← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

إِلَى أَن قَالَ مُخَاطبا لناقته: (إِذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بِدَم الوتين) (رَأَيْت عرابة الأوسيّ يسمو ... إِلَى الْخيرَات مُنْقَطع القرين) (أَفَادَ سماحةً وَأفَاد مجداً ... فَلَيْسَ كجامدٍ لحزٍ ضنين) (إِذا مَا ريةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ) (فَنعم المرتجى ركدت إِلَيْهِ ... رحى حيزومها كرحى الطّحين) (إِذا ضربت على العلات حطت ... إِلَيْك حطاط هاديةٍ شنون) (توائل من مصكٍِّ أنصبته ... حوالب أسهريّه بالذّنين) (مَتى ينل القطاة يَرك عَلَيْهَا ... بحنو الرّأس معترض الجبين) (طوت أحشاء مرتجةٍ لوقتٍ ... على مشجٍ سلالته مهين) إِلَى أَن قَالَ: (إِلَيْك بعثت رَاحِلَتي تشكّى ... هزالًا بعد مقحدها السّمين) (إِذا بَركت على شرفٍ وَأَلْقَتْ ... عسيب جِرَانهَا كعصا الهجين) (إِذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئٍ بالرّمل عين) (كأنّ محاز لحييها حصاه ... جنابا جلد أجرب ذِي غُضُون) وَهَذَا الْمِقْدَار نصف القصيدة وإنّما سقناه لِأَن فِيهِ شَوَاهِد. وَقَوله: وَمَاء قد وَردت الخ الْوَاو وَاو ربّ وجوابها قَوْله الْآتِي: ذعرت. وأروى: اسْم الْمَرْأَة. واللّجين بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم قَالَ شَارِح

стр. 1752

ديوانه هُنَا: اللجين الَّذِي قد ركب بعضه بَعْضًا فتلجّن كَمَا يتلجّن الخطميّ ويتلزج. وَيُقَال: اللجين: المبلول من الْوَرق وَغَيره تَقول لجنته إِذا بللته. انْتهى. وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ: أما الطير فيرتفع بلظرف بِلَا خلاف وَأما قَوْله: كالورق اللّجين فإنّه يحْتَمل ضَرْبَيْنِ:) أَحدهمَا: أَن يكون حَالا من الطير وَالْآخر: أَن يكون وَصفا للْمَاء تَقْدِيره: وَمَاء كالورق اللجين وَمثل قَوْله: وَمَاء كالورق اللجين فِي الْمَعْنى قَول عَلْقَمَة: الطَّوِيل (فأوردته مَاء حَماما كأنّه ... من الأجن حنّاءٌ مَعًا وصبيب) فَكَمَا شبّه خثورة المَاء لتقادم عَهده بالواردة بالحنّاء كَذَلِك شبّه الشمّاخ بالورق اللجين. وَقَوله: عَلَيْهِ الطير على هَذَا قد حذف مِنْهُ الْمُضَاف. وَمثل ذَلِك قَول الهذليّ: المتقارب (تجيل الْحباب بأنفاسها ... وتجلو سبيخ جفال النّسال) السبيخ: مَا نسل من ريش الطير. وَقَالَ الْأَعْشَى: الْخَفِيف (وقليب أجنٍ كأنّ من الرّ ... يش بأرجائه سُقُوط نصال) وَإِن جعلت كالورق اللجين حَالا للطير صَار فِيهِ ضَمِيره وَيكون معنى عَلَيْهِ الطير أنّ الطير اتَّخذت فِيهِ الأوكار لخلائه وَكَثْرَتهَا عَلَيْهِ وَقلة من يردهُ

стр. 1753

فالطير لكثرتها عَلَيْهِ وتكابسها فِيهِ كالورق اللجين. وَمثل ذَلِك فِي الْمَعْنى قَول الرَّاعِي: الوافر (بدلوٍ غير مكربةٍ أَصَابَت ... حَماما فِي جوانبه فطَارَا) كأنّه استقى بسقرةٍ فَلذَلِك لم تكن مكربة وَالطير قد اتَّخذت فِيهِ الأوكار للخلاء. فَقَوله: كالورق اللجين مثل قَوْلك صائداً بِهِ وصائد بِهِ بعد قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه صقر. فَجَعَلته مرّة حَالا من الْهَاء فِي مَعَه وَأُخْرَى صفة لرجل. انْتهى. وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل: اللجين: السَّاقِط من ورق الشجرعند الضَّرْب بالعصا. قَالُوا: الْمَعْنى اجْتمعت على ذَلِك الطير شَبيهَة بالورق السَّاقِط من الشّجر فِي اصفراره لأنّه فِي القفر فَلَا يردهُ واردٌ من النَّاس. وَقَوله: ذعرت بِهِ القطا الخ يُرِيد أنّه جَاءَ إِلَى متنكراً. وذعرت: خوّفت ونفرّت. ونفيت: طردت وأبعدت. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي وخصّ الذِّئْب والقطا لأنّ القطا أهْدى الطير وَالذِّئْب أهْدى السبَاع وهما السابقان إِلَى المَاء. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: ذعرت القطا بذلك المَاء ونفيت عَن ذَلِك المَاء مقَام الذِّئْب أَي: وَردت المَاء فَوجدت الذِّئْب عَلَيْهِ فنحّيته عَنهُ أَرَادَ مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين المنفيّ المقصى.) انْتهى. فاللعين على هَذَا بِمَعْنى الطّريد وَهُوَ وصف للرجل وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: اللعين المطرود وَهُوَ الَّذِي خلعه أَهله لِكَثْرَة جناياته. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم

стр. 1754

فِي شرح أَبْيَات المفصّل: اللعين: المطرود الَّذِي يلعنه كلّ أحد وَلَا يؤويه أَي: هَذَا الذِّئْب خليعٌ لَا مأوى لَهُ كَالرّجلِ اللعين. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: الرجل اللّعين: شَيْء ينصب فِي وسط الزّرع يستطرد بِهِ الوحوش. وانشد هَذَا الْبَيْت. وَقد أغرب أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي بقوله: كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غدر وأخفر الذِّمَّة جعل لَهُ مثالٌ من طين وَنصب وَقيل: أَلا إنّ فلَانا قد غدر فالعنوه كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل (فلنقتلنّ بخالدٍ سرواتكم ... ولنجعلنّ لظالمٍ تمثالا) فالرجل اللعين هُوَ هَذَا التمثال. هَذَا كَلَامه. فَلْينْظر على هَذَا مَا معنى الْبَيْت. وَكَذَلِكَ فِي قَول أبي عُبَيْدَة خفاءٌ حَيْثُ قَالَ: إنّما يُرِيد مقَام الذِّئْب اللعين كَالرّجلِ نَقله عَنهُ ابْن قُتَيْبَة: فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَأَبُو عليّ: فِي الْمسَائِل البصرية. وَقَوله: إِذا بلغتني وحملت رحلي الْبَيْت قَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قد أحسن كلّ الْإِحْسَان فِي هَذَا الْبَيْت يَقُول: لست أحتاج إِلَى أَن أرحل

стр. 1755

إِلَى غَيره. وَقد عَابَ بعض الروَاة قَوْله: فاشرقي بِدَم الوتين وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن ينظر لَهَا مَعَ استغنائه عَنْهَا. وتقدّم نقل مَا اعْترض النَّاس عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت بِسوء مكافأته لناقته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة. وَقَوله: أَفَادَ سماحة الخ قَالَ الجوهريّ: أفدت المَال: أَعْطيته غَيْرِي وأفدته: استفدته. والجامد بِالْجِيم الْيَابِس كِنَايَة عَن الشحّ. واللّحز بِفَتْح اللَّام وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَآخره زاء مُعْجمَة هُوَ الْبَخِيل الضيّق الْخلق والضّنين: الْبَخِيل. وَقَوله: تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الْيَمين القوّة قَالَ الله تَعَالَى: لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. وَقَالَ بَعضهم: بِيَمِينِهِ لَا بِشمَالِهِ. وَالْيَمِين عِنْدهم أَحْمد بن الْيُسْرَى. وَقَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قَالَ أَصْحَاب الْمعَانِي: معنلاه بِالْقُوَّةِ. وَقَالُوا مثل ذلم فِي قَوْله تَعَالَى: والسّموات مطويّات بِيَمِينِهِ. قَالَ المبّرد: وَكَانَ هَذَا الشّعْر ارْتِفَاع عرابة بن أَوْس.) وَسبب الشّعْر أنّ عرابة قد من سفر فَجَمعه والشمّاخ الطَّرِيق فتحادثا فَقَالَ لَهُ عرابة: مَا الَّذِي أقدمك الْمَدِينَة قَالَ: قدمت لأمتار مِنْهَا فَمَلَأ لَهُ عرابة رواحله برّاً وَتَمْرًا وأتحفه بِغَيْر ذَلِك فَقَالَ الشّماخ هَذَا الشّعْر.

