← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وَقد وجد بِخَط صَاحب الْقَامُوس تركيب هَذِه الظروف مَعَ إِذْ قَالَ: لَا يُضَاف إِلَى إِذْ من الظروف فِي كَلَام الْعَرَب غير سَبْعَة أَلْفَاظ وَهِي: يَوْمئِذٍ وَحِينَئِذٍ وساعتئذ وليلتئذ وغداتئذ وعشيتئذٍ وعاقبتئذٍ. اه. قيل: وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا يُقَال وقتئذ وَلَا شهرئذ وَلَا سنتئذ. وَقد ورد أوانئذٍ فِي شعر الدَّاخِل بن حرَام الهزلي قَالَ الوافر: (دلفت لَهَا أوانئذٍ بسهمٍ ... حليفٍ لم تخونه الشروج) والدليف: سير فِيهِ إبطاء. وحليف: حَدِيد. وتخونه: تنقصه. والشروج: الشقوق والصدوع. وَزعم الْأَخْفَش أَن إِذْ مُعرب مجرور بِإِضَافَة مَا قبله إِلَيْهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَزعم الْأَخْفَش أَن إِذْ فِي ذَلِك معربة لزوَال افتقارها إِلَى الْجُمْلَة وَأَن الكسرة إِعْرَاب لِأَن الْيَوْم مُضَاف إِلَيْهَا. ورد بِأَن بناءها لوضعها على حرفين وَبِأَن الافتقار بَاقٍ فِي الْمَعْنى كالموصول تحذف صلته لدَلِيل. قَالَ مجزوء الْكَامِل: (نَحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمَّ جهزهم إِلَيْنَا)

стр. 2942

أَي: نَحن الألى عرفُوا. وَبِأَن الْعِوَض ينزل منزلَة المعوض مِنْهُ فَكَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَذْكُور وَبِقَوْلِهِ: وَأَنت إِذْ صَحِيح. وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن الأَصْل حِينَئِذٍ ثمَّ حذف الْمُضَاف وَبَقِي الْجَرّ كَقِرَاءَة بَعضهم: وَالله يُرِيد الْآخِرَة أَي: ثَوَاب الْآخِرَة. اه. وَهَذَا مَعَ أَنه لَا قرينَة عَلَيْهِ لَا يُفِيد شَيْئا) لوُجُود مُقْتَضى الْبناء فِيهِ. وَقد سَهَا سَهوا بَينا شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي فَقَالَ: الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الْأَخْفَش على أَن إذٍ معربة لعدم إِضَافَة زمَان إِلَيْهَا وَقد كسرت. وَأجِيب بِأَن الأَصْل وَأَنت حِينَئِذٍ ثمَّ حذف الْمُضَاف وَبَقِي الْجَرّ. هَذَا كَلَامه. وَلَا يخفى أَن الْأَخْفَش لم يستشهد بِالْبَيْتِ وَإِنَّمَا اسْتشْهد بِهِ عَلَيْهِ فَأجَاب بِأَن الْحِين مِنْهُ مَحْذُوف. وَهُوَ غير قَائِل بِأَن إِذْ معربة لعدم الْإِضَافَة. وَقد تكلم ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة على يَوْمئِذٍ بِبَيَان وافٍ وَإِن كَانَ على خلاف طَريقَة الشَّارِح الْمُحَقق فَلَا بَأْس بإيراده مُخْتَصرا قَالَ: من وُجُوه التَّنْوِين أَن يلْحق عوضا من الْإِضَافَة نَحْو: يَوْمئِذٍ وليلتئذ وساعتئذ وَحِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر: وَأَنت إذٍ صَحِيح وَإِنَّمَا أصل هَذَا أَن تكون إِذْ مُضَافَة إِلَى جملَة نَحْو: جئْتُك إِذْ زيد أَمِير وَقمت إِذا قَامَ زيد فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذْ عوض مِنْهُ التَّنْوِين فَدخل وَهُوَ سَاكن على الذَّال وَهِي سَاكِنة فَكسرت الذَّال لالتقاء الساكنين

стр. 2943

فَقيل: يَوْمئِذٍ. وَلَيْسَت الكسرة كسرة إِعْرَاب وَإِن كَانَت إِذْ فِي مَوضِع جر بِإِضَافَة مَا قبلهَا إِلَيْهَا. وَإِنَّمَا الكسرة فِيهَا لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا وَيدل على أَن الْكسر فِي ذال إِذْ إِنَّمَا هِيَ لالتقاء الساكنين قَول الشَّاعِر: وَأَنت إذٍ صَحِيح أَلا ترى أَن إِذا لَيْسَ فبلها شَيْء فَأَما قَول أبي الْحسن أَنه جر إِذْ لِأَنَّهُ أَرَادَ قبلهَا حِين ثمَّ حذفهَا وَبَقِي الْجَرّ فساقط. أَلا ترى أَن الْجَمَاعَة قد أَجمعت على أَن إِذْ وكم ومن من الْأَسْمَاء المبنية على الْوَقْف. وَقد قَالَ أَبُو الْحسن نَفسه فِي بعض التَّعَالِيق عَنهُ فِي حَاشِيَة الْكتاب: بعد كم وإِذْ من التَّمَكُّن أَن الْإِعْرَاب لم يدخلهما قطّ. فَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِبِنَاء إِذْ وَهُوَ اللَّائِق بِهِ وَالْأَشْبَه باعتقاده وَذَلِكَ القَوْل الَّذِي حكيناه عَنهُ شَيْء قَالَه فِي كِتَابه الموسوم بمعاني الْقُرْآن وَإِنَّمَا هُوَ شَبيه بالسهو مِنْهُ. على أَن أَبَا عَليّ قد اعتذر لَهُ مِنْهُ بِمَا يكَاد يكون عذرا. قلت: أورد هَذَا الْعذر فِي آخر إِعْرَاب الحماسة: قَالَ: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن قَوْله: وَأَنت إذٍ صَحِيح فَقلت: قد قَالَ أَبُو الْحسن: إِنَّه أَرَادَ حِينَئِذٍ فَهَذَا تَفْسِير الْمَعْنى أم تَقْدِير الْإِعْرَاب على أَن تكون إِذْ مجرورة بِحِين المرادة المحذوفة فَقَالَ: لَا بل إِنَّمَا فسر الْمَعْنى وَلَا يُرِيد أَن إِذْ مجرورة بِحِين المرادة. وَالَّذِي قَالَه أَبُو عَليّ أجري على مقاييس مَذَاهِب أَصْحَابنَا غير أَن كَلَام أبي الْحسن ظَاهره هُنَاكَ أَنه يُرِيد مَا عدل أَبُو عَليّ عَنهُ. انْتهى.

стр. 2944

ثمَّ قَالَ ابْن جني: وَيُؤَيّد مَا ذكرته من بِنَاء إِذْ أَنَّهَا إِذا أضيفت مَبْنِيَّة نَحْو قَوْله: إِذْ الأغلال فِي) أَعْنَاقهم وإِذْ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت فَإِذا فِي هَذَا وَنَحْوه مُضَافَة إِلَى الْجمل بعْدهَا وموضعها نصب وَهِي كَمَا ترى مَبْنِيَّة. فَإِذا كَانَت فِي حَال إضافتها إِلَى الْجمل كلا إِضَافَة لِأَن من حق الْإِضَافَة أَن تقع على الْأَفْرَاد فَهِيَ إِذا لم تضف فِي اللَّفْظ أصلا أَجْدَر بِاسْتِحْقَاق الْبناء. ويزيدك وضوحاً قِرَاءَة الْكسَائي: من عَذَاب يومئذٍ فَبنِي يَوْم على الْفَتْح لما أَضَافَهُ إِلَى مَبْنِيّ غير مُتَمَكن. فَإِن قيل: بنيت إِذْ من حَيْثُ كَانَت غَايَة مُنْقَطِعًا مِنْهَا مَا أضيفت إِلَيْهِ أَو من حَيْثُ إضافتها إِلَى جملَة تجْرِي الْإِضَافَة إِلَيْهَا مجْرى لَا إِضَافَة فَهَلا أعربت لما أضيفت إِلَى الْمُفْرد فِي نَحْو قَوْلهم: فعلت إِذْ ذَاك قلت: هَذِه مغالطة فَإِن ذَاك لَيْسَ مجروراً بِإِضَافَة إِذْ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَاك مُبْتَدأ حذف خَبره تَخْفِيفًا وَالتَّقْدِير: إِذْ ذَاك كَذَاك. فالجملة هِيَ الَّتِي فِي مَوضِع الْجَرّ. وَنَظِير هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي قَول الآخر الْخَفِيف: (طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)

стр. 2945

وَذَلِكَ إِلَى أَنه ذهب إِلَى كسرة أَوَان لَيست إعراباً وَلَا أَن التَّنْوِين الَّذِي بعْدهَا هُوَ التَّابِع لحركات الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا تَقْدِيره عِنْده أَن أَوَان بِمَنْزِلَة إِذْ فِي أَن حكمه أَن يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة نَحْو: جئْتُك أَوَان قَامَ زيد وَأَوَان الْحجَّاج أميرٍ أَي: إِذْ ذَاك كَذَاك فَلَمَّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ تنويناً. وَالنُّون عِنْده كَانَت فِي التَّقْدِير سَاكِنة فَلَمَّا لقيها التَّنْوِين سَاكِنا كسرت النُّون هَذَا أَوَان الشد فاشتدي زيم وَقَوله: فَهَذَا أَوَان الْعرض وَغير ذَلِك. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَهَلا حركوا التَّنْوِين فِي يَوْمئِذٍ وَأَوَان وَلم حركوا آخِره دون التَّنْوِين فَالْجَوَاب: أَنهم لَو فعلوا ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُولُوا: إِذن فَيُشبه النُّون الزَّائِد النُّون الْأَصْلِيّ وَلما أمكنهم أَن يفعلوه فِي أَوَان لأَنهم لَو آثروا إسكان النُّون لما قدرُوا على ذَلِك لِأَن الْألف سَاكِنة قبلهَا وَكَانَ يلْزمهُم من ذَلِك أَن يكسروا النُّون لسكونها وَسُكُون الْألف ثمَّ يَأْتِي

