← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الْعَامِل فِي قديديمة محذوفاً دلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام كَأَنَّهُ أَرَادَ: تظن طيب الْعَيْش ولذته قُدَّام التجربة والحلم أَي: أَمَام ذَلِك لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك إِنَّمَا يطيب الْعَيْش وَيحسن قبل التجارب وَفِي عنفوان الشَّبَاب وَحين الْغَفْلَة وَأما بعد ذَلِك فَلَا. فَيكون الْعَامِل فِيهَا تظن وَقَوله: إِنَّنِي قَالَ ابْن السَّيِّد: يرْوى بِكَسْر الْهمزَة على الِاسْتِئْنَاف وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ مفعول من أَجله. وَقد تكون إِن مَكْسُورَة وفيهَا معنى الْمَفْعُول من أَجله كَقَوْلِه : وَيصلى سعيراً إِنَّه كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا. وَجَاز ذَلِك لِأَن إِن دَاخِلَة على الْجمل وَالْجُمْلَة قد يكون فِيهَا معنى الْعلَّة وَالسَّبَب مَوْجُودا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون. أَلا ترى أَن الْمَعْنى: وَلِأَن هَذِه أمتكُم ولكوني ربكُم فاتقون. انْتهى. وَهَذِه القصيدة هجو امرأةٍ من بني محَارب. حكى أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَن الْقطَامِي نزل فِي بعض) أَسْفَاره بِامْرَأَة من محَارب بن قيس فاستقراها فَقَالَت: أَنا من قومٍ يشتوون الْقد من الْجُوع. قَالَ: وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك قَالَت: محَارب. وَلم تقره فَبَاتَ عِنْدهَا بأشر لَيْلَة فَقَالَ هَذِه القصيدة وَمِنْهَا:

стр. 3047

الطَّوِيل (وَإِنِّي وَإِن كَانَ الْمُسَافِر نازلاً ... وَإِن كَانَ ذَا حق على النَّاس وَاجِب) (فَلَا بُد أَن الضَّيْف مخبر مَا رأى ... مخبر أهلٍ أَو مخبر صَاحب) (لمخبرك الأنباء عَن أم منزلٍ ... تضيفتها بَين العذيب فراسب) (تلفعت فِي طل وريحٍ تلفني ... وَفِي طرمساء غير ذَات كواكب) (فَمَا راعها إِلَّا بغام مطيتي ... تريح بمحسورٍ من الصَّوْت لاغب) (تَقول وَقد قربت كوري وناقتي: ... إِلَيْك فَلَا تذْعَر عَليّ ركائبي) (وجنت جنوناً من دلاثٍ مناخةٍ ... وَمن رجلٍ عاري الأشاجع شاحب) (فَسلمت وَالتَّسْلِيم لَيْسَ يسرها ... وَلكنه حق على كل جَانب) (فَردَّتْ سَلاما كَارِهًا ثمَّ أَعرَضت ... كَمَا انْحَازَتْ الأفعى مَخَافَة ضَارب) (فَقلت لَهَا: لَا تفعلي ذَا براكبٍ ... أَتَاك مصيبٍ مَا أصَاب فذاهب) (فَلَمَّا تنازعنا الحَدِيث سَأَلتهَا ... من الْحَيّ قَالَت: معشرٌ من محَارب) (من المشتوين الْقد مِمَّا تراهم ... جياعاً وريف النَّاس لَيْسَ بناضب) (فَلَمَّا بدا حرمانها الضَّيْف لم يكن ... عَليّ مناخ السوء ضَرْبَة لازب) (وَقمت إِلَى مهريةٍ قد تعودت ... يداها ورجلاها خبيب المواكب) ثمَّ وصف نَاقَته بِأَبْيَات وَقَالَ: (أَلا إِنَّمَا نيران قيسٍ إِذا شتوا ... لطارق ليلٍ مثل نَار الحباحب) والعذيب: مَاء أَسْفَل الرحبة. وراسب: قريبٌ مِنْهُ. والطل: الندى. والطرمساء بِالْكَسْرِ: الظلمَة.

стр. 3048

والحيزبون: الْعَجُوز. والبغام بِالضَّمِّ: صَوت تختلسه النَّاقة وَلَا تتمه. والمحسور: صوتٌ ضَعِيف. وتريح بِالضَّمِّ: تستريح. والكور بِالضَّمِّ: الرحل بأداته. والدلاث: بِالْكَسْرِ: النَّاقة. والأشاجع: عروق ظَاهر الْكَفّ. والجانب: الْغَرِيب.) ونار الحباحب بِالضَّمِّ: النَّار الَّتِي تظهر من قرع الحوافر. أَرَادَ أَنَّهَا ضَعِيفَة لَا يشعلونها خوفًا من الضَّيْف. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل (فَأَصْبَحت أَنى تأتها تبتئس بهَا ... كلا مركبيها تَحت رجليك شَاجر) على أَن أَنى فِيهِ شَرْطِيَّة مجرورة بِمن مضمرة أَي: من أَنى تأتها. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمِمَّا جَاءَ بأنى من الْجَزَاء قَول لبيد: قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ جزم تأتها ب أَنى لِأَن مَعْنَاهَا معنى أَيْن وَمَتى

стр. 3049

وَكِلَاهُمَا للجزاء. وتبتئس جزمٌ على جوابها. قَالَ أَبُو الْحسن الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد قَالَ الْأَصْمَعِي: لم أسمع أحدا يجازى بأنى وَأَظنهُ أَرَادَ أياً تأتها يُرِيد أَي جَانِبي هَذِه النَّاقة أَتَيْته وجدت مركبه تَحت رجلك شاجراً أَي: ينحيك ويدفعك لَا يطمئن تَحت رجلك. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَنى تأتها مجازاة يَقُول: من أَي جانبٍ أتيت هَذِه النَّاقة وجدت كلا مركبيها شاجراً دافعاً لَك. وتبتئس: يصبك مِنْهَا بؤسٌ. يَقُول: كَيْفَمَا ركبت مِنْهَا الْتبس عَلَيْك الْأَمر. وشاجرٌ: ملتبس. يُقَال: شَاجر مَا بَين الْقَوْم: إِذا اخْتلفُوا. وَيُقَال: شَجَره بِالرُّمْحِ إِذا دَفعه بِهِ وطعنه. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الشاجر: المفرق بَين رجلَيْهِ وَقد شجر بَين رجلَيْهِ إِذا فرق بَينهمَا إِذا ركب. انْتهى. وَهَذَا مَبْنِيّ على إرجاع الضمائر المؤنثة إِلَى النَّاقة المفهومة من الْمقَام. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن سَيّده فِي شرح أَبْيَات الْجمل. وَلم يرتضه اللَّخْمِيّ فِي شرحها. قَالَ: قد غلط ابْن سَيّده شَارِح الأبيات فِي الْبَيْت وَزعم أَنه يصف نَاقَة وَإِنَّمَا يصف داهيةً. وَلَو علم مَا قبله علم (لي النَّصْر مِنْكُم وَالْوَلَاء عَلَيْكُم ... وَمَا كنت فقعاً أنبتته القراقر) (وَأَنت فقيرٌ لم تبدل خَليفَة ... سواي وَلم يلْحق بنوك أصاغر) ) (فَقلت ازدجر أحناء طيرك واعلمن ... بأنك إِن قدمت رجلك عاثر) ...

стр. 3050

(وَإِن هوان الْجَار للْجَار مؤلمٌ ... وفاقرةٌ تأوي إِلَيْهَا الفواقر) فَأَصْبَحت أَنى تأتها ... ... ... ... . . الْبَيْت (فَإِن تتقدم تغش مِنْهَا مقدما ... غليظاً وَإِن أخرت فالكفل فَاجر) والفاقرة: الداهية الَّتِي تكسر فقار الظّهْر وَهِي الَّتِي يصف فِي الْبَيْت. شبهها بالدابة الشموس الَّتِي إِذا ركبهَا رمته عَن ظهرهَا. انْتهى. أَقُول: الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الفاقرة غير ثابتٍ فِي رِوَايَة الطوسي فَيجوز أَن يكون ابْن سَيّده تبعه. على أَن هَذَا لَا يُسمى غَلطا فَإِنَّهُ تَمْثِيل سَوَاء قيل داهية أَو نَاقَة أَو مركب. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه: الْعَرَب تشبه التنشب فِي العظائم بالركوب على المراكب الصعبة فَيَقُولُونَ: ركبت مني أمرا عَظِيما وَلَقَد ركبت مركبا صعباً وفلانٌ ركاب العظائم. وَنَحْوه قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل (لَئِن جد أَسبَاب الْتِقَاط بَيْننَا ... لترتحلن مني على ظهر شيهم) وروى: تشتجر بدل تبتئس قَالَ ابْن السَّيِّد: مَعْنَاهُ تشتبك ويروى: تَلْتَبِس وَمَعْنَاهُ كمعنى تشتجر. وشَاجر: مشتبك. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: تشتجر مَأْخُوذ من شجر الرَّاكِب إِذا خَالف بَين رجلَيْهِ فَرفع رجلا وَوضع أُخْرَى وَهِي ركبةٌ متهيئة للسقوط. ويروى: تبتئس من بؤس الْحَال. ويروى أَيْضا: تَلْتَبِس. ومركبيها: ناحيتيها اللَّتَيْنِ ترام مِنْهُمَا. وشاجر:

стр. 3051

مُضْطَرب. يَقُول: من ركبهَا فرقت بَين رجلَيْهِ فهوت بِهِ. ويروى: شاغر وَالْمعْنَى وَاحِد. يعتب عَمه عَامر بن مَالك ملاعب الأسنة وَكَانَ قد ضرب جاراً للبيدٍ بِالسَّيْفِ فَغَضب لبيد لذَلِك فَقَالَ الشّعْر الَّذِي تقدم يعدد بلاءه عِنْده. وَفِي الشّعْر مَا يدل على ذَلِك وَهُوَ: (من يَك عني جَاهِلا أَو مغمراً ... فَمَا كَانَ بدعاً من بلائي عَامر) (وَفِي كل يومٍ ذِي حفاظٍ بلوتني ... فَقُمْت مقَاما لم يقمه العواور) وكلا مُبْتَدأ وَالْخَبَر شَاجر. وتَحت رجليك مُتَعَلق بشاجر. وكلا عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسمٌ مفردٌ. انْتهى. وَقَوله: رجليك بالتثنية وَرُوِيَ بِالْإِفْرَادِ. قَالَ ابْن السَّيِّد: ويروى: رحلك والرحل للناقة مثل السرج للْفرس.)

