← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وَهُوَ هُوَ. يَعْنِي مَا قَالَ: وَلكنه يجوز على الْغَلَط وَالنِّسْيَان ثمَّ يتدارك. وَقَالَ بعد: فَلَو قلت إِن تأتني آتِك أقل ذَلِك. كَانَ غير جَائِز لِأَن القَوْل لَيْسَ بالإتيان إِلَّا أَن تجيزه على مَا جَازَ عَلَيْهِ تسألنا. فَهَذَا نَص لجَوَاز بدل الْغَلَط وَالنِّسْيَان. وَجَوَاز بدل الإضراب أولى. انْتهى كَلَام الشاطبي. فَإِن قلت: بدل الاشتمال وَالْبَعْض لَا بُد لَهما من ضمير فَكيف الْحَال على قَول الشاطبي قلت: لَا يُمكن الضَّمِير هُنَا لظُهُور أَن ذَاك خَاص بالأسماء لتعذر عود الضَّمِير على الْأَفْعَال. كَذَا فِي شرح التَّوْضِيح للشَّيْخ خَالِد. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِذا كَانَ الثَّانِي رَاجِح الْبَيَان مثله فِي التسهيل قَالَ: ويبدل فعل من فعل مُوَافق فِي الْمَعْنى مَعَ زِيَادَة بَيَان. انْتهى. ولي يعْتَبر غَيرهمَا هَذَا الْقَيْد. وَلم يتَعَرَّض لَهُ أصلا أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف. قيل: وَالْحق عدم اعْتِبَاره. وَأما اعْتِبَار الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى فقد اعتبروه مِنْهُمَا بن معطي قَالَ: وأبدلوا الْفِعْل من الْفِعْل إِذا كَانَ بِمَعْنَاهُ. قَالَ ابْن الخباز: إِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا ترادف اللفظان كَقَوْلِك من يَأْتِ يمش إِلَيّ ُأكَلِّمهُ ... انْتهى. وَهَذَا عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق من بَاب التوكيد كَمَا صرح بِهِ هُنَا. وَقَوله: إِنَّمَا يكون فِي ترادف اللَّفْظَيْنِ مَمْنُوع. وَهنا فَائِدَة حَسَنَة ذكرهَا ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية وَهِي أَنه يَنْبَغِي أَن يشْتَرط لإبدال الْفِعْل من الْفِعْل مَا اشْترط لعطف الْفِعْل وَهُوَ الِاتِّحَاد فِي

стр. 2102

الزَّمَان فَقَط دون الِاتِّحَاد فِي النَّوْع حَتَّى يجوز: إِن جئتني تمش إِلَيّ أكرمك. انْتهى. وَاعْلَم أَن إِبْدَال الْفِعْل من الْفِعْل هُوَ إِبْدَال مُفْرد من مُفْرد بِدَلِيل ظُهُور النصب كَمَا فِي الشَّاهِد وَظُهُور الْجَزْم كَمَا فِي الْآيَة.) وَزعم ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَتَبعهُ ابْن خلف والعيني والحفيد فِي حَاشِيَة الْمُخْتَصر أَن هَذَا من إِبْدَال جملَة من جملَة. وَهُوَ سَهْو. قَالَ الشَّيْخ خَالِد فِي شرح التَّوْضِيح: وَالْفرق بَين بدل الْفِعْل وَحده الْجُمْلَة أَن الْفِعْل يتبع مَا قبله فِي إعرابه لفظا أَو تَقْديرا وَالْجُمْلَة تتبع مَا قبلهَا محلا إِن كَانَ لَهُ مَحل. وَإِلَّا فإطلاق التّبعِيَّة عَلَيْهَا مجَاز إِذْ التَّابِع كل ثَان أعرب بإعراب سابقه الْحَاصِل والمتجدد. انْتهى. وَقَضِيَّة هَذَا: أَنه لَا يتَصَوَّر فِي الْفِعْل الْمَرْفُوع أَن يكون بَدَلا من فعل مَرْفُوع وَذَلِكَ لِأَن سَبَب الْإِعْرَاب متوفر فِيهِ مَعَ قطع النّظر عَن التّبعِيَّة وَهُوَ تجرده عَن الناصب والجازم فرفعه لتجرده لَا لكَونه تَابعا لغيره فَكيف يكون بَدَلا مَعَ انْتِفَاء التّبعِيَّة لانْتِفَاء الْإِعْرَاب بإعراب سابقه. وَهَكَذَا يُقَال فِي الْعَطف: لَا يتَصَوَّر عطف الْفِعْل الْمَرْفُوع على مثله. وَمِمَّا يشكل فِي الْبَدَل قَول الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره: إِن يتزكى فِي سُورَة اللَّيْل بدل من قَوْله: يُؤْتِي مَاله لِأَن يُؤْتِي مَرْفُوع لتجرده فَلم يعرب بإعراب سابقه. وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد أَن الْبَدَل جملَة يتزكى من جملَة يُؤْتِي مَاله. وَهَذَا لَا يدْفع الْإِشْكَال عَن كَلَام الْبَيْضَاوِيّ لَا عَن ظَاهر كَلَامهم أَن الْفِعْل يُبدل من الْفِعْل وعمومه شَامِل للْفِعْل الْمَرْفُوع. وَجزم السَّيِّد عِيسَى الصفوي بِأَنَّهُ لَا يكون مضارع مَرْفُوع تَابعا لمضارع

стр. 2103

مَرْفُوع وَأجَاب عَمَّا أورد على الْبَيْضَاوِيّ بِأَن المُرَاد كل ثَان أعرب بإعراب سابقه وَلم يكن معرباً لمقتض للإعراب غير التّبعِيَّة. قيل: قد يُقَال لَا مَانع من كَون الْمُضَارع عِنْد التّبعِيَّة مَرْفُوعا بالتبعية وَإِن كَانَ فِيهِ مُقْتَض آخر للرفع وَهُوَ التجرد بِنَاء على جَوَاز تعدد السَّبَب. وَفِيه نظر فَإِنَّهُم قَالُوا: الْعَامِل بِمَنْزِلَة الْمُؤثر الْحَقِيقِيّ وَلَا يجْتَمع مؤثران على أثر. وَسكت الشَّارِح الْمُحَقق عَن إِبْدَال الْجُمْلَة من الْجُمْلَة وَعَن إِبْدَال الْجُمْلَة من الْمُفْرد وَعَكسه. أما الأول فقد قَالَ الشَّيْخ خَالِد: تبدل الْجُمْلَة من الْجُمْلَة بدل بعض واشتمال وَغلط وَلَا تبدل بدل كل نَحْو: قعدت جَلَست فِي دَار زيد فَإِنَّهُ توكيد. أما بدل الْبَعْض فنحو قَوْله تَعَالَى: أمدكم بِمَا تعلمُونَ. أمدكم بأنعام وبنين فجملة أمدكم الثَّانِيَة أخص من الأولى بِاعْتِبَار متعلقيهما فَتكون دَاخِلَة فِي الأولى.) وَأما بدل الاشتمال فكقوله: الطَّوِيل أَقُول لَهُ ارحل لَا تقيمنّ عندنَا فَقَوله: تقيمن عندنَا بدل اشْتِمَال من ارحل لما بَينهمَا من الملابسة اللزومية وَلَيْسَ توكيداً لَهُ لاخْتِلَاف لفظيهما وَلَا بدل بعض لعدم دُخُوله فِي الأول وَلَا بدل كل لعدم الِاعْتِدَاد بِهِ وَلَا غلط لوُقُوعه فِي الفصيح. وَأما بدل الْغَلَط فنحو: قُم اقعد.

стр. 2104

وَأما إِبْدَال الْجُمْلَة من الْمُفْرد فقد أورد لَهُ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية قَول الفرزدق: الطَّوِيل (إِلَى الله أَشْكُو بِالْمَدِينَةِ حَاجَة ... وبالشّام أُخْرَى كَيفَ يَلْتَقِيَانِ) قَالَ أبدل كَيفَ يلتقاين وَهُوَ جملَة مستأنفة نبه بهَا على سَبَب الشكوى وَهُوَ استبعاد مَا بَين الحاجتين. وَأما عكس هَذَا وَهُوَ إِبْدَال مُفْرد من جملَة فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الْبَحْر فِي قَوْله تَعَالَى: وَلم يجعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً قَالَ: قيمًا بدل من جملَة لم يَجْعَل لَهُ عوجا لِأَنَّهَا فِي معنى الْمُفْرد أَي: جعله وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث كَيفَ: إِن جملَة كَيفَ خلقت بدل من الْإِبِل بدل اشْتِمَال وَالْمعْنَى إِلَى الْإِبِل كَيْفيَّة خلقهَا. وَمثله: ألم تَرَ إِلَى ربِّك كَيفَ مدَّ الظِّلَّ وكل جملَة فِيهَا كَيفَ فَهِيَ بدل من اسْم مُفْرد. وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الهمع: إِن بدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد بدل اشْتِمَال. وَبَقِي إِبْدَال الْفِعْل من اسْم يُشبههُ وَبِالْعَكْسِ وإبدال الْحَرْف من مثله. أما الأول فقد قَالَ ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية: يَنْبَغِي أَن يجوز إِبْدَال الِاسْم من الْفِعْل وَبِالْعَكْسِ كَمَا جَازَ الْعَطف نَحْو: زيد متق يخَاف الله أَو يخَاف الله متق. انْتهى.

