← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

الأحبى: الشَّديد الحابي الضلوع أَي: المشرف المنتفخ الجنبين من الغيظ. أفنى الْقُرُون وَهُوَ بَاقٍ أونمه أَي: حوادثه وَهُوَ بالزاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون. بِذَاكَ بادت عَاده وإرمه بادت: هَلَكت. وعَاد وإرم: فبيلتان. وَهَذَا آخر الرجز. وترجمة رؤبة قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أَوَائِل الْكتاب. وَقد خطي الأصمعيّ عِنْد هَارُون الرشيد بروايته لهَذَا الرجز. روى السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: الدّرر وَالْغرر بِسَنَدِهِ إِلَى الأصمعيّ أَنه قَالَ: تصرّفت بِي الْأَسْبَاب على بَاب الرشيد مؤمّلاً للظفر بِهِ والوصول إِلَيْهِ حَتَّى إنّي صرت لبَعض حرسه خديناً فإنّي فِي بعض ليلةٍ قد نثرت السَّعَادَة والتوفيق فِيهَا الأرق بَين أجفان الرشيد إِذْ خرج خادمٌ فَقَالَ: أما بالحضرة أحدٌ يحسن الشّعْر فَقلت: الله أكبر ربّ قيدٍ مضيّق قد حلّه التَّيْسِير فَقَالَ لي الْخَادِم: ادخل فلعلّها أَن تكون لَيْلَة يغْرس فِي صباحها الْغنى إِن فزت بالخطوة عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَدخلت

стр. 1857

فواجهت الرّشيد فِي مَجْلِسه وَالْفضل بن يحيى إِلَى جَانِبه فَوقف بِي الْخَادِم حَيْثُ يسمع التَّسْلِيم فَسلمت فردّ عليّ السَّلَام ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام أرحه ليفرح روعه إِن كَانَ وجد) للرّوعة حسّاً فدنوت قَلِيلا ثمّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إضاءة مجدك وبهاء كرمك مجيران لمن نظر إِلَيْك من اعْتِرَاض أذيّة فَقَالَ: ادن. فدنوت فَقَالَ: أشاعرٌ أم راوية لكلّ ذِي جدّ وهزل بعد أَن يكون محسناً فَقَالَ: تا لله مَا رَأَيْت ادّعاء أعظم من هَذَا فَقلت: أَنا على الميدان فَأطلق من عناني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: قد أنصف القارة من راماها ثمَّ قَالَ: مَا الْمَعْنى فِي هَذِه الْكَلِمَة بديئاً فَقلت: فِيهَا قَولَانِ: القارة هِيَ الحرّة من الأَرْض وَزَعَمت الرّواة أنّ القارة كَانَت رُمَاة للتبابعة وَالْملك إِذْ ذَاك أَبُو حسّان فواقف عسكره وعسكر السّغد فَخرج فارسٌ من السّغد ثد وضع سَهْمه فِي كبد قوسه فَقَالَ: أَيْن رُمَاة الْعَرَب فَقَالَت الْعَرَب: وَقد أنصف القارة من راماها. ثمَّ قَالَ: أرتوي لرؤية بن العجّاج والعجّاج شَيْئا فَقلت: هما شَاهِدَانِ لم بالقوافي وَإِن غيّبا عَن بَصرك بالأشخاص. فَأخْرج من ثني فرشه رقْعَة ثمَّ قَالَ: أَنْشدني: الراجز أرّقني طَارق همّ أرّقا فمضيت فِيهَا مضيّ الْجواد فِي سنَن ميدانه تهدر بهَا أشداقي فلمّا

стр. 1858

صرت إِلَى مديحه لبني أُميَّة ثنيت لساني إِلَى امتداحه لأبي الْعَبَّاس فِي قَوْله: قلت لزيرٍ لم تصله مريمه فَلَمَّا رَآنِي قد عدلت من أرجوزة إِلَى غَيرهَا قَالَ: أعن حيرةٍ أم عَن عمد قلت: عَن عمد تركت كذبه إِلَى صدقه فِيمَا وصف بِهِ جدّك من مجده فَقَالَ الْفضل: أَحْسَنت بَارك الله فِيك مثلك يؤهلّ لمثل هَذَا الْمجْلس فَلَمَّا أتيت على آخرهَا قَالَ لي الرشيد: أتروي كلمة عديّ بن الرّقاع: عرف الدّيار توهّماً فاعتادها قلت: نعم. قَالَ: هَات. فمضيت فِيهَا حتّى إِذا صرت إِلَى وصف الْجمل قَالَ لي الْفضل: ناشدتك الله أَن تقطع علينا مَا أمتعنا بِهِ من السهر فِي ليلتنا هَذِه بِصفة جمل أجرب فَقَالَ لَهُ الرشيد: اسْكُتْ فالإبل هِيَ الَّتِي أخرجتك من دَارك واستلب تَاج ملكك ثمَّ مَاتَت وعملت جلودها سياطاً ضربت بهَا أَنْت وقومك فَقَالَ الْفضل: لقد عوقبت على غير ذَنْب وَالْحَمْد لله فَقَالَ الرشيد: أَخْطَأت الْحَمد لله على النّعم وَلَو قلت: وَأَسْتَغْفِر الله كنتمصيباً. ثمَّ قَالَ لي: امْضِ فِي أَمرك. فَأَنْشَدته حتّى إِذا بلغت إِلَى قَوْله:) تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه اسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ: أتحفظ فِي هَذَا ذكرا قلت: نعم ذكرت

стр. 1859

الروَاة أنّ الفرزدق قَالَ: كنت فِي الْمجْلس وَجَرِير إِلَى جَانِبي فَلَمَّا ابْتَدَأَ عديّ فِي قصيدته قلت لجرير مسيرًا إِلَيْهِ هَلُمَّ نسخر من هَذَا الشاميّ. فَلَمَّا ذقنا كَلَامه يئسنا مِنْهُ فلمّأ قَالَ: تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه وعديّ كالمستريح قَالَ جرير: أما ترَاهُ يستلب بهَا مثلا فَقَالَ الفرزدق: يَا لكع إنّه يَقُول: قلم أصَاب من الدّواة مدادها فَقَالَ عديّ: قلم أصَاب من الدّواة مدادها فَقَالَ جرر: أَكَانَ سَمعك مخبوءاً فِي صَدره فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ شغلني سبّك عَن جيّد الْكَلَام فلمّا بلغ إِلَى قَوْله: الْكَامِل قَالَ الرشيد: مَا ترَاهُ قَالَ حِين أنْشدهُ هَذَا الْبَيْت قلت: قَالَ: كَذَاك أَرَادَ الله. فَقَالَ الرشيد: مَا كَانَ فِي جلالته ليقول هَذَا أَحْسبهُ قَالَ: مَا شَاءَ قلت: وَكَذَا جَاءَت الرِّوَايَة. فَلَمَّا أتيت على آخرهَا قَالَ: أتروي لذِي الرمّة شَيْئا قلت الْأَكْثَر. قَالَ: فَمَا أَرَادَ بقوله:

стр. 1860

الطَّوِيل (ممرٌّ أمرّت فتله أسديّةٌ ... ذراعيّة حلاّلةٌ بالمصانع) قلت: وصف حمَار وَحش أسمنه بقل روضةٍ تواشجت أُصُوله وتشابكت فروعه من مطر سحابةٍ كَانَت بِنَوْء الْأسد ثمَّ فِي الذِّرَاع من ذَلِك. فَقَالَ الرشيد: أرح فقد وجدناك ممتعاً وعرفناك محسناً. ثمَّ قَالَ: أجد ملالة ونهض فَأخذ الْخَادِم يصلح عقب النّعل فِي رجله وَكَانَت عربيّة فَقَالَ الرشيد: عقرتني يَا غُلَام فَقَالَ الْفضل: قَاتل الله الْأَعَاجِم أما إنّها لَو كَانَت سنديّةً لما احتجت إِلَى هَذِه الْكَلِمَة. فَقَالَ الرشيد: هَذِه نَعْلي ونعل آبَائِي كم تعَارض فَلَا تتْرك من جوابٍ ممضّ ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام يُؤمر صالحٌ الْخَادِم بتعجيل ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم على هَذَا الرجل فِي ليلته هَذِه وَلَا يجب فِي المستأنف. فَقَالَ الْفضل: لَوْلَا أنّه مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا يَأْمر فِيهِ غَيره لأمرت لَك بِمثل مَا أَمر لَك وَقد) أمرت لَك بِهِ إلاّ ألف دِرْهَم فتلّقى الْخَادِم صباحاً. قَالَ الأصمعيّ: فَمَا صلّيت من غدٍ إلاّ وَفِي منزلي تسعةٌ وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س:

стр. 1861

الطَّوِيل (هما نفثا فِي فيّ من فمويهما ... على النّابح العاوي أشدّ رجام) على أنّه جمع بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ وهما الْمِيم وَالْوَاو. وتكلف بَعضهم معتذراً بِأَن قَالَ: الْمِيم بدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ اللَّام قدّمت على الْعين. وَتَقْدِير القَوْل الأول كَمَا فِي البغدادّيات لأبي عَليّ أهـ أضَاف الْفَم مبدلاً من عينهَا الْمِيم للضَّرُورَة كَقَوْل الآخر: وَفِي الْبَحْر فَمه ثمَّ أَتَى بِالْوَاو الَّتِي هِيَ عين وَالْمِيم عوض مِنْهُ فَيكون جمعا بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ للضَّرُورَة. وَقد وجدنَا هَذَا الْجمع فِي مذاهبهم قَالَ الشَّاعِر: أَقُول يَا اللهمّ يَا اللهمّا فَجمع بَين حرف التبيه وَبَين الميمين اللَّتَيْنِ هما هوضان مِنْهُ فَيكون قد اجْتمع فِيهِ على هَذَا الْوَجْه ضرورتان: إِحْدَاهمَا إِضَافَة فَم بِالْمِيم وَحكمه أَن لَا يُضَاف بهَا وَثَانِيهمَا جمعه بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ. أَقُول: إِضَافَة فَم بِالْمِيم فصيح وَلَيْسَ بضروروة وتقدّم الردّ عَلَيْهِ بِحَدِيث: لخلوف فَم الصّائم. وَأما القَوْل الثَّانِي فَهُوَ يشبه أَن يكون مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فإنّه قَالَ فِي بَاب

стр. 1862

النِّسْبَة واسْمه عِنْد بَاب الْإِضَافَة مَا نصّه: وَأما فَم فقد ذهب من أَصله حرفان لأنّه كَانَ أَصله فوه فأبدلوا الْمِيم مَكَان الْوَاو فَهَذِهِ الْمِيم بِمَنْزِلَة الْعين نَحْو مِيم ذمّ ثبتَتْ فِي الِاسْم فَمن ترك دم على حَاله إِذا أضيف ترك فَم على حَاله وَمن ردّ إِلَى دم اللَّام ردّ إِلَى فَم الْعين فَجَعلهَا مَكَان اللَّام كَمَا جعلُوا الْمِيم مَكَان الْعين فِي فَم. قَالَ الشَّاعِر:) هما نفثا فِي فيّ من فمويهما وَقَالُوا: فموان. قَالَ فمان فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قَالَ: فمويّ وَإِن شَاءَ قَالَ: فميّ. وَمن قَالَ: فموان قَالَ: فمويّ على كل حَال. هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَبِه يظْهر خطأ الأعلم فِي شرح شواهده حَيْثُ قَالَ: الشَّاهِد فِي قَوْله فمويه مَا وَجمعه بَين الْوَاو وَالْمِيم الَّتِي هِيَ بدل مِنْهَا فِي فمّ. وَمثل هَذَا لَا يعرف لأنّ الْمِيم إِذا كَانَت بَدَلا من الْوَاو فَلَا يَنْبَغِي أَن يجمع بَينهمَا. وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا وَجعل من قَوْله إِذْ أسنّ وَاخْتَلَطَ عقله. وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين توهّمه مِمَّا حذفت لمه من ذَوَات الاعتلال كيد وَدم فردّ مَا توهّمه محذوفاُ مِنْهُ. انْتهى كَلَامه. وَقَوله: وَمثل هَذَا لَا يعرف تقدم عَن أبي عليّ أَنه مَعْرُوف فِي قَوْلهم: يَا اللهمّ. وَقَوله: وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا الخ فِيهِ أنّه لَا يجوز أَن يتوهمّ فِي البدويّ أَنه يغلط ف ينطقه ويلحن فَإِنَّهُ لَا يطاوعه لِسَانه وَإِن تعمّده كَمَا قيل فالعرب معصومون عَن لحن اللِّسَان. نعم يجوز أَن يغلطوا فِي الْمعَانِي.

стр. 1863

وَقَوله: وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين الخ كَأَنَّهُ حِين كتب هَذَا الْكَلَام لم ينظر إِلَى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. وَقد نقل أَبُو عَليّ فِي البغداديّات وَجها آخر فِي تَوْجِيه فمويهما مَعَ أَنه لم ينْقل فِيهَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وأمّا الفرزدق فمويهما فَإِنَّهُ قيل إنّه أبدل من الْعين الَّذِي هُوَ واوٌ الْمِيم كَمَا تبدل مِنْهُ فِي الْإِفْرَاد ثمَّ أبدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ لالمٌ الْوَاو. وَبدل الْوَاو من الْهَاء غير بعيد وَيدل على سوغ ذَلِك أَنَّهُمَا يعتقبان الْكَلِمَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِك عضة فإنّ لمه قد يحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا هَاء لقَولهم عضاه وَقد يحكم عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاو لقَولهم عضوات. وَذهب ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة إِلَى أنّ فمويهما مثنّى فَمَا بِالْقصرِ قَالَ فِي قَول الشَّاعِر: يَا حبّذا عينا سليمى والفما يجوز أَن يكون الفما فِي مَوضِع رفع وَهُوَ اسمٌ مَقْصُور بِمَنْزِلَة عَصا وَعَلِيهِ جَاءَ بَيت الفرزدق: هما نفثا فِي فيّ من فمويهما) فاعرفه. انْتهى. وَقَوله: هما نفثا ضمير التَّثْنِيَة راجعٌ إِلَى إِبْلِيس وَابْنه كَمَا يَأْتِي. ونفثا: أَي: ألقيا على لساني من نفث الله الشَّيْء فِي الْقلب: ألقاهز وأصل نفث بِمَعْنى بزق وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا بزق وَلَا ريق مَعَه. وَنَفث فِي الْعقْدَة عِنْد الرّقية وَهُوَ البزاق الْيَسِير. ونفثه نفثاً أَيْضا: إِذا سحره. وَرُوِيَ

стр. 1864

أَيْضا: هما تفلا من تفل تفلاً من بَابي ضرب وَقتل من البزاق يُقَال: بزق ثمَّ تفل. والنابح: أَرَادَ بِهِ من يتعرّض للهجو والسبّ من الشُّعَرَاء وَأَصله فِي الْكَلْب. وَمثله العاوي بِالْعينِ الْمُهْملَة. والرّجام: مصدر راجمه بِالْحِجَارَةِ أَي: راماه. وراجم فلانٌ عَن قومه: إِذا دَافع عَنْهُم جعل الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كَالْكَلْبِ النابح. وكأنّ الأعلم لم يقف على مَا قبل هَذَا الْبَيْت وَلِهَذَا ظنّ أنّ ضمير التَّثْنِيَة لشاعرين من قومه نزع فِي الشّعْر إِلَيْهِمَا. وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدةٍ للفرزدق قَالَهَا آخر عمره تَائِبًا إِلَى الله ّ ممّا فرط مِنْهُ من مهاجاته النَّاس وَقذف الْمُحْصنَات وذمّ فِيهَا إِبْلِيس لَا غوائه إيّاه فِي شبابه. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل (أم ترني عَاهَدت ربّي وإنّني ... لبين رتاجٍ قَائِما ومقام) (على حلفةٍ لَا أشتم الدّهر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فيّ زور كَلَام) (وأصبحت أسعى فِي فكاك قلادةٍ ... رهينة أوزارٍ عليّ عِظَام) (وَلم انتبه حتّى أحاطت خطيئتي ... ورائي ودقّت للأمور عِظَامِي) (أطعتك يَا إِبْلِيس سبعين حجّةً ... فلمّا انْتهى شيبي وتمّ تمامي) (فزعت إِلَى ربّي وأيقنت أنّني ... ملاقٍ لأيّام الْمنون حمامي) (أَلا طالما قد بتّ يوضع نَاقَتي ... أَبُو الجنّ إبليسٌ بِغَيْر خطام) (يظلّ يمنّيني على الرّحل واركاً ... يكون ورائي مرّةً وأمامي) (يبشّرني أَن لَا أَمُوت وأنّه ... سيخلدني فِي جنّةٍ وَسَلام) ...

стр. 1865

(فلمّا تلاقى فَوْقه الموج طامياً ... نكصت وَلم تحتل لَهُ بمرام) (ألم تأت أهل الْحجر وَالْحجر أَهله ... بأنعم عيشٍ فِي بيُوت رُخَام) (وآدَم قد أخرجته وَهُوَ ساكنٌ ... وَزَوجته من خير دَار مقَام) (وَأَقْسَمت يَا إِبْلِيس أنّك ناصحٌ ... لَهُ وَلها إقسام غير أثام)) (وَكم من قُرُون قد أطاعوك أَصْبحُوا ... أَحَادِيث كَانُوا فِي ظلال غمام) (وَمَا أَنْت يَا إِبْلِيس بِالْمَرْءِ ابْتغِي ... رِضَاهُ وَلَا يقتادني بزمام) (سأجريك من سوءات مَا كنت سقتني ... إِلَيْهِ جروحاً فِيك ذَات كَلَام) (تعيّرها فِي النّار والنّار تلتقي ... عَلَيْك بزقّومٍ لَهَا وضرام) (وإنّ ابْن إِبْلِيس وإبليس ألبنا ... لَهُم بِعَذَاب النَّاس كلّ غُلَام) هما نفثا فِي فيّ من فمويهما ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَوله: ألم ترني عَاهَدت رَبِّي الْبَيْتَيْنِ هما من شَوَاهِد الْكَشَّاف وَمُغْنِي اللبيب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرحهما فِي محلّه. وَقَوله: وَإِن ابْن إِبْلِيس الخ ألبنا: سقيا اللَّبن يُرِيد أَن إِبْلِيس وَابْنه سقيا كلّ غُلَام من الشُّعَرَاء هجاء وكلاماً خبيثاً. ثمَّ إنّ الفرزدق سامحه الله وَغفر ذَنبه بعد هَذَا نقض تَوْبَته وَرجع إِلَى