стр. 1756

وَقَالَ مُعَاوِيَة لعرابة بن أَوْس: بِمَ سدت قَوْمك قَالَ: لست بسيّدهم ولكنّي رجلٌ مِنْهُم. فعزم عَلَيْهِ فَقَالَ: أَعْطَيْت فِي نائبتهم وحملت عَن سفيههم وشددت على يَدي حليمهم فَمن فعل مِنْهُم مثل فعلي فَهُوَ مثلي وَمن قصّر عَنهُ فَأَنا أفضل مِنْهُ وَمن تجاوزني فَهُوَ أفضل منّي. وَقَوله: فَنعم المرتجى الخ الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف أَي: عرابة. وركدت إِلَيْهِ أَي: بَركت عِنْد عرابة وَيُقَال دَامَ سَيرهَا إِلَيْهِ والراكد: الْقَائِم. الْبَعِير. وَالْإِبِل تُوصَف بصغر الكركرة وشبّه رحى حيزومها برحى الطّحين فِي الصّلابة لَا فِي الْعظم فَإِنَّهُ عيب. وَقَوله: إِذا ضربت على العلاّت الخ يَقُول: إِذا ضربت على مَا كَانَ بهَا من عِلّة حطت إِلَيْك أَي: اعتمدت عَلَيْك اعْتِمَاد هاديةٍ أَي: أتان مُتَقَدّمَة. والشّنون بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وضمّ النُّون بَين السمين والمهزول. وَقَوله: توائل من مصكّ الخ توائل تفَاعل من وأل بِمَعْنى نجا أَي: تنجو وتهرب تِلْكَ الأتان من مصكّ أَي: حمَار شَدِيد بِكَسْر الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْكَاف مُشَدّدَة. وأنصبته: من النّصب وَهُوَ التَّعَب. وحوالب فَاعل أنصبته وَهِي مَا تحلّب وسال من أَنفه وَذكره أَي: ذكره يذنّ بِمَاء ظَهره فهما حوالب أسهريه لشدّة شبقه. والذّنين بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة ونونين الشَّيْء الَّذِي يسيل وَيجْرِي وَقد ذنّ يذنّ ذنيناً إِذا سَالَ وَجرى. وَقَالَ

стр. 1757

أَبُو عُبَيْدَة: حوالب أسهريه هما عرقا الذّكر اللَّذَان يظهران إِذا أنعظ. وَيُقَال الأسهران: عرقان فِي أصل الْقَفَا يجْرِي فيهمَا المَاء حتّى يبلغ الذّكر. وَيُقَال: اللذنين: الذّكر. كَذَا قَالَ شَارِح الدِّيوَان. وَقَوله: مَتى ينل القطاة الخ أَي: مَتى ينل الْحمار قطاة الأتان وَهُوَ مَوضِع الرّدف يَرك ليها أَي: يتورّك عَلَيْهَا. وحنو الرَّأْس بِكَسْر الْمُهْملَة: جَانب الرَّأْس. وفوقه: معترض الجبين أَي: جَبينه فِي نَاحيَة من شدّة نشاطه. وَقَوله: شجّ بالرّيق أَي: غصّ ذَلِك الْحمار بريقه إِذْ حرمت عَلَيْهِ وَذَلِكَ أنّها حاملٌ وَهِي) مُحصنَة الْفرج يَعْنِي الأتان. والواسقة: الحاملة. والْجَنِين: الْوَلَد فِي بَطنهَا. فَلَيْسَ فِي الأَرْض أُنْثَى تحمل فَتمكن الْفَحْل مَا خلا الْمَرْأَة. وَقَوله: طوت أحشاء الخ أَي: هَذِه الأتان ضمّت أحشاء مرتجة أَرَادَ رَحمهَا أَي: أغلقت رَحمهَا على مَاء الْفَحْل. والمشج بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين: مَاء الْفَحْل مَعَ الدَّم وَقيل مَاء الْفَحْل والأتان جَمِيعًا يختلطان. وسلالته أَي: مَاؤُهُ وَهُوَ فَاعل مشج وَيُقَال: السلالة الْوَلَد وَهُوَ الرَّقِيق. ومهين: ضَعِيف وَهُوَ صفة مشج. كَذَا قَالَ شَارِح الدِّيوَان. وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب الكشّاف عَنهُ قَوْله تَعَالَى: أمشاجٍ نبتليه على أنّه يُقَال: مشجٌ كَمَا يُقَال أمشاج وَكِلَاهُمَا مُفْرد. قَالَ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضرٌ الموصليّ: يجوز أَن يكون سلالته مُبْتَدأ وَخَبره مهين وَإِنَّمَا لم تؤنئ إمّا لأنّه فعيل بِمَعْنى مفعول أَبُو بِمَعْنى فَاعل لكنه حمل عَلَيْهِ أَو لأنّ المُرَاد شَيْء مهين.

стр. 1758

وَقد غفل عَن القوافي مَعَ أنّه أورد القصيدة فإنّها مجرورة فمهين مجرور لَا مَرْفُوع حتّى يَصح أَن يَقع خبر الْمُبْتَدَأ. وَالْمعْنَى أنّ هَذِه الأتان أطبقت رَحمهَا إِلَى وَقت الْولادَة على النّطفة فَلَا تمكّن الْحمار مِنْهَا فَهِيَ تهرب مِنْهُ تهرب مِنْهُ بأشدّ مَا يكون فناقة الشّماخ تشبه هَذِه الأتان فِي الْإِسْرَاع للتوجّه إِلَى هَذَا الممدوح. وَقَوله: إِلَيْك بعثت الخ المقحد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة: السّنام. وَقَوله: إِذا بَركت على شرف الخ الشّرف بِفتْحَتَيْنِ: الْموضع العالي. والعسيب هُنَا: عظم الْعُنُق وَيَأْتِي بِمَعْنى عظم الذَّنب. والجران بِكَسْر الْجِيم: بَاطِن الْعُنُق وَهُوَ الَّذِي يمسّ الأَرْض عِنْد مدّ عُنُقه عَلَيْهَا. وشبّه العسيب بَعْضًا الهجين لخفّته وَطوله. وخصّ الهجين لأنّ العبيد كَانُوا يرعون الْإِبِل ويستجدون الْعَصَا. وَجَوَاب إِذا هُوَ قَوْله: كَأَن محاز لحييها الْبَيْت الْآتِي. وَقَوله: إِذا الأرطى توسّد الخ هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. والأرطى: شجرٌ من أَشجَار الْبَادِيَة تدبغ بِهِ الْجُلُود وَهُوَ مفعول لفعل مَحْذُوف أَي: إِذا توسّد الأرطى. وأبرديه بدل اشْتِمَال من الأرطى. وَمعنى توسّد أبرديه اتخذهما كالوسادة. والأبردان الظل والفيء سميّا بذلك لبردهما. والأبردان أَيْضا: الْغَدَاة والعشي. وخدود فَاعل توسّد. والجوازئ: الظباء. وبقر الْوَحْش سميّت جوازئ لأنّها اجتزأت بِأَكْل النبت الْأَخْضَر عَن المَاء) أَي: اكتفت بِهِ واستغنت عَن شرب المَاء. والْعين الواسعات الْعُيُون جمع عيناء. وَالْمعْنَى أنّ الوحوش تتَّخذ كناسين عَن جَانِبي الشّجر تستتر فيهمَا من حرّ الشّمس فترقد قبل زَوَال الشَّمْس فِي الكناس

стр. 1759

الغربي فَإِذا زَالَت الشَّمْس إِلَى نَاحيَة الْمغرب وتحول الظلّ فَصَارَ فَيْئا زَالَت عَن الكناس الغربيّ ورقدت فِي الكناس الشرقيّ. وَالْمعْنَى أَنه قطع الفلاة فِي الهاجرة حِين تفرّ الوحوش من حرّ الشَّمْس. يمدح نَفسه بذلك وَيُوجب على الممدوح رِعَايَة حقّه. فَقَوله: إِذا الأرطى ظرف لقَوْله بعثت فِي الْبَيْت السَّابِق وَلَيْسَ شرطيّة حتّى يقدّر لَهَا جَزَاء خلافًا لِابْنِ السَّيِّد. وَقَوله: كَأَن محاز لحييها الخ هَذَا جَوَاب إِذا الأولى. أخبر أَنَّهَا تطأطئ رَأسهَا من الذُّبَاب فتلزقه بالحصى فتدفع الْحَصَى بلحييها. فَأخْبر أنّ تِلْكَ الأَرْض الَّتِي دفعت الْحَصَى عَنْهَا كَأَنَّهَا جلد أجرب لم يبْق عَلَيْهِ من الْوَبر إلاّ الْقَلِيل. يَقُول: تقع مَعِيبَة فتمد جِرَانهَا فتفحص التُّرَاب والحصى فَكَأَن ذَلِك الفحص جناباً بِكَسْر الْجِيم أَي: ناحيتا جلدٍ أجرب. وَضمير حصاه للرمل. وَقد ذكر أَبُو الْفرج الأصبهانيّ فِي الأغاني حِكَايَة مستظرفة لقَوْله إِذا الأرطى توسّد أبرديه عَن المدائنيّ أنّ عبد الْملك بن مَرْوَان نصب الموائد يطعم النَّاس فَجَلَسَ رجلٌ من أهل الْعرَاق على بعض الموائد فَنظر إِلَيْهِ خادمٌ لعبد الْملك فَأنكرهُ فَقَالَ: أعراقيٌّ أَنْت فَقَالَ: نعم فَقَالَ: بل أَنْت جاسوس قَالَ: لَا قَالَ: بلَى. قَالَ: وَيحك دَعْنِي أتهنأ طَعَام أمبر الْمُؤمنِينَ وَلَا تنغّصه عليّ. ثمّ إِن عبد الْملك أقبل يطوف على الموائد فَوقف على تِلْكَ الْمَائِدَة فَقَالَ: من الْقَائِل:

стр. 1760

إِذا الأرطى توسّد أبرديه وَمَا مَعْنَاهُ وَمن أجَاب فِيهِ أجزناه. فَقَالَ العراقيّ للخادم: أتحبّ أَن أشرح لَك ذَلِك قَالَ: نعم فَقَالَ هَذَا الْبَيْت يَقُوله عديّ بن زيد فِي صفة البطّيخ الرمسي. فَنَهَضَ الْخَادِم مَسْرُورا إلأى عبد الْملك فَأخْبرهُ فَضَحِك عبد الْملك حتّى سقط فَقَالَ لَهُ الْخَادِم: أَخْطَأت يَا مولَايَ أم أصبت فَقَالَ: بل أَخْطَأت. فَقَالَ: هَذَا العراقيّ لقّنني إِيَّاه. فَقَالَ: أيّ الرِّجَال هُوَ فَأرَاهُ إِيَّاه. فَقَالَ: أَأَنْت لقنته هَذَا فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: صَوَابا لقّنته أم خطأ فَقَالَ فَقَالَ: بل خطأ. فَقَالَ: وَلم قَالَ: لِأَنِّي كنت متحرماً بمائدتك فَقَالَ لي كَيْت وَكَيْت وَأَرَدْت أَن أكفّه عنّي) وأضحكك مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: فَكيف الصَّوَاب فَقَالَ: هَذَا الْبَيْت يَقُوله الشمّاخ بن ضرار فِي صفة الْبَقر الوحشيّة الَّتِي جزأت بالرّطب عَن المَاء فَقَالَ: صدقت وَأمر لَهُ بجائزة ثمَّ وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع بعد الثلاثمائة) الطَّوِيل (فَقلت انجوا عَنْهَا نجا الْجلد إنّه ... سيرضيكما مِنْهَا سنامٌ وغاربه)

