Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثلثمِائة دِرْهَم فَقَالَ: لَا أريدها جملَة وَلَكِن مر القمرهان أَن يعطيني فِي كلّ يومٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم حتّى تنفذ. فَأمر بذلكن فَكَانَ يَأْخُذهَا فَجعل درهما لطعامه ودرهماً لشرابه ودرهما لدابّة تحمله إِلَى بيُوت الخمّارين فَلَمَّا نفدت الدّراهم أَتَاهُ الثَّانِيَة فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ كالأولى وَعمل بهَا مثل ذَلِك.
ثمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَأعْطَاهُ وَفعل مثل ذَلِك. وَأَتَاهُ الرَّابِعَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ قيس: لَا أَبَا لَك كأنّك قد جعلته خراجاً علينا.
فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: الطَّوِيل)
(ألم تَرَ قيس الأكمة ابْن محمدٍ ... يَقُول وَلَا تَلقاهُ للخير يفعل)
(رَأَيْتُك أعمى الْعين وَالْقلب ممسكاً ... وَمَا خير أعمى الْعين وَالْقلب يبخل)
(فَلَو صمّ تمّت لعنة الله كلّها ... عَلَيْهِ وَمَا فِيهِ من الشّرّ أفضل)
فَقَالَ قيس لَو نجا من الأقيشر لنجوت مِنْهُ وَمِنْهَا: أنّه تزوج بابنة عَم لَهُ يُقَال لَهَا الرّباب على أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم فَأتى قومه وسألهم فَلم يعطوه شَيْئا فَأتى ابْن رَأس الْبَغْل وَهُوَ دهقان الصّين
وَكَانَ مجوسيّاً فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ الصَدَاق كَامِلا فَقَالَ: المتقارب
(كفاني المجوسيّ مهر الرّباب ... فدى للمجوسيّ خَالِي وَعم)
(وإنّك سيد أهل الْجَحِيم ... إِذا مَا تردّيت فِيمَن ظلم)
...
стр. 1892
(تجاور هامان فِي قعرها ... وَفرْعَوْن والمكتني بالحكم)
فَقَالَ المجوسيّ: وَيحك. سَأَلت قَوْمك فَلم يعطوك شَيْئا وجئتني فأعطيك فجزيتني هَذَا القَوْل فَقَالَ: أوما ترْضى أَن جعلتك مَعَ الْمُلُوك وَفَوق أبي جهل وَمن شعره: السَّرِيع
(يَا أَيهَا السَّائِل عمّا مضى ... من علم هَذَا الزّمن الذّاهب)
(إِن كنت تبغي الْعلم وَأَهله ... أَو شَاهدا يخبر عَن غَائِب)
(فَاعْتبر الأَرْض بأسمائها ... وَاعْتبر الصّاحب بالصّاحب)
وَمن قصيدة لَهُ: الْبَسِيط
(لَا تشربن أبدا رَاحا مشارقةً ... إلاّ مَعَ الغرّ أَبنَاء البطاريق)
(أفنى تلادي وَمَا جمّعت من نشبٍ ... قرع القواقيز أَفْوَاه الأباريق)
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب فِي الْبَاب الْخَامِس.
وَمن هَذِه القصيدة:
(عَلَيْك كلّ فَتى سمحٍ خلائقه ... مَحْض الْعُرُوق كريم غير ممذوق)
стр. 1893
وَكَانَ اللأقيشر مُولَعا بِهِجَاء عبد الله بن إِسْحَاق ومدح أَخِيه زكريّا فَقَالَ عبد الله لِغِلْمَانِهِ: أَلا تريجونا مِنْهُ فَانْطَلقُوا فَجمعُوا بعراً وقصباً بِظهْر الْكُوفَة وجعلوه فِي حقرة وَأَقْبل الأقيشر وَهُوَ سَكرَان من الْحيرَة على بغل رجلٍ مكار فأنزله عَن الْبَغْل وَعَاد فَأخذُوا الأقيشر فشدّوه ثمَّ)
وضعوه فيتلك الحفرة وألهبوا النّار فِي الْقصب والبعر وَجعلت الرّيح تلفح وَجهه وجسمه بِتِلْكَ النَّار فَأصْبح ميّتاً وَلم يدر من قَتله. وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود الثَّمَانِينَ من الْهِجْرَة. تَتِمَّة ذكر الى مدي فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه الأقيشر وَمِنْه اسْمه الأقيسر من الشُّعَرَاء.
فالأقيشر هُوَ الْمُغيرَة بن عبد الله الأسديّ الشَّاعِر الْمَشْهُور وَصَاحب الشَّرَاب.
والأقيسر هُوَ صَاحب لِوَاء بني أَسد حاهليّ. قَالَ ابْن حبيب: اسْمه عَامر بن طريف بن مَالك بن نصر وأنهى نسبه إِلَى دودان ابم اسد بنم خُزَيْمَة.
стр. 1894
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد
٣ - (الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة)
الرجز
(حَتَّى إِذا مَا خرجت من فمّه)
على أنّ تَشْدِيد الْمِيم مَعَ ضمّ الْفَاء وَفتحهَا ضَرُورَة وَلَيْسَ بلغَة ابْن جنّي أَقُول: قَالَه ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة فِي حرف الْمِيم وَهَذِه عِبَارَته: اعْلَم أنّ الْمِيم حرف مجهور يكون أصلا وبدلاً وزائداً.
فَالْأَصْل نَحْو مرس وَسمر ورسم.
وَأما الْبَدَل فقد أبدلت من الْوَاو وَالنُّون وَالْبَاء وَاللَّام. أما إبدالها من الْوَاو فَقَوْلهم فَم وَأَصله فوه بِوَزْن سَوط فحذفت الْهَاء تَخْفِيفًا فَلَمَّا بَقِي على حرفين ثَانِيهمَا حرف لين كَرهُوا حذفه للتنوين فيجحفوا بِهِ فأبدلوا من الْوَاو ميماً للقرب لأنّهما شفهيّان وَفِي الْمِيم هواءفي الْفَم يضارع امتداد الْوَاو.
ويدلّ أنّ فَم مَفْتُوح الْفَاء وجودك إِيَّاهَا مَفْتُوحَة فِي هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مَشْهُور. وأمّا مَا حكى فِيهَا أَبُو زيد وَغَيره من كسر الْفَاء وضمّها فضربٌ من التَّغْيِير لحق الْكَلِمَة لإعلالها بِحَذْف لامها وإبدال عينهَا.
وأمّا قَول الآخر: الرجز
(يَا ليتها قد خرجت من فمّه ... حتّى يعود الْملك فِي أسطمّه)
يرْوى بضمّ الْفَاء وَفتحهَا فَالْقَوْل فِي تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي أَنه لَيْسَ ذَاك
стр. 1895
بلغَة. أَلا ترى أنّك لَا تَجِد)
لهَذِهِ المشدّدة الْمِيم تصرّفاً. إِنَّمَا التصرّف كلّه على: ف وه من ذَلِك قَوْله تَعَالَى: يَقُولُونَ بأفواههم.
وَقَالَ الآخر: الوافر
(فَلَا لغوٌ وَلَا تأثيم فِيهَا ... وَمَا فاهوا بُد أبدا مُقيم)
وَقَالُوا: رجل مفوّه: إِذْ أَجَاد القَوْل لِأَنَّهُ يخرج من فِيهِ. وَقَالُوا: مَا تفوّهت بِهِ وَهُوَ تفعّلت.
وَقَالُوا فِي جمع أفوه وَهُوَ الْكَبِير الْفَم: فوهٌ. وَلم نسمعهم قَالُوا: أفمام وَلَا رجل أفمّ كَمَا قَالُوا أَصمّ. فدلّ اجْتِمَاعهم على تصريف الْكَلِمَة بِالْفَاءِ وَالْوَاو وَالْهَاء على أنّ التشيديد لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا هوعارضٌ لحق الْكَلِمَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَإذْ ثَبت بِمَا ذكرته أَن التَّشْدِيد لَيْسَ من أصل الْكَلِمَة فَمن أَيْن أَتَاهَا وَمَا وَجه دُخُوله إِيَّاهَا فَالْجَوَاب: أَن أصل ذَلِك أَنهم ثقّلوا الْمِيم فِي الْوَقْف فَقَالُوا: هَذَا فَم كَمَا يَقُولُونَ هَذَا خَالِد وَهُوَ يَجْعَل ثمَّ إنّهم أجروا الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَنْهُم من قَوْلهم ثلاثهر بعة وَكَقَوْلِه: الرجز ببازلٍ وجناء أَو عيهلّ
стр. 1896
فَهَذَا وَجه تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي
فَإِن قلت: إِذا كَانَ أصل فَم عنْدك فوه فَمَا تَقول فِي قَول الفرزدق: هما نفثا فِي فيّ من فمويهما وَإِذا كَانَت الْمِيم بَدَلا من الْوَاو فَكيف جَازَ لَهُ الْجمع بَينهمَا فَالْجَوَاب: أَن أيا عليّ حكى لنا عَن أبي بكر وَأبي إِسْحَاق أَنَّهُمَا ذَهَبا إِلَى أنّ الشَّاعِر جمع بَين الْعِوَض والمعوّ مِنْهُ لأنّالكلمة مجهورة منقوصة.
وَأَجَازَ أَبُو عليّ أَيْضا فِيهِ وَجها آخر وَهُوَ أَن تكون الْوَاو فِي فمويهما لَا مَا فِي مَوضِع الْهَاء من الإفواه وَتَكون الْكَلِمَة يعتقب عَلَيْهَا لامان: هَاء مرّة وواو أُخْرَى فيجرى هَذَا مجْرى سنة وعضة.
أَلا نراهما فِي قَول من قَالَ سنوات وأسنتوا ومساناة وعضوات واويّين وتجدهما فِي قَول من قَالَ سنة سنهاء وبعير عاضه عائيّين. وَإِذا ثَبت بِمَا قدّمناه أَن عين فَم فِي الأَصْل وَاو فَيَنْبَغِي أَن يقْضى بسكونها لأنّ السّكُون هُوَ الأَصْل.)