стр. 1866

وَكَانَ السَّبَب فِي نقض التَّوْبَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح النقائض: أَن الفرزدق لما حجّ عَاهَدَ الله بَين الْبَاب وَالْمقَام أَن لَا يهجو أحداًِ أبدا. وَأَن يقيّد نَفسه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَلَمَّا قدم الْبَصْرَة قيّد نَفسه وَقَالَ: (ألم ترني عَاهَدت ربّي وإنّني ... لبين رتاجٍ قَائِما ومقام) الأبيات. ثمَّ إِن جَرِيرًا والبعيث هجواه وَبلغ نسَاء بني مجاشع فحش جرير بهنّ فأيتن الفرزدق وَهُوَ مُقَيّد فَقُلْنَ: قبح الله قيدك وَقد هتك جريرٌ عورات نِسَائِك فلحيت شَاعِر قوم فأغضبه ففك قَيده وَقَالَ وَهُوَ من قصيدة: الطَّوِيل (لعمري لَئِن قيّدت نَفسِي لطالما ... سعيت وأوضعت المطيّة فِي الْجَهْل) (ثَلَاثِينَ عَاما مَا أرى من عمايةٍ ... إِذا برقتْ أَن لَا أشدّ لَهَا رحلي) (أَتَتْنِي أَحَادِيث البعيث ودونه ... زرود فشامات الشّقيق من الرّمل) (فَقلت أظنّ ابْن الخبيثة أنني ... شغلت عَن الرّامي الكنانة بالنّبل) (فَإِن يَك قيدي كَانَ نذرا نذرته ... فَمَا بِي عَن أَحْسَاب قومِي من شغل) (أَنا الضّامن الرّأعي عَلَيْهِم وإنّما ... يدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي) قَوْله: أَوضعت المطيّة أَي: دفعتها فِي السّير. والعماية بِالْفَتْح: الْجَهْل وَالصبَا.

стр. 1867

يَقُول: إِنَّمَا أَرَادَ جريرٌ بِهِجَاء البعيث غَيره كَمَا صنع رامي الكنانة بصاحبها: وَذَلِكَ أَن رجلا) من بني فَزَارَة ورجلاً من بني أَسد كَانَا راميين فَالْتَقَيَا وَمَعَ الفزاريّ كنانةٌ وَمَعَ الأسديّ كنَانَة رثّةٌ فَقَالَ الأسديّ للفزاريّ: أَنا أرمى أَو أَنْت فَقَالَ الفزاريّ: أَنا أرمى مِنْك فَقَالَ لَهُ الأسديّ: فإنّي أنصبت كِنَانَتِي وتنصب كنانتك حتّى نرمي فيهمَا فنصب الأسديّ كِنَانَته فَجعل الفزاريّ يرميها فيقرطس حتّى أنفذ سهامه كلّها كلّ ذَلِك يُصِيبهَا وَلَا يخطئها فَلَمَّا رأى الأسديّ أنّ سِهَام الفزاريّ نفذت قَالَ: انصب لي كنانتك حتّى أرميها. فَرمى فسدّد السهْم نَحوه حتّى قَتله فَضَربهُ الفرزدق مثلا يَعْنِي أنّ جَرِيرًا يهجو البعيث وَهُوَ يعرّض بالفرزدق. وَقَوله: أَنا الضَّامِن الرَّاعِي عَلَيْهِم عَلَيْهِم الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة والبيانيّين وَرُوِيَ صَدره بِغَيْر هَذَا أَيْضا. وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل وَغَيره:

стр. 1868

الْكَامِل وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار هَذَا عجزٌ وصدره: قدرٌ حلّك ذَا الْمجَاز وَقد أرى على أنّ أبيّ عِنْد المبّرد مفردٌ ردّ لامه فِي الْإِضَافَة إِلَى الْيَاء كَمَا ردّت فِي الْإِضَافَة إِلَى غَيرهَا فَيكون أَصله أَبَوي قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِيهَا عملا بالقاعدة حَيْثُ اجْتمعَا وَكَانَ أوّلهما سَاكِنا وأبدلت الضمّة كسرة لئلاّ تعود الْوَاو. وَكَلَام المبّرد وَإِن كَانَ مُوَافقا للْقِيَاس إلاّ أنّه لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل قَاطع. قَالَ الزمخشريّ فِي المفصّل: وَقد أجَاز المبّرد أبي وأخيّ وَأنْشد: وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار وصحّة محمله على الْجمع فِي قَوْله: تدفع ذَلِك. يُرِيد أَن أبيّ جَاءَ على لفظ الْجمع وَلَا قرينَة مخلّصة لللإفراد فتعارض الاحتمالان فَحمل على لفظ الْجمع وَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ فِي محلّ الْخلاف فَيكون أَصله على هَذَا أبين حذفت) النُّون عِنْد الْإِضَافَة فأدغمت الْيَاء الَّتِي هِيَ يَاء الْجمع فِي يَاء المتكلّم. فوزن أبي فعي لَا فعلي. وعَلى هَذَا حمل ابْن جنّي وَغَيره قِرَاءَة من قَرَأَ: نعْبد إلهك وإله أَبِيك إِبْرَاهِيم وإسمعيل وَإِسْحَق ليَكُون فِي مُقَابلَة آبَائِك فِي الْقِرَاءَة الآخرى.

стр. 1869

قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ: وَمن زعم أَن قَول الشَّاعِر: وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار إنّما ردّ الْوَاو الَّتِي هِيَ لَام الغعل فِي الْإِضَافَة إِلَى الْيَاء كَمَا ردّه مَعَ الْكَاف وَالْهَاء فِي نَحْو أَبوك وَأَبوهُ فَلَيْسَ بمصيب وَذَلِكَ أنّ هَذَا الْموضع لّما كَانَ يلْزمه الإعلال بِالْقَلْبِ وَقد استمرّ فِيهِ الْقلب وأمضي ذَلِك فِيهِ فَلم يرد فِيهِ مَا كَانَ يلْزمه الإعلال وإنّ أبيّ مثل عشريّ. انْتهى. واحتجّ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ بِمثل هَذَا. وَقد عزا ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ الْعَاشِرَة إِلَى الْفراء مَا عزاهُ الزمخشريّ وَابْن الشّجريّ إِلَى المبّرد من كَون أبي مُفردا رد إِلَيْهِ لَام فعله. وَهَذِه عبارَة ثَعْلَب: الْفراء يَقُول: من أتمّ الْأَب فَقَالَ: هَذَا أَبوك أبيّ فَاعْلَم ثقيلٌ وَهُوَ الِاخْتِيَار. وَأنْشد: الوافر فَلَا وأبيّ لَا آتِيك حتّى ينسّى الواله الصّبّ الحنينا وَقَالَ: أنْشد الكسائيّ برنبويه قَرْيَة من قرى الْجَبَل قبل أَن يَمُوت:

стр. 1870

(قدرٌ أحلك ذَا النّجيل وَقد أرى ... وأبيّ مَالك ذُو النّجيل بدار) (إلاّ كداركم بِذِي بقر الْحمى ... هَيْهَات ذُو بقرٍ من المزدار) انْتهى. وَقَوله: قدرٌ مُبْتَدأ وَجُمْلَة أحلّك الخ خَبره. وَهُوَ كَقَوْلِهِم: شرٌّ أهرّ ذَا نَاب أَي: مَا أحلّك ذَا الْمجَاز إلاّ قدر. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي مسوّغات الِابْتِدَاء بالنكرة من الْبَاب الرَّابِع من الْمُغنِي على أنّ المسوّغ للابتداء بِهِ صفة محذوفة كَقَوْلِهِم: شرّ أهرّ ذَا نَاب أَي: قدرٌ لَا يغالب وشرّ أيّ شَرّ. والْقدر: قَضَاء الله وَحكمه. وأحلك بِمَعْنى أنزلك متعديّ حلّ بِالْمَكَانِ حلولاً: إِذا نزل وَهُوَ متعدّ إِلَى مفعولين أَولهمَا الْكَاف وَثَانِيهمَا ذَا الْمجَاز والهمزة للتصيير أَي: صيّرك حَالا بِذِي الْمجَاز.) وَعند الأزرقيّ من طَرِيق هِشَام بن الكلبيّ أنّها كَانَت لهذيل على فَرسَخ من عَرَفَة. وَوَقع فِي شرح الكرمانيّ أنّها كَانَت بمنى. وَلَيْسَ بِشَيْء لما رَوَاهُ الطّبرانيّ عَن مُجَاهِد. أَنهم كَانُوا لَا يبيعون وَلَا يبتاعون فِي الْجَاهِلِيَّة بِعَرَفَة وَلَا بمنى. انْتهى.

