Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
وكما استعملوا الصُّدُور فِي الأماثل والجلة استعملوا الأعجاز فِي الأراذل والسفلة وهذ كَمَا قَالُوا: الرؤوس والأذناب وكما قَالَ: الْبَسِيط وَمن يُسَوِّي بأنف النَّاقة الذنبا وَيُقَال: ألوت فِي الْأَمر آلو أَي: قصرت. وَجعل التَّقْصِير لِلطَّعْنِ على الْمجَاز. انْتهى.
قَالَ ابْن جني: لَك فِي طَعنا وَجْهَان: إِن شِئْت حَملته على فعلٍ آخر دلّ
عَلَيْهِ طاعنت كَأَنَّهُ قَالَ: طعنت طَعنا. وَإِن شِئْت حَملته على أَنه مصدر مَحْذُوف الزِّيَادَة أَي: طاعنت طَعنا أَو مطاعناً أَو طيعاناً على مَا جَاءَ فِي مصَادر مثله.
والآلي: فَاعل من ألوت أَي: فترت وَقصرت. وَهَذَا من الْأَفْعَال الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي غير الْوَاجِب يُقَال: مَا أولت أفعل كَذَا وَلَا يُقَال: قد ألوت فِي حَاجَتك وَلَا نَحْو ذَلِك. وَهُوَ فِي الْفِعْل بِمَنْزِلَة أحدٍ وكريبٍ وكتيعٍ وَنَحْو ذَلِك. وَمثله: مَا زلت وَلنْ أَزَال وَمثله فِي أَكثر الْأَقْوَال: مَا رمت من موضعي أَي: مَا بَرحت. انْتهى بِاخْتِصَار. والفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون. وزمَان بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم. وَهُوَ شاعرٌ جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
стр. 3082
هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين على أَن قطّ قد اسْتعْملت بِدُونِ النَّفْي لفظا لَا معنى.
أما الأول فَلِأَنَّهَا وَقعت بعد هَل الاستفهامية وَالْفِعْل مَعَ الِاسْتِفْهَام غير منفي.
وَأما الثَّانِي فَلِأَن المُرَاد من الِاسْتِفْهَام النَّفْي أَي: مَا رَأَيْت الذِّئْب قطّ.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَقَالَ ابْن مَالك: وَرُبمَا اسْتعْملت دون نفي لفظا وَمعنى أَو لفظا لَا معنى. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا ورد فِي الحَدِيث على عَادَته. انْتهى.
أَرَادَ حَدِيث البُخَارِيّ: قَصرنَا الصَّلَاة فِي السّفر مَعَ النَّبِي ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ.)
قَالَ الْكرْمَانِي فِي شرح البُخَارِيّ: فَإِن قلت: شَرط قطّ أَن تسْتَعْمل بعد النَّفْي. قلت: أَولا لَا نسلم ذَلِك فقد قَالَ الْمَالِكِي: اسْتِعْمَال قطّ غير مَسْبُوق بِالنَّفْيِ مِمَّا خَفِي على النُّحَاة وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث بِدُونِهِ وَله نَظَائِر.
وَثَانِيا: أَنه بِمَعْنى أبدا على سَبِيل الْمجَاز وثالثاً: يُقَال إِنَّه مُتَعَلق بِمَحْذُوف منفي أَي: وَمَا كُنَّا أَكثر من ذَلِك قطّ. وَيجوز أَن تكون مَا نَافِيَة وَالْجُمْلَة: خبر الْمُبْتَدَأ وَأكْثر مَنْصُوبًا على أَنه خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: وَنحن
стр. 3083
مَا كُنَّا قطّ أَكثر منا فِي ذَلِك الْوَقْت. وَجَاز إِعْمَال مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى لَيْسَ. انْتهى.
وَقَالَ الغرناطي: الَّذِي جوزه مُرَاعَاة لَفْظَة مَا فِي قَوْله: مَا كُنَّا قطّ وَإِن كَانَت غير نَافِيَة. وَقد تراعى الْأَلْفَاظ دون الْمعَانِي. انْتهى.
وَإِلَيْهِ جنح ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: من إِعْطَاء الشَّيْء حكم الْمُشبه بِهِ فِي لَفظه دون مَعْنَاهُ قَول بعض الصَّحَابَة: قَصرنَا الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ. فأوقع قطّ بعد مَا المصدرية كَمَا تقع بعد مَا النافية. انْتهى.
وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا فِي حَدِيث البُخَارِيّ: فصلى بأطول قيامٍ وركوع وَسُجُود رَأَيْته قطّ يَفْعَله من حَدِيث أبي مُوسَى فِي بَاب الذّكر فِي الْكُسُوف: فَإِن قلت: فِي بعض النّسخ: رَأَيْته بِدُونِ كلمة مَا فَمَا وَجهه قلت: إِمَّا أَن أطول فِيهِ معنى عدم الْمُسَاوَاة أَو قطّ بِمَعْنى حسب أَي: صلى فِي ذَلِك الْيَوْم فَحسب بأطول قيامٍ رَأَيْته يفعل أَو أَنه بِمَعْنى أبدا. انْتهى.
وَقد استعملها الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمُسْتَقْبل قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَمنهمْ مقتصد: إِن ذَلِك الْإِخْلَاص الْحَادِث عِنْد الْخَوْف لَا يبْقى لأحد قطّ فأعمل فِيهِ لَا يبْقى وَهُوَ مضارع.
стр. 3084
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَفْسِيره بعد نَقله كَثْرَة اسْتِعْمَال الزَّمَخْشَرِيّ قطّ ظرفا وَالْعَامِل فِيهِ غير مَاض: وَقَالَ الحريري فِي درة الغواص: قَوْلهم: لَا ُأكَلِّمهُ قطّ هُوَ من أفحش الْخَطَأ لتعارض مَعَانِيه وتناقض الْكَلَام فِيهِ. وَذَلِكَ أَن الْعَرَب تسْتَعْمل لَفْظَة قطّ فِيمَا مضى من الزَّمَان كَمَا تسْتَعْمل لَفْظَة أبدا فِيمَا يسْتَقْبل فَيَقُولُونَ: مَا كَلمته قطّ وَلَا ُأكَلِّمهُ أبدا.
وَالْمعْنَى فِي قَوْلهم مَا كَلمته قطّ أَي: فِيمَا انْقَطع من عمري لِأَنَّهُ من قططت الشَّيْء إِذا قطعته. وَمِنْه قطّ الْقَلَم أَي: قطع طرفه. وَفِيمَا يُؤثر من شجاعة عَليّ ﵁ أَنه كَانَ إِذا اعتلى قد وَإِذا اعْترض قطّ. فالقد: قطع الشَّيْء طولا والقط: قطعه عرضا. انْتهى.)
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَالْقَوَاعِد قَالَ: والعامة تَقول: لَا أَفعلهُ قطّ. وَهُوَ لحن.
وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن جمَاعَة فِي شرح الْقَوَاعِد بِأَنَّهُ غير صَحِيح وغايته اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ فَيكون مجَازًا لَا لحناً. وَجعله من اللّحن عَجِيب إِذْ لَا خلل فِي إعرابه. وَلَيْسَ بشيءٍ لِأَن اللّحن بِمَعْنى مُطلق الْخَطَأ. وهم كثيرا مَا يستعملونه بِهَذَا الْمَعْنى.
فَإِن قلت: إِذا اسْتعْمل الْعَرَب
стр. 3085
لفظا فِي مَحل مَخْصُوص كقط بعد نفي الْمَاضِي وكافة حَالا مُنكرَة أَو فِي معنى مَخْصُوص كالغزالة للشمس فِي أول النَّهَار فَهَل مخالفتهم فِي ذَلِك جَائِزَة أم لَا وعَلى تَقْدِير الْجَوَاز هَل يكون حَقِيقَة أَو مجَازًا وعَلى الثَّانِي أُجِيب بِأَن الَّذِي يظْهر من كَلَامهم وتخطئة من خالفهم أَنه غير جَائِز. فَإِن قيل بِجَوَازِهِ فَالظَّاهِر أَنه مجَاز مُرْسل من اسْتِعْمَال الْمُقَيد فِي الْمُطلق إِلَّا أَنه لَا يظْهر فِي كَافَّة وَنَحْوهَا كالظروف الَّتِي لَا تتصرف فَإِن مَعْنَاهَا لم يتَغَيَّر وَإِنَّمَا يتَغَيَّر إعرابها وَإِن وَقع مثله فِي مَكَان التَّقْصِير. كَذَا فِي شرح الدرة لشَيْخِنَا الخفاجي.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وقط لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِمَعْنى أبدا ظَاهره أَن أبدا ظرف للماضي وَلم أره بِهَذَا الْمَعْنى. الْمَوْجُود فِي الصِّحَاح والعباب والقاموس: الْأَبَد: الدَّهْر والأبد: الدَّائِم. بل قَالَ الرماني كَمَا فِي الْمِصْبَاح: الْأَبَد: الدَّهْر الطَّوِيل الَّذِي لَيْسَ بمحدود. فَإِذا قلت: لَا ُأكَلِّمهُ أبدا فالأبد من لدن تَكَلَّمت إِلَى آخر عمرك.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَمِمَّا يسْتَعْمل ظرفا فِي الْمُسْتَقْبل أبدا. تَقول: مَا أصحبك أبدا وَلَا تَقول مَا صحبتك أبدا.