стр. 3052

- والفاجر: المائل غير الْمُسْتَقيم. وَكَانَ للبيدٍ جارٌ من بني الْقَيْن قد لَجأ إِلَيْهِ واعتصم بِهِ فَضَربهُ عَمه بِالسَّيْفِ فَغَضب لذَلِك لبيد وَقَالَ يعدد على عَمه بلاءه عِنْده وينكر فعله بجاره. وَأنْشد الأبيات السَّابِقَة. وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: قَوْله فَأَصْبَحت أَنى تأتها أَي: مَتى أتيت هَذِه الَّتِي وَقعت فِيهَا تَلْتَبِس بهَا أَي: تَلْتَبِس بمكروهها شَرها. ويروى: تبتئس أَي: لَا يقربك النَّاس من أجلهَا. وكلا مركبي الخطة إِن تقدّمت أَو تَأَخَّرت شَاجر أَي: مُخْتَلف متفرق. والشاجر: الَّذِي قد دخل بعضه فِي بعض وَتغَير نظامه. وَأَرَادَ بالمركبين قادمة الرحل وآخرته. وعَلى هَذَا طَرِيق الْمثل. يَقُول: لَا تَجِد فِي الْأَمر الَّذِي تُرِيدُ أَن تعمله مركبا وطيئاً وَلَا رَأيا صَحِيحا أَي: موضعك إِن ركبت مِنْهُ آذَاك وَفرق بَين رجليك وَلم تثبت عَلَيْهِ وَلم تطمئِن. هَذَا كَلَامه. وَهَذَا بِحُرُوفِهِ هُوَ وَلم يُورد أَبُو الْحسن الطوسي سَبَب هَذِه القصيدة وعدتها عِنْده ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ بَيْتا. ولنذكر مَا شرح بِهِ الأبيات السَّابِقَة: قَوْله: من يَك عني جَاهِلا رَوَاهُ الطوسي: من كَانَ مني جَاهِلا. وَهَذَا أول القصيدة. يَقُول: من كَانَ يجهلني فَإِن عمي عَامِرًا يعرف بلائي. وبلاؤه: صَنِيعه وَعَمله. وعامر هُوَ ملاعب الأسنة. والمغمر: الْمَنْسُوب إِلَى الْغمر بِالضَّمِّ

стр. 3053

وَهُوَ الْجَهْل. والبدع بِالْكَسْرِ: كل حَدِيث أحدث أَي: لَيْسَ عامرٌ ببدعٍ من بلائي أَي: بِأول مَا عرف ذَلِك. وَقَوله: وَفِي كل يَوْم إِلَخ هُوَ الْبَيْت الرَّابِع عشر من القصيدة. والعواور: الْجُبَنَاء والضعفاء جمع عوار بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد. وَبعده قَوْله: لي النَّصْر مِنْكُم إِلَخ وَالرِّوَايَة عِنْد الطوسي: لي النَّصْر مِنْهُم وَالْوَلَاء عَلَيْكُم بالغيبة فِي الأول وَالْخطاب فِي الثَّانِي وَقَالَ: مِنْهُم أَي: من هَؤُلَاءِ الْمُلُوك وأردافهم الَّذين ذكرُوا.) وَالْوَلَاء عَلَيْكُم يَقُول: يوالوني عَلَيْكُم. والفقع: ضربٌ من الكمأة وَهُوَ شَرها. والقرقر كجعفر: الأَرْض المستوية. وَفِي الْمثل: أذلّ من فقع بقرقرٍ. يَقُول: لم أكن ذليلاً. وَقَوله: وَأَنت فَقير أَي: مُحْتَاج إِلَيّ. والخليفة هُنَا: خلفٌ يخلفه. يَقُول: أَنا خَلفك. وَلم يلْحق بنوك أَي: لم يكبروا لَهُ. وَقَوله: فَقلت ازدجر إِلَخ الأحناء: جمع حنو بِالْكَسْرِ وَهِي الجوانب. وَقَوْلهمْ: ازدجر أحناء طيرك أَي: نواحيه يَمِينا وَشمَالًا وأماماً وخلفاً. وَيُرِيد بالطير الخفة. قَالَه الْجَوْهَرِي وَأنْشد الْبَيْت. وَقَالُوا: أَرَادَ بذلك انْظُر فِيمَا تعمله أمخطىءٌ أَنْت فِيهِ أم مُصِيب وَقَالَ الطوسي: ازدجر: ازجر أحناء قَوْلك إِنَّمَا هَذَا مثل يَقُول: ازدجر: ازجر أحناء قَوْلك أَي: عَن يَمِين وشمال وعَلى أَي حَال شِئْت.

стр. 3054

يَقُول: إِن ركبت هَذَا الْأَمر الَّذِي قلت لَك فِيهِ ازدجر عثرت أَو مَعْنَاهُ انْظُر مَا عاقبته. وَقَوله: فَإِن تتقدم إِلَخ قَالَ الطوسي: مِنْهَا أَي: من هَذِه الَّتِي ذكر يَقُول: إِن تقدّمت تقدّمت على غلظٍ وَأمر صَعب لَيْسَ يسهل عَلَيْك وَإِن أخرت يَقُول: إِن رجعت. والكفل بِالْكَسْرِ: كساءٌ يَضَعهُ الرجل على ظهر الْبَعِير ثمَّ يركبه يتوقى الْعرق. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ كسَاء يركب بِهِ يدار حول سَنَام الْبَعِير ثمَّ يعْقد عقدا من خَلفه يكتفل بِهِ الرجل فيمسكه وَيجْعَل العقد من خلف السنام وَفَاجِر: مائل وَقيل: فاتحٌ لرجليك يفرج مَا بَينهمَا. يَقُول: فَكيف ركبت لم تجدها كَمَا تُرِيدُ. وَإِنَّمَا يُرِيد نَفسه أَي: إِنَّك إِن فقدتني لم تَجِد مثلي. وَهَذَا مثلٌ. انْتهى. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) الطَّوِيل (شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... مَتى لجج خضرٍ لَهُنَّ نئيج) على أَن مَتى عِنْد هُذَيْل حرف جر بِمَعْنى من أَو فِي أَو اسمٌ بِمَعْنى وسط.

стр. 3055

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: فِي قَوْله مَتى لججٍ قَولَانِ: قيل: أَرَادَ من لجج كَمَا قَالَ صَخْر الغي: الوافر مَتى أقطارها علقٌ نفيث أَرَادَ: من أقطارها. وَقيل: مَتى بِمَعْنى وسط. وَحكى أَبُو معاذٍ الهراء وَهُوَ من شُيُوخ الْكُوفِيّين: جعلته فِي مَتى كمي. انْتهى. ومَتى هُنَا فِيمَا نَقله أَبُو معاذٍ لَا تحْتَمل غير معنى وسط بِخِلَاف مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَن أبي زيد فَإِنَّهُ يحْتَملهُ وَيحْتَمل معنى فِي كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إِن مَتى عِنْد هُذَيْل اسمٌ مرادف للوسط وحرفٌ بِمَعْنى من أَو فِي. يَقُولُونَ: أخرجهَا مَتى كمه أَي: مِنْهُ. وَاخْتلف فِي قَول بَعضهم: وَضعته مَتى كمي فَقَالَ ابْن سَيّده: بِمَعْنى فِي وَقَالَ غَيره: بِمَعْنى وسط. وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي قَول أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ يصف السَّحَاب: شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... ... ... ... . . الْبَيْت فَقيل بِمَعْنى من وَقَالَ ابْن سَيّده: بِمَعْنى وسط. انْتهى. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِمَاء الْبَحْر قيل على بَابهَا وشربن مضمن معنى روين. وَقَالَ جمَاعَة: هِيَ للتَّبْعِيض مِنْهُم الْأَصْمَعِي وَابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب وَأَبُو عَليّ وَغَيره. وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب:

стр. 3056

الْبَاء زَائِدَة أَي: شربن مَاء الْبَحْر وَإِن كَانَ قد قيل إِن الْبَاء هُنَا بِمَعْنى فِي وَالْمَفْعُول مَحْذُوف مَعْنَاهُ شربن المَاء فِي جملَة الْبَحْر. وَفِي هَذَا التَّأْوِيل ضربٌ من الإطالة والبعد. وَقَالَ فِي سر الصِّنَاعَة أَيْضا: الْبَاء فِيهِ زَائِدَة إِنَّمَا مَعْنَاهُ شربن مَاء الْبَحْر. هَذَا هُوَ الظَّاهِر من الْحَال والعدول عَنهُ تعسف. وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ شربن من مَاء الْبَحْر فأوقع الْبَاء موقع من. انْتهى.) وَسَبقه الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: يشرب بهَا من سُورَة الدَّهْر قَالَ: يشرب بهَا وَقد أَنْشدني بَعضهم: شربن بِمَاء الْبَحْر ثمَّ ترفعت ... ... ... ... . . الْبَيْت وَمثله: إِنَّه ليَتَكَلَّم بِكَلَام حسنٍ وَيتَكَلَّم كلَاما حسنا. انْتهى. وَالْحَاصِل أَن فِي هَذِه الْبَاء أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا للتعدية. ثَانِيهَا: أَنَّهَا للتَّبْعِيض بِمَعْنى من. ثَالِثهَا: أَنَّهَا بِمَعْنى فِي. رَابِعهَا: أَنَّهَا زَائِدَة. وَهَذَا على مَا فِي كتب المؤلفين. وَأما الثَّابِت فِي شعر أبي ذُؤَيْب من رِوَايَة أبي بكر الْقَارئ وَغَيره فَهُوَ: ...