стр. 1871

والكرمانيّ فِي هَذَا تَابع لصَاحب الصِّحَاح فإنّه قَالَ فِيهِ: ذُو الْمجَاز مَوضِع بمنى كَانَ بِهِ سوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَتَبعهُ أَيْضا وذُو النجيل فِي رِوَايَة ثَعْلَب بضمّ النُّون وَفتح الْجِيم كَذَا رَأَيْته مضبوطاً فِي نشخة صَحِيحَة قديمَة من أَمَالِيهِ عَلَيْهَا خطوط الأئمّة. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ذُو الّجيل بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم: مَوضِع من أَعْرَاض الْمَدِينَة وينبع اه. وَرُوِيَ أَيْضا: ذُو النّجيل بِضَم النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ مناسبٌ أَيْضا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: هُوَ عين قرب الْمَدِينَة وَأُخْرَى قرب مكّة وَمَوْضِع دوين حضوموت. وكلا هذَيْن اللَّفْظَيْنِ غير مَوْجُود فِي مُعْجم مَا استعجم للبكريّ. وَقَوله: وَقد أرى قد للتحقيق وأرى بِمَعْنى أعلم معلّق عَن الْعَمَل بِمَا النافية وَالْجُمْلَة بعْدهَا سادّة مسدٌ المفعولين. وَقَوله: وأبيّ الْوَاو للقسم وَجُمْلَة الْقسم مُعْتَرضَة بَين أرى وحرّفه بَعضهم فَرَوَاهُ: وَلَا أرى بِلَا النافية مَوضِع قد وَزعم أنّ الْجُمْلَة المنفيّة جَوَاب الْقسم وأنّ مفعولي أرى محذوفان تَقْدِيره: لَا أَرَاك أَهلا لذِي الْمجَاز. وَقيل: لَا دعائيّة. هَذَا كَلَامه. وَلم يرو هَذِه الرِّوَايَة أحدٌ وَالثَّابِت فِي رِوَايَة ثَعْلَب وَغَيره من شُرُوح المفصّل هُوَ مَا قدّمناه وَلَيْسَ الْمَعْنى أَيْضا على مَا أعربه فتأمّل. وَقَالَ بَعضهم: ارى بالمبنيّ للْمَفْعُول بِمَعْنى أظنّ وبكسر الْكَاف من أحلك ولَك وَكِلَاهُمَا لَا أصل لَهُ.

стр. 1872

وَقَوله: مَا لَك ذُو الْمجَاز الخ وَذُو الْمجَاز: فَاعل لَك لاعتماده على النَّفْي أَو هُوَ مُبْتَدأ وَلَك خَبره وَعَلَيْهِمَا فَقَوله بدار حالٌ صَاحبهَا ذُو الْمجَاز على الأوّل وضميره الْمُسْتَتر فِي لَك على الثَّانِي أَو قَوْله بدار خبر الْمُبْتَدَأ وَلَك كَانَ فِي الأَصْل صفة لدار فلمّا قدّم صَار حَالا. خَاطب نَفسه وَقَالَ: قدر الله وقضاؤه أحلّك هَذَا الْموضع وَقد أعلم أنّه لَيْسَ لَك هَذَا الْموضع بمنزلٍ تقيم) فِيهِ بل ترتحل عَنهُ وَأقسم على ذَلِك بِأبي. وَقَوله: إلاّ كداركم صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: إلاّ دَار كداركم أَو الْكَاف زَائِدَة. وذُو بقر بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْقَاف قريةٌ فِي ديار بني أَسد وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ: هُوَ قاعٌ يقري المَاء وَقَالَ يَعْقُوب: هُوَ وادٍ فَوق الرّبدة انْتهى. وَالْمرَاد هُوَ الْأَخير بِدَلِيل إِضَافَته إِلَى الْحمى فإنّ الرّبذة كَانَت حمى خَارج الْمَدِينَة المنّورة. قَالَ أَبُو عبيد: الرّبذة بِفَتْح أوّله والموحّدة وبالذال الْمُعْجَمَة هِيَ الَّتِي جعلهَا عمر حمى لإبل الصَّدَقَة وَكَانَ حماه الَّذِي أحماه بريداً فِي بريد ثمَّ زَادَت الْوُلَاة فِي الْحمى أضعافاً ثمَّ أبيحت الأحماء فِي أيّام المهديّ العباسيّ فَلم يحمها أحدٌ بعد ذَلِك. إِلَى أَن قَالَ: ثمّ الْجبَال الَّتِي تلِي القهب عَن يَمِين المصعد إِلَى مكّة جبلٌ أسود يدعى أسود الْبرم بَينه وَبَين الرّبذة عشرُون ميلًا وَهُوَ فِي أَرض

стр. 1873

بني سليم وَأقرب الْمِيَاه من أسود الْبرم حفائر حفرهَا المهديّ على ميلين مِنْهُ تدعى ذَا بقر وَقد ذكرهَا مؤرخ السّلميّ فَقَالَ: قدرٌ أحلّك ذَا النّجيل وَقد أرى ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ وأنشدهما على رِوَايَة ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ. والمزدار: اسْم فَاعل من ازدار: افتعل من الزِّيَارَة. وَأَرَادَ الشَّاعِر بِهِ نَفسه استبعد أَن يزور أرضه. وروى أَبُو عبيد فِي المعجم الزّوّار جمع زائر. وَقَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مؤرخ السّلميّ كَمَا قَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم وَهُوَ شاعرٌ إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة: ومؤرج بِضَم الْمِيم وَفتح الْهمزَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وَآخره جِيم وَهُوَ اسْم فَاعل من أرّجت بَين الْقَوْم تأريجاً: إِذا هيّجت الشرّ بَينهم. والسّلميّ بِضَم السِّين وَفتح اللَّام نِسْبَة إِلَى سليم بن منصوزر مصغّراً وَهُوَ أَبُو قَبيلَة. تَتِمَّة قَالَ ابْن حجر فِي شرح البخاريّ: أسواق الْعَرَب فِي الجاهليّة أَرْبَعَة: ذُو الْمجَاز وعطاظ ومجنّة وحباشة. أما ذُو الْمجَاز فقد تقدّم نَقله عَنهُ. وأمّا عكاظ بِضَم أَوله فَعَن ابْن إِسْحَاق: أنّها فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف إِلَى بلد يُقَال لَهَا الفتق) بضمّ الْفَاء والمثنّاة بعْدهَا قَاف. وَعَن ابْن الكلبيّ: كَانَت بِأَسْفَل مكّة على بريدٍ مِنْهَا غربيّ الْبَيْضَاء وَكَانَت لكنانة.

стр. 1874

وَأما حُبَاشَة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الموحّدة وَبعد الألفشين مُعْجمَة فَكَانَت فِي ديار بارق نَحْو قنونا بِفَتْح الْقَاف وبضمّ النُّون الْخَفِيفَة وَبعد النُّون ألف مَقْصُورَة من مكّة إِلَى جِهَة الْيمن على ستّ مراحل. وَقد ذكر فِي الحَدِيث الثَّلَاث الأول وإنّما لم تذكر حُبَاشَة فِي الحَدِيث لأنّها لم تكن من مواسم الحجّ. وإنّما كَانَت تُقَام فِي شهر رَجَب. قَالَ الفاكهيّ: وَلم تزل هَذِه الْأَسْوَاق قَائِمَة فِي الْإِسْلَام إِلَى أَن كَانَ أول مَا ترك مِنْهَا سوق عكاظ فِي زمن الْخَوَارِج سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَآخر مَا ترك مِنْهَا سوق حُبَاشَة فِي زمن دَاوُد بن عِيسَى بن وسى العبّاسيّ فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ أسْند عَن ابْن الكلبيّ: أنّ كلّ شريفٍ إنّما كَانَ يحضر سوق بَلْدَة إلاّ سوق عكاظ فإنّهم كَانُوا ينتوافون بهَا من كلّ جِهَة فَكَانَت أعظم تِلْكَ الْأَسْوَاق. وَقد ذكرهَا فِي أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث ابْن عبّاس ﵄: انْطلق النّبيّ ﷺ فِي طائفةٍ من أَصْحَابه عَامِدين إِلَى سوق عكاظ الحَدِيث فِي قصّة الجنّ. وروى الزّبير بن بكّار فِي كتاب النّسَب أَنَّهَا كَانَت تُقَام صبح هلتال ذِي الْقعدَة إِلَى أَن تمْضِي عشرُون يَوْمًا. قَالَ: ثمَّ تقوم سوق مجنّة عشرَة أَيَّام إِلَى هِلَال ذِي الحجّة ثمَّ تقوم سوق ذِي الْمجَاز ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ يتوجهون إِلَى منى بِالْحَجِّ. وَفِي حَدِيث جَابر: أنّ النّبيّ ﷺ لبث عشر سِنِين يتبع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوْسِم بمجنّة وعكاظ يبلّغ رسالات ربه. انْتهى مَا أوردهُ ابْن حجر. وَفِيه: أنّ أسواق أَكثر من الْعَرَب أَكثر من هَذَا جمعهَا صَاحب قبائل الْعَرَب قَالَ: دومة الجندل كَانَت تقوم أوّل يَوْم من ربيع الأول إِلَى النّصْف مِنْهُ وَكَانَت الْمُبَايعَة فِي إِلْقَاء الْحِجَارَة على السّلعة فَمن أَعْجَبته ألْقى حجرا فَتركت لَهُ. والمشّقر تقوم من أوّل يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ بيعهم بالملامسة والإيماء والهمهمة خوف الْحلف وَالْكذب. ثمَّ صحار بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة تقوم لعشر يمضين من رَجَب خَمْسَة أَيَّام ثمَّ الشّحر بِالْكَسْرِ يقوم فِي النّصْف من شعْبَان وَكَانَ بيعهم فِيهِ بِالْحِجَارَةِ أَيْضا. ثمَّ صنعاء فِي النّصْف من شهر ومضان إِلَى آخِره.) ثمَّ سوق حَضرمَوْت فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة. ثمَّ عكاظ فِي هَذَا الْيَوْم بِأَعْلَى نجد قريب من عَرَفَات. وعكاظ من أعظم أسواق الْعَرَب وَكَانَ يَأْتِيهَا قريشٌ بِأَعْلَى نجد قريب من عَرَفَات. وعكاظ من اعظم أسواق الْعَرَب وَكَانَ يَأْتِيهَا قريشٌ وهوازن وغَطَفَان وسليم الْأَحَابِيش وَعقيل والمصطلق وَطَوَائِف من الْعَرَب إِلَى آخر ذِي الْقعدَة فَإِذا أهلّ ذُو الحجّة أَتَوا ذَا الْمجَاز وَهُوَ قريب من عكاظ فتقوم سوقه إِلَى التَّرويَة ثمَّ يصيرون إِلَى منى وَتقوم سوق نطاة بِخَيْبَر وسوق حجر بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم يَوْم عَاشُورَاء إِلَى آخر الْمحرم. هَذَا مَا أوردهُ صَاحب قبائل الْعَرَب.