стр. 1761

. على أنّ الفرّاء يُجِيز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه إِذا اخْتلف اللفظان كَمَا فِي الْبَيْت فإنّ النّجاء وَالْجَلد مُتَرَادِفَانِ وَقد تضايقا. وَهُوَ معنى قَول المراديّ فِي شرح الألفيّة: نجا الْجلد من إِضَافَة المؤكّد إِلَى الكؤكد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: النّجا مقصورٌ من قَوْلك: نجوت جلد الْبَعِير عَنهُ وأنجيته إِذا سلخته. قَالَ الشَّاعِر يُخَاطب ضيفين طرقاة: (فَقلت انجوا عَنْهَا نجا الْجلد ... إنّه ... ... ... الْبَيْت) قَالَ الفرّاء: أضَاف النّجا إِلَى الْجلد لأنّ الْعَرَب تضيف الشَّيْء إِلَى نَفسه إِذا اخْتلف اللفظان كَقَوْلِك: عين الْيَقِين ولدار الْآخِرَة. وَالْجَلد نجاً مَقْصُور أَيْضا. انْتهى. وَقَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود: والنّجا مَا سلخته عَن الشَّاة وَالْبَعِير يكْتب بِالْألف لأنّه من نجا ينجو. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت عَن الفرّاء عَن أبي الجرّاح. فَيكون أَصله نجو بِالتَّحْرِيكِ قلبت الْوَاو ألفا لتحرّكها وانفتاح مَا قبلهَا. قَالَ الزّجاجيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ: معنى النّجوى فِي الْكَلَام مَا تنفرد بِهِ الْجَمَاعَة أَو الِاثْنَان سرّاً كَانَ أَو ظَاهرا وَمعنى نجوت الشَّيْء فِي اللُّغَة خلّصته وألقيته يُقَال نجوت الْجلد: إِذا أَلقيته عَن الْبَعِير وَغَيره وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عليّ بن حَمْزَة البصريّ فِي التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة: لَا يُقَال فِي الْإِبِل سلخت وإنّما يُقَال فِيهَا خاصّة نجوت وجلّدت.

стр. 1762

قَالَ أَبُو زيا: نجوت جلد الْبَعِير وجلّدت الْبَعِير تجليداً وَلَا تَقول سلخت إلاّ لعنقه فَإِنَّهُم يَقُولُونَ ذَلِك فِيهِ دون سَائِر الْجَسَد. وَقَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: يُرِيد قشّرا عَنْهَا لَحمهَا وشحمها كَمَا يقشّر) الْجلد فَإِنَّهَا سَمِينَة. وغاربها: مَا بَين السّنام والعنق. وَيُؤْخَذ من هَذَا التَّفْسِير أَن النجا هُنَا اسْم مصدر بِمَعْنى النجو منصوبٌ على أنّه مفعول مُطلق وَلَيْسَ اسْما للجلد. فَلَا يكون كَمَا قَالَه الفرّاء. فتأمّل. وَرَأَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح لِابْنِ بريّ نِسْبَة هَذَا الْبَيْت لعيد الرَّحْمَن بن حسّان بن ثَابت وَنقل العينيّ عَن الْعباب للصاغاني أنّه لأبي الْغمر الكلابيّ وَقد نزل عِنْده ضيفان فَنحر لَهما نَاقَة فَقَالَا: إنّها مَهْزُولَة. فَقَالَ: معتذراً لَهما: فَقلت انجوا الخ. قَالَ: وَقَبله بيتان آخرَانِ وهما: (وَردت وَأَهلي بَين قوّ وفردةٍ ... على مجزر تأوى إِلَيْهِ ثعالبه) (فصادفت خيري كاهلٍ فاجآ بهَا ... يشفّان لَحْمًا بَان مِنْهُ أطايبه)

стр. 1763

وَقد فتشت الْعباب فَلم أظفر فِيهِ بِشَيْء مِمَّا قَالَه وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. وقوّ بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو هُوَ وادٍ بالعقيق عقيق بني عقيل. وفردة بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا دَال ماءٌ من مياه نجدٍ لجرم. كَذَا فِي مُعْجم البكريّ. ومجزر بِكَسْر الزَّاي مَوضِع الجزر. وكَاهِل: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ كَاهِل بن أَسد بن خُزَيْمَة. وفاجأ: أَي أَتَى بَغْتَة. ويشفّان: من شفّه الهمّ يشفّه بِالضَّمِّ أَي: هزله أَي: اللَّحْم الَّذِي ظهر مِنْهُ أطايبه قَالَا إِنَّه مهزول. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الثلاثمائة) : الْخَفِيف (ملكٌ أضلع البريّة لَا يو ... جد فِيهَا لما لَدَيْهِ كفاء) على أنّ إِضَافَة أفعل التَّفْضِيل عِنْد أبي بكر بن السرّاج وَمن تبعه لفظّية لَا تفِيد تعريفاً بِدَلِيل هَذَا الْبَيْت فإنّ أضلع البريّة وَقع نعتاً لملك وَهُوَ نكرَة فَلَو كَانَت تفِيد التَّعْرِيف لما صحّ وُقُوعه نعتاً لنكرة. قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرّية: قَالَ أَبُو بكر فِي أفعل النَّاس نَحْو أشرف النَّاس وَأفضل الْقَوْم: إنّ هَذِه الْإِضَافَة فِي تَقْدِير الِانْفِصَال لأنّ مَا تضيفه من هَذَا الْقَبِيل يَنْبَغِي أَن يكون بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ بِدلَالَة امْتنَاع زيد أفضل الْحمير فَيجب أَن يقدّر الِانْفِصَال وإلاّ لم يجز لِئَلَّا تضيف الشَّيْء إِلَى نَفسه. فَإِن قلت: فإنّ مَا يقدّر فِيهِ الِانْفِصَال نجد فِيهِ معنى الْفِعْل نَحْو ضَارب

стр. 1764

وَلَيْسَ فِي أفعل معنى الْفِعْل قيل: هَذَا وإنّ قصّر عَن فَاعل فَإِن فِيهِ معنى الْفِعْل لنصبه الظّرْف فِي بَيت أَوْس: أحْوج سَاعَة ووصوله تَارَة بالحرف وَأُخْرَى بِنَفسِهِ نَحْو أعلم بِمن وأعلم من وَهَذَا مِمَّا يختصّ بِالْفِعْلِ. فَإِن قلت: إِذا قدّرت فِيهِ الِانْفِصَال اقتصرت بِهِ على النكرَة كضارب زيد. قَالَ: فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ. فَالْجَوَاب عِنْدِي نعم وَذَلِكَ قَوْله: ملك أضلع البريّة الْبَيْت. وَأما قَوْله: أحسن الْخَالِقِينَ فَيكون مَقْطُوعًا أَي: هُوَ أحسن الْخَالِقِينَ لأنّه مَوضِع ثَنَاء. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة الْحَارِث بن حلّزة وَهِي سابعة المعلّقات السَّبْعَة وَقد تقدّم جَانب مِنْهَا مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ وَقطعَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ ونقلنا فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَبَب نظمه لهَذِهِ الْمُعَلقَة وَفِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة أَيْضا. وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد: (فملكنا بذلك النّاس حتّى ... ملك الْمُنْذر بن مَاء السّماء) ...

стр. 1765

(وَهُوَ الرّبّ والشّهيد على يو ... م الحيارين وَالْبَلَاء بلَاء) ملكٌ أضلع البريّة ... ... ... . . الْبَيْت وَقَوله: فملكنا بذلك فِي هَذَا الْبَيْت إقواء فإنّه مجرور القافية. وَقيل هَذَا الْبَيْت منحول إِلَيْهِ) لَيْسَ من القصيدة. وَقَوله: بذلك يَعْنِي بالعزّ والامتناع وبالحروب الَّتِي كَانَ الغلب لنا فِيهَا دللّنا النَّاس حتّى ملك الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء. وَقَوله: وَهُوَ الربّ الخ الربّ عَنى بِهِ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء. والربّ فِي هَذَا الْموضع: السَّيِّد. والشَّهِيد الْحَاضِر. والحياران: بلدٌ وَهُوَ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا مثّناة تحتيّة. يخبر أنّ الْمُنْذر كَانَ شهد يَوْم الحيارين. فإنّ الْمُنْذر غزا أهل الحيارين وَمَعَهُ بَنو يشْكر فأبلوا بلَاء حسنا وَكَانَ الْبلَاء فِي ذَلِك الْيَوْم بلَاء عَظِيما. وَقَوله: ملك أضلع الخ خبرٌ آخر لقَوْله هُوَ فَيكون مشاركاً للرب ف يالخبريّة فإنّ الْأَخْبَار يجوز أَن يَأْتِي بَعْضهَا بالْعَطْف وَبَعضهَا بِدُونِهِ كَمَا هُنَا. وأضلع البريّة أَي: أشدّ الْبَريَّة إضطلاعا لما يحمّل أَي: هُوَ أحمل النَّاس لما يحمل من أَمر وَنهي وَعَطَاء وَغير ذَلِك. وَقَوله: لَا يُوجد فِيهَا الخ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي الْبَريَّة أحدٌ يُكَافِئهُ وَلَا يَسْتَطِيع أَن يصنع مثل مَا يصنع من الْخَيْر. والكفاء بِالْكَسْرِ: الْمثل والنظير يُقَال: فلَان كفاءٌ لفُلَان أَي: كفءٌ لَهُ وَنَظِير. وَرُوِيَ: ملك أضرع البريّة على

