كتغليب الْقَمَر على الشَّمْس فِي قَول الفرزدق:)
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع.
أَرَادَ: لنا شمسها وقمرها. وَلَيْسَ للْمَاء اسْم مؤنث فَيحمل على الْمَعْنى كَمَا قَالُوا: أَتَتْهُ كتابي فاحتقرها لأنّ الْكتاب فِي الْمَعْنى صحيفَة.
وَالثَّانِي: أنّه قَالَ: أرخاهما للمفصل وأفعل هَذَا مَوْضُوع لمشتركين فِي معنى
وَأَحَدهمَا يزِيد على الآخر فِي الْوَصْف بِهِ وَالْمَاء لَا يُشَارك فِي إرخاء الْمفصل.
وَالثَّالِث: أنّه قَالَ فِي الْحِكَايَة: فالخمر عصير الْعِنَب وَقَول حسّان حلب الْعصير يمْنَع من هَذَا لأنّه إِذا كَانَ الْعصير الْخمر والحلب هُوَ الْخمر فقد أضيت الْخمر إِلَى نَفسهَا وَالشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه.
وَالْقَوْل فِي هَذَا عِنْدِي: أَنه أَرَادَ كلتا الخمرين: الصّرْف والممزوجة حلب الْعِنَب فناولني أشدّهما إرخاء للمفصل.
وفرّق اللغويون بَين الْمفصل والمفصل فَقَالُوا: الْمفصل بِكَسْر الْمِيم وَفتح
стр. 1794
الصَّاد اللِّسَان وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الصَّاد وَاحِد مفاصل الْعِظَام وَهُوَ فِي بَيت حسان يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ. انْتهى كَلَام ابْن الشجري.
وَأما حَدِيث حسان بن ثَابت مَعَ جبلة بن الْأَيْهَم وَكَيْفِيَّة إِسْلَام جبلة وارتداده فقد أوردهُ صَاحب الأغاني مفصّلاً وَهَا أَنا أوردهُ مُجملا: روى بِسَنَدِهِ إِلَى يُوسُف بن الْمَاجشون عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ حسّان بن ثَابت: أتيت جبلة بن الْأَيْهَم الغسّاني وقد مدحته فَأذن لي فَجَلَست بَين يَدَيْهِ وَعَن يَمِينه رجلٌ لَهُ ضفيرتان وَعَن يسَاره رجلٌ لَا أعرفهُ فَقَالَ: أتعرف هذَيْن فَقلت: أمّا هَذَا فأعرفه وَهُوَ النَّابِغَة الذبيانيّ وَأما هَذَا فَلَا أعرفهُ. قَالَ: هُوَ عَلْقَمَة بن عَبدة فَإِن شِئْت استشدتهما وَسمعت مِنْهُمَا ثمَّ إِن شِئْت أَن تنشد بعدهمَا أنشدت وَإِن شِئْت أَن تسكت سكتّ. قلت: فَذَاك. فأنشده النَّابِغَة: الطَّوِيل
(كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب)
قَالَ: فَذهب نصفي. ثمَّ قَالَ لعلقمة: أنْشد. فَأَنْشد: الطَّوِيل
(طحا بك قلبٌ فِي الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حَان مشيب)
فَذهب نصفي الآخر فَقَالَ لي: أَنْت أعلم الْآن إِن شِئْت سكتّ وَإِن شِئْت أنشدت.)
فتشدّدت وأنشدت:
(لله درّ عصابةٍ نادمتها ... يَوْمًا بجلّق فِي الزّمان الأوّل)
(أَبنَاء جَفْنَة عِنْد قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْجواد الْمفضل)
(يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم ... كأساً تصفّق بالرّحيق السّلسل)
стр. 1795
.
(يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السّواد الْمقبل)
(بيض الْوُجُوه كريمةٌ أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل)
فَقَالَ لي: ادن ادن لعمري مَا انت بدونهما. ثمّ أَمر لي بثلثمائة دِينَار وَعشرَة أقمصه لَهَا جيبٌ وَاحِد وَقَالَ: هَذَا لَك عندنَا فِي كلّ عَام.
وَذكر أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ هَذِه القصّة لحسّان مَعَ عَمْرو بن الْحَارِث الْأَعْرَج وأتى بالقصّة أتمّ من هَذِه الرِّوَايَة قَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ حسّان بن ثَابت: قدمت على عَمْرو بن الْحَارِث فاعتاض الْوُصُول إِلَيْهِ فَقلت للحاجب بعد مدّة: إِن أَذِنت لي عَلَيْهِ وإلاّ هجوت الْيمن كلّها. ثمَّ انقلبت عَنْكُم فَأذن لي فَدخلت فَوجدت عِنْده النَّابِغَة وعلقمة بن عَبدة فَقَالَ لي: يَا ابْن الفريعة قد عرفت نسبك فِي غسّان فَارْجِع فَإِنِّي باعثٌ إِلَيْك بصلَة سنيّة وَلَا تحْتَاج إِلَى الشّعْر فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك هذَيْن السّبْعين أَن يفضحاك فضيحتك فَضِيحَتِي وَأَنت وَالله لَا تحسن أَن تَقول: الطَّوِيل
(رقاق النّعال طّيبٌ حجراتهم ... يحيّون بالرّيحان يَوْم السّباسب)
فأبيت وَقلت: لَا بدّ مِنْهُ فَقَالَ: ذَاك إِلَى عمّيك. فَقلت لَهما: بحقّ الْملك إلاّ مَا قدّمتماني عَلَيْكُمَا فَقَالَ: قد فعلنَا. فأنشأت أَقُول:
(أَبنَاء جَفْنَة عِنْد قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل)
стр. 1796
الأبيات فَلم يزل عَمْرو بن الْحَارِث يزحل عَن مَجْلِسه سُرُورًا حتّى شاطر الْبَيْت وَهُوَ يَقُول: هَذَا وَأَبِيك الشّعْر لَا مَا يعلّلاني بِهِ مُنْذُ الْيَوْم هَذِه وَالله البتّارة الَّتِي قد بترت المدائح أَحْسَنت يَا ابْن الفريعة هَات لَهُ يَا غُلَام ألف دِينَار مرجوحة. فَأعْطيت ذَلِك ثمَّ قَالَ: لَك عليّ كلّ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ: لّما أسلم جبلة بن الْأَيْهَم الغسّانيّ وَكَانَ من مُلُوك آل جَفْنَة كتب إلأى عمر يَسْتَأْذِنهُ فِي الْقدوم عَلَيْهِ فَأذن لَهُ فَخرج إِلَيْهِ فِي خمسمائةٍ من أهل بَيته من عكّ وغسّان حَتَّى إِذا كَانَ على مرحلَتَيْنِ كتب إلأى عمر يُعلمهُ بقدومه فسرّ عمر رضوَان الله عَلَيْهِ بذلك)
وَأمر النَّاس باستقباله وَبعث إِلَيْهِ بأنزلٍ وَأمر جبلة مِائَتي رجل من أَصْحَابه فلبسوا الديباج وَالْحَرِير.
وركبوا الْخَيل معقودةً أذنابها وألبسوها قلائد الذَّهَب والفضّة وَلبس جبلة تاجه وَفِيه قرطا مَارِيَة وَهِي جدّته وَدخل الْمَدِينَة فَلم يبْق بهَا بكر وَلَا عانسٌ إلاّ خرجت تنظر إِلَيْهِ وَإِلَى زيّه فَلَمَّا انْتهى إِلَى عمر رحّب بِهِ وألطفه وَأدنى مَجْلِسه ثمَّ أَرَادَ عمر الحجّ فَخرج مَعَه جبلة يَده فهشم أنف الفرازيّ فاستعدى عَلَيْهِ عمر فيعث إلأى جبلة فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه تعمّد حلّ إزَارِي لَوْلَا حُرْمَة الْكَعْبَة لضَرَبْت عُنُقه بالسّيف
стр. 1797
قَالَ عمر قد أَقرَرت إمّا أَن ترضي الرجل وإمّا أقدته.
قَالَ جبلة: تصنع مَاذَا قَالَ: آمُر بهشم أَنْفك قَالَ: وَكَيف ذَلِك هُوَ سوقة وَأَنا ملك قَالَ: إنّ الْإِسْلَام جمعك وإياه فَلَيْسَ تفضله إلاّ بالتّقى والعافية قَالَ جبلة: قد ظَنَنْت أَنِّي أكون فِي الْإِسْلَام أعزّ منّي فِي الجاهليّة.