стр. 1875

وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: المتقارب (فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا) على أَن الْأَب يجمع على الأبين عِلّة حدّ جمع الْمُذكر السَّالِم كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.

стр. 1876

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته يَعْنِي الْخَلِيل عَن أَب فَقَالَ: إِن ألحقت فِيهِ النُّون وَالزِّيَادَة الَّتِي قبلهَا قلت أبون وَكَذَلِكَ أَخ تَقول أخون لَا تغيّر الْبناء إلاّ أَن تحدث اللعرب شَيْئا كَمَا يَقُولُونَ دمون وَلَا تغيّر بِنَاء الْأَب عَن حَال الحرفين لأنّه بني عَلَيْهِ إلاّ أَن تحدث الْعَرَب شَيْئا كَمَا بنوه على غير بِنَاء الحرفين. وَقَالَ الشَّاعِر: فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... ... ... الْبَيْت أنشدناه من نثق بِهِ وَزعم أَنه جاهليّ. وَإِن شِئْت كسّرت فَقلت: آبَاء وآخاء. انْتهى نصّ سِيبَوَيْهٍ. وَأورد ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب بعد هَذَا الْبَيْت عِنْد قِرَاءَة ابْن عبّا وَالْحسن: وإِلَه أَبِيك على (ألم تَرَ أنّي بعد همّ هممته ... لفرقة حرّ من أبين كرام) وَقَول آخر: فَهُوَ يفدّى بالأبين وَالْخَال قَالَ الأعلم: جمع أَب جمع صسلامة غريبٌ إِذْ حقّه للأعلام وَالصِّفَات الْجَارِيَة على فعلهَا كمسلمين.)

стр. 1877

وَقَوله: تبّينّ بِمَعْنى تعرّفن وَبِه رُوِيَ أَيْضا. أَي: لّما عرفن اصواتنا معرفَة بيّنه ووزنه تفعّلن. أدغمت النُّون الْأَصْلِيَّة فِي نون جمَاعَة النِّسَاء. وَقَوله: فدّيننا الخ أَي قُلْنَ: جعل الله آبَاءَنَا فدَاء لكم. قَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَتَبعهُ من بعده من شرّاح الشواهد: الْبَيْت لزياد بن وَاصل. لّما عرفن أَصْوَاتهم ركبن إِلَيْهِم حتّى يستنقدوهنّ وفدّينهنّ بآبائهنّ. ويروى: فلمّا تبيّنّ أشباحنا جمع شبح. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ الغندجانيّ فِي فرحة الأديب: كذب ابْن السيرافيّ فِي تَفْسِير هَذَا وإنّما معنى الْبَيْت أنّ زياداً افتخر فِي أبياتٍ بآباء قومه وبأمهاتهم من بني عَامر وأنّهم قد أبلوا فِي حروبهم ومعاونتهم فَلَمَّا عَادوا إِلَى حللهم وَعند نِسَائِهِم وعرفن أَصْوَاتهم فدّينهم لأجل أنّهم أبلوا فِي الحروب. والأبيات تدلّ على صحّة هَذَا الْمَعْنى. وأولها وَهِي لزياد بن وَاصل السّلميّ: (هزتنا نسَاء بني عامرٍ ... فسمنا الرّجال هواناً مُبينًا) (وَنحن بنوهنّ يَوْم الصّفا ... ق إِذْ نقبل الْقَوْم وعثاً حزوناً) (بضربٍ كولغ ذُكُور الذّئا ... ب تسمع للهام فِيهِ رنينا)

стр. 1878

(ورميٍ على كلّ عزّافةٍ ... تردّ الشّمال وَتُعْطِي اليمينا) (وكنّا مَعَ الْخَيل حتّى اسْتَوَت ... شباب الرّجال وسرّوا العيونا) (لمّا تبيّنّ أصواتنا ... رئمن وفدّيننا بالأبينا) انْتهى مَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد. ورئمن بِمَعْنى عطفن وحننّ من الحنين وَمَعْنَاهُ على رِوَايَة بكين أنّهنّ بكين فَرحا بسلامتهم وفدّينهم بآبائهنّ إشفاقاً عَلَيْهِم. وقولهه: عزتنا من عزوته إِلَى أَبِيه: إِذا نسبته إِلَيْهِ. أَرَادَ: نسبت نسَاء بني عَامر إِلَيْنَا وقلن نَحن مِنْكُم. وَقَوله: بِضَرْب الخ وَهُوَ متعلّق بسمنا يُقَال: ولغَ فِي الْإِنَاء ولغاً وولوغاً إِذا شرب مَا فِيهِ بأطراف لِسَانه. وَقَوله: تسمع صفة ضرب والهامة الرَّأْس وَضمير فِيهِ للضرب.) وَقَوله: وَرمي الخ هُوَ بالجرّ عطف على ضربٍ. والشّجاع الجهير الصَّوْت وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة من العزف بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَهُوَ الصّوت. أَي: ورميٍ على كلّ شُجَاع صيّت يردّ الضَّرْب عَن شِمَاله وَيُعْطِيه عَن يَمِينه.

стр. 1879

وزِيَاد بن وَاصل من شعراء بني سليم وَهُوَ جاهليّ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة) الوافر (وَكنت لَهُ كشرّ بني الأخينا) على أَن أَخا يجمع على أخين جمع مُذَكّر سَالم كَمَا يجمع أَب على أبين. وَهَذَا عجر وصدره: وَكَانَ لنا فَزَارَة عمّ سوءٍ وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ أَبُو زيد مُفردا فِي نوادره وَنسبه إِلَى عقيل بن علّفة المرّيّ وَقَالَ: أَرَادَ الْإِخْوَة. قَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: وَأما قَول الآخر وَهُوَ من أَبْيَات الْكتاب: الوافر (فَقُلْنَا أَسْلمُوا إنّا أخوكم ... فقد بَرِئت من الإحن الصّدور)

стр. 1880

فَقيل: إِنَّه وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع وَقيل: إنّه جمع أَخ كجمع أَب على أبين وَحذف النُّون من أخون للإضافة. وَمن قَالَ الأبون والأخون قَالَ فِي التَّثْنِيَة الأبان والأخان فَلم يردّ اللَّام فِي التَّثْنِيَة أَقُول هَذَا الْبَيْت لَيْسَ من شَوَاهِد الْكتاب وَأورد الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين مَا قبل الْبَين الشَّاهِد قَالَ: وَقَالَ الآخر فِي إنجاب الأمّهات وَهُوَ يُخَاطب بني إخْوَته: الوافر (عفاريتاً عليّ وَأخذ مَالِي ... وعجزاً عَن أناسٍ آخرينا) (فهلاّ غير عمّكم ظلمتم ... إِذا مَا كُنْتُم متظلّمينا) (وَلَو كُنْتُم لمكسيةٍ أكاست ... وكيس الأمّ كيس للبنينا) (وَلَكِن أمّكم حمقت فجئتم ... غثاثاً مَا نرى فِيكُم سمينا) (وَكَانَ لنا فَزَارَة عمّ سوءٍ ... وَكنت لَهُ كشرّ بني الأخينا) وَقَوله: متظلّمينا فِي الصِّحَاح: تظلّمني فلَان أَي: ظَلَمَنِي مَالِي. وَقَوله: وَلَو كُنْتُم لمكسية الخ) هُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكسر التحتيّة هِيَ المراة الَّتِي تَلد أَوْلَادًا أكياساً. وأكاست الْمَرْأَة: ولدت ولدا كيّساً. قَالَ اصاحب الصِّحَاح: الْكيس: خلاف الْحمق وَالرجل كيّس مكّيس باسم الْمَفْعُول أَي: ظريف والكيسى بِالْكَسْرِ: نعت الْمَرْأَة الكيّسة وَهُوَ تَأْنِيث الأكيس وَكَذَلِكَ الكوسى بِالضَّمِّ وَقد كاس الْوَلَد يكيس كيساً. وأكيس