стр. 1766

أنّه فعل مَاض أَي: أذلّ الْبَريَّة زقهرها فَمَا يُوجد فيهم من يُسَاوِيه فِي معاليه وَحِينَئِذٍ لَا شَاهد فِي الْبَيْت. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الثلاثمائة) الطَّوِيل (وَلم أر قوما مثلنَا خير قَومهمْ ... أقلّ بِهِ منّا على قَومهمْ فخرا) لما تقدّم قبله فإنّه وصف النكرَة وَهِي قوما بِخَير وَهُوَ بِمَعْنى التَّفْضِيل وَلَو كَانَت الْإِضَافَة معنوية للتعريف لما وَقع صفة للنكرة. قَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَة المفصّل: هَذَا إِذا جعلت خيرا للتفضيل فإنّ جعلت خيرا فيهمَا من الْخَيْر الَّذِي هُوَ ضدّ الشرّ لم يكن من هَذَا الْبَاب. وجوّز شرّاح الحماسة أَن يكون خير قَومهمْ بَدَلا أَيْضا من قوما لَكِن قَالَ ابْن جنّي فِي إِعْرَاب الحماسة: فِي هَذَا الْبَيْت شاهدٌ لجَوَاز: مَرَرْت بِرَجُل أكْرم أَصْحَابه على أَصْحَابه على الصّفة لأنّها هُنَا أظهر من الْبَدَل وَالْهَاء فِي بِهِ ضمير الْخَيْر الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله: خي قَومهمْ وَلَيْسَ الثَّانِي هُوَ الأوّل لأنّ خيرا الأوّل صفة وَالثَّانِي المقدّر مصدر كَقَوْلِك: أَنا أوثر الْخَيْر وأكره الشَّرّ فدلّت الصّفة على الْمصدر. (إِذا نهي السّفيه جرى إِلَيْهِ ... وَخَالف والسّفيه إِلَى خلاف) انْتهى

стр. 1767

وَقَوله: أقل بِالنّصب مفعول ثَان لقَوْله: لم أر. وفخراً تَمْيِيز. وَتَقْدِير الْبَيْت: لم أر خير قومٍ مثلنَا أقلّ بذلك فخراً منّا على قَومنَا. وَالْمعْنَى إنّا لَا نبغي على قَومنَا وَلَا نتكبّر عَلَيْهِم بل نعدّهم أمثالنا ونظراءنا فنباسطهم ونوازنهم قولا بقول وفعلاً بِفعل. وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثلاثةٍ مَذْكُورَة فِي الحماسة لَكِن جَمِيع النّسخ والشروح تَجْتَمِع على إِسْقَاط الْوَاو من قَوْله: وَلم أر قوما على أَنه مخروم. والبيتان اللَّذَان بعدهمَا: (وَمَا تزدهينا الْكِبْرِيَاء عَلَيْهِم ... إِذا كلّمونا أَن نكلّمهم نزرا) (وَنحن بَنو مَاء السّماء فَلَا نرى ... لأنفسنا من دون مملكةٍ قصرا) زهاه وأزهاه بِمَعْنى تكبّر والزّهو: الْكبر وَالْفَخْر. ونزراً أَي: قَلِيلا وَهُوَ مفعول مُطلق أَي: كلَاما قَلِيلا وَالْمعْنَى لَا يستخفنا الْكبر إِلَى أَن نتعلّى عَلَيْهِم ونقلّل الْكَلَام مَعَهم ترفعاً عَن مساواتهم بل نباسطهم ونكاشرهم فِي القَوْل وَالسُّؤَال إيناساً لَهُم وتسكيناً مِنْهُم.) قَالَ بعض الْأَنْصَار: الوافر (أَنا ابْن مزيقيا عَمْرو وجدّي ... أَبوهُ عامرٌ مَاء السّماء)

стр. 1768

وَمَاء السَّمَاء أَيْضا: لقب أمّ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن عديّ بن ربيعَة بن نصر اللّخميّ. وَهِي ابْنة عَوْف بن جشم من النّمر بن قاسط. وسمّيت بذلك لجمالها وَقيل لولدها بَنو مَاء السَّمَاء وهم مُلُوك الْعرَاق. وَقَالَ زُهَيْر بن جناب: الوافر (ولازمت الْمُلُوك من أل نصرٍ ... وبعدهم بني مَاء السّماء) انْتهى فَالظَّاهِر أنّ المُرَاد هُنَا هُوَ الأوّل لأنّ قَائِل الأبيات أَنْصَارِي وَهُوَ زِيَادَة بن زيد الْحَارِثِيّ من بني الْحَارِث بن سعد أَخُو عذرة. وَقَالَ أَبُو رياش: هُوَ زِيَادَة بن زيد من سعد هذيم بن لَيْث بن سود بن أسلم بن الحاف بن وزِيَادَة شَاعِر إسلاميّ فِي الدولة الأموية قَتله ابْن عَمه هدبة بن خشرم. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله سَبَب قَتله عِنْد ذكر هدبة. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س:

стр. 1769

الوافر (فأيّي مَا وأيّك كَانَ شرا ... فقيد إِلَى المقامة لَا يَرَاهَا) على أَن هَذَا ضَرُورَة وَالْقِيَاس الْمُسْتَعْمل: فأيّناكان شرّاً من صَاحبه. ومَا زَائِدَة للتوكيد وأيّي مُبْتَدأ وأيّك مَعْطُوف عَلَيْهِ وَاسم كَانَ ضمير أَي: أيّنا وشرّاً خَبره وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ وقيد مَجْهُول قاد الْأَعْمَى. وَجِيء بِالْفَاءِ لأنّه دُعَاء فَهُوَ كالأمر. والمقامة بِضَم الْمِيم وَفتحهَا: الْمجْلس وَجُمْلَة لَا يَرَاهَا حالٌ من ضمير قيد. يَدْعُو على الشرّ مِنْهُمَا أَي: من كَانَ منّا شرّاً أعماه الله فِي الدّنيا فَلَا يبصر حَتَّى يُقَاد إِلَى مَجْلِسه. وَقَالَ شَارِح اللّبَاب: أَي: قيد إِلَى مَوَاضِع إِقَامَة النَّاس وجمعهم فِي العرصات لَا يَرَاهَا أَي: قيد أعمى لَا يرى المقامة. انْتهى. وَحمل الدّعاء على الْآخِرَة لَا على الدُّنْيَا غير جيّد. وَهَذَا من الْمُعَامَلَة بالإنصاف. وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أبياتٍ للعبّاس بن مرداس السّلميّ قَالَهَا لخفاف بن ندبة فِي أمرٍ شجر (أَلا من مبلغٌ عنّي خفافاً ... ألو كَا بَيت أهلك مُنْتَهَاهَا) (أَنا الرّجل الَّذِي حدّثت عَنهُ ... إِذا الخفرت لن تستر براها) (أشدّ على الكتيبة لَا أُبَالِي ... أفيها كَانَ حتفي أم سواهَا) (فأيّي مَا وأيّك كَانَ شرّاً ... فقيد إِلَى المقامة لَا يَرَاهَا) (وَلَا ولدت لَهُ أبدا حصانٌ ... وَخَالف مَا يُرِيد إِذا بغاها) (ولي نفسٌ تتوق إِلَى الْمَعَالِي ... ستتلف أَو أبلّغها مناها)

стр. 1770

وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء كغراب واشتهر بِالْإِضَافَة إِلَى أمه وَهِي ندبة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الدَّال بعْدهَا بَاء موحّدة. وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كالعبّاس بن مرداس. وتقدّمت تَرْجَمَة العبّاس فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر من أَوَائِل الْكتاب أما تَرْجَمَة خفاف بن ندبة فستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب اسْم الْإِشَارَة. وألوك بِفَتْح الْهمزَة وَضم اللَّام: الرسَالَة وَمِنْهَا الْمَلَائِكَة. وحدّثت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْخطاب. والخفرات: النِّسَاء الحيّيات بِفَتْح الْخَاء وَكسر الْفَاء وَالْفِعْل من بَاب تَعب. والبرا: جمعه بره) بِضَم الْبَاء الموحّدة فيهمَا وَهِي كلّ حَلقَة من سوار وقرط وخلخال وَالْمرَاد هُنَا الْأَخير. وَعدم ستر الخلاخيل للنِّسَاء إنّما يكون عِنْد هروبهن من السبيّ والنهب. وإِذا ظرف إمّا لقَوْله حدّثت أَو لقَوْله أشدّ على الكتيبة. وَمثل هَذَا يُسمى التجاذب. وَقَوله: أَشد على الكتيبة وَقيل: لم يقل فِي الشجَاعَة أبلغ من هَذَا الْبَيْت. والكتيبة: الْجَيْش. والحتف: الْهَلَاك. وَقَوله: فقيد إِلَى المقامة رُوِيَ أَيْضا: فسيق إِلَى المقامة من السّوق. وَقَوله: ولاولذت لَهُ الخ هَذَا دعاءٌ عَلَيْهِ بِقطع نَسْله والخصان بِالْفَتْح: الْمَرْأَة العفيفة. وتتوق تاقت نَفسه إِلَى الشَّيْء اشتاقته ونازعت إِلَيْهِ وَتلف الشَّيْء من بَاب فَرح إِذا هلك.

