Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
أَو بِمَعْنى انْكَشَفَ أمره. وَفِيه ضمير يعود على الْمَوْصُوف الْمَحْذُوف لضَرُورَة الشّعْر.
وَهَذَا على أحد التخريجين الْمَشْهُورين فِي هَذَا الْبَيْت. والتخريج الثَّانِي لسيبويه وَهُوَ أَن جلا مَعَ ضَمِيره الْمُسْتَتر جملَة محكية جعلت علما وَلَا شَاهد فِيهِ على هَذَا. وَلنَا عَلَيْهِ كَلَام أسلفناه فِي)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة الرجز
(مَالك عِنْدِي غير سهم وَحجر ... وَغير كبداء شَدِيدَة الْوتر)
جَادَتْ بكفي كَانَ من أرمى الْبشر على أَن جملَة كَانَ مَعَ ضَمِيره الْمُسْتَتر صفة لموصوف مَحْذُوف ضَرُورَة أَي: بكفي رجل أَو إِنْسَان كَانَ. وَالْأولَى بكفي رام للقرينة.
قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: لم أسمع من فِي مَوضِع الِاسْم إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع قَوْله: جَادَتْ بكفي كَانَ من أرمى الْبشر
وَقَوله: أَلا ربّ مِنْهُم من يقوم بمالكا أَلا ربّ مِنْهُم دارعٌ وَهُوَ أشوس انْتهى.
وَإِنَّمَا قَالَ لم أسمع لِأَن كَانَ فعل وَرب حرف وَلَا يليهما إِلَّا الْأَسْمَاء. وَبِهَذَا يسْتَدلّ على حرفية من التبعيضية لِأَن رب لَا تجر إِلَّا النكرَة.
стр. 1962
وَأَقُول: لَوْلَا وُقُوع هَذَا الْمَوْصُوف مُضَافا إِلَيْهِ هُنَا لجَاز أَن يكون من قبيل: وكلمتها ثِنْتَيْنِ كَالْمَاءِ مِنْهُمَا وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص: رُوِيَ أَيْضا بِفَتْح مِيم من أَي: بكفي من هُوَ أرمى الْبشر وَكَانَ على هَذَا زَائِدَة. انْتهى.
أَقُول: جعل من على هَذِه الرِّوَايَة نكرَة مَوْصُوفَة أولى من جعلهَا مَوْصُولَة.
وَقَوله: مَالك عِنْدِي الخ لَك: ظرف مُسْتَقر وَغير: فَاعله وَعِنْدِي: مُتَعَلق بلك. وكبداء أَي: قَوس كبداء وَهِي الَّتِي يمْلَأ الْكَفّ مقبضها. وجادت أَي: أَحْسَنت.
وَهَذِه رِوَايَة ثَعْلَب وَابْن جني وَغَيرهمَا وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ترمي بدل جدل جَادَتْ ويروى فِي بعض نسخ هَذَا الشَّرْح كَانَت وَهَذَا لَا يُنَاسب الْمَعْنى.)
وَقَوله: بكفي مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه حَال وَهُوَ مثنى كف وحذفت النُّون للإضافة.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 1963
الوافر
(كأنّك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجلَيْهِ بشنّ)
على أَن حذف الْمَوْصُوف هُنَا بِدُونِ أَن يكون بَعْضًا من مجرور بِمن أَو فِي لضروة الشّعْر وَالتَّقْدِير: كَأَنَّك جمل بني أقيش. وَهَذَا مِثَال لقِيَام الظروف مقَام الْمَوْصُوف لضَرُورَة الشّعْر والبيتان قبله لقِيَام الْجُمْلَة مقَامه كَذَلِك.
وَقد أوردهُ ابْن النَّاظِم والمرادي فِي شرح الألفية كَمَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَفِيه أَن الْبَيْت من الْقسم الأول وَهُوَ أَن الْمَوْصُوف بِالْجُمْلَةِ أَو الظّرْف إِذا كَانَ بَعْضًا من مجرور بِمن أَو فِي يجوز حذفه كثيرا.
وَبَيَانه أَن الْمَوْصُوف يقدر هُنَا قبل يقعقع وَالْجُمْلَة صفة لَهُ أَي: كَأَنَّك جمل يقعقع وَهُوَ بعض من الْمَجْرُور بِمن وَيكون قَوْله من جمال بني أقيش حَالا من ضمير يقعقع الرَّاجِع إِلَى جمل الْمَحْذُوف.
وَقد أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل وَصَاحب اللّبَاب فِيمَا يجوز حذف الْمَوْصُوف مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُمَا جعلاه خَبرا لَكَانَ كالشارح الْمُحَقق. وهما فِي ذَلِك تابعان لسيبويه فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَاب حذف الْمُسْتَثْنى اسْتِخْفَافًا قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلك لَيْسَ غير وَلَيْسَ إِلَّا كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ إِلَّا ذَاك وَلَيْسَ غير ذَاك وَلكنه حذفوا ذَلِك تَخْفِيفًا واكتفاءً بِعلم الْمُخَاطب مَا يعْنى.
وَسَمعنَا بعض الْعَرَب الموثوق بهم يَقُول: مَا مِنْهُمَا مَاتَ حَتَّى رَأَيْته فيي حَال كَذَا وَإِنَّمَا يُرِيد مَا مِنْهُمَا وَاحِد مَاتَ.
وَمثل ذَلِك قَوْله تَعَالَى جده: وإنْ من أهلِ الكِتاب إلَاّ لِيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوته وَمثل ذَلِك من الشّعْر: كأنّك من جمال بني أقيش
стр. 1964
أَي: كَأَنَّك جمل من جمال بني أقيش.
وَمثل ذَلِك قَوْله أَيْضا: لَو قلت مَا فِي قَومهَا لم تيثم)
الْبَيْت. انْتهى.
وَلَيْسَ فِي كَلَامهم مَا يشْعر كَونه من قبل الضَّرُورَة بل جعله الزَّمَخْشَرِيّ وَصَاحب اللّبَاب من قبل مَا إِذا ظهر أَمر الْمَوْصُوف ظهوراً يسْتَغْنى مَعَه عَن ذكره فَحِينَئِذٍ يجوز تَركه وَإِقَامَة الصّفة مقَامه. وَلم يذكر مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق من جَوَاز حذفه كثيرا إِذا كَانَ بَعْضًا من مجرور بِمن أَو وَقَوله: بني أقيش بِضَم الْهمزَة وَفتح الْقَاف وَآخره شين مُعْجمَة. قَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ حَيّ من عكل وجمالهم ضِعَاف تنفر من كل شَيْء ترَاهُ.
وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: بَنو أقيش: حَيّ من الْجِنّ وَإِنَّمَا أَرَادَ إِنَّك نفور وَلَيْسَ لَك مَعْقُود رَأْي.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: جمال بني أقيش حوشية لَيست ينْتَفع بهَا فَيضْرب بنفارها الْمثل.
وَرَأَيْت فِي جمهرة الْأَنْسَاب: أقيش بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عَمْرو ابْن كَعْب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقيل: بَنو أقيش فَخذ من أَشْجَع وَقيل: حَيّ من الْيمن.
ويقعقع بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والقعقعة: تَحْرِيك الشَّيْء الْيَابِس الصلب. والشن بِالْفَتْح: الْقرْبَة البالية وَجَمعهَا شنان وتقعقعها يكون بِوَضْع الْحَصَا فِيهَا
وتحريكها فَيسمع مِنْهَا صَوت وَهَذَا مِمَّا يزيدها نفوراً. وَقع مثله فِي شعر صَخْر بن حبناء يُخَاطب أَخَاهُ الْمُغيرَة: الوافر
(تجنّيت الذّنوب عليّ جهلا ... لقد أولعت وَيحك بالتّجنّي)
(كأنّك إِذْ جمعت المَال عيرٌ ... يقعقع خلف رجلَيْهِ بشنّ)
وَمِنْه الْمثل: فلَان مَا يقعقع لَهُ بالشنان يضْرب لمن لَا يتضع لما ينزل بِهِ من حوادث الدَّهْر وَلَا يروعه مَا لَا حَقِيقَة لَهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى: يضْرب للرجل الشرس الصعب أَي: لَا يهدد وَلَا ينْزع.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني. قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: سَبَب هَذَا الشّعْر أَن بني عبس قتلوا رجلا من بني أَسد فقتلت بَنو أَسد رجلَيْنِ من بني عبس فَأَرَادَ عُيَيْنَة بن حصن الفرزاري أَن يعين بني عبس عَلَيْهِم وينقض الْحلف الَّذِي بَين بني ذبيان وَبَين بني أَسد فَقَالَ لَهُ النَّابِغَة: أتخذل بني أَسد وهم حلفاؤنا وناصرونا وَتعين بني عبس عَلَيْهِم. انْتهى.
وَهَذِه أَبْيَات من القصيدة بعد ثَمَانِيَة أَبْيَات من أَولهَا: الوافر
(أتخذل ناصري وتعزّعبساً ... أيربوع بن غيظِ للمعنّ)
(كأنّك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجلَيْهِ بشنّ)
стр. 1965
. (تكون نعَامَة طوراً وطوراً ... هويّ الرّيح تنسج كلّ فنّ)
(إِذا حاولت فِي أَسد فجوراً ... فإنّي لست مِنْك وَلست منّي)
(هم دِرْعِي الَّتِي استلأمت فِيهَا ... إِلَى يَوْم النّسار وهم مجنّي)
(وهم وردوا الجفار على تميمٍ ... وهم أَصْحَاب يَوْم عكاظ إنّي)
(شهِدت لَهُم مَوَاطِن صادقتٍ ... أتيتهم بنصح الصّدر منّي)
(بكلّ مجرّبٍ كاللّيث يسمو ... على أوصال ذيّال رفنّ)
(وَلَو أنّي أطعتك فِي أُمُور ... قرعت ندامةً من ذَاك سنّي)
стр. 1966
وَقَوله: أتخذل ناصري وتعزّ عبساً هَذَا خطاب لعيينة بن حصن وَأَرَادَ بناصره بني أَسد.