стр. 3057

(تروت بِمَاء الْبَحْر ثمَّ تنصبت ... على حبشياتٍ لَهُنَّ نئيج) قَالَ الْقَارئ: تروت: يَعْنِي الحناتم. وتنصيت: ارْتَفَعت. وَعلي حبشيات: على سحائب سود. ونئيج: مر سريع. وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا شَاهد فِي الْمَوْضِعَيْنِ. - وَالْبَيْت بعد مطلع قصيدةٍ لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ عدتهَا تسعةٌ وَعِشْرُونَ بَيْتا وَهَذَا مطْلعهَا عِنْد أبي بكر الْقَارئ وَأبي حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: قَالَ الْقَارئ: الحناتم: السَّحَاب فِي سوَاده. والحنتمة: الجرة الخضراء. شبه السَّحَاب بهَا. والحناتم: الجرار الْخضر. وثجيج: سَائل. انْتهى. وَقَالَ الدينَوَرِي: الحنتم من السَّحَاب: الْأَخْضَر وَهُوَ الْأسود. وثجيج: متدفق. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: الحناتم: سحابٌ سود وَاحِدهَا حنتم وأصل الحناتم جرار خضر وَلَكِن الْعَرَب تجْعَل كل أَخْضَر أسود وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك لِأَن الخضرة إِذا اشتدت صَارَت سواداً وَلذَلِك قَالُوا لِليْل: أَخْضَر. قَالَ ذُو الرمة: الْبَسِيط فِي ظلّ أَخْضَر يَدْعُو هامه البوم

стр. 3058

وَأم عمرٍ ومفعول مقدم وحناتم فَاعل مُؤخر وكل آخر لَيْلَة ظرف. قَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد أبدا. وَمثله: لَا أُكَلِّمك آخر اللَّيَالِي أَي: لَا أُكَلِّمك مَا بَقِي عَليّ من الزَّمن لَيْلَة.) والثج والثجيج: السَّيْل الشَّديد فَيجوز أَن يكون معنى ثجيج بِمَعْنى ثاج وَيجوز أَن يكون أَرَادَ ذُو ثجيج فَحذف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون أوقع الْمصدر موقع اسْم فَاعل مُبَالغَة فِي الْمَعْنى. قَالَه ابْن السَّيِّد. وَجعل الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي هَذَا الْبَيْت بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَقَالَ: (صَحا قلبه بل لج وَهُوَ لجوج ... وزالت بِهِ بالأنعمين حدوج) وَهَذَا الْبَيْت غير موجودٍ فِي القصيدة. وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: صبا صبوةً بل لج وَهُوَ لجوج وَأورد بعد أَرْبَعَة أبياتٍ أخر إِلَى قَوْله: سقى أم عَمْرو الْبَيْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ مطلعاً. وَلَيْسَت هَذِه الأبيات فِي تِلْكَ القصيدة وَلَا هِيَ من نسجها وَمَا أَدْرِي من أَيْن أَتَى بهَا. وَالله أعلم. وَقَوله: شربن بِمَاء الْبَحْر النُّون ضمير الحناتم. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: ضمير السحب. مَعَ أَنه لم يتَقَدَّم للسحب ذكر وَلَا فِي الأبيات الَّتِي جعلهَا أول القصيدة.

стр. 3059

قَالَ ابْن السَّيِّد: هذيلٌ كلهَا تصف أَن السَّحَاب تستقي من الْبَحْر ثمَّ تصعد فِي الجو. وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْحُكَمَاء من أَن السَّحَاب ينْعَقد من البخار أَعنِي الْأَجْزَاء الهوائية المائية المتحللة بالحرارة من الْأَشْيَاء الرّطبَة وَذَلِكَ أَن البخار الْمَذْكُور إِذا تصاعد وَلم يتلطف بتحليل الْحَرَارَة أجزاءه المائية حَتَّى يصير هَوَاء فَإِنَّهُ إِذا بلغ الطَّبَقَة الزمهريرية تكاثف فَاجْتمع سحاباً وتقاطر مَطَرا إِن لم يكن الْبرد شَدِيدا. واللجج: جمع لجة وَهُوَ مُعظم المَاء. ووصفها بخضر لصفائها يُقَال: مَاء أَخْضَر أَي: صافٍ. ونئيج: على فعيل مَهْمُوز الْعين: المر السَّرِيع بصوتٍ من نأجت الرّيح تنأج نئيجاً: تحركت فَهِيَ نؤوج. وللريح نئيج أَي: مر سريع. وَجُمْلَة: لَهُنَّ نئيج فِي مَوضِع الْحَال من فَاعل ترفعت الْعَائِد على حناتم بِمَعْنى سحائب. وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ من أَوَائِل الْكتاب. وأنشده بعده ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) الْبَسِيط (أَو راعيان لبعرانٍ شردن لنا ... كي لَا يحسان من بعراننا أثرا) على أَن كي فِيهِ بِمَعْنى كَيفَ أَو أَن أَصْلهَا كَيفَ فحذفت الْفَاء لضَرُورَة الشّعْر.

стр. 3060

وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولسوف يعطيك رَبك فترضى كَذَا: (من طَالِبين لبعرانٍ لنا رفضت ... كي لَا يحسون من بعراننا أثرا) قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَة عبد الله: ولسيعطيك رَبك فترضى وَالْمعْنَى وَاحِد إِلَّا أَن سَوف كثرت فِي الْكَلَام وَعرف موضعهَا فَترك مِنْهَا الْفَاء وَالْوَاو والحرف إِذا كثر فَرُبمَا فعل بِهِ ذَلِك كَمَا قيل: أيشٍ تَقول وكما قيل: قُم لَا أَبَاك وقم لَا بشانيك يُرِيدُونَ: لَا أَبَا لَك وَلَا أَبَا لشانئك. وَقد سَمِعت بَيْتا حذفت الْفَاء فِيهِ من كَيفَ قَالَ الشَّاعِر: من طَالِبين لبعرانٍ لنا رفضت ... ... ... ... . الْبَيْت أَرَادَ: كَيفَ لَا يحسون. وَهَذَا كَذَلِك. انْتهى. ونقلته من نسخةٍ صَحِيحَة بِخَط الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ صَاحب تَارِيخ بَغْدَاد. وَأنكر أَبُو عَليّ فِي البغداديات هَذَا وحتم أَن تكون كي فِيهِ بِمَعْنى اللَّام وَهَذِه عِبَارَته: أنْشد أَبُو بكر عَن ابْن الجهم عَن الْفراء: (من طَالِبين لبعرانٍ لَهُم شَردت ... كَيْمَا يحسون من بعرانهم خَبرا) قَالَ الْفراء: أَرَادَ كَيفَ فرخم. قَالَ أَبُو بكر: وَهَذَا خطأ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَبسطه أَن كَيفَ اسْم يمْتَنع ترخيمه من غير وَجه: أَحدهَا: أَنه اسْم ثلاثي والثلاثي لم يجِئ مرخماً إِلَّا مَا كَانَ ثالثه تَاء التَّأْنِيث.

стр. 3061

وَالْآخر: أَنه منكور والمنكور لَا يرخم كَمَا لَا يبْنى والترخيم أبعد من الْبناء فَإِن امْتنع بِنَاؤُه كَانَ ترخيمه أَشد امتناعاً أَيْضا فَإِن كَيفَ اسمٌ مَبْنِيّ مشابه للحروف والحذف إِنَّمَا يكون فِي الْأَسْمَاء المتمكنة وَالْأَفْعَال الْمَأْخُوذ مِنْهَا وَلَا يكون فِي الْحُرُوف. كَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا يكون فِيمَا غلب عَلَيْهِ شبهها وَصَارَ بذلك فِي حيزها. فَإِن أَرَادَ بالترخيم مَا يَسْتَعْمِلهُ النحويون فِي هَذَا النَّوْع من المنادى فَهُوَ غير منادًى وَإِن أَرَادَ بِهِ الْحَذف فَهُوَ غير سَائِغ.) فَإِن قلت: فقد قَالُوا: لد ولدن فحذفوا مِنْهُ وَهُوَ غير مُتَمَكن فَكَذَلِك يسوغ الْحَذف من كَيفَ. فَالْجَوَاب أَنه لَا يسوغ الْحَذف من حَيْثُ حذف من لدن وَذَلِكَ أَن لدن لما فتح مَا قبل النُّون مِنْهَا وَضم وَنصب الِاسْم بعْدهَا فِي قَوْلهم: لدن غدْوَة ضارع التَّنْوِين الزَّائِد فِي الِاسْم لاخْتِلَاف الْحَرَكَة قبلهَا وانتصاب الِاسْم بعْدهَا فَحسن لذَلِك حذفهَا كَمَا يحذف الزَّائِد. وَأَيْضًا فَإِن هَذَا الِاسْم يُضَاف فِي نَحْو قَوْلهم: لد الصَّلَاة وَيدخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ ويضاف إِلَى الْمُضمر والمظهر. وكل ذَلِك توسع فِيهَا لَيْسَ فِي كَيفَ مثله فيسوغ فِيهِ فِي دُخُول ذَلِك مَا لَا يسوغ فِي كَيفَ. وَأَيْضًا فَإِن النُّون شَدِيدَة المشابهة بحروف اللين. أَلا ترَاهَا تزاد فِي مَوَاضِع زيادتها وتلحق عَلامَة الْإِعْرَاب كَمَا يُزَاد مَا هُوَ مِنْهَا. وحذفوها فَاء فِي قَوْله:

стр. 3062

الطَّوِيل وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي وَفِي نَحْو: عموا ظلاما. فَحَذفهُ أسهل لذَلِك من حذف غَيره. وَلَو لم يكن فِي النُّون من هَذِه الْكَلِمَة مَا ذكرنَا لما كَانَ لحمل كَيفَ عَلَيْهِ مساغٌ مَا وجد لغيره مجَاز. فَإِن قلت: فَكيف وَجه الْبَيْت عنْدك فَالْقَوْل أَن كي على ضَرْبَيْنِ: تكون مرّة بِمَعْنى اللَّام وَذَلِكَ فِي قَوْلهم: كيمه. وَتَكون فِي معنى أَن فِي نَحْو: لكيلا تأسوا فَنَقُول: إِن كي فِي الْبَيْت هِيَ الَّتِي بِمَعْنى اللَّام فِيمَن قَالَ: كيمه دَخَلتهَا مَا كَافَّة فمنعتها الْعَمَل الَّذِي تعمله فارتفع الْفِعْل بعْدهَا لكف مَا لَهَا عَن الدُّخُول على الْفِعْل كَمَا كفت رب وَمن فِي قَوْلهم: مِمَّا أفعل وَرُبمَا يقوم. وَنَظِير هَذَا مَا أنشدناه عَن أبي الْحسن من قَوْله: الطَّوِيل (إِذا أَنْت لم تَنْفَع فضر فَإِنَّمَا ... يُرْجَى الْفَتى كَيْمَا يضر وينفع) فعلى هَذَا يحمل هَذَا الْبَيْت. انْتهى. وَهَذَا كُله تطويلٌ بِلَا طائل فَإِن رِوَايَة الْفراء الثَّابِتَة عَنهُ: كي لَا بِلَا النافية لَا بِمَا وَالتَّصَرُّف فِي الْحَرْف بالحذف وَغَيره ثابتٌ مَعَ أَنه خلاف الأَصْل فكونه فِي الِاسْم أولى وأحق. وَنَظِير حذف الْفَاء من كَيفَ حذفهَا من سَوف فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: سو أفعل وَالْأَصْل: سَوف أفعل.)

стр. 3063

- وَقد حذفت من على الحرفية اللَّام وَالْألف كَمَا قَالَ الشَّاعِر وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي آخر كِتَابه: الطَّوِيل طفت عُلَمَاء غزلة خَالِد وَالْأَصْل: على المَاء. وَالْمرَاد بالترخيم فِي نَحْو هَذَا التَّخْفِيف بالحذف وَهُوَ شائعٌ فِي كَلَامهم فَلَا وَجه للترديد بَين ترخيم المنادى وَغَيره. على أَن الْفراء إِنَّمَا عبر بالحذف لَا بالترخيم ومحصل كَلَامه إِنْكَار مَجِيء كي مخففاً من كَيفَ. وجمل كي فِي الْبَيْت على أَنَّهَا بِمَعْنى اللَّام بِمَعْرِِفَة مَا الكافة لَهَا عَن النصب على تَقْدِير صِحَة نَقله فِيمَا يصنع بقول الآخر قد أنْشدهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي كي وَفِي كَيفَ: الْبَسِيط (كي تجنحون إِلَى سلمٍ وَمَا ثئرت ... قَتْلَاكُمْ ولظى الهيجاء تضطرم) وَلَيْسَ بعْدهَا مَا وَالْمعْنَى على الِاسْتِفْهَام. وَلَعَلَّه يَقُول: إِن كي مَوْضُوعَة للاستفهام عَن حَال الشَّيْء بِمَعْنى كَيفَ إِلَّا أَنَّهَا مُخَفّفَة من كَيفَ كَمَا هُوَ مَذْهَب جمَاعَة وَحَكَاهُ الشَّارِح الْمُحَقق عَن الأندلسي.

стр. 3064

وَقَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل: وَفِي كَيفَ لُغَتَانِ قَالُوا: كَيفَ وكي قَالَ الشَّاعِر: قَالُوا: كي. هَا هُنَا بِمَعْنى كَيفَ استفهامٌ. وَقَالَ قوم: أَرَادَ: كَيفَ وَإِنَّمَا حذف الْفَاء تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا: سو أفعل وَالْمرَاد: سَوف أفعل. انْتهى. وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر صَاحب الْمُغنِي. وَالظَّاهِر أَن هَذَا من قبيل ضَرُورَة الشّعْر إِذْ لَو كَانَت كي مَوْضُوعَة للاستفهام لوردت فِي النثر ولدونت فِي كتب اللُّغَة كَسَائِر الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة. وَالْبَيْت الأول غير وَاضح الْمَعْنى وقائله غير مَعْرُوف وَمَا قبله مَجْهُول. والبعران بِالضَّمِّ: جمع بعير وَهُوَ فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة الرجل فِي الْإِنْسَان. وَالنُّون فِي شردن لِلْإِبِلِ لِأَنَّهَا جمَاعَة. وَرَوَاهُ ابْن يعِيش: شَردت بِالتَّاءِ مَعَ تَقْدِيم لنا عَلَيْهِ. ويحسان بِضَم الْيَاء: مضارع: أحس الرجل الشَّيْء إحساساً: علم بِهِ. وأثرا: مفعول بِهِ. وَرِوَايَة أبي عَليّ قريبةٌ من رِوَايَة الْفراء. وَقَوله: من طَالِبين هُوَ جمع مجرور بِمن. ورفضت بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة قَالَ فِي الْمِصْبَاح:) رفضت الْإِبِل من بَاب ضرب: تَفَرَّقت فِي المرعى. وَيَتَعَدَّى بِالْألف فِي الْأَكْثَر فَيُقَال: أرفضتها وَفِي لُغَة بِنَفسِهِ. وَقَائِل الْبَيْت الثَّانِي مجهولٌ أَيْضا. وَزعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ خدمَة الْمُغنِي أَنه من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِنِّي قد تصفحت أبياته

стр. 3065

مرَارًا فَلم أَجِدهُ فِيهَا. وتجنحون: تميلون. وَالسّلم بِكَسْر السِّين وَفتحهَا: الصُّلْح. وثئرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَقَتلَاكُمْ: نَائِب الْفَاعِل من ثأرت الْقَتِيل: طلبت دَمه وَقتلت قَاتله. والثأر مَهْمُوز. والهيجاء: الْحَرْب. وتضطرم: تلتهب. والجملتان حالان من الْوَاو فِي تجنحون. وأتعجب من الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: الشَّاهِد فِي كي فَإِنَّهُ بِمَعْنى كَيفَ وَهُوَ اسمٌ لَا شكّ فِيهِ ككيف لدُخُول حرف الْجَار عَلَيْهِ. انْتهى. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) الرمل (يَا أَبَا الْأسود لم أسلمتني ... لهموم طارقات وَذكر) على أَن لم مركبة من اللَّام ومَا الاستفهامية فَلَمَّا جرت بِاللَّامِ حذفت الْألف وسكنت الْمِيم كَمَا أَن كم مركبة من الْكَاف ومَا الاستفهامية. وَهَذَا قَول الْفراء فِي تَفْسِيره أوردهُ فِي شرح لَكِن من قَوْله تَعَالَى: وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ من سُورَة يُونُس قَالَ: ونرى أَن قَول الْعَرَب: كم مَالك أَنَّهَا مَا وصلت من أَولهَا بِالْكَاف ثمَّ إِن الْكَلَام كثر بكم حَتَّى حذفت الْألف من آخرهَا وسكنت ميمها كَمَا قَالُوا: لم قلت ذَاك وَمَعْنَاهُ: لم قلت ذَاك وَلما قلت ذَاك كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

