Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وَلَا تنكرن أَن تضيف قبل وَبعد وأشباههما وَإِن لم يظْهر. إِلَى آخر مَا نَقَلْنَاهُ قبل هَذَا الْبَيْت.
انْتهى كَلَام الْفراء. وَقد لخص هَذَا الْكَلَام أَبُو إِسْحَاق الزجاجي فِي شرح خطْبَة أدب الْكتاب
وَهُوَ عِنْدِي بِخَطِّهِ وتاريخ كِتَابَته سنة سبع وَسبعين وثلثمائة وَقَالَ: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْفراء من نصب المنادى الْمُفْرد فِي ضَرُورَة الشّعْر هُوَ مَذْهَب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَأَصْحَابه. وَالْمذهب الأول هُوَ رَفعه منوناً هُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه وَأَصْحَابه. وَذَلِكَ أَن أَبَا عَمْرو قَالَ: المنادى الْمُفْرد إِذا اضْطر الشَّاعِر إِلَى تنوينه فسبيله أَن ينصبه لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب. وَإِنَّمَا بني على الضَّم لمضارعته الْمُضمر فَإِذا نون فقد زَالَ عَن الْبناء وسبيله أَن يرجع إِلَى أَصله. وَقَالَ الْخَلِيل: سَبيله أَن يتْرك مضموماً وينون. وَشبهه بِالِاسْمِ الَّذِي لَا ينْصَرف إِذا نون فِي ضَرُورَة الشّعْر. وَمذهب أبي عَمْرو أَقيس وَلَوْلَا كَرَاهَة الإطالة لذكرت مَا يعتل بِهِ الْفَرِيقَانِ. وَأنْشد البصريون قَول الْأَحْوَص الوافر:
(سَلام الله يَا مطرٌ عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْك يَا مطر السَّلَام)
فالخليل وَأَصْحَابه يَرْوُونَهُ: يَا مطرٌ بِالرَّفْع والتنوين وَأَبُو عَمْرو وَأَصْحَابه يَرْوُونَهُ: يَا مَطَرا بِالنّصب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وكل الْعَرَب ينشدون
стр. 2907
الْخَفِيف:
يَا عديا لقلبك المهتاج بِالنّصب. انْتهى. وَالْبَيْت الشَّاهِد لم أر من عزاهُ إِلَى قَائِله. وَأوردهُ الزجاجي فِي شرح تِلْكَ الْخطْبَة مَعَ بيتٍ قبله وَهُوَ الطَّوِيل:
(مَا من أناسٍ بَين مصر وعالجٍ ... وَأبين إِلَّا قد تركنَا لَهُم وترا)
وعالج بِكَسْر اللَّام: مَوضِع بالبادية بِهِ رمل. وَأبين بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وَسُكُون الْمُوَحدَة بعْدهَا مثناة مَفْتُوحَة: مَوضِع فِي الْيمن قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هُوَ بِكَسْر الْهمزَة اسْم رجل كَانَ فِي الزَّمن الْقَدِيم وَهُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ عدن إبين من بِلَاد الْيمن هَكَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي الْأَبْنِيَة بِكَسْر الْهمزَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سَأَلت أَبَا عبيد: كَيفَ تَقول ابين بِفَتْح الْهمزَة أَو بِكَسْرِهَا قَالَ:)
أقولهما جَمِيعًا. قَالَ الْهَمدَانِي: وَهُوَ ذُو أَبيت بن ذِي يقدم بن الصوأر بن عبد شمس بن وَائِل بن الْغَوْث. قَالَ الرائش الْبَسِيط:
(وَاذْكُر بِهِ سيد الأقوام ذَا بينٍ ... من القدام وعمراً والفتى الثَّانِي)
أَرَادَ: ذَا إبين. وحمير تطرح مثل هَذِه الْألف فَتَقول فِي اذْهَبْ: ذهب. اه.
стр. 2908
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: أبين بِفَتْح أَوله وَيكسر وَيُقَال: يبين. وَذكره سِيبَوَيْهٍ فِي الْأَمْثِلَة بِكَسْر الْهمزَة وَلَا يعرف أهل الْيمن غير الْفَتْح وَهُوَ مخلاف بِالْيمن مِنْهُ عدن يُقَال: إِنَّه سمي بأبين بن زُهَيْر بن أَيمن بن الهميسع بن حمير ابْن سبأ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: عدن وَأبين: ابْنا عدنان بن أدد.
وَأنْشد الْفراء:
(مَا من أناسٍ بَين مصر وعالج ... الْبَيْتَيْنِ)
وَقَالَ عمَارَة بن الْحسن اليمني: أبين: مَوضِع فِي جبل عدن. اه. وَالْوتر بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا: الْجِنَايَة الَّتِي يجنيها الرجل على غَيره من قتلٍ أَو نهب أَو سبي. والأزد وَيُقَال: الْأسد بإبدال الزَّاي سيناً: أَبُو حيٍّ من الْيمن وَهُوَ أَزْد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن كهلان بن سبأ. وَهُوَ فرق: فرقة يُقَال لَهَا: أَزْد شنُوءَة وَأُخْرَى أَزْد عمان وَأُخْرَى أَزْد السراة. فَلَمَّا كَانَ الأزد يجمع قبائل شَتَّى بَين المُرَاد مِنْهُ بقوله أَزْد شنُوءَة. والشنوءة بِالْهَمْزَةِ على وزن فعولة وَمَعْنَاهُ التقزز وَهُوَ التباعد من الأدناس. تَقول: رجل فِيهِ شنُوءَة أَي: تقزز. قَالَ فِي الصِّحَاح: وَمِنْه أَزْد شنُوءَة وهم حيٌّ بِالْيمن ينْسب إِلَيْهِم شنائي. قَالَ ابْن السّكيت رُبمَا قَالُوا أَزْد شنوة بِالتَّشْدِيدِ غير مَهْمُوز وينسب إِلَيْهَا شنوي. قَالَ الرجز:
(نَحن قريشٌ وهم شنوه ... بِنَا قُريْشًا ختم النبوه)
وَرَوَاهُ ابْن سَيّده فِي الْمُحكم وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ: وَنحن قتلنَا الْأسد أَسد خُفْيَة
стр. 2909
وَهَذَا تَحْرِيف قطعا وَلَا يلائمه مَا بعده. وخفية بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء: اسْم مَوضِع كثير الْأسود. قَالَ الْعَيْنِيّ: وَأسد خُفْيَة بدل من الْأسد وَلم يبين هَل هُوَ بدل كل أَو بدل بعض بِتَقْدِير الْعَائِد أَي: مِنْهُم وَالظَّاهِر أَنه بَيَان لَهُ. وبعداً: ظرف لشربوا.
وَالْأَصْل عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق بعد قتلنَا إيَّاهُم فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَعوض عَنهُ بِالتَّنْوِينِ. وَأنْشد بعده الوافر:
(فساغ لي الشَّرَاب وَكنت قبلا ... أكاد أغص بِالْمَاءِ الْحَمِيم)
على أَن الأَصْل: قبل هَذَا فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَعوض عَنهُ بِالتَّنْوِينِ. وَعند الْجُمْهُور: التَّنْوِين)
للتمكين وَهُوَ نكرَة فَمَعْنَى كنت قبلا: كنت مُتَقَدما. وَمعنى فَمَا شربوا بعدا: مَا شربوا مُتَأَخِّرًا وَلَا يَنْوِي تقدمٌ وَلَا تَأَخّر على شَيْء معِين وَإِنَّمَا المُرَاد فِي هَذِه الْحَالة مُطلق التَّقَدُّم والتأخر من حَيْثُ هُوَ. وَأما فِي حَال الْإِضَافَة فالنية بهما التَّقَدُّم والتأخر على شَيْء بِعَيْنِه. قَالَ الدماميني.
وَالْبَيْت قد تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتِّينَ. وَأنْشد بعده الرجز:
خالط من سلمى خياشيم وفا على أَن الأَصْل: وفاها فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَتقدم عَلَيْهِ الْكَلَام فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب
стр. 2910
الِاسْتِثْنَاء وَبعد الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة من بَاب الْإِضَافَة.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة)
الْبَسِيط:
(إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا اسر بهَا ... من علو لَا عجبٌ مِنْهَا وَلَا سخر)
على أَنه روى علو مثلث الْوَاو. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وعلو بِتَثْلِيث الْوَاو: أَي: أَتَانِي خبرٌ من أَعلَى نجد. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ الْعَالِيَة. وَقَالَ ثَعْلَب: أَي: من أعالي الْبِلَاد. وأنث اللِّسَان لِأَنَّهُ بِمَعْنى الرسَالَة هُنَا لِأَن الشَّاعِر كَانَ أَتَاهُ خبر قتل أَخِيه الْمُنْتَشِر. والسخر بِفتْحَتَيْنِ وبضمتين: الِاسْتِهْزَاء. يَقُول: لَا عجب من هَذِه الرسَالَة وَإِن كَانَت عَظِيمَة لِأَن مصائب الدُّنْيَا كَثِيرَة وَلَا سخر بِالْمَوْتِ. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا أَقُول ذَلِك سخرية. وَالْبَيْت مطلع قصيدةٍ لأعشى باهلة رثى بهَا أَخَاهُ الْمُنْتَشِر بن وهب الْبَاهِلِيّ. وَقد
شرحنا القصيدة برمتها وَمَا يتَعَلَّق بهَا على سَبِيل الِاسْتِقْصَاء فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: ...