قَالَ عمر: دع عَنْك هَذَا فإنّك إِن لم ترض الرجل أقدته مِنْك قَالَ: إِذن أتنصّر قَالَ: إِن تنصّرت ضربت عُنُقك فَلَمَّا رأى جبلة الجدّ من عمر قَالَ: أَنا نَاظر فِي هَذَا لَيْلَتي هَذِه.
وَقد اجْتمع بِبَاب عمر من حيّ هَذَا وحيّ هَذَا خلق كثيرٌ حتّى كَادَت أَن تكون فتْنَة فَلَمَّا أَمْسوا أذن لَهُ عمر بالانصراف حتّى إِذا نَام النَّاس تحمّل جبلة مَعَ جماعته إِلَى الشَّام فَأَصْبَحت مَكَّة مِنْهُم بَلَاقِع. فَلَمَّا انْتهى إِلَى الشَّام تحمّل فِي خمسمائةٍ من قومه حتّى أَتَى القسطنطينيّة فَدخل إِلَى هِرقل فتنصّر هُوَ وَقَومه فسرّ هِرقل بذلك جدّاً وطنّ أنّه فتحٌ من القتوح واقعده حَيْثُ شَاءَ وَجعله من محدّثيه وسمّاره.
ثمَّ إنّ عمر بدا لَهُ أَن يكْتب إِلَى هِرقل يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام ووجّه إِلَيْهِ رَسُولا وَهُوَ جثّامة بن مساحق الكنانيّ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ أجَاب إِلَى كل شَيْء سوى الْإِسْلَام فَلَمَّا أَرَادَ الرَّسُول الِانْصِرَاف قَالَ لَهُ هِرقل: هَل رَأَيْت ابْن عمّك هَذَا الَّذِي جَاءَنَا رَاغِبًا فِي ديننَا قلت: لَا. قَالَ: فالقه. قَالَ: فتوجّهت إِلَيْهِ فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى بَابه رَأَيْت من الْبَهْجَة وَالْحسن والستور مَا لم أر مثله بِبَاب هِرقل فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ إِذا هُوَ فِي بهو عَظِيم وَفِيه من التصاوير مَا لَا أحسن وَصفه وَإِذا هُوَ جَالس على سريرٍ من قَوَارِير قوائمه
стр. 1798
أَرْبَعَة أسدٍ من ذهب وَقد أَمر بمجلسه فَاسْتقْبل بِهِ وَجه الشَّمْس فَمَا بَين يَدَيْهِ من آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة تلوح فَمَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ فلمّا سلّمت)
عَلَيْهِ ردّ السَّلَام ورحبّ بِي الطفني ولامني على تركي النُّزُول عِنْده ثمَّ أقعدني على سَرِير لم ادر مَا هُوَ فتبينته فَإِذا هُوَ كرسيٌّ من ذهب فانحدرت عَنهُ فَقَالَ: مَالك فَقلت: إِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن هَذَا.
فَقَالَ جبلة أَيْضا مثل قولي فِي النَّبِي ﷺ حِين ذكرته وصلّى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا إنّك إِذا طهّرت قَلْبك لم يضرّك مَا لبسته وَلَا مَا جَلَست عَلَيْهِ. ثمَّ سَأَلَني عَن النَّاس وألحف فِي السُّؤَال عَن عمر ثمَّ جعل يفكّر حتّى عرفت الْحزن فِي وَجهه فَقلت لَهُ: مَا يمنعك من الرُّجُوع إِلَى قَوْمك وَالْإِسْلَام. فَقَالَ: أبعد الَّذِي قد كَانَ قلت: قد ارتدّ الْأَشْعَث بن قيس عَن الْإِسْلَام زمنعهم الزّكاة
وضربهم بِالسَّيْفِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام.
فتحدّثنا مليّاً ثمَّ أَوْمَأ إِلَى غُلَام على رَأسه فولّى يحضر فَمَا كَانَ إلاّ هينهة حَتَّى أَقبلت الأخونة فوصعت وَجِيء بخوان من ذهب فَوضع أَمَامِي فاستعفيت فَوضع أَمَامِي خوان من خلنج وجامات قَوَارِير وأديرت الْخمر فاستعفيت مِنْهَا فَلَمَّا فَرغْنَا دَعَا بكأس من ذهب فَشرب مِنْهُ خمْسا ثمَّ أَوْمَأ إِلَى غُلَام فولّى يحضر فَمَا شَعرت إلاّ بِعشر جوارٍ يتكسّرن فِي الْحلِيّ وَالْحلَل فَقعدَ خمسٌ عَن يَمِينه وَخمْس عَن شِمَاله ثمَّ سَمِعت وسوسةٍ من ورائي فَإِذا أَنا بعشرٍ أفضل من الأول عليهنّ الوشي والحلي فَقعدَ خمسٌ عَن يَمِينه وَخمْس عَن شِمَاله.
ثمَّ أَقبلت جاريةٌ على رَأسهَا طَائِر أَبيض كَأَنَّهُ لؤلؤة مؤدّب وَفِي يَدهَا الْيُمْنَى جَام فِيهِ مسك وَعَنْبَر قد خلطا وَفِي الْيُسْرَى جَام فِيهِ مَاء
стр. 1799
ورد فَأَلْقَت الطَّائِر فِي مَاء الْورْد فتمعّك فِيهِ بَين جناحيه وظهره وبطنه ثمَّ أخرجته فألقته فِي جَام الْمسك والعنبر فتمعّك فيهمَا حَتَّى لم يدع فِيهِ شَيْئا ثمَّ نفّرته فطار فَسقط على رَأس جبلة ثمَّ رَفْرَف ونفض ريشه فَمَا بَقِي عَلَيْهِ شَيْء إلاّ سقط على جبلة ثمَّ قَالَ للجواري: أطربني فخفقن بعيدانهنّ يعنيّن:
(لله درّ عصابةٍ نادمتهم ... يَوْمًا بجلّق فِي الزّمان الأوّل)
الأبيات فاستهلّ واستبشر وطرب ثمَّ قَالَ: زدنني. فاندفعن يغنّين: الْخَفِيف
(لمن الدّار أقفرن بمعان ... بَين شاطي اليرموك فالصّمّان)
إِلَى آخر القصيدة.
فَقَالَ: أتعرف هَذِه الْمنَازل قلت: لَا. قَالَ: هَذِه مَنَازلنَا فِي ملكنا بِأَكْنَافِ
دمشق وَهَذَا شعر ابْن الفريعة حسّان بن ثَابت شَاعِر رَسُول الله ﷺ . قلت: أما إنّه مضرور)
الْبَصَر كَبِير السنّ قَالَ: يَا جَارِيَة هَاتِي. فَأَتَتْهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَخَمْسَة أَثوَاب ديباج فَقَالَ: ادْفَعْ هَذِه إِلَى حسّان. ثمَّ روادني على مثلهَا فأبيت فَبكى ثمَّ قَالَ لجواريه: أبكينني. فعوضن عيدانهنّ ثمَّ أنشأن يقلن: الطَّوِيل
(تكنّفني فِيهَا لجاجٌ ونخوةٌ ... وَكنت كمن بَاعَ الصّحيحة بالعور.)
(فيا لَيْت أمّي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلَى القَوْل الَّذِي قَالَه عمر)
...
стр. 1800
(وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بفقرةٍ ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر)
(وَيَا لَيْت لي بالشّام أدنى معيشةٍ ... أجالس قومِي ذَاهِب السّمع والْبَصَر)
ثمَّ بَكَى وبكيت مَعَه حتّى نظرت إِلَى دُمُوعه تجول على لحيته كَأَنَّهَا اللُّؤْلُؤ ثمَّ سلّمت عَلَيْهِ وانصرفت فَلَمَّا قدمت على عمر سَأَلَني عَن هِرقل وَعَن جبلة فقصصت عَلَيْهِ القصّة فَقَالَ: أبعده الله تعجّل فانيةً اشْتَرَاهَا بباقية فَهَل سرّح مَعَك شَيْئا قلت: سرّح إِلَى حسان خَمْسمِائَة دِينَار وَخَمْسَة أَثوَاب ديباج. فَقَالَ: هَاتِهَا.
وَبعث إِلَى حسان فَأقبل يَقُودهُ قائده حتّى دنا فسلّم وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّي لأجد أَرْوَاح آل جَفْنَة فَقَالَ عمر ﵁: قد نزع الله تَعَالَى لَك مِنْهُ على رغم أَنفه طوأتاك بمعونته.