стр. 1771

وأنشده بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الثلاثمائة) الرجز (أظلمي وأظلمه) على أنّه ضَرُورَة وَالْقِيَاس أظلمنا. وَهُوَ قِطْعَة من رجز رَوَاهُ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر عَن أَحْمد بن يحيى الشهير بثعلب وَهُوَ: (يَا ربّ مُوسَى أظلمي وأظلمه ... فاصبب عَلَيْهِ ملكا لَا يرحمه) قَالَ: مَعْنَاهُ أظلمنا كَقَوْلِه: أخزى الله الْكَاذِب منّي وَمِنْه أَي: منّا فَالْمَعْنى أظلمنا فاصبب عَلَيْهِ. وَهَذَا يدلّ على جَوَاز ارْتِفَاع زيد بِالِابْتِدَاءِ فِي نَحْو زيد فَاضْرِبْهُ إِن جعلت الْفَاء زَائِدَة على مَا يرَاهُ أَبُو الْحسن. فَإِن قلت: أضمر الْمُبْتَدَأ كَمَا أضمرت فِي قَوْلك: خولان فانكح فَتَاتهمْ فَإِن ذَلِك لَا يسهل لأنّه للمتكلم فَكَمَا لَا يتّجه: هَذَا أَنا على إِرَادَة إِشَارَة الْمُتَكَلّم إلأى نَفسه من غير أَن ينزله منزلَة الْغَائِب كَذَلِك لَا يحسن إِضْمَار هَذَا هُنَا. فَإِن قلت: إِن أظلمنا على لفظ الْغَيْبَة فَلَيْسَ مثل هَذَا أَنا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ كَذَلِك فَالْمُرَاد بِهِ بعض الْمُتَكَلِّمين وَلَا يمْنَع ذَلِك أَلا ترى أَنهم قَالُوا يَا تَمِيم كلّهم فَحَمَلُوهُ على الْغَيْبَة لما كَانَ اللَّفْظ لَهُ وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْمُخَاطب. وَإِن جعلت الْمُضمر فِي علمك كَأَنَّك قلت قد أظلمنا فِي عهلمك كَانَ مُسْتَقِيمًا. انْتهى.)

стр. 1772

وَرَوَاهُ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل هَكَذَا: سلّط عَلَيْهِ ملكا لَا يرحمه وربّ منادى مُضَاف إِلَى مُوسَى وَضمير أظلمه الْغَائِب رَاجع إِلَى مُوسَى هَذَا وَهُوَ خصم صَاحب هَذَا الرجز. وَكَلَام أبي عَليّ مبنيّ على رفع أظلمي واظلمه بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر الْجُمْلَة الدهائية وَيجوز نصبهما على الِاشْتِغَال. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الثلاثمائة) الطَّوِيل (فَهَل لكم فِيهَا إليّ فإنّني ... طَبِيب بِمَا أعيا النّطاسيّ حذيما) على أَن فِيهِ حذف مُضَاف أَي: ابْن حذيم فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه لِأَنَّهُ علم أَنه الْعَالم بالطبّ وَالْمَشْهُور بِهِ لَا حذيم فإنّه ورد فِي الْأَمْثَال: أطبّ من ابْن حذيم. قَالَ الزمخشريّ فِي المستقصى: هُوَ رجلٌ كَانَ من أطباء الْعَرَب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: أَرَادَ ابْن حذيم. انْتهى. قَالَ أَبُو الندى: ابْن حذيم رجلٌ من تيم الرّباب كَانَ أطبّ الْعَرَب وَكَانَ أطبّ من الْحَارِث بن كلدة.

стр. 1773

وَأورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن على أنّ التَّسْمِيَة واقعةٌ على الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ جَمِيعًا. وأمّا مَا يرد من نَحْو قَوْله ﵊ ُ: من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ وتقدّم وَقد خَالف كَلَامه هُنَا فِي المفصّل فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: إِذا أمنُوا الإلباس حذفوا الْمُضَاف. وَقد جَاءَ اللّبس فِي الشّعْر قَالَ ذُو الرّمّة: الطَّوِيل (عشيّة فرّ الحارثيّون بَعْدَمَا ... قضى نحبه فِي ملتقى الْقَوْم هوير) وَقَالَ: بِمَا أعيا النّطاسيّ حذيما أَي: ابْن هوبر وَابْن حذيم. وَهُوَ فِي قَوْله هَذَا تابعٌ لأبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر فَإِنَّهُ قَالَ: قد) جَاءَ فِي الشّعْر أبياتٌ فِيهَا حذف مُضَاف مَعَ أنّه يؤديّ حذفه إِلَى الإلباس مثل بِمَا ذكر وَبِقَوْلِهِ: الْكَامِل (أرضٌ تخيّرها لطيب مقليها ... كَعْب بن مامة وَابْن أمّ دَاوُد) هُوَ أَبُو الشَّاعِر واسْمه جَارِيَة وَالتَّقْدِير ابْن أمّ أبي دَاوُد فَحذف الْأَب. وَالصَّوَاب مَا فِي الكشّاف من أنّه لَا إلباس فِيهِ فإنّ الإلباس وَعَدَمه إنّما يكون بِالنِّسْبَةِ إلأى الْمُخَاطب الَّذِي يلقِي المتكلّم كَلَامه إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أمثالنا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ عندنَا من قبيل الإلباس مفهومٌ وَاضح عِنْد الْمُخَاطب بِهِ فِي ذَلِك الْعَصْر.

стр. 1774

ويؤيّد مَا ذكرنَا قَول ابْن جنّي فِي الخصائص: أَلا ترى أنّ الشَّاعِر لما فهم عَنهُ مَا أَرَادَ بقوله قَالَ (صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب ... يحملن عبّاس بن عبد المطّلب) وإنّما أَرَادَ عبد الله بن عبّاس. وَلَو يكن على الثِّقَة بفهم ذَلِك لم يجد بدّاً من الْبَيَان. وعَلى ذَلِك قَول الآخر: طبيبٌ بمتا أعيا النّطاسيّ حذيما أَرَادَ: ابْن حذيم. انْتهى. زحذف الصلتان العبديّ أَكثر من هَذَا فِي محاكمته بَين جرير والفرزدق فِي قَوْله: الطَّوِيل أرى الخطفى بذّ الفرزدق شعره ولكنّ خيرا من كلابٍ مجاشع فَإِنَّهُ أَرَادَ: أرى جرير بن عطيّة بن الخطفى. وَجَاز هَذَا لكَونه مَعْلُوما عِنْد الْمُخَاطب. وَقد أنكر الخوارزميّ كَون هَذَا من بَاب الْحَذف قَالَ: إنّما هُوَ من بَاب تعدّي اللقب من الْأَب إِلَى الابْن كَمَا فِي قَوْله: الطَّوِيل كراجي النّدى وَالْعرْف عِنْد المذلّق

стр. 1775

أَي: ابْن المذلّق. هَذَا وَقد قَالَ يَعْقُوب بن السكّيت فِي شرح هَذَا الْبَيْت من ديوَان أَوْس بن حجر: حذيم رجلٌ من تيم الرّباب وَكَانَ متطّبباً عَالما. هَذَا كَلَامه فَعنده أنّ الطَّبِيب هُوَ حذيم لَا ابْن حذيم. وَتَبعهُ على هَذَا صَاحب الْقَامُوس فَلَا حذف فِيهِ وَلَا شَاهد على مَا وذها الْبَيْت من أَبْيَات لأوس بن حجر قَالَهَا لبني الْحَارِث بن سدوس بن شَيبَان وهم أهل الْقرْيَة بِالْيَمَامَةِ حَيْثُ اقتسموا معزاه. وَقيل اقتسمها بَنو حنيفَة وَبَنُو سحيم وَكَانَ أَوْس بن حجر أغرى عَلَيْهِم عَمْرو بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء ثمَّ جاور فيهم فَاقْتَسمُوهُ معزاه.) وَهَذَا مطْلعهَا: (فَإِن يأتكم منّي هجاءٌ فإنّما ... حباكم بِهِ منّي جميل بن أرقما) ثمَّ بعد أَرْبَعَة أَبْيَات: فَهَل لكم فِيهَا إليّ فإنّني ... ... ... ... الْبَيْت (فأخرجكم من ثوب شَمْطَاء عاركٍ ... مشهّرةٍ بلّت أسافله دَمًا) (وَلَو كَانَ جارٌ مِنْكُم فِي عشيرتي ... إِذا لرأوا للْجَار حقّاً ومحرما) (وَلَو كَانَ حَولي من تَمِيم عصابةٌ ... لما كَانَ مَالِي فِيكُم متقسّما) (أَلا تَتَّقُون الله إِذْ تعلفونها ... رضيخ النّوى والعضّ حولا مجرّما) (وأعجبكم فِيهَا أغرّ مسهّرٌ ... تلادٌ إِذْ نَام الرّبيض تغمغما) وَهَذَا آخر الأبيات. قَوْله: فإنّما حباكم الخ حباكم بِهِ أَي: وصلكم بالهجاء.