فَإِن قلت: فهلاّ قضيت بحركة الْعين بجمعك إيّاه على أَفْوَاه نَحْو بَطل وابطال وَقدم وأقدام ورسن وأرسان فَالْجَوَاب: أَن فعلا مِمَّا عينه واوٌ بَابه أَيْضا أَفعَال كسوط وحوض وأحواض ففوهٌ لأنّ عينه واوٌ بِسَوْط أشبه مِنْهُ بقدم ورسن. فاعرف ذَلِك. انْتهى كَلَام ابْن جنّي بِاخْتِصَار قدر النّصْف.
стр. 1897
وَقَول الشَّارِح: وَالْجمع أفمام. يُوهم أَنه مسموع وَقد نصّ ابْن جنّي وَصَاحب الصِّحَاح على أَنه لَا يُقَال ذَلِك.
وَالْبَيْت من أجوزة للعجّاج وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَرِوَايَة الشَّارِح للبيت غير جَيِّدَة وَالصَّوَاب: يَا ليتها قد خرجت من فمّه
كَمَا هُوَ فِي ديوانه. وَكَذَا رَوَاهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق ز يَقُول: يَا ليتها قد خرجت من فمّه حتّى يعود الْملك إِلَى أَهله. وَيجوز أَن يكون أَرَادَ كلمة يتكلّم بهَا. وأسطمّ الشَّيْء: وَسطه وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال فلانٌ فِي أسطمّة قومه أَي: فِي وَسطهمْ وأشرافهم. وأسطمّه الْحسب: وَسطه ومجتمعه والأطسمّة مثله على الْقلب. وَأنْشد بَيت العجّاج وَقَالَ: أَي فِي أَهله وحقّه وَالْجمع الأساطم. وَتَمِيم تَقول: اساتم تعاقب بَين الطَّاء وَالتَّاء فِيهِ وَأورد الْبَيْت فِي مَادَّة الْفَاء وَالْمِيم أَيْضا وَأنْشد بعده:
(فَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... ولكنّي أُرِيد بِهِ الذّوينا)
على أنّ قَوْله الذّوين: فِيهِ شذوذان: أَحدهمَا قطعه عَن الْإِضَافَة وَثَانِيهمَا إِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ.
стр. 1898
وَهَذَا الْبَيْت للكميت بن زيد من قصيدةٍ هجا بهَا أهل الْيمن تعصّباً لمضر. يَقُول: لَا أَعنِي بهجوي إيّاكم اراذلكم وإنّما أَعنِي ملوككم كذي يزن ذِي جدن وَذي نواس وهم التبابعة. والأسفلون: جمع أَسْفَل خلاف الْأَعْلَى. واراد بالذّوين: الأذواء.
وَقد تقدم شرح هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب.
تمّ بعون الله تَعَالَى وَحسن تيسيره الْجُزْء الرَّابِع من خزانَة الْأَدَب
стр. 1899
(التوابع)
٣ - (النَّعْت)
أنْشد فِيهِ: وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من أَبْيَات إِيضَاح أبي عَليّ الْفَارِسِي: الْبَسِيط
(ربّاء شمّاء لَا يأوي لقلّتها ... إلاّ السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل)
على أَن الْمَوْصُوف قد يحذف فِي الْأَغْلَب مَعَ قرينَة دَالَّة عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْت. وَالتَّقْدِير: هُوَ رجل رباء هضبة شماء. فَحذف الْمَوْصُوف وأقيم الْوَصْف مقَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِن رباء فعال وَهُوَ وصف مُبَالغَة من قَوْلهم: هُوَ رباء لأَصْحَابه بِالْهَمْز ربأ يربأ من بَاب منع إِذا صَار ربيئة لَهُم أَي: ديدباناً.
فِي الصِّحَاح: المربأة: المرقبة وَكَذَلِكَ المربأ والمرتبأ. وربأت الْقَوْم ربئاً وارتبأتهم أَي: رقبتهم وَذَلِكَ إِذا كنت لَهُم طَلِيعَة فَوق شرف أَي: مَوضِع
مُرْتَفع. يُقَال: ربأ لنا فلَان وارتبأ إِذا
стр. 1900
وَهُوَ فعيل وفعيلة. فالرباء وصف مُبَالغَة وَالْوَصْف لَا بُد لَهُ من مَوْصُوف. وَمن الْمَعْلُوم أَن الَّذِي يرقب الْأَعْدَاء لأَصْحَابه إِنَّمَا هُوَ الرجل فِي الْغَالِب.
وَقيل: إِنَّه من ربأت الْجَبَل إِذا صعدته وعلوته فَيكون رباء شماء كَقَوْلِهِم: طلاع أنجد. وَهُوَ مُضَاف إِلَى شماء والشماء مجرور بالفتحة وَهُوَ مؤنث أَشمّ من الشمم وَهُوَ الِارْتفَاع. أَرَادَ هضبة شماء فَحذف الْمَوْصُوف بِدَلِيل الْقلَّة وَهِي رَأس الْجَبَل. والهضبة: الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض.
وَمن الْمَعْلُوم أَيْضا أَن الَّتِي لَا يأوي إِلَى قلتهَا إِلَّا السَّحَاب والمطر لَا تكون إِلَّا هضبة. وَإِضَافَة رباء إِلَى شماء لفظية.
وَقَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: إِن رباء من ربأت الْجَبَل إِذا صعدته وعلوته فَيكون مثل قَوْلهم: طلاع أنجد لمن هُوَ ركاب للصعاب من الْأُمُور.
وَقَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل: الشَّاهِد فِي قَوْله رباء شماء وَالْمرَاد رجل رباء ربوة شماء أَو رابية شماء. وَهُوَ فعال من قَوْلك: ربوت الرابية إِذا علوتها. وَضعف الْعين للتكثير. والهمزة فِي)
آخِره بدل من وَاو هِيَ لَام الْكَلِمَة كهمزة كسَاء وَلم ينونه لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى شماء. وشماء فعلاء من الشمم يُقَال: جبل أَشمّ ورابية شماء أَي: مُرْتَفعَة.
أَقُول: لَيْسَ فِي هَذَا كثير فَائِدَة وَهُوَ مَعَ تكلفه يَدْفَعهُ قَوْله: لَا يأوي لقلتهَا إِلَّا السَّحَاب إِلَخ.
فَتَأَمّله.
وَحكى الأندلسي فِي شرح الْمفصل عَن الْخَوَارِزْمِيّ: قلَّة رباء وهضبة شماء لِأَن الرباء هِيَ الْعَالِيَة واشتقاقها من الرب لعلوه على المربوب.
أَقُول: لَا وَجه لما ذهب إِلَيْهِ الْخَوَارِزْمِيّ فَإِن رباء من وصف الربيء لَا الْقلَّة كَمَا يَأْتِي وَهُوَ فعال لَا فعلاء.
стр. 1901
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح لأبي عَليّ: أنث رباء لما أَرَادَ بِهِ الربيئة وَهُوَ الْحَافِظ لأَصْحَابه فِي الْأَمْكِنَة الْعَالِيَة.
أَقُول: هَذَا خطأ فَإِن رباء فعال لَا فعلاء.
وَرَوَاهُ بَعضهم: زناء شماء بالزاي الْمُعْجَمَة وَالنُّون من زنأ فِي الْجَبَل يزناً زنئاً وزنوءاً بِمَعْنى صعد. وَهُوَ مَهْمُوز.
وَقَالَ بَعضهم: إِن شماء اسْم هضبة وَهُوَ مَنْقُول من الصّفة إِلَى العلمية مثل حسن فَلَا شَاهد فِيهِ.
أَقُول: كَون شماء اسْم هضبة ذكره أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم قَالَ: شماء على لفظ
(بعد عهدٍ لنا ببرقة شمّا ... ء فأدنى ديارها الخلصاء)
لَكِن الظَّاهِر هُنَا أَن المُرَاد بشماء اسْم جنس بِدَلِيل وَصفه بقوله: لَا يأوي لقلتهَا الخ.
فَإِن قلت: أجعَل الْجُمْلَة حَالا من شماء لتعريفها.
قلت: صَاحب الْبَيْت هذلي وشماء الهضبة الْمَعْرُوفَة فِي بِلَاد بني يشْكر مَعَ أَن مقَام الْمَدْح يَقْتَضِي أَنه يربأ كل جبل مَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف وَلَيْسَ فِي جعلهَا علما كثير مدح.
وَقَوله: لَا يأوي لقلتهَا الخ هُوَ من أَوَى إِلَى منزله يأوي من بَاب ضرب أوياً بِمَعْنى أَقَامَ. وَالْمرَاد لَا يصل إِلَى قلتهَا. وروى السكرِي: لَا يدنو لقلتهَا.
وَضمير قلتهَا لشماء. وَقلة الْجَبَل: وروى: لقنتها بالنُّون. والقنة هِيَ الْقلَّة.
стр. 1902
وَقَوله: إِلَّا السَّحَاب هُوَ اسْتثِْنَاء مفرغ أَي: لَا يقرب إِلَى قلتهَا شَيْء إِلَّا السَّحَاب. وكر إِلَّا فِي)
قَوْله وَإِلَّا الأوب للتوكيد. والأوب قَالَ السكرِي: هُوَ النَّحْل حِين تؤوب: ترجع.
وَيُؤَيِّدهُ أَنه روى وَإِلَّا النوب بِضَم النُّون وَهُوَ النَّحْل وَهُوَ جمع نَائِب لِأَنَّهَا ترعى وتؤوب إِلَى مَكَانهَا أَي: ترجع وَقيل: هُوَ الرّيح ذكره الصَّاغَانِي فِي الْعباب.
وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: هُوَ الْمَطَر لِأَنَّهُ بخار ارْتَفع من الأَرْض ثمَّ آب إِلَيْهَا أَي: رَجَعَ وَلذَلِك سمي رجعا فَسَموهُ أوباً ورجعاً تفاؤلاً ليرْجع ويؤوب. وَقيل لِأَن الله تَعَالَى يرجعه وقتا فوقتاً.
وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْع وَأنْشد هَذَا الْبَيْت على أَن الْمَطَر تسمى رجعا كَمَا فِي الْآيَة وأوباً كَمَا فِي الْبَيْت تَسْمِيَة بمصدري رَجَعَ وآب. وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانَت تزْعم أَن السَّحَاب يحمل المَاء من الْبَحْر ثمَّ يرجعه إِلَيْهِ.