وَقَوله: أيربوع بن غيظ للمعنّ هَذَا خطاب آخر ليربوع بن غيظ بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان وَهُوَ من قوم النَّابِغَة والمعن بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة: الْمُعْتَرض فِي الْأُمُور وعنى بِهِ عُيَيْنَة بن حصن يُقَال: عَن يعن وَإنَّك لتعن فِي هَذَا الْأَمر أَي: تعرض فِيهِ. وَاللَّام فِي المعن مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي: تعجب يَا يَرْبُوع من هَذَا المتعرض.
وَقَوله: كَأَنَّك من جمال الخ هَذَا خطاب لعيينة أَيْضا. يَقُول: أَنْت سريع الْغَضَب والنفور تنفر مِمَّا لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن ينفر مِنْهُ. وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّك جبان فِي
الْحَرْب لَا تقدر على الطعان والضراب بل تنفر عَنْهَا كَمَا ينفر الْجمل عَن صَوت الشن وقعقعته.
وَقَوله: تكون نعَامَة قَالَ أَبُو عَمْرو: يَقُول: تتخيل مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا.
وَقَوله: هوي الرّيح يُرِيد طوراً تهوي هوي الرّيح. والفن: اللَّوْن وَالْجمع الْفُنُون. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: وَقَوله: إِذا حاولت فِي أَسد فجوراً اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وربائبك اللَاّتي فِي جُحورِكُمْ مِنْ نِسَائكم.
стр. 1967
وَقَوله: دِرْعِي الَّتِي الخ اللأمة بِالْهَمْزَةِ: الدرْع واستلأمتها: تحصنت فِيهَا. والمجن: الترس.
والنسار بِكَسْر النُّون: اسْم مء لبني عَامر من بني تَمِيم وفهي وقْعَة كَانَت لأسد وغَطَفَان على)
تَمِيم.
وَقَوله: وردوا الجفار الْبَيْتَيْنِ فِي الْبَيْت التَّضْمِين وَهُوَ عيب وَهُوَ أَن يتَوَقَّف على الْبَيْت الثَّانِي فَأن خبر إِن هُوَ أول الْبَيْت الثَّانِي الجفار بِكَسْر الْجِيم: اسْم مَاء لبني تَمِيم بِنَجْد.
وَقَوله: بِكُل مجرب كالليث الخ أَي: بِكُل بِشُجَاعٍ مجرب فِي الحروب. ورفن بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء قَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ السَّرِيع. وَالذَّيَّال: الطَّوِيل الذَّنب. والأوصال: المفاصل أَي: على أوصال فرس يذيل فِي مشيته سابغ الذَّنب.
والنابغة الذبياني شَاعِر جاهلي قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
(وَالْمُؤمن العائذات الطّير يمسحها ... ركبان مكّة بَين الغيل والسّند)
على أَن العائذات كَانَ فِي الأَصْل نعتاً لطير فَلَمَّا تقدم وَكَانَ صَالحا لمباشرة الْعَامِل أعرب بِمُقْتَضى الْعَامِل وَصَارَ المنعوت بَدَلا مِنْهُ فالطير بدل من العائذات وَهُوَ مَنْصُوب إِن كَانَ العائذات مَنْصُوبًا بالكسرة على أَنه مفعول بِهِ لِلْمُؤمنِ ومجرور إِن كَانَ العائذات مجروراً بِإِضَافَة الْمُؤمن إِلَيْهِ.
وَالْأَصْل على الأول: وَالْمُؤمن الطير العائذات بِنصب الأول بالفتحة وَالثَّانِي بالكسرة.
وعَلى الثَّانِي: وَالْمُؤمن الطير العائذات بجرهما بِالْكَسْرِ فَلَمَّا قدم النَّعْت أعرب بِحَسب الْعَامِل وصر المنعوت بَدَلا مِنْهُ.
هَذَا مُحَصل كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق وَهُوَ فِي هَذَا تَابع لأبي عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَهَذِه عِبَارَته: من كَانَت الكسرة عِنْده جرة على هَذَا الْحسن الْوَجْه جر الطير لِأَن العائذات مجرورة.
وَمن كَانَت الكسرة عِنْده فِي مَوضِع نصب على قَوْلك: الضَّارِب الرجل نصب الطير وَالطير فِي هَذَا الْموضع بدل أَو عطف وَإِنَّمَا كَانَ حَده.
وَالْمُؤمن
стр. 1968
الطير العائذات أَو الطير العائذات فَقدم العائذات وَأخر الطير. وَالْمُؤمن هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ اسْم فَاعل من آمن كَمَا قَالَ: الَّذِي أطْعمهُم من جوع وآمنهم من خوف أَي: آمنهم من الْخَوْف لكَوْنهم فِي الْحرم وحلولهم فِيهِ. انْتهى.
وَلم يرض الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا فِي الْمفصل فِي بَاب الْإِضَافَة أَن العائذات كَانَ فِي الأَصْل الطير العائذات فَحذف الْمَوْصُوف وَجعل العائذات اسْما لَا صفة فَلَمَّا جعلت اسْما احْتَاجَت إِلَى تَبْيِين وَلَا يخفى أَن هَذَا تكلّف وَلِهَذَا أعرض عَنهُ الشَّارِح.)
وَزعم بَعضهم أَن الطير بدل بعض من العائذات لِأَن العائذات عَام يَقع على الطير والوحش وَغَيرهمَا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني وَهُوَ أحسن شعره وَلِهَذَا ألحقوها بالقصائد المعلقات مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وتبرأ فِيهَا مِمَّا اتهمَ بِهِ عِنْد النُّعْمَان.
стр. 1969
وَتقدم أَبْيَات مِنْهَا فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَفِي خبر كَانَ وَفِي غَيرهمَا.
وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:
(فَلَا لعمر الَّذِي قد زرته حجَجًا ... وَمَا هريق على الأنصاب من جَسَد)
وَالْمُؤمن العائذات الطّير ... ... ... ... ... . الْبَيْت
(مَا إِن أتيت بشيءٍ أَنْت تكرههُ ... إِذن فَلَا رفعت سَوْطِي إليّ يَدي)
(إِذن فعاقبني ربّي معاقبةً ... قرّت بهَا عين من يَأْتِيك بِالْحَسَدِ)
(هَذَا لأبرأ من قولٍ قذفت بِهِ ... طارت نوافذه حرّى على كَبِدِي)
قَوْله: فَلَا لعمر الَّذِي الخ لَا الدَّاخِلَة على الْقسم قيل نَافِيَة منفيّها مَحْذُوف أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زَعَمُوا وَقيل: زَائِدَة تَوْطِئَة لنفي جَوَاب الْقسم وَعمر مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر وجوبا أَي: قسمي.
وحججاً: جمع حجَّة بِكَسْر الْمُهْملَة فيهمَا وَبعدهَا جِيم وَهِي السّنة. أقسم بِالْبَيْتِ الَّذِي زَارَهُ فِي سِنِين مُتعَدِّدَة وَهُوَ الْبَيْت الْحَرَام.
وَقَوله: وَمَا هريق على الأنصاب هريق بِمَعْنى أريق وَالْهَاء بدل من الْهمزَة. والأنصاب: حِجَارَة كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة تنصبها وتذبح عِنْدهَا. والجسد بِفَتْح الْجِيم هُوَ الدَّم. وَمَا مَعْطُوف على الَّذِي وَكَذَا قَوْله وَالْمُؤمن.
وَزعم من لم يطلع على الْبَيْت الأول أَن الْوَاو وَاو الْقسم. والعائذات: مَا عاذ بِالْبَيْتِ من الطير قَالَ ثَعْلَب: أَرَادَ بالعائذات الْحمام لما عاذت بِمَكَّة والتجأت إِلَيْهَا حرم قَتلهَا وآمنها من أَن تضام.
وَقد أغرب بَعضهم بقوله العائذات جمع عَائِذ وَهِي الحديثة النِّتَاج من الطُّيُور والبهائم وَهُوَ من عذت بالشَّيْء التجأت إِلَيْهِ لِأَن الْحَامِل إِذا ضربهَا الْمَخَاض عاذت. وَهُوَ فِي الأَصْل من بَاب الْكِنَايَة. انْتهى.
стр. 1970
وَفِيه أَن العائذ الْمَعْنى الْمَذْكُور خَاص بالناقة.)
وَالطير: جمع طَائِر مثل صحب وَصَاحب وَقد يَقع على الطير الْوَاحِد وَجمعه طيور وأطيار.
وركبان: جمع ركب وَجُمْلَة: يمسحها ركبان مَكَّة حَال من الطير. والسند بِفتْحَتَيْنِ: مَا قابلك ورى أَبُو عُبَيْدَة الغيل بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَقَالَ: هِيَ والسند أجمتان كَانَتَا بَين مَكَّة وَمنى.
وأنكرها الْأَصْمَعِي وَقَالَ: إِنَّمَا الغيل بِالْفَتْح وَهُوَ مَاء وَإِنَّمَا يَعْنِي النَّابِغَة مَاء كَانَ يخرج من أبي قبيس.
كَذَا فِي شرح ديوَان النَّابِغَة. وَلم يذكر أَبُو عبيد هَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم.
وَقَوله: مَا إِن أتيت بِشَيْء الخ هَذَا هُوَ جَوَاب الْقسم. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن إِن تزاد بعد مَا النافية. يَقُول: مَا فعلت شَيْئا تكرههُ
أَنْت وَإِلَّا فَلَا رفعت يَدي إِلَيّ سَوْطِي اي: شلت يَدي وَلم تقدر على رفع السَّوْط.
وَقَوله: إِذن فعاقبني رَبِّي الخ هَذَا دُعَاء آخر على نَفسه.
وَقَوله: هَذَا لأبرأ الخ أَي: هَذَا الْقسم لأجل أَن أَتَبرأ مِمَّا اتهمت بِهِ. والنوافذ تَمْثِيل من قَوْلهم: جرح نَافِذ. أَي: قَالُوا قولا صَار حره على كَبِدِي وشقيت بِهِ.