стр. 2911
(بِآيَة يقدمُونَ الْخَيل شعثاً ... كَأَن على سنابكها مداما)
على أَن آيَة تُضَاف فِي الْأَغْلَب إِلَى الفعلية مصدرة بِحرف الْمصدر وَمن غير الْأَغْلَب أَن تُضَاف إِلَيْهَا بِدُونِهِ كَهَذا الْبَيْت. وَهَذَا خلاف مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فَإِن آيَة عِنْده لَا تُضَاف إِلَى الفعلية إِلَّا بِدُونِ حرف الْمصدر. هَذَا نَصه: وَمِمَّا يُضَاف إِلَى الْفِعْل أَيْضا قَالَ الْأَعْشَى: بِآيَة يقدمُونَ الْخَيل شعثاً ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق: فَمَا: لغوٌ. انْتهى. وَذهب ابْن جني إِلَى أَن آيَة إِنَّمَا تُضَاف إِلَى مُفْرد نَحْو: إِن آيَة ملكه أَن
يأتيكم التابوت وَقَالَ: الأَصْل بِآيَة مَا تقدمون أَي: بِآيَة إقدامكم كَمَا قَالَ الوافر: بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما وَيُؤْخَذ من تَقْرِيره أَن تقدمون بِالْخِطَابِ وَالْمَشْهُور أَنه بالغيبة وَعَلِيهِ الْمَعْنى.
стр. 2912
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: فِيهِ حذف مَوْصُول حرفيٍّ غير أَن وَبَقَاء صلته. ثمَّ هُوَ غير متأتٍّ فِي قَوْله الطَّوِيل: بِآيَة مَا كَانُوا ضعافاً وَلَا عزلاً وتكلف الدماميني فَقَالَ: بل هُوَ متأتٍّ بِأم تكون مَا مَصْدَرِيَّة وَلَا النافية محذوفة لدلَالَة مَا بعْدهَا عَلَيْهَا وَالْمعْنَى بِآيَة كَونهم لَا ضعافاً وَلَا عزلاً. ثمَّ قَالَ ابْن هِشَام: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن آيَة مِمَّا يُضَاف جَوَازًا إِلَى الْجُمْلَة الفعلية الْمُتَصَرف فعلهَا سَوَاء كَانَ مثبتاً كالبيت الشَّاهِد أَو منفياً بِمَا كَقَوْلِه: بِآيَة مَا كَانُوا ضعافاً وَلَا عزلاً انْتهى.
وَكَذَا قَالَ: صَاحب الْمفصل أَن آيَة مِمَّا يُضَاف إِلَى الْفِعْل. قَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو إِسْحَاق: لِأَن معنى آيَة عَلامَة من الزَّمَان وأضيف الْفِعْل إِلَى الزَّمَان لِأَن الْفِعْل من أجل الزَّمَان ذكر. وَكَانَ أَبُو إِسْحَاق يرى أَنه حِكَايَة. وَقَالَ غَيره: المُرَاد الْمصدر. وَقَالَ الْمبرد فِي إِضَافَة آيَة إِلَى الْفِعْل: إِنَّه بعيد وَجَاز على بعده للُزُوم الْإِضَافَة لِأَن آيَة لَا تكَاد تفرد إِذا أردْت بهَا الْعَلامَة. انْتهى. وَفِيه أَن أَكثر مَا وجدت فِي الْقُرْآن بِهَذَا الْمَعْنى مُفْردَة عَن الْإِضَافَة قَالَ تَعَالَى: وآيةٌ لَهُم اللَّيْل نسلخ مِنْهُ النَّهَار وآيةٌ لَهُم أَن حملنَا ذُرِّيتهمْ.
стр. 2913
وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ اضافة آيَة إِلَى يقدمُونَ على)
تَأْوِيل الْمصدر أَي: بِآيَة إقدامهم الْخَيل. يُرِيد أَن الْمَعْنى عَلَيْهِ لِأَن الْفِعْل مؤول بِحرف مصدر مُقَدّر إِذْ الْغَرَض أَنه مضافٌ إِلَى الْجُمْلَة من دون سابك. ثمَّ قَالَ الأعلم: وَجَاز هَذَا فِيهَا لِأَنَّهَا اسمٌ من أَسمَاء الْفِعْل لِأَنَّهَا بِمَعْنى عَلامَة والعلامة من الْعلم وَأَسْمَاء الْأَفْعَال تضارع الزَّمَان فَمن حَيْثُ جَازَ أَن يُضَاف الزَّمَان إِلَى الْفِعْل جَازَ هَذَا فِي آيَة وَكَأن إضافتها على تَأْوِيل إِقَامَتهَا مقَام الْوَقْت كَأَنَّهُ قَالَ: بعلامة وَقت يقدمُونَ. يَقُول: أبلغهم عني كَذَا بعلامة إقدامهم الْخَيل للقاء شعثاً متغيرة من السّفر والجهد. وَشبه مَا ينصب من عرقها ممتزجاً بِالدَّمِ على سنابكها بِالْخمرِ.
والسنابك: جمع سنبك وَهُوَ مقدم الْحَافِر. انْتهى.
أَرَادَ أَن ذَلِك لما صَار عَادَة وأمراً لَازِما صَار عَلامَة. وَكَأن الشَّاعِر لما حمل إنْسَانا أَن يبلغ قوما رسَالَته قَالَ لَهُ ذَلِك الْإِنْسَان: بِأَيّ عَلامَة يعرف هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَقَالَ: بعلامة تقديمهم الْخَيل إِلَى الْحَرْب. أَي: إِذا رَأَيْت قوما بِهَذِهِ الصّفة فأبلغ رسالتي. والشعث: جمع أَشْعَث وَهُوَ المغبر الرَّأْس. قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: ضمير يقدمُونَ ضمير غيبَة يعود على تَمِيم الْمَذْكُورين قبله وَهُوَ: وَهَذَا لَا يَصح فَإِن كل بَيت مِنْهُمَا من شعرٍ آخر وليسا من قصيدةٍ لقَائِل وَاحِد. وَالْبَيْت الشَّاهِد لم أره مَنْسُوبا إِلَى الْأَعْشَى فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ وَفِي غَيره غير مَنْسُوب إِلَى أحد. وَالله أعلم بِهِ.
стр. 2914
وَقد تكلم على معنى الْآيَة أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ فِيمَا كتبه على إصْلَاح الْمنطق لأبي يُوسُف بن السّكيت من كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة قَالَ أَبُو يُوسُف: وَقد تأييته: تَعَمّدت آيَته أَي: شخصه. وَحكى لنا أَبُو عَمْرو: يُقَال خرج الْقَوْم بآيتهم أَي: بجماعتهم أَي: لم يدعوا وَرَاءَهُمْ شَيْئا. وأنشدنا لبرج بن مسهرالطويل:
(خرجنَا من النعتين لَا حَيّ مثلنَا ... بآيتنا نزجي اللقَاح المطافلا)
قَالَ: وَمعنى آيَة من كتاب الله أَي: جمَاعَة حُرُوفه. قَالَ أَبُو الْقَاسِم: قد أفسد أَبُو يُوسُف صَحِيح قَوْله الأول بقول أبي عَمْرو فِي معنى الْآيَة من كتاب الله وَإِنَّمَا الْآيَة الْعَلامَة لَا جمَاعَة حُرُوف.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن دُرَيْد: وَالْآيَة من الْقُرْآن الْكَرِيم كَأَنَّهَا علامةٌ لشَيْء ثمَّ يخرج مِنْهَا إِلَى غَيرهَا. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بَيت البرج أَي: خَرجُوا بجماعتهم وَبِمَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِم من مَتَاعهمْ.
وَيُقَال: هَذِه آيَة كَذَا أَي: عَلامَة كَذَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: أتبنون بِكُل ربعٍ آيَة تعبثون أَي: أمرةً وعلامة وَمِنْه قَول الشَّاعِر: بِآيَة يقدمُونَ الْخَيل زوراً تسن على سنابكها الْقُرُون)
(بِآيَة يقدمُونَ الْخَيل زوراً ... كَأَن على سنابكها مداما)
وَقَالَ آخر
(أَلا أبلغ لديك بني تَمِيم ... بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
стр. 2915
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: رب اجْعَل لي آيَة قَالُوا عَلامَة أعلم بهَا وُقُوع مَا بشرت بِهِ.
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْله سُبْحَانَهُ: قَالَ آيتك أَن لَا تكلم النَّاس أَي: تمنع الْكَلَام وَأَنت سوي فتعلم بذلك أَن الله قد وهب لَك الْوَلَد. فَكَانَ ذَلِك من فعل الله بِهِ عَلامَة دَالَّة على صِحَة مَا بشره بِهِ من أَمر يحيى ﵇. وَكَذَلِكَ قَوْله : واضمم يدك إِلَى جناحك تخرج بَيْضَاء من غير سوءٍ آيَة أُخْرَى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَت فِي قلب الْعَصَا آيةٌ دَالَّة على وحدانية الله تَعَالَى. ثمَّ أمره بِضَم يَده وأعلمه أَنَّهَا تخرج بَيْضَاء من غير برص وَأَن
تِلْكَ آيَة أُخْرَى دَالَّة على مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الْأُخْرَى. فَأصل الْآيَة الْعَلامَة فَكَأَن الْآيَة من كتاب الله علامةٌ يفضى مِنْهَا إِلَى غَيره كأعلام الطَّرِيق المنصوبة للهداية. قَالَ الشَّاعِر الْبَسِيط: إِذا مضى علمٌ مِنْهَا بدا علم وَلما كَانَت الْآيَة هِيَ العلام الدَّالَّة على الشَّيْء سموا شخص الشَّيْء آيَته وَقَالُوا: تآييته على وزن فاعلته إِذا تَعَمّدت آيَته. وَكَذَلِكَ آيَات الله
стр. 2916
الَّتِي ضربهَا لِعِبَادِهِ أَمْثَالًا: وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره وَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَانْظُر إِلَى حِمَارك ولنجعلك آيَة للنَّاس. وَقَالَ : لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى. وَقَالَ تقدست أسماؤه: لنريك من آيَاتنَا الْكُبْرَى فِي أَمْثَال هَذِه الْآيَات. وَكلهَا بِمَعْنى الدَّلَائِل والعلامات الدَّالَّة على صنع اللَّطِيف الْخَبِير. وَلَا وَجه لما قَالَه من جمَاعَة الْحُرُوف. وَإِن قَالَه غَيره فَهُوَ قَول غير مَقْبُول. انْتهى مَا سَاقه أَبُو الْقَاسِم. وَقد اخْتلف فِي أَصْلهَا على سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن أَصْلهَا أيية كقصبة فَالْقِيَاس فِي إعلالها أياة فَتَصِح الْعين وتعل اللَّام وَلَكِن عكسوا شذوذاً فأعلوا الْيَاء الأولى لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا دون الثَّانِيَة. وَهَذَا قَول الْخَلِيل.