فَأَخذهَا وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: الْكَامِل
(إنّ ابْن جَفْنَة من بقيّة معشرٍ ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم)
(لم ينسني بالشّام إِذْ هُوَ ربّها ... كلاّ وَلَا منتصّراً بالرّوم)
(يُعْطي الجزيل وَلَا يرَاهُ عِنْده ... إلاّ كبعض عطيّة المذموم)
ثمَّ قَالَ للرسول: مَا لَك جبلة قَالَ: قَالَ لي: إِن وجدته حيّاً فادفعها إِلَيْهِ وَإِن وجدته مَيتا فاطرح الثّياب على قَبره وابتع بِهَذِهِ الدَّنَانِير بدناً فانحرها على قَبره.
فَقَالَ حسّان: ليتك وَالله وجدتني مَيتا فَفعلت ذَلِك بِي انْتهى كَلَام الأغاني.
وروى هَذِه الْقِصَّة ابْن عبد ربه فِي العقد على هَذَا النمط وَزَاد فِيهَا عِنْد قَوْله:
стр. 1801
قد ارتدّ الْأَشْعَث بن قيس عَن الْإِسْلَام ثمَّ رَجَعَ وَقبل مِنْهُ.
قَالَ جبلة: ذَرْنِي من هَذَا إِن كنت تضمين لي ان يزوّجني عمر بنته ويولّيني بعده الْأَمر رجعت إِلَى الْإِسْلَام. قَالَ: فضمنت لَهُ التَّزْوِيج وَلم أضمن الإمرة.
وَقَالَ فِي آخر الْقِصَّة: فَلَمَّا قدمت على عمر أخْبرته خبر جبلة وَمَا دَعوته إِلَيْهِ من الْإِسْلَام)
وَالشّرط الَّذِي اشترطته فَقَالَ لي عمر: هلاّ ضمنت لَهُ الإمرة أَيْضا فَإِذا أَفَاء الله بِهِ إِلَى الْإِسْلَام قضى عَلَيْهِ بِحكمِهِ ّ. قَالَ: ثمَّ جهّزني عمر إِلَى قَيْصر وَأَمرَنِي أَن أضمن لجبلة مَا اشْترط بِهِ. فَلَمَّا قدمت الْقُسْطَنْطِينِيَّة وجدت النَّاس منصوفين من جنَازَته فَعلمت أَن الشّقاء غلب عَلَيْهِ فِي أمّ الْكتاب. انْتهى.
وروى صَاحب الأغاني عَن ابْن الْكَلْبِيّ: أنّ الفزاريّ لما وطئ إِزَار جبلة فلطم الفزاريّ جبلة كَمَا لطمه جبلة وثب عَلَيْهِ غسّان فهشّموا أَنفه وَأتوا بِهِ عمر. ثمَّ ذكر بَاقِي الْخَبَر كَمَا ذكر.
стр. 1802
وروى الزّبير بن بكّار: أنّ جبلة قدم على عمر فِي ألفٍ من أهل بَيته فَأسلم وَجرى بَينه وَبَين رجل من أهل الْمَدِينَة كَلَام فسبّ المدنيّ فردّ عَلَيْهِ فَلَطَمَهُ جبلة فَلَطَمَهُ المدنيّ فَوَثَبَ عَلَيْهِ أَصْحَاب جبلة فَقَالَ: دَعوه حتّى أسأَل صَاحبه وَأنْظر مَا عِنْده. فجَاء إِلَى عمر فَأخْبر فَقَالَ: إنّك فعلت بِهِ فعلا فَفعل بك مثله. قَالَ:
أَو لَيْسَ عنْدك من الْأَمر إلاّ مَا أرى قَالَ: لَا فَمَا عنْدك من الْأَمر يَا جبلة قَالَ: من سبّنا ضَرَبْنَاهُ وَمن ضربنا قَتَلْنَاهُ قَالَ: إنّما أنزل الْقُرْآن بِالْقصاصِ فعضب وَخرج بِمن مَعَه وَدخل أَرض الرّوم فتنصّر ثمَّ نَدم فَقَالَ: تنصّرت الْأَشْرَاف من عَار لطمةٍ وَذكر الأبيات الْمَاضِيَة.
ثمَّ روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن عبد الله بن مسْعدَة الفزاريّ قَالَ: وجّهني مُعَاوِيَة إِلَى ملك الرّوم فَدخلت عَلَيْهِ وَعِنْده رجل على سَرِير من ذهب فكلّمني بِالْعَرَبِيَّةِ فَقلت: من أَنْت يَا عبد الله قَالَ أَنا رجل غلب الشَّقَاء أَنا جبلة بن الْأَيْهَم الغسّاني إِذا صرت إِلَى منزلي فالقني.
فلمّا انْصَرف أتينه فألقينه على شرابه وَعِنْده فينتان تغّنيانه بِشعر حسّان بن ثَابت فلمّا فرغتا من غنائهما أقبل عليّ فَقَالَ: مَا فعل حسان بن ثَابت قلت: شيخ كَبِير قد عمي فَدَعَا بِأَلف دِينَار فَقَالَ: ادفعها إِلَى حسان. ثمَّ قَالَ: أَتَرَى صَاحبك يَفِي لي إِن خرجت إِلَيْهِ قلت: قل مَا شِئْت أعرضه عَلَيْهِ. قَالَ: يعطيني الثنيّة فإنّها كَانَت مَنَازلنَا وَعشْرين
стр. 1803
قَرْيَة من الغوطة مِنْهَا داريّا وسكّاء ويفرض لجماعتنا وَيحسن جوائزنا. فَقلت: أبلّغه. فلمّا قدمت على مُعَاوِيَة أخْبرته الْخَبَر فَقَالَ: وددت أنّك أَجَبْته إِلَى مَا سَأَلَ. وَكتب إِلَيْهِ بعطاء ذَلِك فَوَجَدَهُ قد مَاتَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من أَبْيَات المفصّل وَغَيره: الطَّوِيل
(وَقد جَعَلتني من حزيمة إصبعا)
على أنّ فِيهِ حذف ثَلَاث كَلِمَات متضايفات أَي: ذَا مِقْدَار مَسَافَة أصْبع الأولى تَقْدِير مضافين أَي: ذَا مَسَافَة إِصْبَع فإنّ الْمسَافَة مَعْنَاهَا الْبعد. والْمِقْدَار لَا حَاجَة إِلَيْهِ. كَذَا قد رجماعةٌ مِنْهُم أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
وَهَذَا عجر وصدره: فَأدْرك إبْقَاء العرادة ظلعها وَهُوَ من جملَة أبياتٍ للكلحبة العريني تقدّم شرحها وترجمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتِّينَ.
وأوّل الأبيات:
(فَإِن تنج مِنْهَا يَا حزيم بن طارقٍ ... فقد تركت مَا خلف ظهرك بلقعا)
стр. 1804
يَقُول: إِن تنج يَا حزيمة من فرسي فَلم تفلت إلاّ نَفسك وَقد استبيح مَالك وكا كنت حويته وعنمته فَلم تدع لَك هَذِه الْفرس شَيْئا.
وَسبب هَذِه الأبيات: أنّ بني تغلب وَكَانَ رئيسهم خُزَيْمَة بن طَارق أغار على بني مَالك بن حَنْظَلَة من بني يَرْبُوع فاستاق حريمة بن طَارق إبل بني يَرْبُوع وَلما أَتَى الصّريخ إِلَى بني يَرْبُوع ركبُوا فِي إثره فهزموه واستنقذوا مِنْهُ مَا كَانَ أَخذه واسر حريمة.
وَهَذَا الْبَيْت يشْهد بانفلات حزيمة وَشعر جريرٍ يشْهد بأسره وَهُوَ قَوْله: قدنا حزيمة قد علمْتُم عنْوَة وَيجمع بَينهمَا بأنّ حزيمة بعد أَن نجا من الكلحبة أسره غَيره. وَضمير مِنْهَا رَاجع إلأى فرس الكلحبة. وحزيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الزاء الْمُعْجَمَة: مرخمٌ حزيمة كَمَا فِي الْبَيْت الآخر. والبلقع: الْفقر الْخَالِي. والْإِبْقَاء: مَا تبقيه الْفرس من الْعَدو إِذْ من عتاق الْخَيل مَا لَا تُعْطِي مَا عِنْدهَا من الْعَدو بل وَقَوله: فَأدْرك إبْقَاء العرادة بِفَتْح الْعين وَالرَّاء وَالدَّال المهملات: اسْم فرس الكلحبة. تبقي مِنْهُ شَيْئا إِلَى وَقت الْحَاجة يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء فقطعها عَن غبقائها ففاته حزيمة وظلعها:)
فَاعل أدْرك وإبقاء: مَفْعُوله. والظّلع فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة العرج الْيَسِير وَلَا يكون فِي ذِي الْحَافِر إلاّ يَقُول: تبِعت حزيمة فِي هربه
стр. 1805
فَلَمَّا قربت مِنْهُ أصَاب فرسي عرجٌ فتخلفت عَنهُ وَلَوْلَا عرجها لما أسره غَيْرِي. وَجُمْلَة وَقد جَعَلتني الخ حَالية.