قَالَ صَاحب الْكَشْف: جعل صَاحب الْكَشَّاف الأوب والسبل بِمَعْنى الْمَطَر وَالْأولَى مَا قيل أَن الأوب النَّحْل لِأَنَّهَا تؤوب إِلَى محالها بَعْدَمَا خرجت للنجعة والسبل. بِفتْحَتَيْنِ: الْمَطَر المنسبل أَي: النَّازِل.
قَالَ ابْن خلف فِي شرح أَبْيَات الْكتاب: السَّحَاب اسْم عَام للغيم وَالْمَاء ينسحب فِي الْأُفق أَي: ينجر نازلاً مَاؤُهُ وَغير نَازل. والسبل: الْمَطَر النَّازِل فَهُوَ إِذن أخص من السَّحَاب وَلذَلِك جَاءَ قَوْله تَعَالَى: فترى الودق يخرج من
خلاله لما كَانَ الودق المَاء النَّازِل نَفسه.
стр. 1903
وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة عدتهَا عشرُون بَيْتا للمتنخل الْهُذلِيّ تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ رثى بهَا ابْنه أثيلة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمُثَلَّثَة. وَهَذَانِ البيتان قبله:
(أَقُول لمّا أَتَانِي النّاعيان بِهِ ... لَا يبعد الرّمح ذُو النّصلين والرّجل)
(رمحٌ لنا كَانَ لم يفلل ننوء بِهِ ... توفى بِهِ الْحَرْب والعزّاء والجلل)
ربّاء شمّاء لَا يدنو لقلّتها ... ... ... ... ... . الْبَيْت قَوْله: الناعيان بِهِ فِي الصِّحَاح: الناعي الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ فيهم ميت لَهُ قدر ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول: نعاء فلَانا أَي: انعه واظهر خبر وَفَاته. وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر مثل نزال.
وَقَوله: بِهِ أَي: بنعيه حذف الْمصدر لدلَالَة الناعيات عَلَيْهِ. والمصدر جَاءَ على نعي بِفَتْح فَسُكُون ونعي على وزن فعيل ونعيان بِضَم النُّون. وَالضَّمِير رَاجع إِلَى أثيلة الْمَقْتُول وَهُوَ ابْن المتنخل.)
وَذَلِكَ أَنه كَانَ خرج مَعَ ابْن عَم لَهُ يُقَال ربيعَة بن الجحدر غازيين فأغارا على طوائف من فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان فَقتل أثيلة وأفلت ربيعَة فَقَالَ المتنخل هَذِه القصيدة فِي رثاء ابْنه.
وَقَوله: لَا يبعد الرمْح فَاعل يبعد يُقَال: بعد بعدا من بَاب فَرح
فَرحا إِذا هلك. وَعَادَة الْعَرَب أَن تَقول عِنْد ذكر الْمَيِّت: لَا يبعد فلَان إِمَّا استعظاماً لمَوْته وَإِمَّا رَجَاء بَقَاء ذكره. وَيَأْتِي شرح
стр. 1904
هَذَا مَبْسُوطا إِن شَاءَ الله بعد أَبْيَات. والنصل: حَدِيدَة الرمْح الَّذِي يطعن بِهِ وَهُوَ السنان وَيُقَال لحديدة السهْم وَالسيف والسكين أَيْضا.
والحديدة الَّتِي يركز بهَا الرمْح فِي الأَرْض من الطّرف الْأَسْفَل يُقَال لَهَا الزج بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْجِيم. وَسمي الزج نصلاً بالتغليب فَقَالَ: النصلين وَإِنَّمَا غلب على الزج لِأَن الْعَمَل وَقَوله: وَالرجل أَرَادَ الرجل الْكَامِل فِي الشجَاعَة وَالْفِعْل وَهُوَ ابْنه وَقيل: أَرَادَ بِالرُّمْحِ ابْنه شبهه بِالرُّمْحِ الَّذِي لَهُ نصل وزج وَيُؤَيِّدهُ قَوْله رمح لنا أَي: هُوَ رمح لنا. وَضمير كَانَ رَاجع إِلَيْهِ وَجُمْلَة لم يغلل خَبَرهَا أَي: لم يكسر وَلم يثلم من الفل بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ وَاحِد الفلول وَهِي كسور فِي الشَّيْء.
وَقَوله: ننوء بِهِ أَي: ننهض بِهِ. يُقَال: ناء بِكَذَا أَي: نَهَضَ بِهِ مُثقلًا.
وَقَوله: توفى بِهِ الْحَرْب أَي: تعلى بِهِ وتقهر. وَهُوَ بِالْفَاءِ وَرُوِيَ بِالْقَافِ أَيْضا من الْوِقَايَة.
والعزاء بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الزاء الْمُعْجَمَة: السّنة الشَّدِيدَة. والجلل بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام: جمع جلى وَهُوَ الْأَمر الْجَلِيل الْعَظِيم مثل كبرى وَكبر وصغرى وَصغر.
وَفِي هَذَا القصيدة أَبْيَات من الشواهد فَيَنْبَغِي أَن نورد بقيتها مشروحة إِجْمَالا. وَهَذَا مطلع القصيدة:
(مَا بَال عَيْنك أمست دمعها خضل ... كَمَا وهى سرب الأخراب منبزل)
стр. 1905
هَذَا خطاب مَعَ نَفسه. وخضل: ندي. ووهى السقاء إِذا تخرق وَانْشَقَّ. والأخراب: جمع خربة بِالضَّمِّ وَهِي عُرْوَة المزادة وكل ثقب مستدير. وسرب بِفَتْح فَكسر: السَّائِل يُقَال: سربت المزادة من بَاب فَرح إِذا سَالَتْ. ومنبزل: منشق. وَقد أَخذ ذُو الرمة مطلع قصيدته من هَذَا
(مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب ... كَأَنَّهُ من كلى مفريّة سرب)
والكلى: جمع كُلية بِالضَّمِّ وَهِي جليدة مستديرة تَحت عُرْوَة المزادة تخرز مَعَ الْأَدِيم.
(لَا تفتأ اللَّيْل مَعَ دمعٍ بأربعةٍ ... كأنّ إنسانها بالصّاب مكتحل))
لَا تفتأ: لَا تزَال يُقَال: جَاءَنَا وَعَيناهُ بأَرْبعَة أَي: بأَرْبعَة مدامع أَو مسايل أَي: تسيل من نَوَاحِيهَا من المأقين واللحاظين. والصاب: شجر لَهُ لبن مر إِذا أصَاب لبنه الْعين حلبها.
(تبْكي على رجلٍ لم تبل جدّته ... خلّى عَلَيْك فجاجاً بَينهَا خلل)
لم تبل جدته: لم تستمتع بشبابه من الإبلاء. وَرُوِيَ لم تبل جدته من البلى وجدته فَاعل.
وفجاجاً أَي: طرقاً. بَينهَا خلل أَي: فُرْجَة أَي: كَانَ يسدها. وَمعنى خلى تَركهَا. يُرِيد أَنه لم يمتع مِنْهُ كَمَا قَالَ ابْن أَحْمَر: الطَّوِيل
(لبست أبي حتّى تملّيت بُرْهَة ... وبلّيت أعمامي وبلّيت خَالِيا)
(فقد عجبت وَمَا بالدّهر من عجبٍ ... أَنى قتلت وَأَنت الحازم البطل)
стр. 1906
أَي: كَيفَ قتلت مَعَ كونك شجاعاً حازماً. يَقُول: لَا تعجب من الدَّهْر فَإِن البطل يقتل فِيهِ والضعيف ينجو فِيهِ وَفِيه أُمُور مُخْتَلفَة.
(ويلمّه رجلا تأبى بِهِ غيناً ... إِذا تجرّد لَا خالٌ وَلَا بخل)
هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. قَوْله: ويلمه رجلا هَذَا مدح خرج بِلَفْظ الذَّم يرْوى بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا. ورجلاً تَمْيِيز للضمير. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا مُسْتَوفى فِي بَاب التَّمْيِيز. وتأبى مضارع أَبى بِمَعْنى تكره وَالْجُمْلَة صفة رجلا.
والغبن بِفَتْح الْبَاء: الخديعة فِي الرَّأْي وَفعله من بَاب فَرح. وبسكونها: الخديعة فِي الشِّرَاء وَالْبيع وَفعله من بَاب ضرب. يَقُول: تأبى أَنْت أَن تقبل بِهِ نُقْصَانا.
وَمعنى التجرد هَا هُنَا التشمر لِلْأَمْرِ وَالتَّأَهُّب لَهُ. وأصل ذَلِك أَن الْإِنْسَان يتجرد من ثِيَابه.
يَقُول: إِذا حاول فعل أَمر أَو الدُّخُول فِي حَرْب فَصَارَ مثلا لكل من جد فِي الشَّيْء وَإِن لم يتجرد من ثِيَابه.
يَقُول: إِذا أَتَيْته قَامَ مَعَك وتجرد وجد. وَقَوله: لَا خَال وَلَا بخل فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: الْخَال الاختيال والتكبر فخال مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: لَا فِيهِ تكبر وَلَا بخل أَو هُوَ خبر بِتَقْدِير مُضَاف لمبتدأ مَحْذُوف أَي: لَا هُوَ ذُو خَال.
وَثَانِيهمَا: الْخَال المتكبر ذكر الْمصدر وَأُرِيد الْوَصْف مُبَالغَة أَو هُوَ وصف وَأَصله خول فَانْقَلَبت الْوَاو الْمَكْسُورَة ألفا كَقَوْلِهِم رجل مَال وَيَوْم رَاح وأصلهما مول وروح.
وَيُؤَيِّدهُ أَنه رُوِيَ وَلَا بخل بِكَسْر الْخَاء. فخال خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف اي: لَا هُوَ خَال
стр. 1907
وَلَا ذُو بخل)
(السّالك الثغرة الْيَقظَان كالئها ... مشي الهلوك عَلَيْهَا الخيعل الْفضل)
أَي: هُوَ السالك. وَيجوز نَصبه على الْمَدْح أَي: أَعنِي السالك والثغرة بِالضَّمِّ والثغر بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ مَوضِع يخَاف دُخُول الْعَدو مِنْهُ. وكالئها: حافظها. والهلوك من النِّسَاء: الَّتِي تتهالك فِي مشيتهَا أَي: تتبختر وتتكسر وَقيل: هِيَ الْفَاجِرَة الَّتِي تتواقع على الرِّجَال. والخيعل بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة.