الثَّانِي: أَن أَصْلهَا أيية بِسُكُون الْعين كحية فأعلت بقلب الْيَاء الأولى اكْتِفَاء بِشَطْر الْعلَّة وَهُوَ فتح مَا قبلهَا فَقَط دون تحركها. قَالَه الْفراء وعزي لسيبويه وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَقَالَ: إِنَّه أسهل الْوُجُوه لكَونه لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الاجتزاء بِشَطْر الْعلَّة. وَإِذا كَانُوا قد عولوا عَلَيْهِ فِيمَا لم يجْتَمع فِيهِ ياءان نَحْو: طائي وَسمع: اللَّهُمَّ تقبل تابتي وصامتي فَفِيمَا اجْتمع فِيهِ ياءان أولى لِأَنَّهُ أثقل.
стр. 2917
الثَّالِث: أَن أَصْلهَا آيية كضاربة حذفت الْعين استثقالاً لتوالي ياءين أولاهما)
مَكْسُورَة وَلذَلِك كَانَت أولى بالحذف من الثَّانِيَة. قَالَ الْكسَائي: ورد بِأَنَّهُ كَانَ يلْزم قلب الْيَاء همزَة لوقوعها بعد ألف زَائِدَة فِي قَوْلهم: آي. الرَّابِع: أَن أَصْلهَا أيية بِضَم الْيَاء الأولى كسمرة فقلبت الْعين ألفا. ورد بِأَنَّهُ كَانَ يجب قلب الضمة كسرة. الْخَامِس: أَن أَصْلهَا أيية بِكَسْر الْيَاء الأولى كنبقة فقلبت الْيَاء الأولى ألفا. ورد بِأَن مَا كَانَ كَذَلِك يجوز فِيهِ الفك والإدغام كحيي وَحي. السَّادِس: أَن أَصْلهَا أيية كقصبة كَالْأولِ إِلَّا أَنه أعلت الثَّانِيَة على الْقيَاس فَصَارَ أياة كحياة ونواة ثمَّ قدمت اللَّام إِلَى مَوضِع الْعين فوزنها فلعة. وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س الوافر:
(أَلا من مبلغٌ عني تميماً ... بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
على أَن آيَة تُضَاف فِي الْأَغْلَب إِلَى الفعلية مصدرة بِحرف الْمصدر كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن مَا مصدريةٌ تؤول مَعَ الْفِعْل بعْدهَا بمصدر مجرور بِإِضَافَة آيَة إِلَيْهِ. وَهَذَا خلاف مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: فَإِن مَا زَائِدَة وَآيَة مُضَافَة إِلَى الْفِعْل وَلَا تَأْوِيل بمصدر صناعَة. قَالَ النّحاس: مَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَغْو. وَقَالَ الْمبرد: مَا وَالْفِعْل مصدر. وَأنكر مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ.
стр. 2918
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي حذف مَا المصدرية من الْبَاب الْخَامِس: الصَّوَاب أَن مَا مَصْدَرِيَّة. وَهَذَا يشْعر أَن مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ خطأ. وَلَيْسَ هَذَا بصواب فَكَانَ اللَّائِق أَن يَقُول: وَالصَّحِيح أَو يَقُول: وَعِنْدِي أَو وَعند غَيره. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِضَافَة آيَة إِلَى يحبونَ وَمَا زَائِدَة للتوكيد. وَيجوز أَن تكون مَا مَعَ الْفِعْل بِتَأْوِيل الْمصدر كإضافتها إِلَى سَائِر الْأَسْمَاء. انْتهى. ومفعول مبلغ مَحْذُوف أَي: رِسَالَة كَأَنَّهُ لما قَالَ: من مبلغٌ تميماً عني رِسَالَة قيل لَهُ: بِأَيّ علامةٍ يعْرفُونَ فَقَالَ: بعلامة حبهم الطَّعَام وحرصهم عَلَيْهِ. يُرِيد: إِذا رَأَيْت قوما يحبونَ الطَّعَام فَاعْلَم أَنهم تَمِيم فَبَلغهُمْ رسالتي.
وَقل الزَّمَخْشَرِيّ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: مَا زَائِدَة أَي: بعلامة محبتكم الطَّعَام يشْعر أَن تحبون بِالْخِطَابِ. وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ بالغيبة.
وروى صَدره الْمبرد فِي الْكَامِل:
(أَلا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل هَذَا من الْغَلَط إِنَّمَا الرِّوَايَة: بِآيَة مَا بهم حب الطَّعَام وَبعده الوافر:)
(أجارتها أسيد ثمَّ أودت ... بِذَات الضَّرع مِنْهَا والسنام)
стр. 2919
وَلَيْسَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد بِأول من غلط فِيهِ من النَّحْوِيين. انْتهى. وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. وَهَذَا يُؤَيّد قَول سِيبَوَيْهٍ فَإِن مَا مَوْصُولَة وَحب الطَّعَام مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. وَفِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي للسيوطي: قَالَ أَبُو مُحَمَّد السيرافي: وَفِي شعره يَعْنِي يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق:
(أجارتها أسيد ثمَّ غارت ... بِذَات الضَّرع مِنْهُ والسنام)
وَسَببه أَن بني عَوْف بن عَمْرو بن كلاب جاوروا بني أسيد بن عَمْرو بن تَمِيم فأجلوهم عَن مواضعهم فَقَالَ يزِيد هَذَا الشّعْر. وَفِي أَيَّام الْعَرَب لأبي عُبَيْدَة: نزل يزِيد بن الصَّعق قَرِيبا من بني أسيد بن عَمْرو بن تَمِيم واستجارهم لإبله فأجاروه ثمَّ أغار عَلَيْهِ ناسٌ مِنْهُم فَذَهَبُوا بهَا فَقَالَ يزِيد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. انْتهى. وعَلى هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا لَا شَاهد فِيهِ وَحب مَنْصُوب بِنَزْع الحافض أَي: بِآيَة مَا يذكرُونَ بحب الطَّعَام.
وَقَول السيرافي وَفِي شعره يُوهم أَن هَذَا الشّعْر غير الْبَيْت الشَّاهِد وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الشّعْر وَاحِد والقافية مجرورة. وَقد رد عَلَيْهِ أَوْس بن غلفاء الهُجَيْمِي من قصيدة الوافر:
(فَإنَّك من هجاء بني تميمٍ ... كمزداد الغرام إِلَى الغرام)
...
стр. 2920
(هم تركوك أسلح من حبارى ... رَأَتْ صقراً وأشرد من نعام)
(وهم ضربوك أم الرَّأْس حَتَّى ... بَدَت أم الشؤون من الْعِظَام)
(إِذا يأسونها جشأت إِلَيْهِم ... شرنبثة القوائم أم هام)
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: الَّذِي ضرب يزِيد على رَأسه الْحَارِث بن حصبة أَو طَارق بن حصبة الشَّك من أبي عُبَيْدَة ضربه يَوْم ذِي نجب وأسره فَقَالَ تَمِيم لِابْنِ أبي جوَيْرِية التَّمِيمِي وَكَانَ نطاسياً أَي: طَبِيبا: انْظُر إِلَيْهِ فَإِن كنت ترجوه فَلَنْ نطلقه حَتَّى يُعْطِينَا الرِّضَا فِي فدائه. فَإِن خفت عَلَيْهِ قنعنا مِنْهُ بِأَدْنَى شَيْء. فَأعْطَاهُ يزِيد شَيْئا على أَن يُخبرهُ بِأَنَّهُ يخَاف عَلَيْهِ فَأخذُوا مِنْهُ شَيْئا يَسِيرا وأطلقوه. انْتهى. وَقَوله: أجارتها أسيد ثمَّ أوردت إِلَخ أجاره: الْتزم لَهُ ذمَّة الْمُجَاورَة. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ. وأودت بِذَات الضَّرع أَي: أهلكتها. وروى بدله: غارت أَي: أَتَت الْغَوْر بهَا.