وَأَخْطَأ المظفريّ فِي شرح المفصّل حَيْثُ لم يقف على منشأ الْبَيْت فَزعم أنّ حزيمة اسْم قَبيلَة وَقَالَ فِي مَعْنَاهُ: أدْرك الظّلع غبقاء هَذَا الْفرس أَي: بقاءها وثباتها فِي السّير يَعْنِي كَانَت ثَابِتَة فِي السّير فعرجت فِي حالةٍ لم يبْق بيني وَبَين قبيلتي إلاّ قدر إِصْبَع. هَذَا كَلَامه وَكَانَ السُّكُوت أجمل بِهِ لَو كَانَ يعقل وَقَالَ الْعَيْنِيّ: كَانَت فرس الكلحبة مجروحة فقصّرت لما قرب من حزيمة ففاته. وَهَذَا لم يقلهُ أحد وإنّما اعتذر الكلحبة لعرج فرسه وانفلات حزيمة بقوله:
(ونادى مُنَادِي الحيّ أَن قد أتيتم ... وَقد شربت مَاء المزادة أجمعا)
يَقُول: أَتَى الصّريخ وَقد شربت فرسي ملْء الْحَوْض مَاء. وخيل الْعَرَب إِذا علمت أَنه يغار عَلَيْهَا وَكَانَت عطاشاً فَمِنْهَا مَا يشرب بعض الشّرْب وَبَعضهَا لَا
يشرب أَلْبَتَّة لما قد جرّبت من الشدّة الَّتِي تلقى إِذا شربت المَاء وحورب عَلَيْهَا. وَجُمْلَة وَقد شربت حَال أَي: أتيتم فِي هَذِه الْحَال. كَذَا قَالَ ابْن الأنباريّ فِي شرح المفضّليات.
فَعلم من هَذَا أنّ سَبَب عرج فرسه من إفراط شرب المَاء لَا من الْجرْح. وَالله أعلم. ...
стр. 1806
(يَا من رأى عارضاً أسر بِهِ ... بَين ذراعي وجبهة الْأسد)
على أنّ أَصله: بَين ذراعي الْأسد وجبهة الْأسد. فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ الأوّل على نيّة لَفظه.
وَلِهَذَا لم بَين الْمُضَاف وَلم ينوّن. ومن: منادى وَقيل المنادى مَحْذُوف وَمن استفهامية. والرؤية بصريّة. والْعَارِض: السّحاب الَّذِي يعْتَرض الْأُفق. وَجُمْلَة أسرّ بِهِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة لعَارض. والذراعان والْجَبْهَة: من منَازِل الْقَمَر. وَعند الْعَرَب أَن السَّحَاب الَّذِي ينشأ بِنَوْء من منَازِل الْأسد يكون مطره غزيراً فَلذَلِك يسرّ بِهِ.
قَالَ الأعلم فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: وصف عَارض سحابٍ اعْترض بَين نوء الذِّرَاع ونوء الْجَبْهَة وهما من أنواء الْأسد وأواؤه أَحْمد الأنواء. وَذكر الذراعين والنوء إنّما هُوَ لِلذِّرَاعِ المقبوضة مِنْهُمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي اعضاء الْأسد.)
وتقدّم شرح هَذَا الْبَيْت وَهُوَ للفرزدق بأبسط من هَذَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: مجزوء الْكَامِل
(إلاّ علالة أَو بدا ... هة سابحٍ نهد الجزارة)
стр. 1807
قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصريّة: لَيْسَ من اعْترض فِي قَوْله: إلاّ علالة أَو بداهة قارح بأنّ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَحْذُوف بدافع أَن يكون بِمَنْزِلَة مَا شبّهه بِهِ من قَوْله: لله درّ الْيَوْم من لامها لِأَنَّهُ قد ولي الْمُضَاف إِلَيْهِ وَإِذا وليه غَيره فِي اللَّفْظ فقد وَقع الْفَصْل بِهِ بَينهمَا كَمَا وَقع الْفَصْل بَينهمَا فِي اللَّفْظ فِي قَوْله: لله درّ الْيَوْم. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد ساواه فِي الْقبْح للفصل الْوَاقِع بَينهمَا وَزَاد عَلَيْهِ فِيهِ أنّ الْمُضَاف هُنَا مَحْذُوف وَللَّه درّ الْيَوْم مَذْكُور فَلَا يَخْلُو الْأَمر من أَن يكون أَرَادَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَحَذفهُ لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ أَو أَرَادَ غضافته إِلَى الْمَذْكُور فِي اللَّفْظ وَفصل بَينهمَا بالمعطوف. وَكَيف كَانَت القصّة فالفصل حاصلٌ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ.
وَاعْترض بِأَن قَالَ: لَو كَانَ على تَقْدِير الْإِضَافَة إِلَى قارح الظَّاهِر لَكَانَ إلاّ علالة أَو بداهة قارحٍ. ولَا يلْزم لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون: إلاّ علالة قارح أَو
بداهة قارح فَيظْهر الْمُضَاف إِلَيْهِ مَوضِع الْإِضْمَار فتحذفه من اللَّفْظ كَمَا جَازَ عِنْد خَالف سِيبَوَيْهٍ بِأَن يدكر علالة وَهُوَ يُرِيد الْإِضَافَة فيحذف الْمُضَاف.
وَله أَن يَقُول: إنّ تقديري الْحَذف أسوغ ولأنيّ أحذفه بعد أَن قد جرى ذكره وَحذف مَا جرى ذكره أسوغ لتقدّم الدّلَالَة عَلَيْهِ. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
стр. 1808
وَقَبله: وَهُنَاكَ يكذب ظنكم أَن لَا اجْتِمَاع وَلَا زياره يَقُول: إِذا غزوناكم علمْتُم أَن ظنّكم بأنّنا لَا نغزوكم كذب وَهُوَ زعمكم أننا لَا نَجْتَمِع وَلَا نزوركم بِالْخَيْلِ غازين.
وَقَوله: إلاّ علالة اسْتثِْنَاء مُنْقَطع من قَوْله لَا اجْتِمَاع أَي: لَكِن نزوركم بِالْخَيْلِ. والعلالة: بِضَم الْمُهْملَة: بقيّة جري الْفرس. والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة: أول جري الْفرس وأَو للإضراب.
وَرُوِيَ بِتَقْدِيم بداهة على علالة فأو على هَذَا لأحد الشَّيْئَيْنِ. والسابح: الْفرس الَّذِي)
يدحو الأَرْض بيدَيْهِ فِي الْعَدو. والنّهد: الْمُرْتَفع. والجزارة بِضَم الْجِيم: الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ. يُرِيد أَن فِي عُنُقه وقوائمه طول وارتفاعاً. وَهَذَا مدحٌ فِي الْخَيل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: السَّرِيع
(لمّا رَأَتْ ساتيدما استعبرتلله درّ الْيَوْم من لامها
стр. 1809
. قد سَأَلتنِي بنت عَمْرو عَن ال)
لمّا رَأَتْ ساتيدما استعبرت ... ... ... ... الْبَيْت
(تذكرت أَرضًا بهَا أَهلهَا ... أخوالها فِيهَا وأعمامها)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: قَالَ أَبُو النّدى: سَبَب بكائها أَنَّهَا لما فَارَقت بِلَاد قَومهَا إلأى بِلَاد الرّوم بَكت ونَدِمت على ذَلِك. وإنّما أَرَادَ عَمْرو بن قميئة بِهَذِهِ الأبيات نَفسه لَا بنته فكنّى عَن نَفسه بهَا. وساتيدما: جبل بَين ميّا فارقين وسعرت. وَكَانَ عَمْرو بن قميئة قَالَ هَذَا لما خرج
مَعَ امْرِئ الْقَيْس إِلَى ملك الرّوم. انْتهى. وتنكر: تجْهَل أنكرته إنكاراً: خلاف عَرفته ونكرته مِثَال تعبت كَذَلِك غير أنّه لَا يتَصَرَّف.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والْأَعْلَام: الْجبَال
стр. 1810
وَيجوز أَن يُرِيد بهَا الْمنَار المنصوبة على الطَّرِيق ليستدلّ بهَا من يسْلك الطَّرِيق. يُرِيد: أَنَّهَا سَأَلته عَن الْمَكَان الَّذِي صَارَت فِيهِ وَهِي لَا تعرفه لما انكرته)
استخبرته عَن اسْمه. واستعيرت: بَكت من وَحْشَة الغربة ولبعدها من أَرَاضِي أَهلهَا. وَالْعرب تَقول: لله درّ فلَان إِذا دعوا لَهُ وَقيل: إنّهم يُرِيدُونَ لله عمله أَي: جعل الله عنله فِي الْأَشْيَاء الْحَسَنَة اليت يرضاها.