стр. 3066

يَا أَبَا الْأسود لم أسلمتني ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي كَلَامه وَقيل: مذ كم قعد فلَان فَقَالَ: كمذ أخذت فِي حَدِيثك. فَرده الْكَاف فِي مذ يدل على أَن الْكَاف فِي كم زَائِدَة. وَإِنَّهُم ليقولون: كَيفَ أَصبَحت فَيَقُول: كالخير وكخير. وَقيل لبَعْضهِم: كَيفَ تَصْنَعُونَ الأقط فَقَالَ: كهينٍ. انْتهى. وَقَوله: لم قلت بِسُكُون الْمِيم ظَاهره أَنه جَائِز فِي الْكَلَام ير مَخْصُوص بالشعر وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمن الْعَرَب من يَقُول: لم فعلت بِإِسْكَان الْمِيم.) قَالَ ابْن مقبل: الوافر (أأخطل لم ذكرت نسَاء قيسٍ ... فَمَا روعن عَنْك وَلَا سبينَا) وَقَالَ آخر: (يَا أَبَا الْأسود لم خليتني ... لهمومٍ طارقاتٍ وَذكر) انْتهى. وَكَذَا فِي شرح الشافية للشَّارِح الْمُحَقق قَالَ: وَأما على مَه وَإِلَى مَه وَحَتَّى مَه ف مَا فِيهَا جُزْء مِمَّا قبلهَا لكَون مَا قبلهَا حروفاً فَلَا تستقل فَيجوز لَك الْوَقْف بِالْهَاءِ كَمَا ذكر وبسكون الْمِيم أَيْضا لكَون علام مثلا كغلام. قَالَ: يَا أَبَا الْأسود لم خليتني ... ... ... ... . . الْبَيْت انْتهى. فَقَوْل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِن تسكين الْمِيم بعد حذف الْألف

стр. 3067

مَخْصُوص بالشعر غير صَحِيح. وَقد تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة مَا يتَعَلَّق بِحَذْف ألف مَا الاستفهامية. وَقَوله: أسلمتني هُوَ من أسلم أمره لله وَسلم بِمَعْنى فوض أَو من أسلم الْأَجِير نَفسه للْمُسْتَأْجر: مكنه من نَفسه وَكَذَلِكَ سلم بِالتَّشْدِيدِ. وَيجوز أَن يكون من أسلمه بِمَعْنى خذله. وروى بدله: خليتني بِمَعْنى تَرَكتنِي. وروى أَيْضا: خلفتني قَالَ الدماميني: مَعْنَاهُ أخرتني. والهموم: الأحزان. والطروق: الْمَجِيء لَيْلًا. وَإِنَّمَا جعل الهموم طارقاتٍ لِأَن أَكثر مَا يعترى الْإِنْسَان فِي اللَّيْل حَيْثُ يجمع فكره ويخلو باله فيتذكر مَا هُوَ فِيهِ من الْأَحْوَال الموجعة والمصائب المؤلمة. وذكر بِكَسْر فَفتح قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: هُوَ جمع ذكرى على خلاف الْقيَاس لِأَن وَقَالَ الدماميني: هُوَ جمع ذكرى وَهُوَ نقيض النسْيَان. أَو جمع ذكرة بِمَعْنى ذكرى. وَهُوَ على الأول مَحْفُوظ وعَلى الثَّانِي مقيس. انْتهى. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: ذكرته بلساني وبقلبي ذكرى بالتأنيث وَكسر الذَّال وَالِاسْم ذكر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نَص عَلَيْهِ جماعةٌ مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة وَابْن قُتَيْبَة. وَأنكر الْفراء الْكسر فِي الْقلب وَقَالَ: اجْعَلنِي على ذكرٍ مِنْك بِالضَّمِّ لَا غير. وَلِهَذَا اقْتصر جمَاعَة عَلَيْهِ. وَيَتَعَدَّى بِالْألف والتضعيف فَيُقَال: أذكرته وذكرته مَا كَانَ فَتذكر. انْتهى.)

стр. 3068

وَالْبَيْت مَعَ كَثْرَة تداوله فِي كتب النَّحْو لَا يعرف قَائِله. وَالله أعلم. وأنشده بعده: الطَّوِيل (صريع غوانٍ راقهن ورقنه ... لدن شب حَتَّى شَاب سود الذوائب) على أَن لدن إِذا أضيفت إِلَى الْجُمْلَة تمحضت للزمان. هَذَا هُوَ التَّحْقِيق لبَقَاء حكم الْمُضَاف إِلَى الْجمل على وتيرة وَاحِدَة. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَلَا يُضَاف إِلَى الْجمل من ظروف الْمَكَان إِلَّا لدن وَحَيْثُ فتضاف إِلَى جملَة الِابْتِدَاء نَحْو: الطَّوِيل وتذكر نعماه لدن أَنْت يافعٌ لزمنا لدن ساءلتمونا وفاقكم وَجَاءَت أَن زَائِدَة بعْدهَا فِي قَوْله: الطَّوِيل وليت فَلم تقطع لدن أَن وليتنا قَالَ ابْن الدهان: وَلَا يُضَاف إِلَى الْجمل من ظروف الْمَكَان إِلَّا حَيْثُ وَحدهَا. ولدن شب على إِضْمَار أَن كَمَا صرح بِأَن فِي قَوْله: الطَّوِيل أَرَانِي لدن أَن غَابَ رهطي انْتهى. وَتقدم الْكَلَام على الْبَيْت قَرِيبا.

стр. 3069

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) الوافر (فَإِن الكثر أعياني قَدِيما ... وَلم أقتر لدن أَنِّي غُلَام) على أَن الْجُمْلَة الَّتِي بعد لدن يجوز تصديرها بِحرف مصدري. وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَنسبه كالشارح إِلَى عَمْرو بن حسان من بني الْحَارِث بن همام. وَقَالَ شَارِح أبياته ابْن اليرافي فِي قَوْله: فَإِن الكثر أعياني إِلَخ أَي: طلب الْغَنِيّ فِي أول أَمْرِي وَحين شَبَابِي فَلم أبلغ مَا فِي نَفسِي مِنْهُ وَمَعَ ذَلِك فَلم أكن فَقِيرا. فَلَا تَأْمُرنِي بِطَلَب المَال وَجمعه وَترك تفريقه فَإِنِّي لَا أبلغ نِهَايَة الْغنى بِالْمَنْعِ وَلَا أفتقر بالبذل. انْتهى. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الكثر بِالضَّمِّ من المَال: للكثير. يُقَال: مَا لَهُ قل وَلَا كثر. وَأنْشد الْبَيْت. وَقَالَ فِي قتر: وأقتر الرجل: افْتقر. وأنشده أَيْضا. وَقَالَ فِي عيي: وعييت بأَمْري إِذا لم تهتد لوجهه. وأعياني هُوَ. وأنشده أَيْضا وَقَالَ: يَقُول كنت متوسطاً لم أفتقر فقرا شَدِيدا وَلَا أمكنني جمع المَال الْكثير. ويروى: أعناني أَي: أذلني وأخضعني. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت يدل للشَّارِح الْمُحَقق على أَن لدن إِذا أضيفت إِلَى الْجُمْلَة تكون ظرف زمَان. وَهَذَا ظَاهر مِنْهُ.

стр. 3070

وَعَمْرو بن حسان: شاعرٌ صَحَابِيّ ذكره ابْن حجر فِي الْإِصَابَة. ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ) الرجز (طاروا علاهن فطر علاها ... وَاشْدُدْ بمثنى حقبٍ حقواها) على أَنه قد حُكيَ عَن قوم من الْعَرَب: لداك وإلاك وعلاك فَلم يقبلُوا الْألف يَاء مَعَ الْمُضمر فِي علاهن وعلاها وَفِي الْمثنى أَعنِي حقواها. وَكَانَ الْقيَاس: عَلَيْهِنَّ وَعَلَيْهَا وحقويها. قَالَ أَبُو حَاتِم فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد: هَذِه لُغَة بني بن كَعْب ولغتهم قلب الْيَاء الساكنة إِذا انْفَتح مَا قبلهَا ألفا يَقُولُونَ: أخذت الدرهمان وَالسَّلَام علاكم. انْتهى. وَسَيَأْتِي بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله فِي الْمثنى. قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: قَالَ الْمفضل: أَنْشدني أَبُو الغول لبَعض أهل الْيمن: (أَي قلوصٍ راكبٍ ترَاهَا ... طاروا عَلَيْهِنَّ فشل علاها) (وَاشْدُدْ بمثنى حقبٍ حقواها ... ناجيةٍ وناجياً أَبَاهَا) القلوص مُؤَنّثَة. علاها يُرِيد عَلَيْهَا وَهِي لُغَة بني الْحَارِث بن

стр. 3071

كَعْب. وَأما أَبَاهَا فَيمكن أَن يكون أَرَادَ أَبوهَا فجَاء بِهِ على لُغَة من قَالَ هَذَا أَبَاك فِي وزن هَذَا قفاك. وَكَذَا كَانَ الْقيَاس. وَأنْشد أَبُو زيد الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين من الْأَرْبَعَة فِي أَوَائِل النَّوَادِر ثمَّ قَالَ: وَأما أَبَاهَا يَعْنِي فِي الْبَيْت الرَّابِع فَيمكن أَن يكون أَرَادَ أَبوهَا فجَاء بِهِ على لُغَة من قَالَ: هَذَا أَبَاك فِي وزن هَذِه عصاك. وَكَذَا كَانَ الْقيَاس. وَقَالَ بَعضهم: وَلَكِن يُقَال أبٌ وَأَبَان كَقَوْلِك: يدٌ ويدان فَأَرَادَ الِاثْنَيْنِ. انْتهى. قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح النَّوَادِر: قَالَ أَبُو حَاتِم: سَأَلت أَبَا عُبَيْدَة عَن هَذِه الأبيات فَقَالَ: انقط عَلَيْهَا هَذَا من صَنْعَة الْمفضل. انْتهى. وَقَوله: أَي قلُوص راكبٍ بِإِضَافَة قلُوص إِلَى رَاكب وأَي استفهامية قصد بالاستفهام الْمَدْح والتعظيم وَقد اكْتسب التَّأْنِيث من قلُوص وَلِهَذَا أعَاد الضَّمِير عَلَيْهَا مؤنثاً. أَو فِيهِ قلبٌ وَالْأَصْل قلُوص أَي رَاكب ترَاهَا. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. وأَي: مَنْصُوب من بَاب الِاشْتِغَال وَيجوز الرّفْع على الِابْتِدَاء. والقلوص بِالْفَتْح: النَّاقة الشَّابَّة. وَقَوله: طاروا عَلَيْهِنَّ كَذَا فِي موضِعين من النَّوَادِر وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي: طاروا علاهن كالثاني. وطاروا يُقَال: طَار الْقَوْم أَي: نفروا مُسْرِعين. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.) وَرَوَاهُ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: شالوا علاهن وَقَالَ: شال الشَّيْء شولاً إِذا ارْتَفع. وَالْأَمر شل بِالضَّمِّ. وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وبالباء فَيُقَال أشلته وشلت بِهِ. وَقَول الْعَامَّة شلته بِالْكَسْرِ