وَإِنَّمَا جعل حب الطَّعَام آيَة لبني تَمِيم يعْرفُونَ بِهِ لما كَانَ من أَمرهم فِي تحريق عَمْرو بن هِنْد إيَّاهُم ووفود البرجمي عَلَيْهِ لما شم رَائِحَة المحرقين فظنهم طَعَاما يصنع)
فقذف بِهِ إِلَى النَّار. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أسعد بن الْمُنْذر أَخا عَمْرو ابْن هِنْد كَانَ مسترضعاً فِي بني دارم فِي حجر حَاجِب بن زُرَارَة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم وَانْصَرف ذَات يومٍ من صيدٍ وَبِه نَبِيذ
стр. 2921
فعبث كَمَا تعبث الْمُلُوك فَرَمَاهُ رجلٌ من بني دارم بِسَهْم فَقتله فَفِي ذَلِك يَقُول عَمْرو بن ملقط الطَّائِي لعَمْرو ابْن هِنْد مجزوء الْكَامِل:
(فَاقْتُلْ زُرَارَة لَا أرى ... فِي الْقَوْم أوفى من زُرَارَة)
فغزاهم عَمْرو بن هندٍ فَقَتلهُمْ يَوْم القصيبة وَيَوْم أوارة. وَفِي ذَلِك يَقُول الْأَعْشَى مجزوء الْكَامِل:
(وَتَكون فِي الشّرف الموا ... زِيّ منقراً وَبني زُرَارَة)
(أَبنَاء قومٍ قتلوا ... يَوْم القصيبة والأواره)
ثمَّ أقسم عَمْرو بن هندٍ ليحرقن مِنْهُم مائَة فبذلك سمي محرقاً فَأخذ تِسْعَة وَتِسْعين رجلا فقذفهم فِي النَّار ثمَّ أَرَادَ أَن يبر قسمه بعجوزٍ مِنْهُم لتكمل الْعدة فَلَمَّا أَمر بهَا قَالَت الْعَجُوز: أَلا فَتى يفْدي هَذِه الْعَجُوز بِنَفسِهِ ثمَّ قَالَت: هَيْهَات صَارَت الفتيان حمما. وَمر وافدٌ للبراجم فاشتم رَائِحَة اللَّحْم فَظن أَن الْملك يتَّخذ طَعَاما فعرج عَلَيْهِ فَأتي بِهِ فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن أَنا وَافد
البراجم. فَقَالَ عَمْرو: إِن الشقي وَافد البراجم ثمَّ أَمر بِهِ فقذف فِي النَّار. فَفِي ذَلِك يَقُول جريرٌ يعير الفرزدق الْكَامِل:
(أَيْن الَّذين بِنَار عمرٍ وحرقوا ... أم أَيْن أسعد فِيكُم المسترضع)
وَقَالَ الطرماح الْبَسِيط:
(ودارمٌ قد قذقنا مِنْهُم مائَة ... فِي جاحم النَّار إِذْ ينزون بالجدد)
(ينزون بالمشتوى مِنْهَا ويوقدها ... عمرٌ ووَلَوْلَا شحوم الْقَوْم لم تقد)
стр. 2922
وَلذَلِك عيرت بَنو تَمِيم بحب الطَّعَام يعْنى كطمع البرجمي فِي الْأكل. قَالَ يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق أحد بني عَمْرو بن كلاب:
(أَلا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
وَقَالَ آخر الوافر:
(بخبزٍ أَو بلحمٍ أَو بتمرٍ ... أَو الشَّيْء الملفف فِي البجاد)
(ترَاهُ ينقب الْبَطْحَاء حولا ... ليَأْكُل رَأس لُقْمَان بن عَاد)
انْتهى مَا أوردهُ الْمبرد. قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: زعم أَبُو عُبَيْدَة أَن من زعم أَنه أحرقهم فقد)
أَخطَأ فَذكر لَهُ شعر الطرماح فَقَالَ: لَا علم لَهُ بِهَذَا. وَاسْتشْهدَ بقول جرير:
(أَيْن الَّذين بِسيف عمرٍ وقتلوا ... أم أَيْن أسعد فِيكُم المستوضع)
انْتهى. وَهَذِه الرِّوَايَة للبيت غير رِوَايَة الْمبرد. وروى صَاحب الأغاني خبر هَذَا الْيَوْم بِسَنَدِهِ إِلَى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه وَغَيره من أَشْيَاخ طيئٍ بأبسط من رِوَايَة الْمبرد مَعَ مُخَالفَة قَالَ:
стр. 2923
كَانَ من حَدِيث يَوْم أوارة أَن عَمْرو بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَهُوَ عَمْرو بن هِنْد كَانَ يعرف بِأُمِّهِ هندٍ بنت الْحَارِث الْملك الْمَقْصُور بن حجر آكل المرار الْكِنْدِيّ وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: مضرط الْحِجَارَة أَنه كَانَ عَاقد هَذَا الْحَيّ من طَيئ على أَن لَا ينازعوا وَلَا يفاخروا وَلَا يُغيرُوا. وَأَن عَمْرو بن هندٍ غزا الْيَمَامَة فَرجع منفضاً فَمر بطيئ فَقَالَ لَهُ زُرَارَة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم الْحَنْظَلِي: أَبيت اللَّعْن أصب من هَذَا الْحَيّ شَيْئا. قَالَ لَهُ: وَيلك إِن لَهُم عقدا.
قَالَ: وَإِن كَانَ. فَلم يزل بِهِ حَتَّى أصَاب مَالا ونسوة وأذواداً فذمه قيس بن جروة الطَّائِي بقصيدة على نقض عَهده فبلغت عَمْرو بن هِنْد فغزا طيئاً. فَأسر أسرى من طَيئ من بني عدي بن أخزم وهم رَهْط حَاتِم بن عبد الله وَفِيهِمْ قيس بن جحدر وَهُوَ جد الطرماح بن حَكِيم وَهُوَ ابْن خَالَة حَاتِم فوفد حاتمٌ فيهم إِلَى عَمْرو بن هِنْد فوهبهم لَهُ. ثمَّ إِن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وضع ابْنا لَهُ صَغِيرا وَيُقَال: بل كَانَ أَخَاهُ صَغِيرا يُقَال لَهُ: مَالك عِنْد زُرَارَة وَإنَّهُ خرج ذَات يَوْم يتصيد فأخفق وَلم يصب شَيْئا فَمر بإبلٍ لرجل من بني عبد الله بن دارم يُقَال لَهُ: سويدٌ.
وَكَانَت عِنْد سُوَيْد ابْنة زُرَارَة بن عدس فَولدت لَهُ سَبْعَة غلمة فَأمر مَالك بن الْمُنْذر بِنَاقَة سَمِينَة مِنْهَا فنحرها ثمَّ اشتوى وسويدٌ نَائِم فَلَمَّا انتبه شدّ على مَالك بعصاً فَضَربهُ فأمه. وَمَات الْغُلَام. وَخرج سويدٌ هَارِبا حَتَّى لحق بِمَكَّة وَعلم أَنه لَا يَأْمَن فحالف بني نَوْفَل بن عبد منَاف فاختط بِمَكَّة وَكَانَت طَيئ تطلب عثرات زُرَارَة وَبني أَبِيه حَتَّى بَلغهُمْ مَا صَنَعُوا بأخي الْملك فَأَنْشَأَ عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن ملقط الطَّائِي يَقُول
стр. 2924
مجزوء الْكَامِل:
(من مبلغٌ عمرا بأ ... ن الْمَرْء لم يخلق صباره)
(وحوادث الْأَيَّام لَا ... يبْقى لَهَا إِلَّا الحجاره)
(أَن ابْن عجزة أمه ... بالسفح أَسْفَل من أواره)
(تسفي الرِّيَاح خلال كش ... حيه وَقد سلبوا إزَاره)
(فَاقْتُلْ زُرَارَة لَا أرى ... فِي الْقَوْم أوفى من زراره))
والصبارة: بِالضَّمِّ: الْحِجَارَة وَقيل: بِالْفَتْح جمع صبار وَالْهَاء لجمع الْجمع لِأَن الصبار جمع صبرَة بِالْفَتْح وَهِي حِجَارَة شَدِيدَة. كَذَا فِي الصِّحَاح. وأوارة بِالضَّمِّ: اسْم مَاء وَإِلَيْهِ نسب ذَلِك الْيَوْم. والعجزة بِالْكَسْرِ:
آخر ولد الرجل عَنى بِهِ أَخَاهُ. وَيُقَال لأوّل ولد الرجل: زكمةٌ بِالضَّمِّ. فَلَمَّا بلغ الْعشْر عَمْرو بن هِنْد بَكَى حَتَّى فاضت عَيناهُ وَبلغ الْخَبَر زُرَارَة فهرب وَركب عَمْرو بن هندٍ فِي طلبه فَلم يقدر عَلَيْهِ فَأخذ امْرَأَته وَهِي حُبْلَى وَقَالَ: مَا فعل زُرَارَة الغادر الْفَاجِر قَالَت: إِن كَانَ مَا علمت لطيب الْعرق سمين المرق وَيَأْكُل مَا وجد وَلَا يسْأَل عَمَّا فقد وَلَا ينَام لَيْلَة يخَاف وَلَا يشْبع لَيْلَة يُضَاف فبقر بَطنهَا فَقَالَ قوم زُرَارَة لزرارة: وَالله مَا قتلت أَخَاهُ فأت الْملك فاصدقه الْخَبَر. فَأَتَاهُ زُرَارَة فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ: جئني بِسُوَيْدِ. فَقَالَ: قد لحق بِمَكَّة. فَقَالَ: عَليّ ببنيه. فَأَتَاهُ ببنيه السَّبْعَة وبأمهم بنت زُرَارَة وهم غلمةٌ فتناولوا أحدهم فَضربت عُنُقه وَتعلق بزرارة الْآخرُونَ فتناولوهم وَقتلُوا. وآلى عَمْرو بن هِنْد ليحرقن من بني حَنْظَلَة مائَة رجلٍ فَخرج يريدهم وَبعث على مقدمته عَمْرو بن ملقطٍ الطَّائِي فَأخذ مِنْهُم ثَمَانِيَة وَتِسْعين رجلا بِأَسْفَل أوارة من نَاحيَة الْبَحْرين فحبسهم ولحقه عَمْرو بن
стр. 2925
هِنْد حَتَّى انْتهى إِلَى أوارة فَأمر لَهُم بأخدودٍ ثمَّ أضرمه نَارا وَقذف بهم فِيهَا فاحترقوا. وَأَقْبل راكبٌ من البراجم وهم بطن من بني حَنْظَلَة عِنْد الْمسَاء لَا يدْرِي بِشَيْء مِمَّا كَانَ فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد: مَا جَاءَ بك فَقَالَ: حب الطَّعَام قد أقويت ثَلَاثًا لم أذق طَعَاما فَلَمَّا سَطَعَ الدُّخان ظننته دُخان طَعَام. فَقَالَ لَهُ عَمْرو: مِمَّن أَنْت قَالَ: من البراجم. فَقَالَ عَمْرو: إِن الشقي وَافد البراجم فَذَهَبت مثلا. وَرمي بِهِ فِي النَّار. فهجت الْعَرَب تميماً بذلك فَقَالَ ابْن الصَّعق العامري:
(أَلا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