وإنّما دَعَا للائمها بِالْخَيرِ نكايةً بهَا لأنّها فَارَقت أَهلهَا بِحسن اخْتِيَارهَا فَيكون هَذَا تسفيهاً لَهَا وَقَالَ الأعلم: وصف امْرَأَة نظرت إِلَى ساتيدما وَهُوَ جبلٌ بعيدٌ من ديارها فتذكرت بلادها فاستعبرت شرقاً إِلَيْهَا ثمَّ قَالَ: لله درّ من لامها الْيَوْم على استعبارها وشوقها إنكاراً على لائمها لأنّها استعبرت بحقّ فَلَا يَنْبَغِي أَن تلام. هَذَا كَلَامه. وَلَيْسَ هَذَا معنى الشّعْر فتأمّل.
وذكلك لم يصب بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل فِي قَوْله: قد سَأَلتنِي هَذِه الْمَرْأَة عَن الْأَرْضين الَّتِي كَانَ بهَا أَهلهَا إِذْ أنْكرت جبالها أَو أعلامها المنصوبة فِيهَا وَلم تعرفها لتقادم الْعَهْد بهَا أَو لتغيّرها لّما رَأَتْ هَذَا الْجَبَل بَكت لِأَنَّهُ كَانَ منزل أَهلهَا. ثمَّ قَالَ: لله درّ من لامها على الْبكاء وقبّحه عِنْدهَا لتمتنع عَنهُ. انْتهى كَلَامه. وَهَذَا كَلَام من لم يصل إِلَى العنقود.
وَقَوله: تذكّرت أَرضًا بهَا أَهلهَا قد اسْتشْهد سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا الْبَيْت أَيْضا على أنّ قَوْله: أخوالها فِيهَا وأعمامها مَنْصُوب بِفعل مُضْمر وَهُوَ
стр. 1811
تذكّرت. وَهَذَا جَائِز عَنْهُم بِإِجْمَاع لأنّ الْكَلَام قد تمّ فِي قَوْله: تذكّرت أَرضًا بهَا أَهلهَا ثمَّ حمل مَا بعده على معنى التذكّر.
وَأَجَازَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أَن يكون قَوْله: أخوالها بَدَلا من أَرضًا بدل الاشتمال.
وَقَوله: بهَا أَهلهَا الظّرْف لقَوْله أَرضًا وَأَهْلهَا فَاعل الظّرْف وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَالْجُمْلَة هـ يالصفة.
وَالْكَلَام على ساتيدما قد أَجَاد فِيهِ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ قَالَ: ساتيدما بعد الْألف تَاء مثناة من فَوق مَكْسُورَة وياء مثنّاة من تَحت ودال مُهْملَة مَفْتُوحَة وَمِيم وَألف مَقْصُورَة أَصله مهمل فِي الِاسْتِعْمَال فِي كَلَام الْعَرَب فإمّا أَن يكون مرتجلاً عَرَبيا لأنّهم قد اكثروا من ذكره فِي شعرهم وإمّا أَن يكون أعدجمياً. قَالَ العمرانيّ: هُوَ جبلٌ بِالْهِنْدِ لَا يعْدم ثلجه أبدا.
وأنشدوا: المتقارب
(أبرد من ثلج ساتيدما ... وَأكْثر مَاء من العكرش)
وَقَالَ غَيره: سمّي بذلك لِأَنَّهُ لَيْسَ من يَوْم إلاّ ويسفك فِيهِ دم كأنّه اسمان جعلا وَاحِدًا: ساتي)
دَمًا. وِسَادِي وساتي بِمَعْنى وَهُوَ من سدى الثّوب فَكَأَن الدِّمَاء تسدى فِيهِ كَمَا يسدى الثَّوْب. وَقد مدّه البحتريّ فَقَالَ: الطَّوِيل
(ولمّا أسفرت فِي جلولى دِيَارهمْ ... فَلَا الظّهر من ساتيدماء وَلَا اللّحف)
стр. 1812
قَالَ أبوعبيد البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم: رَأَيْت البحتريّ قد مدّه فَلَا أعلم أضرورة أم لُغَة والبحتريّ شَدِيد التوقيّ فِي شعره من اللّحن والضّرورة.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وَقد حذف يزِيد بن مفرّغ ميمه فَقَالَ: الوافر فدير سوى فساتيدا فبصرى قلت: وَهَذَا يدل على أَن هَذَا الْجَبَل لَيْسَ بِالْهِنْدِ وإنّما العمرانيّ وهم. وَذكر غَيره أنّ ساتيدما هُوَ الْجَبَل الْمُحِيط بِالْأَرْضِ مِنْهُ جبل بارمّا وَهُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف
بجبل حمرين وَمَا يتّصل بِهِ قرب الْموصل والجزيرة وَتلك النواحي. وَهُوَ أقرب إِلَى الصِّحَّة. وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو بكر الصّوليّ فِي شرح قَول أبي نواس: المنسرح
(وَيَوْم ساتيدما ضربنا بني ال ... أصفر وَالْمَوْت فِي كتائبها)
قَالَ: ساتيدما: نره أقرب أرزن وَكَانَ كسْرَى وجّه إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي لقِتَال الرّوم بساتيدما فَهَزَمَهُمْ فافتخر بذلك وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَقَوله: فِي بِلَاد الْهِنْد خطأ فَاحش.
وَقد ذكر الكسرويّ فِيمَا أورد فِي خبر دجلة عَن المرزباني عَنهُ فَذكر نَهرا بَين آمد وميّاً فارقين ثمَّ قَالَ: ينصبّ إِلَيْهِ وَادي ساتيدما وَهُوَ خَارج من درب الْكلاب بعد أَن ينصبّ إِلَى وَادي ساتيدما وَادي الزُّور الْآخِذ من الكلك وَهُوَ مَوضِع ابْن بقراط البطريق من ظَاهر أرمينيا. قَالَ: وينصبّ أَيْضا من وَادي ساتيدما نهر ميّا فارقين وَهَذَا كُله مخرجه من بِلَاد الرّوم فَأَيْنَ هُوَ الْهِنْد ياللعجب وَقَول عمروبن قميئة:
стр. 1813
لّما رَأَتْ ساتيدما استعبرت يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ قَالَه فِي طَرِيقه إِلَى ملك الرّوم حَيْثُ سَار مَعَ امْرِئ الْقَيْس. انْتهى كَلَام وَقَالَ البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم: ساتيدما: جبل متّصل من بَحر الرّوم إِلَى بَحر الْهِنْد وَلَيْسَ يَأْتِي يومٌ من الدَّهْر إلاّ سفك عَلَيْهِ دم فَلذَلِك سمّي ساتيدما. وَكَانَ قَيْصر قد غزا كسْرَى وأتى بِلَاده على غرّة فاحتال لَهُ حتّى انْصَرف عَنهُ وَاتبعهُ كسْرَى فِي جُنُوده فأدركه بساتيدما فَانْهَزَمُوا مرعوبين من غير قتال فَقَتلهُمْ قتل الْكلاب وَنَجَا قَيْصر وَلم يكد. وَفِي شعر)
أبي النَّجْم ساتيدما: قصر من قُصُور السوَاد قَالَ أَبُو النَّجْم يذكر سكر خالدٍ القسريّ لدجلة: الزّجر
(فَلم يجئها الْمَرْء حَتَّى أحكما ... سكرا لَهَا أعظم من ساتيدما)
انْتهى. وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ فِي قَول أبي النَّجْم مَا يعيّن كَونه قصراً وَلَا مَانع من أَن يحمل على معنى الْجَبَل. ومّما يرد بِهِ على العمرانيّ فِي قَوْله: إِنَّه جبل بِالْهِنْدِ لَا يعْدم ثلجه أَن الْهِنْد بِلَاد حارّة لَا يُوجد فِيهَا الثَّلج. وَالله أعلم. وعَمْرو بن قميئة على وزن فعيلة مؤنّث قميء على وزن فعيل مَهْمُوز اللَّام من قمؤ الرجل بِضَم الْمِيم قمأ بسكونها وقماءة بِفَتْحِهَا وَالْمدّ أَي: صَار قميئاً وَهُوَ الصَّغِير الذَّلِيل.