стр. 3072

وَالظَّاهِر أَن المُرَاد ارتفعوا على إبلهم فارتفع عَلَيْهَا. وَلَا حَاجَة إِلَى ذكر الْمَفْعُول المعدى بِالْبَاء. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة طاروا فَإِن الْمَعْنى أَسْرعُوا مخفين. وَرِوَايَة الشَّارِح فطر علاها هِيَ صَاحب الصِّحَاح. والحقب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ حَبل يشد بِهِ الرحل إِلَى بطن الْبَعِير مِمَّا يَلِي ثيله أَي: ذكره كي لَا يجتذبه التصدير. تَقول مِنْهُ: أحقبت الْبَعِير. انْتهى. والْمثنى: مصدر ميمي من ثنيت الشَّيْء ثنياً ومثنًى إِذا عطفته أُرِيد بِهِ اسْم الْمَفْعُول أَي: الْمَعْطُوف ثَانِيًا. وحقواها: مثنى حقو بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَهُوَ الخصر ومشد الْإِزَار مثلا. وَقَول أبي زيد: إِن أَبَاهَا مثنى أَب حذفت النُّون للإضافة أَرَادَ أَبَاهَا وَأمّهَا فثني على التغليب. وَأنْشد الْجَوْهَرِي الأبيات فِي علا بِهَذَا التَّرْتِيب: (أَي قلوصٍ راكبٍ ترَاهَا ... فاشدد بمثنى حقب حقواها) (نَاجِية وناجياً أَبَاهَا ... طاروا علاهن فطر علاها)

стр. 3073

وَأنْشد بعده الهزج (فلولا نبل عوضٍ فِي ... حظباي وأوصالي) على أَن عوضا قد يسْتَعْمل لمُجَرّد الزَّمَان فيعرب. جعل الشَّارِح الْمُحَقق اسْتِعْمَاله لمُجَرّد الزَّمَان سَببا لإعرابه أَي: الزَّمَان الْمُجَرّد عَن الْعُمُوم والاستغراق بِأَن يكون نكرَة غير مضمن معنى الْإِضَافَة. فَإِن ضمنهَا بني على الضَّم كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامه. وَإِن أضيف لفظا أعرب. فَيكون لَهُ ثَلَاثَة استعمالات: الأول: مَا نكر بِأَن قطع عَن الْإِضَافَة لفظا وَمعنى كَمَا فِي الْبَيْت وَفِي قَوْلهم: من ذِي عوضٍ فيعرب جراً بِإِضَافَة شيءٍ إِلَيْهِ. وَلم يسمع نَصبه منوناً على الظَّرْفِيَّة. الثَّانِي: مَا حذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَضمن مَعْنَاهُ فيبني على الضَّم أَو أحد أَخَوَيْهِ نَحْو: لَا أَفعلهُ عوض وَالْأَصْل: عوض العائضين.) وَالثَّالِث: مَا أضيف لفظا كعوض العائضين. هَذَا مُقْتَضى كَلَامه وَهُوَ الْحق الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يحاد عَنهُ فَإِنَّهُ جمع شملها المتفرق فِي كتب النَّحْوِيين بإدخالها فِي حكم ظروف الْجِهَات. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَقد يُضَاف إِلَى العائضين أَو يُضَاف إِلَيْهِ فيعرب. وَأورد هَذَا

стр. 3074

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: هُوَ مُعرب إِن أضيف كَقَوْلِهِم: لَا أَفعلهُ عوض العائضين مَبْنِيّ على أحد الحركات إِن لم يضف. فَالْأول: يَشْمَل مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق لَكِن لَا بذلك الحكم. وَالثَّانِي: يَقْتَضِي بِنَاء نَحْو الْبَيْت على حَرَكَة وَلَا قَائِل بِهِ. وَالْعجب من ابْن الملا فَإِنَّهُ شرح كَلَام الْمُغنِي بِكَلَام الشَّارِح الْمُحَقق. وَقَالَ ابْن جني فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت من إِعْرَاب الحماسة: وَأما إعرابه فَلِأَنَّهُ اضْطر إِلَيْهِ كَمَا يضْطَر الشَّاعِر إِلَى صرف مَا لَا ينْصَرف. وَهُوَ مَبْنِيّ على الضَّم وَالْفَتْح. هَذَا كَلَامه. فَيُقَال لَهُ: أَي: ضَرُورَة فِي قَوْلهم: افْعَل ذَاك من ذِي عوض. وَأما شرَّاح الحماسة فالمفهوم من كَلَامهم أَنه مَبْنِيّ فِي الْبَيْت. وَلم يتَعَرَّضُوا لإعرابه بوجهٍ. قَالَ المرزوقي: عوض اسْم الدَّهْر معرفَة مَبْنِيّ وكما يبْنى على الْفَتْح قد يبْنى على الضَّم وَالضَّم فِيهِ حَكَاهُ الْكُوفِيُّونَ. وَيُقَال: لَا أَفعلهُ عوض العائضين. وَإِنَّمَا يبْنى لتَضَمّنه معنى الْألف وَاللَّام. انْتهى. وَقد سطرها الْخَطِيب التبريزي فِي شَرحه من غير زِيَادَة. وَأما الْأمين الطبرسي فَلم يزدْ على قَوْله: عوض من أَسمَاء الدَّهْر. وَهَذَا كُله مِمَّا يستغرب مِنْهُ. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَعوض فِي الأَصْل اسْم للزمان والدهر

стр. 3075

بل الأَصْل مصدر عاضني الله مِنْهُ عوضا بِفَتْح فَسُكُون وعوضاً بِكَسْر فَفتح وعياضاً بِالْكَسْرِ. كَذَا فِي الْعباب. فالعوض: كل إعطاءٍ يكون خلفا من شيءٍ. قَالَ ابْن جني فِي شرح الْبَيْت: إِنَّمَا سموا الدَّهْر عوضا لِأَنَّهُ من التعويض وَذَلِكَ أَنه كلما مضى جزءٌ من الدَّهْر خلف آخر من بعيده فَكَانَ الثَّانِي كالعوض من الأول. وَقد ذكرت هَذَا الْموضع فِي كتابي الموسوم بِكِتَاب التَّعَاقُب. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل: بل لِأَن الدَّهْر فِي زعمهم يستلب ويعوض.) وَقَوله أَيْضا: وَيُقَال افْعَل ذَلِك من ذِي عوض إِلَخ افْعَل يقْرَأ أمرا وخبراً وَالْمعْنَى افعله فِي زمانٍ ذِي تعويض أَي: فِي زمَان يكون عوضا من هَذَا الزَّمَان وَهُوَ الْمُسْتَقْبل. وأنف بِضَم الْألف وَالنُّون مَعْنَاهُ الِابْتِدَاء الْجَدِيد أَي: الإضافي بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبله. وَالْمعْنَى: افعله فِي زمَان ذِي ابتداءٍ متجدد وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يَتَجَدَّد بِانْقِضَاء مَا قبله كَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَة والأسبوع والشهر وَالسّنة. وَالْفِعْل مِنْهُ اسْتَأْنف استئنافاً. وَمِنْه حَدِيث ابْن عمر: إِنَّمَا الْأَمر أنفٌ أَي: يسْتَأْنف استئنافاً من غير أَن يكون سبق بِهِ سَابق قَضَاء وَتَقْدِير. وروضة أنفٌ أَي: مستجدة لم تطأها الْمَاشِيَة

стр. 3076

وَلم ترعها. وَمِنْه حَدِيث أبي ورجلٌ مئناف أَي: ترعى مَاشِيَته أنف الْكلأ. وكأس أنف: مستجدة للشُّرْب فِيهَا لم تسْتَعْمل قبل هَذَا الْوَقْت. وَقَوْلهمْ: فعله آنِفا بِالْمدِّ وَكسر النُّون من هَذَا أَيْضا وَهُوَ أول الزَّمَان الَّذِي أَنْت فِيهِ. وَيُقَال أَيْضا: افْعَل ذَاك من ذِي قبل بِفَتْح الْقَاف وَالْمُوَحَّدَة وَهُوَ اسْم مصدر لأقبل إقبالاً. أَي: فِي زمَان ذِي إقبال. وَفِي فصيح ثَعْلَب: لَا أُكَلِّمك إِلَى عشْرين ذِي قبل أَي: إِلَى عشر لَيَال من زمَان ذِي اسْتِقْبَال أَي: من مُسْتَقْبل الشَّهْر. وَالْبَيْت من أَبْيَات ثَمَانِيَة للفند الزماني أوردهَا أَبُو تَمام فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَفِي الحماسة وأولها: (أيا طعنة مَا شيخٍ ... كبيرٍ يفنٍ بالي) (تقيم المأتم الْأَعْلَى ... على جهدٍ وإعوال) (وَلَوْلَا نبل عوضٍ فِي ... حظباي وأوصالي) (لطاعنت صُدُور الخي ... ل طَعنا لَيْسَ بالآلي) وَقَوله: أيا طعنة إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي: أَرَادَ: يَا طعنة شيخ ومَا زَائِدَة وَهَذَا اللَّفْظ لفظ النداء وَالْمعْنَى معنى التَّعَجُّب والتفخيم أَرَادَ: مَا أهولها من طعنة وَيَا لَهَا من طعنة بدرت من شيخٍ كَبِير السن فَانِي القوى