قَالَ السكرِي: هُوَ ثوب يخاط أحد شقيه وَيتْرك الآخر. وَالْفضل هُوَ الخيعل لَيْسَ تَحْتَهُ إِزَار.
وَقَالَ ابْن الشجري: الخيعل الْقَمِيص الَّذِي لَيْسَ لَهُ كمان وَقيل: وَلَا دخاريص لَهُ. وَيُقَال: امْرَأَة فضل بِضَمَّتَيْنِ إِذا كَانَ عَلَيْهَا قَمِيص ورداء وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِزَار وَلَا سروايل.
وَفِي الْعباب: الْمفضل وَالْفضل بِضَمَّتَيْنِ. وَفِي هَذَا عَن الْفراء كالخيعل تلبسها الْمَرْأَة فِي بَيتهَا وَالْمَرْأَة فضل بِضَمَّتَيْنِ إِذا لبسته.
قَالَ الْأَعْشَى: الْبَسِيط
(ومستجيبٍ تخال الصّنج يسمعهُ ... إِذا ترجّع فِيهِ الْقَيْنَة الْفضل)
المستجيب: الْعود شبه صَوته بِصَوْت الصنج فَكَأَن الصنج دَعَاهُ. يَقُول: هُوَ الَّذِي من شَأْنه سلوك مَوضِع المخافة يمشي مُتَمَكنًا غير فروق وَلَا هيوب
كمشي الْمَرْأَة المتبخترة الْفضل.
стр. 1908
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: الْوَجْه نصب الثغرة بالسالك كَقَوْلِك: الضَّارِب الرجل وَيجوز خفضها على التَّشْبِيه بالْحسنِ الْوَجْه. وَالْيَقظَان صفة الثغرة نصبتها أَو خفضتها وارتفع بِهِ كالئها وَجَاز ذَلِك لعود الضَّمِير على الْمَوْصُوف.
وَقَوله: مشي الهلوك مَنْصُوب بِتَقْدِير: تمشي مشي الهلوك وَإِن شِئْت نصبته بالسالك لِأَن السالك يقطع الأَرْض بِالْمَشْيِ. انْتهى.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: لَا يجوز نَصبه بالسالك لِأَنَّهُ مَوْصُوف باليقظان وَلَا تعْمل الصّفة بعد وصفهَا.
أَقُول: هَذَا سَهْو مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ الْيَقظَان صفة الثغرة كَمَا نقلنا.
وَالْفضل نعت للهلوك على الْموضع لِأَنَّهَا فاعلة للمصدر الَّذِي أضيف إِلَيْهَا وَالتَّقْدِير تمشي كَمَا يمشي الهلوك الْفضل.
وَبِه أنْشد ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية. وَزعم جمَاعَة أَنه مَرْفُوع على الْمُجَاورَة لِلْمَرْفُوعِ الَّذِي هُوَ الخيعل. وَهَذَا شَيْء لم يقل بِهِ أحد من الْمُحَقِّقين. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى بأوسع)
من هَذَا فِي آخر هَذَا الْبَاب.
وعَلى تَفْسِير الْفراء والسكري للفضل بِكَوْن صفة للخيعل.
وَقد تكلم أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري على المصراع الأول بِغَيْر مَا ذكرنَا تمريناً للطَّالِب أحببنا ذكره هُنَا قَالَ: إِن نصبت كالئها لم يجز أَن تجعلها حَالا من السالك وَأَنت قد وَصفته باليقظان لِأَن حِينَئِذٍ تفصل بَين الصِّلَة والموصول وَلَكِن يجوز أَن تنصبه حَالا عَمَّا فِي يقظان كَأَنَّهُ يتيقظ فِي حَال حفظه إِيَّاهَا. وَيجوز إِذا نصبت كالئها أَيْضا أَن تَجْعَلهُ بَدَلا من الْيَقظَان.
فَإِن قلت: أفيجوز إِذا نصبت كالئها أَن أجعَل الكالئ حَالا من الْمَوْصُول الَّذِي هُوَ السالك على أَن لَا أجعَل الْيَقظَان صفة للألف وَاللَّام
стр. 1909
وَلَكِن أجعله صفة للثغرة فَلَا يلْزم حِينَئِذٍ إِذا جعلته حَالا أَن أكون قد فصلت بَين الصِّلَة والموصول.
فَالْجَوَاب أَن وصف الثغرة باليقظان لَيْسَ بالسهل لِأَن الْيَقظَان من صفة الرجل دون الثغرة وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُذَكّر والثغرة مؤنث.
فَإِن قلت: فَهَل يجوز أَن أحمل على الاتساع فَأَقُول: ثغرة يقظان وَأَنا أُرِيد يتيقظ فِيهَا لشدَّة خوف السالك لَهَا كَمَا أَقُول: ليل نَائِم أُرِيد أَنه ينَام فِيهِ وأحمل التَّذْكِير على الْمَعْنى لِأَن الثغرة والثغر والموضع وَاحِد فِي الْمَعْنى فَالْجَوَاب: أَنَّك إِن حَملته على هَذَا لم يمْتَنع أَن يكون كالئها حَالا من اللَّام الَّتِي فِي السالك المنتصب.
وَإِن جعلت الْيَقظَان على هَذَا الَّذِي ذكرته من الاتساع جَازَ أَيْضا فِي الكالئ أَن تَجْعَلهُ حَالا مِمَّا أَلا ترى أَنَّك إِذا جعلت الْيَقظَان وَصفا للثغرة وَلم تَجْعَلهُ صفة للام لم تتمّ الصِّلَة وَإِذا لم تتمّ وَلم يكن فِي الْكَلَام شَيْء يُؤذن بِتَمَامِهَا من صفة لَهَا أَو عطف عَلَيْهَا أَو تَأْكِيد يتبعهَا لم يمْتَنع أَن تجْعَل كالئها حَالا من الضَّمِير كَمَا وَصفنَا. فَإِن رفعت كالئها وَرفعت السالك جَازَ أَن يكون السالك ابْتِدَاء مثل الضَّارِب هنداً حافظها.
فَإِن نصبت السالك وَرفعت كالئها كَانَ ارْتِفَاع كالئها باليقظان كَأَنَّهُ قَالَ: السالك الثغرة المتيقظ كالئها كَأَنَّهُ ثغر مخوف يحْتَاج حافظه أَن يكون متيقظاً حذرا لَا يغْفل وَلَا يدع التَّحَرُّز من شدَّة الْخَوْف فِيهَا.
وَيجوز أَن ترفع الْيَقظَان وتنصب السالك وكالئها فَيكون الْيَقظَان بَدَلا من الذّكر الْعَائِد إِلَى)
الْألف وَاللَّام فِي السالك فَيكون كالئها حَالا من السالك. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
وَبعد خَمْسَة أَبْيَات قَالَ:
(فَاذْهَبْ فأيّ فَتى فِي النّاس أحرزه ... من حتفه ظلمٌ دعجٌ وَلَا جبل)
стр. 1910
. هَذَا الِاسْتِفْهَام مَعْنَاهُ النَّفْي وَلذَلِك عطف عَلَيْهِ قَوْله وَلَا جبل.
وَبِهَذَا الْمَعْنى اسْتشْهد الْعلمَاء بِهَذَا الْبَيْت مِنْهُم الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمَا لنَا أنْ لَا نُقاتِل وَقَالَ: هَذَا الْبَيْت مِمَّا حمل على معنى هُوَ مُخَالف لصَاحبه فِي اللَّفْظ أَي: لَيْسَ يحرز وَمثله قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل أَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم أَي: مَا أَخُو عَيْش. وَمثله فِي قِرَاءَة عبد الله: كَيفَ يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَلَا ذمَّة أَي: لَيْسَ للْمُشْرِكين.
وَقَالَ الْكسَائي: سَمِعت الْعَرَب تَقول: أَيْن كنت لتنجو مني أَي: مَا كنت لتنجو مني. وَذكر لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة.
وَلِهَذَا أَيْضا أوردهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب فِي الْوَاو العاطفة. وأحرزه بِمَعْنى جعله فِي حرز يمْنَع من الْوُصُول إِلَيْهِ. وَمن حتفه مُتَعَلق بِهِ. والحتف: الْهَلَاك. وَالظُّلم بِضَم ففتحة: جمع ظلماء وَهِي اللَّيَالِي السود. والدعج: جمع دعجاء وَهِي الشَّدِيدَة السوَاد.
وَالْعرب تسمي اللَّيْلَة الأولى من ليَالِي المحاق الثَّلَاثَة فِي آخر الشَّهْر دعجاء وَهِي لَيْلَة ثَمَانِيَة وَعشْرين وَالثَّانيَِة السرَار بِالْكَسْرِ
стр. 1911
وَالثَّالِثَة الفلتة بِالْفَاءِ وَهِي لَيْلَة الثَّلَاثِينَ. والجبل بِالْجِيم وَالْمُوَحَّدَة وَرُوِيَ الْحِيَل بِكَسْر الْمُهْملَة جمع حِيلَة.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
(وذبيانيّةٍ أوصت بنيها ... بِأَن كذب القراطف والقروف)
على أَن الْكَذِب مستهجنٌ عِنْدهم بِحَيْثُ إِذا قصدُوا الإغراء بِشَيْء قَالُوا: كذب عَلَيْك. أَي: عَلَيْكُم بهما فاغتنموهما.
وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب اسْم الْفِعْل بأوضح من هَذَا ونزيد هُنَاكَ مَا قيل فِيهِ إِن شَاءَ الله.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِق عَن أبي عَليّ: هَذِه كلمةٌ جرت مجْرى الْمثل فِي كَلَامهم وَلذَلِك لم تصرف ولزمت طَريقَة وَاحِدَة فِي كَونهَا فعلا مَاضِيا مُعَلّقا بالمخاطب لَيْسَ إِلَّا وَهِي فِي معنى الْأَمر كَقَوْلِهِم فِي الدُّعَاء: رَحِمك الله.