وَأنْشد بعده: وليلٍ أقاسه بطيء الْكَوَاكِب على أَنه يجوز أَن تُوصَف النكرَة بِالْجُمْلَةِ قبل وصفهَا بالمفرد إِذا اجْتمعَا
стр. 1971
كَمَا هُنَا فَإِن لَيْلًا قد وصف بجملة أقاسيه قبل وَصفه بقوله بطيء وَلَيْسَ مجروراً بالْعَطْف على هم فِي صدر الْبَيْت كليني لَهُم يَا أُمَيْمَة ناصب يَقُول: دعيني واتركيني لهَذَا الْهم المتعب ومقاساة اللَّيْل البطيء الْكَوَاكِب.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني أَيْضا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الثلاثمائة: الطَّوِيل
(أَلا أيّها الطّير المربّة بالضّحى ... على خَالِد لقد وَقعت على لحم)
على أَن الصّفة رُبمَا تنوى وَلم تذكر للْعلم بهَا كَمَا هُنَا. فَإِن التَّقْدِير على لحم أَي: لحم.
وَأوردهُ فِي بَاب اسْم الْفِعْل أَيْضا على أَن التنكير فِي لحم للابهام أَن التفخيم.
وَكَذَا أوردهُ فِي التفسيرين عِنْد قَوْله تَعَالَى: أولئكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهم على تنكير هدى للتعظيم أَي: هدى عَظِيم كتنكير لحم فِي هَذَا الْبَيْت أَي: لحم عَظِيم.
وَالْفرق بَينهمَا أَن الأول مَفْهُوم من اللَّفْظ الْمَحْذُوف وَالثَّانِي من الفحوى والمحوج إِلَى هَذَا استقامة الْمَعْنى ولولاه لَكَانَ لَغوا
стр. 1972
لَا يُفِيد شَيْئا وَلِهَذَا اعْتبر سَوَاء كَانَ بِالطَّرِيقِ الأولى أم الثَّانِيَة.
ولجوازهما قدر الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا الْوَصْف واعتبره هُنَاكَ من التنكير لما فِيهِ من الْإِبْهَام الْمُقْتَضى للتفخيم والتعظيم.
وَنقل عَن الزَّمَخْشَرِيّ أَنه كَانَ إِذا أنْشد هَذَا الْبَيْت يَقُول: مَا أفصحك من بَيت وَصدر الْبَيْت لم أره كَذَا إِلَّا فِي رِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق. وَالْبَيْت من شعر مَذْكُور فِي أشعار هُذَيْل ذكر فِي موضِعين مِنْهَا ذكر فِي الْموضع الأول سِتَّة أَبْيَات وَفِي الْموضع الثَّانِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ بَيْتا. أما الرِّوَايَة الأولى وَالشعر مَنْسُوب لأبي خرَاش فَهِيَ هَذِه:
(إنّك لَو أَبْصرت مصبر خالدٍ ... بِجنب السّتار بَين أظلم فالحزم)
(لأيقنت أنّ الْبكر لَيْسَ رزيّةً ... والنّاب لااضطمّت يداك على غنم)
(تذكّرت شجواً ضافني بعد هجعةٍ ... على خالدٍ فالعين دائمة السّجم)
(لعمر أبي الطّير المربّة بالضّحى ... على خَالِد لقد وَقعت على لحم)
(كليه وربّي لَا تجيئين مثله ... غَدَاة أَصَابَته المنيّة بالرّدم)
(وَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطير مثله ... طَوِيل النّجاد غير هار وَلَا هشم)
قَوْله: إِنَّك لَو أَبْصرت هَذَا خطاب لعشيقة خَالِد بن زُهَيْر الْهُذلِيّ قتل بِسَبَبِهَا كَمَا يَأْتِي بَيَان قَتله. وخَالِد هُوَ ابْن أُخْت أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ. والستار بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية وَآخره رَاء مُهْملَة قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ جبل مَعْرُوف بالحجاز. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.)
وأظلم
стр. 1973
على وزن أفعل التَّفْضِيل من الظُّلم قَالَ الْبكْرِيّ: هُوَ مَوضِع قريب من الستار. والحزم بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي الْمُعْجَمَة هُوَ مَوضِع يُقَال لَهُ: حزم بني عَوَالٍ. وَوُقُوع هَذِه الْفَاء بعد بَين قد شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْفَاء العاطفة.
وَقَوله: لأيقنت أَن الْبكر هُوَ بِالْفَتْح الْجمل الشَّاب. والناب: النَّاقة المسنة. يَقُول: لَو رَأَيْت هَلَاك خَالِد لعَلِمت أَن ذهَاب الْبكر والناب ليسَا بمصيبة واستخففت مصابهما.
وَقَوله: لَا اضطمت الخ هُوَ دُعَاء عَلَيْهَا وَهُوَ افتعلت من الضَّم أَي: لَا غنمت يداك بل خيبك الله إِذْ صرت تحزنين على هَذَا الْبكر.
وَقَوله: تذكرت شجواً هُوَ بِضَم التَّاء. والشجو: الْحزن. وضافني: نزل بِي كالضيف. والهجعة: النومة. والسجم: السكب.
وَقَوله: لعمر أبي الطير قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: قَوْله لقد وَقعت على لحم: كَانَ مَمْنُوعًا. وَالطير مضبوط بالكسرة فِي نُسْخَتي وَهَذِه نُسْخَة قديمَة صَحِيحَة تَارِيخ كتَابَتهَا فِي سنة مِائَتَيْنِ بعد الْهِجْرَة وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء مِنْهُم ابْن فَارس صَاحب الْمُجْمل فِي اللُّغَة كتب
لعمر مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: قسمي وَقَوله: لقد وَقعت جَوَاب الْقسم وَهُوَ خطاب للطير على الِالْتِفَات.
وروى لقد عكفن بدله من العكوف بالغيبة وَالنُّون ضمير الطير وَعَلِيهِ لَا الْتِفَات.
وَأَرَادَ
стр. 1974
بِأبي الطير الْوَاقِعَة على لَحْمه واستعظمها بالقسم بهَا لاستعظام لحم خَالِد الْعَظِيم فَفِيهِ تَعْظِيم للإقسام عَلَيْهِ بِنَفسِهِ كَمَا قَالَ أَبُو تَمام: وثناياك إنّها إغريض والمربة: اسْم فَاعل صفة للطير من أرب بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ. وَرُوِيَ فِي التفسيرين: فَلَا وَأبي الطير المربة بالضحى فَلَا رد لما يتَوَهَّم من تحقيره بِأَكْل الطير لَهُ وَقيل زَائِدَة. وَزعم بَعضهم أَن أبي بياء الْمُتَكَلّم وَالطير بِالرَّفْع. وَبَعض آخر لِأَن أبي أَصله أبين بِالْجمعِ حذفت نونه للإضافة. وَلَا يخفى ركاكته.
وَقَالَ السعد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف: وَرُوِيَ بِرَفْع الطير على أَنه فَاعل فعل يفسره لقد عكفن.
وَقَوله: كليه وربي أَمر للطير بِالْأَكْلِ يرغبها فِي أكلهَا إِيَّاه فَإِنَّهَا لَا تَجِيء إِلَى مثله وَلَا تظفر بِهِ.
وَقَوله: وَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطير الخ هار أَصله هائر أَي: ضَعِيف سَاقِط فَقلب وَحذف)
بالإعلال مثل شاكي السِّلَاح أَصله شائك. والهشم:
الرخو الضَّعِيف.
стр. 1975
وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة بعد ثَمَانِي أوراق بعد هَذَا ونسبها الْأَخْفَش لخراش بن الْمَذْكُور.
وَالْقَصِيدَة هَذِه:
(أرقت لهمّ ضافني بعد هجعةٍ ... على خالدٍ فالعين دائمة السّجم)
(إِذا ذكرته الْعين أغرفها البكا ... وتشرق من تهمالها الْعين بالدمّ)
(فباتت تراعي النّجم عين مريضةٌ ... لما عالها واعتادها الْحزن بالسّقم)
عالها: أثقلها وشق عَلَيْهَا.
(وَمَا بعد أَن قد هدّني الْحزن هدّةً ... تضال لَهَا جسم ورقّ لَهَا عظمي)
(وَأَن قد أصَاب الْعظم منّي مخامرٌ ... من الدّاء داءٌ مستكنٌّ على كلم)
تضال بِمَعْنى صغر وَضعف وَأَصله بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف فحذفها للضَّرُورَة. ومخامر: مخالط وملازم. والكلم بِالْفَتْح: الْجرْح.
(وَأَن قد بدا منّي لما قد أصابني ... من الْحزن أنّي ساهم الْوَجْه ذُو همّ)
(شَدِيد الأسى بَادِي الشّحوب كأنّني ... أَخُو جنّةٍ يعتاده الخبل فِي الْجِسْم)
الساهم: الْمُتَغَيّر. الأسى: الْحزن. والشحوب: التَّغَيُّر. وجنة بِالْجِيم
стр. 1976
هُوَ الْجِنّ.
وَرُوِيَ حَيَّة بِمُهْملَة ومثناة تحتية يَعْنِي ملسوعاً. والخبل بِفَتْح الْمُعْجَمَة: فَسَاد الْجِسْم وَالْعقل.
(يعود على ذِي الْجَهْل بالحلم والنّهى ... وَلم يَك فحّاشاً على الْجَار ذَا عذم)
لَا يجتوي بِالْجِيم أَي: لَا يكره. والعذم بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. العض والوقيعة.
(وَلم يَك فظّاً قَاطعا لقرابةٍ ... وَلَكِن وصُولا لِلْقَرَابَةِ ذَا رحم)
(وَكنت إِذا ساجرت مِنْهُم مساجراً ... صفحت بفضلٍ فِي الْمُرُوءَة وَالْعلم)
هَذَا خطاب لخَالِد. وساجرت بِالْجِيم بِمَعْنى عاشرت. والسجير: العشير والصاحب.
(وَكنت إِذا مَا قلت شَيْئا فعلته ... وفتّ بِذَاكَ النّاس مُجْتَمع الحزم)
(وَإِن تَكُ غالتك المنايا وصرفها ... فقد عِشْت مَحْمُود الْخَلَائق والحلم)
(كريم سجيّات الْأُمُور محبّباً ... كثير فضول الكفّ لَيْسَ بِذِي وصم)
(أشمّ كنصل السّيف يرتاح للنّدى ... بَعيدا من الْآفَات والخلق الوّخم))
стр. 1977
(جمعت أموراً ينفذ الْمَرْء بَعْضهَا ... من الْحلم وَالْمَعْرُوف وَالْحسن الضّخم)
الْمَرْء: مفعول ينفذ وَبَعضهَا فَاعله.