وَأقَام عَمْرو بن هِنْد لَا يرى أحدا فَقيل لَهُ: أَبيت اللَّعْن لَو تحللت بِامْرَأَة مِنْهُم فَدَعَا بِامْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ لَهَا: من أَنْت قَالَت: أَنا الْحَمْرَاء ابْنة ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل. فَقَالَ: إِنِّي لأظنك أَعْجَمِيَّة. فَقَالَت مَا أَنا بأعجمية وَلَا ولدتني الْعَجم الرجز:
(إِنِّي لبِنْت ضَمرَة بن جَابر ... سَادًّا معداً كَابِرًا عَن كَابر)
(إِنِّي لأخت ضَمرَة بن ضمره ... إِذا الْبِلَاد لفعت بغمره)
فَقَالَ عمرٌ و: وَالله لَوْلَا مَخَافَة أَن تلدي مثلك لصرفتك عَن النَّار قَالَت: أما وَالَّذِي أسأله أَن)
يضع وِسَادك ويخفض عمادك ويسلبك ملكك وَيقرب هلكك وَلَا أُبَالِي مَا صنعت فَقَالَ: اقذفوها فِي النَّار:
стр. 2926
فأحرقت. انْتهى مَا أوردهُ صَاحب الأغاني مُخْتَصرا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي خطْبَة أدب الْكتاب: مازح مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْأَحْنَف ابْن قيس فَمَا رئي مازحان أوقر مِنْهُمَا فَقَالَ لَهُ: يَا أحنق مَا الشَّيْء الملفف فِي البجاد فَقَالَ: السخينة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. أَرَادَ مُعَاوِيَة قَول الشَّاعِر:
(إِذا مَا مت ميتٌ من تميمٍ ... فسرك أَن يعِيش فجِئ بزاد)
(بخبزٍ أَو بلحمٍ أَو بتمرٍ ... أَو الشَّيْء الملفف فِي البجاد)
(ترَاهُ يطوف الْآفَاق حرصاً ... ليَأْكُل رَأس لُقْمَان بن عَاد)
والملفف فِي البجاد: وطب اللَّبن. وَأَرَادَ الْأَحْنَف أَن قُريْشًا كَانَت تعير بِأَكْل السخينة وَهِي حساء من دَقِيق يتَّخذ عِنْد غلاء السّعر وعجف المَال وكلب الزَّمَان. انْتهى.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه: هَذَا الشّعْر ليزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق وَذكر الجاحظ أَنه لأبي المهوش الْأَسدي. وَالَّذِي اقْتضى ذكر الشَّيْء الملفف فِي البجاد وَذكر السخينة فِي هَذِه الممازحة أَن مُعَاوِيَة كَانَ قرشياً وَكَانَت قُرَيْش تعير بِأَكْل السخينة. وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ َ لما بعث
стр. 2927
فيهم فَكَفرُوا بِهِ دَعَا الله عَلَيْهِم وَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف. فأجدبوا سبع سِنِين فَكَانُوا يَأْكُلُون الْوَبر بِالدَّمِ ويسمونه العلهز. وَكَانَ أَكثر قُرَيْش إِذْ ذَاك يَأْكُلُون السخينة فَكَانَت قُرَيْش تلقب سخينة وَلذَلِك يَقُول كَعْب بن مَالك الْكَامِل: وَذكر أَبُو عُبَيْدَة أَن قُريْشًا كَانَت تلقب سخينة لأكلهم السخن وَأَنه لقب لَزِمَهُم قبل مبعث النَّبِي ﷺ َ. وَيدل على صِحَة مَا ذكر قَول خِدَاش بن زُهَيْر وَلم يدْرك الْإِسْلَام الْبَسِيط:
(يَا شدَّة مَا شددنا غير كاذبةٍ ... على سخينة لَوْلَا اللَّيْل وَالْحرم)
وَأما الْأَحْنَف بن قيس فَإِنَّهُ كَانَ تميمياً وَكَانَت تَمِيم تعير حب الطَّعَام وَشدَّة الشرة وَكَانَ السَّبَب الَّذِي جر ذَلِك أَن أسعد بن الْمُنْذر أَخا عَمْرو بن هِنْد كَانَ مسترضعاً فِي بني دارم.
إِلَى آخر مَا رَوَاهُ الْمبرد فِي الْكَامِل. وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: قَول كَعْب:
(جَاءَت سخينة كي تغالب رَبهَا ... الْبَيْت))
كَانَ هَذَا الِاسْم مِمَّا سميت بِهِ قُرَيْش قَدِيما ذكرُوا أَن قصياً كَانَ إِذا ذبحت ذَبِيحَة أَو نحرت نحيرة بِمَكَّة أُتِي بعجزها فيصنع مِنْهُ خزيرة وَهُوَ
стр. 2928
لحم يطْبخ ببر فيطعمه النَّاس فسميت قُرَيْش سخينة. وَقيل: أَن الْعَرَب كَانُوا إِذا أسنتوا أكلُوا العلهز وَهُوَ الْوَبر وَالدَّم وتأكل قُرَيْش الخزيرة واللفيتة فنفست عَلَيْهِم الْعَرَب ذَلِك فلقبوهم سخينة. وَلم تكن قريشٌ تكره هَذَا اللقب وَلَو كرهته مَا استجاز كَعْب أَن يذكرهُ وَرَسُول الله ﷺ َ مِنْهُم ولتركه أدباً مَعَ النَّبِي ﷺ َ إِذْ كَانَ قرشياً. وَلَقَد استنشد عبد الْملك بن مَرْوَان مَا قَالَه الهوازني فِي
(يَا شدَّة مَا شددنا غير كاذبةٍ ... الْبَيْت)
فَقَالَ: مَا زَاد هَذَا على أَن اسْتثْنى. وَلم يكره سَماع التلقيب بسخينة. فَدلَّ على أَن هَذَا اللقب لم يكن مَكْرُوها عِنْدهم وَلَا كَانَ فِيهِ تعيير لَهُم. انْتهى. وَالْعِلْهِز بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَكسر الْهَاء بعْدهَا زَاي مُعْجمَة. والخزيرة بِفَتْح الْخَاء وَكسر الزَّاي المعجمتين ثمَّ رَاء مُهْملَة. قَالَ فِي
الصِّحَاح: الخزيرة: أَن تنصب الْقدر بِلَحْم يقطع صغَارًا على مَاء كثير فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق. فَإِن لم يكن فِيهَا لحمٌ فَهِيَ العصيدة. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: قَوْله: إِذا مَا مَاتَ ميت إِلَخ فِيهِ ردٌّ على أبي حَاتِم السجسْتانِي فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: قَول الْعَامَّة مَاتَ الْمَيِّت خطأ وَالصَّوَاب
стр. 2929
مَاتَ الْحَيّ. وَهَذَا الَّذِي أنكرهُ غير مُنكر لِأَن الْحَيّ قد يجوز أَن يُسمى مَيتا لِأَن أمره يؤول إِلَى الْمَوْت. قَالَ تَعَالَى: إِنَّك ميتٌ وَإِنَّهُم ميتون. وَمثله كثير. وَقد فرق قومٌ بَينهمَا فَقَالُوا: الْمَيِّت بِالتَّشْدِيدِ: مَا سيموت وَالْمَيِّت بِالتَّخْفِيفِ: مَا قد مَاتَ. وَهَذَا خطأ فَإِن المشدد أصل المخفف وَالتَّخْفِيف لم يحدث فِيهِ شَيْئا يُغير مَعْنَاهُ. وَقد استعملتهما الْعَرَب من غير فرق. قَالَ الشَّاعِر الْخَفِيف:
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميتٍ ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
وَقَالَ ابْن قعاسٍ الْأَسدي الوافر: فَفِي الْبَيْت الأول سوى بَينهمَا وَفِي الثَّانِي جعل المخفف الْحَيّ الَّذِي لم يمت. أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ والمرء سيموت فَجرى مجْرى قَوْله تَعَالَى: إِنَّك ميتٌ وَإِنَّهُم ميتون. وَقَوله: بِخبْز أَو بِتَمْر أَو بِسمن: بدل من قَوْله: بزاد. والملفف فِي البجاد: وطب اللَّبن يلف فِيهِ وَيتْرك حَتَّى يروب.
والوطب: زق اللَّبن خَاصَّة. والبجاد: الكساء فِيهِ خطوط.
وَقَوله: حرصاً: مصدر وَقع موقع الْحَال أَو مفعول لأَجله. وَإِنَّمَا ذكر لُقْمَان بن عادٍ لجلالته ولعظمه يُرِيد أَنه لشدَّة نهمه وشرهه إِذا)
ظفر
стр. 2930
بأكلةٍ فَكَأَنَّهُ قد ظفر بِرَأْس لُقْمَان لسروره بِمَا نَالَ وإعجابه بِمَا وصل إِلَيْهِ. وَهَذَا كَمَا يُقَال لمن يزهى بِمَا فعل ويفخر بِمَا أدْرك: كَأَنَّهُ قد بِرَأْس خاقَان وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي جرى بَين مُعَاوِيَة والأحنف يُسمى التَّعْرِيض لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عرض بِصَاحِبِهِ بِمَا تسب بِهِ قبيلته من غير تَصْرِيح. وَيُشبه ذَلِك مَا يرْوى من أَن شريك بن عبد الله النميري ساير عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ يَوْمًا فبدرت بغلة شريك فَقَالَ لَهُ ابْن هُبَيْرَة: غض من لجام بغلتك. فَقَالَ لَهُ شريك: إِنَّهَا مَكْتُوبَة. فَضَحِك ابْن هُبَيْرَة وَقَالَ: لم أرد مَا ذهبت إِلَيْهِ. عرض ابْن هُبَيْرَة بقول الشَّاعِر الوافر:
(فغض الطّرف إِنَّك من نميرٍ ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
وَعرض شريط بقول سَالم بن دارة الْبَسِيط:
(لَا تأمنن فزارياً خلوت بِهِ ... على قلوصك واكتبها بأسيار)
وَكَانَ بَنو فَزَارَة ينسبون إِلَى غشيان الْإِبِل. وَقَوله: تعير بِأَكْل السخينة بِالْبَاء. وَقد مَنعه ابْن قُتَيْبَة قَالَ: تَقول: عيرته كَذَا وَلَا تَقول عيرته بِكَذَا. وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا لُغَتَانِ وَإِسْقَاط الْبَاء أفْصح. والحساء والحسو: لُغَتَانِ. والعجف: الضعْف والهزال.