وَجعله السمين ظرفا مُطلقًا قَالَ: أبدا ظرف زمَان يَقع للقليل وَالْكثير مَاضِيا كَانَ أَو مُسْتَقْبلا.
تَقول: مَا فعلته أبدا.
وَقَالَ الرَّاغِب: هُوَ عبارةٌ عَن مُدَّة الزَّمَان الممتد الَّذِي لَا يتَجَزَّأ كَمَا يتَجَزَّأ الزَّمَان. وَذَلِكَ أَنه يُقَال زمَان كَذَا وَلَا يُقَال أَبَد كَذَا. انْتهى.
стр. 3086
وَأنْشد بعده الطَّوِيل
(وَلَوْلَا دفاعي عَن عفاقٍ ومشهدي ... هوت بعفاق عوض عنقاء مغرب)
على أَن عوضا الْمَبْنِيّ قد يسْتَعْمل للمضي وَمَعَ الْإِثْبَات لفظا. فَإِن هوت مَاض مُثبت وَهُوَ)
عَامل فِي عوض لكنه منفي معنى لكَونه جَوَاب لَوْلَا. وَمن الْمَعْلُوم أَن جوابها يَنْتَفِي لثُبُوت شَرطهَا نَحْو: لَوْلَا زيد لأكرمتك فالإكرام منتفٍ لوُجُود زيد.
وَأما عوض فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم فِي قَوْله: وَلَوْلَا نبل عوضٍ فقد اسْتعْملت فِي الْإِثْبَات لخروجها عَن الظَّرْفِيَّة. وَلِهَذَا جرت وَكَانَ عاملها اسْما.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَرُبمَا جَاءَت عوض للمضي بِمَعْنى قطّ قَالَ: الطَّوِيل فَلم أر عَاما عوض أَكثر هَالكا وَقَالَ أَبُو زيد أَيْضا فِي نوادره: تَقول: مَا رَأَيْت مثله عوض.
стр. 3087
وَمِنْه تعلم سُقُوط قَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح: لَا يجوز أَن تَقول عوض مَا فارقتك.
وَقد تبع صَاحب الصِّحَاح جماعةٌ مِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ قَالَ فِي الْمفصل: وقط وَعوض وهما لزماني الْمُضِيّ والاستقبال على سَبِيل الِاسْتِغْرَاق وَلَا يستعملان إِلَّا فِي مَوضِع النَّفْي.
وَمِنْهُم صَاحب اللّبَاب وَعبارَته عبارَة الْمفصل بِعَينهَا.
وعفاق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء: اسْم جماعةٍ مِنْهُم عفاق بن الْمَسِيح بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة ابْن بشر بن أَسمَاء بن عَوْف بن ريَاح بن ربيعَة بن غوث بن شمخ بن فَزَارَة الْفَزارِيّ. وَكَانَ عفاق على شرطة الْخَمِيس مَعَ عَليّ بن أبي طَالب. وَكَانُوا يعرضون يَوْم الْخَمِيس أَو يجمعُونَ يَوْم الْخَمِيس.
وَالْمَشْهُور مِمَّن اسْمه عفاق هُوَ عفاق بن مري بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء ابْن سَلمَة بن قُشَيْر الْقشيرِي. كَانَ جاور باهلة فِي سنة قحط فَأَخذه الأحدب بن عَمْرو بن جَابر بن عمار بن عبد الْعُزَّى الْبَاهِلِيّ فشواه وَأكله.
وَله يَقُول الشَّاعِر: الرجز
(إِن عفاقاً أَكلته باهله ... تمششوا عِظَامه وكاهله)
وَتركُوا أم عفاق ثاكله
стр. 3088
وعير الفرزدق كفهم عَن باهلة حِين لم يثأروا بِهِ فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا عامرٌ خصيي عفاقٍ تقلدت ... بأعناقها واللؤم تَحت العمائم)
وَقَالَ غَيره: الوافر
(فَلَو كَانَ الْبكاء يرد شَيْئا ... بَكَيْت على بجيرٍ أَو عفاق))
وَهَذَا من شَوَاهِد النَّحْوِيين أوردهُ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة وَقَالَ: على المرأين بدل من قَوْله: على بجير.
أوردهُ صَاحب اللّبَاب على أَن أَو بِمَعْنى الْوَاو فِي قَوْله: أَو عفاق وَلَوْلَا أَنَّهَا بِمَعْنى الْوَاو لقيل على الْمَرْء. والمشهد: مصدر شهِدت الْمجْلس أَي: حَضرته. وهوت قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: هوى يهوي من بَاب ضرب أَيْضا هوياً بِضَم الْهَاء لَا غير إِذا ارْتَفع.
قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل يهوي مخارمها هوي الأجدل وهوت الْعقَاب تهوي هوياً بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا: انْقَضتْ على صيد أَو غَيره مَا لم ترغه فَإِذا أراغته قيل: أهوت لَهُ بِالْألف. والإراغة: ذهَاب الصَّيْد هَكَذَا وَهَكَذَا وَهِي تتبعه. وَهوى يهوي من بَاب ضرب أَيْضا هوياً بِضَم
стр. 3089
الْهَاء وَفتحهَا وَزَاد ابْن الْقُوطِيَّة هَوَاء بِالْمدِّ: سقط من أَعلَى إِلَى أَسْفَل. قَالَه أَبُو زيد وَغَيره.
قَالَ الشَّاعِر: الوافر هوي الدَّلْو أسلمها الرشاء وَهوى يهوي: مَاتَ أَو سقط فِي مهواةٍ من شرف هوياً وهوياً وهواءً بِالْمدِّ. والمهواة بِالْفَتْح: مَا وعنقاء: مؤنث أعنق وَهُوَ الطَّوِيلَة الْعُنُق.
قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: العنقاء: الداهية يُقَال: حلقت بِهِ عنقاء مغرب وطارت بِهِ العنقاء.
وأصل العنقاء طائرٌ عَظِيم مَعْرُوف الِاسْم مَجْهُول الْجِسْم.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب الطير: وَأما العنقاء المغربة فالداهية وَلَيْسَت من الطير الَّتِي علمناها.
يُقَال: ضربت عَلَيْهِ العنقاء المغربة إِذا أَصَابَهُ بلَاء.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: عنقاء مغربٌ كلمةٌ لَا أصل لَهَا يُقَال: إِنَّهَا طَائِر عَظِيم لَا يرى إِلَّا فِي الدهور ثمَّ كثر حَتَّى سموا الداهية عنقاء مغرب. قَالَ: الطَّوِيل
(وَلَوْلَا سُلَيْمَان الْخَلِيفَة حلقت ... بِهِ من يَد الْحجَّاج عنقاء مغرب)
اه. ومغرب: اسْم فَاعل من أغرب الرجل فِي الْبِلَاد إِذا بعد فِيهَا بإمعان وَهُوَ وصف عنقاء.
وَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّهُ على النِّسْبَة أَي: ذَات إغراب.)
وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي هَذِه الْمَادَّة: وعنقاء مغرب بِلَا هَاء. والعنقاء الْمغرب: الداهية وَأَصلهَا طَائِر مَعْرُوف الِاسْم مَجْهُول الْجِسْم وَيُقَال لهَذَا الطَّائِر
стр. 3090
بِالْفَارِسِيَّةِ سيمرغ هَكَذَا يكتبونه مَوْصُولا وَالْأَصْل أَن يكْتب: سي مرغ مَفْصُولًا وَمَعْنَاهُ ثَلَاثُونَ طائراً. يُقَال: حلقت بِهِ عنقاء مغرب أنْشد أَبُو مَالك: الطَّوِيل
(وَقَالُوا: الْفَتى ابْن الأشعرية حلقت ... بِهِ الْمغرب العنقاء إِن لم يسدد)
وَقَالَ: العنقاء الْمغرب فِي هَذَا الْبَيْت هِيَ رَأس الأكمة. وَأنكر أَن يكون طائراً. وَالَّذِي قَالَ العنقاء الْمغرب طَائِر قَالَ: هِيَ الَّتِي أغربت فِي الْبِلَاد فنأت وَلم تحس وَلم تَرَ. وحذفت هَاء التَّأْنِيث كَمَا قَالُوا: لحيةٌ ناصل وناقة ضامر وَامْرَأَة عاشق ذَهَبُوا بهَا إِلَى النّسَب أَي: ذَات نصول وَذَات ضمر وَذَات عشق. وَأغْرب فِي الْبِلَاد: أمعن فِيهَا. وَأغْرب الرجل فِي مَنْطِقه إِذا لم يبْق شَيْئا إِلَّا تكلم بِهِ.
وَأغْرب الْفرس فِي جريه وَهُوَ غَايَة الْإِكْثَار مِنْهُ. وَأغْرب الرجل إِذا بَالغ فِي الضحك حَتَّى تبدو غرُوب أَسْنَانه. انْتهى.
وَكَذَلِكَ أجَاب الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله عَن تذكير الْوَصْف قَالَ: ومغرب كَقَوْلِهِم: لحية ناصل وناقة ضامر على مذهبي الْخَلِيل وسيبويه.
وَبِهَذَا يُجَاب ابْن هِشَام فِي سُؤَاله عَن صِحَة الْوَصْف بمغرب فَإِنَّهُ قَالَ فِي بعض تعليقاته: لينْظر فِي عنقاء مغرب لم ذكر الْوَصْف وعنقاء فعلاء وفعلاء مؤنث دَائِما.
وَيسْقط جَوَاب عبد الله الدنوشري بِأَنَّهُ إِنَّمَا لم تطابق الصّفة الْمَوْصُوف فِي التَّأْنِيث اعْتِبَارا بِالْمَعْنَى إِذْ هِيَ بِمَعْنى الطَّائِر. وَوجه السُّقُوط أَن العنقاء أَكثر اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى الداهية وَهِي
стр. 3091
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: ذكر الْفَارِسِي أَنه يُقَال عنقاء مغرب على الصّفة وعَلى الْإِضَافَة حَكَاهُ فِي التَّذْكِرَة.
وَقَالَ غَيره: من جعل مغرباً صفة لعنقاء فَهِيَ الَّتِي لَهَا إغرابٌ فِي الطيران. وَيُقَال: مغربة ذكره أَبُو حَاتِم وَصَاحب الْعين. وَمن أضَاف العنقاء إِلَى الْمغرب فالمغرب الرجل الَّذِي يَأْتِي بالغرائب يُقَال: أغرب الرجل إِذْ أَتَى بالغرائب. انْتهى.
فَتَأمل معنى الْإِضَافَة.
وَفِي الْقَامُوس: والعنقاء الْمغرب بِالضَّمِّ وعنقاء مغربٌ ومغربةٌ ومغربٍ مُضَافَة طَائِر مَعْرُوف الِاسْم لَا الْجِسْم أَو طَائِر عَظِيم يبعد فِي طيرانه أَو من الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على غير معنى والداهية)
وَرَأس الأكمة. انْتهى.
فالمغرب ومغرب وصفٌ للعنقاء وعنقاء تعريفاً وتنكيراً بالتأويل الْمَذْكُور. ومغربة وصف لعنقاء مُنْكرا وَالْوَصْف مُطَابق. وَأما عنقاء مغرب بِإِضَافَة عنقاء إِلَى مغرب فَالظَّاهِر أَنه من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا بِفَتْح الْمِيم فَإِنَّهُ نقل صَاحب حَيَاة الْحَيَوَان عَن بَعضهم أَن العنقاء طَائِر عِنْد مغرب
الشَّمْس أَبيض لَهُ بيضٌ كالجبال. وعَلى هَذَا لَا إِشْكَال وَتَكون الْإِضَافَة من قبيل شَهِيد كربلاء.
وَأما قَوْله: من الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على غير معنى وَهِي عبارَة الدَّمِيرِيّ أَيْضا فقد عسر فهمه على بعض الْفُضَلَاء لِأَن الْجمع بَين قَوْله الدَّالَّة وَقَوله على غير معنى
стр. 3092
كالجمع بَين الضَّب وَالنُّون.
فَلَو قَالَ من الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا معنى لَهَا كَانَ وَاضحا.
وَأجِيب بِأَن فِي عِبَارَته صفة محذوفة أَي: على غير معنى خارجي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله عِنْد قَوْلهم: طارت بِهِ عنقاء مغرب: زَعَمُوا أَنَّهَا طَائِر كَانَ على عهد حَنْظَلَة بن صَفْوَان الجميري نَبِي أهل الرس عَظِيم الْعُنُق.
وَقيل: كَانَ فِي عُنُقه بَيَاض وَلذَلِك سمي عنقاء. وَكَانَ أحسن طَائِر خلقه الله فاختطف غُلَاما فأغرب بِهِ وَلذَلِك سمي الْمغرب فَدَعَا عَلَيْهِ حَنْظَلَة فَرمي بصاعقة. انْتهى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان: هُوَ طَائِر غريبٌ تبيض بيضًا كالجبال وتبعد فِي طيرانها سميت بذلك لِأَنَّهُ كَانَ فِي عُنُقهَا بَيَاض كالطوق.
وَقَالَ الْقزْوِينِي: إِنَّه أعظم الطير جثة وأكبرها خلقَة تخطف الْفِيل كَمَا تخطف الحدأة الفأر وَكَانَت قَدِيما بَين النَّاس فتأذوا مِنْهَا إِلَى أَن سلبت يَوْمًا عروساً بحليها فَدَعَا عَلَيْهَا حَنْظَلَة النَّبِي فَذهب الله بهَا إِلَى بعض جزائر الْبَحْر الْمُحِيط وَرَاء خطّ الاسْتوَاء وَهِي جزيرةٌ لَا يصل إِلَيْهَا النَّاس وفيهَا حَيَوَان كثير كالفيل والكركند والجاموس والببر وَالسِّبَاع وجوارح الطير.
وَعند طيرانها يسمع أَجْنِحَتهَا دوِي كَدَوِيِّ الرَّعْد القاصف والسيل وتعيش ألفي سنة وتزاوج إِذا مضى لَهَا خَمْسمِائَة عَام.
وَقَالَ العكبري فِي شرح المقامات: كَانَ لأهل الرس جبلٌ
стр. 3093
شامخ فِيهِ طيور
شَتَّى مِنْهَا العنقاء وَهِي طَائِر عَظِيم الْخلق طَوِيل الْعُنُق وَوَجهه وَجه إِنْسَان من أحسن الطير شكلاً. وَكَانَت تَأْكُل الطير فَجَاءَت مرّة فَأخذت صَبيا ثمَّ جَارِيَة فاشتكوها لنبيهم حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَدَعَا)
عَلَيْهَا حَنْظَلَة فَذَهَبت وَانْقطع نسلها. وَقيل أصابتها صَاعِقَة فاحترقت.
وَكَانَ حَنْظَلَة فِي زمن الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد ﷺ َ وَسميت العنقاء لطول عُنُقهَا.
وَقيل: إِنَّهَا كَانَت فِي زمن مُوسَى. وَقيل: إِن النَّبِي الَّذِي دَعَا عَلَيْهَا خَالِد بن سِنَان. وَفِي الْمثل: كالعنقاء تسمع بهَا وَلَا ترى كالغول. وَالْمرَاد عدم رؤيتها بعد الانقراض الْمَذْكُور.
وَسميت مغرباً بزنة اسْم الْفَاعِل من أغرب لِأَنَّهَا كَانَت تَجِيء بالغرائب. وَقد وَقع اسْتِعْمَالهَا فِي هَذَا الْمثل بِدُونِ الْوَصْف وَمِنْه يعلم جَوَاز اسْتِعْمَالهَا بِدُونِ الْوَصْف. كَقَوْل الشَّاعِر: الْكَامِل
(لما رَأَيْت بني الزَّمَان وَمَا بهم ... خل وَفِي للشدائد أصطفي)
(فَعلمت أَن المستحيل ثلاثةٌ: ... الغول والعنقاء والخل الوفي)
...