стр. 1814
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: عَمْرو بن قميئة من قيس بن ثَعْلَبَة بن مَالك رَهْط طرفَة بن العَبْد وَهُوَ قديمٌ جاهليّ كَانَ مَعَ حجر أبي امْرِئ الْقَيْس فَلَمَّا خرج امْرُؤ الْقَيْس إِلَى الرّوم
(بَكَى صَاحِبي لّما رأى الدّرب دونه ... وأيقن أّا لَا حقان بقيصرا)
(فَقلت لَهُ: لَا تبك عَيْنك إنّما ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذوا)
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَفِي عبد الْقَيْس عَمْرو بن قميئة الضبعِي.
وَأورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء يُقَال لَهُم ابْن قميئة أوّلهم هَذَا قَالَ: هوعمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة الشَّاعِر
الْمَشْهُور دخل بِلَاد الرّوم مَعَ امْرِئ الْقَيْس بن حجر فَهَلَك فَقيل لَهُ عمروٌ الضائع.
وَالثَّانِي هُوَ جميل بن عبد الله بن قميئة الشَّاعِر العذريّ أحد بني ظبْيَان بن حنّ وحنّ ابْن عذرة وَلم يكن جميل يعرف إلاّ بِابْن قميئة.
وَالثَّالِث ربيعَة بن قميئة الصّعبي أحد بني صَعب بن تيم بن أَنْمَار بن ميسر بن عميرَة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار شَاعِر لَهُ فِي كتاب عبد الْقَيْس القصيدة الَّتِي أَولهَا: الطَّوِيل
(لمن دمنٌ قفرٌ كأنّ رسومها ... على الْحول جفن الفارسيّ المزخرف)
стр. 1815
وَأنْشد بعده الْبَسِيط
(كأنّ أصوات من إيغالهنّ بِنَا ... أَوَاخِر الميس إنقاض الفراريج)
على أنّ الظّرْف قد فصل بَين المتضايقين لضَرُورَة الشّعْر وَالْأَصْل: كأنّ أصوات أَوَاخِر الميس. والإيغال: الإبعاد يُقَال أوغل فِي الأَرْض: إِذا أبعد فِيهَا. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ. والْأَوَاخِر: جمع)
آخِرَة الرحل بِوَزْن فاعلة وَهُوَ الْعود الَّذِي فِي آخر الرحل يسْتَند إِلَيْهِ الرَّاكِب. والميس: بِفَتْح الْمِيم: شجرٌ يتَّخذ مِنْهُ الرّحال والأقتاب. وَإِضَافَة الْأَوَاخِر إِلَيْهِ كإضافة خَاتم فضّة. والإنقاض مصدر أنقضت الدَّجَاجَة: إِذا صوّتت وَهُوَ بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة. والفراريج: جمع فرّوج وَهِي صغَار الدّجاج.
يُرِيد أنّ رحالهم جديدةٌ وَقد طَال سيرهم فبعض الرحل يحكّ بَعْضًا فَيحصل مثل أصوات الفراريج من اضْطِرَاب الرّحال لشدَّة السّير.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمّة تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(تمرّ على مَا تستمرّ وَقد شفت ... غلائل عبد الْقَيْس مِنْهَا صدروها)
على أنّ الْفَصْل بَين المتضايقين بِغَيْر الظّرْف نَادِر كَمَا هُنَا وَالْأَصْل: وَقد شفت غلائل صدروها عبد الْقَيْس مِنْهَا ففصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بالفاعل وبالجارّ وَالْمَجْرُور.
وَالْفَاعِل وَهُوَ عبد الْقَيْس فِي نِيَّة التَّقْدِيم على الْمَفْعُول وَهُوَ غلائل صدروها لأنّ فِيهِ ضمير الْفَاعِل. وعبد الْقَيْس: قَبيلَة. والغلائل: جمع غليلة وَهُوَ الضغن والحقد. وشفت: مجَاز من شفى الله الْمَرِيض. إِذا أذهب عَنهُ مَا يشكو. وتمر: من الْمُرُور. وتستمر: من الِاسْتِمْرَار.
وَهَذَا الْبَيْت مَصْنُوع وقائله مَجْهُول كَذَا فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف لأبي البركات عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الشهير بِابْن الأنباريّ.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْأَخْفَش وتوجيه إعرابه أَنه فصل بَين الْمُضَاف والمضاف
стр. 1816
إِلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بظرف وَهُوَ أفحش مَا جَاءَ فِي الشّعْر ودعت إِلَيْهِ ضَرُورَة وَتَقْدِير الْكَلَام: وَقد شفت غلائل صدورها. والغلائل: جمع غليلة مثل عَظِيمَة وعظائم وكريمة وكرائم.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: إِن كَانَ الشّعْر لم يوثق بعربيّته فَيجوز أَن يكون أخرج غلائل غير مُضَافَة وقدّر فِيهَا التَّنْوِين لأنّها لَا تَنْصَرِف ثمَّ جَاءَ بالصدرو مجرورة
على نيّة إِعَادَتهَا كَمَا قَالَ)
الآخر: الْخَفِيف
(رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طَلْحَة الطّلحات)
أَي: أعظم طَلْحَة الطّلحات. فَكَذَلِك هُنَا يُرِيد غلائل عبد الْقَيْس مِنْهَا غلائل صدورها وَقد حذف الثَّانِي اجتزاءً بالأوّل. وَهَذَا التَّأْوِيل حسن لأنّه مخرج الْكَلَام وَفِيه ضعف من حَيْثُ إِضْمَار الْجَار. انْتهى.
стр. 1817
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الثلاثمائة)
مجزوء الْكَامِل
(فزججتها بمزجّة ... زجّ القلوص أبي مزاده)
على أنّه فصل بَين الْمُضَاف وَهُوَ زجّ وَبَين الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ أبي مزاده بالمفعول وَهُوَ القلوص.
يُقَال زججته زجّاً: إِذا طعنته بالزّجّ بِضَم الزاء وَهِي الحديدة الَّتِي فِي أَسْفَل الرمْح. وزجّ القلوص مفعول مُطلق أَي: زجّاً مثل زجّ. والقلوص بِفَتْح الْقَاف: النَّاقة الشَّابَّة. وأَبُو مزاده: كنية رجل قَالَ صَاحب الصِّحَاح المزجّ بِكَسْر الْمِيم: رمح قصير كالمزراق قَالَ ابْن خلف: هَذَا الْبَيْت يرْوى لبَعض المدنيّين المولّدين وَقيل هُوَ لبَعض المؤنّثين مِمَّن لَا يحْتَج بِشعرِهِ. ومزجّه يرْوى بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ مَوضِع الزّجّ يَعْنِي
أنّه زجّ رَاحِلَته لتسرع كَمَا يفعل أَبُو مزادة بالقلوص.
وَيجوز أَن تكون الْمِيم مَكْسُورَة فَيكون الْمَعْنى فزّججتها يَعْنِي النَّاقة أَو غَيرهَا أَي: رميتها بِشَيْء فِي طرفه زجّ كالحربة والمزجة مَا يزجّ بِهِ. وَأَرَادَ كزجّ أبي مزادة بالقلوص أَي: كَمَا يزجّها.
انْتهى.
وَقَول العينيّ: الْأَظْهر أَن الضَّمِير ف يزججتها يرجع إِلَى الْمَرْأَة لأنّه يخبر أَنه زجّ امْرَأَته بالمزجّة كَمَا زجّ أَبُو مزادة القلوص كَلَام يحْتَاج فِي تَصْدِيقه إِلَى وَحي. وَقد انعكس عَلَيْهِ الضَّبْط فِي مزجّه فَقَالَ: هِيَ بِكَسْر الْمِيم وَالنَّاس يلحنون فِيهَا فيفتحون ميمها. وَقد أنْشد ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ الثَّالِثَة هَذَا الْبَيْت كَذَا: ...
стр. 1818
(فزججتها متمكّناً ... زجّ الصّعاب أَبُو مزاده))
وَأنْشد بَعضهم: زجّ الصّعاب أبي مزاده أَرَادَ: زجّ أبي مزادة الصّعاب ثمَّ اعْترض بالصّعاب اه.
فَلَا شَاهد فِي الْبَيْت على رِوَايَته الأولى. والصّعاب: جمع صَعب وَهُوَ نقيض الذلّول.