стр. 2931
وَأَرَادَ بِالْمَالِ هُنَا الْحَيَوَان وَكَذَلِكَ تستعمله الْعَرَب فِي الْأَكْثَر وَقد يَجْعَل اسْما لكل مَا يملكهُ الْإِنْسَان من نَاطِق وصامت قَالَ تَعَالَى: وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء
أَمْوَالكُم وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذين فِي أَمْوَالهم حقٌّ معلومٌ للسَّائِل والمحروم. فَالْمَال فيهمَا عامٌّ لكل مَا يملك. وكلب الزَّمَان: شدته وأصل الْكَلْب سعار يُصِيب الْكلاب فَضرب بذلك مثلا للزمان الَّذِي يذهب بالأموال ويتعرق الْأَجْسَام كَمَا سموا السّنة الشَّدِيدَة ضبعاً تَشْبِيها لَهَا بالضبع. وَقَالُوا: أكله الدَّهْر وتعرقه الزَّمَان كَمَا قَالَ الْبَسِيط:
(أَبَا خراشة أما أَنْت ذَا نفرٍ ... فَإِن قومِي لم تأكلهم الضبع)
وترجمة يزِيد بن الصَّعق تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتِّينَ. وَأنْشد بعده البيسط:
(لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت ... حمامةٌ فِي غصونٍ ذَات أوقال)
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. وَضمير مِنْهَا رَاجع للوجناء وَهِي النَّاقة الشَّدِيدَة. وَالشرب: مفعول يمْنَع وَغير فَاعله لكنه بني على الْفَتْح جَوَازًا لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيّ. وروى الرّفْع أَيْضا فَلَا شَاهد فِيهِ. وَأَرَادَ بنطقت صوتت مجَازًا. وَفِي بِمَعْنى على.
стр. 2932
وَذَات بِالْجَرِّ صفة لغصون. والأوقال: جمع وَقل بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ ثَمَر الدوم الْيَابِس فَإِن كَانَ ثمره طرياً فاسمه البهش. يُرِيد: لم يمْنَعهَا أَن تشرب المَاء غير مَا سَمِعت من صَوت حمامة)
فنفرت. يُرِيد أَنَّهَا حَدِيدَة النَّفس يخامرها فزع وذعر لحدة نَفسهَا وَهُوَ مَحْمُود فِيهَا. وَأنْشد بعده الْخَفِيف:
(غير أَنِّي قد استعين على اله ... م إِذا خف بالثوي النَّجَاء)
وَتقدم هَذَا أَيْضا مشروحاً فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. وَغير للاستثناء الْمُنْقَطع مِمَّا قبله فَيحْتَمل أَن تكون الفتحة فِيهِ للْبِنَاء وَفِيه الشَّاهِد وَيحْتَمل أَن تكون نصبا فَلَا شَاهد فِيهِ.
وَقَوله: قد استعين بِنَقْل فَتْحة الْهمزَة إِلَى دَال قد. وخف بِمَعْنى ذهب وأسرع. والثوي: مُبَالغَة ثاوٍ بِمَعْنى مُقيم. والنجاء بِفَتْح النُّون
بعْدهَا جِيم: الْمُضِيّ والسرعة وَالْبَاء للتعدية. أَي: إِذا اضْطر الْمُقِيم السّفر وأقلقه السّير والمضي. وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة)
الْكَامِل: بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل
стр. 2933
على أَن أَبَا عَليّ قَالَ فِي كتاب الشّعْر: إِن جملَة يكون صفة ل حَيْثُ لَا أَنَّهَا مُضَاف إِلَيْهِ. لِأَن حَيْثُ هُنَا اسْم بِمَعْنى مَوضِع لَا أَنَّهَا بَاقِيَة على الظَّرْفِيَّة. وَكتاب الشّعْر يُقَال لَهُ: إِيضَاح الشّعْر وإعراب الشّعْر أَيْضا. وَقد تكلم على هَذَا المصراع وأجاد الْكَلَام فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن نثبته هُنَا إيضاحاً لَهُ. والمصراع من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا تِسْعَة وَتسْعُونَ بَيْتا للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا.
وَلَا بُد من نقل بَيْتَيْنِ مِنْهَا ليتضح مَعْنَاهُ وهما:
(إِنَّا لنضرب رَأس كل قبيلةٍ ... وَأَبُوك خلف أتانه يتقمل)
(يهز الهرانع عقده عِنْد الخصى ... بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل)
قَالَ أَبُو عَليّ: أنْشدهُ بعض البغداديين وَزعم أَن حَيْثُ يكون اسْما وَالْقَوْل فِي ذَلِك أَن أفعل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعضه فَإِذا كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ الْموضع لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى مَوَاضِع وَجَاز أَن يُرَاد بِحَيْثُ الْكَثْرَة لإبهامها كَمَا تَقول أفضل رجل.
وَكَذَلِكَ لما أضَاف أذلّ صَار كَأَنَّهُ قَالَ: بأذل مَوضِع فَحَيْثُ مَوضِع وَلَا يجوز مَعَ الْإِضَافَة إِلَيْهَا أَن تكون ظرفا كَقَوْلِك: يَا سَارِق اللَّيْلَة أهل الدَّار وَقد حكى قطرب فِيهَا الْإِعْرَاب. وَمِمَّا جَاءَ حَيْثُ مَفْعُولا بِهِ قَوْله تَعَالَى:
стр. 2934
الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. أَلا ترى أَن حَيْثُ لَا يَخْلُو من أَن يكون جراً أَو نصبا. فَلَا يجوز أَن يكون جراً لِأَنَّهُ)
يلْزم أَن يُضَاف إِلَيْهِ أفعل وأفعل إِنَّمَا يُضَاف إِلَى مَا هُوَ بعض لَهُ وَهَذَا لَا يجوز فِي هَذَا الْموضع فَلَا يجوز أَن يكون جراً وَإِذا لم يكنه كَانَ نصبا بِشَيْء دلّ عَلَيْهِ يعلم أَنه مفعول بِهِ. وَالْمعْنَى: الله يعلم مَكَان رسالاته وَأهل رسَالَته. فَهَذَا إِذن اسْم أَيْضا. فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا صَار اسْما فَلم لَا يعرب لزواله عَن أَن يكون ظرفا قيل: كَونه اسْما لَا يُخرجهُ عَن الْبناء أَلا ترى أَن مُنْذُ حرف فَإِذا اسْتعْملت اسْما فِي نَحْو مُنْذُ يَوْمَانِ لم تخرج عَن الْبناء. وَكَذَلِكَ عَن وعَلى إِذا قلت: من عَن يَمِين الْخط وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر الطَّوِيل: غَدَتْ من عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ: كم بنيت فِي الِاسْتِفْهَام فَإِذا صَارَت خَبرا بقيت على بنائها فَكَذَلِك حَيْثُ إِذا صَارَت اسْما. فَأَما مَوضِع يكون فِي قَوْله: بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل فجر بِأَنَّهُ صفة حَيْثُ كَأَنَّهُ قَالَ: بأذل مَوضِع يكونه أَي: يكون فِيهِ. فَحذف الْحَرْف وأوصل الْفِعْل فَلَيْسَ بجرٍّ لإضافة حَيْثُ إِلَيْهِ لِأَن حَيْثُ إِنَّمَا يُضَاف إِلَى الْفِعْل إِذا كَانَ ظرفا. فَإِذا لم يكن ظرفا لم يَنْبغ أَن
стр. 2935
يُضَاف إِلَى الْفِعْل. وَلَيْسَ حَيْثُ فِي الْبَيْت بظرف. وَإِنَّمَا لم يعرب من لم يعربه لِأَنَّهُ جعله بِمَنْزِلَة مَا وَمن فِي أَنَّهُمَا لم يعربا إِذا وَصفا وَكَانَا نكرتين. وَذَاكَ أَن الْإِضَافَة فِي حَيْثُ كَانَت للتخصيص كَمَا أَن الصّفة كَذَلِك فَلَمَّا جعل اسْما وَلم يضف صَار لُزُوم الصّفة لَهُ للتخصيص بِمَنْزِلَة لُزُوم الصِّلَة للتخصيص فضارع حَال الْوَصْف حَال الْإِضَافَة. وَلَو جعلت فِي قَوْله: بأذل حَيْثُ يكون زَمَانا لم يحسن لِأَن أفعل هَذَا بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ. وَإِذا قلت: هَذَا أذلّ رجل فَالْمَعْنى: هَذَا رجل ذليل وَلَا يكَاد يُقَال: زمَان ذليل كَمَا يُقَال: مَوضِع ذليل. أَلا ترى أَن الْأَمَاكِن قد وصفت بالعز فَإِذا جَازَ وصفهَا بالعز جَازَ وصفهَا بِخِلَافِهِ وَلَا تكَاد تسمع وصف الزَّمَان بالذل. فَلَا يجوز إِذن أَن يكون مَوضِع يكون جراً بِأَنَّهُ صفة حَيْثُ وَيجْعَل حَيْثُ اسْم زمَان. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَحَاصِله: أَن أذلّ أفعل تَفْضِيل مجرور بِالْكَسْرِ وَهُوَ مُضَاف إِلَى حَيْثُ بِمَعْنى مَوضِع يُرَاد بِهِ الْكَثْرَة لإبهامه وَلِهَذَا صَحَّ إِضَافَة أفعل إِلَيْهِ إِذْ لَا يُضَاف أفعل التَّفْضِيل إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعضه. وَجُمْلَة يكون: صفة ل حَيْثُ فَتكون فِي مَحل جر والعائد إِلَى الْمَوْصُوف ضمير نصب مَحْذُوف وَالْأَصْل: يكون فِيهِ فَفِيهِ خبر يكون وَمن يتذلل اسْمه فَحذف حرف الْجَرّ واتصل الضَّمِير بيكون فَصَارَ يكونه ثمَّ حذف الضَّمِير فَصَارَ
يكون فجملة يكون)
إِلَخ فِي مَحل جر لكَونهَا صفة لحيث لَا لكَونهَا مُضَافا إِلَيْهِ. وَحَيْثُ مَوْصُوف بِالْجُمْلَةِ لَا مُضَاف إِلَيْهَا. وَلما كَانَ حكم الْجُمْلَة بعد
стр. 2936
حَيْثُ فِي الْآيَة حكمهَا فِي الْبَيْت نسبهما إِلَى أبي عَليّ وَإِن لم يذكر حكم الْجُمْلَة بعد حَيْثُ فِي الْآيَة أَبُو عَليّ. وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: الأولى أَن يكون مُضَافا وَلَا مَانع من إِضَافَته وَهُوَ اسمٌ لَا ظرف إِلَى الْجُمْلَة كَمَا فِي ظروف الزَّمَان وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم. وعَلى هَذَا أَيْضا يكون الْخَبَر محذوفاً يقدر بعد يتذلل أَي: فِيهِ.