стр. 3094
(وَإِذا السَّعَادَة أحرستك عيونها ... نم فالمخاوف كُلهنَّ أَمَان)
(واصطد بهَا العنقاء فَهِيَ حبالةٌ ... واقتد بهَا الجوزاء فَهِيَ عنان)
وَقَالَ غَيره: الْبَسِيط
(الْخلّ والغول والعنقاء ثالثةٌ ... أَسمَاء أَشْيَاء لم تُوجد وَلم تكن)
وَبِه يضمحل قَول بَعضهم: إِن هَذَا الشّعْر لَيْسَ بتركيب صَحِيح لعدم وصف العنقاء.
وَقَالَ: ظَاهر كَلَامهم انحصار الِاسْتِعْمَال فِيمَا ذكر فَلَا يُقَال العنقاء بِلَا وصف وَلَا يُوصف بِغَيْر مَا ذكر وَلَا يُقَال أَيْضا عنقاء مُنْكرا بِلَا وصف. هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن الْوَصْف لَيْسَ بلازمٍ عرفت أَو نكرت. وَأما عدم الْوَصْف بِغَيْر الإغراب فَلِأَنَّهَا لَا يعلم من حَالهَا غير هَذَا لكَونهَا مَجْهُولَة عِنْد النَّاس. وَلَو عرف شيءٌ من أحوالها غير الإغراب لوصفت بِهِ. وَالله أعلم.
وَذكر الدَّمِيرِيّ أَن الْعقَاب تسمى عنقاء مغرب لِأَنَّهَا تَأتي من مكانٍ بعيد. وَبِهَذَا فسر قَول أبي الْعَلَاء المعري: الوافر
(أرى العنقاء تكبر أَن تصادا ... فعاند من تطِيق لَهُ عنادا)
стр. 3095
وَأنْشد بعده الطَّوِيل
(رضيعي لبانٍ ثدي أم تقاسما ... بأسحم داجٍ عوض لَا نتفرق))
على أَن أَكثر مَا تسْتَعْمل عوض مَعَ الْقسم أَي: تكون من متعلقات
جَوَاب الْقسم فعوض مُتَعَلق بنتفرق أَي: لَا نتفرق أبدا.
فَإِن قلت: لَا النافية مَعَ جَوَاب الْقسم لَهَا الصَّدْر تمنع من عمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا فَكيف تعلق عوض بِمَا بعد لَا الْوَاقِع جَوَابا لتقاسما قلت: أجَازه ابْن هِشَام فِي آخر النَّوْع الثَّانِي عشر من الْجِهَة السَّادِسَة من الْبَاب الْخَامِس من الْمُغنِي: قَالَ: وَأما قَوْله تَعَالَى: وَيَقُول الْإِنْسَان أئذا مَا مت لسوف أخرج حَيا فَإِن إِذا ظرف لأخرج وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيم الظّرْف على لَام الْقسم لتوسعهم فِي الظروف.
وَمِنْه قَوْله: عوض لَا نتفرق أَي: لَا نتفرق أبدا. وَلَا النافية لَهَا الصَّدْر فِي جَوَاب الْقسم.
انْتهى.
وَظَاهر كَلَام الشَّارِح هُنَا جَوَازه لكنه شَرط عِنْد الْكَلَام على حُرُوف الْقسم من حُرُوف الْجَرّ لجَوَاز تقدمه أَن تكون الْجُمْلَة القسمية
стр. 3096
وَلأَجل إِفَادَة عوضٍ فَائِدَة الْقسم قد يقدم على عَامله قَائِما مقَام الْجُمْلَة القسمية وَإِن كَانَ عَامله مقترناً بِحرف يمْنَع عمله فِيمَا تقدمه كنون التوكيد وَاعْترض الدماميني كَلَام ابْن هِشَام بِأَنَّهُ نَص فِي فصل إِذا على أَن التَّوَسُّع فِي الظّرْف بالتقديم فِي مثل قَوْله: الرجز وَنحن عَن فضلك مَا استغنينا
خَاص بالشعر فَكيف سَاغَ لَهُ تَخْرِيج الْآيَة على ذَلِك وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْكَلَام على عوض: قيل إِنَّهَا ظرف لنتفرق. وَاسْتَشْكَلَهُ الدماميني هُنَاكَ بِأَن لَا مانعةٌ من الْعَمَل. ثمَّ نقل كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق فِي حُرُوف الْقسم وَقَالَ: فَيمكن أَن يكون لَا نتفرق جَوَاب قسم مَحْذُوف وعوض سد مسده. لكنه خلاف الظَّاهِر لِأَن جملَة الْقسم مَذْكُورَة. وَأَجَازَ التَّعْلِيق ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل من غير شَرط قَالَ: أَكثر اسْتِعْمَال عوض فِي الْقسم تَقول: عوض لَا أُفَارِقك أَي: لَا أُفَارِقك أبدا وَقَوله: عوض لَا نتفرق أبدا. انْتهى.
وَكَذَلِكَ أجَازه ابْن جني وشارح اللّبَاب وَغَيره. وَهُوَ الصَّحِيح
стр. 3097
وَيُؤَيِّدهُ قَول الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح: اعْلَم أَنه إِذا كَانَ مَعْمُول جَوَاب الْقسم ظرفا أَو جاراً ومجروراً جَازَ تَقْدِيمه عَلَيْهِ كَقَوْلِه: عوض لَا نتفرق. وَإِلَّا فَلَا يجوز فِي: وَالله لَأَضرِبَن زيدا أَن يُقَال: وَالله زيدا لَأَضرِبَن.)
وَجعل الشَّارِح الْمُحَقق عوض ظرفا فِي نَحْو: الْبَيْت هُوَ الصَّحِيح. وَزعم بَعضهم أَن عوض فِيهِ قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَاخْتلف فِي قَول الْأَعْشَى: رضيعي لبانٍ ثدي أم ... ... ... ... . . الْبَيْت فَقيل ظرف لنتفرق. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: قسم وَهُوَ اسْم صنم كَانَ لبكر بن وَائِل بِدَلِيل قَوْله: الوافر
(حَلَفت بمائراتٍ حول عوضٍ ... وأنصابٍ تركن لَدَى السعير)
والسعير: اسْم صنمٍ كَانَ لعنزة. انْتهى.
وَلَو كَانَ كَمَا زعم لم يتَّجه بِنَاؤُه فِي الْبَيْت. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام.
وَوَجهه أَن الشَّاعِر حلف بالدماء المائرات أَي: الْجَارِيَات على وَجه الأَرْض حول
عوض. وَمن عَادَة الْمُشْركين كَانُوا يذبحون ذَبَائِح لأصنامهم فلولا أَن عوضا صنمٌ لما ذبح لَهُ شيءٌ وَلما حلف بالدماء الَّتِي حوله تَعْظِيمًا لَهُ. وَيدل أَيْضا على كَونه صنماً ذكره مَعَ السعير وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ كَمَا فِي الْقَامُوس
стр. 3098
وَغَيره خلافًا لما يُوهِمهُ كَلَام الصِّحَاح.
وَالْبَيْت قَالَه رشيد بن رميض بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا الْعَنزي. كَذَا فِي الْعباب للصاغاني. وَزَاد بعده:
(أجوب الأَرْض دهراً إِثْر عمرٍ و ... وَلَا يلقى بساحته بَعِيري)
وَمَا نَقله ابْن هِشَام عَن ابْن الْكَلْبِيّ مسطورٌ كَذَلِك فِي الصِّحَاح فِي عوض. وَقد راجعت كتاب الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ وَهُوَ أَبُو الْمُنْذر هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ فَلم أر فِيهِ ذكر عوض وَلَا ذكر صنماً لبكر بن وَائِل مَعَ أَنه ذكر أصنام الْقَبَائِل وَسبب عبادتها وَكَيف أزالها النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ كتاب جيد فِي بَابه جمع فِيهِ فأوعى.
وَكَذَا لم أر لَهُ ذكرا فِي كتاب أَيْمَان الْعَرَب تأليف أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الله النجيرمي جمع فِيهِ أَلْفَاظ أَيْمَانهم بأصنامهم وَغَيرهَا. وَهُوَ أَيْضا كتابٌ لعباداتهم جيد فِي بَابه.
وَالْمَذْكُور فِي كتاب الْأَصْنَام إِنَّمَا هُوَ السعير وَحده لَا مَعَ عوض قَالَ وَكَانَ لعنزة صنم يُقَال لَهُ: سعير فَخرج ابْن أبي حلاسٍ الْكَلْبِيّ على
стр. 3099
نَاقَته فمرت بِهِ
وَقد عترت عِنْده عنزة فنفرت نَاقَته مِنْهُ فَأَنْشد يَقُول: الْكَامِل
(نفرت قلوصي من عتائر صرعت ... حول السعير تزوره ابْنا يقدم))
(وجموع يذكر مهطعين جنابه ... مَا إِن يحير إِلَيْهِم بتكلم)
قَالَ أَبُو الْمُنْذر: يقدم وَيذكر ابْنا عنزة. فَرَأى بني هَؤُلَاءِ يطوفون حول السعير. انْتهى.