стр. 2946

التَّنْوِين بعدهمَا فَكَانَ لَا بُد أَيْضا من أَن يَقُولُوا: أوانن. فَإِن قيل: فَلَعَلَّ على هَذَا كسرهم النُّون من أَوَان إِنَّمَا هُوَ لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا دون أَن يكون كسرهم إِيَّاهَا لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا فَالْجَوَاب مَا تقدم من كسرهم ذال إِذْ لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا. فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يحمل كسر النُّون من أَوَان لِئَلَّا يخْتَلف الْبَاب. وَلِأَن أَوَان أَيْضا لم ينْطق بِهِ قبل) لحاق التَّنْوِين لنونه فَيقدر مكسور النُّون لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا إِنَّمَا حذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَعوض التَّنْوِين عقيب ذَلِك فَلم يُوجد لَهُ زمن تلفظ بِهِ بِلَا تَنْوِين فَيلْزم الْقَضَاء بِأَن نونه إِنَّمَا كسرت لسكون الْألف قبلهَا. فاعرف ذَلِك من مَذْهَب الْمبرد. وَأما الْجَمَاعَة إِلَّا أَبَا الْحسن والمبرد فَعندهَا أَن أَوَان مجرورة بلات وَأَن ذَلِك لُغَة شَاذَّة. انْتهى كَلَام لبن جني. وَالْبَيْت من مَقْطُوعَة تِسْعَة أَبْيَات لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ أَولهَا الوافر: (جمالك أَيهَا الْقلب القريح ... ستلقى من تحب فتستريح) نهيتك عَن طلابك أم عمرٍ و ... ... ... ... . . الْبَيْت (وَقلت: تجنبن سخط ابْن عمٍّ ... ومطلب شلةٍ وَهِي الطروح) وَقَوله: جمالك إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شَرحه: يجوز أَن يكون

стр. 2947

المُرَاد: الزم جمالك الَّذِي عرف مِنْك وعهد فِيمَا تدفع إِلَيْهِ وتمتحن بِهِ أَي: صبرك المألوف الْمَشْهُور. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: تصبر وَافْعل مَا يكون حسنا بك. والمصادر يُؤمر بهَا توسعاً مُضَافَة ومفردة. وَهَذَا الْكَلَام بعثٌ على مُلَازمَة الْحسنى وتحضيض ووعد النجاح فِي العقبى وتقريب. وَقَوله: نهيتك عَن طلابك إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي: يذكر قلبه بِمَا كَانَ من وعظه لَهُ فِي ابْتِدَاء الْأَمر وزجره من قبل استحكام الْحبّ فَيَقُول: دفعتك عَن طلب هَذِه الْمَرْأَة بعاقبة أَي: بآخر مَا وصيتك بِهِ. هَذَا كَمَا تَقول لمن تعتب عَلَيْهِ فِيمَا لم يقبله: كَانَ آخر كَلَامي مَعَك تحذيرك مَا تقاسيه السَّاعَة وَلست تُرِيدُ أَن تِلْكَ الوصاة كَانَت مؤخرة عَن غَيرهَا ومردفة سواهَا مِمَّا هُوَ أهم مِنْهَا وَلكنه تنبه على أَن الْكَلَام كَانَ مَقْصُورا عَلَيْهَا أَولا وآخراً. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: نهيتك عَن طلبَهَا بِذكر مَا يُفْضِي أَمرك إِلَيْهِ وتدور عاقبتك عَلَيْهِ وَأَنت بعد سليم تقدر على التملس مِنْهَا وتملك أَمرك وشأنك فِي حبها. وَكَأَنَّهُ كَانَ رأى لتِلْك الْحَالة عواقب مذمومة تحصل كل وَاحِدَة على طَرِيق الْبَدَل من صاحبتها وَكَانَ ذكرهَا كلهَا فَلذَلِك نكر الْعَاقِبَة. وَيجوز أَن يُرِيد: نهيتك بعقب مَا طلبتها أَي: كَمَا طلبتها زجرتك عَن

стр. 2948

قريب لِأَن مبادئ الْأُمُور تكون ضَعِيفَة فيسهل فِيهَا كثير مِمَّا يصعب من بعد وَهَذَا أقرب الْوُجُوه فِي نَفسِي. وَالْعرب تَقول: تغير فلانٌ بعاقبة أَي: عَن قريب بعقب مَا عهد عَلَيْهِ قبل. انْتهى. فَظهر من هَذَا أَن عَاقِبَة بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَة. وَكَذَا هِيَ فِي رِوَايَة أبي بكر الْقَارِي شَارِح أشعار الهذليين قبل الإِمَام المرزوقي وَهِي عِنْدِي بِخَطِّهِ وَعَلَيْهَا خطوط عُلَمَاء الْعَرَبيَّة. مِنْهُم أَحْمد بن فَارس صَاحب الْمُجْمل فِي اللُّغَة وفسرها) الْقَارِي بقوله: آخر الشَّأْن. وَالْبَاء على الْمعَانِي الثَّلَاثَة مُتَعَلقَة بنهيتك. وَحَملَة وَأَنت صَحِيح حَال من الْكَاف فِي نهيتك. وصحفها الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي بِالْفَاءِ والمثناة التَّحْتِيَّة فَجعل الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه حَال من إِحْدَى الكافين كالجملة الاسمية وَجوز أَيْضا أَن تكون الْبَاء مُتَعَلقَة بنهيتك وَقَالَ: أَي: نهيتك عَن حَال عَاقِبَة. والاسمية حَال من التَّاء. أَقُول: لَا يَصح كَونهَا حَالا من التَّاء لِأَنَّهَا صفة للمخاطب لَا للمتكلم. فَتَأمل. وَقَوله: وَقلت تجنبن إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي: رُوِيَ لنا عَن

стр. 2949

الدريدي عَن أبي يزِيد وَعَن الزيَادي: شلة بِضَم الشين قَالَ: وَكَذَا قرأته بِخَط ذِي الرمة. وَكَذَا رَوَاهُ الْبَاهِلِيّ أَيْضا. وَرُوِيَ: شلة بِفَتْح الشين وهما جَمِيعًا من الشل: الطَّرْد كَأَنَّهُ يعدد مَا كَانَ يحذرهُ مِنْهُ ويعرفه أَن نتائجه كَانَ عَالما بهَا فلهَا مَا كَانَ ينفره. وَالْمعْنَى أَن طَلَبك لَهَا يجلب عَلَيْك مراغمة أَبنَاء عمك ويسوقك إِلَى التَّعَب فِيمَا يبعد عَنْك وَلَا يجدي عَلَيْك. والطروح: الْبَعِيدَة. وروى بَعضهم: وَنوى طروح أَي: تطرح أَهلهَا فِي أقاصي الأَرْض. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ: وَنوى طروح ذَاك لِأَن القوافي مَرْفُوعَة. اه. وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الأربعمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س الطَّوِيل: (على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا ... فَقلت: ألما تصح والشيب وازع) على أَنه يجوز إِعْرَاب حِين بِالْجَرِّ لعدم لُزُومهَا للإضافة إِلَى الْجُمْلَة

стр. 2950

وَيجوز بناؤها على الْفَتْح لاكتسابها الْبناء من إضافتها إِلَى الْمَبْنِيّ وَهُوَ جملَة عاتبت. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قِرَاءَة نَافِع وَالْكسَائِيّ: وَمن خزي يومئذٍ بِفَتْح الْمِيم شَاهدا على اكْتِسَاب الْمُضَاف الْبناء من الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني وَقد تقدّمت مشروحة بِتَمَامِهَا فِي الشَّاهِد (فأسبل مني عِبْرَة فرددتها ... على النَّحْر مِنْهَا مستهلٌّ ودامع) وفاعل أسبل ضمير ذُو حسًى فِي بَيت من مطلع القصيدة بِضَم الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ بلد فِي بِلَاد بن مرّة. وعبرة: مفعول أسبل يُقَال: أسبل الرجل المَاء أَي: صبه. وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة. وَإِنَّمَا ردهَا خوف الفضيحة فَإِنَّهُ يبكي على دَار الحبيب الدارسة وَهُوَ شيخ. وعَلى النَّحْر مُتَعَلق بأسبل وَيجوز أَن يتَعَلَّق برددتها على وَجه. والنحر مَوضِع القلادة من الصَّدْر والدمعة تجْرِي على الخدود ثمَّ تسيل مِنْهَا على النَّحْر. ومستهل: سَائل منصب لَهُ وَقع. وَمِنْه) استهلت السَّمَاء بالمطر إِذا دَامَ مطرها. ودامع: قاطر. وَجُمْلَة مِنْهَا مستهل صفة لعبرة أَي: بَعْضهَا مستهل وَبَعضهَا دامع.