стр. 2105

وَالظَّاهِر أَن يخَاف الله اسئناف بياني أَو الْبَدَل هُوَ الْجُمْلَة لَا الْفِعْل وَحده فِي الأول ومتق خبر بعد خبر فِي الثَّانِي وَالتَّقوى غير الْخَوْف فَإِن الْوِقَايَة فرط الصيانة. وَأما الثَّانِي فقد ذكره سِيبَوَيْهٍ وَجعل مِنْهُ: أَيَعِدُكُمْ أنَّكمْ إِذا مِتُّمْ وكُنتم تُراباً وعظاما أنَّكُمْ مُخْرَجون فجلع أَن الثَّانِيَة بَدَلا من الأولى لَا توكيداً كَمَا قَالَ غَيره. وَقَوله: إِن عَليّ الله الخ قَالَ ابْن خروف فِي شرح الْكتاب: الله مَنْصُوب على الْقسم وَيجوز أَن يكون اسْم إِن وَالْخَبَر الْجَار وَالْمَجْرُور وَأَن مفعول من أَجله. وَأنْشد يحيى: الطَّوِيل) (وإنّ عليّ الله لَا تحملونني ... على خطّةٍ إلاّ انْطَلَقت أَسِيرهَا) فلز حذفت إِن لَقلت: عَليّ عهد الله لأضربنك. قَالَ الْفراء: وَيجوز عَليّ الله أَن أضربك. انْتهى. وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا الشَّاعِر حلف على مخاطبه بِاللَّه أَنه لَا بُد لَهُ من أَن يُبَايع فَلَمَّا حذف حرف الْقسم نصب الِاسْم وَأَن تبَايع: اسْم إِن وَعلي خبر إِن وَالْقسم معترض بَين الِاسْم وَالْخَبَر. وَنقل الْعَيْنِيّ عَن بعض شرَّاح الْكتاب أَن عَليّ مُتَعَلق باستقرار مَحْذُوف فِي مَوضِع خبر إِن كَأَنَّهُ قَالَ: وَجب عَليّ الْيَمين بِاللَّه لِأَن هَذَا الْكَلَام قسم وَأَن تبَايعا يتَعَلَّق بعلي أَعنِي بِمَا فِيهِ من معنى الِاسْتِقْرَار. انْتهى. وَهَذَا التَّعَلُّق غير ظَاهر. والمبايعة: بِمَعْنى الْبيعَة وَالطَّاعَة للسُّلْطَان. وأصل الْبيعَة الصَّفْقَة على

стр. 2106

إِيجَاب البيع. وأيمان الْبيعَة هِيَ الَّتِي رتبها الْحجَّاج مُشْتَمِلَة على أُمُور مُغَلّظَة من طَلَاق وَعتق وَصَوْم وَنَحْو ذَلِك. وَتُؤْخَذ بدل من تبَايع كَمَا تقدم. قَالَ السيرافي: النصب فِي هَذِه الأبيات على الْبَدَل جيد وَلَو رفع على الِابْتِدَاء لَكَانَ أَكثر وَأعرف فَيَقُول: هلكه هلك وَاحِد وَمَا ألفيتني حلمي مضاع وَتَكون الْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال وَتُؤْخَذ كرها أَو تَجِيء طَائِعا على معنى أَنْت تُؤْخَذ كرها فَيكون أَنْت تُؤْخَذ فِي مَوضِع الْحَال. انْتهى. وَهَذَا كَقَوْلِه: الطَّوِيل (مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نارٍ عِنْدهَا خير موقد) رفع تعشو بَين المجزومين أَعنِي الشَّرْط وَالْجَزَاء لِأَنَّهُ قصد بِهِ الْحَال أَي: مَتى تأته عاشياً أَي: نَاظرا إِلَى ضوء ناره. وَكَذَلِكَ كل مَا وَقع بَين مجزومين. وَعَلِيهِ قِرَاءَة: يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب بِالرَّفْع لم يَجعله جَوَابا وَإِنَّمَا جعله وَصفا أَي: وَارِثا من يَعْقُوب. فتدبره فَإِنَّهُ كثير. كَذَا فِي أَبْيَات الْمعَانِي لِابْنِ السَّيِّد. وَقَوله: كرها مفعول مُطلق أَي: تُؤْخَذ أخذا كرها. وَيجوز أَن يكون حَالا بتأويله باسم الْفَاعِل. وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: طَائِعا فَإِنَّهُ حَال. ) وَهَذَا الْبَيْت قَلما خلا عَنهُ كتاب نحوي وَمَعَ شهرته لَا يعلم قَائِله وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يعرف قَائِلهَا. وَالله أعلم.

стр. 2107

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة (وَكنت كذي رجلَيْنِ رجلٌ صحيحةٌ ... ورجلٌ رمى فِيهَا الزّمان فشلّت) على أَنه يرْوى رجل بِالْجَرِّ على أَنه بدل مَعَ أُخْرَى مفصل من رجلَيْنِ. ويروى بِالرَّفْع على أَنه بدل مَقْطُوع. أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مجْرى النَّعْت على المنعوت وَالْبدل على الْمُبدل مِنْهُ قَالَ: وَمثل مَا يَجِيء فِي هَذَا الْبَاب على الِابْتِدَاء وعَلى الصّفة وَالْبدل قَوْله جلّ وَعز: قَد كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَينَ التَقتا فئةٌ تقاتلُ فِي سَبيل اللَّه وَأُخْرَى كَافِرةٌ. وَمن النَّاس من يجر والجر على وَجْهَيْن: على الصّفة وعَلى الْبَدَل. وَمِنْه قَول كثير عزة: وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة ... ... ... ... . الْبَيْت وَقَوله: وَمثل مَا يَجِيء فِي هَذَا الْبَاب الخ يُرِيد أَنه يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِحْدَاهمَا فِئَة تقَاتل الخ. وَالْجُمْلَة صفة لفئتين. وَقَوله: وَمن النَّاس من يجر الخ يُرِيد أَن فِئَة بدل من فئتين. وَالصّفة جَائِزَة كَمَا تَقول: سررت برجلَيْن قَائِم وقاعد. وَإِنَّمَا جعل فِئَة صفة لفئتين لِأَن فِئَة مَوْصُوفَة فَكَانَ اعْتِمَاد الصّفة فِي فئتين على صفة فِئَة كَمَا تَقول: مَرَرْت برجلَيْن رجل صَادِق وَرجل كَاذِب. وَقَول كثير: وَرجل على رِوَايَة الرّفْع إِمَّا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره

стр. 2108

هما رجل صَحِيحَة وَرجل أُخْرَى أَو تَقْدِيره إِحْدَاهمَا رجل صَحِيحَة وَالْأُخْرَى رجل. فَالْكَلَام على الأول جملَة وَاحِدَة وعَلى الثَّانِي جملتان. وَإِمَّا مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر وَالتَّقْدِير: مِنْهُمَا رجل صَحِيحَة ومنهما رجل فَالْكَلَام جملتان. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَيجوز نصب رجل فِي الْمَوْضِعَيْنِ على إِضْمَار أَعنِي. وعَلى رِوَايَة جر رجل يكون على الْإِبْدَال من رجلَيْنِ بدل نكرَة من نكرَة. وَجه أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي والمرادي فِي شرح الألفية. وَإِنَّمَا أبدل لأجل الصّفة وَهُوَ وصف الرجل الأولى بصحيحة وَالثَّانيَِة بجملة رمى.) وَلما كَانَ الْمُبدل مِنْهُ مثنى وَجب الْإِتْيَان باسمين. وَيعرف نَحْو هَذَا الْإِبْدَال بِبَدَل الْمفصل من الْمُجْمل لِأَنَّهُ أجمل أَولا ثمَّ فصل ثَانِيًا. وَجُمْلَة رمى الخ صفة لرجل الثَّانِيَة. ومفعول رمى مَحْذُوف تَقْدِيره: رمى فِيهَا الزَّمَان دَاء فشلت. وشلت: أَصله سللت تشل شللاً من بَاب فَرح. والشلل: آفَة تصيب الْيَد أَو الرجل فتيبس مِنْهَا وَقيل تسترخي. يُقَال: سلت يَده وأشلها الله. وَقبل هَذَا الْبَيْت: (وكنّا سلكنا فِي صعودٍ من الْهوى ... فلمّا توافينا ثبتّ وزلّت) (أُرِيد الثّواء عِنْدهَا وأظنّها ... إِذا مَا أطلنا عِنْدهَا الْمكْث ملّت) (فليت قلوصي عِنْد عزّة قيّدت ... بِجعْل ضعيفٍ عزّ مِنْهَا فضلّت) (وغودر فِي الحيّ المقيمين رَحلهَا ... وَكَانَ لَهَا باغٍ سواي فبلّت) الصعُود بِالْفَتْح: خلاف الهبوط. والثواء بِالْفَتْح: الْإِقَامَة. وَعز مِنْهُ بِمَعْنى غَلبه وَقَوي عَلَيْهِ. وَفِي الْعباب: قَالَ الْفراء: يُقَال بلت مطيته على وَجههَا إِذا هَمت ضَالَّة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة.