стр. 3077

بالي الْجِسْم. واليفن: الشَّيْخ الْهَرم. وَيجوز أَن يكون المنادى محذوفاً وطعنة مَنْصُوب بِفعل مُضْمر كَأَنَّهُ أَرَادَ: يَا قوم اذْكروا طعنة شيخ. انْتهى.) وَقد بَين الْوَجْهَيْنِ أَبُو هِلَال العسكري فِي شرح الحماسة قَالَ: فِي ندائه وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يعجب من فظاعتها فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَلُمِّي يَا طعنة فاعجبي أَنْت أَيْضا من سعتك وهولك. وَالْآخر: أَن المنادى غير الطعنة كَأَنَّهُ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ اشْهَدُوا طعنةً لَا يطعن مثلهَا شيخٌ. وَإِنَّمَا قَالَ طعنة شيخ لِأَن قَبيلَة بكر قَالَت: وَمَا يُغني هَذَا العشمة وَذَلِكَ أَن عداد زمانٍ فِي بني حنيفَة وَكَانُوا اعتزلوا حَرْب بكر وتغلب حَتَّى كتب إِلَيْهِم الْحَارِث بن عباد يعنفهم فسرحوا إِلَيْهِم فنداً فِي سبعين رَاكِبًا وَكَتَبُوا إِلَيْهِم: إِنَّا أمددناكم بِمِائَة فَارس. قَالَ مؤرخ: أمددناكم بِأَلف رجل. فَقَالَت بكر: وَمَا يُغني هَذَا العشمة وَكَانَ شَيخا وَله مائَة وَعِشْرُونَ سنة. فَقَالَ: أما ترْضونَ أَن أكون لكم فنداً من أفناد حضن تلودون بِي فَأَرْسلُوهُ فِي الطَّلَائِع وَرجع وَلَيْسَ مَعَه رمحه فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ: طعنت بِهِ رجلا فأنفذته وَقَالَ مؤرج: كَانَ عَمْرو بن الرقبان التغلبي حمل على بكر فَمر على صبي عِنْد أمه فانتظمه برمحه وَحمله على رَأس الرمْح وصرخت أمه فَقَالَ: تحنني أم الرّبع. فَحمل عَلَيْهِ الفند فطعنه فأنفذه. وتزعم بكر أَنه طعنه وَخَلفه رديفٌ لَهُ فانتظمها. وَهَذَا مَشْهُور فِي بكر وتغلب أَعنِي

стр. 3078

طعنة عَمْرو وطعنة الفند وَقيل فِيهِ شعر مَصْنُوع قديم يَعْنِي هَذِه الأبيات. انْتهى. وَقَوله: تقيم المأتم إِلَخ قَالَ المرزوقي: هَذَا من وصف الطعنة كَأَنَّهُ كَانَ تنَاوله بهَا رَئِيسا فَلذَلِك وصف المأتم بالأعلى. والمأتم أَصله أَن يَقع على النِّسَاء يجتمعن فِي الْخَيْر وَالشَّر واشتقاقه من الأتم وَهُوَ الضَّم وَالْجمع وَمِنْه الأتوم وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي صَار مسلكاها مسلكاً وَاحِدًا. وَأَرَادَ بالمأتم هُنَا الِاجْتِمَاع للرزية وَهُوَ مصدرٌ وصف بِهِ. وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أهل المأتم فَحذف الْمُضَاف. والأعلى يُرَاد بِهِ الأفظع شَأْنًا. وَوصف الطعنة بِأَنَّهَا تقيم الْجمع على مجاهدة بلَاء وإسراف فِي الصياح والعواء أَي: تديم ذَلِك لَهُ. والعويل والعولة: صَوت الصَّدْر. انْتهى. وَقَالَ التبريزي: الإعوال: رفع الصَّوْت بالبكاء. وَقَوله: وَلَوْلَا نبل عوض إِلَخ أَجمعُوا فِي هَذَا الْموضع على أَن عوضا اسْم الدَّهْر وَقد شَذَّ بَعضهم فَقَالَ: عوضٌ: رجلٌ كَانَ يعْمل النبال جَيِّدَة فَشبه مَا ناله من نَوَائِب الزَّمَان بِإِصَابَة تِلْكَ وحظباي بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم. والحظبى بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الظَّاء المشالة والمعجمة) بعْدهَا مُوَحدَة مُشَدّدَة وَألف مَقْصُورَة قَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود: هُوَ الظّهْر. قَالَ: ووزنه فعلى وَلم يَأْتِ على هَذَا الْوَزْن إِلَّا الِاسْم دون الصّفة. وَقَالَ ابْن ولاد فِي الْمَقْصُور والممدود: هُوَ الصلب

стр. 3079

يَعْنِي ظهر الرجل. وَقَالَ أَبُو هِلَال العسكري فِي شَرحه: قَالَ أَبُو الندى: الحظبى: عرق فِي الظّهْر. وَقَالَ غَيره: الحظبى: عرق يَبْتَدِئ من الْقلب ويبدو عِنْد السُّرَّة ثمَّ يتشعب فتتفرق شعبه فِي الظّهْر يُسَمِّيه الْأَطِبَّاء: الشريان الْعَظِيم وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: الحظبى: صلب الرجل وَيُقَال: إِنَّه عرق فِي الظّهْر وَيُقَال: إِن الحظبى الْجِسْم وَفسّر بالمعاني الثَّلَاثَة هَذَا الْبَيْت. وَقَالَ أَبُو زيد: الحظنبى بالنُّون قبل الْمُوَحدَة وَأنْشد الْبَيْت فِي حظنباي. وَرَوَاهُ المرزوقي: فِي حضماتي وأوصالي بضمتي الْخَاء وَالضَّاد المعجمتين وَتَشْديد الْمِيم وَقبل يَاء الْمُتَكَلّم مثناة فوقية على أَنه جمع خضمة. قَالَ: والخضمة: مَا غلظ من السَّاق والذراع ويبدل من ميمه الْبَاء فَيُقَال: خضبة. وَالْمعْنَى: لَوْلَا رميات الدَّهْر فِي مفاصلي ومجامع أعضائي ومستغلظ عضدي وذراعي لَكَانَ تأثيري وبلائي فِي الْحَرْب أَكثر مِمَّا كَانَ ولشفعت تِلْكَ الظعنة وَلم أدعها وترا. انْتهى. وَقَالَ أَبُو هِلَال العسكري: ويروى: فِي أعالي يُرِيد انحناء ظَهره وتشنج جلده واضطراب خلقه وانحلال قواه. والأوصال: جمع وصل بِكَسْر الْوَاو وَسُكُون الصَّاد وَهُوَ الْمفصل. وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: الظّرْف الَّذِي هُوَ قَوْله فِي حظباي مُتَعَلق بِنَفس النبل لما فِيهَا من معنى الحدة والنفوذ كَقَوْل جرير:

стр. 3080

الطَّوِيل (تركت بِنَا لوحاً وَلَو شِئْت جادنا ... بعيد الْكرَى ثلجٌ بكرمان ناضج) علق بعيد الْكرَى بثلج لما فِيهِ من معنى الْبرد. وَلَا يجوز أَن يكون الظّرْف حَالا من نيل لِأَن أَبَا الْحسن منع اشْتِغَال الْحَال مَعَ لَوْلَا لِأَنَّهَا ضربٌ من الْخَبَر وَالْخَبَر هُنَا مَحْذُوف الْبَتَّةَ. وَيجوز أَن يكون خبر لمبتدأٍ مَحْذُوف أَي: هِيَ فِي حظباي فَيكون حظباي مُتَعَلقا بِمَحْذُوف. وَأما حظباي فَإِنَّهُ مُعظم بدنه وَهُوَ قَول أَحْمد بن يحيى وَهُوَ من قَوْلهم: رجل حظبٌ للجافي الغليظ. وحظبى فعلى كالحذرى والنذرى. وحظباتي بِالتَّاءِ خطأ. انْتهى. وَقَوله: لطاعنت صُدُور الْخَيل إِلَخ هَذَا جَوَاب لَوْلَا.: أَرَادَ بِالْخَيْلِ الفرسان أَي: لَوْلَا مَا) قدمت من الْعذر لدافعت بالطعن أَوَائِل الْخَيل طَعنا لَا تَقْصِير فِيهِ وَلَا قُصُور. وَخص الْأَوَائِل مِنْهُم لتقدمه. وَيجوز أَب يُرِيد بالصدور الرؤساء والأكابر. وهم يتبجحون بمجاذبة الْأَشْرَاف. (من عهد عادٍ كَانَ مَعْرُوفا لنا ... أسر الْمُلُوك وقتلها وقتالها)

стр. 3081

وكما استعملوا الصُّدُور فِي الأماثل والجلة استعملوا الأعجاز فِي الأراذل والسفلة وهذ كَمَا قَالُوا: الرؤوس والأذناب وكما قَالَ: الْبَسِيط وَمن يُسَوِّي بأنف النَّاقة الذنبا وَيُقَال: ألوت فِي الْأَمر آلو أَي: قصرت. وَجعل التَّقْصِير لِلطَّعْنِ على الْمجَاز. انْتهى. قَالَ ابْن جني: لَك فِي طَعنا وَجْهَان: إِن شِئْت حَملته على فعلٍ آخر دلّ عَلَيْهِ طاعنت كَأَنَّهُ قَالَ: طعنت طَعنا. وَإِن شِئْت حَملته على أَنه مصدر مَحْذُوف الزِّيَادَة أَي: طاعنت طَعنا أَو مطاعناً أَو طيعاناً على مَا جَاءَ فِي مصَادر مثله. والآلي: فَاعل من ألوت أَي: فترت وَقصرت. وَهَذَا من الْأَفْعَال الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي غير الْوَاجِب يُقَال: مَا أولت أفعل كَذَا وَلَا يُقَال: قد ألوت فِي حَاجَتك وَلَا نَحْو ذَلِك. وَهُوَ فِي الْفِعْل بِمَنْزِلَة أحدٍ وكريبٍ وكتيعٍ وَنَحْو ذَلِك. وَمثله: مَا زلت وَلنْ أَزَال وَمثله فِي أَكثر الْأَقْوَال: مَا رمت من موضعي أَي: مَا بَرحت. انْتهى بِاخْتِصَار. والفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون. وزمَان بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم. وَهُوَ شاعرٌ جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.