وَذكر ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وَفِي أَبْيَات الْجمل وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ وَغَيره كالصاغاني أَن عوضا كَانَ صنماً لبكر بن وَائِل. وَلم يسْندهُ إِلَى أحد وَقَالَ: أَصله أَن يكون وَقَالَ الصَّاغَانِي: قَالَ اللَّيْث: عوض كلمة تجْرِي مجْرى الْقسم وَبَعض النَّاس يَقُول: هُوَ الدَّهْر وَالزَّمَان.
يَقُول الرجل لصَاحبه: عوض لَا يكون ذَاك أبدا. فَلَو كَانَ عوض اسْما للزمان لجرى بِالتَّنْوِينِ وَلكنه حرف يُرَاد بِهِ الْقسم كَمَا أَن أجل وَنعم وَنَحْوهمَا مِمَّا لم يتَمَكَّن فِي التصريف حمل على غير الْإِعْرَاب. انْتهى.
وَالْقَوْل بِأَنَّهُ حرفٌ لَا اسمٌ واهٍ جدا. وَقَول ابْن هِشَام لم يتَّجه بِنَاؤُه فِي الْبَيْت يُرِيد أَنه فِيهِ مَبْنِيّ على الضَّم بِنَاء الظروف المقطوعة عَن الْإِضَافَة. وَلَو كَانَ اسْما للصنم كَمَا زعم لأعرب كَمَا أعرب فِي قَوْله:
стр. 3100
حَلَفت بمائراتٍ حول عوضٍ وَكَانَ الْوَاجِب حِينَئِذٍ إِمَّا جَرّه بواو الْقسم أَو نَصبه بحذفها بِالتَّنْوِينِ فيهمَا لِأَنَّهُ عِنْد هَذَا الْقَائِل مقسم بِهِ. وَجُمْلَة: لَا نتفرق جَوَابه وَالْإِعْرَاب
منتفٍ فَيَنْتَفِي كَونه اسْما وَيثبت ظرفيته للجواب وَالْجَوَاب إِنَّمَا هُوَ لتقاسما.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: رُوِيَ قَول الْأَعْشَى عوض لَا نتفرق بِالْفَتْح وَالضَّم أَي: لَا نتفرق أبدا. وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن عوض هَا هُنَا قسم وَأَن لَا نتفرق إِنَّمَا هُوَ جَوَابه. وَلَيْسَ الْأَمر عندنَا كَذَلِك وَإِنَّمَا قَوْله لَا نتفرق جَوَاب تقاسما كَقَوْل تَعَالَى: تقاسموا بِاللَّه لنبيتنه. أَي: تحَالفا على ذَلِك. انْتهى.
وَكَذَلِكَ قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: إِنَّه ظرف قَالَ قَرَأت على أبي بكر بن دُرَيْد: الطَّوِيل
(فَلم أر عَاما عوض أَكثر هَالكا ... وَوجه غلامٍ يسترى وَغُلَامه)
عوض: اسْم معرفَة وَهُوَ اسمٌ للدهر يضم وَيفتح. والبصريون يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ. وَمثله قَول الْأَعْشَى: عوض لَا نتفرق ... الْبَيْت أَي: لَا نتفرق الدَّهْر.)
وَبِمَا ذكرنَا من وجوب إعرابه يعرف ضعف الْوُجُوه الثَّلَاثَة الَّتِي قَالَهَا ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وأبيات الْجمل. وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ
стр. 3101
قَالَ: من جعل عوض اسْم صنم جَازَ فِي إعرابه ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر كَأَنَّهُ قَالَ: عوض قسمنا الَّذِي نقسم بِهِ.
وَجَاز أَن يكون فِي مَوضِع نصب على أَن تقدر فِيهِ حرف الْجَرّ وتحذفه كَقَوْلِك: يَمِين الله لَأَفْعَلَنَّ.
وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع خفضٍ على إِضْمَار حرف الْقسم. وَهُوَ أَضْعَف الْوُجُوه.
وَمن وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون تقدم أبياتٌ من أَولهَا فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْحَال وَتقدم أَيْضا بغضها من أَولهَا فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين بعد الثلثمائة من بَاب الضَّمِير.
وَهَذِه أبياتٌ مِمَّا يَليهَا وَهُوَ أول المديح:
(لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ ... إِلَى ضوء نارٍ فِي يفاعٍ تحرق)
(تشب لمقرورين يصطليانها ... وَبَات على النَّار الندى والمحلق)
(رضيعي لبانٍ ثدي أم تقاسما ... بأسحم داجٍ عوض لَا نتفرق)
(ترى الْجُود يجْرِي ظَاهرا فَوق وَجهه ... كَمَا زَان متن الهندواني رونق)
(يَدَاهُ يدا صدقٍ فَكف مبيدةٌ ... وكف إِذا مَا ضن بِالْمَالِ تنْفق)
...
стр. 3102
(وَأما إِذا مَا الْمحل سرح مَالهم ... ولاح لَهُم وَجه العشيات سملق)
(نفى الذَّم عَن آل المحلق جفنةٌ ... كجابية الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ تفهق)
(ترى الْقَوْم فِيهَا شارعين ودونهم ... من الْقَوْم ولدانٌ من النَّسْل دردق)
(يروح فَتى صدقٍ وَيَغْدُو عَلَيْهِم ... بملء جفانٍ من سديفٍ تدفق)
وَبَقِي بعد هَذَا أَكثر من ثَلَاثِينَ بَيْتا.
روى شَارِح ديوانه مُحَمَّد بن حبيب وَصَاحب الأغاني والرياشي وَغَيرهم: أَن الْأَعْشَى كَانَ يوافي سوق عكاظ فِي كل سنة وَكَانَ المحلق الممدوح واسْمه عبد الْعُزَّى بن حنتم بن شَدَّاد من بني عَامر بن صعصعة مئناثاً مملقاً فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: يَا أَبَا كلابٍ مَا يمنعك من التَّعَرُّض لهَذَا الشَّاعِر فَمَا رَأَيْت أحدا مدحه إِلَّا رَفعه وَلَا هجا أحدا إِلَّا وَضعه وَهُوَ رجل مفوه مجدود)
الشّعْر وَأَنت رجلٌ كَمَا علمت خامل الذّكر ذُو بَنَات فَإِن سبقت النَّاس إِلَيْهِ فدعوته إِلَى الضِّيَافَة رَجَوْت لَك حسن الْعَاقِبَة.
قَالَ: وَيحك مَا عندنَا إِلَّا ناقةٌ نَعِيش بهَا. قَالَت: إِن الله يخلفها عَلَيْك. قَالَ: لَا بُد لَهُ من شراب. قَالَت: إِن عِنْدِي ذخيرةً لي ولعلي أجمعها فتلقه قبل أَن تسبق إِلَيْهِ.
فَفعل وَخرج إِلَى الْأَعْشَى. فَوجدَ ابْنه يَقُود
стр. 3103
نَاقَته فَأخذ زمامها مِنْهُ فَقَالَ الْأَعْشَى: من هَذَا الَّذِي غلبنا على خطام ناقتنا قيل: المحلق. قَالَ: شريفٌ كريم.
وَقَالَ لِابْنِهِ: خله يقتادها. فاقتادها إِلَى منزله فَنحر لَهُ نَاقَته وكشف لَهُ عَن سنامها وكبدها وَوجد امْرَأَته قد خبزت خبْزًا وأخرجت نحي سمن وَجَاءَت بوطب لبن فَلَمَّا أكل الْأَعْشَى وَأَصْحَابه وَكَانَ فِي عصابةٍ قيسية قدم إِلَيْهِ الشَّرَاب واشتوى لَهُ من كبد النَّاقة وأطعمه من أطايبها فَلَمَّا أَخذه الشَّرَاب سَأَلَهُ عَن حَاله وَعِيَاله فَعرف الْبُؤْس فِي كَلَامه وأحاطت بِهِ بَنَاته
قَالَ: أما وَالله لَئِن بقيت لَهُنَّ لَا أدع شريدتهن قَليلَة. وَخرج وَلم يقل فِيهِ شَيْئا. ووافى المحلق عكاظ فَإِذا هُوَ بسرحةٍ قد اجْتمع النَّاس عَلَيْهَا وَإِذا الْأَعْشَى يَقُول: لعمري لقد لاحت عيونٌ كَثِيرَة إِلَى آخر القصيدة. فَسلم عَلَيْهِ المحلق فَقَالَ: مرْحَبًا بِسَيِّد قومه: ونادى: يَا معاشر الْعَرَب هَل فِيكُم مذكار يُزَوّج ابْنه ببنات هَذَا الشريف الْكَرِيم فَمَا قَامَ من مقعدة حَتَّى خطبت بَنَاته جَمِيعًا.