يَقُول: بعض هَذِه الْأُمُور الَّتِي فِيك تجْعَل الْمَرْء نَافِذا فائقاً لَا يقدر على كسبها
فَكيف كلهَا وَقد اجْتمعت فِيك. والمرء بِكَسْر الْمِيم فِي لُغَة هُذَيْل.
رِوَايَة هَذَا الْبَيْت هُنَا كَذَا وَقعت وَقَالَ السكرِي هُنَا: أَرَادَ التَّعَجُّب أَي: أَي لحم وَقعت عَلَيْهِ.
ويروى:
(لقد قلت للطّير المربّة غدْوَة ... على خالدٍ لقد وَقعت على لحم)
والمربة: المقيمة. انْتهى.
(وَلحم امرئٍ لم تطعم الطّير مثله ... عَشِيَّة أَمْسَى لَا يبين من الْبكم)
أَرَادَ الْبكم بِفتْحَتَيْنِ فَخفف.
(فكلاّ وربّي لَا تعودي لمثله ... عَشِيَّة لاقته المنيّة بالرّدم)
(فَلَا وَأبي لَا تَأْكُل الطّير مثله ... طَوِيل النّجاد غير هارٍ وَلَا هشم)
(أبعدك أَرْجُو هَالكا لِحَيَاتِهِ ... لقد كنت أرجوه وَمَا عِشْت بالرّغم)
(فوا الله لَا أنساك مَا عِشْت لَيْلَة ... ضفيٌّ من الإخوان وَالْولد الحتم)
стр. 1978
. الضفي: فعول من ضفا يضفو إِذا كثر. والحتم: الْحق.
(تطيف عَلَيْهِ الطّير وَهُوَ ملحّبٌ ... خلاف الْبيُوت وَهُوَ مُحْتَمل الصّرم)
الملحب: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: المقطع. والصرم بِالْكَسْرِ: الْحَيّ.
(لأيقنت أنّ النّاب لَيست رزيّةً ... وَلَا الْبكر لَا التفتّ يداك على غنم)
هَذَا خطاب مَعَ الْمَرْأَة يَقُول: إِن الْمُصِيبَة قتل ذَاك لَيْسَ الْمُصِيبَة ناباً تصابين بهَا.
ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا: لَا رزق الله يَديك خيرا تلتلف عَلَيْهِ.
(وأيقنت أنّ الْجُود مِنْهُ سجيّةٌ ... وَمَا عِشْت عَيْشًا مثل عيشك بِالْكَرمِ)
(أَتَتْهُ المنايا وَهُوَ غضٌّ شبابه ... وَمَا للمنايا عَن حمى النّفس من عزم)
مَا: نَافِيَة. وَالْكَرم بِالضَّمِّ: الْعِزَّة. والعزم هُنَا: الصَّبْر.
(وكل امرئٍ يَوْمًا إِلَى الْمَوْت صائرٌ ... قضاءٌ إِذا مَا حَان يُؤْخَذ بالكظم))
(وَمَا أحدٌ حيٌّ تأخّر يَوْمه ... بأخلد ممّن صَار قبل إِلَى الرّجم)
والكظم بِالْفَتْح: الْحلق وَقيل الْفَم وَقيل مخرج النَّفس وَأَصله بِفتْحَتَيْنِ فسكن ضَرُورَة. وَالرَّجم بِالْفَتْح: الْقَبْر وَأَصله أَيْضا بِفَتْح الْجِيم فسكن.
(سَيَأْتِي على البَاقِينَ يومٌ كَمَا أَتَى ... على من مضى حتمٌ عَلَيْهِ من الحتم)
(جزى الله خيرا خَالِدا من مكافئٍ ... على كلّ حالٍ من رخاءٍ وَمن أزم)
(فلست بناسيه وَإِن طَال عَهده ... وَمَا بعده للعيش عِنْدِي من طعم)
стр. 1979
وَهَذَا آخر القصيدة. والأزم: الشدَّة. وَإِنَّمَا سقتها بِتَمَامِهَا لحسنها وانسجامها وَلِأَن شرَّاح وروى قصَّة قَتله قَالَ: زَعَمُوا أَن رجلا من هُذَيْل كَانَ يُقَال لَهُ: وهب بن جَابر هوي امْرَأَة من هُذَيْل كَانَ يُقَال لَهَا أم عَمْرو فاصطاد يَوْمًا ظَبْيَة فَقَالَ يخاطبها: الوافر
(فَمَا لَك يَا شَبيهَة أمّ عَمْرو ... إِذا عاينتنا لَا تأمنينا)
(فعينك عينهَا إِذْ قُمْت وسنى ... وجيدك جيدها لَو تنطقينا)
(وساقك حمشةٌ ولأمّ عَمْرو ... خدلّجةٌ تضيق بهَا البرينا)
(ورأسك أزعرٌ ولأمّ عَمْرو ... غدائر ينعفرن وينثنينا)
تضيق من الْإِضَافَة. والبرين: جمع برة وَهِي الخلخال.
ثمَّ خلى سبيهَا فَبلغ ذَلِك أم عَمْرو فعطفت عَلَيْهِ فاستمكن مِنْهَا وَكَانَ رسولها إِلَيْهِ أَبَا ذُؤَيْب الشَّاعِر فَلَمَّا أَيفع أَبُو ذُؤَيْب وَكَانَ جميلاً رغبت فِيهِ واطرحت وهباً فَفَشَا أَمرهمَا فِي هُذَيْل وَقصر عَن بعض زيارتها وأخفى أمرهَا خشيَة أَن يرصد فيغتال.
فَانْطَلق إِلَى ابْن أُخْت لَهُ يُقَال لَهُ: خَالِد بن زُهَيْر فَأخْبرهُ بِأَمْر أم عَمْرو وَقَالَ لَهُ: هَل لَك أَن تكون رَسُولي إِلَيْهَا وتعاهدني
стр. 1980
على أَن لَا تغدرني. فَأعْطَاهُ خالدٌ مواثيقه وَاخْتلف بَينهمَا فَلم تلبث أَن عشقت خَالِدا وَتركت أَبَا ذُؤَيْب.
وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب يُرْسل خَالِدا إِلَيْهَا فَينْطَلق فيتحدث إِلَيْهَا بِحَدِيث نَفسه فَإِذا انْصَرف قَالَ لأبي ذُؤَيْب: لم ألج إِلَيْهَا الخبا وَجدتهَا وسنى وَكَانَ ينْصَرف عَنْهَا مُلَطَّخًا بالطيب فارتاب أَبُو ذُؤَيْب من ذَلِك وَجعل يمس خَدّه ويشم ثَوْبه فيجد مِنْهُ ريح الطّيب وَأنكر ذَلِك خالدٌ من خَاله فَقَالَ خَالِد لأمه وَهِي أُخْت أبي ذُؤَيْب: الرجز
(يَا قوم من لي وَأَبا ذُؤَيْب ... كنت إِذا أتوته من غيب))
(يشمّ خدّي ويشدّ ثوبي ... كأنّني أربته بريب)
من أجل أَن يرميني بِغَيْب فَقَالَ لَهُ أَبُو ذُؤَيْب يَوْمًا: انْطلق إِلَيْهَا يَا خَالِد فَإِنِّي أُرِيد أَن آتيها السَّاعَة. فَانْطَلق خَالِد إِلَيْهَا فعانقها وَقضى مَا أَرَادَ من لهوه وضاجعها وَذهب بهما النّوم فجَاء أَبُو ذُؤَيْب بعد ذَلِك فَأخذ سَهْمَيْنِ من سهامه فوضعهما عِنْد رؤوسهما وأرجلهما ثمَّ انْصَرف فَلَمَّا انتبه خَالِد عرف السهمين فَأَعْرض عَن أبي ذُؤَيْب إِذْ عرف أَنه قد أَيقَن بغدره.
وَأَقْبل أَبُو ذُؤَيْب على أم عَمْرو فَقَالَ: الطَّوِيل
(تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالداً ... وَهل يجمع السّيفان وَيحك فِي غمد)
فَأَجَابَهُ خَالِد من شعر:
(فَلَا تسخطن من سنّة أَنْت سرتها ... فأوّل راضٍ سيرةً من يسيرها)
وَجرى بَينهمَا أشعار مَذْكُورَة فِي أشعار الهذليين. فَلَمَّا رأى وهب بن جَابر فَسَاد مَا بَينهمَا بعث ابْنه عَمْرو بن وهب فبذل لأم عَمْرو ذَات يَده فعطفها على نَفسه بالطمع وَكَانَ عَمْرو من أعظم شباب هُذَيْل واستمسكت
стр. 1981
بِخَالِد لعشقها إِيَّاه فَكَانَ لخَالِد سرها ولعمرو علانيتها.
فَبينا عَمْرو عِنْدهَا ذَات يَوْم إِذْ أَتَاهَا خَالِد وَهِي وَهُوَ على شرابهما فَقَامَ مستبطناً سَيْفه فولج عَلَيْهِمَا فَضرب رَأس عَمْرو ثمَّ خرج هَارِبا فَمر بِأبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش وَرَبِيعَة بن جحدر وهم يتصيدون فَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب: مَا وَرَاءَك يَا خَالِد فَقَالَ: قتلت عمرا. قَالَ: قد أوقعتني فِي شَرّ طَوِيل عَلَيْك بالحزم فَبلغ الْخَبَر وهب بن جَابر فَركب وَركب مَعَه جَبَّار بن جَابر فِي رهطهما فَمروا بِأبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش وَرَبِيعَة بن جحدر فَسَأَلَهُمْ عَنهُ فَقَالُوا: لم نعلمهُ وَلَكِن هَل لَك فِي شِيَاه من الأروى قَالَ: مَا لي بِهن من حَاجَة ومضوا فِي طلب خَالِد حَتَّى لحقوه بجبل يُقَال لَهُ: أظلم فَقَتَلُوهُ فَبلغ ذَلِك أَبَا ذُؤَيْب وخراشاً وَرَبِيعَة ابْن جحدر فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ ربيعَة من شعر: الطَّوِيل
(فو الله لَا ألْقى كيومٍ لخالدٍ ... حَياتِي حتّى يَعْلُو الرّأس رامس)
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب يرثي خَالِدا:
(لعمر أبي الطّير المربّة فِي الضّحى ... على خالدٍ لقد وَقعت على لحم)
ثمَّ جمع أَبُو ذُؤَيْب رهطه فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل عُرْوَة بن جحدر وَنَجَا خرَاش بن أبي)
جحدر فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ أَبُو جحدر: الطَّوِيل
(حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا ... خراشٌ وَبَعض الشّرّ أَهْون من بعض)
ثمَّ إِن الْقَوْم تحاجزوا والقتلى فِي أَصْحَاب أبي ذُؤَيْب أَكثر فطلبوا خويلداً وَهُوَ أَبُو خرَاش ابْن وائلة الْهُذلِيّ وَهُوَ فِي الحزم وَمَعَهُ امْرَأَته فَلَمَّا علم بأمرهم أَمر امْرَأَته أَن تسير أَمَامه وتقيم بمَكَان وَصفه لَهَا فَأَخْبرهَا
стр. 1982
أَن قومه يطلبونه بذحل فَإِن أَبْطَأت عَلَيْك فانعيني لقَوْمك.