وَقَوله: إِنَّا لنضرب رَأس كل قبيلةٍ يَقُول: نَحن فِي الطّرف الْأَعْلَى من الْعِزّ وَأَنْتُم فِي نِهَايَة الذل وَالْعجز. والأتان: أُنْثَى الْحمار.
ويتقمل: يقتل قمله. وَقَوله: يهز الهرانع إِلَخ تَفْسِير لقَوْله: يتقمل. ويهز: مضارع وهز يهز هزةً ووهزاً إِذا نزع القملة وقصعها أَوله وثالثه زاء مُعْجمَة. والهرانع: مفعول يهز مقدم جمع هرنع بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا عين مُهْملَة وَهُوَ الْقمل الْوَاحِدَة هرنعة.
قَالَ الشَّاعِر: فِي رَأسه هرانع كالجعلان كَذَا قَالَ ابْن دُرَيْد. وَقَالَ اللَّيْث: الهرنوع كعصفور: القملة الضخمة وَيُقَال: هِيَ الصَّغِيرَة.
وَأنْشد الْبَيْت. فَيكون الْجمع على حذف الزَّائِد. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الهرنع كقنفذ والهرنوع: القملة الصَّغِيرَة.
стр. 2937
وعقده فَاعل يهز وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَالضَّمِير رَاجع لقَوْله: وَأَبُوك.
وَفَسرهُ ابْن حبيب فِي شرح المناقضات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَقَالا: يَعْنِي عقدَة الثَّلَاثِينَ وَهُوَ هَيْئَة تنَاول القملة بإصبعين: الْإِبْهَام والسبابة. وَرَوَاهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب فِي مَادَّة وهز عَن شمر كَذَا:
(يهز الهرانع لَا يزَال ويفتلي ... بأذل حَيْثُ يكون من يتذلل)
ففاعل يهز على هَذَا ضمير أَبوك. وَاعْلَم أَن الْعُقُود وَالْعقد نوع من الْحساب يكون بأصابع الْيَدَيْنِ يُقَال لَهُ: حِسَاب الْيَد. وَقد ورد مِنْهُ فِي الحَدِيث: وَعقد عقد تسعين. وَقد ألفوا فِيهِ كتبا وأراجيز مِنْهَا أرجوزة أبي الْحسن عَليّ الشهير بِابْن المغربي. وَقد شرحها عبد الْقَادِر بن عَليّ بن شعْبَان الْعَوْفِيّ وَمِنْهَا فِي عقد الثَّلَاثِينَ الرجز:
(واضممهما عِنْد الثَّلَاثِينَ ترى ... كقابض الإبرة من فَوق الثرى))
قَالَ شارحها: أَشَارَ إِلَى أَن الثَّلَاثِينَ تحصل بِوَضْع إبهامك إِلَى طرف السبابَة أَي: جمع طرفيهما كقابض الإبرة. وَعند الخصى ظرف لقَوْله يهز. وَقَوله: بأذل الْبَاء بِمَعْنى فِي مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه حَال من ضمير عقده. يَقُول: نَحن لعزنا وكثرتنا نحارب كل قَبيلَة ونقطع رؤوسها وَأَبُوك لذله وعجزه يقتل قمله خلف أتانه فَهُوَ يتَنَاوَل قملة بإصبعه من بَين أفخاذه حَالَة كَونه جَالِسا فِي أَحْقَر
стр. 2938
مَوضِع يجلس فِيهِ الذَّلِيل وَهُوَ خلف الأتان. فَنحْن نقْتل الْأَبْطَال وَأَبُوك يقتل الْقمل والصئبان فشتان مَا بيني وَبَيْنك. وَهَذِه القصيدة مطْلعهَا: وَيَأْتِي شَرحه أَن شَاءَ الله فِي الصّفة المشبهة.
وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة)
الوافر:
(نهيتك عَن طلابك أم عمرٍ و ... بعاقبةٍ وَأَنت إذٍ صَحِيح)
على أَن التَّنْوِين اللَّاحِق ل إِذْ عوضٌ عَن الْجُمْلَة وَالْأَصْل: وَأَنت إِذْ الْأَمر ذَاك وَفِي ذَلِك الْوَقْت.
وَكَذَا أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي سُورَة ص. اسْتشْهد بِهِ على أَن أوانٍ فِي قَوْله: طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ بني على الْكسر تَشْبِيها ب إِذْ فِي أَنه زمَان قطع مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَعوض
стр. 2939
عَنهُ التَّنْوِين وَكسر لالتقاء الساكنين. وَرُوِيَ أَيْضا: وَأَنت إِذا صَحِيح فَيكون التَّنْوِين فِيهِ أَيْضا عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ الْجملِي عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق وَيكون الأَصْل وَأَنت إِذْ نهيتك كَمَا قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين. وَالْمَشْهُور أَنَّهَا فِي مثله للجواب وَالْجَزَاء. وَعَلِيهِ مَشى المرزوقي فِي شرح الهذليين قَالَ: رَوَاهُ الْبَاهِلِيّ: وَأَنت إِذا
صَحِيح. وَتَكون إِذا للْحَال كَأَنَّهُ يَحْكِي مَا كَانَ. وَالْمرَاد:
(فَإنَّك إِن ترى عرصات جملٍ ... بعاقبةٍ فَأَنت إِذا سعيد)
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِن إِذا جوابٌ وَجَزَاء وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَفِي الْفَاء مَعَ مَا بعْدهَا الْجَزَاء فَمَا معنى إِذا فَإِن ذَلِك عِنْدِي لتوكيد الْجَزَاء كَمَا أَن الْيَاء فِي قَوْله الرجز: والدهر بالإنسان دواري لتوكيد الصّفة. انْتهى. وَقَوله قبل الْبَيْت: وَقَوله هُوَ بِالْجَرِّ مَعْطُوف على مَدْخُول الْكَافِي فِي قَوْله تَعَالَى: وكلاًّ آتَيْنَا.
стр. 2940
وَاعْلَم أَن الشَّارِح الْمُحَقق قد دقق النّظر فِي نَحْو: يَوْمئِذٍ فَجعل إِذْ بَدَلا من)
الظّرْف قبله فَيكون يَوْم وَنَحْوه غير مُضَاف إِلَى إِذْ. وَحِينَئِذٍ يرد عَلَيْهِ: مَا وَجه حذف
التَّنْوِين من الظّرْف الأول وَمن قَالَ بِالْإِضَافَة كالجمهور فَحذف التَّنْوِين ظَاهر. وَيجوز فِيهِ الْبناء على الْفَتْح وَالْإِعْرَاب على حسب الْعَامِل. قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: واسماء الزَّمَان إِذا أضيفت إِلَى اسْم مَبْنِيّ جَازَ أَن تعربها وَجَاز أَن تبنيها وَذَلِكَ نَحْو: يَوْمئِذٍ بِالرَّفْع ويومئذ بِالْفَتْح فيقراً على هَذَا إِن شِئْت: من عَذَاب يومئذٍ بِالْجَرِّ وَمن عَذَاب يومئذٍ بِالْفَتْح. اه. وَقد قرر الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا فِيمَا سَيَأْتِي وتنبه لهَذَا الِاعْتِرَاض فَأجَاب عَنهُ بِأَن الْإِعْرَاب لعروض عِلّة الْبناء أَعنِي الْإِضَافَة إِلَى الْجمل وَالْبناء لوُقُوع إِذْ الْمَبْنِيّ موقع الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظا. وَقَوله: وَالَّذِي يَبْدُو لي أَن هَذِه الظروف الَّتِي كَأَنَّهَا فِي الظَّاهِر مُضَافَة إِلَى إِذْ لَيست مُضَافَة إِلَيْهِ بل إِلَى الْجمل المحذوفة هَذَا مُمكن فِي يَوْم وَحين فَإِنَّهُمَا يجوز إضافتهما إِلَى الْجمل وَقد سمع. وَأما سَاعَة وَلَيْلَة وغداة وَعَشِيَّة وعاقبة فَإِنَّهَا لَيست من الظروف الَّتِي يجوز إضافتها إِلَى الْجمل لِأَنَّهُ لم يسمع فَكيف يُقَال إِنَّهَا تُضَاف إِلَى الْجمل وَإِذ بدل مِنْهَا فَلَمَّا حذفت الْجُمْلَة المضافة إِلَيْهَا إِذْ عوض التَّنْوِين عَنْهَا
стр. 2941
وَقد وجد بِخَط صَاحب الْقَامُوس تركيب هَذِه الظروف مَعَ إِذْ قَالَ: لَا يُضَاف إِلَى إِذْ من الظروف فِي كَلَام الْعَرَب غير سَبْعَة أَلْفَاظ وَهِي: يَوْمئِذٍ وَحِينَئِذٍ وساعتئذ وليلتئذ وغداتئذ وعشيتئذٍ وعاقبتئذٍ. اه. قيل: وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يُقَال وقتئذ وَلَا شهرئذ وَلَا سنتئذ.