стр. 1776

وَقَوله: فَهَل لكم فِيهَا الخ قَالَ المفضّل بن سَلمَة فِي الفاخر وَابْن الأنباريّ فِي الزَّاهِر: وروى ابْن السكّيت: فإنّني بَصِير بدل طَبِيب. والْبَصِير: الْعلم وَقد بصر بِالضَّمِّ بصارة والتبصّر: التأمّل والتعرّف. وأعياه الشَّيْء نتعدّي عييت بأَمْري إِذا لم تهتد لوجهه. والنّطاسيّ مَفْعُوله وحذيم بدل من النطاسي. وفاعل أعيا ضمير مَا الموصولة الْوَاقِعَة على الدَّاء. أَي: إنّني طبيبٌ حاذق بالداء الَّذِي أعجز الْأَطِبَّاء فِي مداواته وعلاجه. والنّطاسيّ بِكَسْر النُّون قَالَ ابْن السّكيت: الْعَالم الشَّديد النّظر فِي الْأُمُور. قَالَ أَبُو عبيد: ويروى: النّطاسيّ بِفَتْح النُّون. قَالَ الجوهريّ: التنطّس الْمُبَالغَة فِي التطّهر وكلّ من أدقّ النّظر فِي الْأُمُور واستقصى علمهَا فَهُوَ متنطّس. وَمِنْه قيل للمتطّبب نطّيس كفسيق ونطاسيّ بِكَسْر النُّون وَفتحهَا. وَقَوله: فَهَل لكم بضمّ الْمِيم وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَل لكم ميل. وَقَوله: فِيهَا الضَّمِير للمعزى. وَفِيه حذف مُضَاف أَي: فَهَل لكم ميلٌ فِي ردّ المعزى إليّ. وَقَوله: فأخرجكم من ثوب شَمْطَاء الخ الشمطاء: الْمَرْأَة الَّتِي فِي رَأسهَا شمط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيَاض شعر الرَّأْس يخالطه سَواد وَالرجل أشمط. والعارك: الْحَائِض. ومشّهرة: اسْم مفعول من شهّرته تشهيراً والشهّرة: وضوح الْأَمر يَقُول: هَل لكم فِي ردّ معزاي فأخرجكم من سبّةٍ شنعاء تلطخ أعراضكم وتدنّسها كَمَا تدنس الْحَائِض ثوبها بِالدَّمِ فأغسلها عَنْكُم. وَهَذَا)

стр. 1777

وَقد خبط جَمِيع من تكلم على هَذَا الشَّاهِد حَيْثُ لم ير السّياق والسّباق فَقَالَ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين: الْمَعْنى هَل لكم علمٌ بحالي مِنْكُم فإنّني بصيرٌ بِمَا أعجز الطَّبِيب الْمَشْهُور. وَقَالَ المظفّري فِي شرح المفصّل: أَي هَل لكم طريقٌ فِي مداواة مَا بِي فإنّي أرى من الدَّاء مَا أعيا الطَّبِيب عَن مداواته. وَقد قَارب بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل بقوله: وَالْمعْنَى هَل لكم فِي هَذِه الْحَادِثَة حاجةٌ إليّ لأشفيكم بِرَأْي فِيهَا فإنّني طبيبٌ عَالم بِالَّذِي عجز عَنهُ هَذَا الحاذق الْعَالم بالطب وَلم يهتد إِلَيْهِ. وَقَوله: ألآ تَتَّقُون الله الخ يَقُول: لَوْلَا أنّك سرقتها لأيّ شَيْء تعلفها يَقُول: فردّها وَلَا تعلفها. والرضيح بالضاد وَالْخَاء المعجمتين: المدقوق رضحت الْحَصَا والنوى كسّرته. والعضّ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ القتّ وَقَالَ الجوهريّ: علف أهل الْأَمْصَار مثل الْكسْب والنّوى المرضوح. والمجرّم بِالْجِيم على وزن اسْم الْمَفْعُول: التَّام والكامل. وَقَوله: وأعجبكم فِيهَا أغرّ الخ قَالَ ابْن السّكيت الأغرّ: الْأَبْيَض. والتلاد: الْقَدِيم من المَال. والرّبيض هَاهُنَا الْغنم. وَقَوله: تغمغما يَعْنِي هَذَا الْأَغَر والغمغمة هبابه أَي: لَا ينَام

стр. 1778

تَتِمَّة قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ابْن حذيم شَاعِر فِي قديم الدَّهْر يُقَال إنّه كَانَ طَبِيبا حاذقاً يضْرب بِهِ الْمثل فِي الطبّ فَيُقَال: أطبّ بالكيّ من ابْن حذيم وسمّاه أوسٌ حذيماً يَعْنِي أنّه حذف لفظ ابْن فَقَالَ: عليمٌ بِمَا أعيا النطاسيّ حذيماً وَيُقَال ابْن حذام أَيْضا وإنّه أوّل من بَكَى من الشُّعَرَاء فِي الديار وَهُوَ الَّذِي سمّاه امْرُؤ الْقَيْس فِي قَوْله: الْكَامِل (عوجا على الطّلل الْمُحِيل لعلّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بَكَى ابْن حذام) وَابْن خذام بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أشهر وَقيل هما اثْنَان. وَقَالَ فِي الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن خذام هُوَ الْمَذْكُور فِي حرف الْحَاء على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فَمنهمْ من جعله إيّاه وَمِنْهُم من جعلهمااثنين. وَيُقَال: إِن هَذَا الْبَيْت الَّذِي فِي قصيدة امْرِئ الْقَيْس لَهُ وَهُوَ: الطَّوِيل) (كأنّي غَدَاة الْبَين حِين تحمّلوا ... لَدَى سمُرَات الحيّ ناقف حنظل) وَيُقَال: للخمّار ابْن خذام. وخذام من أَسمَاء الْخمر. هَذَا كَلَامه. أَقُول: جَمِيع من ذكر ابْن حذام الشَّاعِر لم يقل إِنَّه هُوَ ابْن حذيم الطَّبِيب. وَقد اخْتلف فِي ضبط اسْمه فَالَّذِي رَوَاهُ الْآمِدِيّ ابْن خذام بمعجمتين قَالَ: من يُقَال لَهُ ابْن خذام مِنْهُم ابْن خذام الَّذِي ذكره امْرُؤ الْقَيْس فِي شعره وَهُوَ أحد من بَكَى الديار قبل امْرِئ الْقَيْس ودرس شعره. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: ...

стр. 1779

(عوجا على الطّلل الْمُحِيل لأنّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بكة ابْن خذام) قَوْله: لأنّنا يُرِيد لعلّنا ذكر ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة وَقَالَ: قَالَ لنا أَبُو الوثيق مّمن ابْن خذام فَقُلْنَا: مَا نعرفه. فَقَالَ: رَجَوْت أَن يكن علمه بالأمصار فَقُلْنَا: مَا سمعنَا بِهِ فَقَالَ: بلَى قد ذكره امْرُؤ الْقَيْس وَبكى على الديار قبله فَقَالَ: كأنّي غَدَاة الْبَين يَوْم تحمّلوا ... ... ... الْبَيْت انْتهى وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الَّذِي أعرف أَن ابْن خذام بذال مُعْجمَة وحاء غير مُعْجمَة كَمَا روى الجاحظ وَغَيره. انْتهى. وَضَبطه بَعضهم ابْن حمام بحاء مهملو مَضْمُومَة بعْدهَا مِيم غير مشدّدة واسْمه امْرُؤ الْقَيْس. قَالَ الْآمِدِيّ عِنْد ذكر المسمّين بامرئ الْقَيْس وَمِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس بن حمام ثمَّ ذكر نسبه وَقَالَ: وَالَّذِي أدْركهُ الروَاة من شعره قَلِيل جدا. وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس هَارِبا فَقَالَ مهلهل: الْكَامِل فِي قصّة مَذْكُورَة فِي أَخْبَار زُهَيْر بن جناب. وَبِهَذَا الْبَيْت قيل لمهلهل مهلهل. وَبَعض الروَاة يروي بَيت امْرِئ الْقَيْس بن حجر: (عوجا على الطّلل الْمُحِيل لعلّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بَكَى ابْن حمام) يَعْنِي امْرأ الْقَيْس هَذَا ويروي ابْن خذام. انْتهى. وَمثله للعسكريّ فِي كتاب التَّصْحِيف قَالَ: وَمِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس

стр. 1780

بن حمام ابْن عُبَيْدَة بن هُبل بن أخي زُهَيْر بن جناب بن هُبل. وَيَزْعُم بَعضهم أنّه الَّذِي عَنى امْرُؤ الْقَيْس بقوله: نبكي الديار كَمَا بَكَى ابْن خذام وَكَانَ يَغْزُو مَعَ مهلهل وإياه أَرَادَ مهلهلٌ بقوله:) لما توغّل فِي الْكلاب هجينهم ... ... ... . الْبَيْت فالهجين هُوَ امْرُؤ الْقَيْس بن حمام. وَجَابِر وصنبل: رجلَانِ من بني تغلب. انْتهى. قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: ويروى: لّما توفّل فِي الكراع شريدهم قَالَ السكريّ: يَعْنِي بالهجين امْرأ الْقَيْس بن حمام وَكَانَ مهلهل تبعه يَوْم الْكلاب ففاته ابْن حمام بعد أَن تنَاوله مهلهلٌ بِالرُّمْحِ وَكَانَ ابْن حمام أغار على بني تغلب مَعَ زُهَيْر بن جناب فَقتل جَابِرا هَذَا مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ. وَقَول امْرِئ الْقَيْس بن حجر: عوجا على الطّلل الْمُحِيل الْبَيْت هُوَ من قصيدة لَهُ اسْتشْهد بِهِ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمَا يشعركم أنّها إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ بِفَتْح الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة بِمَعْنى لعلّ كَمَا أنّ لأنّنا فِي الْبَيْت بِمَعْنى لعلّنا. قَالَ ابْن رَشِيق فِي الهمدة: يرْوى فِي الْبَيْت لأنّنا بِمَعْنى لعلّنا وَهِي لُغَة امْرِئ الْقَيْس فِيمَا زعم بعض المؤلفين وَالَّذِي كنت أعرف: لعنّنا بِالْعينِ ونونين.