فقصدوا خويلداً حَتَّى خرج عَلَيْهِم فتنكروا لَهُ ورحبوا بِهِ فَفطن لَهُم وَانْصَرف رَاجعا فَاتَّبعُوهُ فسبقهم ورموه بأسهم فَلم تصبه.
فَهُوَ حَيْثُ يَقُول: الطَّوِيل
(رفوني وَقَالُوا يَا خويلد لَا ترع ... فَقلت وَأنْكرت الْوُجُوه: هم هم)
هَذَا مَا أوردهُ السكرِي فِي آخر أشعار الهذليين.
وأوردنا الْقِصَّة هُنَا لِأَن فِيهَا أشعاراً فِيهَا شَوَاهِد إِذا جَاءَت فِيمَا سَيَأْتِي نحيل عَلَيْهَا.
وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة قبل إِسْلَام أبي ذُؤَيْب وَأبي خرَاش. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده الوافر
(فإيّاكم وحيّة بطن وادٍ ... هموز النّاب لَيْسَ لكم بسيّ)
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ بِهِ على جر الْجوَار ردا على الْخَلِيل فِي زَعمه أَنه لَا يجوز إِلَّا إِذا اتّفق الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فِي أُمُور ذكرهَا الشَّارِح الْمُحَقق: مِنْهَا اتِّفَاقهمَا فِي
التَّذْكِير والتأنيث وَهَذَا الْبَيْت يرد عَلَيْهِ فَإِن هموز نعت الْحَيَّة المنصوبة. وجر لمجاورته لأحد المجرورين وَهُوَ بطن أَو وَاد.
وعينه ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني فَقَالَ: جر هموز لمجاورته لواد مَعَ اخْتِلَاف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ تذكيراً وتأنيثاً فَإِن حَيَّة مؤنث وَمَا بعْدهَا مُذَكّر. وَفِيه أَن كلا من الْحَيَّة وَمَا بعْدهَا مُذَكّر.
стр. 1983
أما الْحَيَّة فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْحَيَّة للذّكر وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا دخله الْهَاء لِأَنَّهُ وَاحِد من جنس كبطة ودجاجة. وَفُلَان حَيَّة ذكر. على أَنه قد رُوِيَ عَن الْعَرَب: رَأَيْت حَيا على حَيَّة أَي: ذكرا على أُنْثَى. انْتهى.)
أما الْبَطن فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح أَيْضا: الْبَطن خلاف الظّهْر وَهُوَ مُذَكّر وَحكى أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَن تأنيثه لُغَة. انْتهى.
وَأما الْوَادي فَهُوَ مُذَكّر لَا غير فَيجوز للخليل أَن يَدعِي توَافق الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ تذكيراً بِجعْل الْحَيَّة للْوَاحِد الْمُذكر من الْجِنْس وَكَذَلِكَ هموز فَإِنَّهُ فعول يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكْتَفِي س للتخالف بالتأنيث والتذكير اللفظيين. وَهَذَا سِيبَوَيْهٍ لم يستشهد بِهَذَا الْبَيْت وَإِنَّمَا اسْتشْهد بقول العجاج: الرجز كأنّ نسج العنكبوت المرمل وَوجه الِاسْتِدْلَال مِنْهُ أَن العنكبوت مؤنث والمرمل مُذَكّر لِأَنَّهُ وصف للنسج فقد اخْتلفَا تأنيثاً وتذكيراً. وللخليل أَن يمْنَع هَذَا أَيْضا فَإِن العنكبوت قد جَاءَ مذكراً أَيْضا نقل ذَلِك عَن الْعَرَب.
وأنشدوا: الوافر
(على هطّالهم مِنْهُم بيوتٌ ... كأنّ العنكبوت هُوَ ابتناها)
وعَلى تَسْلِيم أَنَّهَا فِي الْبَيْت مُؤَنّثَة فَإِنَّهُ تَأْنِيث لَيْسَ بعلامة إِذْ لَيْسَ مؤنثاً بِالتَّاءِ وَلَا بِإِحْدَى الْأَلفَيْنِ الْمَقْصُورَة والممدودة فَأشبه التَّذْكِير إِذْ لم يظْهر فِيهِ من التنافر مَا يظْهر فِي التَّثْنِيَة.
وَقد اسْتدلَّ لسيبويه بَعضهم بِقِرَاءَة يحيى بن وثاب والأمش: إِن الله
стр. 1984
هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين بجر المتين ورد هَذَا أَيْضا بِاحْتِمَال أَن يكون المتين صفة للقوة لِأَنَّهَا فِي معنى السَّبَب فَذكر على الْمَعْنى فَلَا يكون من بَاب الْخَفْض على الْجوَار.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب النَّعْت: وَقَالَ الْخَلِيل ﵀ لَا يَقُولُونَ إِلَّا: هَذَانِ جحرا ضَب خربَان من قبل أَن الضَّب وَاحِد والجحر جحران وَإِنَّمَا يغلطون إِذا كَانَ الآخر بعدة الأول وَكَانَ مذكراً مثله أَو مؤنثاً.
وَقَالُوا: هَذِه جحرة ضباب خربة لِأَن الضباب مُؤَنّثَة وَلِأَن الجحرة مُؤَنّثَة وَالْعدة وَاحِدَة فغلطوا. وَهَذَا قَول الْخَلِيل ﵀. وَلَا نرى هَذَا وَالْأول إِلَّا سَوَاء لِأَنَّهُ إِذا قَالَ: هَذَا جُحر ضَب متهدم فَفِيهِ من الْبَيَان أَنه لَيْسَ بالضب مثل مَا فِي التَّثْنِيَة من الْبَيَان أَنه لَيْسَ بالضب.
قَالَ العجاج: كأنّ نسج العنكبوت المرمل والمرمل مُذَكّر وَالْعَنْكَبُوت مؤنث. هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ.)
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقَالَ بعض الْبَصرِيين: إِن التَّقْدِير: هَذَا جُحر ضَب خرب جُحْره الخ هَذَا تَخْرِيج ابْن جني فِي الخصائص قَالَ فِيهِ: الأَصْل هَذَا جُحر ضَب خرب جُحْره حذف الْجُحر الْمُضَاف إِلَى الْهَاء وأقيمت الْهَاء مقَامه فارتفعت لِأَن الْمُضَاف الْمَحْذُوف كَانَ مَرْفُوعا فَلَمَّا ارْتَفَعت استتر الضَّمِير
الْمَرْفُوع فِي نفس خرب فَجرى وَصفا على ضَب وَإِن كَانَ الخراب للجحر لَا للضب على تَقْدِير.
وَقَالَ السيرافي: وَرَأَيْت بعض نَحْويي الْبَصرِيين قَالَ فِي هَذَا جُحر ضَب خرب قولا شرحته وقويته بِمَا احتمله من التقوية.
وَالَّذِي قَالَه هَذَا النَّحْوِيّ أَن مَعْنَاهُ هَذَا جُحر ضَب خرب الْجُحر وَالَّذِي يقويه أَنا إِذا قُلْنَا خرب الْجُحر فَهُوَ من بَاب حسن الْوَجْه وَفِي خرب ضمير الْجُحر مَرْفُوع لِأَن التَّقْدِير كَانَ
стр. 1985
خرب جُحْره.
وَمثله مِمَّا قَالَه النحويون: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْأَبَوَيْنِ لَا قبيحين وَالتَّقْدِير لَا قَبِيح الْأَبَوَيْنِ وَأَصله لَا قَبِيح أَبَوَاهُ ثمَّ جعل فِي قَبِيح ضمير الْأَبَوَيْنِ فَثنى لذَلِك وأجرى على الأول فخفض وَاكْتفى بضمير الْأَبَوَيْنِ وَلم يعد ظاهرهما لما تقدم من الذّكر. انْتهى.
قَالَ أَبُو حَيَّان بعد أَن نقل قَوْلهمَا: ومذهبهما خطأ من غير مَا وَجه لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون الْجُحر مُخَصّصا بالضب والضب مُخَصص بخراب الْجُحر الْمُخَصّص بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّب فتخصيص كل مِنْهُمَا مُتَوَقف على صَاحبه وَهُوَ فَاسد للدور وَلَا يُوجد ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب أَعنِي لَا يُوجد مَرَرْت بِوَجْه رجل حسن الْوَجْه وَلَا حسن وَجهه وَلِأَنَّهُ من حَيْثُ أجْرى الخرب صفة على الضَّب لزم إبراز الضَّمِير لِئَلَّا يلبس وَقد فرق سِيبَوَيْهٍ بَين حسن الْوَجْه وَحسن.
وَلِأَن مَعْمُول هَذِه الصّفة لَا يتَصَرَّف فِيهِ بالحذف لضعف عَملهَا. فَأَما قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل
(ويضحك عرفان الدّروع جلودنا ... إِذا جَاءَ يومٌ مظلم الشّمس كاسف)
فَلَا يُرِيد كاسف الشَّمْس فَيكون قد حذف مَعْمُول الصّفة وَإِن كَانَ قد ذهب إِلَيْهِ بَعضهم وَإِنَّمَا هُوَ عندنَا صفة لليوم نَفسه لِأَن الْكُسُوف يكون فِيهِ فَيكون نَحْو قَوْلهم: نهارك صَائِم وليلك قَائِم.