стр. 2109

وَاخْتلف أَصْحَاب الْمعَانِي فِي معنى الْبَيْت الشَّاهِد فَقَالَ الأعلم: تمنى أَن تشل إِحْدَى رجلَيْهِ وَهُوَ عِنْدهَا وَتضِل نَاقَته فَلَا يرحل عَنْهَا فَيكون قَوْله: وَكنت كذي رجلَيْنِ الخ مَعْطُوفًا على قَوْله: قيدت ليدْخل فِي التَّمَنِّي. وَقَالَ ابْن سَيّده: لما خانته عزة الْعَهْد فزلت عَن عَهده وَثَبت هُوَ على عهدها صَار كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة وَهُوَ ثباته على عهدها وَأُخْرَى مَرِيضَة وَهُوَ زللها عَن عَهده. وَقَالَ عبد الدَّائِم: معنى الْبَيْت أَنه بَين خوف ورجاء وَقرب وثناء كَمَا قَالَ المتنبي: الطَّوِيل (وَأحلى الْهوى مَا شكّ فِي الْوَصْل ربّه ... وَفِي الهجر فَهُوَ الدّهر يَرْجُو ويتّقي) وَقَالَ غَيرهم: تمنى أَن تضيع قلوصه فَيبقى فِي حَيّ عزة فَيكون بِبَقَائِهِ فِي حيها كذي رجل حكى هَذِه الْأَقْوَال اللَّخْمِيّ وَقَالَ: وَهَذَا القَوْل الْأَخير هُوَ الْمُخْتَار الْمعول عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ مَا قبل الْبَيْت وَهُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي عبد الله بن أبي الْعَافِيَة. وَقد أَخذ كثير هَذَا الْبَيْت من النَّجَاشِيّ وَهُوَ قَوْله:

стр. 2110

الطَّوِيل (وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صحيحةٍ ... ورجلٍ رمت فِيهَا يَد الْحدثَان)) (فأمّا الَّتِي صحّت فأزد شنوءةٍ ... وأمّا الَّتِي شلّت فأزد عمان) وَقد أوردهُ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة فِي السرقات الشعرية وَسَماهُ الاهتدام. قَالَ: فَأخذ كثير الْقسم الأول واهتدم بَاقِي الْبَيْت فجَاء بِالْمَعْنَى فِي غير اللَّفْظ. وَهَذِه القصيدة كلهَا نسيب بعزة وَهِي من منتخبات قصائده وَالْتزم فِيهَا مَا لَا يلْزم الشَّاعِر وَذَلِكَ اللَّام قبل حرف الروي اقتداراً فِي الْكَلَام وَقُوَّة فِي الصِّنَاعَة وَمَا خرم ذَلِك إِلَّا فِي بَيت وَاحِد هُوَ: (فَمَا أنصفت أمّا النّساء فبغّضت ... إليّ وأمّا بالنّوال فضنّت) وَهِي قصيدة. وَهَذَا مطْلعهَا مَعَ جملَة أَبْيَات مِنْهَا وَقعت شَوَاهِد للنحويين: (خليليّ هَذَا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ ابكيا حَيْثُ حلّت) (وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزّة مَا البكا ... وَلَا موجعات الْقلب حتّى تولّت) (وإنّي وتهيامي بعزّة بعد مَا ... تخلّيت فِيمَا بَيْننَا وتخلّت) (لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّا مِنْهَا للمقيل اضمحلّت) (يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَا ... هواني وَلَكِن للحليل استذلّت) (هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا مَا استحلّت) (أسيئي بِنَا أَو أحسني لَا ملومةً ... لدينا وَلَا مقليّة إِن تقلّت) وَقَوله: وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزة الخ اسْتشْهد بِهِ ابْن هِشَام فِي

стр. 2111

شرح الألفية على نصب موجعات عطفا على مَحل مفعول أَدْرِي الْمُعَلق بِمَا الاستفهامية لِأَن الْمُعَلق أبطل عمله لفظا لَا محلا. وَقَالَ فِي مُغنِي اللبيب: فَائِدَة الحكم على مَحل الْجُمْلَة فِي التَّعْلِيق بِالنّصب ظُهُور ذَلِك فِي التَّابِع فَتَقول: عرفت من زيد وَغير ذَلِك من أُمُوره. وَاسْتدلَّ ابْن عُصْفُور بِنصب موجعات من هَذَا الْبَيْت. وَلَك أَن تَدعِي أَن الْبكاء مفعول وَأَن مَا زَائِدَة أَو أَن الْوَاو للْحَال وموجعات اسْم لَا أَي وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزة وَالْحَالة أَنه لَا موجعات للقلب مَوْجُودَة مَا البكا. انْتهى. وَقَوله: وَإِنِّي وتهيامي بعزة الخ التهيام بِالْفَتْح: مُبَالغَة الهيام بِالضَّمِّ وَهُوَ كالجنون من الْعِشْق. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن قَول كثير: وَإِنِّي وتهيامي بعزة الْبَيْت وَجعل) الْجُمْلَة اعتراضاً بَين اسْم إِن وخبرها لِأَن فِيهَا ضربا من التسديد للْكَلَام. وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو للقسم فالباء على هَذَا مُتَعَلقَة بتهيامي. وَعرضت هَذَا على أبي عَليّ فَقبله. انْتهى. وَقد نقل ابْن هِشَام مَا حكيته عَنْهُمَا فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْمُغنِي. وَقَوله: هَنِيئًا مريئاً غير دَاء الخ أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتمُ تَعْملُون على أَن الْبَاء زَائِدَة وَمَا: فَاعل هَنِيئًا وَهُوَ صفة اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْمصدر الْقَائِم مقَام الْفِعْل كَأَنَّهُ قَالَ: هنأكم الْأكل وَالشرب. وهنيئاً لعزة مَا استحلت من أعراضنا. الهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطَّعَام ومرؤ كشرف إِذا كَانَ سائغاً لَا تنغيص فِيهِ. والمخامر: المخالط.

стр. 2112

وَقَوله: أسيئي بِنَا أَو أحسني الخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَنْفقُوا طَوْعاً أَو كَرْهاً لن يُتقبَّل مِنْكُم على تَسَاوِي الإنفاقين فِي عدم الْقبُول كَمَا سَاوَى كثير بَين الْإِحْسَان والإساءة فِي عدم اللوم. والنكتة فِي مثل ذَلِك إِظْهَار نفي تفَاوت الْحَال بتفاوت فعل الْمُخَاطب كَأَنَّهُ يأمرها بذلك لتحقيق أَنه على الْعَهْد. ومقلية بِمَعْنى مبغضة من القلي وَهُوَ البغض. وَقَوله: إِن تقلت الْتِفَات وروى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن هَيْثَم بن عدي قَالَ: سَأَلَ عبد الْملك بن مَرْوَان كثيرا عَن أعجب خبر لَهُ مَعَ عزة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حججْت سنة وَحج زوج عزة مَعهَا وَلم يعلم أَحَدنَا بِصَاحِبِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق أمرهَا زَوجهَا بابتياع سمن تصلح بِهِ طَعَاما لرفقته فَجعلت تَدور الْخيام خيمة خيمة حَتَّى دخلت إِلَيّ وَهِي لَا تعلم أَنَّهَا خَيْمَتي وَكنت أبري سَهْما فَلَمَّا رَأَيْتهَا جعلت أبري لحمي وَأنْظر حَتَّى بريت ذراعي وَأَنا لَا أعلم بِهِ وَالدَّم يجْرِي فَلَمَّا علمت ذَلِك دخلت إِلَيّ فَأَمْسَكت يَدي وَجعلت تمسح الدَّم بثوبها وَكَانَ عِنْدِي نحي سمن فَحَلَفت لتأخذنه. فَأَخَذته وَجَاءَت زَوجهَا فَلَمَّا رأى الدَّم سَأَلَهَا عَن خَبره فكاتمته حَتَّى حلف عَلَيْهَا لتصدقنه. فصدقته فضربها وَحلف عَلَيْهَا لتشتمني فِي وَجْهي فوقفت عَليّ وَهُوَ مَعهَا وَقَالَت لي وَهِي تبْكي: يَا ابْن الزَّانِيَة ثمَّ انصرفا وَذَلِكَ حَيْثُ أَقُول: يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَا

стр. 2113

الأبيات الثَّلَاثَة.) وروى صَاحب الأغاني أَيْضا قَالَ: وقفت على جمَاعَة تكلمُوا فِي وَفِي جميل: أَيّنَا أصدق عشقاً وهم لَا يعرفونني ففضول جميلاً فَقلت لَهُم: قد ظلمتم كثيرا كَيفَ يكون جميل أصدق (رمى الله فِي جفني بثينة بالقذى ... وَفِي الغرّ من أنيابها بالقوادح) وَكثير حِين أَتَاهُ مَا يكره من عزة قَالَ: هَنِيئًا مريئاً غير دَاء مخامر ... ... ... ... . الْبَيْت وَهَذِه القصيدة جَيِّدَة فَلَا بَأْس بإيرادها على رِوَايَة أبي عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ قَالَ: قَرَأت هَذِه القصيدة على أبي بكر بن دُرَيْد فِي شعر كثير وَهِي من منتخبات كثير وأولها: (خليليّ هَذَا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ ابكيا حَيْثُ حلّت) (ومسّا تُرَابا كَانَ قد مسّ جلدهَا ... وبيتاً وظلاّ حَيْثُ باتت وظلّت) (وَلَا تيأسا أَن يمحو الله عنكما ... ذنوباً إِذا صلّيتما حَيْثُ صلّت) (وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزّة مَا البكا ... وَلَا موجعات الْقلب حتّى تولّت) (وَقد حَلَفت جهداً بِمَا نحرت لَهُ ... قريشٌ غَدَاة المأزمين وصلّت) ...