стр. 1781

والْمُحِيل: الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ الْحول. وعوجا أَمر من عجت الْبَعِير أعوجه عوجا ومعاجاً: إِذا عطفت رَأسه بالزمام. وأَوْس بن حجر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم شَاعِر من شعراء تَمِيم فِي الْجَاهِلِيَّة. وَفِي أَسمَاء نسبه اخْتِلَاف فَلِذَا تركنَا نسبه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ أوسٌ فَحل مُضر حتّى نَشأ النَّابِغَة وزهيرٌ فأحملاه. وَقيل لعَمْرو بن معاذٍ وَكَانَ بَصيرًا بالشعر: من أشعر النَّاس فَقَالَ: أَوْس قيل: ثمَّ من قَالَ: أَبُو ذُؤَيْب. وَكَانَ أوسٌ عَاقِلا فِي شعره كثير الْوَصْف لمكارم الْأَخْلَاق وَهُوَ من اوصفهم للحمير وَالسِّلَاح زلا سيّما للقوس وَسبق إِلَى دَقِيق الْمعَانِي وَإِلَى أَمْثَال كَثِيرَة. انْتهى. وَقَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ أَوْس هَذَا من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها وكر أَبُو عُبَيْدَة أَنه من الطَّبَقَة الثَّالِثَة وقرنه بالحطيئة والنابغة الْجَعْدِي. وَتَمِيم تقدم أَوْسًا على سَائِر شعراء الْعَرَب. وَقَالَ الأصمعيّ: أوسٌ أشعر من زُهَيْر إلاّ أنّ النَّابِغَة طأطأ مِنْهُ.) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ أَوْس غزلاً مغرماً بِالنسَاء فَخرج فِي سفر حتّى إِذا كَانَ بِأَرْض بني أَسد بَين شرج وناظرة فَبَيْنَمَا هُوَ يسير ظلاماً إِذْ جالت بِهِ نَاقَته فصرعته فاندقّت فَخذه فَبَاتَ مَكَانَهُ وَمَا زَالَ يقاسي كلّ عَظِيم بِاللَّيْلِ ويستغيث فَلَا يغاث حتّى إِذا أصبح إِذا جواري الحيّ يجتنبن الكمأة وَغَيرهَا من نَبَات الأَرْض وَالنَّاسِي فِي ربيع: فبيناهنّ كَذَلِك إِذْ بصرن بناقته تجول وَقد علق زمامها بشجرة وأبصرنه ملقىً ففرغن مِنْهُ فهربن فَدَعَا جَارِيَة منهنّ فَقَالَ لَهَا: من أَنْت قَالَت: أَنا حليمة بنت فضَالة بن كلدة. وَكَانَت أصغرهنّ فَأَعْطَاهَا حجرا وَقَالَ: اذهبي إِلَى

стр. 1782

أَبِيك فَقولِي لَهُ: ابْن هَذَا يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك: أدركني فإنّي فِي حَالَة عَظِيمَة فَأَتَت أَبَاهَا وقصّت عَلَيْهِ القصّة وأعطته الْحجر فَقَالَ: يَا بنية لقد أتيت أَبَاك بمدح طَوِيل أَو هجاء طَوِيل. ثمّ احْتمل هُوَ وأَهله إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ أوسٌ وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ الْخَبَر فَأَتَاهُ بِمن جبر كَسره وَلم يزل مُقيما عِنْده وبنته تخدمه إِلَى أَن برأَ فمدحه أَوْس بقصائد عديدة ورثاه أَيْضا بعد مَوته. وَكَانَ أوسٌ إِذا جلس فِي مجْلِس قومه قَالَ: مَا لأحد عليّ منّه أعظم من منّه أبي دليجة. وَكَانَ أَبُو دليجة كنية فضَالة بن كلدة. وكلدة بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وَهِي فِي اللُّغَة الأَرْض الغليظة. وَذكره ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب الْأَسْمَاء المنقولة من أدب الْكَاتِب. وَمن شعر أَوْس قَوْله: الطَّوِيل (يَا رَاكِبًا إمّا عرضت فبلّغن ... يزِيد بن عبد الله مَا أَنا قَائِل) (بآيه أنّي لم أخنك وإنّه ... سوى الحقّ مهما ينْطق النّاس بَاطِل) (فقومك لَا تجْهَل عَلَيْهِم وَلَا تكن ... لَهُم هرشاً تغتابهم وتقاتل) (وَمَا ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاحه ... وَلَا يحمل الماشين إلاّ الْحَوَامِل) (وَلَا سَابق إلاّ بساق سليمةٍ ... وَلَا باطشٌ مَا لم تعنه الأنامل) (إِذا أَنْت لم تعرض عَن الْجَهْل والخنى ... أصبت حَلِيمًا أَو أَصَابَك جَاهِل) الهراش: أشدّ الْقِتَال مثل مهارشة الْكلاب. وَأَرَادَ بالحوامل الأرجل.

стр. 1783

وَمَا حب الدّيار شغفن قلبِي تَمَامه:) وَلَكِن حبّ من سكن الدّيارا هُوَ لقيسٍ مَجْنُون بني عَامر. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد التسعين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الثلاثمائة) الْكَامِل (يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل) على أنّه قد يقوم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَام الْمُضَاف فِي التَّذْكِير لأنّه أَرَادَ: مَاء بردى. وَلَو لم يقم مقَامه فِي التَّذْكِير لوَجَبَ أَن يُقَال تصفّق بِالتَّاءِ للتأنيث لأنّ بردى من صِيغ الْمُؤَنَّث وَهُوَ نهر دمشق. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هُوَ من الْبرد سمّي بذلك لبرد مَائه. وَأوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم على أَن الْوَاو فِي يجْعَلُونَ ضمير أَصْحَاب الصّيب وَإِن كَانَ محذوفاً لبَقَاء مَعْنَاهُ كَمَا أرجع الشَّاعِر ضمير يصفق إِلَى مَاء بردى مَعَ أنّه غير مَذْكُور وَلِهَذَا ذكّر يصفّق.

стр. 1784

قَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى: لَو قَالَ قَائِل: إنّه أعَاد الضَّمِير مذكّراً على الْمَعْنى لأنّ بردى نهر لوجد مساغاً. وروى صَاحب الأغاني: وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. والبريص قَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم وَتَبعهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: هُوَ بِفَتْح الموحّدة وَآخر صَاد مُهْملَة: مَوضِع بِأَرْض دمشق. وَزَاد الجواليقيّ فِي المعرّبات: وَلَيْسَ بالعربيّ الصَّحِيح وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَأَحْسبهُ روميّ الأَصْل. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَلم أر من أهل اللُّغَة من ضَبطه بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقد اخْتلف شرّاح المفصّل فِي ضَبطه وَمَعْنَاهُ فَقَالَ ابْن يعِيش: هُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة نهر يتشعّب من بردى وَهُوَ نهر دمشق كالصّراة من الْفُرَات. وزلدمشق أَنهَار أَرْبَعَة كلّها من بردى. وَقَالَ المظفريّ: هُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة وادٍ فِي ديار الْعَرَب والبريص بالصَّاد الْمُهْملَة: اسْم نهر وَقيل اسْم مَوضِع بِدِمَشْق. وَقَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى: هُوَ بالضاد الْمُهْملَة. قَالَ المفسّرون: هُوَ مَأْخُوذ من البرض أَرَادَ الْموضع) المبيّض المجصصّ. ويروى بالضاد الْمُعْجَمَة: فعيل من البرص وَهُوَ المَاء الْقَلِيل. وَرِوَايَة الْمُهْملَة أَكثر وأجود. وَقَالُوا: هُوَ اسْم نهر. وكرّر البريص فِي هَذِه القصيدة فَقَالَ: ...

стр. 1785

(فعلوت من أَرض البريص عَلَيْهِم ... حتّى نزلت بمنزلٍِ لم يوغل) فدلّ على أنّه مَوضِع بِعَيْنِه لَا مَا ذهب إِلَيْهِ من فسّره قبل. قَالَ أَبُو دُرَيْد: والبريص مَوضِع وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوضِع فِيهِ أنهارٌ كَثِيرَة وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ. وَأنْشد: الوافر (أهان الْعَام مَا عيّر تمونا ... شواء المسمنات مَه الخبيض) (فَمَا لحم الْغُرَاب لنا بزادٍ ... وَلَا سرطان أَنهَار البريص) وفاعل يسقون وَهُوَ الْوَاو ضمير عائدٌ على أَوْلَاد جَفْنَة فِي بَيت قبله كَمَا يَأْتِي وَمن مَفْعُوله. قَالَ العصام فِي حَاشِيَة القَاضِي: وتعديه الْوُرُود بعلى لتضمّنه معنى النُّزُول وإلاّ قالورود المتعدّي بعلى بِمَعْنى الْوُصُول لَا يعدّى بِنَفسِهِ. وَالْبَاء فِي قَوْله بالرحيق للمصاحبة أَي: ممزوجاً بِالْخمرِ الصافية السائغة. ويصفّق بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والتصفيق: التَّحْوِيل من إِنَاء إِلَى إِنَاء ليصفّى وَحَقِيقَته التَّحْوِيل من صفق إِلَى صفق أَي: من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة. وَالْبَاء فِي بالرحيق مُتَعَلق بِمَحْذُوف أَي: يمزج بالرحيق وَهُوَ الصافي من الْخمر. وَقَالَ صَاحب الكشّاف فِي المطففين: الرَّحِيق: صفوة الْخمر وَلِهَذَا فسّر بِالشرابِ الْخَالِص الَّذِي لَا غشّ فِيهِ. والسلسال: السهل الانحدار السائغ الشَّرَاب. قَالَ ابْن حَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يجوز أَن يكون المُرَاد مدح مَاء بردى وتفضيله على غَيره. وَمعنى يصفّق يمزج يُقَال صفّقته إِذا مزجته. والرَّحِيق: الْخمر. والسلسل: السهل أَي: كَأَنَّهُ ممزوج

стр. 1786

وَيجوز أَن يكون المُرَاد مدح هَؤُلَاءِ الْقَوْم بِالْكَرمِ وأنّهم لَا يسقون المَاء إلاّ ممزوجاً بِالْخمرِ لسعتهم وكرمهم وتعظيم من يرد عَلَيْهِم. انْتهى. وَالظَّاهِر أنّ المُرَاد هُوَ الثَّانِي لَا الأوّل للسياق والسّباق. وَلَيْسَ معنى التصفيق مَا ذكره وَالصَّوَاب مَا ذكره بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل من أَنه يصفهم بالجود على من يرد عَلَيْهِم فيسقونه مَاء مصفّى ممزوجاً بِالْخمرِ الصافية السائغة فِي الْحلق. وَحمل هَذَا الْكَلَام على الْقلب أظهر يُرِيد: يسقون من يرد عَلَيْهِم الرَّحِيق السلسل يصفّق ببردى أَي: بِمَائِهَا. انْتهى.) وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فيالشاهد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مدح بهَا آل جَفْنَة مُلُوك الشَّام. وَهَذِه قِطْعَة مِنْهَا بعد المطلع بِثَلَاثَة أَبْيَات: (لله درّ عصابةٍ نادمتهم ... يَوْمًا بجلّق فِي الزَّمَان الأوّل) (أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل) (يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السّواد الْمقبل) يسقون من ورد ... ... ... ... ... . . الْبَيْت (يسقون درياق الرّحيق وَلم تكن ... تدعى ولائدهم لنقف الحنظل) (فَلَبثت أزماناً طوَالًا فيهم ... ثمّ ادّكرت كأنّني لم أفعل) إِلَى أَن قَالَ بعد بَيْتَيْنِ: (وَلَقَد شربت الْخمر فِي حانوتها ... صهباء صافيةٌ كطعم الفلفل) ...