وَهَذَا الْبَيْت لم يعْتَمد عَلَيْهِ متقنو كتاب سِيبَوَيْهٍ حَتَّى قَالَ السيرافيّ: لم يُثبتهُ أحدٌ من أهل الرِّوَايَة وَهُوَ من زيادات أبي الْحسن الْأَخْفَش فِي حَوَاشِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فَأدْخلهُ بعض النّسّاخ فِي بعض النّسخ حتّى شَرحه الأعلم وَابْن خلف فِي جملَة أبياته.
والأخفش هَذَا هُوَ أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة صَاحب سِيبَوَيْهٍ لَا الْأَخْفَش أَبُو الخطّاب فإنّه شيخ سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الزمخشريّ فِي مفصّله وَمَا يَقع فِي بعض نسخ الْكتاب من قَوْله: فزججتها بمزجة الْبَيْت: فسيبويه بَرِيء من عهدته.
أَرَادَ أَن سِيبَوَيْهٍ لم يُورد هَذَا الْبَيْت فِي كِتَابه بل زَاده غَيره فِي كِتَابه. وإنّما برّأ سِيبَوَيْهٍ من هَذَا لأنّ سِيبَوَيْهٍ لَا يرى الْفَصْل بِغَيْر الظّرْف وَإِذا كَانَ هَذَا مذْهبه فَكيف يُورد بَيْتا على خلاف مذْهبه. وَمِنْه يظْهر لَك سُقُوط قَول الجعبريّ فِي شرح الشاطبيّة فَإِنَّهُ بعد أَن زعم أَن الْبَيْت من أَبْيَات الْكتاب قَالَ: فَإِن قلت: فَمَا معنى قَول المفصّل: بَرِيء من عهدته قلت: مَعْنَاهُ من عُهْدَة هَذِه الرِّوَايَة لأنّه يرويهِ: زجّ القلوص أَبُو مزاده بجرّ القلوص بِالْإِضَافَة وَرفع أَبُو مزاده فَاعل الْمصدر. هَذَا كَلَامه.
стр. 1819
ثمَّ قَوْله: إِن هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْأَخْفَش والفرّاء أَقُول: نقل الفرّاء لهَذَا الْبَيْت لَيْسَ لتأييد قِرَاءَة ابْن عَامر الْآتِيَة وَإِنَّمَا نَقله لِلطَّعْنِ فِيهِ بِأَنَّهُ كَلَام من لَا يوثق بِهِ كَمَا يظره لَك من كَلَام الفرّاء الْآتِي.
قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: قد فصل بالمفعول بِهِ مَعَ قدرته أَن يَقُول: زجّ القلوص أَبُو مزاده.
وَفِيه عِنْدِي دَلِيل على قوّة إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل عِنْدهم وَأَنه فِي نُفُوسهم أقوى من إِضَافَته إِلَى الْمَفْعُول. أَلا ترَاهُ ارْتكب هَاهُنَا الضَّرُورَة مَعَ تمكنّه من ترك ارتكابها لَا لشَيْء غير الرَّغْبَة فِي إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل دون الْمَفْعُول. وَهَذَا فِي النثر وَحَال السّعة صعبٌ جدّاً لَا سيّما والمفصول بِهِ مفعول لَا ظرف اه.)
وَبِقَوْلِهِ: لَا لشَيْء غير الرَّغْبَة الخ يعلم أنّ قَول العينيّ: إنّ قَائِله لَيْسَ لَهُ عذر فِي هَذَا لاّ مسّ الضَّرُورَة لإِقَامَة الْوَزْن صادرٌ من غير رويّة وفكر.
وَنقل جمَاعَة عَن ابْن جنّي فِي تَوْجِيهه: أنّه يقدّر فِي الأول مُضَاف إِلَيْهِ وَفِي الثَّانِي مُضَاف وَالتَّقْدِير: زجّ أبي مزاده القلوص قلُوص أبي مزادة على أَن يكون قلُوص بَدَلا من القوص وتعسّفه ظَاهر. وَنقل ابْن الْمُسْتَوْفى عَن الزمخشريّ فِي حَوَاشِيه أنّه قَالَ: الْوَجْه أَن يجرّ القلوص وَيجْعَل أبي مزادة بعده مجروراً بمضاف مَحْذُوف تَقْدِيره: قلُوص أبي مزادة كَمَا فِي: المتقارب
ونارٍ توقّد باللّيل نَارا اه.
стр. 1820
وَقد نقل الْخلاف ابْن الأنباريّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كِتَابه الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف فَقَالَ: ذهب الكوفيّون إِلَى أنّه يجوز الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِغَيْر الظّرْف وحرف الْخَفْض لضَرُورَة الشّعْر وَذهب البصريّون إِلَى أنّه لَا يجوز ذَلِك بِغَيْرِهِمَا. أما الكوفيّون فاحتجوا بِأَن فزججتها بمزجةٍ ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ الآخر: تمرّ على مَا تستمرّ وَقد شفت ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل
(يطفن بحوزيّ المراتع لم يرع ... بواديه من قرع القسيّ الكنائن)
وَالتَّقْدِير من قرع الكنائن القسيّ. وَقَالَ: المنسرح
(وأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأنّ قفراً رسومها قَلما)
وَالتَّقْدِير بعد بهجتها ففصل بَين الْمُضَاف الَّذِي هُوَ بعد والمضاف إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ بهجتها بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ خطّ. وَتَقْدِير الْبَيْت: فَأَصْبَحت قفراً بعد بهجتها كَأَن
قَلما خطّ رسومها. وَقد حكى الكسائيّ عَن الْعَرَب: هَذَا غُلَام
стр. 1821
وَالله زيدٍ. وَحكى أَبُو عُبَيْدَة سَمَاعا عَن الْعَرَب: إنّ الشَّاة لتجترّ فَتسمع صَوت وَالله ربّها. وَإِذا جَاءَ هَذَا فِي الْكَلَام فَفِي الشّعْر أولى.
وأمّا البصريون فاحتجوا بِأَن قَالُوا إنّما قُلْنَا لَا يحوز ذَلِك لأنّالمضاف والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد فَلَا يجوز أَن يفصل بَينهمَا. وإنّما جَازَ الْفَصْل بالظرف وحرف الجرّ كَمَا قَالَ ابْن قميئة: وَقَالَ أَبُو حيّة النميريّ: الوافر)
(كَمَا خطّ الْكتاب بكفّ يَوْمًا ... يهوديّ يُقَارب أَو يزِيل)
وَقَالَ ذُو الرمّة: كَأَن أصوات من إيغالهنّ بِنَا لآنّ الظّرْف وحرف الْجَرّ يتّسع فيهمَا مَا لَا يَتَّسِع فِي غَيرهمَا.
وأمّا الْجَواب عَن كَلِمَات الكوفيّين: أما قَوْله: فزججته بمزجّة الْبَيْت فيروى لبض المدنيّين المولّدين فَلَا يكون فِيهِ حجّة. وَأما سَائِر مَا أنشدوه فَهُوَ مَعَ قلّته لَا يعرف قَائِله فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَأما مَا حَكَاهُ الكسائيّ وَأَبُو عُبَيْدَة فإنّما جَاءَ فِي الْيَمين لِأَنَّهَا تدخل فِي أَحْبَارهم للتوكيد فكأنهم لما جازوا بهَا موضعهَا استدركوا ذَلِك بِوَضْع الْيَمين حَيْثُ أدركوا من الْكَلَام.
стр. 1822
وَالَّذِي يدلّ على صحّة هَذَا أَنا أجمعنا وإيّاكم على أنّه لم يَجِيء الْفَصْل بِغَيْر الْيَمين فِي اخْتِيَار الْكَلَام. وَأما قِرَاءَة ابْن عَامر فَلَا يسوغ لكم الِاحْتِجَاج بهَا لأنّكم لَا تَقولُونَ بموجبها لأنّ الْإِجْمَاع واقعٌ على امْتنَاع الْفَصْل بالمفعول فِي غير ضَرُورَة الشّعْر وَالْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَة. وَإِذا وَقع الغجماع على امْتنَاع الْفَصْل بَينهمَا فِي حَالَة الِاخْتِيَار سقط الِاحْتِجَاج بهَا على حَالَة والبصريون يذهبون إِلَى أَن هَذِه الْقِرَاءَة وهم من الْقَارئ. إِذْ لَو كَانَت صَحِيحَة لَكَانَ من أفْصح الْكَلَام وَفِي وُقُوع الْإِجْمَاع على خِلَافه دليلٌ على أنّه وهمٌ فِي الْقِرَاءَة. وإنّما دَعَا ابْن عَامر إِلَى هَذِه الْقِرَاءَة أنّه رأى فِي مصاحف أهل الشَّام شركائهم مَكْتُوبًا بِالْيَاءِ وَوجه إِثْبَات الْيَاء جرّ شركائهم على الْبَدَل من أَوْلَادهم وَجعل الْأَوْلَاد هم الشُّرَكَاء لأنّ أَوْلَاد النَّاس شُرَكَاء آبَائِهِم فِي احوالهم وَأَمْوَالهمْ. وَهَذَا تَخْرِيج خطّ مصحف أهل الشَّام. فأمّا قِرَاءَة ابْن عَامر فَلَا وَجه لَهَا فِي الْقيَاس ومصاحف أهل الْحجاز وَالْعراق شركاؤهم بِالْوَاو فدلّ على صحّ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَالله أعلم. انْتهى كَلَام ابْن الأنباريّ.