стр. 2114

(أناديك مَا حجّ الحجيج وكبّرت ... بفيفا غزالٍ رفقةٌ وأهلّت) (وَكَانَت لقطع الْعَهْد بيني وَبَينهَا ... كُنَّا ذرةٍ نذرا فأوفت وحلّت) ويروى: وفت فأحلت (فَقلت لَهَا يَا عزّ كلّ مصيبةٍ ... إِذا وطّنت يَوْمًا لَهَا النّفس ذلّت) (كأنّي أنادي صَخْرَة حِين أَعرَضت ... من الصّمّ لَو تمشي بهَا العصم زلّت) (صفوحاً فَمَا تلقاك إلاّ بخيلةً ... فَمن ملّ مِنْهَا ذَلِك الْوَصْل ملّت) (أَبَاحَتْ حمى لم يرعه النّاس قبلهَا ... وحلّت تلاعاً لم تكن قبل حلّت) (فليت قلوصي عِنْد عزّة قيّدت ... بقيدٍ ضعيقٍ فرّ مِنْهَا فضلّت) (وغودر فِي الحيّ المقيمين رَحلهَا ... وَكَانَ لَهَا باغٍ سواي فبلّت) (وَكنت كذي رجلَيْنِ فِي رجلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فِيهَا الزّمان فشلّت) (وَكنت كذات الظّلع لمّا تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلّت) (أُرِيد الثّواء عِنْدهَا وأظنّها ... إِذا مَا أطلنا عِنْدهَا الْمكْث ملّت) (فَمَا أنصفت أمّا النّساء فبغّضت ... إِلَيْنَا وأمّا بالنّوال فضنّت)

стр. 2115

(يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَا ... هواني وَلَكِن للمليك استذلّت) (هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا مَا استحلّت) قَالَ أَبُو عَليّ: قي لكثير: أَنْت أشعر أم جميل فَقَالَ: بل أَنا. فَقيل لَهُ: أَتَقول هَذَا وَأَنت راويته قَالَ جميل الَّذِي يَقُول: وَأَنا أَقُول: هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامر ... ... ... ... . الْبَيْت (ووالله مَا قاربت إلاّ تَبَاعَدت ... بصرمٍ وَلَا أكثرت إلاّ أقلّت) (فَإِن تكن العتبى فأهلاً ومرحباً ... وحقّت لَهَا العتبى لدينا وقلّت) (وَإِن تكن الْأُخْرَى فإنّ وَرَاءَنَا ... منادح لَو سَارَتْ بهَا العيس كلّت) (خليليّ إنّ الحاجبيّة طلّحت ... قلوصيكما وناقتي قد أكلّت) (فَلَا يبعدن وصلٌ لعزّة أَصبَحت ... بعاقبةٍ أَسبَابه قد تولّت) (أسيئي بِنَا أَو أحسني لَا ملومةً ... لدينا وَلَا مقليّةً إِن تقلّت) (وَلَكِن أنيلي واذكري من مودّةٍ ... لنا خلّةً كَانَت لديك فضلّت) ...

стр. 2116

(وإنّي وَإِن صدّت لمثنٍ وصادقٌ ... عَلَيْهَا بِمَا كَانَت إِلَيْنَا أزلّت) (فَمَا أَنا بالدّاعي لعزّة بالجوى ... وَلَا شامتٌ إِن نعل عزّة زلّت) (فَلَا يحْسب الواشون أنّ صبابتي ... بعزّة كَانَت غمرةً فتجلّت) (فَأَصْبَحت قد أبللت من دنفٍ بهَا ... كَمَا أدنفت هيماء ثمّ استبلّت) (ووالله ثمّ الله مَا حلّ قبلهَا ... وَلَا بعْدهَا من خلّةٍ حَيْثُ حلّت) (فأضحت بِأَعْلَى شاهقٍ من فُؤَاده ... فَلَا الْقلب يسلاها وَلَا الْعين ملّت) (فيا عجبا للقلب كَيفَ اعترافه ... وللنّفس لمّا وطّنت كَيفَ ذلّت) (وإنّي وتهيامي بعزّة بعد مَا ... تخلّيت ممّا بَيْننَا وتخلّت) (لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ مِنْهَا للمقيل اضمحلّت) (كأنّي وإيّاها سَحَابَة ممحلٍ ... رجاها فلمّا جاوزته استهلّت) قَالَ أَبُو عَليّ: المأزمان: عَرَفَة والمزدلفة. وأناديك: أحادثك مَأْخُوذ من الندي والنادي جَمِيعًا) وَهُوَ الْمجْلس. وميعة كل شَيْء: أَوله. والصفوح: المعرضة. وبلت: ذهبت. قَالَ أَبُو عَليّ: مَا أعرف بلت ذهبت إِلَّا فِي تَفْسِير هَذَا الْبَيْت. وَلَا العتبى: الإعتاب يُقَال: عَاتَبَنِي فلَان فأعتبته إِذا نزعت عَمَّا عاتبك عَلَيْهِ والعتبى الِاسْم والإعتاب الْمصدر. وَقَوله: طلحت الطلح: المعيي الَّذِي قد سقط من الإعياء. وطلت: هدرت. وأزلت: اصطنعت. وَيُقَال: بل من مَرضه وأبل واستبل إِذا برأَ. واعترافه: اصطباره يُقَال: نزلت بِهِ مُصِيبَة فَوجدَ عروفاً أَي: صبوراً. والعارف: الصابر. هَذَا مَا أوردهُ أَبُو عَليّ القالي.

стр. 2117

وروى السُّيُوطِيّ: فِي شرح شَوَاهِد مُغنِي اللبيب عَن أبي الْحسن بن طَبَاطَبَا فِي كتاب عيار الشّعْر أَن الْعلمَاء قَالُوا: لَو أَن كثيرا جعل قَوْله: فِي وصف حَرْب لَكَانَ أشعر النَّاس. وَلَو جعل قَوْله أسيئي بِنَا أَو أحسني الْبَيْت فِي وصف الدُّنْيَا كَانَ أشعر النَّاس. وَكثير بِضَم الْكَاف وَفتح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُشَدّدَة التَّحْتِيَّة. وَهُوَ كثير ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي جُمُعَة بن الْأسود بن عَامر. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ كثير بن أبي جُمُعَة. وَهُوَ خزاعي وَأَبُو خُزَاعَة الصَّلْت بن النَّضر بن كنَانَة. وَفِي ذَلِك يَقُول كثير: الطَّوِيل (أَلَيْسَ أبي بالنّضر أم لَيْسَ وَالِدي ... لكلّ نجيبٍ من خُزَاعَة أزهرا) فحقق كثير أَنه من قُرَيْش. وَقيل إِنَّه أزدي من قحطان. وَهُوَ شَاعِر حجازي من شعراء الدولة الأموية ويكنى أَبَا صَخْر واشتهر بِكَثِير عزة بِالْإِضَافَة إِلَى عزة وَهِي محبوبته وغالب شعره تشبيب بهَا. وَعزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي. والعزة فِي اللُّغَة: بنت الظبية وَبهَا سميت. وَهِي كَمَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: عزة بنت حميل بِضَم الْمُهْملَة ابْن حَفْص بِفَتْحِهَا من بني حَاجِب بن غفار بِكَسْر الْمُعْجَمَة وخفة الْفَاء وكنيتها أم عَمْرو الضمرية نِسْبَة إِلَى قَبيلَة ضَمرَة. وَكَثِيرًا مَا يُطلق عَلَيْهَا الحاجبية نِسْبَة إِلَى جدها الْأَعْلَى كَقَوْلِه فِي هَذِه القصيدة:

стр. 2118

الطَّوِيل وَمن الغرائب تَفْسِير الْعَيْنِيّ للحاجبية هُنَا بالرمل الطَّوِيل. وَهُوَ غَفلَة عَن نَسَبهَا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: بعثت عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله إِلَى كثير فَقَالَت لَهُ: يَا ابْن أبي جُمُعَة مَا الَّذِي يَدْعُوك إِلَى مَا تَقول من الشّعْر فِي عزة وَلَيْسَت على مَا تصف من) الْجمال لَو شِئْت صرفت ذَلِك إِلَى من هُوَ أولى بِهِ مِنْهَا أَنا أَو مثلي فَأَنا أشرف وأوصل من عزة وَإِنَّمَا أَرَادَت تجربته بذلك فَقَالَ: الطَّوِيل (إِذا وصفلتنا خلةٌ كي تزيلها ... أَبينَا وَقُلْنَا: الحاجبيّة أوّل) (لَهَا مهلٌ لَا يُسْتَطَاع دراكه ... وسابقةٌ ملحبّ لَا تتحوّل) (سنوليك عرفا إِن أردْت وصالنا ... وَنحن لتِلْك الحاجبيّة أوصل) فَقَالَت عَائِشَة: وَالله لقد سميتني لَك خلة وَمَا أَنا لَك وَعرضت عَليّ وصالك وَمَا أُرِيد هلا قلت كَمَا قَالَ جميل: الْكَامِل (يَا ربّ عارضةٍ علينا وَصلهَا ... بالجدّ تخلطه بقول الهازل) (فأجبتها بالرّفق بعد تستّرٍ ... حبّي بثينة عَن وصالك شاغلي) (لَو كَانَ فِي قلبِي كَقدْر قلامةٍ ... وصلتك كتبي أَو أتتك رسائلي) وروى القالي فِي أَمَالِيهِ عَن الْعُتْبِي قَالَ: دخلت عزة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهَا: أَنْت (وَقد زعمت أنّي تغيّرت بعْدهَا ... وَمن ذَا الَّذِي يَا عزّ لَا يتغيّر)