стр. 1787

(يسْعَى عليّ بكأسها متنطّفٌ ... فيعلّني مِنْهَا وَإِن مِنْهَا وَإِن لم أنهل) (إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل) (كلتاهما حلب الْعصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصل) (بزجاجةٍ رقصت بمل فِي قعرها ... رقص القلوص براكبٍ مستعجل) الْعِصَابَة: الْجَمَاعَة من النَّاس. وجلّق: بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام أَيْضا. قَالَ الجواليقي فِي المعربات: يُرَاد بِهِ دمشق وَقيل مَوضِع بِقرب دمشق وَقيل إِنَّه صُورَة امْرَأَة كَانَ المَاء يخرج من فِيهَا فِي قَرْيَة من قرى دمشق وَهُوَ أعجميّ مُعرب وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: أَوْلَاد جَفْنَة الخ بالجرّ بدل من عِصَابَة وَيجوز رَفعه. وجَفْنَة بِفَتْح الْجِيم هُوَ أَبُو مُلُوك الشَّام وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن حَارِثَة بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مازنٍ الغسانيّ. وَأما جبلة بن الْأَيْهَم فَهُوَ ابْن ماوية لأنّه ابْن الْأَيْهَم بن جبلة بن الْحَارِث الْأَعْرَج. وَأَرَادَ باولاد جَفْنَة أَوْلَاد الْحَارِث الْأَعْرَج بن مَارِيَة وهم: النُّعْمَان وَالْمُنْذر والمنيذر وجبلة وَأَبُو شمر. وَهَؤُلَاء كلّهم مُلُوك وهم أعمام جبلة بن الْأَيْهَم. كَذَا فِي مُخْتَصر أَنْسَاب الْعَرَب لياقوت الحمويّ. قَالَ السيّد الجرجانيّ فِي شرح الْمِفْتَاح: ترك تَفْضِيلهمْ احْتِرَازًا عَن تَقْدِيم بَعضهم على بعض.) ثمَّ قَوْله وَعَن التَّصْرِيح بأسامي الْإِنَاث الدَّاخِلَة فيهم فِيهِ نظر فَإِن ذكر نسَاء الْمُلُوك لَا يعْهَد عِنْد ذكر الْمُلُوك. وَقَوله: إنّ مَارِيَة

стр. 1788

هِيَ أمّ جَفْنَة غير صَوَاب وإنّما هِيَ أم الْحَارِث الْأَعْرَج. ومارية قَالَ جُمْهُور النسّابين: هِيَ مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع الكندية. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَابْن السّكيت: هِيَ مَارِيَة بنت أَرقم بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن جَفْنَة فَتكون على هَذَا غسّانية وَهِي أُخْت هِنْد امْرَأَة حجر وَالِد امْرِئ الْقَيْس صَاحب المعلّقة وَلَيْسَت أمه. ومارية هِيَ الَّتِي تضرب الْمثل بقرطيها فَيُقَال: خُذْهُ وَلَو بقرطيّ مَارِيَة يضْرب للترغيب فِي الشَّيْء وَإِيجَاب الْحِرْص عَلَيْهِ أَي: لَا يقوتنّك على كلّ حَال وَإِن كنت تحْتَاج فِي إحرازه إِلَى بذل النفائس. قَالَ الزمخشريّ فِي أَمْثَاله: هِيَ أول عَرَبِيَّة تقرّطت وَسَار ذكر قرطيها فِي الْعَرَب وَكَانَا نفيسي الْقيمَة وَقيل إنّهما قوّما بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَقيل كَانَ فيهمَا درّتان كبيض الْحمام لم ير مثلهمَا وَقيل هِيَ من الْيمن أَهْدَت قرطيها إِلَى الْبَيْت. انْتهى. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: هِيَ ذَات القرطين لدرّتين كأنّهما بيضتا نعَامَة أَو حمامة. وَأَرَادَ بقوله: حول قبر أَبِيهِم أنّهم مُلُوك ذَوُو حاضرةٍ ومستقرّ لَيْسُوا أَصْحَاب رحْلَة وانتجاع. سُئِلَ الأصمعيّ بأنّه مَا أَرَادَ حسان بِهِ وَأي مدح لَهُم فِي كَونهم عِنْد قبر أَبِيهِم فَقَالَ: إنّهم مُلُوك حُلُول فِي مَوضِع وَاحِد وهم أهل مدر وَلَيْسوا بِأَهْل عمد. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ أنّهم آمنون لَا يبرحون وَلَا يخَافُونَ كَمَا تخَاف الْعَرَب وهم مخصبون لَا ينتجعون

стр. 1789

قَالَ السّيد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: هَذَا من الِاخْتِصَار الَّذِي لَيْسَ فِيهِ حذف. أَرَادَ أنّهم أعزّاء مقيمون بدار مملكتهم لَا ينتجعون كالأعراب. فاختصر هذاالمبسوط فِي قَوْله: حول قبر أَبِيهِم. قَالَ: والاختصار غير الْحَذف وقومٌ يظنون أنّهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْحَذف يتعلّق بالألفاظ: وَهُوَ أَن تَأتي بِلَفْظ يَقْتَضِي غَيره ويتعلّق بِهِ وَلَا يستقلّ بِنَفسِهِ وَيكون فِي الْمَوْجُود دلالةٌ على الْمَحْذُوف فَيقْتَصر عَلَيْهِ طلبا للاختصار. والاختصار يرجع إِلَى الْمعَانِي: وَهُوَ أَن تَأتي بلفظٍ مفيدٍ لمعان كَثِيرَة لَو عبّر عَنْهَا بِغَيْرِهِ لاحتيج إِلَى أَكثر من ذَلِك اللَّفْظ. فَلَا حذف إلاّ وَهُوَ اختصارٌ وَلَيْسَ كلّ اخْتِصَار حذفا. انْتهى كَلَامه. وأدرج ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة هَذَا النَّوْع فِي بَاب الْإِشَارَة قَالَ: وَالْإِشَارَة من غرائب الشّعْر) وملحه وبلاغةٌ عجيبةٌ تدلّ على بعد المرمى وفرط الْقُدْرَة وَلَيْسَ يَأْتِي بهَا إلاّ الشَّاعِر المبرّز والحاذق الماهر وَهِي فِي كلّ نوعٍ من الْكَلَام لمحةٌ دالّةٌ واختصار وتلويج يعرف مُجملا وَمَعْنَاهُ بعيد من ظَاهر لَفظه. وَقَوله: يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم الخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يتردّد إِلَيْهِم من غشيه: إِذا جَاءَهُ. وهرّ الْكَلْب يهرّ من بَاب ضرب هريراً: إِذا صوّت وَهُوَ دون النّباح. يَعْنِي أنّ مَنَازِلهمْ لَا تَخْلُو من الأضياف والفقراء فكلابهم لَا تهرّ على من يقْصد مَنَازِلهمْ لاعتيادها بِكَثْرَة التردّد إِلَيْهَا من الأضياف وَغَيرهم وَقَوله: لَا يسْأَلُون الخ أَي: هم فِي سَعَة لَا يسْأَلُون كم نزل

стр. 1790

بهم من النَّاس وَلَا يهولهم الْجمع الْكثير وَهُوَ السّواد إِذا قصدُوا نحوهم. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أنّ حتّى فِيهِ ابتدائية ألأي: حرف يبتدأ بعده الْجُمْلَة اسميّة أَو فعلية. وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: اعْلَم أنّ يغشون للْحَال الْمَاضِي أَعنِي أنّه حِكَايَة لما مضى من الْحَال لَوْلَا تقديرك لَهُ بِالْحَال مَا صحّ الرّفْع لأنّ الرّفْع لَا يكون إلاّ وَالْفِعْل وَاقع. ويغشون لَا يكون إلاّ للْحَال أَو للآتي فَلَو قدّرته للآتي لم يصحّ الرّفْع إِذْ لَا يكون الرّفْع إلاّ وَمَا قبله وَاقع من عَادَتهم أنّهم يغشون حتّى لَا تهرّ كلابهم أَي: لَا يزالون يغشون. انْتهى. وَقَوله: يسقون درياق الرّحيق الخ يسقون بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول قَالَ شَارِح الدِّيوَان السكريّ: الدّرياق: خَالص الْخمر وجيّده سبّهه بالدّرياق الشافي. والولائد: جمع وليدة وَهِي الْخَادِم. والنّقف: اسْتِخْرَاج مَا فِي الحنظل. يَقُول: هم ملوكٌ تجتني ولائدهم الحنظل وَلَا تنتقفه. وَقَوله: يسْعَى على بكأسها الخ المتنطّف: المقرّط والنّطفة بِفَتَحَات: القرط. ويروى: متنطّق وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ منطقةٌ. وعلّة: سقَاهُ سقيا بعد سقِِي. والنّهل هُنَا: الْعَطش. وَقَالَ السكريّ: يَقُول: يسقينيها على كلّ حالٍ عطشت أَو لم أعطش.
следующие страницы →