وَقَوله: لعمري لقد لاحت إِلَخ اللَّام لَام ابْتِدَاء تفِيد التَّأْكِيد وعمري: مُبْتَدأ وَحذف خَبره وجوبا أَي: عمري قسمي. وَمعنى لاحت:
стр. 3104
نظرت وتشوفت إِلَى هَذِه النَّار.
حكى الْفراء لحت الشَّيْء إِذا أبصرته. وَأنْشد: المتقارب
(وأحمر من ضرب دَار الْمُلُوك ... تلوح على وَجهه جَعْفَر)
كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد. واليفاع بِالْفَتْح: الْموضع العالي. وَجعل النَّار فِي يفاع لِأَنَّهُ أشهر لَهَا لِأَنَّهَا إِذا كَانَت فِي اليفاع أصابتها الرِّيَاح فاشتعلت. وَهَذِه النَّار نَار الضِّيَافَة كَانُوا يوقدونها على الْأَمَاكِن المرتفعة لتَكون أشهر وَرُبمَا يوقدونها بالمندلي الرطب وَهُوَ عطر ينْسب إِلَى منْدَل وَهُوَ بلد من بِلَاد الْهِنْد وَنَحْوه مِمَّا يتبخر بِهِ ليهتدي إِلَيْهَا العميان. وأشعارهم ونيران الْعَرَب على مَا فِي كتاب الْأَوَائِل لإسماعيل الْموصِلِي اثْنَتَا عشرَة نَارا:)
إِحْدَاهَا: هَذِه وَهِي نَار الْقرى وَهِي نَار توقد لاستدلال الأضياف بهَا على الْمنزل. وَأول من أوقد النَّار بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى يَرَاهَا من دفع من عَرَفَة قصي بن كلاب.
الثَّانِيَة: نَار الاستمطار كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة الأولى إِذا احْتبسَ عَنْهُم الْمَطَر يجمعُونَ الْبَقر ويعقدون فِي أذنابها وعراقيبها السّلع وَالْعشر ويصعدون بهَا فِي الْجَبَل الوعر ويشعلون فِيهَا النَّار.
ويزعمون أَن ذَلِك من أَسبَاب الْمَطَر.
الثَّالِثَة: نَار التَّحَالُف كَانُوا إِذا أَرَادوا الْحلف أوقدوا نَارا وعقدوا
стр. 3105
حلفهم عِنْدهَا ودعوا بالحرمان وَالْمَنْع من خَيرهَا على من ينْقض الْعَهْد وَيحل العقد.
الرَّابِعَة: نَار الطَّرْد كَانُوا يوقدونها خلف من يمْضِي وَلَا يشتهون رُجُوعه.
الْخَامِسَة: نَار الأهبة للحرب كَانُوا إِذا أَرَادوا حَربًا وتوقعوا جَيْشًا أوقدوا نَارا على جبلهم ليبلغ الْخَبَر فيأتونهم.
السَّادِسَة: نَار الصَّيْد وَهِي نَار توقد للظباء لتعشى إِذا نظرت إِلَيْهَا. وَيطْلب بهَا أَيْضا بيض النعام.
السَّابِعَة: نَار الْأسد وَهِي نارٌ يوقدونها إِذا خافوه. وَهُوَ إِذا رأى النَّار استهالها فشغلته عَن السابلة. وَقَالَ بَعضهم: إِذا رأى الْأسد النَّار حدث لَهُ فكرٌ يصده عَن إِرَادَته. والضفدع إِذا رأى النَّار تحير وَترك النقيق.
الثَّامِنَة: نَار السَّلِيم توقد للملدوغ إِذا سهر وللمجروح إِذا نزف وللمضرب بالسياط وَلمن عضه الْكَلْب الْكَلْب لِئَلَّا يَنَامُوا فيشتد بهم الْأَمر وَيُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك.
التَّاسِعَة: نَار الْفِدَاء وَذَلِكَ أَن الْمُلُوك إِذا سبوا الْقَبِيلَة خرجت إِلَيْهِم السَّادة للْفِدَاء. فكرهوا أَن يعرضُوا النِّسَاء نَهَارا فيفتضحن وَفِي الظلمَة يخفى قدر مَا يحبسون لأَنْفُسِهِمْ من الصفي فيوقدون النَّار ليعرضن.
стр. 3106
الْعَاشِرَة: نَار الوسم. قرب بعض اللُّصُوص إبِلا للْبيع فَقيل لَهُ: مَا نارك وَكَانَ أغار عَلَيْهَا من كل وَجه. وَإِنَّمَا سُئِلَ عَن ذَلِك لأَنهم يعْرفُونَ ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها.
فَقَالَ: الرجز
(تَسْأَلنِي الباعة أَيْن نارها ... إِذا زعزعتها فَسمِعت أبصارها)
(كل نجار إبلٍ نجارها ... وكل نَار الْعَالمين نارها))
الْحَادِيَة عشرَة: نَار الحرتين كَانَت فِي بِلَاد عبس. فَإِذا كَانَ اللَّيْل فَهِيَ نارٌ تسطع وَفِي النَّهَار دخانٌ يرْتَفع. وَرُبمَا ندر مِنْهَا عنق فَأحرق من مر بهَا. فحفر لَهَا خَالِد بن سِنَان فدفنها الثَّانِيَة عشرَة: نَار السعالي وَهُوَ شَيْء يَقع للمتغرب والمتقفر. قَالَ أَبُو المضراب عبيد بن أَيُّوب: الطَّوِيل
(وَللَّه در الغول أَي رفيقةٍ ... لصَاحب دو خائفٍ متقفر)
(أرنت بلحنٍ بعد لحنٍ وَأوقدت ... حوالي نيراناً تبوح وتزهر)
стр. 3107
وَأما نَار الحباحب فَكل نارٍ لَا أصل لَهَا مثل مَا ينقدح من نعال الدَّوَابّ وَغَيرهَا.
وَأما نَار اليراعة فَهِيَ طائرٌ صَغِير إِذا طَار بِاللَّيْلِ حسبته شهاباً وضربٌ من الْفراش إِذا طَار بِاللَّيْلِ حسبته شراراً.
وَأول من أورى نارها: أَبُو حباحب بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة فَقَالُوا: نَار أبي حباحب.
وَمن حَدِيثه مَا ذكر عَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَ أَبُو حباحب رجلا من الْعَرَب فِي سالف الدَّهْر بَخِيلًا لَا توقد لَهُ نارٌ بليلٍ مَخَافَة أَن يقتبس مِنْهَا فَإِن أوقدها ثمَّ أبصرهَا مستضيءٌ أطفأها.
فَضربت الْعَرَب بِهِ الْمثل فِي الْبُخْل وَالْخلف فَقَالُوا: أخلف من نَار أبي حباحب.
وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: حباحب: رجل كَانَ لَا ينْتَفع بناره لبخله فنسب إِلَيْهِ كل نَار لَا ينْتَفع بهَا فَقيل لما تقدحه حوافر الْخَيل على الصَّفَا: نَار الحباحب.
ويوقدون بالصفاح نَار الحباحب وَجعل الْكُمَيْت اسْمه كنية للضَّرُورَة فِي قَوْله:
стр. 3108
الوافر
(يرى الراؤون بالشفرات مِنْهَا ... كنار أبي الحباحب والظبينا)
وَقَالَ الْقطَامِي:
(أَلا إِنَّمَا نيران قيسٍ إِذا اشتووا ... لطارق ليلٍ مثل نَار الحباحب)
انْتهى.
وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق لَا مَا ذكره الْموصِلِي تبعا للعسكري فِي أَوَائِله.
وَزَاد الصَّفَدِي فِي شرح لامية الْعَجم: نَار الْغدر قَالَ: كَانُوا إِذا غدر الرجل بجاره أوقدوا لَهُ نَارا بمنى أَيَّام الْحَج ثمَّ صاحوا: هَذِه غدرة فلَان)
وعد نَار الْمزْدَلِفَة الَّتِي أول من أوقدها قصي قسما مُسْتقِلّا. وَجعل عدَّة النيرَان أَربع عشرَة نَارا.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي فِي نَار التَّحَالُف: كَانُوا يحلفُونَ بالنَّار وَكَانَت لَهُم نارٌ يُقَال: إِنَّهَا كَانَت بأشراف الْيمن لَهَا سدنة فَإِذا تفاقم الْأَمر بَين الْقَوْم فَحلف بهَا انْقَطع بَينهم. وَكَانَ اسْمهَا: هولة والمهولة.