وَقد ورد أوانئذٍ فِي شعر الدَّاخِل بن حرَام الهزلي قَالَ الوافر:
(دلفت لَهَا أوانئذٍ بسهمٍ ... حليفٍ لم تخونه الشروج)
والدليف: سير فِيهِ إبطاء. وحليف: حَدِيد. وتخونه: تنقصه. والشروج: الشقوق والصدوع.
وَزعم الْأَخْفَش أَن إِذْ مُعرب مجرور بِإِضَافَة مَا قبله إِلَيْهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَزعم الْأَخْفَش أَن إِذْ فِي ذَلِك معربة لزوَال افتقارها إِلَى الْجُمْلَة وَأَن الكسرة إِعْرَاب لِأَن الْيَوْم مُضَاف إِلَيْهَا. ورد بِأَن بناءها لوضعها على حرفين وَبِأَن الافتقار بَاقٍ فِي الْمَعْنى كالموصول تحذف صلته لدَلِيل. قَالَ مجزوء الْكَامِل:
(نَحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمَّ جهزهم إِلَيْنَا)
стр. 2942
أَي: نَحن الألى عرفُوا. وَبِأَن الْعِوَض ينزل منزلَة المعوض مِنْهُ فَكَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَذْكُور وَبِقَوْلِهِ: وَأَنت إِذْ صَحِيح. وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن الأَصْل حِينَئِذٍ ثمَّ حذف الْمُضَاف وَبَقِي الْجَرّ كَقِرَاءَة بَعضهم: وَالله يُرِيد الْآخِرَة أَي: ثَوَاب الْآخِرَة. اه. وَهَذَا مَعَ أَنه لَا قرينَة عَلَيْهِ لَا يُفِيد شَيْئا)
لوُجُود مُقْتَضى الْبناء فِيهِ. وَقد سَهَا سَهوا بَينا شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي فَقَالَ: الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الْأَخْفَش على أَن إذٍ معربة لعدم إِضَافَة زمَان إِلَيْهَا وَقد كسرت. وَأجِيب بِأَن الأَصْل وَأَنت حِينَئِذٍ ثمَّ حذف الْمُضَاف وَبَقِي الْجَرّ. هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن الْأَخْفَش لم يستشهد بِالْبَيْتِ وَإِنَّمَا اسْتشْهد بِهِ عَلَيْهِ فَأجَاب بِأَن الْحِين مِنْهُ مَحْذُوف. وَهُوَ غير قَائِل بِأَن إِذْ معربة لعدم الْإِضَافَة. وَقد تكلم ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة على يَوْمئِذٍ بِبَيَان وافٍ وَإِن كَانَ على خلاف طَريقَة الشَّارِح الْمُحَقق فَلَا بَأْس بإيراده مُخْتَصرا قَالَ: من وُجُوه التَّنْوِين أَن يلْحق عوضا من الْإِضَافَة نَحْو: يَوْمئِذٍ وليلتئذ وساعتئذ وَحِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر: وَأَنت إذٍ صَحِيح وَإِنَّمَا أصل هَذَا أَن تكون إِذْ مُضَافَة إِلَى جملَة نَحْو: جئْتُك إِذْ زيد أَمِير وَقمت إِذا قَامَ زيد فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذْ عوض مِنْهُ التَّنْوِين فَدخل وَهُوَ سَاكن على الذَّال وَهِي سَاكِنة فَكسرت الذَّال لالتقاء الساكنين
стр. 2943
فَقيل: يَوْمئِذٍ. وَلَيْسَت الكسرة كسرة إِعْرَاب وَإِن كَانَت إِذْ فِي مَوضِع جر بِإِضَافَة مَا قبلهَا إِلَيْهَا. وَإِنَّمَا الكسرة فِيهَا لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا وَيدل على أَن الْكسر فِي ذال إِذْ إِنَّمَا هِيَ لالتقاء الساكنين قَول الشَّاعِر: وَأَنت إذٍ صَحِيح أَلا ترى أَن إِذا لَيْسَ فبلها شَيْء فَأَما قَول أبي الْحسن أَنه جر إِذْ لِأَنَّهُ أَرَادَ قبلهَا حِين ثمَّ حذفهَا وَبَقِي الْجَرّ فساقط. أَلا ترى أَن الْجَمَاعَة قد أَجمعت على أَن إِذْ وكم ومن من الْأَسْمَاء المبنية على الْوَقْف. وَقد قَالَ أَبُو الْحسن نَفسه فِي بعض التَّعَالِيق عَنهُ فِي حَاشِيَة الْكتاب: بعد كم وإِذْ من التَّمَكُّن أَن الْإِعْرَاب لم يدخلهما قطّ. فَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِبِنَاء إِذْ وَهُوَ اللَّائِق بِهِ وَالْأَشْبَه باعتقاده وَذَلِكَ القَوْل الَّذِي حكيناه عَنهُ شَيْء قَالَه فِي كِتَابه الموسوم بمعاني الْقُرْآن وَإِنَّمَا هُوَ شَبيه بالسهو مِنْهُ.
على أَن أَبَا عَليّ قد اعتذر لَهُ مِنْهُ بِمَا يكَاد يكون عذرا. قلت: أورد هَذَا الْعذر فِي آخر إِعْرَاب الحماسة: قَالَ: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن قَوْله: وَأَنت إذٍ صَحِيح فَقلت: قد قَالَ أَبُو الْحسن: إِنَّه أَرَادَ حِينَئِذٍ فَهَذَا تَفْسِير الْمَعْنى أم تَقْدِير الْإِعْرَاب على أَن تكون إِذْ مجرورة بِحِين المرادة المحذوفة فَقَالَ: لَا بل إِنَّمَا فسر الْمَعْنى وَلَا يُرِيد أَن إِذْ مجرورة بِحِين المرادة. وَالَّذِي قَالَه أَبُو عَليّ أجري على مقاييس مَذَاهِب أَصْحَابنَا غير أَن كَلَام أبي الْحسن ظَاهره هُنَاكَ أَنه يُرِيد مَا عدل أَبُو عَليّ عَنهُ. انْتهى.
стр. 2944
ثمَّ قَالَ ابْن جني: وَيُؤَيّد مَا ذكرته من بِنَاء إِذْ أَنَّهَا إِذا أضيفت مَبْنِيَّة نَحْو قَوْله: إِذْ الأغلال فِي)
أَعْنَاقهم وإِذْ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت فَإِذا فِي هَذَا وَنَحْوه مُضَافَة إِلَى الْجمل بعْدهَا وموضعها نصب وَهِي كَمَا ترى مَبْنِيَّة. فَإِذا كَانَت فِي حَال إضافتها إِلَى الْجمل كلا إِضَافَة لِأَن من حق الْإِضَافَة أَن تقع على الْأَفْرَاد فَهِيَ إِذا لم تضف فِي اللَّفْظ أصلا أَجْدَر بِاسْتِحْقَاق الْبناء. ويزيدك وضوحاً قِرَاءَة الْكسَائي: من عَذَاب يومئذٍ فَبنِي يَوْم على الْفَتْح لما أَضَافَهُ إِلَى مَبْنِيّ غير مُتَمَكن. فَإِن قيل: بنيت إِذْ من حَيْثُ كَانَت غَايَة مُنْقَطِعًا مِنْهَا مَا أضيفت إِلَيْهِ أَو من حَيْثُ إضافتها إِلَى جملَة تجْرِي الْإِضَافَة إِلَيْهَا مجْرى لَا إِضَافَة فَهَلا أعربت لما أضيفت إِلَى الْمُفْرد فِي نَحْو قَوْلهم: فعلت إِذْ ذَاك قلت: هَذِه مغالطة فَإِن ذَاك لَيْسَ مجروراً بِإِضَافَة إِذْ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَاك مُبْتَدأ حذف خَبره تَخْفِيفًا وَالتَّقْدِير: إِذْ ذَاك كَذَاك. فالجملة هِيَ الَّتِي فِي مَوضِع الْجَرّ.
وَنَظِير هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي قَول الآخر الْخَفِيف:
(طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
стр. 2945
وَذَلِكَ إِلَى أَنه ذهب إِلَى كسرة أَوَان لَيست إعراباً وَلَا أَن التَّنْوِين الَّذِي بعْدهَا هُوَ التَّابِع لحركات الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا تَقْدِيره عِنْده أَن أَوَان بِمَنْزِلَة إِذْ فِي أَن حكمه أَن يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة نَحْو: جئْتُك أَوَان قَامَ زيد وَأَوَان الْحجَّاج أميرٍ أَي: إِذْ ذَاك كَذَاك فَلَمَّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ تنويناً. وَالنُّون عِنْده كَانَت فِي التَّقْدِير سَاكِنة فَلَمَّا لقيها التَّنْوِين سَاكِنا كسرت النُّون هَذَا أَوَان الشد فاشتدي زيم وَقَوله: فَهَذَا أَوَان الْعرض وَغير ذَلِك.
فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَهَلا حركوا التَّنْوِين فِي يَوْمئِذٍ وَأَوَان وَلم حركوا آخِره دون التَّنْوِين فَالْجَوَاب: أَنهم لَو فعلوا ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُولُوا: إِذن فَيُشبه النُّون الزَّائِد النُّون الْأَصْلِيّ وَلما أمكنهم أَن يفعلوه فِي أَوَان لأَنهم لَو آثروا إسكان النُّون لما قدرُوا على ذَلِك لِأَن الْألف سَاكِنة قبلهَا وَكَانَ يلْزمهُم من ذَلِك أَن يكسروا النُّون لسكونها وَسُكُون الْألف ثمَّ يَأْتِي
следующие страницы →