стр. 2951

وَقَوله: على حِين عاتبت إِلَخ على بِمَعْنى فِي مُتَعَلقَة بأسبل. وعاتبه على كَذَا أَي: لامه مَعَ تسخط بِسَبَبِهِ. فعلى الصِّبَا مُتَعَلق بعاتبت. وَالصبَا بِالْكَسْرِ وَالْقصر: اسْم الصبوة وَهِي الْميل إِلَى هوى النَّفس. والمشيب: الشيب وَهُوَ ابيضاض الشّعْر المسود وَيَأْتِي بِمَعْنى الدُّخُول فِي حد الشيب. وَقَوله: فَقلت أَي: للمشيب مَعْطُوف على عاتبت. وَجُمْلَة: ألما تصح إِلَخ مقول القَوْل. والهمزة للإنكار وَلما: جازمة بِمَعْنى لم وفيهَا توقع لِأَن صحوه متوقع. وَتَصِح مجزوم بِحَذْف الْوَاو من صَحا يصحو إِذا زَالَ سكره. وَجُمْلَة والشيب وازع: حَال من فَاعل تصح. ووازع بالزاي الْمُعْجَمَة: الزاجر وَالْكَاف. تَقول: وزع (إِذا لم يَزع ذَا الْجَهْل حلمٌ وَلَا تقى ... فَفِي السَّيْف وَالتَّقوى لذِي الْجَهْل وازع) وروى أَبُو عُبَيْدَة: ألما أصح بِالْهَمْزَةِ بدل التَّاء. وَقد تقدّمت تَرْجَمَة النَّابِغَة الذبياني فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده الْبَسِيط: (لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت ... حمامةٌ فِي غصونٍ ذَات أوقال) على أَن غيراً بنيت على الْفَتْح لإضافتها إِلَى مَبْنِيّ وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق مَعَ أَنَّهَا فَاعل لم يمْنَع.

стр. 2952

وَقد روى الرّفْع أَيْضا على الأَصْل: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا تكون أَن وأنّ مَعَ صلتهما بِمَنْزِلَة غَيرهمَا من السَّمَاء: حَدثنَا أَبُو الْخطاب أَنه سمع من الْعَرَب الموثوق بهم من ينشد هَذَا الْبَيْت رفعا: (لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت ... الْبَيْت) وَزَعَمُوا أَن أُنَاسًا ينصبون هَذَا كنصب بَعضهم يَوْمئِذٍ فِي كل مَوضِع فَكَذَلِك غير أَن نطقت. وكما قَالَ النَّابِغَة: على حِين عاتبت المشيب على الصِّبَا انْتهى. وَتقدم شَرحه قَرِيبا. وَأنْشد بعده (ونطعنهم حَيْثُ الكلى بعد ضَربهمْ ... ببيض المواضي حَيْثُ لي العمائم) على أَن إِضَافَة حَيْثُ إِلَى مُفْرد نادرة فَتكون حَيْثُ بِمَعْنى مَكَان ولي مجرور بِإِضَافَة حَيْثُ إِلَيْهِ وَهُوَ مصدر لوى الْعِمَامَة على رَأسه أَي: وَمَكَان لف العمائم هُوَ الرَّأْس. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وندرت إِضَافَة حَيْثُ إِلَى الْمُفْرد كَهَذا الْبَيْت. وَالْكسَائِيّ يقيسه. وأندر من ذَلِك) إضافتها إِلَى جملَة محذوفة كَقَوْلِه

стр. 2953

الطَّوِيل: (إِذا ريدةٌ من حَيْثُ مَا نفحت لَهُ ... أَتَاهُ برياها خليلٌ يواصله) أَي: إِذا ريدة نفحت لَهُ من حَيْثُ هَب وَذَلِكَ لِأَن ريدة فَاعل بِمَحْذُوف يفسره نفحت فَلَو كَانَ نفحت مُضَافا إِلَيْهِ حَيْثُ لزم بطلَان التَّفْسِير إِذْ الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِيمَا قبل الْمُضَاف فَلَا يُفَسر عاملاٌ فِيهِ. قَالَ أَبُو الْفَتْح فِي كتاب التَّمام: وَمن أضَاف حَيْثُ إِلَى الْمُفْرد أعْربهَا. انْتهى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: إِن حَيْثُ لم يضف فِي الْبَيْت إِلَى جملَة فَيكون معرباً وَمحله النصب على الحالية. انْتهى. يُرِيد مَا ذكره أَبُو الْفَتْح من أَنَّهَا إِذا أضيفت إِلَى مُفْرد أعربت فَتكون مَنْصُوبَة لفظا على الظَّرْفِيَّة وعاملها مُقَدّر مَنْصُوب على الحالية كَمَا قَالُوا مثله فِي: رَأَيْت الْهلَال بَين السَّحَاب. هَذَا مُرَاده. وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي: الصَّوَاب أَنَّهَا ظرف لضرب لَا حَال فَإِنَّهَا ظرف مَكَان كَمَا أَن تَحت ظرف مَكَان لنطعنهم. وَلم يفهم ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي عبارَة الْعَيْنِيّ وزيفها وَهَذَا كَلَامه. وَمن خطه نقلت: وَقَول الْعَيْنِيّ هُنَا أَن حَيْثُ حَيْثُ لم

стр. 2954

تضف إِلَى جملَة معربة محلهَا النصب على الْحَال مَرْدُود إِذْ لَا معنى لجعل إعرابها محلياً مَعَ الحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا معربة. انْتهى. وَقَول شَارِح أَبْيَات الْمُغنِي كَمَا أَن تَحت ظرف مَكَان لنطعنهم. هَذِه رِوَايَة الْعَيْنِيّ أَخذهَا مِنْهُ فَإِن صَاحب الْمُغنِي لم يُورد إِلَّا المصراع الثَّانِي. وَالْمَشْهُور فِي شرح الْمفصل وَغَيره أَن الرِّوَايَة حَيْثُ الحبا قَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: يجوز أَن يكون حَيْثُ مُضَافا إِلَى الحبا على حد حَيْثُ: لي العمائم إِلَّا أَنه لَا يظْهر فِيهِ الْإِعْرَاب. والحبا: جمع حبوة وَهُوَ أَن يجمع الرجل ظَهره وساقيه بعمامته وَقد يحتبي بيدَيْهِ. وفيهَا ضم الْحَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَالْجمع حبًى مكسور الأول عَن يَعْقُوب. وَالَّذِي أنْشدهُ شَيخنَا البحراني وَكتبه بِخَطِّهِ: الحبا بِضَم الْحَاء وبالألف. انْتهى. وَرِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق فِي جَمِيع نسخه: الكلى بدل الحبا. وبهذه الرِّوَايَة تمم المصراع الدماميني وَتَبعهُ ابْن الملا. وَهُوَ جمع كُلية والكلوة لُغَة فِيهِ. وَقَالَ ابْن السّكيت: وَلَا تقل كلوة أَي: بِكَسْر الْكَاف. وَالْمرَاد بالروايات الثَّلَاث الأوساط. ولكلٍّ كليتان وهما لحمتان لازقتان بِعظم الصلب عِنْد الخاصرتين. وَقَوله: ونطعنهم قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: طعنه بِالرُّمْحِ طَعنا من بَاب قتل. ثمَّ قَالَ: وطعنت فِيهِ بالْقَوْل وطعنت عَلَيْهِ من بَاب قتل أَيْضا وَمن بَاب نفع لُغَة. وَأَجَازَ الْفراء يطعن فِي جَمِيع مَعَانِيه بِالْفَتْح لمَكَان حرف الْحلق. وَفِي الْقَامُوس: طعنه بِالرُّمْحِ كمنعه وَنَصره طَعنا: ضربه وَفِيه بالْقَوْل

стр. 2955

طَعنا. وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الْمُغنِي: يُقَال: طعنه بِالرُّمْحِ) يطعنه بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارع وَكَذَا كل مَا هُوَ حسي. وَأما الْمَنوِي كيطعن فِي النّسَب فبفتح الْعين. وَقَوله: بعد ضَربهمْ مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَي: ضربنا إيَّاهُم. وَقَوله: ببيض المواضي بِالْكَسْرِ: جمع أَبيض وَهُوَ السَّيْف. والمواضي: جمع مَاض وَهُوَ الْقَاطِع الحاد وَالْإِضَافَة من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْبيض بِفَتْح الْبَاء: الْحَدِيد. والمواضي: السيوف. أَرَادَ ضَربهمْ بحديد السيوف فِي رؤوسهم. وَيجوز كسر الْبَاء إِلَى آخر مَا ذكرنَا. وَلَا يَنْبَغِي لمثله أَن يسود وَجه الْوَرق الْأَبْيَض بِهَذِهِ الترهات. وَهَذَا الْبَيْت لم يعرف لَهُ قَائِل. قَالَ ابْن المستوفي: هَذَا الْبَيْت لَا يحسن أَن يكون من بَاب مَا يفتخر بِهِ لأَنهم إِذا ضربوهم مَكَان لي العمائم وَلم يموتوا واحتاجوا إِلَى أَن يطعنوهم مَكَان الحبا وَعَادَة الشجاع أَن يَأْتِي بِالضَّرْبِ بعد الطعْن فَهَذَا مِنْهُم فعل جبان خَائِف غير مُتَمَكن من قتل قرنه. وَإِنَّمَا الْجيد قَول بلعاء بن قيس من بني لَيْث بن كنَانَة الْبَسِيط: (وفارسٍ فِي غَمَرَات الْمَوْت منغمسٍ ... إِذا تألى عِلّة مكروهةٍ صدقا) (غَشيته وَهُوَ فِي جأواء باسلةٍ ... غَضبا أصَاب سَوَاء الرَّأْس فانفلقا)