وَكَانَ سادنها إِذا أُتِي برجلٍ هيبه من الْحلف بهَا وَلها قيم يطْرَح فِيهَا الْملح
стр. 3109
والكبريت فَإِذا وَقع فِيهَا استشاطت وتنقضت فَيَقُول: هَذِه النَّار قد تهددتك. فَإِن كَانَ مريباً نكل وَإِن كَانَ بَرِيئًا حلف.
قَالَ الْكُمَيْت: الطَّوِيل
(هم خوفونا بالعمى هوة الردى ... كَمَا شب نَار الحالفين المهول)
وَقَالَ الْكُمَيْت وَذكر امْرَأَة: المتقارب
(فقد صرت عَمَّا لَهَا بِالْمَشْيِ ... ب زولاً لَدَيْهَا هُوَ الأزول)
(كهولة مَا أوقد المحلفون ... لَدَى الحالفين وَمَا زولوا)
وَقَالَ أَوْس: الطَّوِيل
(إِذا استقبلته الشَّمْس صد بِوَجْهِهِ ... كَمَا صد عَن نَار المهول حَالف)
وَقَالَ أَيْضا فِي نَار الأهبة: كَانُوا إِذا أَرَادوا حَربًا أَو توقعوا جَيْشًا وَأَرَادُوا الِاجْتِمَاع أوقدوا لَيْلًا على جبل لتجتمع إِلَيْهِم عَشَائِرهمْ فَإِذا جدوا وأعجلوا أوقدوا نارين.
وَقَالَ الفرزدق: الْكَامِل
(ضربوا الصَّنَائِع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيرَان)
стр. 3110
. وَقَوله: تحرق رُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ للمعلوم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: الْحَطب.
وَقَوله: تشب لمقرورين إِلَخ أَي: توقد. والمقرور: الَّذِي أَصَابَهُ القر وَهُوَ الْبرد. والاصطلاء: افتعال من صلي النَّار وَصلي بهَا من بَاب تَعب: إِذا وجد حرهَا. والصلاء ككتاب: حر النَّار.
وَقَوله: وَبَات على النَّار إِلَخ بَات: لَهُ مَعْنيانِ أشهرهما مَا قَالَه الْفراء: بَات الرجل: إِذا سهر اللَّيْل كُله فِي طَاعَة أَو مَعْصِيّة. وَهُوَ المُرَاد هُنَا.)
وَالثَّانِي بِمَعْنى صَار يُقَال: بَات بِموضع كَذَا أَي: صَار بِهِ سواءٌ كَانَ فِي ليل أَو نَهَار. والندى: الْجُود وَالْكَرم والمحلق: هُوَ الممدوح واسْمه عبد الْعُزَّى من بني عَامر بن صعصعة كَمَا تقدم.
وَهُوَ جاهلي. كَذَا فِي أَنْسَاب ياقوت وَغَيره.
وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف: المحلق الَّذِي مدحه الْأَعْشَى مَفْتُوح اللَّام هُوَ اسْمه وَهُوَ المحلق بن جُزْء من بني عَامر بن صعصعة. والمحلق الضَّبِّيّ ولاه الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ سفوان بِفَتْح اللَّام أَيْضا قَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء: الطَّوِيل
(أَبَا يُوسُف لَو كنت تعلم طَاعَتي ... ونصحي إِذا مَا بعتني بالمحلق)
وَذكر أَحْمد بن حباب الْحِمْيَرِي أَن فِي جعفي فِي مران مِنْهُم المخلق بخاء مُعْجمَة وَلَام وَقد خَالف الْجُمْهُور فِي قَوْله إِن المحلق اسْمه وَقَالُوا: أَن اسْمه
стр. 3111
عبد الْعُزَّى بن حنتم بن شَدَّاد بن ربيعَة بن عبد الله بن عبيد وَهُوَ أَبُو بكر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة.
وَسمي محلقاً لِأَن فرسه عضه فَصَارَ مَوضِع عضه كالحلقة فَقيل لَهُ المحلق.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَسمي المحلق لِأَن بَعِيرًا عضه فِي وَجهه فَصَارَ فِيهِ كالحلقة. وَقيل: بل كوى نَفسه بكيةٍ شبه الْحلقَة.
وَزَاد اللَّخْمِيّ: لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مَوضِع الحلاق بمنى.
وَحكى الْموصِلِي أَنه أَصَابَهُ دَاء فاكتوى على حلقه فَسُمي المحلق.
وروى أَبُو عُبَيْدَة: المحلق بِكَسْر اللَّام. وروى الْأَصْبَهَانِيّ بِفَتْحِهَا.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المحلق بِكَسْر اللَّام: اسْم رجل من بني أبي بكر بن كلاب من بني عَامر. انْتهى.
وَكسر اللَّام خلاف الصَّحِيح. وَهَذَا قَول الْأَمِير ابْن مَاكُولَا نَقله عَن النسابة
حسن ابْن أخي اللَّبن. قَالَ الْأَمِير: وَحَنْتَم بحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة بعْدهَا نون سَاكِنة ثمَّ مثناة فوقية. والمحلق كَانَ سيداً فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ الَّذِي مدحه الْأَعْشَى.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ فِي جمهرة الْأَنْسَاب: المحلق هُوَ عبد الْعُزَّى بن حنتم
стр. 3112
بن شَدَّاد ابْن ربيعَة الْمَجْنُون بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. كَانَ سيداً وَذَا بَأْس فِي الْجَاهِلِيَّة وَله يَقُول الْأَعْشَى: وَبَات على النَّار الندى والمحلق)
وَله حَدِيث. وَكَانَ الْأَعْشَى نزل بِهِ فَأَمَرته أمه فَنحر للأعشى نَاقَة وَلم يكن لَهُ غَيرهَا. انْتهى.
قَالَ ابْن السَّيِّد: لما كَانَ من شَأْن المتحالفين أَن يتحالفوا على النَّار جعل الندى والمحلق كمتحالفين اجْتمعَا على نَار. وَذكر المقرورين لِأَن المقرور يعظم النَّار ويشعلها لشدَّة حَاجته.
وَقد أَخذ أَبُو تَمام الطَّائِي هَذَا الْمَعْنى وأوضحه فَقَالَ فِي مدحه الْحسن بن وهب: الْكَامِل
(قد أثقب الْحسن بن وهبٍ فِي الندى ... نَارا جلت إِنْسَان عين المجتلي)
(موسومةً للمهتدي مَأْدُومَة ... للمجتدي مظلومةً للمصطلي)
(مَا أَنْت حِين تعد نَارا مثلهَا ... إِلَّا كتالي سورةٍ لم تنزل)
اه.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: كَانَ النَّاس يستحسنون هَذَا الْبَيْت للأعشى حَتَّى قَالَ الحطيئة:
стр. 3113
الطَّوِيل
(مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نارٍ عِنْدهَا خير موقد)
فَسقط بَيت الْأَعْشَى. انْتهى.
وَأورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَو أجد على النَّار هدى وَاسْتشْهدَ بِهِ على أَن معنى الاستعلاء فِيهَا أَن أهل النَّار يستعلون الْمَكَان الْقَرِيب مِنْهَا كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي مَرَرْت بزيد: إِنَّه لصوقٌ فِي مَكَان يقرب من زيد. أَو لِأَن المصطلين بهَا إِذا تكنفوها قيَاما وقعوداً كَانُوا مشرفين عَلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: أحد مَعَاني على: الاستعلاء إِمَّا على الْمَجْرُور وَهُوَ الْغَالِب نَحْو: عَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون أَو على مَا يقرب مِنْهُ نَحْو: أَو أجد على النَّار هدى أَي: هادياً وَقَوله: وَبَات على النَّار الندي والمحلق وَأوردهُ فِي الْبَاء الْمُوَحدَة أَيْضا وَقَالَ: أَقُول: إِن كلا من الإلصاق والاستعلاء إِنَّمَا يكون حَقِيقِيًّا إِذا كَانَ مفضياً إِلَى نفس الْمَجْرُور كأمسكت بزيد وصعدت على السَّطْح.