وَالْمرَاد بِالْكَذِبِ التَّرْغِيب والبعث من قَول الْعَرَب: كَذبته نَفسه إِذا منته الْأَمَانِي وخيلت إِلَيْهِ الآمال مِمَّا لَا يكَاد يكون. وَذَلِكَ مَا يرغب الرجل فِي الْأُمُور
ويبعثه على التَّعَرُّض لَهَا. انْتهى.
وَمُضر تنصب بكذب وَأهل الْيمن ترفع بِهِ. قَالَ ابْن السّكيت: يرفعون المغري بِهِ وَمن نصب فعلى الْأَمر والإغراء.
стр. 1912
وَأورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَوَصيَّنَا الإنسانَ بِوَالديه حسْناً على أَن وصّى يجرى مجْرى أَمر معنى وتصرفاً.
والقراطف: جمع قرطفٍ كجعفر وَهُوَ القطيفة أَي: كسَاء مخمل. والقروف: جمع قرف بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ وعاءٌ من جلد يدبغ بالقرفة بِالْكَسْرِ وَهُوَ قشور الرُّمَّان وَيجْعَل فِيهِ الْخلْع ويطبخ بتوابل فيفرغ فِيهِ. وَالْخلْع بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام: لحم يطْبخ بالتوابل ثمَّ يَجْعَل فِي القرف ويتزود بِهِ فِي الْأَسْفَار. وَالْوَاو وَاو رب.
يَقُول: رب امْرَأَة ذبيانية أمرت بنيها أَن يستكثروا من نهب هذَيْن الشَّيْئَيْنِ إِن ظفروا بعدوهم وغنموا وَذَلِكَ لحاجتهم وَقلة مَالهم. كَذَا فِي أَبْيَات الْمعَانِي لِابْنِ قُتَيْبَة وَفِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لمعقر الْبَارِقي مدح بهَا بني نمير وَذكر مَا فعلوا ببني ذبيان بشعب جبلة وَهُوَ يَوْم كَانَت فِيهِ وقْعَة بَين بني ذبيان وَبَين بني عَامر فظهرت بَنو عَامر على بني ذبيان فِي ذَلِك الْيَوْم.
وَبعد هَذَا الْبَيْت:)
(تجهّزهم بِمَا اسطاعت وَقَالَت ... بنيّ فكلّكم بطلٌ مسيف)
(فأخلفنا مودّتها فقاظت ... ومأقي عينهَا حذلٌ نطوف)
وَبني: منادى أَي: يَا بني وَالْفَاء فِي فكلكم فصيحة أَي: إِن تغزوا فكلكم الخ.
стр. 1913
قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَابْن الْأَعرَابِي: المسيف الَّذِي ذهب مَاله وَوَقع فِي إبِله السواف. يُقَال: أساف الرجل أَي: هلك مَاله. والسواف بِالْفَتْح وَقيل بِالضَّمِّ: مرض المَال وهلاكه. يُقَال: وَقع فِي المَال سواف أَي: موت. تَعْنِي أَن أَوْلَادهَا فُقَرَاء. تحرضهم على الْغَنِيمَة.
وَقَوله: فأخلفنا مودتها الخ أَي: أخلفنا هَواهَا وخيبنا مأمولها. وقاظت أَي: أَقَامَت فِي القيظ وَهُوَ الصَّيف. والحذل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: الموق الَّذِي فِيهِ بثر وَحُمرَة. والمأقي: لُغَة فِي الموق وَهُوَ طرف الْعين نَاحيَة الْأنف. ونطوف أَي: سَائل. يُقَال: نطف المَاء ينطف بِالضَّمِّ وَالْكَسْر إِذا سَالَ.
ومعقر بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين وَتَشْديد الْقَاف الْمَكْسُورَة وَهُوَ معقر بن أَوْس ابْن حمَار على لفظ وَاحِد الْحمير ابْن الْحَارِث بن حمَار بن شجنة بن مَازِن بن ثَعْلَبَة بن كنَانَة بن بارق وَهُوَ لقب واسْمه سعد.
قَالَ صَاحب الْعباب: وبارق أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَاسم بارق سعد بن عدي بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء الْأَزْدِيّ. قيل: بارق فِي الأَصْل جبل بِالْيمن نزله بَنو عدي بن حَارِثَة فسموا بِهِ.
وَكَانَ قوم معقر قد حالفوا بني نمير بن عَامر فِي الْجَاهِلِيَّة لدمٍ أَصَابُوهُ مِنْهُم وشهدوا يَوْم جبلة وَكَانَ معقر قد كف بَصَره وَكَانَ قبل ذَلِك
стр. 1914
من فرسَان قومه وشعرائهم الْمَشْهُورين يَوْم جبلة وَكَانَ قبل الْإِسْلَام بتسع وَخمسين سنة قبل
المولد الشريف النَّبَوِيّ بتسع عشرَة سنة. كَذَا فِي الأغاني للأصبهاني.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل
(وليلٍ يَقُول النّاس من ظلماته ... سواءٌ صحيحات الْعُيُون وعورها)
(كأنّ لنا مِنْهُ بُيُوتًا حَصِينَة ... مسوحاً أعاليها وساجاً كسورها)
على أَن مسوحاً وساجاً نعتان لقَوْله: بُيُوتًا. وَصَحَّ النَّعْت بهما مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا اسْم جَوْهَر أَي: جسم لتأويلهما بالمشتق. فَالْأول يؤول بسوداً وَالثَّانِي بكثيفاً.
قَالَ ابْن مَالك: رفع الأعالي والكسور بمسوح وساج لإقامتهما مقَام سود.
وَقَالَ السيرافي: ذهب بمسوح إِلَى سود وبساج إِلَى كثيف. انْتهى.
وَأورد ابْن جني هَذَا الْبَيْت فِي إِعْرَاب الحماسة مَعَ نَظَائِر لَهُ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا يدلك من مذهبها على أَنَّهَا إِذا نقلت شَيْئا من مَوْضِعه إِلَى مَوضِع آخر مكنته فِي الثَّانِي. أَلا ترى أَن هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا أَسمَاء فِي أُصُولهَا وَلما
стр. 1915
نقلتها إِلَى أَن وصفت بهَا مكنتها وَثبتت أقسامها فِيهِ حَتَّى رفعت بهَا الظَّاهِر وَحَتَّى أنثتها تَأْنِيث الصّفة
وأجرتها على مَا قبلهَا جَرَيَان الصِّفَات على موصوفاتها.
وَعكس ذَلِك مَا أخرج من الصّفة إِلَى الِاسْم فمكن فِيهِ نَحْو صَاحب ووالد. أَلا تراهم حموا كَلَامهم أَن يَقُولُوا فِيهِ: مَرَرْت بِإِنْسَان صَاحب حَتَّى صَار صَاحب بِمَنْزِلَة جَار وَغُلَام. انْتهى بِاخْتِصَار.
والمسوح: جمع مسح بِالْكَسْرِ وَهُوَ البلاس بِكَسْر الْمُوَحدَة وَفتحهَا وَهُوَ فَارسي مُعرب أوردهُ الجواليقي فِي المعربات وَهُوَ ينسج من الشّعْر الْأسود.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَأهل الْمَدِينَة يسمون الْمسْح بلاساً. وَمن دُعَائِهِمْ: أرانيك الله على البلس وَهِي غَرَائِر كبار من مسوح يَجْعَل فِيهَا التِّبْن فيشهر عَلَيْهَا من ينكل بِهِ وينادى عَلَيْهِ.
والساج بِالْجِيم: ضرب من الشّجر لَا ينْبت إِلَّا بِالْهِنْدِ والزنج يجلب خشبه وَهُوَ أسود. وَإِلَيْهِ يُشِير تَفْسِير الشَّارِح لَهُ بالكثيف. والساج أَيْضا: الطيلسان الْأَخْضَر وَهُوَ ألوان مُتَقَارِبَة يُطلق كل مِنْهَا على الآخر. وَبِهَذَا الْمَعْنى فسر الساج هَا هُنَا.
قَالَ غُلَام ثَعْلَب فِي كتاب الْيَوْم وَاللَّيْلَة: يُقَال: إِن أشعر مَا قيل فِي الظلمَة قَول مُضرس. وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. ثمَّ قَالَ: يُرِيد الطيلسان.)
وَكَذَلِكَ قَالَ الشريف ضِيَاء الدَّين هبة الله عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي فِي الحماسة الَّتِي صنفها كحماسة أبي تَمام وَزَاد عَلَيْهِ أبواباً كَثِيرَة وَأورد
стр. 1916
فِيهَا أشعاراً جَيِّدَة وَقد أَجَاد فِي الِاخْتِيَار والنقد عِنْدَمَا أورد هَذَا الشّعْر فِيهَا. وعَلى هَذَا يؤول الأول بسوداً كثيفة وَالثَّانِي بأسود لطيف.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الحصري فِي زهر الْآدَاب بَعْدَمَا أورد الْبَيْتَيْنِ بقوله: أَرَادَ أَن أَعْلَاهُ أَشد ظلاما من جوانبه. وَهَذَا معلومٌ حسا فَإِن الْإِنْسَان إِذا كَانَ قَائِما فِي
الظلام لَا يكَاد يرى شَيْئا وَإِذا لطئ بِالْأَرْضِ فَرُبمَا رأى شَيْئا.
والكسور: جمع كسر بِكَسْر الْكَاف وَهُوَ أَسْفَل شقة الْبَيْت الَّتِي تلِي الأَرْض من حَيْثُ يكسر جانباه من يَمِينك ويسارك. وَفِي جَمِيع نسخ الشَّرْح ستورها بدل كسورها وَالظَّاهِر أَنه تَحْرِيف من الْكتاب.
والبيوت: جمع بَيت قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: الْبَيْت عِنْد الْعَرَب هُوَ مَا يكون من صوف أَو شعر والخيمة لَا تكون إِلَّا من شجر.
وَضمير أعاليها وكسورها رَاجع للبيوت. شبه اللَّيْل بِالْبُيُوتِ الحصينة للتحصين بهول الظلام فَإِنَّهُ لَا يقدر أحد أَن يهجم على أحد.