стр. 2119

قَالَت: لَا أروي هَذَا وَلَكِنِّي أروي قَوْله: الطَّوِيل (كأنّي أنادي صَخْرَة حِين أَعرَضت ... من الصّمّ لَو تمشي بهَا العصم زلّت) (صفوحاً فَمَا تلقاك إلاّ بخيلةً ... فَمن ملّ مِنْهَا ذَلِك الْوَصْل ملّت) وروى ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء إِن عَائِشَة بنت طَلْحَة قَالَت لعزة: أَرَأَيْت قَول كثير: الطَّوِيل (قضى كلّ ذِي دينٍ فوفّى غَرِيمه ... وعزّة ممطولٌ معّنى غريمها) مَا كَانَ ذَلِك الدَّين قَالَت: وعدته قبْلَة فتحرجت مِنْهَا. فَقَالَت: اقضيها وَعلي إثمها. قَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ ابْن إِسْحَاق يَقُول: كثير أشعر أهل الْإِسْلَام وَكَانَت لَهُ منزلَة عِنْد قُرَيْش وَقدر وَكَانَ عبد الْملك معجباً بِشعرِهِ. وَقَالَ الجُمَحِي: كَانَ لكثير فِي النسيب نصيب وافر وَجَمِيل مقدم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَاب النسيب جَمِيعًا فِي النسيب وَكَانَ لَهُ من فنون الشّعْر مَا لَيْسَ لجميل وَكَانَ راوية جميل. وَإِنَّمَا صغر اسْمه لشدَّة قصره وحقارته. وَقَالَ الوقاصي: رَأَيْت كثيرا يطوف بِالْبَيْتِ فَمن حَدثَك أَنه يزِيد على ثَلَاثَة أشبار فَلَا تصدقه وَكَانَ إِذا دخل على عبد الْملك أَو أَخِيه عبد الْعَزِيز يَقُول: طأطئ رَأسك لَا يُصِيبهُ السّقف)

стр. 2120

(قصير قميصٍ فاحشٌ عِنْد بَيته ... يعضّ القراد باسته وَهُوَ قَائِم) وروى صَاحب الأغاني عَن طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ: مَا رَأَيْت أَحمَق من كثير دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فِي نفر من قُرَيْش وَهُوَ مَرِيض وَكُنَّا كثيرا مَا نهزأ بِهِ وَكَانَ يتشيع تشيعاً قبيحاً فَقلت لَهُ: كَيفَ تجدك يَا أَبَا صَخْر قَالَ: أجدني ذَاهِبًا. قلت: كلا. قَالَ: فَهَل سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فِي شَيْئا قلت: نعم يتحدثون بأنك الدَّجَّال. قَالَ: أما لَئِن قلت ذَاك فَإِنِّي لأجد فِي عَيْني هَذِه ضعفا مُنْذُ أَيَّام. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عَليّ: تزْعم أَنَّك من شِيعَتِنَا وتمدح آل مَرْوَان قَالَ: إِنَّمَا أسخر مِنْهُم وأجعلهم حيات وعقارب وآخذ أَمْوَالهم. وَكَانَت وَفَاته فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك بِالْمَدِينَةِ المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ جوَيْرِية بن أَسمَاء: مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة مولى بن عَبَّاس فِي يَوْم وَاحِد فَقَالَ النَّاس: الْيَوْم مَاتَ أفقه النَّاس وأشعر النَّاس وَلم يتَخَلَّف رجل وَلَا امْرَأَة عَن جنازتيهما وَذَلِكَ فِي سنة خمس أَو سبع وَمِائَة وغلبت النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه. وَيُقَال: أَنه لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ: الوافر (بَرِئت إِلَى الْإِلَه من ابْن أروى ... وَمن دين الْخَوَارِج أجمعينا) (وَمن عمرٍ بَرِئت وَمن عتيقٍ ... غَدَاة دعِي أَمِير المؤمنينا) قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: هَذَا الشّعْر من حماقته ورفضه. وَابْن أروى هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁. وَقد أطنب الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمته.

стр. 2121

٣ - (عطف الْبَيَان) أنْشد فِيهِ: أقسم بالله أَبُو حَفْص عمر تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخمسين بعد الثلاثمائة. وَأنْشد بعده: أَنا ابْن التّارك البكريّ بشرٌ تقدم أَيْضا مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَالله أعلم.

стр. 2122

(المبنيات) ٣ - (الْمُضمر) أنْشد فِيهِ: تَمَامه: والمرء عِنْد الرّشا إِن يلقها ذيب وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّانِي والثمانين. وَأنْشد بعده: الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة الوافر إِذا زجر السّفيه جرى إِلَيْهِ تَمَامه: وَخَالف والسّفيه إِلَى خلاف على أَن الضَّمِير فِي إِلَيْهِ رَاجع على الْمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِالْوَصْفِ أَي: إِلَى السَّفه. وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولكنَّ البرَّ من آمنَ بالله فِي تَوْجِيه صِحَة الْخَبَر عَن الْمُبْتَدَأ فِيهِ قَالَ: من كَلَام الْعَرَب

стр. 2123

قَوْلهم: إِنَّمَا الْبر الصَّادِق الَّذِي يصل رَحمَه ويخفي صدقته فَيجْعَل الِاسْم خيرا للْفَاعِل وَالْفِعْل خَبرا للاسم لِأَنَّهُ أَمر مَعْرُوف الْمَعْنى. فَأَما الْفِعْل الَّذِي جعل خَبرا للاسم فَقَوله تَعَالَى: وَلَا تَحسَبَنّ الذينَ يَبخلونَ بِمَا آتَاهُم اللَّهُ مِنْ فَضْلهِ هُوَ خيرا لَهُم فَهُوَ كِنَايَة عَن الْبُخْل. فَهَذَا لمن جعل الَّذين فِي مَوضِع نصب وَقرأَهَا تحسبن بِالتَّاءِ من فَوق وَمن قَرَأَ بِالْيَاءِ من تَحت جعل الَّذين فِي مَوضِع رفع وَجعل عماداً للبخل الْمُضمر فَاكْتفى بِمَا ظهر فِي يَبْخلُونَ من ذكر الْبُخْل. وَمثله فِي الْكَلَام: الْبَسِيط (هم الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك لَهُم ... والآخذون بِهِ والسّاسة الأول) وَقَوله: بِهِ يُرِيد بِالْملكِ. وَقَالَ الآخر: إِذا نهي السّفيه جرى إِلَيْهِ الْبَيْت يُرِيد إِلَى السَّفه. انْتهى. وأنشده ثَعْلَب أَيْضا فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ: أَي: جرى إِلَى السَّفه. وَاكْتفى بِالْفِعْلِ من الْمصدر. وَأوردهُ ابْن جني أَيْضا فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَوْله: الطَّوِيل (وَلم أر قوما مثلنَا خير قَومهمْ ... أقلّ بِهِ منّا على قَومهمْ فخرا) وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الثلاثمائة. وَأوردهُ فِي الْمُحْتَسب أَيْضا عِنْد قِرَاءَة الْأَعْمَش: وَمن يرد ثَوَاب

стр. 2124

الدُّنْيَا يؤته مِنْهَا وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة يؤته مِنْهَا وسيجزى الشَّاكِرِينَ بِالْيَاءِ فيهمَا. قَالَ: أضمر الْفَاعِل لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ إِذا زجر السّفيه جرى إِلَيْهِ ... ... ... ... . . الْبَيْت) أَقُول: هَذَا لَيْسَ من قبيل إِضْمَار الْفَاعِل فِي قِرَاءَة الْأَعْمَش كَمَا هُوَ ظَاهر. وَقَوله بعد هَذَا وكما أضمر الْمصدر مجروراً أَعنِي الْهَاء فِي إِلَيْهِ يَعْنِي إِلَى السَّفه. كَذَلِك أَيْضا أضمره مَرْفُوعا بِفِعْلِهِ لم أفهم معنى قَوْله أضمره مَرْفُوعا بِفِعْلِهِ وفاعل جرى وَخَالف ضمير السَّفه. وَأوردهُ ابْن الشجري أَيْضا عِنْد شرح قَول الشَّاعِر: الوافر (وَمن يَك بادياً ويكن أَخَاهُ ... أَبَا الضّحاك ينتسج الشّمالا) قَالَ: الْهَاء فِي قَوْله أَخَاهُ عَائِدَة إِلَى البدو الَّذِي هُوَ ضد الْحَضَر يُقَال: بدا فلَان يَبْدُو بدواً إِذا حل فِي البدو دلّ على عود الْهَاء إِلَى البدو قَوْله بادياً كَمَا دلّ السَّفِيه على السَّفه فأضمره الْقَائِل: إِذا نهي السّفيه جرى إِلَيْهِ ... ... ... ... . . الْبَيْت وَمثله قَول الْقطَامِي: هم الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك لَهُم الْبَيْت الْمَذْكُور. ثمَّ ذكر كَلَام الْفراء من غير أَن يعزوه إِلَيْهِ. ثمَّ قَالَ وَمثل ذَلِك قَوْله تَعَالَى: وإنْ تَشكرُوا يَرضهُ لكُمْ أَي: يرض الشُّكْر.

стр. 2125

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: الذينَ قالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قد قَالَ: وَقَوله: أَبَا الضَّحَّاك نصب على النداء فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمن يَك بادياً ويكن أَخا البدو: يَا أَبَا الضَّحَّاك. وَجعله أَخا البدو كَقَوْلِك: يَا أَخا الْعَرَب وَيَا أَخا الْحَضَر. وَإِنَّمَا قَالَ: وَمن يَك بادياً ثمَّ قَالَ: ويكن أَخا البدو لِأَنَّهُ قد يحل فِي البدو من لَيْسَ من أهل البدو فَسُمي بادياً مَا دَامَ مُقيما فِي البدو. وَالشمَال: هُنَا وعَاء كالكيس يَجْعَل فِيهِ ضرع الشَّاة يحفظ بِهِ. يُقَال: شملت الشَّاة أَي: جعلت لَهَا شمالاً. وينتسج: يفتعل من قَوْلك: نسجت الثَّوْب. فَالْمَعْنى: من يكن من أهل البدو يمارس مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْغنم. انْتهى مُخْتَصرا. وَقَوله: إِذا زجر هُوَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَرَوَاهُ الْجَمَاعَة: إِذا نهي مثله. ومتعلق النَّهْي عَام مَحْذُوف أَي: عَن أَي شَيْء كَانَ. وَقَوله: وَخَالف مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: خَالف زاجره. وَقَوله: وَالسَّفِيه إِلَى خلاف جملَة تذييلية أَي: شَأْن السَّفِيه الْميل إِلَى مُخَالفَة الناصح. وَهَذَا الْبَيْت لم يعزه الْفراء إِلَى أحد. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة الوافر (وَلَو أنّ الأطبّا كَانَ حَولي ... وَكَانَ مَعَ الأطبّاء الأساة) وَلَو أَن الْأَطِبَّاء كَانُوا حَولي فحذفت الْوَاو ضَرُورَة وَبقيت الضمة دَلِيلا عَلَيْهَا.