стр. 2956

. (بضربةٍ لم تكن مني مخالسة ... وَلَا تعجلتها جبنا وَلَا فرقا) فَانْظُر كَيفَ وصف قرنه بِمَا وصف بِهِ وَوصف مَوْضِعه وَبَالغ فِي وصفهما وَوصف ضَربته بِمَا يدل على جرأته وشجاعته. انْتهى. هَذَا وَلم يُورد الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل هَذَا الْبَيْت بِتَمَامِهِ وَإِنَّمَا قَالَ: وَقد روى ابْن الْأَعرَابِي بَيْتا عَجزه: حَيْثُ لي العمائم قَالَ التبريزي فِي شرح الكافية: إِنَّمَا لم ينشد الْبَيْت بِتَمَامِهِ للِاخْتِلَاف فِي صَدره فبعضهم رَوَاهُ كَمَا ذكر وَبَعْضهمْ قَالَ: صَدره: (وَنحن سقينا الْمَوْت بِالسَّيْفِ معقلاً ... وَقد كَانَ مِنْهُم حَيْثُ لي العمائم) انْتهى. وَقَالَ ابْن المستوفي: وَمَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي فقد قَالَ الأندلسي: وجدت أَنا تَمَامه فِي بعض حَوَاشِي الْمفصل وَهُوَ: (وَنحن قتلنَا بالشآم مغفلاً ... وَقد كَانَ منا حَيْثُ لي العمائم) قَالَ: وَلَا أعلم صِحَّته. وأوله على مَا أنشدنيه شَيخنَا مُحَمَّد بن يُوسُف البحراني:

стр. 2957

ونطعنهم حَيْثُ الحبا بعد ضَربهمْ ... ... ... ... . . الْبَيْت) وَلم يتممه بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل إِلَّا بقوله: (وَنحن سقينا الْمَوْت بالشآم معقلاً ... وَقد كَانَ مِنْكُم حَيْثُ لي العمائم) وَقَالَ: الْمَعْنى وَنحن سقينا هَذَا الرجل وَهُوَ معقل كأس الْمَوْت بِهَذِهِ الْبَلدة وقتلناه وَقد كَانَ هَذَا الرجل مِنْكُم فَوق الرؤوس مِنْكُم أَي: كَانَ رئيسكم وعالياً عَلَيْكُم. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: مَعْنَاهُ قد كَانَ المعقل مِنْكُم وَهُوَ الملجأ فِي مَكَان لي العمائم وَهُوَ الرَّأْس. وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِر. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا لم يعرف قَائِله. أَقُول: الْبَيْت الَّذِي رَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي غير ذَيْنك الْبَيْتَيْنِ. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: وروى ابْن الْأَعرَابِي بَيت كثير الطَّوِيل: (وهاجرةٍ يَا عز يلطف حرهَا ... لركبانها من حَيْثُ لي العمائم) (نصبت لَهَا وَجْهي وَعزة تتقي ... بجلبابها والستر لفح السمائم) ويروى: من تَحت لوث العمائم وَلَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيّ لم ينشده لرجحان الرِّوَايَة الثَّانِيَة عِنْده. وَأما الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ صَاحب الْمُغنِي هُوَ: (إِذا ريدةٌ من حَيْثُ مَا نفحت لَهُ ... إِلَخ)

стр. 2958

فَهُوَ لأبي حَيَّة النميري: شَاعِر إسلامي أدْرك الدولة الأموية والعباسية. توفّي سنة بضع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. والريدة برَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ومثناة تحتية بعْدهَا دَال: الرّيح اللينة الهبوب. ونفحت: هبت. والريا: الرَّائِحَة. وَقد أورد أَبُو عَليّ هَذَا الْبَيْت فِي الْإِيضَاح الشعري وَتكلم عَلَيْهِ فِيهِ وَلم يظفر بِهِ أحد من شرَّاح الْمُغنِي فَلَا بَأْس بإيراده. قَالَ: وصف أَبُو حَيَّة النميري بِهَذَا الْبَيْت حمارا. يُقَال: ريح رادة وريدة وريدانة: اللينة. ورياها: رِيحهَا. وخليل يَعْنِي: أَنفه. يَقُول: تَأتيه الرّيح لتنسمه إِيَّاهَا بِأَنْفِهِ. فَإِذا هَذِه هِيَ الَّتِي هِيَ ظرف من الزَّمَان لِأَن الْمَعْنى: إِذا نفحت ريح تنسمها. وَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت ريدة مُرْتَفعَة بِفعل مُضْمر يفسره نفحت مثل: إِذا السَّمَاء انشقت وَنَحْو ذَلِك وَمن مُتَعَلقَة بالمحذوف الَّذِي فسره نفحت. وَمَا أضيف إِلَيْهِ حَيْثُ مَحْذُوف كَمَا يحذف مَا يُضَاف إِلَيْهِ إِذْ فِي يومئذٍ للدلالة عَلَيْهِ وَأَنه قد علم أَن الْمَعْنى إِذا نفحت من حَيْثُ مَا نفحت. وَإِن شِئْت قلت: إِن حَيْثُ مُضَافَة إِلَى نفحت وريدة مُرْتَفعَة بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ نفحت وَإِن كَانَ قد أضيف إِلَيْهِ حَيْثُ كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْفِعْل الَّذِي فِي صلَة) أَن فِي قَوْلك: لَو أَنَّك جئتني لأكرمتك وأغنى عَنهُ. فَكَذَلِك هَذَا الْفِعْل الْمُضَاف إِلَيْهَا حَيْثُ أغْنى عَن ذَلِك الْفِعْل لما دلّ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي لَو. أَلا ترى أَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مثل مَا بعد الِاسْم الْمَوْصُول فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يعْمل فِيمَا قبله. وَمَعَ

стр. 2959

ذَلِك فقد أغْنى الْفِعْل الَّذِي فِي صلَة أَن عَن الْفِعْل الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَو وَإِن كَانَ قبل الصِّلَة. فَكَذَلِك الْفِعْل الْمُضَاف إِلَيْهِ حَيْثُ. انْتهى بِكَلَامِهِ وحروفه. وَمَا تكون زَائِدَة فِي التوجيهين. وَنقل عَن ابْن مَالك فِي التَّوْجِيه الأول عوض عَن الْجُمْلَة المحذوفة كالتنوين الَّذِي فِي حِينَئِذٍ. وبالتوجيه الثَّانِي يسْقط قَول ابْن هِشَام: فَلَو كَانَت نفحة مُضَافا إِلَيْهِ لزم بطلَان التَّفْسِير إِذْ الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِيمَا قبل الْمُضَاف. ويتأيد قَول الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: لَا مَانع من كَون نفحت مُضَافا إِلَيْهِ مَعَ جعله مُفَسرًا. وَمَا اسْتندَ إِلَيْهِ مَنْظُور فِيهِ لِأَن الظَّاهِر من كَلَامهم أَن امْتنَاع تَفْسِير مَا لَا يعْمل مَخْصُوص بِبَاب الِاشْتِغَال. تمّ بعون الله وتيسيره الْجُزْء السَّادِس من خزانَة الْأَدَب بتقسيم محققها.

стр. 2960

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الْخَمْسمِائَةِ) الرجز أما ترى حَيْثُ سهيلٍ طالعا وَبعده: نجماً يضيء كالشهاب ساطعا على أَن حَيْثُ مضافةٌ إِلَى مُفْرد بندرة وَسُهيْل مجرور بِإِضَافَة حَيْثُ إِلَيْهِ. وَفِي هَذِه الصُّورَة يجوز بِنَاء حَيْثُ وإعرابها. وَرُوِيَ: بِرَفْع سُهَيْل على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر أَي: مَوْجُود فَتكون حَيْثُ مَبْنِيَّة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة وَهِي هُنَا على كل تَقْدِير وَقعت مَفْعُولا لترى لَا ظرفا لَهُ. هَذَا مُحَصل كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْكسَائي وَجعل حَيْثُ اسْما وَلم يعربه لِأَن كَونه اسْما لَا يُخرجهُ عَن الْبناء كَقَوْلِه تَعَالَى: من لدن حكيمٍ خَبِير. يُرِيد أَن مَوضِع حَيْثُ

стр. 2961

النصب بترى فَإِن قلت: إِن حَيْثُ إِنَّمَا جَاءَ اسْما فِي الشّعْر وَقد يجوز أَن تجْعَل الظروف أَسمَاء فِي الشّعْر. فَالْجَوَاب أَن ذَلِك قد جَاءَ اسْما فِي غير الشّعْر.) وَقد حكى أَحْمد بن يحيى عَن بعض أَصْحَابه أَنهم قَالُوا: هِيَ أحسن النَّاس حَيْثُ نظر ناظرٌ يَعْنِي الْوَجْه. فَهَذَا قد جَاءَ فِي الْكَلَام. وَمِمَّا جَاءَ مَفْعُولا بِهِ قَوْله تَعَالَى: الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته كَمَا تقدم. اه. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: مَذْهَب الْبَصرِيين أَنه لَا يجوز إضافتها إِلَى الْمُفْرد وَمَا سمع من ذَلِك نَحْو: الطَّوِيل حَيْثُ لي العمائم نَادِر. وَأَجَازَ الْكسَائي الْإِضَافَة إِلَى الْمُفْرد قِيَاسا على مَا سمع من إضافتها إِلَى الْمُفْرد. اه. وَلَا يخفى أَن إِعْرَاب هَذَا الشّعْر مُشكل. وَالَّذِي أرَاهُ أَن الرُّؤْيَة بصرية وَأَن حَيْثُ: مفعول بِهِ لترى وَسُهيْل: مجرور بِإِضَافَة حَيْثُ إِلَيْهِ وطالعاً: حَال من سُهَيْل. ومجيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَإِن كَانَ قَلِيلا فقد ورد مِنْهُ كثيرٌ فِي الشّعْر. قَالَ تأبط شرا: الطَّوِيل فبائساً: حالٌ من الْيَاء. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل الشيرازيات: قد جَاءَ الْحَال