وَقَوله: وليل يَقُول النَّاس الخ من التَّعْلِيل سَوَاء خبر مقدم وصحيحات مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة مقول القَوْل أَي: الْعُيُون الصَّحِيحَة والعيون العور سَوَاء فِي عدم رُؤْيَة شَيْء لتكاثف الظلام.
وَرُوِيَ: بصيرات الْعُيُون وَالْوَاو فِي وليل هِيَ وَاو رب وجوابها: تجاوزته فِي بيتٍ بعدهمَا وَهُوَ:
(تجاوزته فِي ليلةٍ مدلهمّةٍ ... يُنَادي صداها نَاقَتي يستجيرها)
كَأَنَّهُ أَرَادَ بليلة قِطْعَة مِنْهَا. والمدلهمة: الشَّدِيدَة السوَاد.
وَرُوِيَ:
стр. 1917
تجاوزته فِي همّة مشمعلّة أَي: سريعة. والصدى من طيور اللَّيْل وَهُوَ ذكر البوم وَإِنَّمَا استجار بناقته لتفاقم هول اللَّيْل فَأَرَادَ أَن يصحبها ليأمن. وَالْأَصْل يستجير بهَا فَحذف وَوصل.
قَالَ الشريف صَاحب الحماسة: من أحسن مَا وصف بِهِ سَواد اللَّيْل هَذِه الأبيات.
وَقبلهَا بيتان فِي وصف الْيَوْم وهما:)
(ويومٍ من الشعري كأنّ ظباءه ... كواعب مقصورٌ عَلَيْهَا ستورها)
(نصبت لَهُ وَجْهي وكلّفت حميه ... أفانين حرجوجٍ بطيءٍ فتورها)
أَي: رب يَوْم من أَيَّام طُلُوع الشعري وَهُوَ الْكَوْكَب الَّذِي يطلع بعد الجوزاء وطلوعه فِي شدَّة الْحر. والكواعب: جمع كاعب وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي يَبْدُو ثديها للنهود. وَقصرت السّتْر: أرخيته.
شبه الظباء الكانسة من شدَّة الْحر بعذارى أرخي عَلَيْهِنَّ السّتْر لِئَلَّا يراهن أحد.
ونصبت لَهُ أَي: لذَلِك الْيَوْم. وَنصب الشَّيْء: أَقَامَهُ وَهُوَ جَوَاب رب. وكلف يتَعَدَّى لمفعولين أَولهمَا حميه أَي: حمي ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ مصدر حميت الشَّمْس وَالنَّار مثلا إِذا اشْتَدَّ حرهما.
وَثَانِيهمَا أفانين وَهُوَ جمع أفنون بِالضَّمِّ وَهُوَ الجري الْمُخْتَلط من جري الْفرس والناقة. كَذَا فِي الْقَامُوس.
والحرجوج بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وجيمين أَولهمَا مَضْمُومَة وَهِي النَّاقة السمينة وَقيل الشَّدِيدَة وَقيل الضامرة الوقادة الْقلب. وبطيء بِالْجَرِّ صفة سَبَبِيَّة لحرجوج وفتورها فَاعل بطيء وَالضَّمِير لحرجوج. والفتور: مصدر فتر من بَاب دخل إِذا ضعف وتعب.
стр. 1918
وَهَذِه الأبيات لمضرس بن ربعي وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة الْأَسدي. وَهُوَ شَاعِر جاهلي وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة فِي اللُّغَة الْأسد الَّذِي يمضغ لحم فريسته وَلَا يبتلعه.
وَقد ضرس فريسته تضريساً إِذا فعل بهَا ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المضرس الَّذِي قد جرب الْأُمُور وَقيل: مُشْتَقّ من الضرس أَي: قد نبت لَهُ ضرس الْحلم.
وَهَذَا نسبه من المؤتلف والمختلف للآمدي: مُضرس بن ربعي بِكَسْر
الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء المكسور مَا قبلهَا ابْن لَقِيط بِفَتْح اللَّام بن خَالِد بن نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن الأشتر بن جحوان بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ابْن فقعس بن طريف بن عَمْرو بن قعين بِضَم الْقَاف ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بِضَم الدَّال ابْن أَسد بن خُزَيْمَة.
وَهُوَ شَاعِر محسن مُتَمَكن وَهُوَ الْقَائِل: الطَّوِيل
(فَلَا تهلكنّ النّفس لوماً وحسرةً ... على الشَّيْء سدّاه لغيرك قادره)
(وَلَا تيأسن من صالحٍ أَن تناله ... وَإِن كَانَ بؤساً بَين أيدٍ تبادره)
(وَمَا فَاتَ فَاتْرُكْهُ إِذا عزّ واصطبر ... على الدّهر إِن دارت عَلَيْك دوائره))
(فإنّك لَا تُعْطِي امْرأ حظّ غَيره ... وَلَا تعرف الشّقّ الَّذِي الْغَيْث ماطره)
ورِبْعِي: مَنْسُوب إِلَى الرّبيع. وَأَرْبع الرجل إِذا ولد لَهُ ولد وَهُوَ شَاب.
стр. 1919
وَولده ربعي. وأصاف فَهُوَ مصيف إِذا ولد لَهُ بَعْدَمَا كبر. وَولده صَيْفِي.
قَالَ الراجز: الرجز
(إنّ بنيّ صبيةٌ صيفيّون ... أَفْلح من كَانَ لَهُ ربعيّون)
وَذكر الْآمِدِيّ شَاعِر آخر اسْمه مُضرس وَهُوَ مُضرس بن قرطة بن الْحَارِث أحد بني صبيح بن
(وَأقسم لَوْلَا أَن تَقول عشيرتي ... صبا بسليمى وَهُوَ أشمط راجف)
(لخفّت إِلَيْهَا من بعيدٍ مطيّتي ... وَلَو ضَاعَ من مَالِي تليدٌ وطارف)
(ذكرت سليمى ذكرةً فكأنّما ... أصَاب بهَا إِنْسَان عَيْني طارف)
(أَلا إنّما العينان للقلب رائدٌ ... فَمَا تألف العينان فالقلب آلف)
وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه مُضرس إِلَّا مُضرس بن سُفْيَان بن خفاجة. كَذَا فِي الْإِصَابَة.
وَأنْشد بعده: وَلَقَد أمرّ على اللّئيم يسبّني وَتَمَامه: فمضيت ثمّت قلت لَا يعنيني وَقد تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
стр. 1920
وَأنْشد بعده: جاؤوا بمذقٍ هَل رَأَيْت الذّئب قطّ وَهَذَا أَيْضا تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(ونظرن من خلل السّتور بأعينٍ ... مرضى مخالطها السّقام صِحَاح)
على أَن مخالطها بِالْجَرِّ صفة لأعين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سمعنَا الْعَرَب تنشد هَذَا الْبَيْت جراً. وَمرَاده الرَّد على يُونُس فِي زَعمه أَن الْوَصْف إِذا كَانَ للاستقبال يجب رَفعه على الِابْتِدَاء وَلَا يجوز إتباعه لما قبله فَلَو كَانَ كَمَا زعم لرفع الْوَصْف فَدلَّ رِوَايَة الْجَرّ على جَوَاز مَا زَعمه.)
وَنَصّ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعْضهمْ يَجعله نصبا إِذا كَانَ وَاقعا ويجعله على كل حَال رفعا إِذا كَانَ غير وَاقع. هَذَا قَول يُونُس.
وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ هُنَا فِيهِ غموض وَقد لخصه الشَّارِح الْمُحَقق وَبَين الْمذَاهب الثَّلَاثَة بألطف عبارَة وَأظْهر بَيَان فَللَّه دره مَا أحسن استنباطه وأجود تَقْرِيره.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لِابْنِ ميادة وَقَبله:
(وارتشن حِين أردن أَن يرميننا ... نبْلًا بِلَا ريشٍ وَلَا بقداح)
وَقَوله: وارتشن أَي: اتخذن ريشاً لسهامهن. وَهَذَا على طَرِيق الْمثل جعل أعينهن إِذا نظرن بِمَنْزِلَة السِّهَام الَّتِي يرْمى بهَا. ونبلاً إِمَّا مَنْصُوب بارتشن بِمَعْنى
стр. 1921
رشن وَإِمَّا مَنْصُوب بإضمار رشن كَأَنَّهُ قَالَ: ارتشن فرشن نبْلًا تَقْدِيره اتخذن ريشاً فرشن بِهِ نبْلًا.
والقداح: جمع قدح بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال وَهُوَ عود السهْم قبل أَن يوضع فِيهِ النصل والريش.
-
وروى: نبْلًا مقذذةً بِغَيْر قداح والمقذذة: السِّهَام الَّتِي لَهَا قُذَّة بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة وَهِي ريش السهْم. يُرِيد أَن السِّهَام الَّتِي أصلحنها ورمين بهَا لَيست بسهام من خشب وَإِنَّمَا هِيَ أعينهن إِذا نظرن بهَا إِلَى إِنْسَان. وخلل الستور بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْفرج الَّتِي فِيهَا.
وَأوردهُ الزّجاج فِي مَعَاني الْقُرْآن عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا قَالَ: والخلل: كل فُرْجَة تقع فِي شَيْء فَإِن مَعْنَاهُ نظرن من الْفرج الَّتِي تقع فِي الستور. انْتهى.
وَرُوِيَ: من خلل الْخُدُور جمع خدر بِالْكَسْرِ وَهُوَ السّتْر. وَجَارِيَة مخدرة إِذا ألزمت السّتْر.
أَشَارَ إِلَى أَنَّهُنَّ مصونات لَا ينظرن إِلَّا من وَرَاء حجاب. والعيون المرضى: الَّتِي فِي طرفها فتور وَجعل ذَلِك الفتور والضعف الَّذِي فِي نظرها بِمَنْزِلَة السقام فِيهَا وَهِي صِحَاح فِي أَنْفسهَا لَا عِلّة فِيهَا. وَإِنَّمَا يفتر النّظر من رُطُوبَة الْجِسْم وَالنعْمَة والترفه.