стр. 2126

وَأوردهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة: فَلَا تخشَوْهُمْ واخشَوْنِي ولأتمَّ نِعمتي عَليكمْ قَالَ: وَقَوله: واخشوني أَثْبَتَت فِيهَا الْيَاء وَلم تثبت فِي غَيرهَا وكل ذَلِك صَوَاب. وَإِنَّمَا استجازوا حذف الْيَاء لِأَن كسرة النُّون تدل عَلَيْهَا وَلَيْسَت الْعَرَب تهاب حذف الْيَاء من آخر الْكَلَام إِذا كَانَ مَا قبلهَا مكسوراً. من ذَلِك: أكرمن وأهانن فِي سُورَة الْفجْر. وَقَوله: أتمدُّوننِ بمالٍ. وَمن غير النُّون: المناد والداع وَهُوَ كثير يكْتَفى من الْيَاء بكسرة مَا قبلهَا وَمن الْوَاو بضمة مَا قبلهَا مثل قَوْله سَندْعُ الزَّبانِية ويَدْعُ الإنسانُ وَمَا أشبهه. وَقد تسْقط الْعَرَب الْوَاو وَهِي وَاو جمع اكْتِفَاء بالضمة قبلهَا فَقَالُوا فِي ضربوا: قد ضرب وَفِي قَالُوا: قد قَالَ. وَهِي فِي هوَازن وعليا قيس أَنْشدني بَعضهم:

стр. 2127

الوافر إِذا مَا شَاءَ ضرّوا من أَرَادوا وأنشدني الْكسَائي: الْبَسِيط كأنّهم بجناحي طائرٍ طَار وأنشدني بَعضهم: وَتفعل ذَلِك فِي يَاء التَّأْنِيث من تَحت كَقَوْل عنترة: الْكَامِل (إنّ العدوّ لَهُم إِلَيْك وسيلةٌ ... إِن يأخذوك تكحّلي وتخضّب) يحذفون الْيَاء وَهِي دَلِيل على الْأُنْثَى اكْتِفَاء بِالْكَسْرِ. انْتهى. وَظَاهر كَلَامه أَن هَذَا لُغَة لَا ضَرُورَة. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ شَاهدا لقِرَاءَة من قَرَأَ: قد أَفْلح بِضَم الْحَاء اجتزاء بالضمة عَن الْوَاو وَالْأَصْل قد أفلحوا على لُغَة أكلوني البراغيث. وَنقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي الْجِهَة الرَّابِعَة من الْكتاب الْخَامِس عَن

стр. 2128

التبريزي فِي قِرَاءَة يحيى بن يعمر: على الَّذِي أحسن بِالرَّفْع أَن أَصله أَحْسنُوا فحذفت الْوَاو اجتزاءً عَنْهَا بالضمة كَمَا قَالَ:) إِذا شَاءَ مَا ضرّوا من أَرَادوا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وحذفت الْوَاو. وَإِطْلَاق الَّذِي على الْجَمَاعَة لَيْسَ بالسهل وَالْأولَى قَول الْجَمَاعَة إِنَّه بِتَقْدِير مُبْتَدأ أَي: هُوَ أحسن. وَأما قَول بَعضهم فِي قِرَاءَة ابْن مُحَيْصِن: لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة إِن الأَصْل أَن يتموا بِالْجمعِ فَحسن لِأَن الْجمع على معنى من. وَلَكِن أظهر مِنْهُ قَول الْجَمَاعَة: إِنَّه جَاءَ على إهمال أَن الناصبة. انْتهى مُخْتَصرا. وَهَذَا الْكَلَام أَيْضا يدل على أَنه غير ضَرُورَة. وَفِي الْبَيْت شَاهد آخر وَهُوَ قصر الْمَمْدُود وَبِه أوردهُ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ قَالَ: قصر الْأَطِبَّاء فِي أول الْبَيْت وَمد فِي آخِره وَأَصله الْمَدّ. وَأما قَوْله: كَانَ حَولي فَإِنَّهُ اكْتفى بالضمة عَن وَاو الْجمع. هَذِه عِبَارَته. وَأوردهُ ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا فِي مسَائِل الْخلاف فِي موضِعين بِالْوَجْهَيْنِ ذكره فِي الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة وَالسبْعين فِي مَسْأَلَة فعل الْأَمر هَل هُوَ مُعرب أَو مَبْنِيّ

стр. 2129

على أَن الِاكْتِفَاء بالضمة ضَرُورَة. وَأوردهُ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة بعد الْمِائَة فِي الْمَقْصُور والممدود على قصر الأطبا لضَرُورَة الشّعْر. قَالَ: وَالْقِيَاس يُوجب مده لِأَن الأَصْل فِي طَبِيب أَن يجمع على طيباء كشريف وشرفاء إِلَّا أَنه اجْتمع حرفان متحركان من جنس وَاحِد فاستثقلوا اجْتِمَاعهمَا فنقلوه من فعلاء إِلَى أفعلاء فَصَارَ أطبباء فاستثقلوا أَيْضا اجْتِمَاع حرفين متحركين من جنس وَاحِد فنقلوا كسرة الْبَاء إِلَى الطَّاء وأدغموا. وَأَطْنَبَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبَين حجج الْفَرِيقَيْنِ وَجَاء بِمَا يجلو الْعين ويمحو عَن الْقلب الرين. وروى بعد الْبَيْت الشَّاهِد بَيْتا ثَانِيًا وَالرِّوَايَة عِنْده هَكَذَا: (فَلَو أنّ الأطبّا كَانَ حَولي ... وَكَانَ مَعَ الأطبّاء الشّفاة) والطب بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة: الحذق. والطبيب: الحاذق. والأساة: جمع آس كقضاة جمع قَاض. قَالَ فِي الصِّحَاح: الآسي: الطَّبِيب. وَكَذَلِكَ الشفاة جمع شاف. وَقَوله: إِذن مَا أذهبوا جَوَاب لَو. وَرِوَايَة الْعَيْنِيّ تَقْدِيم الأساة فِي قافية الْبَيْت الأول وَتَأْخِير الشفاة فِي قافية الْبَيْت الثَّانِي. وَلم يعزهما الْفراء فَمن بعده إِلَى أحد. وَالله أعلم.) وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

стр. 2130

الطَّوِيل (بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه) على أَنه جَاءَ على لُغَة أكلوني البراغيث. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: ضربوني قَوْمك وضرباني أَخَوَاك فشبهوا هَذَا بِالتَّاءِ الَّتِي يظهرونها فِي قَالَت فُلَانَة وَكَأَنَّهُم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا للْجمع عَلامَة كَمَا جعلُوا للمؤنث وَهِي قَليلَة. (وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وأمّه ... بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه) انْتهى. ف أَقَاربه فَاعل يعصر وَالنُّون عَلامَة لكَون الْفَاعِل جمعا كتاء التَّأْنِيث. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: إِنَّمَا قَالَ يعصرن لِأَنَّهُ شبههم بِالنسَاء لأَنهم لَا شجاعة لَهُم والخدمة والتبذل فِي الْعَرَب إِنَّمَا هُوَ للنِّسَاء وَإِمَّا الرِّجَال فشغلهم بالحروب. وَقيل شبهه بِبَعِير ديافي ثمَّ أقبل يصف أقَارِب الْبَعِير وأقاربه جمال. فَلذَلِك جَاءَ بالنُّون. انْتهى. أَقُول: الْوَجْه الثَّانِي بعيد لَا قرينَة لَهُ ويزيده بعدا يعصرن السليط. قَالَ ابْن خلف: وَفِي رفع أَقَاربه أوجه أخر: أَحدهَا: يجوز أَن يكون مُبْتَدأ ويعصرن خبر مقدم عَلَيْهِ وَهَذَا سَائِغ عِنْد أهل الْبَصْرَة كَمَا قَالُوا: مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين يُرِيدُونَ: الْمِسْكِين مَرَرْت بِهِ. قَالَ أَبُو عَليّ: وَفِيه مَعَ هَذَا قبح لِأَن الْخَبَر جملَة وَلَيْسَ بمفرد فَلَا يَنْبَغِي أَن يجوز فِيهِ مَا جَازَ فِي الأَصْل الَّذِي هُوَ الْمُفْرد. وَأهل الْكُوفَة لَا يجيزون مثل هَذَا. وَيحْتَمل أَن يكون رفعا بحوران وَيكون بحوران صفة لديافي ويعصرن حَالا من الْأَقَارِب. وَيجوز أَن يكون بَدَلا من النُّون كَمَا قيل فِي: وأسَرُّوا النَّجْوَى الَّذين ظَلَمُوا. وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مُضْمر