стр. 2962

من الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي نَحْو مَا أنْشدهُ أَبُو زيد: الْكَامِل (عوذٌ وبهثةٌ حاشدون عَلَيْهِم ... حلق الْحَدِيد مضاعفاً يتلهب) ومضاعفاً: حَال من الْحَدِيد. اه. وَقَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: مثل هَذَا إِنَّمَا يكون على توهم إِسْقَاط الْمُضَاف اعْتِبَارا بِصِحَّة الْكَلَام دونه. وَمن هُنَا أجَاز الْفَارِسِي فِي قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل (أرى رجلا مِنْهُم أسيفاً كَأَنَّمَا ... يضم إِلَى كشحيه كفا مخضبا) أَن يكون مخضباً حَالا من الْهَاء فِي كشحيه وَهُوَ مُضَاف وَلكنه فِي تَقْدِير: يضم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا ضمه إِلَى كشحيه فقد ضمه إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يضم إِلَيْهِ فَهُوَ فِي التَّقْدِير حَال من الْمَجْرُور بحرفٍ وَهُوَ جائزٌ كَمَا تقدم. وَكَذَلِكَ جعل مضاعفاً من قَوْله: حلق الْحَدِيد مضاعفاً يتلهب حَالا من الْحَدِيد. اه. وَكَذَلِكَ الْمَعْنى هُنَا فجَاء طالعاً حَالا من سُهَيْل على توهم أَنه مفعول وَسُقُوط حَيْثُ فَيكون نجماً على هَذَا بَيَانا لسهيل أَو بَدَلا مِنْهُ. وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْمَدْح.) وَنقل الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة عَن شَارِح اللّبَاب أَن طالعاً: مفعول بِهِ ثَان لترى أَو حَال من سُهَيْل إِن جعلت حَيْثُ صلَة بِمَنْزِلَة مقَام فِي قَوْله:

стр. 2963

الوافر نفيت عَنهُ مقَام الذِّئْب وَإِن لم يَجْعَل صلَة يكون حَالا وَالْعَامِل معنى الْإِضَافَة أَي: مَكَانا مُخْتَصًّا بسهيل حَال كَونه طالعاً. وَيجوز أَن يكون حَيْثُ فِي الْبَيْت بَاقِيا على الظَّرْفِيَّة وَحذف مفعول ترى نسياً كَأَنَّهُ قيل: أما تحدث الرُّؤْيَة فِي مَكَان سُهَيْل طالعاً اه. قلت: جعل الْعَامِل معنى الْإِضَافَة غير مرضِي عِنْدهم وَكَذَا القَوْل بِزِيَادَة حَيْثُ وَالْأولَى أَن تجْعَل الْحَال من ضميرٍ يعود إِلَى سُهَيْل حذف هُوَ وعامله للدلالة عَلَيْهِ أَي: ترَاهُ طالعاً. هَذَا كَلَام الدماميني. وَقَالَ اللبلي فِي شرح أدب الْكَاتِب: من جر سُهَيْل نصب طالعاً حَالا من حَيْثُ لِأَن الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ ضَعِيفَة. وَالتَّقْدِير: حَيْثُ سُهَيْل طالعاً فِيهِ وَحَيْثُ مفعول ترى. وَإِن جعلت ترى بِمَعْنى تعلم كَانَ طَالبا مَفْعُولا ثَانِيًا. وَلَا يجوز أَن يكون حَيْثُ ظرفا لفساد الْمَعْنى. اه.

стр. 2964

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: حَيْثُ مُعرب إِمَّا منصوبٌ على الظَّرْفِيَّة أَو على المفعولية وَيكون ترى علمية مَفْعُوله الأول حَيْثُ ومفعوله الثَّانِي طالعاً أَو تكون ترى بصرية فَتكون حَيْثُ: مَفْعُولا بِهِ وطالعاً: حَالا من حَيْثُ لَا من سُهَيْل لِأَن الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ ضَعِيفَة. هَذَا كَلَامه. وَأما إِن رفع سُهَيْل فطالعاً حالٌ من ضمير خبر سُهَيْل ونجماً مَنْصُوب على الْمَدْح. وسهيلٌ: نجمٌ عِنْد طلوعه تنضج الْفَوَاكِه وينقضي القيظ. والشهاب: شعلة من نَار ساطعة أَي: مُرْتَفعَة فَيكون ساطعاً: حَالا مُؤَكدَة. والهمزة فِي أما للاستفهام. وَهَذَا الشّعْر لم أعرف قَائِله وَالله أعلم. وَقَالَ التبريزي فِي شرح الكافية الحاجبية: وَأما قَوْله: الْبَسِيط (وأنني حَيْثُ مَا يدني الْهوى بَصرِي ... من حَيْثُ مَا سلكوا أدنو فأنظور) فَمن جوز إِضَافَته إِلَى الْمُفْرد فَمَا: مَصْدَرِيَّة أَي: من حَيْثُ السلوك. وَمن لَا يجوز يَجعله فِي مَحل الْمُبْتَدَأ وَخَبره مَحْذُوف فَيكون مُضَافا إِلَى الْجُمْلَة أَو مَا زَائِدَة. اه. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَالْجُمْلَة الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا حَيْثُ شَرطهَا أَن تكون خبرية اسمية) أَو فعلية مثبتة مصدرة بماض أَو مضارع مثبتين أَو منفيين بلم أَو لَا. فَأَما قَوْله من حَيْثُ مَا سلكوا فَمَا زَائِدَة.

стр. 2965

وَأنْشد بعده الطَّوِيل لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم هَذَا صدر وعجزه: فَشد وَلم تفرغ بيوتٌ كثيرةٌ على أَن حَيْثُ المضافة إِلَى الْجُمْلَة والمفرد قد تفارق الظَّرْفِيَّة فتجر كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهَا فِي مَوضِع جر بِإِضَافَة لَدَى إِلَيْهَا وَقد تنصب على المفعولية كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته. وَقد تنصب على التَّمْيِيز كَمَا فِي: هِيَ أحسن النَّاس حَيْثُ نظر ناظرٌ يَعْنِي وَجها. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالْغَالِب كَونهَا فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة أَو خفض بِمن وَقد تخْفض بغَيْرهَا كَقَوْلِه: لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم وَقد تقع مَفْعُولا بِهِ وفَاقا للفارسي وَحمل عَلَيْهِ: الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته إِذْ الْمَعْنى أَنه تَعَالَى يعلم نفس الْمَكَان الْمُسْتَحق لوضع الرسَالَة فِيهِ لَا شَيْئا فِي الْمَكَان. وناصبها يعلم محذوفاً مدلولاً عَلَيْهِ بِأَعْلَم لَا بِأَعْلَم نَفسه لِأَن أفعل التَّفْضِيل لَا ينصب الْمَفْعُول بِهِ. فَإِن أولته بعالم جَازَ (إِن حَيْثُ اسْتَقر من أَنْت راعي ... هـ حمى فِيهِ عزةٌ وأمان)

стр. 2966

لجَوَاز تَقْدِير حَيْثُ خَبرا وَحمى اسْما. فَإِن قيل: يُؤَدِّي إِلَى جعل الْمَكَان حَالا فِي الْمَكَان. قُلْنَا: هُوَ نَظِير قَوْلك: إِن فِي مَكَّة دَار زيد. وَنَظِيره فِي الزَّمَان: إِن فِي يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة الْإِجَابَة. اه. وَقَوله: وَالْغَالِب كَونهَا فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة أَو خفض بِمن بَقِي عَلَيْهِ خفضها بِالْبَاء وبغيرها. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: إِنَّهَا جرت بِمن كثيرا وبفي شاذاً نَحْو: الطَّوِيل فَأصْبح فِي حَيْثُ الْتَقَيْنَا شريدهم وب على. قَالَ: الطَّوِيل سلامٌ بني عمرٍ وعلى حَيْثُ هامكم) وب الْبَاء نَحْو: الْخَفِيف كَانَ منا بِحَيْثُ يعكى الْإِزَار وب إِلَى نَحْو: إِلَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم وأضيفت لَدَى إِلَيْهَا فِي قَوْله: لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا. وَتَمام الدَّلِيل فِي الْآيَة أَن يُقَال: لَا يجوز أَن تكون حَيْثُ ظرفا لِأَن علم الله لَا يخْتَص بمَكَان دون مَكَان. وَلَا يجوز أَن تكون مجرورة بِإِضَافَة أعلم إِلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيست بِصفة وَهِي شرطٌ فِي إِضَافَة أفعل التَّفْضِيل. وَلَا يجوز أَن تكون مَنْصُوبَة بِهِ لِأَن أفعل التَّفْضِيل لَا يعْمل النصب فِي الظَّاهِر.