стр. 1881

الرجل وأكاس إِذا ولد لَهُ أَوْلَاد أكياس وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا بعده. وروى المصراع الثَّانِي هَكَذَا: وَكَذَا أنشدهما الصاغانيّ فِي الْعباب وَنسبه إِلَى رَافع بن هريم. وَقد رجعت إِلَى ديوَان رَافع بن هريم فَلم أجد إِلَّا الْبَيْتَيْنِ الأوّلين وهما: عفاريت عليّ وَأخذ مَالِي ... ... ... . . الْبَيْت وَالْبَيْت الَّذِي بعده. وَلَيْسَ فه البيتان اللَّذَان أوردهما صَاحب الصِّحَاح والعباب منسوبين إِلَيْهِ. وَقَوله: ولكنّ أمّكم حمقت بِضَم الْمِيم أَي: صَارَت حمقاء. والغثاث: بِكَسْر الْمُعْجَمَة بعْدهَا مثلّثة: جمع عثيث بِمَعْنى المهزول ككرام جمع كريم. وفَزَارَة بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: أَبُو حيّ من غطفان هُوَ فَزَارَة ابْن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. والسّوء بِالْفَتْح هُوَ المؤذي. فِي الْمِصْبَاح وَغَيره: هُوَ رجل سوء بِالْفَتْح وَالْإِضَافَة وَعمل سوء فَإِن عرّفت الأول قلت: الرجل السّوء وَالْعَمَل السّوء على النَّعْت. وَقَوله: وَكنت لَهُ الخ فِي أَكثر نسخ الشَّرْح وَكنت لَهُم بضمير الْجمع وَهُوَ خطأ وَالصَّوَاب الْإِفْرَاد وَهُوَ بالتكلّم لَا بِالْخِطَابِ. وإنّما قَالَ: كشرّ بِالْكَاف لَا بِدُونِهَا لِأَنَّهُ اراد مثل أشرّ بني إخوةٍ فِي الدُّنْيَا وَلم يرد أَنه مثل أشرّ بني إخْوَة فَزَارَة. وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْبَيْت وَحده لعقيل بن علّفة وَهُوَ غير مُرْتَبِط بالأبيات الَّتِي أوردهَا الجاحظ قبله. وَتلك الأبيات البيتان الأوّلان مِنْهَا رأيتهما فِي ديوَان رَافع بن هريم من رِوَايَة أبي عَمْرو.

стр. 1882

ورَافع هُوَ رَافع بن هريم بن عبد الله بن الْحَارِث بن عَاصِم بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع. قَالَ أَبُو زيد فِي نموادره: هُوَ شَاعِر قديم أدْرك الْإِسْلَام وَأسلم وديوانه صَغِير وَهُوَ عِنْدِي وَعَلِيهِ خطّ أبي العبّاس ثَعْلَب إِمَام الكوفيّين وخطّ الْحسن بن الخشّاب الْبَغْدَادِيّ وَلَيْسَ فِيهِ من شَوَاهِد هَذَا الشَّرْح شَيْء. وهريم بِضَم الْهَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة. وَأما عقيل بن علّفة فَهُوَ شَاعِر فصيح مجيد من شعراء الدولة الأمويّة. وَعقيل بِفَتْح الْعين) وَكسر الْقَاف. وعلّفة بضمّ الْعين الْمُهْملَة وتشديج اللَّام الْمَفْتُوحَة بعْدهَا فَاء وَهُوَ علم مَنْقُول من وَاحِد العلّف وَهُوَ ثَمَر الطلّح. وَهُوَ عقيل بن علّفة بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ضباب بن جَابر بن يَرْبُوع بن غيظ ابْن مرّة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر. وأمّه عمْرَة بنت الْحَارِث بن عَوْف المرّيّ. وأمّها بنت بدر بن حصن بن حُذَيْفَة. قَالَ صَاحب الأغاني كَانَ عقيلٌ هَذَا جَافيا أهوج شَدِيد الْغيرَة والعجرفيّة وَهُوَ فِي بَيت شرفٍ فِي قومه من كلا طَرفَيْهِ. وَكَانَ لَا يرى أنّ لَهُ كفئاً وَكَانَت قُرَيْش ترغب فِي مصاهرته وتزوّج إِلَيْهِ من خلفائها وأشرافها

стр. 1883

وخطب إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان بعض بَنَاته لبَعض وَلَده فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ قَالَ: إِن كَانَ وَلَا بدّ فجنبني هجناءك فَضَحِك عبد الْملك وَعجب من كبر وَدخل عُثْمَان بن حيّان وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: زوّجني بعض بناتك. فَقَالَ: أبكرةً من إبلي تَعْنِي فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: أمجنونٌ أَنْت قَالَ: أيّ شيءٍ قلت لي قَالَ: قلت لَك: زوّجني ابْنَتك. فَقَالَ: إِن كنت تُرِيدُ بكررةً من إبلي فَنعم. فَأمر بِهِ فوجئت عُنُقه فَخرج وَهُوَ يَقُول: الطَّوِيل (لحا الله دهراً ذعذع المَال كلّه ... وسوّد أَبنَاء الْإِمَاء العوارك) وَكَانَ لَهُ جَار جهنيّ وَقيل سلامانيّ فَخَطب إِلَيْهِ ابْنَته فَغَضب عقيل وَأَخذه فكتّفه ودهن اسنه بشحم أَو زَيْت وَأَدْنَاهُ من قَرْيَة النَّمْل فَأكل خصيتيه حَتَّى ورم جسده ثمَّ حلّه وَقَالَ: يخْطب إليّ عبد الْملك فأردّه وتجترئ أَنْت عليّ فتخطب ابْنَتي وروى أنّ عمر بن عبد الْعَزِيز عَاتب رجلا من قُرَيْش أمّه أُخْت عقيل بن علّفة فَقَالَ لَهُ: قبحك الله لقد أشبهت خَالك فِي الْجفَاء فبلغت عقيلاً فَرَحل من الْبَادِيَة حتّى دخل على عمر فَقَالَ لَهُ: أما وجدت لِابْنِ عمّك شَيْئا تعيّره بِهِ إلاّ خؤولتي قبح الله شرّكما خالا فَقَالَ عمر: إِنَّك لأعرابيّ جافٍ أما لَو كنت تقدّمت إِلَيْك لأدّبتك وَالله مَا أَرَاك تقْرَأ شَيْئا من كتاب الله. فَقَالَ: بلَى إِنِّي لأقرأ. ثمَّ قَرَأَ: إِنَّا بعثنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ لَهُ عمر: ألم أقل إنّك لَا تقْرَأ فَقَالَ: ألم اقْرَأ فَقَالَ: إِن الله قَالَ: إِنَّا أرسلنَا نوحًا. فَقَالَ عقيل:

стр. 1884

الطَّوِيل فَجعل الْقَوْم يَضْحَكُونَ من عجرفته ويعجبون. وَرُوِيَ أنّه قَرَأَ إِذا زلزلت الأَرْض حتّى بلغ آخرهَا فقدّم وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرّاً يره) على: فَمن يعْمل مِثْقَال ذرّة خيراُ يره فَقَالَ لَهُ عمر: إنّ الله تَعَالَى قدّم الْخَيْر وَأَنت قدّمت الشرّ فَأَنْشد الْبَيْت. وَأوردهُ صَاحب الكشّاف فِي إِذا زلزلت لهَذِهِ الْحِكَايَة. وهرشى بِالْفَتْح وَالْقصر: ثنيّة فِي طَرِيق مكّة حرسهاالله قريبَة من الْجحْفَة يرى مِنْهَا الْبَحْر. وَهَذَا مثلٌ فِي التَّخْيِير. لاهرشى طَرِيقَانِ من سلك أيّهما شَاءَ أصَاب. وَضمير لهنّ لِلْإِبِلِ. وَالْمعْنَى يَا صاحبيّ سيرا فِي بطن هَذِه الثنيّة أَو قفاها أَي: أمامها أَو خلفهَا فإنّ كلا جانيها طريقٌ لِلْإِبِلِ. كَأَنَّهُ ظنّ أَن التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي هَذَا الْمقَام لَا يضرّ وَهُوَ غفلّةٌ عَن المزايا القرآنية. وَقدم عقيلٌ الْمَدِينَة فَدخل الْمَسْجِد وَعَلِيهِ خفّان غليظان فَجعل يضْرب بِرجلِهِ فضحكوا مِنْهُ فَقَالَ: مَا يُضْحِككُمْ فَقَالَ لَهُ يحيى بن الحكم وَكَانَت ابْنة عقيل عِنْده وَكَانَ أَمِيرا على الْمَدِينَة إِنَّهُم يَضْحَكُونَ من خفيّك وضربك بِرِجْلَيْك وجفائك. فَقَالَ: لَا ولكنّهم يَضْحَكُونَ من إمارتك فإنّها أعجب من خفيّ.