стр. 3082

هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين على أَن قطّ قد اسْتعْملت بِدُونِ النَّفْي لفظا لَا معنى. أما الأول فَلِأَنَّهَا وَقعت بعد هَل الاستفهامية وَالْفِعْل مَعَ الِاسْتِفْهَام غير منفي. وَأما الثَّانِي فَلِأَن المُرَاد من الِاسْتِفْهَام النَّفْي أَي: مَا رَأَيْت الذِّئْب قطّ. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَقَالَ ابْن مَالك: وَرُبمَا اسْتعْملت دون نفي لفظا وَمعنى أَو لفظا لَا معنى. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا ورد فِي الحَدِيث على عَادَته. انْتهى. أَرَادَ حَدِيث البُخَارِيّ: قَصرنَا الصَّلَاة فِي السّفر مَعَ النَّبِي ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ.) قَالَ الْكرْمَانِي فِي شرح البُخَارِيّ: فَإِن قلت: شَرط قطّ أَن تسْتَعْمل بعد النَّفْي. قلت: أَولا لَا نسلم ذَلِك فقد قَالَ الْمَالِكِي: اسْتِعْمَال قطّ غير مَسْبُوق بِالنَّفْيِ مِمَّا خَفِي على النُّحَاة وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث بِدُونِهِ وَله نَظَائِر. وَثَانِيا: أَنه بِمَعْنى أبدا على سَبِيل الْمجَاز وثالثاً: يُقَال إِنَّه مُتَعَلق بِمَحْذُوف منفي أَي: وَمَا كُنَّا أَكثر من ذَلِك قطّ. وَيجوز أَن تكون مَا نَافِيَة وَالْجُمْلَة: خبر الْمُبْتَدَأ وَأكْثر مَنْصُوبًا على أَنه خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: وَنحن

стр. 3083

مَا كُنَّا قطّ أَكثر منا فِي ذَلِك الْوَقْت. وَجَاز إِعْمَال مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى لَيْسَ. انْتهى. وَقَالَ الغرناطي: الَّذِي جوزه مُرَاعَاة لَفْظَة مَا فِي قَوْله: مَا كُنَّا قطّ وَإِن كَانَت غير نَافِيَة. وَقد تراعى الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي. انْتهى. وَإِلَيْهِ جنح ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: من إِعْطَاء الشَّيْء حكم الْمُشبه بِهِ فِي لَفظه دون مَعْنَاهُ قَول بعض الصَّحَابَة: قَصرنَا الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ. فأوقع قطّ بعد مَا المصدرية كَمَا تقع بعد مَا النافية. انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا فِي حَدِيث البُخَارِيّ: فصلى بأطول قيامٍ وركوع وَسُجُود رَأَيْته قطّ يَفْعَله من حَدِيث أبي مُوسَى فِي بَاب الذّكر فِي الْكُسُوف: فَإِن قلت: فِي بعض النّسخ: رَأَيْته بِدُونِ كلمة مَا فَمَا وَجهه قلت: إِمَّا أَن أطول فِيهِ معنى عدم الْمُسَاوَاة أَو قطّ بِمَعْنى حسب أَي: صلى فِي ذَلِك الْيَوْم فَحسب بأطول قيامٍ رَأَيْته يفعل أَو أَنه بِمَعْنى أبدا. انْتهى. وَقد استعملها الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمُسْتَقْبل قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَمنهمْ مقتصد: إِن ذَلِك الْإِخْلَاص الْحَادِث عِنْد الْخَوْف لَا يبْقى لأحد قطّ فأعمل فِيهِ لَا يبْقى وَهُوَ مضارع.

стр. 3084

قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَفْسِيره بعد نَقله كَثْرَة اسْتِعْمَال الزَّمَخْشَرِيّ قطّ ظرفا وَالْعَامِل فِيهِ غير مَاض: وَقَالَ الحريري فِي درة الغواص: قَوْلهم: لَا ُأكَلِّمهُ قطّ هُوَ من أفحش الْخَطَأ لتعارض مَعَانِيه وتناقض الْكَلَام فِيهِ. وَذَلِكَ أَن الْعَرَب تسْتَعْمل لَفْظَة قطّ فِيمَا مضى من الزَّمَان كَمَا تسْتَعْمل لَفْظَة أبدا فِيمَا يسْتَقْبل فَيَقُولُونَ: مَا كَلمته قطّ وَلَا ُأكَلِّمهُ أبدا. وَالْمعْنَى فِي قَوْلهم مَا كَلمته قطّ أَي: فِيمَا انْقَطع من عمري لِأَنَّهُ من قططت الشَّيْء إِذا قطعته. وَمِنْه قطّ الْقَلَم أَي: قطع طرفه. وَفِيمَا يُؤثر من شجاعة عَليّ ﵁ أَنه كَانَ إِذا اعتلى قد وَإِذا اعْترض قطّ. فالقد: قطع الشَّيْء طولا والقط: قطعه عرضا. انْتهى.) وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَالْقَوَاعِد قَالَ: والعامة تَقول: لَا أَفعلهُ قطّ. وَهُوَ لحن. وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن جمَاعَة فِي شرح الْقَوَاعِد بِأَنَّهُ غير صَحِيح وغايته اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ فَيكون مجَازًا لَا لحناً. وَجعله من اللّحن عَجِيب إِذْ لَا خلل فِي إعرابه. وَلَيْسَ بشيءٍ لِأَن اللّحن بِمَعْنى مُطلق الْخَطَأ. وهم كثيرا مَا يستعملونه بِهَذَا الْمَعْنى. فَإِن قلت: إِذا اسْتعْمل الْعَرَب

стр. 3085

لفظا فِي مَحل مَخْصُوص كقط بعد نفي الْمَاضِي وكافة حَالا مُنكرَة أَو فِي معنى مَخْصُوص كالغزالة للشمس فِي أول النَّهَار فَهَل مخالفتهم فِي ذَلِك جَائِزَة أم لَا وعَلى تَقْدِير الْجَوَاز هَل يكون حَقِيقَة أَو مجَازًا وعَلى الثَّانِي أُجِيب بِأَن الَّذِي يظْهر من كَلَامهم وتخطئة من خالفهم أَنه غير جَائِز. فَإِن قيل بِجَوَازِهِ فَالظَّاهِر أَنه مجَاز مُرْسل من اسْتِعْمَال الْمُقَيد فِي الْمُطلق إِلَّا أَنه لَا يظْهر فِي كَافَّة وَنَحْوهَا كالظروف الَّتِي لَا تتصرف فَإِن مَعْنَاهَا لم يتَغَيَّر وَإِنَّمَا يتَغَيَّر إعرابها وَإِن وَقع مثله فِي مَكَان التَّقْصِير. كَذَا فِي شرح الدرة لشَيْخِنَا الخفاجي. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وقط لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِمَعْنى أبدا ظَاهره أَن أبدا ظرف للماضي وَلم أره بِهَذَا الْمَعْنى. الْمَوْجُود فِي الصِّحَاح والعباب والقاموس: الْأَبَد: الدَّهْر والأبد: الدَّائِم. بل قَالَ الرماني كَمَا فِي الْمِصْبَاح: الْأَبَد: الدَّهْر الطَّوِيل الَّذِي لَيْسَ بمحدود. فَإِذا قلت: لَا ُأكَلِّمهُ أبدا فالأبد من لدن تَكَلَّمت إِلَى آخر عمرك. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَمِمَّا يسْتَعْمل ظرفا فِي الْمُسْتَقْبل أبدا. تَقول: مَا أصحبك أبدا وَلَا تَقول مَا صحبتك أبدا. وَجعله السمين ظرفا مُطلقًا قَالَ: أبدا ظرف زمَان يَقع للقليل وَالْكثير مَاضِيا كَانَ أَو مُسْتَقْبلا. تَقول: مَا فعلته أبدا. وَقَالَ الرَّاغِب: هُوَ عبارةٌ عَن مُدَّة الزَّمَان الممتد الَّذِي لَا يتَجَزَّأ كَمَا يتَجَزَّأ الزَّمَان. وَذَلِكَ أَنه يُقَال زمَان كَذَا وَلَا يُقَال أَبَد كَذَا. انْتهى.
следующие страницы →