وَلِأَن هَذِه الصّفة لَا يجوز نقل الضَّمِير إِلَيْهَا حَتَّى يَصح نسبتها إِلَى الْمَوْصُوف على طَرِيق الْحَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يَصح عندنَا مَرَرْت بِرَجُل حَائِض الْبِنْت لِأَن الْحيض لَا
يكون للرجل.
وَكَذَلِكَ الخرب لَا يكون للضب والمرمل لَا يكون للعنكبوت. وَكَذَلِكَ همز الناب لَا يكون)
للوادي. وَالَّذِي يقطع بِبُطْلَان مَا ذَهَبا إِلَيْهِ قَول الشَّاعِر:
стр. 1986
الْبَسِيط
(يَا صَاح بلّغ ذَوي الْحَاجَات كلّهم ... أَن لَيْسَ وصلٌ إِذا انحلّت عرى الذّنب)
وَقَول أبي ثروان فِي الْمفضل كَانَ وَالله من رجال الْعَرَب الْمَعْرُوف لَهُ ذَلِك بخفض الْمَعْرُوف على الْمُجَاورَة. وَفِي كَلَام أبي ثروان وَهُوَ مِمَّن تُؤْخَذ عَنهُ اللُّغَة والعربية رد على من يَقُول بِأَن الْجوَار لَا يكون إِلَّا مَعَ النكرَة فَإِن كلا من الْبَيْت وَمن كَلَام أبي ثروان لَا يُمكن فِيهِ أَن يكون تَابعا للمجرور الَّذِي قبله بِحَال.
وتشبيه السيرافي الْمَسْأَلَة بِنَحْوِ قَول النَّحْوِيين: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبَوَاهُ لَا قَاعِدين تَشْبِيه غير صَحِيح. انْتهى كَلَام أبي حَيَّان.
وَبَينه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامهمَا بِأَنَّهُ يلْزم استتار الضَّمِير مَعَ جَرَيَان الصّفة على غير من هِيَ لَهُ وَذَلِكَ لَا يجوز عِنْد الْبَصرِيين وَإِن أَمن اللّبْس. وَقَول السيرافي إِن هَذَا مثل: مَرَرْت بِرَجُل قَائِم أَبَوَاهُ لَا قَاعِدين مَرْدُود لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يجوز فِي الْوَصْف الثَّانِي دون الأول. انْتهى.
وَقَوله: وَلِأَن هَذِه الصّفة لَا يجوز نقل الضَّمِير إِلَيْهَا حَتَّى يَصح نسبتها إِلَى الْمَوْصُوف إِلَى آخِره هَذَا كَلَام السيرافي وَهُوَ معترف بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ: وَلَا يشبه عِنْدِي: وحية بطن وَاد هموز الناب على هَذِه الْعلَّة لإنا إِذا خفضنا هموز الناب فَهُوَ مَحْمُول على وَاد أَو على بطن وَاد وَلَيْسَ هموز بمضاف إِلَى شَيْء إِضَافَته إِلَيْهِ تصححه فِي التَّقْدِير كَمَا كَانَ تَقْدِير إِضَافَة خرب الْجُحر توجب تَصْحِيح الْخَفْض. انْتهى.
стр. 1987
وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق إِضَافَة هموز إِلَى مَا يصحح إِضَافَته فِي التَّقْدِير وَشَرحه
بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ قصد بِهَذَا الْبَيَان الرَّد على السيرافي.
وَاعْلَم أَن قَوْلهم: جُحر ضَب خرب مسموع فِيهِ الْجَرّ وَالرَّفْع وَالرَّفْع فِي كَلَامهم أَكثر.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: يَنْبَغِي أَن لَا تجوز مَسْأَلَة التَّثْنِيَة وَالْجمع لِأَن جر الْجوَار لم يسمع إِلَّا فِي الْمُفْرد خَاصَّة فَلَا يتَعَدَّى فِيهِ السماع.
وَقد قَالَ الْفراء وَغَيره: لَا يخْفض بالجوار إِلَّا مَا استعملته الْعَرَب كَذَلِك والمسموع مِنْهُ مَا تقدم
(فَجئْت إِلَيْهِ والرّماح تنوشه ... كوقع الصّياصي فِي النّسيج الممدّد)
(فدافعت عَنهُ الْخَيل حتّى تبدّدت ... وحتّى علاني حالك اللّون أسود)
وأسود نعت لحالك وجر لمجاورته الْمَجْرُور.)
وَقَول آخر: الْبَسِيط
(كأنّك ضربت قدّام أعينها ... قطناً بمستحصد الأوتار محلوج)
ومحلوج نعت لقَوْله قطناً لكنه جر بالمجاورة.
وَقَول ذِي الرمة: الْبَسِيط
(تريك سنّة وجهٍ غير مقرفةٍ ... ملساء لَيْسَ بهَا خالٌ وَلَا ندب)
وَغير: نعت لسنة المنصوبة وجر للمجاورة. وَرُوِيَ بِالنّصب أَيْضا.
قَالَ الْفراء: قلت لأبي ثروان وَقد أَنْشدني هَذَا الْبَيْت بخفض غير: كَيفَ تَقول: تريك سنّة وَجه غير مقرفةٍ
стр. 1988
قَالَ: تريك سنّة وجهٍ غير مقرفةٍ بِنصب غير. قلت لَهُ: فَأَنْشد بخفض غير فخفض غير فَأَعَدْت عَلَيْهِ القَوْل فَقَالَ: الَّذِي تَقول قيل: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: اشتدَّتْ بِهِ الريحُ فِي يومٍ عاصفٍ لِأَن عاصف من صفة الرّيح لَا من صِفَات الْيَوْم. وَهَذَا القَوْل للفراء. قَالَ: لما جَاءَ العاصف بعد الْيَوْم أتبعته إِعْرَاب الْيَوْم وَذَلِكَ من كَلَام الْعَرَب أَن يتبعوا الْخَفْض الْخَفْض إِذا أشبهه.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: قد أولت هَذِه الْآيَة. أَقُول: أَولهَا الْفراء بتأويلين: أَولهمَا وَهُوَ جيد.
قَالَ: جعل العصوف تَابعا لليوم فِي إعرابه وَإِنَّمَا العصوف للريح. وَذَلِكَ جَائِز على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن العصوف وَإِن كَانَ للريح فَإِن الْيَوْم يُوصف بِهِ لِأَن الرّيح فِيهِ تكون فَجَاز أَن تَقول يَوْم عاصف كَمَا تَقول: يَوْم بَارِد وَيَوْم حَار.
وَقد أَنْشدني بَعضهم: الرجز يَوْمَيْنِ غيمين وَيَوْما شمساً
فوصف الْيَوْمَيْنِ بالغيمين وَإِنَّمَا يكون الْغَيْم فيهمَا.
وَالْوَجْه الآخر: أَن تُرِيدُ فِي يَوْم عاصف الرّيح فتحذف الرّيح لِأَنَّهَا قد ذكرت فِي أول الْكَلِمَة كَقَوْلِه: إِذا جَاءَ يَوْم مظلم الشّمس كاسف
стр. 1989
يُرِيد كاسف الشَّمْس. انْتهى.)
وجر الْجوَار لم يسمع إِلَّا فِي النَّعْت على الْقلَّة. وَقد جَاءَ فِي التَّأْكِيد فِي بَيت على سَبِيل الندرة.
قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: أَنْشدني أَبُو الْجراح الْعقيلِيّ:
(يَا صَاح بلّغ ذَوي الزّوجات كلّهم ... أَن لَيْسَ وصلٌ إِذا انْحَلَّت عرى الذّنب)
فَاتبع كل خفض الزَّوْجَات وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ توكيد لِذَوي. انْتهى.
وَزعم أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن الْفراء سَأَلَ أَبَا الْجراح فَقَالَ: أَلَيْسَ الْمَعْنى ذَوي الزَّوْجَات كلهم فَقَالَ: بلَى الَّذِي تَقوله خير من الَّذِي نقُول. ثمَّ استنشده الْبَيْت فأنشده بخفض كلهم. انْتهى.
وَالْفراء إِنَّمَا نقل هَذِه الْحِكَايَة فِي بَيت ذِي الرمة السَّابِق.
وَهَذَا الْبَيْت لأبي الْغَرِيب. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: هُوَ أَعْرَابِي لَهُ شعر قَلِيل أدْرك الدولة الهاشمية.
قَالَ أَبُو زِيَاد الْكلابِي: كَانَ أَبُو الْغَرِيب عندنَا شَيخا قد تزوج فَلم يولم فَاجْتَمَعْنَا على بَاب خبائه وصحنا: الرجز
(أولم وَلَو بيربوع ... أَو لَو بقردٍ مجدوع)
стр. 1990
قتلتنا من الْجُوع
(يَا لَيْت شعري عَن أبي الْغَرِيب ... إِذْ بَات فِي مجاسدٍ وَطيب)
(معانقاً للرّشأ الرّبيب ... أأحمد المحفار فِي القليب)
أم كَانَ رخواً يَابِس الْقَضِيب فصاح إِلَيْنَا: يَابِس الْقَضِيب وَالله يَابِس الْقَضِيب وَأَنْشَأَ يَقُول: الْبَسِيط
(سقيا لعهد خليلٍ كَانَ يأدم لي ... زادي وَيذْهب عَن زوجاتي الغضبا)
(كَانَ الْخَلِيل فأضحى قد تخوّنه ... هَذَا الزّمان وتطعاني بِهِ الثّقبا)
وَقَالَ:
(يَا صَاح بلّغ ذَوي الزّوجات كلّهم ... أَن لَيْسَ وصلٌ إِذا استرخت عرى الّنب)
انْتهى.
وَأَرَادَ باسترخاء عرى الذَّنب استرخاء الذّكر.
وَأما جر الْجوَار فِي الْعَطف فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: لم يَأْتِ فِي كَلَامهم وَلذَلِك ضعف)
جدا قَول من حمل قَوْله تَعَالَى: وامْسَحُوا برؤُوسِكُمْ وأرجِلكم فِي قِرَاءَة من خفض على الْجوَار.
وَالْفرق بَينه وَبَين النَّعْت كَون الِاسْم فِي بَاب النَّعْت تَابعا لما قبله من غير وساطة شَيْء فَهُوَ أَشد لَهُ مجاورة بِخِلَاف الْعَطف إِذْ قد فصل بَين الاسمين حرف الْعَطف وَجَاز
стр. 1991
إِظْهَار الْعَامِل فِي بعض الْمَوَاضِع فبعدت الْمُجَاورَة.