وصف نسَاء يصبن الْقُلُوب بفتور أعينهن وحسنهن فَجعل نظرهن كالسهام وَوصف عيونهن بِالْمرضِ لفتور جفونهن ثمَّ بَين أَن فتورها من غير عِلّة. فَقَوله: ونظرن مَعْطُوف على قَوْله وارتشن وَمن وَالْبَاء متعلقان بِهِ وَذكر لأجل وصفهَا الْمَذْكُور وَإِلَّا فالنظر
стр. 1922
لَا يكون إِلَّا بِالْعينِ.)
ومرضى: جمع مَرِيض وصف الْجمع بِالْجمعِ أَو جمع مَرِيضَة. والسقام فَاعل مخالط. والصحاح بِالْكَسْرِ: جمع صَحِيحَة وَهُوَ وصف ثَالِث.
وَابْن ميادة شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(حمين العراقيب الْعَصَا وتركنه ... بِهِ نفسٌ عالٍ مخالطه بهر)
على أَن مخالطه بِالرَّفْع صفة لنَفس وبهر فَاعله وَالْإِضَافَة لفظية والتنوين مُقَدّر لنِيَّة الِانْفِصَال كالبيت السَّابِق.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن ألغيت التَّنْوِين وَأَنت تُرِيدُ مَعْنَاهُ جرى مثله منوناً. وَيدل على ذَلِك أَنَّك تَقول مَرَرْت بِرَجُل ملازمك فتجر وَيكون صفة للنكرة بِمَنْزِلَتِهِ إِذا كَانَ منوناً.
وَتقول: مَرَرْت بِرَجُل مخالطٍ بدنه أَو جسده دَاء فَإِن ألغيت التَّنْوِين جرى مجْرى الأول إِذا أردْت فَإِن قلت مَرَرْت بِرَجُل مخالط دَاء وَأَرَدْت معنى الأول جرى على الأول كَأَنَّك قلت: مَرَرْت بِرَجُل مخالط غياه دَاء. فَهَذَا تَمْثِيل وَإِن كَانَ يقبح فِي الْكَلَام. فَإِذا كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ إِذا الْتبس بِغَيْرِهِ فَهُوَ
стр. 1923
إِذا الْتبس بِهِ أَحْرَى أَن يجْرِي عَلَيْهِ. انْتهى.
وَفِي الْبَيْت رد على يُونُس فِي زَعمه أَن الصّفة إِذا كَانَت للْحَال وَجب نصبها على الْحَال فَإِن الرِّوَايَة بِرَفْع مخالطه على الإتباع مَعَ أَنه للْحَال لَا للاستقبال.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأنْشد غَيره أَي: غير ابْن ميادة من الْعَرَب بَيْتا آخر فأجروه هَذَا المجرى وَهُوَ قَوْله:
(حمين العراقيب الْعَصَا وتركنه)
وَالْعَمَل الَّذِي لم يَقع وَالْوَاقِع الثَّابِت فِي هَذَا الْبَاب سَوَاء وَهُوَ الْقيَاس وَقَول الْعَرَب. انْتهى.
وَظهر من هَذَا أَن قَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَأنْشد غَيره دَاخل تَحت مقول قَول سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ ظَاهر الْعبارَة يُوهم أَن المنشد غير سِيبَوَيْهٍ.
وَقَوله أَيْضا: وليونس أَن يحمل رَفعه على الِابْتِدَاء هُوَ تَخْرِيج الأعلم فِي شرح أَبْيَات الْكتاب.
قَالَ: وَيجوز أَن يكون رفعهما على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر.)
وَقَول ابْن خلف وَلم ينصب مخالطه على الْحَال لِأَن المخالطة فاعلها البهر سَاقِط وَمَا الْمَانِع من كَونه حِينَئِذٍ حَالا سَبَبِيَّة والعراقيب والعصا مفعولان لحمين وتركنه مَعْطُوف على حمين بِمَعْنى فارقنه. وَجُمْلَة بِهِ نفس عَال الخ حَال من الْهَاء. والبهر بِالضَّمِّ: تتَابع النَّفس من التَّعَب.
يَعْنِي أَنَّهُنَّ سرن سيراً شَدِيدا ففتن الْحَادِي فحمين عراقيبهن من ضربه بالعصا فَأَخذه البهر لشدَّة عدوه خلفهن. وَقَوله: حمين العراقيب جَوَاب إِذا فِي بَيت قبله وَهُوَ:
(إِذا اتزر الْحَادِي الكميش وقوّمت ... سوالفها الرّكبان وَالْحلق الصّفر)
стр. 1924
واتزر بِمَعْنى لبس الْإِزَار. وَالْحَادِي: سائق الْإِبِل. والكميش: السَّرِيع الْمَاضِي. وَقد كمش بِالضَّمِّ كماشة فَهُوَ كمش وكميش. وقومت: عدلت. والسوالف: جمع سالفة وَهِي الْإِبِل وَالْخَيْل: الهادية أَي: مَا تقدم من الْعُنُق وَهُوَ مفعول مقدم والركبان فَاعل مُؤخر وَالْحلق مَعْطُوف على
الركْبَان وَهُوَ جمع حَلقَة بِالتَّحْرِيكِ أَيْضا وَأَرَادَ بهَا الْبرة وَهِي حَلقَة من نُحَاس تجْعَل فِي أنف الْإِبِل لتذليلها. والصفر: النّحاس بِضَم الصَّاد وَكسرهَا: وصف فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ سرعَة الْإِبِل.
وهما من قصيدة للأخطل وَهُوَ شَاعِر نَصْرَانِيّ من شعراء الدولة الأموية ومادحيهم.
وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل
(قُولُوا لهَذَا الْمَرْء ذُو جَاءَ ساعياً ... هلمّ فإنّ المشرفيّ الْفَرَائِض)
على أَن ذُو الطائية إِنَّمَا وَقعت وَصفا وَإِن كَانَت على حرفين لمشابهتها لذُو الْمَوْضُوعَة للوصف بأسماء الْأَجْنَاس.
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة لقوال الطَّائِي أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة.
والساعي: الْوَالِي على صَدَقَة الزَّكَاة. يُقَال: سعى الرجل على الصَّدَقَة يسْعَى سعياً: عمل فِي أَخذهَا من أَرْبَابهَا. وهلم: أقبل وتعال. المشرفي: بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء هُوَ السَّيْف نسب إِلَى المشارف وَهِي قرى كَانَت السيوف
стр. 1925
تصنع فِيهَا. الْفَرَائِض جمع فَرِيضَة وَهِي الْأَسْنَان الَّتِي تصلح أَن تُؤْخَذ فِي الصَّدقَات.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْفَرِيضَة مَا فرض فِي السَّائِمَة من الصَّدَقَة يُقَال: أفرضت الْمَاشِيَة أَي: وَجَبت فِيهَا الْفَرِيضَة وَذَلِكَ إِذا بلغت نِصَابا. يَقُول: أبلغا هَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ لأخذ الصَّدقَات تعال فَإِن لَك عندنَا السَّيْف بَدَلا من الْفَرَائِض.
قَالَ التبريزي: وَهَذَا مَأْخُوذ من الْمثل السائر: خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. وجذع: رجل أَتَاهُ
(وإنّ لنا حمضاً من الْمَوْت منقعاً ... وإنّك مختلّ فَهَل أَنْت حامض)
أَي: وقولا لَهُ: إِن لنا حمضاً بِفَتْح الْمُهْملَة وَهُوَ من النَّبَات مَا لَهُ ملوحة ومرارة. والخلة بِضَم الْمُعْجَمَة: مَا كَانَ حلواً من النَّبَات.
تَقول الْعَرَب: الْخلَّة خبز الْإِبِل والحمض فاكهتها وَيُقَال: لَحمهَا. وَمِنْه قَوْلهم للرجل إِذا جَاءَ متهدداً: أَنْت مختل فتحمض المختل: الَّذِي يرْعَى الْخلَّة.
قَالَ التبريزي: وَمَا فِي الْبَيْت مثل يَقُول: قد مللت الْعَافِيَة والسلامة فَهَلُمَّ إِلَى الشَّرّ. والخلة مثل ضربه للحياة والحمض مثل ضربه للْمَوْت. يَقُول: إِن ضَاقَ صدرك من الْحَيَاة فَأَتَيْنَ مُصدقا فَإِنِّي أَقْتلك. والمنقع بزنة اسْم الْمَفْعُول: الثَّابِت. يُقَال: انقع لَهُ الشَّرّ حَتَّى يسأم أَي: أدمه.
(أظنّك دون المَال ذُو جِئْت تبتغي ... ستلقاك بيضٌ للنّفوس قوابض)
المَال: الْمَاشِيَة وَدون مُتَعَلق بأظنك لَا بجئت وَلَا بتبتغي لِأَن مَعْمُول
стр. 1926
الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول وَذُو هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي للظن بِمَعْنى الَّذِي وَالْبيض: السيوف. أَرَادَ التهكم وَقد خلط)
بِهِ التوعد والاستهانة وَلذَلِك قَالَ: أَظُنك. وتبتغي جملَة حَالية ومفعوله مَحْذُوف.
وَالْمعْنَى أحسبك الَّذِي جَاءَ دون المَال تبتغي صدقاته سترى مَا أهيئ لَك من سويف تنتزع الْأَرْوَاح.
وقوال الطَّائِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو: شَاعِر إسلامي فِي آخر الدولة الأموية وَقد أدْرك الدولة العباسية.
وَقَالَ هَذِه الأبيات فِي مُصدق جَاءَ يطْلب مِنْهُم إبل الصَّدَقَة. وسببها هُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو رياش فِي شرح الحماسة.
وَقَالَ: كَانَ من خبر هَذِه الأبيات أَن معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله حدث أَنه تزوج امْرَأَة من بني بدر بن فَزَارَة قَالَ: وَكَانَ شباب من بني بدر يزوروننا فَأدْرك الثِّمَار فَاجْتمعُوا على نَبِيذ لَهُم مَعَ شباب منا فأسرع فيهم الشَّرَاب فَوَقع بَينهم كَلَام فَوَثَبَ غُلَام منا فَضرب شَابًّا من بني بدر فَشَجَّهُ فَمَاتَ مِنْهَا فَقلت للبدريين: لكم دِيَة صَاحبكُم.