стр. 2131

وَالْجُمْلَة جَوَاب لسؤال مُقَدّر كَأَنَّهُ لما قيل بحوران يعصرن السليط فَقيل: من أَقُول: هَذِه الْوُجُوه الْأَرْبَعَة مَبْنِيَّة على أَن النُّون ضمير وَهَذِه النُّون فِي الْبَيْت سَوَاء كَانَت حرفا أم اسْما تدل على صِحَة مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب التوكيد عَن الأندلسي من جَوَاز رُجُوع ضمير جمَاعَة الْمُؤَنَّث إِلَى الْجمع المكسر الْعَاقِل فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بِهَذَا الْبَيْت دون الْبَيْت) الْمُتَقَدّم لخفائه كَمَا تقدم. وَقَوله: ديافي خبر لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكِن أَنْت ديافي يدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا قبله: لَو كنت ضبياً أَو هُوَ ديافي: لقَوْله فَلَو كَانَ ضبياً كَمَا يَأْتِي. وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى دياف بِكَسْر الدَّال بعْدهَا مثناة تحتية وَآخره فَاء. قَالَ صَاحب الْعباب: دياف من قرى الشَّام وَأَهْلهَا نبط الشَّام وتنسب الْإِبِل إِلَيْهَا وَالسُّيُوف. وَإِذا عرضوا بِرَجُل أَنه نبطي نسبوه إِلَيْهَا. قَالَ: وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وَأمه الْبَيْت وَهَذَا يدل على أَن ديافاً بِالشَّام لَا بالجزيرة كَمَا قيل لِأَن حوران من رساتيق دمشق. وَكَذَا قَالَ الْحسن السكرِي فِي شرح ديوانه: وَقَالَ جرير: الرجز (إنّ سليطاً كاسمه سليط ... لَوْلَا بَنو عمروٍ وعمرٌ عيط)

стр. 2132

. أَرَادَ: عَمْرو بن يَرْبُوع وهم حلفاء بني سليط. وَقَالَ الأخطل: الطَّوِيل (كأنّ بَنَات المَاء فِي حجراته ... أَبَارِيق أَهْدَتْهَا ديافٌ لصرخدا) انْتهى. وَلم يُورد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ دياف فِي مُعْجم مَا استعجم. وَأَبوهُ مَرْفُوع بديافي لِأَنَّهُ خبر سببي. وأتى بضمير الْغَيْبَة لِأَن التَّقْدِير أَنْت رجل ديافي أَبوهُ. وَأمه مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَقَوله: بحوران مُتَعَلق ب يعصرن وَجُمْلَة: يعصرن صفة لديافي وَضمير أَقَاربه رَاجع عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِر. وَذكر ابْن خلف أوجهاً متعسفة فِي إِعْرَاب كل لَفْظَة من هَذَا الْبَيْت لَا فَائِدَة فِي نقلهَا. ويعصرن بِكَسْر الصَّاد. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: عصرت الْعِنَب وَنَحْوه عصراً من بَاب ضرب: استخرجت مَاءَهُ وَأَرَادَ هُنَا يستخرجن السليط بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: السليط الزَّيْت عِنْد عَامَّة الْعَرَب وَعند أهل الْيمن دهن السمسم. وَقَالَ ابْن دُرَيْد وَابْن فَارس: السليط بلغَة أهل الْيمن وبلغة من سواهُم: دهن السمسم: أَقُول:) الْأَمر على خِلَافه فَإِنِّي سَمِعت أهل مَكَّة حرسها الله تَعَالَى وَأهل تهَامَة واليمن يسمون دهن السمسم: السليط. انْتهى.

стр. 2133

وَقَالَ ابْن خلف: السليط الشيرج وَهُوَ هُنَا الزَّيْت لِأَن حوران من مدن الشَّام وَأَهْلهَا نبط فَهِيَ بعصر الزَّيْت أشهر مِنْهَا بعصر الشيرج. وَقد يجوز أَن يكون الشيرج لِأَنَّهُ يعصر بِالشَّام كَمَا يعصر الزَّيْت. وَالدَّلِيل على أَن السليط يَقع على الزَّيْت قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي: المتقارب (أَضَاءَت لنا النّار وَجها أغ ... رّ ملتبساً بالفؤاد التباسا) (يضيء كضوء سراج السّلي ... ط لم يَجْعَل الله فِيهِ نُحَاسا) والنحاس: الدُّخان وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي الزَّيْت وَأما الشيرج فكثير الدُّخان. هجاه بذلك إِذْ جعله من أهل الْقرى المستخدمين لإِقَامَة عيشهم ونفاه عَمَّا عَلَيْهِ الْعَرَب من الانتجاع وَالْحَرب. وَالْبَيْت من أَبْيَات للفرزدق وَهِي: الطَّوِيل (ستعلم يَا عَمْرو بن عفرى من الَّذِي ... يلام إِذا مَا الْأَمر عيّت عواقبه) (فَلَو كنت ضبّيّاً صفحت وَلَو سرت ... على قدمي حيّاته وعقاربه) (وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وأمّه ... بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه) (ولمّا رأى الدّهنا رمته حبالها ... وَقَالَت ديافيٌّ مَعَ الشَّام جَانِبه) ...

стр. 2134

(تضنّ بِمَال الباهليّ كأنّما ... تضنّ على المَال الَّذِي أَنْت كاسبه) (وإنّ امْرأ يغتابني لم أَطَأ لَهُ ... حريماً وَلَا تنهاه عنّي تجاربه) (كمحتطبٍ يَوْمًا أساود هضبةٍ ... أَتَاهُ بهَا فِي ظلمَة اللّيل حاطبه) (أحين التقى ناباي وابيضّ مسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه) روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: أَتَى الفرزدق عبد الله بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فَسَأَلَهُ فثقل عَلَيْهِ الْكثير وخشيه فِي الْقَلِيل وَعِنْده عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ راوية الفرزدق وَقد كَانَ هجاه جرير لروايته للفرزدق فِي قَوْله: الطَّوِيل (ونبّئت جوّاباً وسكناً يسبّني ... وَعَمْرو بن عفرى لاسلامٌ على عَمْرو) فَقَالَ ابْن عفراء الضَّبِّيّ: لَا يهولنك أمره. فَقَالَ: وَكَيف ذَاك قَالَ: أَنا أرضيه عَنْك بِدُونِ مَا كَانَ هم لَهُ بِهِ. فَأعْطَاهُ ثلثمِائة دِرْهَم فَبلغ الفرزدق صَنِيع عَمْرو فَقَالَ هَذِه الأبيات. قَالَ: فَأَتَاهُ ابْن عفراء فِي نَادِي قومه فَقَالَ لَهُ: اجهد جهدك هَل هُوَ إِلَّا هَذَا وَالله لَا أدع لَك) مساءةً إِلَّا أتيتها وَلَا تَأْمُرنِي بِشَيْء إِلَّا اجتنبته وَلَا تنهاني عَن شَيْء إِلَّا ركبته. قَالَ: فَاشْهَدُوا أَنِّي أنهاه أَن ينيك أمه. فَضَحِك الْقَوْم وخجل ابْن عفراء. وروى أَيْضا بعد هَذَا فِي مَوضِع آخر عَن يُونُس النَّحْوِيّ قَالَ:

стр. 2135

مدح الفرزدق عَمْرو بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فَأمر لَهُ بثلثمائة دِرْهَم وَكَانَ عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ صديقا لعَمْرو فلامه وَقَالَ: أتعطي الفرزدق ثلثمِائة دِرْهَم وَإِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن تعطيه عشْرين درهما فَبلغ ذَلِك الفرزدق فَقَالَ: الطَّوِيل (نهيت ابْن عفرى أَن يعفّر أمّه ... كعفر السّلى إِذْ جرّدته ثعالبه) (وإنّ امْرأ يغتابني لم أَطَأ لَهُ ... حريما فَلَا تنهاه عنّي أَقَاربه) (كمحتطبٍ لَيْلًا أساود هضبةٍ ... أَتَاهُ بهَا فِي ظلمَة اللّيل حاطبه) (ألمّا اسْتَوَى ناباي وابيضّ مسحلي ... وأطرق إطراق الكرا من أحاربه) (فَلَو كَانَ ضبّيّاً صفحت وَلَو سرت ... على قدمي حيّاته وعقاربه) (وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وَأمه ... بحوران يعصرن. . الْبَيْت انْتهى) وَقَالَ ابْن خلف وَصَاحب الْعباب: سَبَب هَذَا الشّعْر أَن عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ قَالَ لعبد الله بن مُسلم الْبَاهِلِيّ: وَقد أعْطى الفرزدق خلعة وَحمله على دَابَّة وَأمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن عفراء: مَا يصنع الفرزدق بِهَذَا الَّذِي أَعْطيته إِنَّمَا يَكْفِي الفرزدق ثَلَاثُونَ درهما يَزْنِي بِعشْرَة وَيَأْكُل بِعشْرَة وَيشْرب بِعشْرَة. فهجاه الفرزدق بِهَذَا. انْتهى. وَقَوله: ستعلم يَا عَمْرو الخ هَذَا تهديد وعفراء بِالْمدِّ قصر ضَرُورَة فَكتب بِالْيَاءِ وَهِي أمه. وعي: بِمَعْنى لم يهتد لوجهه.