стр. 1885

وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: السَّرِيع (رحت وَفِي رجليك مَا فيهمَا ... وَقد بدا هنك من المئزر) على ان تسكين هن فِي الْإِضَافَة للضَّرُورَة وَلَيْسَ بلغَة. وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الإشباع فِي الجرّ وَالرَّفْع وَغير الإشباع قَالَ: وَقد يجوز أَن يسكنوا الْحَرْف الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع فِي الشّعْر شبّهوا ذَلِك بِكَسْر فَخذ حَيْثُ حذفوا فَقَالُوا فَخذ وبضمّة عضدٍ حَيْثُ حذفوا فَقَالُوا: عضد لأنّ الرّفْعَة ضمة والجرة كسرة ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت. وَمثله فِي الضَّرُورَة قَول جرير: الْبَسِيط (سِيرُوا بني العمّ فالأهوار منزلكم ... ونهر تيرى وَلَا تعرفكم الْعَرَب) وَمن أَبْيَات الْكتاب أَيْضا: السَّرِيع (فاليوم اشرب غير مستحقبٍ ... إِثْمًا من الله وَلَا واغل) قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب: وَأما اعْتِرَاض أبي الْعَبَّاس الْمبرد هُنَا على الْكتاب فإنّما هُوَ على وَقَول أبي الْعَبَّاس: إنّما الرِّوَايَة فاليوم فَاشْرَبْ فَكَأَنَّهُ قَالَ لسيبويه: كذبت على الْعَرَب وَلم تسمع) مَا حكيته

стр. 1886

عَنْهُم. وَإِذا بلغ الْأَمر هَذَا الحدّ من السَّرف فقد سَقَطت كلفة القَوْل مَعَه وَكَذَلِكَ إِنْكَاره عَلَيْهِ أَيْضا قَول الشَّاعِر: وَقد بدا هنك من المئزر فَقَالَ: أَنما الرِّوَايَة: وَقد بدا ذَاك من المئزر وَمَا أطيب الْعَرُوس لَوْلَا النّفقة. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت ثَالِث أبياتٍ للأقيشر الْأَسدي. وَقَالَ صَاحب الأغاني وَغَيره: سكر الأقيشر يَوْمًا فَسقط فبدت عَوْرَته وَامْرَأَته تنظر إِلَيْهِ فَضَحكت مِنْهُ وَأَقْبَلت عَلَيْهِ تلومه وَتقول لَهُ: أما تَسْتَحي يَا شيخ من أَن تبلغ بِنَفْسِك هَذِه الْحَالة فَرفع رَأسه إِلَيْهَا وَأَنْشَأَ يَقُول: السَّرِيع (تَقول: يَا شيخ أما تَسْتَحي ... من شربك الْخمر على المكبر) (فَقلت: لَو باكرت مشمولةً ... صبها كلون الْفرس الْأَشْقَر) (رحت وف يرجليك عقّالةٌ ... وَقد بدا هنك من المئزر) انْتهى. وَقَالَ بعض من كتب على شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: مرّ سَكرَان بسكّة بني فَزَارَة فَجَلَسَ يريق المَاء ومرّ بِهِ نسوةٌ فَقَالَت امْرَأَة منهنّ: هَذَا نشوان قَلِيل الْحيَاء أما تَسْتَحي يَا شيخ من شربك الْخمر فَقَالَ ذَلِك. وَقَالَ ابْن الشّجريّ فِي أَمَالِيهِ: مرّ الفرزدق بامرأةٍ وَهُوَ سَكرَان يتواقع فسخرت مِنْهُ فَقَالَ هَذِه الأبيات. انْتهى وَالصَّوَاب الأول. وَقَوله: أما تَسْتَحي هُوَ شاهدٌ على أنّه يُقَال اسْتَحى أَن يضْرب

стр. 1887

مثلا بياء وَاحِدَة وَرويت عَن ابْن كثير أَيْضا وَهِي لُغَة تَمِيم. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد: وَالْأَصْل بياءين فنقلت حَرَكَة الْعين إِلَى الْفَاء فَالتقى ساكنان: فَقيل حذفت اللَّام فالوزن يستفع وَقيل حذفت الْعين فالوزن يستفل. وَرُوِيَ بدل الْخمر الراح وَهِي بمعناها. وَقَوله: على المكبر بِفَتْح الْمِيم وَكسر الموحّدة مصدر كبر يكبر من بَاب علم أَي: أسنّ والمصدر الْكبر بِكَسْر فَفتح والمكبر أَيْضا. قَالَ صِحَاح الصِّحَاح: يُقَال علاهُ المكبر بِكَسْر الْيَاء وَالِاسْم الكبرة بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء) أَي: السن. وباكرت بِمَعْنى سارعت فِي البكرة. والمشمولة: الْخمر الْبَارِدَة تالطعم وَالْأَصْل فِي المشمولة الَّتِي ضربتها ريح الشمَال حتّى بردت يُقَال: غَدِير مشمول وَنَحْوه. وَيُقَال للخمر شُمُول أَيْضا لِأَنَّهَا تشْتَمل على عقل صَاحبهَا وَقيل لأنّ لَهَا عصفة كعصفة الرّيح الشمَال. والصّهبة: الشّقرة وَسميت الْخمر الصّبهاء للونها وَهِي ممدودوة وَقد قصرهَا للضَّرُورَة وَفِيه ردّ على الفرّاء إِذْ زعم أَنه لَا يقصر للضَّرُورَة إلاّ مَا مأخذه السماع وَلَا يجوز قصر الْمَمْدُود القياسي. وَقَوله: وَفِي رجليك مَا فيهمَا يُرِيد أَن فيهمَا اضطراباً واختلافاً. ورويّ: وَفِي رجليك عقالة وَهُوَ بضمّ الْعين وَتَشْديد الْقَاف: ظلع يَأْخُذ

стр. 1888

فِي القوائم. وبدا بِمَعْنى ظهر. والهن: كِنَايَة عَن كلّ مَا يقبح ذكره وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الْفرج. والمئزر هُوَ الْإِزَار كَقَوْلِهِم ملحف ولحاف. والأقشير: مصغر أقشر قَالَ صَاحب الصِّحَاح: رجل أقشر بيّن القشر بِالتَّحْرِيكِ أَي: شَدِيد الْحمرَة. قَالَ صَاحب الأغاني: الأقشير لقبٌ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَحْمَر الْوَجْه أقشر. واسْمه الْمُغيرَة بن عبد الله بن معرض بن عَمْرو بن أَسد بن خُزَيْمَة ويكنى أَبَا معرض بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْخَفِيفَة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: اسْمه الْمُغيرَة بن الْأسود بن وهب أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة. قَالَ صَاحب الأغاني: وعمّر الأقيشر عمرا طَويلا. ولد فِي الجاهليّة وَكَانَ كوفيّاً خليعاً مَاجِنًا (يَا أيّها المبتغي حشّاً لِحَاجَتِهِ ... وَجه الأقيشر حشّ غير مَمْنُوع)

стр. 1889

والحشّ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة: بَيت الْخَلَاء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ أقيشر فمرّ يَوْمًا بِقوم بني عبس فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا أقيشر فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ: الوافر (أتدعوني الأقيشر ذَاك اسْمِي ... وأدعوك ابْن مطفئة السراج) (تنادي خدنها بِاللَّيْلِ سرّاً ... وربّ النَّاس يعلم مَا تناجي) فسمّي الرّجل ابْن مطفئة السرّاج وَولده ينسبون إِلَى ذَلِك إِلَى الْيَوْم. قَالَ صَاحب الأغاني: وَله حكاياتٌ فِي شرب الْخمر والافتراء على الخمّارين وَلم يسلم من هجوه أحد.) وَقد أطنب صَاحب الأغاني فِي قبائحه: مِنْهَا أَنه كَانَ لَهُ ابْن عمّ مُوسر فَكَانَ يسْأَله فيعطيه حتّى كثر ذَلِك عَلَيْهِ فَمَنعه فَقَالَ: إِلَى كم أُعْطِيك وَأَنت تنفقه فِي شرب الْخمر لَا وَالله لَا أُعْطِيك شَيْئا فَتَركه حتّى اجْتمع قومه فِي ناديهم وَهُوَ فيهم ثمَّ جَاءَ فَوقف عَلَيْهِم ثمَّ شكاه إِلَيْهِم وذمّه فَوَثَبَ إِلَيْهِ ابْن عمّه فَلَطَمَهُ فَأَنْشَأَ يَقُول: الطَّوِيل (سريعٌ إِلَى ابْن العمّ يلطم وَجهه ... وَلَيْسَ إِلَى دَاعِي النّدى بسريع) وَالْبَيْت الأول أوردهُ صَاحب تَلْخِيص الْمِفْتَاح شَاهدا لردّ الْعَجز على الصَّدْر.