فَأَبَوا إِلَّا أَن يدْفع الطَّائِي إِلَيْهِم وأبيت أَن أفعل فَأتوا صَاحب الْمَدِينَة فِي ذَلِك وَكُنَّا قد منعنَا الصَّدَقَة حِين وَقعت الْفِتْنَة فَكتب أُميَّة بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان ابْن عَفَّان عَامل صَدَقَة الحليفين: طَيئ وَأسد إِلَى مَرْوَان الْحمار آخر مُلُوك بني أُميَّة يُخبرهُ بمنعنا الصَّدَقَة وقتلنا الرجل فَكتب إِلَيْهِ: أَن سير إِلَيْهِم جَيْشًا. وَكتب إِلَيّ: أَن مكن الْبَدْرِيِّينَ من صَاحبهمْ وأد الصَّدَقَة وَإِلَّا فقد أمرت رَسُولي أَن يأتيني بك وَإِن أَبيت أَتَانِي برأسك ثمَّ وَالله لأبيلن الْخَيل فِي عرصاتك فَأمرت بِضَرْب عنق
стр. 1927
الرَّسُول.
فَقَالَ الرَّسُول: إِن الرَّسُول لَا يقتل وَإِنِّي لأسير فِيكُم يَا معشر طَيئ استحياء
فَقلت: قد صدقت وخليت سَبيله وَقلت لَهُ: قل لمروان: آلَيْت تبيل الْخَيل فِي عرصاتي وبيني وَبَيْنك رمل عالج وعديد طَيئ حَولي والجبلان خلف ظَهْري فاجهد جهدك فَلَا أبقى الله عَلَيْك إِن أبقيت.
وَكتب إِلَيْهِ: الوافر
(أَلا من مبلغٌ مَرْوَان عنّي ... على مَا كَانَ من نأي المزار)
(ألم تَرَ للخلافة كَيفَ ضَاعَت ... إِذا كَانَت بأبناء السّراري)
(إِذا كَانَت بِذِي حمقٍ ترَاهُ ... إِذا مَا نَاب أمرٌ كالحمار))
وَكتب إِلَيْهِ غَالب بن الْحر الطَّائِي: الطَّوِيل
(لقد قلت للرّكبان من آل هَاشم ... وَمن عبد شمس والقبائل تسمع)
(قفوا أيّها الرّكبان حتّى تبيّنوا ... ويأتيكم الْأَمر الَّذِي لَيْسَ يدْفع)
(وحتّى تروا أَيْن الإِمَام وتشعبوا ... عَصا الْملك إِذْ أَمْسَى وبالملك مضيع)
(أرى ضَيْعَة لِلْمَالِ أَن لَا يضمّه ... إمامٌ وَلَا فِي أَهله المَال يودع)
فَكتب إِلَى عبد الْوَاحِد بن منيع السَّعْدِيّ من سعد بن بكر وَإِلَى أُميَّة بن عبد الله ابْن عَمْرو بن عُثْمَان: أَن سر بِأَهْل الشَّام وَأهل الْمَدِينَة وَأهل الْبَوَادِي وَقيس وَغَيرهم إِلَى معدان حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُ الصَّدَقَة وتقيدوا الْبَدْرِيِّينَ من صَاحبهمْ وأوطئوا الْخَيل بِلَاد طَيئ وائتوني بمعدان فَسَار أُميَّة فِي ثَلَاثِينَ ألفا من أهل الْمَدِينَة وَالشَّام والبوادي من قيس وَأسد وَبعث إِلَى كل
стр. 1928
صَاحب ذحل ودمنة يطْلبهَا فِي طَيئ وَقدم على مقدمته رجلا يُقَال لَهُ: الحريز بن يزِيد بن حمل من الضباب وثارت قيس تطلب الثأر من طَيئ.
قَالَ معدان: وَكنت فِي اثْنَي عشر ألفا فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى عَسْكَر أُميَّة إِذا جبال
الْحَدِيد وعسكر لَا يرى طرفاه فَرفع طَيئ النَّار على أجأ فَاجْتمعُوا فنحروا الجزر وَعمِلُوا من جلودها درقاً وطعموا من لحومها.
فَقلت: يَا بني خيبري وَيَا معشر طَيئ هُوَ وَالله يومكم لبَقَاء الدَّهْر أَو لهلاك فَإِذا وَقع النبل عنْدكُمْ فقبح الله أجزع الْفَرِيقَيْنِ فصاففناهم فرموا بِالنَّبلِ ثمَّ شددنا عَلَيْهِم شدَّة رجل وَاحِد فَمَا كَانَ إِلَّا سيف أَو سيفان حَتَّى قتل الحريز وسرحان مولى قيس.
واستحر الْقَتْل فِي قيس لأَنهم حاموا عَن الحريز وَكَانَ يَلِي الْمَعَادِن فَقتل من قيس ثلثمِائة وانهزموا أقبح هزيمَة وأسوأها فَأتيت بأمية أَسِيرًا فخليت سَبيله وأتيت بِجَارِيَة لَهُ فأحلقتها بِهِ إِلَى الْمَدِينَة وناديت أَن لَا يتبعوا مُدبرا وَلَا يجهزوا على جريح وَإِن الْكتاب الَّذِي كتبه مَرْوَان لفي أَيْدِينَا مَا نحسن أَن نقرأه وَجَدْنَاهُ فِي مَتَاعه حَتَّى قَرَأَهُ بعض فتياني فَإِذا فِيهِ: اقْتُل واسب.
وَبِاللَّهِ لَو كنت علمت مَا فِي الْكتاب مَا أفلت مِنْهُم صبي فَكتب صَاحب الْمَدِينَة إِلَى مَرْوَان يُخبرهُ بِمَا صنعت طَيئ من قتل الحريز وسرحان وَأسر أُميَّة وَقتل ابْنه وَمَا لقِيت قيس وَمن أجَاب دَعوته. فَوجه مَرْوَان من عِنْده ابْن رَبَاح الغساني فِي عشرَة آلَاف فَكتب ابْن هُبَيْرَة إِلَى مَرْوَان بقتل ابْن ضبارة وفصول قَحْطَبَةَ مُتَوَجها من الرّيّ.)
فَقَالَ: مَا تصنع
стр. 1929
بشغل عشرَة آلَاف فِي قتال أَعْرَاب طَيئ فصرفهم إِلَى ابْن هُبَيْرَة.
قَالَ معدان: وكتبت إِلَى قَحْطَبَةَ وَبعثت رَسُولا فوافقه بهمذان والجيش بنهاوند فَكتب إِلَيّ يسدد رايي ويصوب أَمْرِي ويخبر أَنه لَو قدم الْكُوفَة بعث إِلَيّ جنداً.
ثمَّ كَانَ من أَمر قَحْطَبَةَ مَا كَانَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس السفاح فَقدمت إِلَيْهِ فِي مِائَتي
رجل من طَيئ فَأمر لي بِعشْرين ألف دِرْهَم وخلعة وَأمر لِأَصْحَابِي بثلاثمائة ثَلَاثمِائَة وَخص قوما نَحوا من ثَلَاثِينَ رجلا بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم لكل رجل ولعشرة مِنْهُم بِأَلف لكل رجل فوَاللَّه مَا رزأنا مَرْوَان وَلَا جنده وَلَا عماله شَاة وَلَا بَعِيرًا وَإِنَّا لأوّل من نقم عَلَيْهِ وَنصر آل مُحَمَّد حَتَّى انْتهى إِلَيْنَا صاحبنا قَحْطَبَةَ بن شبيب بن خَالِد بن معدان ولجأ إِلَيّ يَوْمئِذٍ فِرَارًا من الْحَرْب عبد الْعَزِيز بن أبي دهبل الْجَعْفَرِي وَكُنَّا أَخْوَاله فَقَالَ عبد الْعَزِيز يمدح معدان فِي قِطْعَة: الطَّوِيل وقيلت أشعاراً كَثِيرَة فِي تِلْكَ الْوَقْعَة أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ
стр. 1930
: الطَّوِيل
(وَلَا تجعلي ضيفيّ ضيفٌ مقرّبٌ ... وَآخر معزولٌ عَن الْبَيْت جَانب)
على أَنه يجوز الْقطع إِلَى الرّفْع فِي خبر نواسخ الْمُبْتَدَأ فَإِن جعل هُنَا بِمَعْنى صير من نواسخ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ينصبهما على المفعولية وضيفي الْمَفْعُول الأول وَهُوَ فِي الأَصْل مُبْتَدأ وَهُوَ مثنى مُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وضيف مقرب وَآخر بِتَقْدِير وضيف آخر كَانَا فِي الأَصْل منصوبين على أَنَّهُمَا مفعول ثَان لجعل وَفرق بَينهمَا
بالْعَطْف لأجل وصف كل مِنْهُمَا بِصفة تغاير الآخر فقطعا من المفعولية إِلَى الْمُبْتَدَأ فَيكون الْخَبَر محذوفاً أَي: مِنْهَا ضيف مقرب ومنهما ضيف آخر الخ. أَو هما خبران لمَحْذُوف أَي: أَحدهمَا ضيف مقرب وَثَانِيهمَا ضيف آخر الخ. وَجُمْلَة الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي مَحل نصب على أَنَّهُمَا الْمَفْعُول الثَّانِي لجعل.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ بعد إنشاده هَذَا الْبَيْت: وَالنّصب جيد كَمَا قَالَ الْجَعْدِي: الطَّوِيل
(وَكَانَت قشيرٌ شامتاً بصديقها ... وَآخر مزرياً عَلَيْهِ وزاريا)
قَالَ الْأَخْفَش: يَعْنِي النصب فِي ضيف على الْبَدَل وَرفع جَانب بِتَقْدِير: هُوَ جَانب.
أَقُول: صَوَابه النصب على أَنه مفعول ثَان لَا على الْبَدَل وشامتاً فِي الْبَيْت نصب على أَنه خبر كَانَ. وَلم يَجْعَل الْكَلَام تبعيضاً وَلَو رفع شامتاً لَكَانَ التَّقْدِير: مِنْهُم شامت وَالْجُمْلَة حِينَئِذٍ)
خبر كَانَ.
هجا قشيراً وَهِي قَبيلَة من بني عَامر وَكَانَت بَينه وَبَينهَا مهاجاة فَجعل
следующие страницы →