стр. 2136

وَقَوله: فَلَو كنت ضبياً الخ نَفَاهُ عَن قبيلته لكَونه سكن الْقرى وَلم يكن على طَريقَة الْعَرَب. وَقَوله: وَلما رأى الدهنا الخ الدهنا يمد وَيقصر وَهُوَ مَوضِع بِبِلَاد تَمِيم. وحبالها: أَسبَابهَا. وديافي بِتَقْدِير هُوَ ديافي وَجُمْلَة: مَعَ الشَّام جَانِبه صفة لَهُ وَجَوَاب لما مَحْذُوف وَالتَّقْدِير سكن الشَّام وَنَحْوه. وَقَالَ الْحسن السكرِي: الْوَاو هُنَا مقحمة فِي وَقَالَت: لَا مَوضِع لَهَا أَرَادَ قَالَت. انْتهى. وَقَوله: فَإِن تغْضب الدهنا هَذَا وَجه رمي الدهنا لَهُ فَإِنَّهُ سوقي يتاجر بالزيت. والدهنا لَا) تقبل من هُوَ كَذَا. وَقَوله: تضن أَي: تبخل. وَقَوله: كمحتطب يَوْمًا الخ هُوَ خبر إِن فِي قَوْله وَإِن امْرأ وَهُوَ الَّذِي يجمع الْحَطب. والأساود: جمع أسود وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد. والهضبة: الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض أَشَارَ إِلَى الْمثل الْمَشْهُور لمن يتَكَلَّم بالغث والسمين: حَاطِب ليل لِأَنَّهُ لَا يبصر مَا يجمع فِي حبله رُبمَا يجمع فِي حطبه حَيَّة يكون هَلَاكه بهَا. وَقَوله: أحين التقى ناباي الخ التقاء النابين واستواؤهما كِنَايَة عَن بُلُوغ الأشد. والمسحل: بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: عَارض الرجل أَي: صفحة خَدّه. وأطرق أَي: أرْخى عَيْنَيْهِ ينظر إِلَى الأَرْض. والكرا لُغَة فِي الكروان. يَقُول: أيؤذيني فِي وَقت شدتي وَحين تهابني أقراني وأطرقوا مني كإطراق الكروان. والاستفهام إنكاري. وَقَوله: نهيت ابْن عفري أَن يعفر أمه الخ التعفير: التمريغ فِي التُّرَاب.

стр. 2137

والسلى بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالْقصر هُوَ الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد من الْمَوَاشِي. وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة: الرجز (إِن كنت أَدْرِي فعليّ بدنه ... من كَثْرَة التّخليط أنّي من أَنه) على أَنه قد يبين فتح أَنا فِي الْوَقْف بهاء السكت كَمَا فِي آخر القافية فِي هَذَا الْبَيْت. قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: فَأَما قَوْلهم فِي الْوَقْف على أَن فعلت: أَنا وَأَنه فَالْوَجْه أَن تكون الْهَاء فِي أَنه بَدَلا من الْألف فِي أَنا لِأَن الْأَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا هُوَ أَنا بِأَلف وَالْهَاء قَليلَة جدا فَهِيَ بدل من الْألف. وَيجوز أَن تكون الْهَاء أَيْضا فِي أَنه ألحقت لبَيَان الْحَرَكَة كَمَا ألحقت الْألف وَلَا تكون بَدَلا مِنْهَا بل قَائِمَة بِنَفسِهَا كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: كتابِيَهْ وحِسَابِيهْ وسُلطَانِيَهْ ومَالِيَهْ وماهيَهْ. انْتهى. والبدنة قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: قَالُوا هِيَ نَاقَة أَبُو بقرة. وَزَاد الْأَزْهَرِي أَو بعير ذكر. قَالَ: لَا تقع الْبَدنَة على الشَّاة. وَقَالَ بعض الْأَئِمَّة: الْبَدنَة هِيَ: الْإِبِل خَاصَّة وَإِنَّمَا ألحقت الْبَقَرَة بِالْإِبِلِ بِالسنةِ. وَقَوله: من كَثْرَة مُتَعَلق بِالْفِعْلِ الْمَنْفِيّ ضمنا أَي: مَا أَدْرِي من كَثْرَة التَّخْلِيط. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: والتخليط فِي الْأَمر: الْإِفْسَاد فِيهِ. وَقَوله: أَنِّي بِفَتْح الْهمزَة. وَقَوله: من أَنه من عِنْد سِيبَوَيْهٍ مُبْتَدأ وَأَنه خبر وَعند غَيره بِالْعَكْسِ وَالْجُمْلَة فِي

стр. 2138

مَحل رفع خبر أَنِّي من أَنه فِي مَحل نصب سَاد مسد مفعولي أَدْرِي. وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف لَهُ على أثر. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة الوافر (أَنا سيف الْعَشِيرَة فاعرفوني ... حميدا قد تذرّيت السّناما) قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني أما الْألف فِي أَنا فِي الْوَقْف فزائدة لَيست بِأَصْل. وَلم نقض بذلك فِيهَا من جِهَة الِاشْتِقَاق. هَذَا محَال فِي الْأَسْمَاء المضمرة لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة كالحروف وَلَكِن قضينا بزيادتها من حَيْثُ كَانَ الْوَصْل يزيلها ويذهبها كَمَا يذهب الْهَاء الَّتِي تلْحق لبَيَان الْحَرَكَة فِي الْوَقْف. أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي الْوَصْل: أَن زيد كَمَا قَالَ تَعَالَى: إنِّي انا ربَّك تكْتب بِأَلف بعد النُّون وَلَيْسَت الْألف فِي اللَّفْظ وَإِنَّمَا كتبت على الْوَقْف فَصَارَ سُقُوط الْألف فِي الْوَصْل كسقوط الْهَاء الَّتِي تلْحق فِي الْوَقْف لبَيَان الْحَرَكَة فِي الْوَصْل وبينت الفتحة بِالْألف كَمَا بيّنت بِالْهَاءِ لِأَن الْهَاء ماورة للألف. وَقد قَالُوا فِي الْوَقْف: أَنه فبينوا الفتحة بِالْهَاءِ كَمَا بينوها بِالْألف وكلتاهما سَاقِطَة فِي الْوَصْل. فَأَما قَول الشَّاعِر: انا سيف الْعَشِيرَة فاعرفوني ... ... ... ... الْبَيْت

стр. 2139

فَإِنَّمَا أجراه فِي الْوَصْل على حد مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْف. وَقد أجرت الْعَرَب كثيرا من ألفاظها فِي الْوَصْل على حد مَا تكون عَلَيْهِ فِي الْوَقْف وَأكْثر مَا يَجِيء ذَلِك فِي ضَرُورَة الشّعْر. انْتهى. وحميداً بدل من يَاء اعرفوني لبَيَان الِاسْم أَو هُوَ مَنْصُوب على الْمَدْح. قَالَ أَبُو بكر الْخفاف فِي شرح الْجمل: قَالَ الزّجاج: حميدا بدل من الْيَاء وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ لاحْتِمَال أَن يكون مَنْصُوبًا بإضمار فعل على الْمَدْح كَأَنَّهُ قَالَ: فاعرفوني مَشْهُورا. وأناب قَوْله حميدا مناب قَوْله مَشْهُورا لكَونه علما. وَحميد يرْوى مُصَغرًا ومكبراً. وَأنْشد صَاحب الصِّحَاح بدله جَمِيعًا. وتذريت السنام بِمَعْنى علوته من الذرْوَة والذروة بِالْكَسْرِ وَالضَّم وَهُوَ أَعلَى السنام. وَحَقِيقَة تذريت السنام عَلَوْت ذروته. وَنسب ياقوت هَذَا الْبَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح إِلَى حميد بن بَحْدَل شَاعِر. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: بَحْدَل الرجل إِذا مَالَتْ لثته أَي: لحم أَسْنَانه. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: البحدلة الخفة فِي السَّعْي. قَالَ: وَسمعت أَعْرَابِيًا يَقُول لصَاحب لَهُ: بَحْدَل بجدك. يَأْمُرهُ بالسرعة فِي) الْمَشْي. انْتهى. وَحميد مُضَاف إِلَى جده لِأَنَّهُ حميد بن حُرَيْث بن بَحْدَل من بني كلب بن وبرة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى قضاعة. وَحميد شَاعِر إسلامي وَكَانَت عمته مَيْسُونُ بنت بَحْدَل أم يزِيد بن مُعَاوِيَة. وَكَانَ ابْن عَمه حسان بن مَالك بن بَحْدَل سيد كلب فِي زَمَانه وَهُوَ

стр. 2140

الَّذِي بَايع مَرْوَان بن الحكم يَوْم المرج وَكَانَ ولاه يزِيد بن مُعَاوِيَة على فلسطين والأردن. وَأَخُوهُ مسعد بن مَالك بن بَحْدَل على قنسرين فَلَمَّا مَاتَ يزِيد بن مُعَاوِيَة وثب زفر بن الْحَارِث على سعيد فَأخْرجهُ مِنْهَا وَبَايع لِابْنِ الزبير ثمَّ خرج عُمَيْر بن الْحباب مغيراً على بني كلب بِالْقَتْلِ والنهب فَلَمَّا رَأَتْ كلب مَا لَقِي أَصْحَابهم اجْتَمعُوا إِلَى حميد بن حُرَيْث بن بَحْدَل فَقتل حميد بني فَزَارَة قتلا ذريعاً. والقصة مفصلة فِي تَرْجَمَة عويف القوافي فِي الأغاني. وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل: الْبَسِيط (فَقلت أَهِي سرت أم عادني حلم) هَذَا عجز وصدره: فَقُمْت للطّيف مرتاعاً فأرّقني على أَن هَاء هِيَ قد تسكن بعد همزَة الِاسْتِفْهَام. وَفِي التسهيل مَا يَقْتَضِي أَنه قَلِيل وَفِي شرح مُصَنفه أَنه لم يجِئ إِلَّا فِي الشّعْر. وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أسكن أول أَهِي لاتصال حرف
следующие страницы →