стр. 1890

وَمِنْهَا أنّه كَانَ عنّيناً لَا يَأْتِي النِّسَاء وَكَانَ يصف ضدّ ذَلِك من نَفسه فَجَلَسَ إِلَيْهِ يَوْمًا رجلٌ من قيس فأنشده الأقيشر: الْكَامِل (وَلَقَد أروح بمشرفٍ ذِي ميعةٍ ... عسر المكرّة مَاؤُهُ يتفصّد) (مرحٍ يطير من المرح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدّد) ثمَّ قَالَ للرجل: أتعرف الشّعْر قَالَ: نعم. قَالَ: مَا وصفت قَالَ: فرسا. قَالَ: أفكنت لَو رَأَيْته ركبته قَالَ: إِي وَالله وأمال عطفه فكشف الأقيشر عَن أيره وَقَالَ: هَذَا وصفت فَقُمْ واركبه. فَوَثَبَ الرجل عَن مَجْلِسه وَهُوَ يَقُول: قبحك الله من جليس وَذكره ابْن حجر فِي قسم المخضرمين من الْإِصَابَة وَأورد لَهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. وَمِنْهَا: أنّ عمّه الأقيشر قَالَت لَهُ يَوْمًا: اتَّقِ الله وقم فصلّ فَقَالَ: لَا أصلّي فَأَكْثَرت عَلَيْهِ فَقَالَ: قد أبرمتني فاختاري خصْلَة من خَصْلَتَيْنِ. إِمَّا أَن أصليّ وَلَا أتطهّر أَو أتطّهر وَلَا أصلّي قَالَت: قبحك الله فَإِن لم يكن غير هَذَا فصلّ بِلَا وضوء. فصلى بِلَا وضوء. وَمِنْهَا أَنه أَتَى إِلَى قيس بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث وَكَانَ ضريراً وناسكاً

стр. 1891

فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثلثمِائة دِرْهَم فَقَالَ: لَا أريدها جملَة وَلَكِن مر القمرهان أَن يعطيني فِي كلّ يومٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم حتّى تنفذ. فَأمر بذلكن فَكَانَ يَأْخُذهَا فَجعل درهما لطعامه ودرهماً لشرابه ودرهما لدابّة تحمله إِلَى بيُوت الخمّارين فَلَمَّا نفدت الدّراهم أَتَاهُ الثَّانِيَة فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ كالأولى وَعمل بهَا مثل ذَلِك. ثمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَأعْطَاهُ وَفعل مثل ذَلِك. وَأَتَاهُ الرَّابِعَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ قيس: لَا أَبَا لَك كأنّك قد جعلته خراجاً علينا. فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: الطَّوِيل) (ألم تَرَ قيس الأكمة ابْن محمدٍ ... يَقُول وَلَا تَلقاهُ للخير يفعل) (رَأَيْتُك أعمى الْعين وَالْقلب ممسكاً ... وَمَا خير أعمى الْعين وَالْقلب يبخل) (فَلَو صمّ تمّت لعنة الله كلّها ... عَلَيْهِ وَمَا فِيهِ من الشّرّ أفضل) فَقَالَ قيس لَو نجا من الأقيشر لنجوت مِنْهُ وَمِنْهَا: أنّه تزوج بابنة عَم لَهُ يُقَال لَهَا الرّباب على أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَأتى قومه وسألهم فَلم يعطوه شَيْئا فَأتى ابْن رَأس الْبَغْل وَهُوَ دهقان الصّين وَكَانَ مجوسيّاً فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ الصَدَاق كَامِلا فَقَالَ: المتقارب (كفاني المجوسيّ مهر الرّباب ... فدى للمجوسيّ خَالِي وَعم) (وإنّك سيد أهل الْجَحِيم ... إِذا مَا تردّيت فِيمَن ظلم) ...

стр. 1892

(تجاور هامان فِي قعرها ... وَفرْعَوْن والمكتني بالحكم) فَقَالَ المجوسيّ: وَيحك. سَأَلت قَوْمك فَلم يعطوك شَيْئا وجئتني فأعطيك فجزيتني هَذَا القَوْل فَقَالَ: أوما ترْضى أَن جعلتك مَعَ الْمُلُوك وَفَوق أبي جهل وَمن شعره: السَّرِيع (يَا أَيهَا السَّائِل عمّا مضى ... من علم هَذَا الزّمن الذّاهب) (إِن كنت تبغي الْعلم وَأَهله ... أَو شَاهدا يخبر عَن غَائِب) (فَاعْتبر الأَرْض بأسمائها ... وَاعْتبر الصّاحب بالصّاحب) وَمن قصيدة لَهُ: الْبَسِيط (لَا تشربن أبدا رَاحا مشارقةً ... إلاّ مَعَ الغرّ أَبنَاء البطاريق) (أفنى تلادي وَمَا جمّعت من نشبٍ ... قرع القواقيز أَفْوَاه الأباريق) وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب فِي الْبَاب الْخَامِس. وَمن هَذِه القصيدة: (عَلَيْك كلّ فَتى سمحٍ خلائقه ... مَحْض الْعُرُوق كريم غير ممذوق)

стр. 1893

وَكَانَ اللأقيشر مُولَعا بِهِجَاء عبد الله بن إِسْحَاق ومدح أَخِيه زكريّا فَقَالَ عبد الله لِغِلْمَانِهِ: أَلا تريجونا مِنْهُ فَانْطَلقُوا فَجمعُوا بعراً وقصباً بِظهْر الْكُوفَة وجعلوه فِي حقرة وَأَقْبل الأقيشر وَهُوَ سَكرَان من الْحيرَة على بغل رجلٍ مكار فأنزله عَن الْبَغْل وَعَاد فَأخذُوا الأقيشر فشدّوه ثمَّ) وضعوه فيتلك الحفرة وألهبوا النّار فِي الْقصب والبعر وَجعلت الرّيح تلفح وَجهه وجسمه بِتِلْكَ النَّار فَأصْبح ميّتاً وَلم يدر من قَتله. وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود الثَّمَانِينَ من الْهِجْرَة. تَتِمَّة ذكر الى مدي فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه الأقيشر وَمِنْه اسْمه الأقيسر من الشُّعَرَاء. فالأقيشر هُوَ الْمُغيرَة بن عبد الله الأسديّ الشَّاعِر الْمَشْهُور وَصَاحب الشَّرَاب. والأقيسر هُوَ صَاحب لِوَاء بني أَسد حاهليّ. قَالَ ابْن حبيب: اسْمه عَامر بن طريف بن مَالك بن نصر وأنهى نسبه إِلَى دودان ابم اسد بنم خُزَيْمَة.

стр. 1894

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد ٣ - (الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة) الرجز (حَتَّى إِذا مَا خرجت من فمّه) على أنّ تَشْدِيد الْمِيم مَعَ ضمّ الْفَاء وَفتحهَا ضَرُورَة وَلَيْسَ بلغَة ابْن جنّي أَقُول: قَالَه ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة فِي حرف الْمِيم وَهَذِه عِبَارَته: اعْلَم أنّ الْمِيم حرف مجهور يكون أصلا وبدلاً وزائداً. فَالْأَصْل نَحْو مرس وَسمر ورسم. وَأما الْبَدَل فقد أبدلت من الْوَاو وَالنُّون وَالْبَاء وَاللَّام. أما إبدالها من الْوَاو فَقَوْلهم فَم وَأَصله فوه بِوَزْن سَوط فحذفت الْهَاء تَخْفِيفًا فَلَمَّا بَقِي على حرفين ثَانِيهمَا حرف لين كَرهُوا حذفه للتنوين فيجحفوا بِهِ فأبدلوا من الْوَاو ميماً للقرب لأنّهما شفهيّان وَفِي الْمِيم هواءفي الْفَم يضارع امتداد الْوَاو. ويدلّ أنّ فَم مَفْتُوح الْفَاء وجودك إِيَّاهَا مَفْتُوحَة فِي هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مَشْهُور. وأمّا مَا حكى فِيهَا أَبُو زيد وَغَيره من كسر الْفَاء وضمّها فضربٌ من التَّغْيِير لحق الْكَلِمَة لإعلالها بِحَذْف لامها وإبدال عينهَا. وأمّا قَول الآخر: الرجز (يَا ليتها قد خرجت من فمّه ... حتّى يعود الْملك فِي أسطمّه) يرْوى بضمّ الْفَاء وَفتحهَا فَالْقَوْل فِي تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي أَنه لَيْسَ ذَاك

стр. 1895

بلغَة. أَلا ترى أنّك لَا تَجِد) لهَذِهِ المشدّدة الْمِيم تصرّفاً. إِنَّمَا التصرّف كلّه على: ف وه من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: يَقُولُونَ بأفواههم. وَقَالَ الآخر: الوافر (فَلَا لغوٌ وَلَا تأثيم فِيهَا ... وَمَا فاهوا بُد أبدا مُقيم) وَقَالُوا: رجل مفوّه: إِذْ أَجَاد القَوْل لِأَنَّهُ يخرج من فِيهِ. وَقَالُوا: مَا تفوّهت بِهِ وَهُوَ تفعّلت. وَقَالُوا فِي جمع أفوه وَهُوَ الْكَبِير الْفَم: فوهٌ. وَلم نسمعهم قَالُوا: أفمام وَلَا رجل أفمّ كَمَا قَالُوا أَصمّ. فدلّ اجْتِمَاعهم على تصريف الْكَلِمَة بِالْفَاءِ وَالْوَاو وَالْهَاء على أنّ التشيديد لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا هوعارضٌ لحق الْكَلِمَة. فَإِن قَالَ قَائِل: فَإذْ ثَبت بِمَا ذكرته أَن التَّشْدِيد لَيْسَ من أصل الْكَلِمَة فَمن أَيْن أَتَاهَا وَمَا وَجه دُخُوله إِيَّاهَا فَالْجَوَاب: أَن أصل ذَلِك أَنهم ثقّلوا الْمِيم فِي الْوَقْف فَقَالُوا: هَذَا فَم كَمَا يَقُولُونَ هَذَا خَالِد وَهُوَ يَجْعَل ثمَّ إنّهم أجروا الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَنْهُم من قَوْلهم ثلاثهر بعة وَكَقَوْلِه: الرجز ببازلٍ وجناء أَو عيهلّ
следующие страницы →