стр. 2967

وَإِذا بَطل ذَلِك تعين أَن يكون مَنْصُوبًا على الْمَفْعُول بِهِ بِفعل مُقَدّر دلّ عَلَيْهِ أعلم أَي: الله أعلم يعلم حَيْثُ يَجْعَل كَقَوْلِه: الطَّوِيل وأضرب منا بِالسُّيُوفِ القوانسا أَي: أضْرب منا يضْرب القوانس بِالسُّيُوفِ. وَجوز السفاقسي أَن تكون بَاقِيَة على الظَّرْفِيَّة قَالَ: فَإِنَّهُ لَا مَانع من عمل أعلم فِي الظّرْف. وَالَّذِي يظْهر لي أَنه بَاقٍ على ظرفيته والإشكال إِنَّمَا يرد من حَيْثُ مَفْهُوم الظّرْف وَكم مَوضِع ترك فِيهِ الْمَفْهُوم لقِيَام الدَّلِيل على تَركه. وَقد قدم الدَّلِيل الْقَاطِع فِي هَذَا الْموضع. اه. وَقَوله: لَا دَلِيل لَهُ فِي قَوْله إِن حَيْثُ اسْتَقر إِلَخ يُرِيد أَن حَيْثُ فِيهِ: ظرف وَهُوَ خبر مقدم وَحمى: اسْم إِن مُؤخر كَقَوْلِهِم: إِن عنْدك زيدا. وَيرد عَلَيْهِ أَن هَذَا الْحمل غير مُرَاد وَإِنَّمَا الْمَعْنى: إِن مَكَانا اسْتَقر فِيهِ جماعةٌ أَنْت راعيهم وحافظهم هُوَ حمى فِيهِ الْعِزَّة والأمان. فَتَأمل. والحمى: الْمَكَان المحمي من الْمَكْرُوه. وَقد ذكر أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته أَن حَيْثُ: تقع اسْما لكأن وَتَقَع مُبْتَدأ وَأورد مسَائِل تمرين لحيث فَلَا بَأْس بإيرادها هُنَا قَالَ: إِذا قيل: حَيْثُ نَلْتَقِي طيبٌ حكم على حَيْثُ بِالرَّفْع لِأَنَّهُ اسْم الْمَكَان الَّذِي خَبره طيب وَهُوَ نَائِب عَن موضِعين أسبقهما مَحْدُود خَبره طيب وآخرهما مَجْهُول ناصبه نَلْتَقِي تلخيصه: الْموضع الَّذِي نَلْتَقِي فِيهِ طيب. وَقَالَ الشَّاعِر:

стр. 2968

الرجز (كَأَن حَيْثُ نَلْتَقِي مِنْهُ الْمحل ... من جانبيه وعلان ووعل) ثَلَاثَة أشرفن فِي طودٍ عتل) أنْشد هَذَا الشّعْر هِشَام وَقَالَ: ثَلَاثَة خبر كَأَن. وَإِذا قيل: إِن حَيْثُ زيد ضربت عمرا فَفِيهَا وَجْهَان: رفع زيد وَنصب عَمْرو وَنصب زيد وَعَمْرو. فعلى الأول أبطل إِن فِي ظَاهر الْكَلَام وَنصب عمرا بضربت وَرفع زيدا بِحَيْثُ لنيابة زيد عَن محلين أسبقهما يَطْلُبهُ الضَّرْب وآخرهما يرفع زيدا وتقديرها: إِن فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ زيد ضربت زيدا. وَالْكسَائِيّ يَقُول: لَيْسَ لإن اسْم وَلَا خبر. لِأَنَّهَا مبطلة عَن ضربت إِذْ لم تكن من عوامل الْأَفْعَال. والبصريون يضمرون الْهَاء مَعَ إِن ويجعلون الْجُمْلَة الْخَبَر. وَالْفراء يَقُول: ضربت سد مسد ضَارِبًا أَنا. وَقَالَ هِشَام: يُقَال: حَيْثُ زيدٌ عمروٌ بِفَتْح الثَّاء وَرفع زيد وَعَمْرو وَحَيْثُ زيدٍ عَمْرو بِفَتْح الثَّاء وخفض زيد. وَأما الْفَتْح مَعَ رفع زيد فمفارقٌ للْقِيَاس يجْرِي مجْرى قَول من يَقُول: حَيْثُ زيدٍ عَمْرو فيضم الثَّاء ويخفض بهَا زيدا قَالَ: أما ترى حَيْثُ سهيلٍ طالعاً وَقد حكوا عَن الْعَرَب حَيْثُ سهيلٍ بِضَم الثَّاء وخفض سُهَيْل وَهُوَ فَاسد الْعلَّة لِأَن ضم الثَّاء يُوجب رفع سُهَيْل كَمَا أَن فتح الثَّاء يُوجب بِهِ خفض سُهَيْل. وَلَا يَنْبَغِي أَن يبْنى إِلَّا على الْأَكْثَر والأعرف وَالأَصَح عِلّة. وَإِذا قيل: إِن حَيْثُ أَبوك كَانَ أَخُوك رفع الْأَخ بكان وَحَيْثُ

стр. 2969

خبر كَانَ وَالْأَب رفع بِحَيْثُ لنيابتها عَن محلين أَحدهمَا خبر كَانَ وَالْآخر رَافع الْأَب وَإِن مبطلة عَن كَانَ وَالتَّقْدِير: إِن فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ أَبوك كَانَ أَخُوك. وَيجوز إِن حَيْثُ أَبوك كَانَ أَخَاك فأخاك اسْم إِن وَحَيْثُ خبر إِن وَأَبُوك رفع بالراجع من كَانَ وَحَيْثُ خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: إِن أَخَاك فِي الْمَكَان الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبوك. وَإِذا قيل: إِن حَيْثُ أَبوك قَائِم أَخَاك جَالس نصب الْأَخ بإن وجالس خبر إِن وَرفع قَائِم بِالْأَبِ وَحَيْثُ نائبة عَن محلين: أَحدهمَا: صلَة الْجَالِس وَهُوَ الأسبق وَآخِرهَا صلَة قَائِم. وَيجوز: إِن حَيْثُ أَبوك قَائِما أَخَاك جَالس الْأَخ وجالس على مَا كَانَا عَلَيْهِ وَالْجَوَاب الأول وَقَائِمًا نصبٌ على الْحَال من أَبِيك وَحَيْثُ متضمنة لمحلين أَولهمَا صلَة الْجَالِس وآخرهما رفع للْأَب.) وَيجوز: إِن حَيْثُ أَبوك قَائِما أَخَاك جَالِسا أَخَاك: اسْم إِن وَحَيْثُ خبر إِن وَهِي رَافع الْأَب. وَقَائِمًا: حَال الْأَب وجالساً: حَال الْأَخ. وَيجوز: إِن حَيْثُ أَبوك قَائِم أَخَاك جَالِسا أَخَاك: اسْم إِن وَحَيْثُ مُتَضَمّن محلين أَولهمَا خبر إِن وآخرهما صلَة قَائِم وقائم رفع بأبيك وجالساً نصب على الْحَال من أَخِيك. وَإِن فتحت ثاء حَيْثُ وأضيفت قيل: إِن حَيْثُ أَبِيك قَائِما أَخَاك جالسٌ وجالساً على التَّفْسِير الْمُتَقَدّم. انْتهى مَا أوردهُ أَبُو حَيَّان. وَقَالَ فِي الارتشاف: لم يجىء فَاعِلا وَلَا مَفْعُولا بِهِ وَلَا مُبْتَدأ. وَقد فرع الْكُوفِيُّونَ صوراً على حَيْثُ مِنْهَا: حَيْثُ نَلْتَقِي طيب.

стр. 2970

ثمَّ ذكر بعض مَا أوردهُ فِي التَّذْكِرَة. وَالْبَيْت من معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَلَا بُد من إِيرَاد شَيْء مِمَّا قبله ليتضح مَعْنَاهُ وَهَذِه أَبْيَات مِمَّا قبله وَمِمَّا بعده: (لعمري لنعم الْحَيّ جر عَلَيْهِم ... بِمَا لَا يُؤْتِيهم حُصَيْن بن ضَمْضَم) (وَقَالَ: سأقضي حَاجَتي ثمَّ أتقي ... عدوي بألفٍ من ورائي ملجم) (فَشد وَلم تفزع بيوتٌ كثيرةٌ ... لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم) (لَدَى أسدٍ شاكي السِّلَاح مقذفٍ ... لَهُ لبدٌ أَظْفَاره لم تقلم) (جريءٍ مَتى يظلم يُعَاقب بظلمه ... سَرِيعا وَإِلَّا يبد بالظلم يظلم) أَرَادَ بالحي حَيّ مرّة من بني ذبيان. وجر: فعل مَاض من الجريرة وَهِي الْجِنَايَة. ويواتيهم: يوافقهم. وحصين بن ضَمْضَم: هُوَ ابْن عَم النَّابِغَة الذبياني وَكَانَت جِنَايَته أَنه لما اصطلحت قَبيلَة ذبيان مَعَ قَبيلَة عبس امْتنع حصينٌ هَذَا من الصُّلْح واستتر من القبيلتين لِأَن ورد بن حَابِس الْعَبْسِي كَانَ قتل هرم بن ضَمْضَم وَهُوَ أَخُو حُصَيْن فَحلف حصينٌ لَا يغسل رَأسه حَتَّى يقتل وردا أَو رجلا مِنْهُم. ثمَّ أقبل رجلٌ من بني عبس فَنزل بحصين بن ضَمْضَم فَلَمَّا علم أَنه عبسي قَتله فكاد الصُّلْح ينْتَقض فسعى بِالصُّلْحِ وَتحمل الدِّيَة الْحَارِث بن عَوْف وهرم بن سِنَان المريين. وَلِهَذَا مدحهم زُهَيْر بقوله: لنعم الْحَيّ. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذِه القصيدة وعَلى سَببهَا مفصلا فِي