وَفِيه أَمْرَانِ: الأول: أنّ نسبه جَوَاز الْفَصْل فِي الشّعْر بِنَحْوِ الْمَفْعُول إِلَى الكوفيّين لم يعْتَرف بِهِ الفرّاء وَهُوَ من أجلّ أَئِمَّة الكوفيّين قَالَ فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف بعاني الْقُرْآن: فِي سُورَة الأانعام عِنْد قفراءة ابْن عَامر مَا نَصه: وَفِي بعض مصاحف أهل الشَّام شركائهم فَإِن تكن مثبتة عَن الأوّلين فَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ زيّن أَي: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيكون اللشركاء هم الْأَوْلَاد لأنّهم مِنْهُم فِي النّسَب وَالْمِيرَاث.)
فَإِن كَانُوا يقرؤون زيّن أَي:
стр. 1823
بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل فلست أعرف جِهَتهَا إلاّ أَن يَكُونُوا آخذين بلغَة قومٍ يَقُولُونَ: أتيتها عشاياً ثمَّ يَقُولُونَ فِي تَثْنِيَة الْحَمْرَاء حمريان. فَهَذَا وَجه أَن يَكُونُوا قَالُوا: زيّن لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركايهم. وَإِن شِئْت جعلت زيّن إِذا فَتحته فعلا لإبليس ثمَّ تخْفض الشُّرَكَاء بإتباع الْأَوْلَاد. وَلَيْسَ قَول من قَالَ إنّما أَرَادوا مثل قَول الشَّاعِر:
(فزججتها متمكّناً ... زجّ القلوص أبي مزاده)
بِشَيْء. وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَقُوله نحويّو أهل الْحجاز وَلم نجد مثله فِي الْعَرَبيَّة. انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﵇: وَلَيْسَ قَول من قَالَ: مخلف وعده رسله بِشَيْء وَلَا: زيّن لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركائهم بِشَيْء. قَالَ الفرّاء: هَذَا بَاطِل ونحويّو أهل الْمَدِينَة ينشدون قَوْله: زجّ القلوص أبي يمزاده وَالصَّوَاب: زجّ القلوص أَبُو مزاده انْتهى الْأَمر الثَّانِي: أنّ ابْن خلف فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَأَبا شامة فِي شرح الشاطبيّة وَتَبعهُ فِي شرحها بعده الجعبريّ والسمين فِي إِعْرَاب الْقُرْآن نقلوا عَن الْإِنْصَاف لِابْنِ الأنباريّ مَا يُؤَيّد قِرَاءَة ابْن عَامر.
стр. 1824
قَالَ ابْن خلف: قد احتجّ ابْن الأنباريّ فِي كتاب الْإِنْصَاف عَن الكسائيّ عَن الْعَرَب: هُوَ غُلَام إِن شَاءَ الله أَخِيك ففصل بِالْجُمْلَةِ الشرطيّة.
وَقَالَ السّمين: قَالَ ابْن الأنباريّ: هَذِه قِرَاءَة صَحِيحَة وَإِذا كَانَت الْعَرَب قد فصلت بَيت المتضايفين بِالْجُمْلَةِ فِي قَوْلهم: هُوَ غُلَام إِن شَاءَ الله أَخِيك فَأن تفصل بالمفرد أسهل.
هَذَا كَلَامهم أَنْت ترى هَذَا النَّقْل لَا أصل لَهُ وإنّما نقل ابْن الأنباريّ عَن
الكسائيّ عَن الْعَرَب هُوَ قَوْلهم: هَذَا غُلَام وَالله زيد. وَلَيْسَ فِي كَلَامه أَيْضا مَا يُؤَيّد الْقِرَاءَة وإنّما هُوَ طاعنّ فِيهَا تبعا للزمخشريّ وَغَيره.
وَكنت أَظن أنّ صَاحب الكشّاف مَسْبُوق بِابْن الأنباريّ فراجعت ترجمتهما فَرَأَيْت الْأَمر بِالْعَكْسِ فإنّ الزمخشريّ توفيّ يَوْم عَرَفَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَابْن الأنباريّ مَاتَ لَيْلَة)
الْجُمُعَة تَاسِع شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ تلميذ الجواليقي صَاحب المعرّبات وَابْن الشجريّ صَاحب الأمالي والزمخشريّ من أَقْرَان ابْن الشجريّ فَابْن الأنباريّ مُتَأَخّر عَن الزمخشريّ بِأَرْبَع طَبَقَات. والزمخشريّ فِي طعنه على هَذِه الْقِرَاءَة مسبوقٌ ايضاً بالفرّاء فَكَانَ يَنْبَغِي الردّ على الفرّاء فإنّه هُوَ الَّذِي فتح ابْتِدَاء بَاب الْقدح على قِرَاءَة ابْن عَامر.
قَالَ السّمين: قِرَاءَة ابْن عَامر متواترة صَحِيحَة وَقد تجرأ كثير من النَّاس على قَارِئهَا بِمَا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ أَعلَى القرّء السَّبْعَة سنداً واقدمهم هِجْرَة وإنّما
стр. 1825
ذكرنَا هَذَا تَنْبِيها على خطأ من ردّ قِرَاءَته وَنسبه إِلَى لحن أَو اتِّبَاع مجرّد المرسوم.
وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ: هَذَا قَبِيح قَلِيل الِاسْتِعْمَال وَلَو عدل عَنْهَا كَانَ أولى لأَنهم لم يفصلوا بَين المتضايقين بالظرف فِي الْكَلَام مَعَ اتساعهم فِي الظروف وَإِنَّمَا أجازوه فِي الشّعْر.
وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أحب قِرَاءَة ابْن عَامر لما فِيهَا من الاستكراه وَالْقِرَاءَة عندنَا هِيَ الأولى لصحتها فِي الْعَرَبيَّة مَعَ إِجْمَاع أهل المصرين بالعراق عَلَيْهَا. وَقَالَ الزمخشريّ وأساء فِي عِبَارَته: وَأما قِرَاءَة ابْن عَامر فشيءٌ لَو كَانَ فِي مَكَان الضَّرُورَة لَكَانَ سمجاً مردوداً كَمَا سمج وردّ: زجّ القلوص أبي مزده فَكيف بِهِ فِي الْكَلَام المنثور فَكيف بِهِ فِي الْقُرْآن المعجمز بِحسن نطمه وجزالته. وَالَّذِي حمله على ذَلِك أنّه رأى فِي بعض الْمَصَاحِف شركائهم مكتوباُ بِالْيَاءِ. وَلَو قَرَأَ بجرّ الْأَوْلَاد والشركاء لِأَن الْأَوْلَاد شركاؤهم فِي أَمْوَالهم لوجد فِي ذَلِك مندوحة عَن هَذَا الارتكاب. وَهَذِه الْأَقْوَال كلّها لَا يَنْبَغِي أَن يلْتَفت إِلَيْهَا لأنّها طعنٌ فِي الْمُتَوَاتر وَإِن كَانَت صادرة عَن ائمة أكَابِر. وَأَيْضًا فقد انتصر لَهَا من يقابلهم وَجَاء فِي الحَدِيث: هَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي.
وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص بَاب مَا يرد عَن العربيّ مُخَالفا لِلْجُمْهُورِ: إِذا اتّفق شَيْء من ذَلِك العربيّ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ فَإِن كَانَ فصيحاً وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ يقبله الْقيَاس فَيحسن الظَّن بِهِ لأنّه يُمكن أَن يكون قد وَقع إِلَيْهِ ذَلِك من لُغَة قديمَة قد طَال عهدها وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ:
следующие страницы →