وَذهب بعض المتفقهة من أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْإِعْرَاب على الْمُجَاورَة لُغَة ظَاهِرَة وَحمل على ذَلِك فِي الْعَطف الْآيَة الْكَرِيمَة وَقَوله تَعَالَى لم يَكُنِ الذينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكتاب والمُشْرِكينَ مُنْفَكِّين قَالَ: فخفض الْمُشْركين لمجاورة أهل الْكتاب. وَمَا ذهب إِلَيْهِ يُمكن تَأْوِيله على وَجه أحسن فَلَا حجَّة فِيهِ. انْتهى.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل بِهِ فِي وحورٍ عين فِيمَن جرهما فَإِن الْعَطف على ولدانٌ مخلدون لَا على أكوابٍ وأباريق إِذْ لَيْسَ الْمَعْنى أَن الْولدَان يطوفون عَلَيْهِم بالحور.
وَقيل الْعَطف على جنَّات وَكَأَنَّهُ قيل: المقربون فِي جنَّات وَفَاكِهَة وَلحم طير وحور. وَقيل على أكواب بِاعْتِبَار الْمَعْنى إِذْ معنى يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب. انْتهى.
وَأما قَوْله فِي الْبَدَل فقد قَالَ أَبُو حَيَّان أَيْضا: لم يحفظ ذَلِك فِي كَلَامهم وَلَا خرج عَلَيْهِ أحد من عُلَمَائِنَا شَيْئا فِيمَا نعلم.
وَسبب ذَلِك وَالله أعلم أَنه مَعْمُول لعامل آخر لَا لِلْعَامِلِ الأول على أصح المذهبين وَلذَلِك يجوز ذكره إِذا كَانَ حرف جر بِإِجْمَاع وَرُبمَا وَجب إِذا كَانَ الْعَامِل رَافعا أَو ناصباً.
فَفِي جَوَاز إِظْهَاره خلاف فبعدت إِذْ ذَاك مُرَاعَاة الْمُجَاورَة وَنزل الْمُقدر الْمُمكن إِظْهَاره منزلَة الْمَوْجُود فَصَارَ من جملَة أُخْرَى. انْتهى.
وَقد آن لنا أَن نرْجِع إِلَى الْبَيْت الشَّاهِد فَنَقُول: هُوَ من أَبْيَات للحطيئة
стр. 1992
وَقد
تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة مدح بهَا عدي بن فَزَارَة وعيينة بن حصن وَحُذَيْفَة بن بدر فَقَالَ بعد تِسْعَة أَبْيَات من الْغَزل:
(فأبلغ عَامِرًا عنّي رَسُولا ... رِسَالَة ناصحٍ بكم حفيّ)
(فإيّاكم وحيّة بطن وادٍ ... حَدِيد النّاب لَيْسَ لكم بسيّ)
(فحلّوا بطن عقمة واتّقونا ... إِلَى نَجْرَان فِي بلدٍ رخيّ))
(فكم من دَار حيٍّ قد أَبَاحَتْ ... لقومهم رماح بني عديّ)
(فَمَا إِن كَانَ عَن ودٍّ وَلَكِن ... أباحوها بصمّ السّمهريّ)
وَبعد هَذَا خَمْسَة أَبْيَات أخر.
وَقَوله: فأبلغ عَامِرًا الخ قَالَ أَبُو عَمْرو: يَعْنِي عَامر بن صعصعة وَهُوَ أَبُو قَبيلَة. وَالرَّسُول: الرسَالَة. انْتهى.
فَيكون على هَذَا قَوْله رِسَالَة نَاصح بَدَلا من رَسُولا وأجود مِنْهُ أَن يكون رَسُولا حَالا من وَقَوله: فإياكم وحية الخ. إيَّاكُمْ محذر وحية محذر مِنْهُ وهما منصوبان بفعلين أَي: أبعدوا أَنفسكُم واحذروا الْحَيَّة. وَأَرَادَ الحطيئة بالحية نَفسه يَعْنِي أَنه يحمي ناحيته ويتقى مِنْهُ كَمَا يتقى من الْحَيَّة الحامية لبطن واديها الْمَانِعَة مِنْهُ. والوادي: المطمئن من الأَرْض.
وَقَوله: حَدِيد الناب هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ديوانه وَهَذَا لَا يدل على أَن المُرَاد بالحية الذّكر لِأَن حديداً فِي الأَصْل
стр. 1993
مُسْند إِلَى الناب أَي: حَدِيد نابه. والناب من الْأَسْنَان مُذَكّر مَا دَامَ لَهُ هَذَا الِاسْم وَالْجمع أَنْيَاب وَهُوَ الَّذِي يَلِي الرباعيات.
قَالَ ابْن سينا: وَلَا يجْتَمع فِي حَيَوَان نَاب وَقرن. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَالْحَدِيد: الْقَاطِع وَرُوِيَ بِالنّصب إتباعاً للفظ الْحَيَّة وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَة النَّحْوِيين هموز الناب بِالْجَرِّ على الْمُجَاورَة كَمَا تقدم. والهموز: فعول من الْهَمْز بِمَعْنى الغمز الضغط.
وَقَوله: لَيْسَ لكم بسي هَذَا يدل على تذكير الْحَيَّة فَإِن ضمير لَيْسَ عَائِد إِلَى الْحَيَّة وَلَو أَرَادَ الْمُؤَنَّث لقَالَ لَيست. والسي بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: الْمثل أَي: لَا تستوون مَعَه بل هُوَ أشرف مِنْكُم.
وَقَوله: فحلوا بطن عقمة الخ حلوا أَمر من الْحُلُول بِمَعْنى النُّزُول. وعقمة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي المعجم: هُوَ مَوضِع مَا بَين ديار بني جَعْفَر بن كلاب وَبَين نَجْرَان.
وَالْمعْنَى: اتقونا من هَا هُنَا إِلَى نَجْرَان. ونجران: مَدِينَة بالحجاز من شقّ الْيمن. ورخي: بعيد وَقيل وَاسع مخصب.
وَقَوله: فكَمْ من دارِ حَيٍّ الخ حَيّ هُنَا بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وأباحت: بِمَعْنى جعلته مُبَاحا.
وَقَوله: فَمَا إنْ كَانَ عَن ودٍّ الخ يَقُول: لم ينزلُوا هَذِه الْمنَازل عَن مَوَدَّة بَينهم وَبَين هَؤُلَاءِ وَلَكِن أباحتها لَهُم رماحهم وَسُيُوفهمْ.)
وَأما بَيت سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ:
٣ - (كأنّ نسج العنكبوت المرمل)
стр. 1994
فَهُوَ للعجاج.
وَبعده:
(على ذرى قلاّمة المهدّل ... سبوب كتّانٍ بأيدي الغسّل)
النسج: الْغَزل. والمرمل: المنسوج والمغزول. والذرى: الأعالي جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ. والقلام: بِضَم الْقَاف وَتَشْديد اللَّام: ضرب من النبت وَضمير قلامه رَاجع إِلَى المَاء فَإِنَّهُ فِي وص مَاء ورده. والمهدل: المدلى.
والسبوب: جمع سبّ بِالْكَسْرِ كجذوع. والسب: ثوب من كتَّان أَبيض. وَالْغسْل: جمع غاسل وغاسلة. يَعْنِي أَن العنكبوت قد نسجت على القلام الَّذِي نبت حول المَاء. شبه مَا نسجت العنكبوت عَلَيْهِ بِثَوْب رَقِيق من الْكَتَّان.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل كَبِير أنَاس فِي بجاد مزمل على أَن قَوْله مزمل انجر لمجاورته ل أنَاس تَقْديرا لَا ل بجاد لتأخره عَن مزمل فِي الرُّتْبَة.
فالمجاورة على قسمَيْنِ: ملاصقة حَقِيقِيَّة كَمَا فِي الْبَيْت السَّابِق وملاصقة تقديرية كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
وَفِيه رد على شرَّاح المعلقات وَمن تَبِعَهُمْ فَإِنَّهُم قَالُوا: جر مزملاً على الْجوَار
ل بجاد وَحقه الرّفْع لِأَنَّهُ نعت لكبير.
стр. 1995
وَمِمَّنْ تَبِعَهُمْ أَبُو حَيَّان قَالَ فِي تَذكرته: خفض مزملاً على الْجوَار للبجاد وَهُوَ فِي الْمَعْنى نعت للكبير تَغْلِيبًا للجوار.
وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي بعض تعاليقه قَالَ: لما جاور المخفوض وَهُوَ البجاد خفض للمجاورة. وَلَا يخفى أَن الْمُجَاورَة رتبية كَانَت أَو لفظية كَافِيَة.
وَمَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق لَا دَاعِي لَهُ.)
وَلم يَجْعَل أَبُو عَليّ هَذَا الْبَيْت من بَاب الْجَرّ على الْجوَار بل جعل مزملاً صفة حَقِيقِيَّة ل بجاد قَالَ: لِأَنَّهُ أَرَادَ مزمل فِيهِ ثمَّ حذف حرف الْجَرّ فارتفع الضَّمِير واستتر فِي اسْم الْمَفْعُول. انْتهى.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المعلقات: وَفِي الْبَيْت وَجه آخر وَهُوَ أَن يكون على قَول من قَالَ كُسِيت جُبَّة زيدا فَيكون التَّقْدِير: فِي بجاد مزمله الكساء ثمَّ تحذف كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل مكسوته جُبَّة ثمَّ تكني عَن الْجُبَّة فَتَقول: مَرَرْت بِرَجُل مكسوته ثمَّ تحذف الْهَاء فِي الشّعْر. هَذَا قَول بعض الْبَصرِيين. انْتهى.
وَلَا يخفى تعسف هَذَا القَوْل. وَتَخْرِيج أبي عَليّ أقرب من هَذَا.
والمصراع عجز وصدره: كأنّ ثبيراً فِي عرانين وبله وَالْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة. وثبير: جبل بِمَكَّة.