стр. 2971

الشَّاهِد السَّادِس وَالْخمسين بعد) الْمِائَة. وَقَوله: وَكَانَ طوى كشحاً إِلَخ اسْم كَانَ ضمير حُصَيْن. والكشح: الخاصرة يُقَال: طوى كشحه على كَذَا أَي: أضمره فِي نَفسه. والمستكنة: المستترة. أَي: أضمر على غدرةٍ مستترة. وَقَوله: فَلَا هُوَ أبداها أَي: مَا أظهر الغدرة المستكنة وَلَا تقدم فِيهَا قبل الصُّلْح. وروى: وَلم يتجمجم: بجيمين أَي: لم يتنهنه عَمَّا أَرَادَ مِمَّا كتم. وَقَالَ الأعلم: أَي: لم يدع التَّقَدُّم فِيمَا أضمر وَلم يتَرَدَّد فِي إِنْفَاذه. وَشرح هذَيْن الْبَيْتَيْنِ تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ. وَقَوله: وَقَالَ سأقضي حَاجَتي إِلَخ فَاعل قَالَ: ضمير حُصَيْن. وَحَاجته: مَا كَانَ أضمره فِي نَفسه من قتل عبسي وورائي أَي: أَمَامِي كَقَوْلِه تَعَالَى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملكٌ وَقَوله: وَمن وَرَائه عذابٌ. وملجم: يرْوى بِكَسْر الْجِيم أَي: بِأَلف فَارس ملجم فرسه. ويروى بِفَتْح الْجِيم أَي: بِأَلف فرس ملجم وَأَرَادَ بهَا فرسانها. قَالَ الأعلم: أَي سأدرك ثَأْرِي ثمَّ ألْقى عدوي بِأَلف فَارس أَي: أجعلهم بيني وَبَين عدوي. يُقَال: اتَّقَاهُ بِحقِّهِ أَي جعله بَينه وَبَينه. وَجعل مُلجمًا على لفظ ألف فَذكره وَلَو كَانَ فِي غير الشّعْر لجَاز تأنيثه على الْمَعْنى. اه. وَذَلِكَ لِأَن فرسا مِمَّا يذكر وَيُؤَنث.

стр. 2972

وَقَوله: فَشد إِلَخ أَي: حمل حصينٌ على ذَلِك الرجل الْعَبْسِي فَقتله وَلم تفزع بيُوت كَثِيرَة أَي: لم يعلم أَكثر قومه بِفِعْلِهِ وَأَرَادَ بِالْبُيُوتِ أَحيَاء وقبائل. يَقُول: لَو علمُوا بِفِعْلِهِ لفزعوا أَي: لأغاثوا الرجل الْعَبْسِي وَلم يدعوا حصيناً يقْتله. وَإِنَّمَا أَرَادَ زُهَيْر بقوله هَذَا أَن لَا يفسدوا صلحهم بِفِعْلِهِ. وَقَوله: حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أَي: حَيْثُ كَانَ شدَّة الْأَمر يَعْنِي مَوضِع الْحَرْب. وَأم قشعم: كنية الْحَرْب وَيُقَال: كنية الْمنية. وَالْمعْنَى: أَن حصيناً شدّ على الرجل الْعَبْسِي فَقتله بعد الصُّلْح وَحين حطمت رَحلهَا الرحب وَوضعت أَوزَارهَا وسكنت. وَيُقَال: هُوَ دُعَاء على حُصَيْن أَي: عدا على الرجل الْعَبْسِي بعد الصُّلْح وَخَالف الْجَمَاعَة فصيره الله إِلَى هَذِه الشدَّة وَيكون معنى أَلْقَت رَحلهَا على هَذَا: ثبتَتْ وتمكنت. هَذَا كَلَام الأعلم فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة. وتفزع على رِوَايَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل. وَقَالَ التبريزي فِي شرح الْمُعَلقَة: مَعْنَاهُ شدّ على عدوه وَحده فَقتله وَلم تفزع الْعَامَّة بِطَلَب وَاحِد) وَإِنَّمَا قصد الثأر أَي: لم يستعن على قَتله بِأحد. وَنقل صعوداء فِي شرح ديوَان زُهَيْر عَن قوم: أَن أم قشعم على هَذِه الرِّوَايَة هِيَ أم حُصَيْن أَي: فَلم تفزع الْبيُوت الَّتِي بِحَضْرَة بَيت أمه لِأَنَّهُ أَخذ ثَأْره. ف لَدَى على قَول الأعلم ظرف مُتَعَلق بشد وعَلى

стр. 2973

قَول صعوداء يكون لَدَى مُتَعَلقا بِمَحْذُوف على أَنه صفة ثَانِيَة لبيوت أَو حالٌ مِنْهُ. وروى الزوزني: وَلم يفزع بُيُوتًا على أَن فَاعله ضمير حُصَيْن وَقَالَ: أَي: لم يتَعَرَّض لغيره عِنْد ملقى رَحل الْمنية. وملقى الرّحال: الْمنزل لِأَن الْمُسَافِر يلقِي بِهِ رَحْله أَي أثاثه ومتاعه. أَرَادَ: عِنْد منزل الْمنية. وَجعله منزل الْمنية لحلولها فِيهِ. فعلى هَذَا يكون لَدَى مُتَعَلقا ب تفزع مضارع أفزعه أَي: أخافه بِخِلَاف الأول فَإِنَّهُ مضارع بِمَعْنى أغاث أَو علم. وَالْمَشْهُور رِوَايَة فَشد وَلم ينظر بُيُوتًا كَثِيرَة فَيكون فَاعل ينظر أَيْضا ضمير حُصَيْن ثمَّ اخْتلفُوا فَرَوَاهُ صعوداء بِفَتْح أَوله وَقَالَ: لم ينظر أَي: لم ينْتَظر يُقَال: نظرت الرجل أَي: انتظرته. وعَلى هَذَا يكون الْمَعْنى: لم ينْتَظر حُصَيْن أَن ينصره قومه على أَخذ ثَأْره. وروى أَبُو جَعْفَر: وَلم ينظر بِضَم أَوله وَكسر ثالثه وَقَالَ: مَعْنَاهُ: لم يُؤَخر حصينٌ أهل بَيت قَاتل أَخِيه فِي قَتله لكنه عجل فَقتله. فَيكون ينظر مضارع أنظرهُ بِمَعْنى أمهله وأخره. وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ يكون لَدَى مُتَعَلقا بشد وَكَذَلِكَ على قَول من فسر أم قشعم بالعنكبوت وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة أَو بالضبع كَمَا نَقله صعوداء. وَيكون الْمَعْنى: فَشد على صَاحب ثَأْره بمضيعةٍ من الأَرْض. قَالَ صعوداء: أم قشعم عِنْد الْأَصْمَعِي: الْحَرْب الشَّدِيدَة. وَمن جعلهَا العنكبوت أَو الضبع فَمَعْنَاه وجده بمضيعةٍ فَقتله. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع: أم قشعم هِيَ الْمنية والداهية وَالْحَرب والنسر

стр. 2974

وَالْعَنْكَبُوت لَدَى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم هَذَا كَلَامه. وقشعم: فعلمٌ من قشعت الرّيح التُّرَاب فانقشع وأقشع الْقَوْم عَن الشَّيْء وتقشعوا إِذا تفَرقُوا عَنهُ وتركوه. وَقَوله: لَدَى أسدٍ شاكي السِّلَاح إِلَخ هَذَا الْبَيْت فِي الظَّاهِر غير مُرْتَبِط بِمَا قبله وَلَا يعرف مُتَعَلق لَدَى أسدٍ. وَقد فحصت عَنهُ فَلم أجد من ربطه بِمَا قبله مَعَ أَنه من أَبْيَات علم الْمعَانِي أورد شَاهدا لجَوَاز الْجمع بَين التَّجْرِيد والترشيح.) وَقد رجعت إِلَى معاهد التَّنْصِيص للعباسي فَلم أر فِيهِ غير هَذِه الأبيات وَلم يتَكَلَّم عَلَيْهَا بشيءٍ فَفَزِعت إِلَى قريحتي وأعملت الفكرة فأرشدني الله إِلَى وَجهه وَهُوَ أَن لَدَى أَسد مُتَعَلق بألقت رَحلهَا أم قشعم على تَفْسِير أم قشعم بِالْحَرْبِ وَمعنى أَلْقَت رَحلهَا: حطت رَحلهَا الْحَرْب وَوضعت أَوزَارهَا وسكنت فَيكون الْإِلْقَاء عبارَة عَن السّكُون والهدوء كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل (فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى ... كَمَا قر عينا بالإياب الْمُسَافِر) وَيكون المُرَاد من الْأسد الْحَارِث بن عوفٍ المري فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أطفأ نَار الْحَرْب بَين عبس وذبيان بعد مَا جرى بَينهمَا فِي يَوْم

стр. 2975

داحس وسعى فِي الصُّلْح بَينهمَا بتحمل الدِّيات مَعَ ابْن عَمه هرم بن سِنَان المري. وعَلى هَذَا يَتَّضِح الارتباط ويضمحل مَا فسر بِهِ أم قشعم من سَائِر الْمعَانِي وَللَّه الْحَمد والْمنَّة. وَقَالَ الزوزني: الْبَيْت كُله من صفة حُصَيْن بن ضَمْضَم. وَقَالَ الأعلم والتبريزي أَرَادَ بقوله: لَدَى أَسد: الْجَيْش. وَحمل لفظ الْبَيْت على الْأسد. وَلَا يخفى أَنه لَا يَصح الارتباط بِكُل من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ. وَقَوله: شاكي السِّلَاح وَهُوَ مقلوب شائك كَمَا بَين فِي الصّرْف أَي: سلاحه شائكة حَدِيدَة ذَات شَوْكَة. والمقذف بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول قَالَ الأعلم وَأَبُو جَعْفَر: هُوَ الغليظ الْكثير اللَّحْم فَيكون ترشيحاً. كَقَوْلِه: لَهُ لبدٌ إِلَخ. وَقَالَ الزوزني: أَي: يقذف بِهِ كثيرا إِلَى الوقائع والحروب فعلى هَذَا يكون تجريداً كشاكي السِّلَاح. وروى صعوداء والتبريزي: مقاذف بِكَسْر الذَّال وفسراه: بمرامٍ أَي: يرامى بِنَفسِهِ فِي الحروب. وَهَذَا تَجْرِيد أَيْضا. وَقَوله: لَهُ لبد هُوَ بِكَسْر اللَّام وَفتح الْمُوَحدَة جمع لبدة. قَالَ الأعلم: اللبدة: زبرة الْأسد. والزبرة: شعر متلبد متراكب بَين كَتِفي الْأسد إِذا أسن. وَأَرَادَ بالأظفار السِّلَاح. يَقُول: سلاحه تَامّ حَدِيد. وَأول من كنى بالأظفار عَن السِّلَاح أَوْس بن حجر فِي قَوْله: الطَّوِيل (لعمرك إِنَّا والأحاليف هؤلا ... لفي حقبةٍ أظفارها لم تقلم) ثمَّ تبعه زهيرٌ والنابغة فِي قَوْله:

стр. 2976

الْكَامِل) آتوك غير مقلمي الْأَظْفَار اه. وَقَوله: جريء هُوَ وصف أَسد وَيظْلم الأول ويبد كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ويعاقب وَيظْلم الثَّانِي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل. قَالَ الأعلم: قَوْله وَإِلَّا يبد بالظلم إِلَخ. يَقُول: إِن لم يظلم بدأهم بالظلم لعزة نَفسه وجراءته. وَمَتى جازم لفعلين. وسريعاً إِمَّا حَال من ضمير يُعَاقب وَإِمَّا مفعول مُطلق أَي: عقَابا سَرِيعا. ويبد أَصله يبْدَأ بِالْهَمْزَةِ فأبدلها ألفا ثمَّ حذفت الْألف للجازم. وَقد أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي أول شرح الشافية لما ذكرنَا. وترجمة زُهَيْر بن أبي سلمى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده المديد (للفتى عقلٌ يعِيش بِهِ ... حَيْثُ تهدي سَاقه قدمه) على أَن الْأَخْفَش قَالَ: إِن حَيْثُ قد تَأتي بِمَعْنى الْحِين أَي: ظرف زمَان كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: زعم أَبُو الْحسن أَن حَيْثُ قد يكون اسْما للزمان وَأنْشد: للفتى عقلٌ يعِيش بِهِ ... ... ... ... الْبَيْت

стр. 2977

فَجعل حَيْثُ فِيهِ حينا. فَإِن قلت: فَهَل يجوز على هَذَا أَن يكون مَوضِع الْجُمْلَة بعد حَيْثُ جراً لإضافة حَيْثُ إِلَيْهِ كَمَا تُضَاف أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْجمل فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك لَا يمْتَنع فِيهِ إِذا كَانَ زَمَانا. اه. - وَقَالَ ابْن مَالك: لَا حجَّة للأخفش فِيهِ لجَوَاز إِرَادَة الْمَكَان على مَا هُوَ أَصله. وَيدل لما قَالَه أَن الْمَعْنى على الظَّرْفِيَّة المكانية إِذْ الْمَعْنى: أَيْن مَشى لَا حِين مَشى. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَإِذا اتَّصل بِحَيْثُ مَا الكافة ضمنت معنى الشَّرْط وجزمت الْفِعْلَيْنِ كَقَوْلِه: الْخَفِيف (حَيْثُمَا تستقم يقدر لَك الل ... هـ نجاحاً فِي غابر الْأَزْمَان) وَهَذَا الْبَيْت دليلٌ عِنْدِي على مجيئها للزمان. قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: كَأَن ذَلِك جَاءَ من قبل قَوْله: فِي غابر الْأَزْمَان فَصرحَ بِالزَّمَانِ. وَلَيْسَ بقاطع فَإِن الظّرْف الْمَذْكُور إِمَّا لَغْو) مُتَعَلق بيقدر وَإِمَّا مُسْتَقر صفة لنجاحاً. وَذَلِكَ لَا يُوجب أَن يكون المُرَاد بِحَيْثُ الزَّمَان لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد: أَيْنَمَا تستقم يقدر لَك النجاح فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل. وَقَوله: حَيْثُ تهدي قَالَ فِي الصِّحَاح: وهداه أَي: تقدمه. وَأنْشد الْبَيْت. وَسَاقه: مفعول مقدم وَقدمه: فَاعل مُؤخر. وَالْبَيْت آخر قصيدة عدتهَا ثلاثةٌ وَعِشْرُونَ بَيْتا لطرفة بن العَبْد.

стр. 2978

وَأورد أَبُو عبيدٍ فِي الْغَرِيب المُصَنّف الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا فلنقتصر عَلَيْهِ وَهُوَ: (الهبيت لَا فؤاد لَهُ ... والثبيت ثبته فهمه) قَالَ أَبُو عبيد: الهبيت: الذَّاهِب الْعقل. وَقَالَ شَارِح أبياته ابْن السيرافي: الْمَعْنى أَن الجبان يذهب عقله ويطير قلبه من الْفَزع فَلَا يَهْتَدِي للصَّوَاب وَالثَّابِت الْقلب يعرف وَجه الرَّأْي فيأتيه. وَقَوله: للفتى عقل أَي: للفتى الْعَاقِل عقلٌ يعِيش بِهِ أَيْن توجه انْتفع بِهِ. اه. وَقَالَ ابْن السّكيت فِي شرح ديوانه: الهبيت: الَّذِي فِيهِ هَيْبَة أَي: ضربةٌ بالعصا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الهبيت المبهوت جبنا. ويروى: والثبيت قلبه قيمه أَي: قوامه. وَقَوله: حَيْثُ تهدي وَقَالَ الأعلم فِي شرحٍ الْأَشْعَار السِّتَّة: الهبيت: المبهوت يُقَال: رجل هبيت ومهبوت ومبهوت بِمَعْنى وَهُوَ الجبان المخلوع الْفُؤَاد. وَقَوله: والثبيت ثبته فهمه أَي: من كَانَ ثَابت الْقلب ففهمه يثبت عقله. وَهَذَا مثلٌ ضربه لشدَّة الْحَرْب. وَقَوله: للفتى عقل يَقُول من كَانَ عَاقِلا وفتًى متصرفاً عَاشَ حَيْثُمَا نقلته قدمه وَذَهَبت بِهِ من أَرض غربَة وَغَيرهَا. اه. وَكلهمْ حملُوا حَيْثُ على أَصْلهَا كَمَا هُوَ ظَاهر من كَلَامهم. وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.

стр. 2979

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْخَمْسمِائَةِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط (ترفع لي خندفٌ وَالله يرفع لي ... نَارا إِذا خمدت نيرانهم تقد) على أَن إِذا قد تجزم فِي الشّعْر فعلين كَمَا هُنَا فَإِن جملَة خمدت فِي مَحل جزم شَرط إِذا وتقد جوابها وَهُوَ مجزوم وكسرة الدَّال للروي. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جاوزا بهَا أَي: بإذا فِي الشّعْر مضطرين شبهوها بإن حَيْثُ رأوها لما (إِذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَا ... خطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنضارب) وَقَالَ الفرزدق: ترفع لي خندفٌ وَالله يرفع لي ... ... ... ... الْبَيْت وَقَالَ بعض السلوليين: الطَّوِيل (إِذا لم تزل فِي كل دارٍ عرفتها ... لَهَا واكفٌ من دمع عَيْنَيْك يسجم) فَهَذَا اضطرارٌ وَهُوَ فِي الْكَلَام خطأ وَلَكِن الْجيد قَول كَعْب بن زُهَيْر: الْخَفِيف (وَإِذا مَا تشَاء تبْعَث مِنْهَا ... مغرب الشَّمْس ناشطاً مذعورا) اه.

стр. 2980

وَقَوله: إِذا قصرت أسيافنا إِلَخ يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله بعد بَيت الفرزدق. وَقَوله: ترفع لي خندفٌ إِلَخ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ جزم تقد على جَوَاب إِذا لِأَنَّهُ قدرهَا عاملةً عمل إِن ضَرُورَة. يَقُول: ترفع لي قبيلتي من الشّرف مَا هُوَ فِي الشُّهْرَة كالنار الموقدة إِذا قعدت بغيري قبيلته. وخندف: أم مدركة وطابخة ابْني إلْيَاس فَلذَلِك فَخر بخندفٍ على قيس عيلان بن مُضر. وَقَوله: إِذا لم تزل فِي كل دَار إِلَخ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي جزم تسجم على جَوَاب إِذا كَمَا تقدم. وَتَقْدِير لفظ الْبَيْت: إِذا لم تزل فِي كل دَار عرفتها من ديار الْأَحِبَّة يسجم لَهَا واكفٌ من دمع عَيْنَيْك. وَمعنى يسجم ينصب. والواكف: القاطر. وَرَفعه بإضمار فعلٍ دلّ عَلَيْهِ يسجم. وَيجوز أَن يكون مرتفعاً بِهِ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ضَرُورَة. ويروى: يسْكب. وَالْبَيْت لجرير فِي قصيدة بائية وَنسب إِلَى غَيره فِي الْكتاب وغيرت قافيته غَلطا. وَيحْتَمل أَن يكون لغيره من قصيدة ميمية.) وَقَوله: وَإِذا مَا تشَاء تبْعَث إِلَخ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع مَا بعد إِذا على مَا يجب فِيهَا. وصف نَاقَته بالنشاط والسرعة بعد سير النَّهَار كُله فشبهها فِي انبعاثها مسرعةً بناشط قد ذعر من صائدٍ أَو سبع. والناشط: الثور يخرج من بلد إِلَى بلد فَذَلِك أوحش لَهُ وأذعر. انْتهى.
следующие страницы →