стр. 1996
والعرانين:
الْأَوَائِل وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن يُقَال للأنف: عرنين استعير لأوائل الْمَطَر لِأَن الأنوف تتقدم الْوُجُوه. والوبل: مصدر وبلت السَّمَاء وَبلا إِذْ أَتَت بالوابل وَهُوَ مَا عظم من الْقطر. وَضمير وبله رَاجع للسحاب فِي بَيت قبله.
والبجاد بِالْجِيم بعد الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة وَهُوَ كسَاء مخطط من أكسية الْأَعْرَاب من وبر الْإِبِل وصوف الْغنم. والمزمل: اسْم مفعول بِمَعْنى الملفف.
قَالَ الزوزني فِي شرح المعلقات: كَأَن ثبيراً فِي أَوَائِل مطر هَذَا السَّحَاب سيد أنَاس ملفف بكساء مخطط. شبه تغطيه بالغثاء بتغطي هَذَا الرجل بالكساء. انْتهى.
وَنقل الْخَطِيب التبريزي عَن أبي نصر أَن امْرأ الْقَيْس شبه الْجَبَل وَقد غطاه المَاء والغثاء الَّذِي أحَاط بِهِ إِلَّا رَأسه بشيخ فِي كسَاء مخطط. وَذَلِكَ أَن رَأس الْجَبَل يضْرب إِلَى السوَاد وَالْمَاء حوله أَبيض. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: شبه ثبيراً بِرَجُل مزمل بالثياب لِأَن الْمَطَر لما سح ستره.
وروى الْمبرد فِي الْكَامِل تبعا للأصمعي:
(كَأَن أَبَانَا فِي أفانين ودقه ... كَبِير أنَاس ... ... . . الخ)
وَقَالَ: أبان: جبل. وهما أبانان: أبان الْأسود وَأَبَان الْأَبْيَض. وَقَوله: فِي أفانين ودقه يُرِيد ضروباً)
قَوْله: كَبِير أنَاس الخ يُرِيد مزملاً بثيابه قَالَ تَعَالَى: يَا أيُّها المزَّمّل. قُمِ اللَّيل
стр. 1997
وَهُوَ المتزمل وَالتَّاء مدغمة فِي الزَّاي. وَإِنَّمَا وصف امْرُؤ الْقَيْس الْغَيْث فَقَالَ قوم: أَرَادَ أَن الْمَطَر قد خنق الْجَبَل فَصَارَ لَهُ كاللباس على الشَّيْخ المتزمل.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ مَا كَسَاه الْمَطَر من خضرَة النبت.
وَكِلَاهُمَا حسن. وَذكر الودق لِأَن تِلْكَ الخضرة من عمله. انْتهى.
تتمتان إِحْدَاهمَا: لم يذكر الشَّارِح الْمُحَقق الرّفْع على الْمُجَاورَة لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْد الْمُحَقِّقين وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِ بعض ضعفة النَّحْوِيين فِي قَوْله: الْبَسِيط
(السّالك الثّغرة الْيَقظَان كالئها ... مشي الهلوك عَلَيْهَا الخيعل الْفضل)
أَوَّلهمْ الْأَصْمَعِي ذكره عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة قَالَ: سَأَلَ الرياشي الْأَصْمَعِي عَنهُ فَقَالَ: الْفضل من نعت الخيعل وَهُوَ مَرْفُوع وَأَصله أَن الْمَرْأَة الْفضل هِيَ الَّتِي تكون فِي ثوب وَاحِد فَجعل الخيعل فضلا لِأَنَّهُ لَا ثوب فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ كَمَا يُقَال امْرَأَة فضل.
قَالَ الرياشي: وَهَذَا مِمَّا أَخذ على الْأَصْمَعِي. ثمَّ رَجَعَ عَن هَذَا القَوْل وَقَالَ بعد: هُوَ من نعت الهلوك إِلَّا أَنه رَفعه على الْجوَار كَمَا قَالُوا: جُحر ضَب خرب. انْتهى.
وَمِنْهُم ابْن قُتَيْبَة قَالَ فِي أَبْيَات الْمعَانِي: الثغرة والثغر سَوَاء وَهُوَ مَوضِع المخافة. والكالئ: الْحَافِظ. والخيعل: ثوب يخاط أحد جانبيه وَيتْرك الآخر. والهلوك: المتثنية المتكسرة. وَالْفضل من صفة الهلوك وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون جراً وَلكنه رَفعه على الْجوَار للخيعل.
وَمثله: كأنّ نسج العنكبوت المرمل
стр. 1998
وَمثله جُحر ضَب خرب.
مثله: كَبِير أناسٍ فِي بجادٍ مزمّل وَأَرَادَ أَنه آمن لَا يخَاف فَهُوَ يمشي على هينته. انْتهى.
وَقد رد الْعلمَاء هَذَا القَوْل مِنْهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَزعم بعض من لَا معرفَة لَهُم بحقائق الْإِعْرَاب بل لَا معرفَة لَهُم بجملة الْإِعْرَاب أَن ارْتِفَاع الْفضل على الْمُجَاورَة للمعرفة فارتكب خطأ فَاحِشا وَإِنَّمَا الْفضل نعت للهلوك على الْمَعْنى لِأَنَّهَا فاعلة من حَيْثُ أسْند)
الْمصدر الَّذِي هُوَ الْمَشْي إِلَيْهَا كَقَوْلِك عجبت من ضرب زيد الطَّوِيل عمرا رفعت الطَّوِيل لِأَنَّهُ وصف لفاعل الضَّرْب وَإِن كَانَ مخفوضاً فِي اللَّفْظ.
فَلَو قلت: عجبت من ضرب زيد الطَّوِيل عَمْرو فَنصبت الطَّوِيل لِأَنَّهُ نعت لزيد على مَعْنَاهُ من
(قد كنت داينت بهَا حسّاناً ... مَخَافَة الإفلاس واللّيّانا)
وَمثل رفع الْفضل على النَّعْت للهلوك رفع الْمَظْلُوم على النَّعْت للمعقب فِي قَول لبيد يصف الْحمار والأتان: الْكَامِل
(يُوفي ويرتقب النّجاد كأنّه ... ذُو إربة كلّ المرام يروم)
(حتّى تهجّر فِي الرّواح وهاجها ... طلب المعقّب حقّه الْمَظْلُوم)
يُوفي أَي: يشرف. والنجاد: جمع نجد وَهُوَ الْمُرْتَفع. أَي: يشرف
стр. 1999
على الْأَمَاكِن المرتفعة كالرقيب وَهُوَ الرجل الَّذِي يكون ربيئة الْقَوْم يربض على نشز متجسساً. والإربة: الْحَاجة.
وَقَوله: حَتَّى تهجر فِي الرواح أَي: عجل رَوَاحه فراح فِي الهاجرة. وهاجها أَي: هاج الأتان وطردها وطلبها مثل طلب الْغَرِيم المعقب حَقه فالمعقب فَاعل الطّلب. وَنصب حَقه لِأَنَّهُ مفعول الطّلب. والمظلوم للمعقب على الْمَعْنى فرفعه لِأَن التَّقْدِير طلبَهَا مثل أَن طلب المعقب لمظلوم حَقه. والمعقب: الَّذِي يطْلب حَقه مرّة بعد مرّة. انْتهى.
وَمِنْهُم أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته قَالَ فِي أَولهَا: قَالَ بعض معاصرينا: أَكْثَرهم يعْتَقد الْجوَار مَخْصُوصًا بالمجرور وَقد جَاءَ فِي الْمَرْفُوع وَأنْشد: السالك الثغرة الْيَقظَان كالئها ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ أَبُو حَيَّان: قلت: وَلَيْسَ الرّفْع كَمَا ذكر اتبَاعا للخيعل بل رَفعه على النَّعْت للهلوك على الْموضع لِأَن مَعْنَاهُ: كَمَا تمشي الهلوك الْفضل. وَعَلَيْهَا الخيعل حَال معمولة لتمشي أَو جملَة اعتراضية. انْتهى.
وَالْيَقظَان بِالنّصب: صفة للثغرة. وكالئها فَاعل الْيَقظَان ومشي مفعول مُطلق أَي: مشياً كمشي الهلوك. وَالْفضل بِضَمَّتَيْنِ: الْمَرْأَة الَّتِي عَلَيْهَا قَمِيص ورداء وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِزَار وَلَا سَرَاوِيل.
стр. 2000
وَقَالَ الْفراء وَالْحسن السكرِي فِي الهذليات: الْفضل: ثوب كالخيعل تلبسه الْمَرْأَة فِي بَيتهَا. وعَلى هَذَا فَلَا مجاورة وَلَا إتباع على الْمحل. يَقُول: هَذَا من شَأْنه سلوك مَوضِع المخافة مُتَمَكنًا غير خَائِف كمشي الْمَرْأَة المتبخترة الْفضل.)
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي حَملَة شرح قصيدته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الثلاثمائة.
ثانيتهما: قد ضرب الْمثل بخفض مزمل فِي كَون الشريف يعاشر دنيئاً فيسفل بعشرته.
قَالَ الْأمين الْمحلي: الطَّوِيل
(عَلَيْك بأرباب الصّدور فَمن غَدا ... مُضَافا لأرباب الصّدور تصدّراً)
(وإيّاك أَن ترْضى صحابة نَاقص ... فتنحطّ قدرا من علاك وتحقرا)
وَأورد ابْن هِشَام هَذَا الشّعْر فِي مُغنِي اللبيب فِي الْأُمُور الَّتِي يكتسبها الِاسْم بِالْإِضَافَة. مِنْهَا: وجوب التصدر وَمِمَّا لَهُ الصدارة كَلِمَات الِاسْتِفْهَام يجب أَن تتصدر فِي جُمْلَتهَا فَإِذا أضيف إِلَيْهَا اسْم وَجب تصدره أَيْضا وحيئذ لَا يعْمل مَا قبله فِيهِ وَلِهَذَا وَجب الرّفْع فِي قَوْلك: علمت أَبُو من زيد. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: فَرفع أَبُو من.
وَالْإِشَارَة بقوله: ثمَّ خفض مزمل إِلَى بَيت امْرِئ الْقَيْس الَّذِي شرحناه. وَقَوله: مغرياً رَاجع إِلَى قَوْله أَولا عَلَيْك بأرباب الصُّدُور وَقَوله: ومحذراً رَاجع إِلَى قَوْله ثَانِيًا: وَإِيَّاك أَن ترضي صحابة نَاقص.
следующие страницы →