فَإِن أفْضى إِلَى مَا يقرب مِنْهُ فمجازي كمررت بزيد فِي تَأْوِيل الْجُمْهُور وَكَقَوْلِه:
стр. 3114
وَبَات على النَّار الندى والمحلق وَقَوله: رضيعي لبان إِلَخ هُوَ مثنى رَضِيع قَالُوا: رَضِيع الْإِنْسَان: مراضعه.
قَالَ التبريزي فِي شرح ديوَان أبي تَمام: إِذا كَانَت المفاعلة بَين اثْنَيْنِ جَاءَ كل واحدٍ مِنْهُمَا على فعيل)
كَمَا جَاءَ على مفاعل كقعيد للَّذي يقاعدك وتقاعده ونديم بِمَعْنى منادم ورضيع وجليس بِمَعْنى مراضع ومجالس. انْتهى.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْجَوْهَرِي بقوله: وَهَذَا رضيعي كَمَا تَقول أكيلي. وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: راضعته مراضعة وَهُوَ رضيعي.
وَفِي عُمْدَة الْحفاظ للسمين: وَفُلَان رَضِيع فلَان أَي: رضيعٌ مَعَه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَنسبه للنابغة. وَهُوَ سَهْو.
وفعيل هَذَا لَا يعْمل النصب. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي أبنية الْمُبَالغَة: وَأما الفعيل بِمَعْنى الْفَاعِل كالجليس فَلَيْسَ للْمُبَالَغَة فَلَا يعْمل اتِّفَاقًا.
فإضافة رضيعي إِلَى لبان لَيْسَ من الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول بِهِ الْمُصَرّح بل هُوَ مفعولٌ على التَّوَسُّع بِحَذْف حرف الْجَرّ لِأَنَّهُ يُقَال: رضيعه بلبان أمه فَحذف الْبَاء فانتصب لبان وأضيف إِلَيْهِ الْوَصْف. وثدي بِالْجَرِّ بدل من لبان وعَلى رِوَايَة النصب بدل أَيْضا بِتَقْدِير مضافٍ مجرور فيهمَا أَي: لبان ثدي فَلَمَّا حذف الْمُضَاف انتصب. أَو هُوَ مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي: من ثدي أم.
وَلَا يجوز الْإِبْدَال على مَحل
стр. 3115
لبان لِأَن شَرطه كالعطف على الْمحل إِمْكَان ظُهُور ذَلِك الْمحل فِي
فَأَما قَوْله: الوافر تمرون الديار وَلم تعوجوا فضرورة.
وغفل بعض من شرح درة الغواص عَن عدم عمل فعيل الْمَذْكُور فَقَالَ فِي شَرحه: وَذي مَنْصُوب برضيعي وَلَا حَاجَة لتقدير من كَمَا قيل لِأَن رَضِيع مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ. هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه قَالَ رَضِيع لَا يكون إِلَّا بِمَعْنى مراضع.
وَلَا مَانع عِنْدِي أَن يكون هُنَا بِمَعْنى راضع وَتَكون الْمُشَاركَة من التَّثْنِيَة بل هَذَا هُوَ الْجيد إِذْ لَو كَانَ رَضِيع هُنَا بِمَعْنى مراضع لما ثنى ولكان الْمُنَاسب أَن يَقُول: رَضِيع الندي من ثدي أم تقاسما وَعَلِيهِ يسهل إِعْرَاب الْبَيْت فَيكون رضيعي مُضَافا إِلَى مَفْعُوله لِأَنَّهُ مَاض وَاسم الْفِعْل الْمَاضِي تجب إِضَافَته إِلَى مَا يَجِيء بعده مِمَّا يكون فِي الْمَعْنى مَفْعُولا فَيكون ثدي أم بَدَلا من لبان)
بِتَقْدِير مُضَاف مجرور وَالْأَصْل رضيعي لبان لبان ثدي أم أَو يكون بَدَلا من لبانٍ على الْمحل على
стр. 3116
قَول من لَا يشْتَرط المحرز الطَّالِب لذَلِك الْمحل. وفعيل قد وضع بالاشتراك تَارَة لفاعل وَتارَة لمفاعل والقرينة تعين وَهِي هُنَا التَّثْنِيَة.
وَقد ذهب ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وأبيات الْجمل إِلَى مَا
ذكرنَا قَالَ: لَك أَن تجْعَل الرَّضِيع بِمَعْنى الراضع كَقَوْلِهِم: قدير بِمَعْنى قَادر فَيكون مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد.
وَإِن شِئْت جعلته بِمَعْنى مرضع كَقَوْلِهِم: رب عقيدٌ بِمَعْنى معقد فيتعدى إِلَى مفعولين. وَمن خفض ثدي أم جعله بَدَلا من لبان وَمن نَصبه أبدله من مَوْضِعه لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب. وَلَا بُد من تَقْدِير مُضَاف فِي كلا الْوَجْهَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ: لبان ثدي أم. وَإِنَّمَا لزم تَقْدِير مُضَاف لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون بدل كل أَو بدل بعض أَو بدل اشْتِمَال فَلَا يجوز الثَّانِي لِأَن الثدي لَيْسَ بعض اللبان وَلَا الثَّالِث لِأَن الأول يشْتَمل على الثَّانِي وَذَلِكَ لَا يَصح هَا هُنَا.
وَقد ذهب قوم إِلَى أَن الثَّانِي هُوَ الْمُشْتَمل على الأول وَذَلِكَ غلط فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون بدل كل. والثدي لَيْسَ اللبان فَوَجَبَ أَن يقدر لبان ثدي. وَيجوز أَن يكون ثدي أم مَفْعُولا سقط مِنْهُ حرف الْجَرّ كَقَوْلِك: اخْتَرْت زيدا الرِّجَال. انْتهى.
стр. 3117
وَتعقبه اللَّخْمِيّ بِأَنَّهُ قيل: إِن اسْم الْفَاعِل هُنَا بِمَعْنى الْمُضِيّ فَلَا يعْمل عِنْد الْبَصرِيين وَإِن انتصاب ثدي إِنَّمَا هُوَ على التَّمْيِيز لِأَنَّهُ يحسن فِيهِ إِدْخَال من الْمقدرَة فِي التَّمْيِيز.
وَيحْتَمل أَن يكون مَنْصُوبًا بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ رَضِيع وَالتَّقْدِير: رضعا ثدي أم كَقَوْلِه تَعَالَى: وجاعل اللَّيْل سكناً وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا. وَهَذَا إِنَّمَا يكون على أَن تجْعَل رضيعي خَبرا وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات الْمفصل: ثدي بدل من مَحل لبان فِي تَقْدِير: رضيعين لباناً ثدي أم وَهُوَ بدل اشْتِمَال.
وَقيل: ثدي أم مَنْصُوب على إِضْمَار رضعا بِدلَالَة رضيعي.
وَتَبعهُ الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح. وَفِيه أَن الْوَصْف ماضٍ وَأَن بدل الاشتمال لَا بُد لَهُ من ضمير.
والجيد فِي نصب رضيعي أَن يكون على الْمَدْح.
وَجوز ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ غير هَذَا: أَن يكون حَالا من الندى والمحلق وَيكون قَوْله: على النَّار خبر بَات. وَأَن يكون خبر بَات وعَلى النَّار حَالا. وَأَن يَكُونَا خبرين.)
أَقُول: أما الأول فَفِيهِ مَعَ ضعف مَجِيء الْحَال من الْمُبْتَدَأ الْمَنْسُوخ فَسَاد الْمَعْنى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يَكُونَا غير رضيعين فِي غير بياتهما على النَّار وجودة الْمَعْنى تَقْتَضِي أَنَّهُمَا رضيعان مذ ولدا.
وَأما الأخيران ففيهما قبح التَّضْمِين الَّذِي هُوَ من عُيُوب الشّعْر وَهُوَ توقف الْبَيْت على الآخر.
وَيرد هَذَا أَيْضا على جعله حَالا من الندى والمحلق
стр. 3118
وعَلى جعله بَدَلا من مقرورين وعَلى جعله صفة لَهُ.
حكى هَذِه الثَّلَاثَة بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل. وَجوز هَذِه الثَّلَاثَة شَارِح وَهَذَا تعسف فَإِن تقاسما جَوَاب مُقَدّر نَشأ من قَوْله: وَبَات على النَّار الندى والمحلق وَالْخَبَر هُوَ على النَّار. واللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الأندلسي: هُوَ لبن الْآدَمِيّ. قيل: وَلَا يُقَال لَهُ لبن إِنَّمَا اللَّبن لسَائِر الْحَيَوَانَات. وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي الْخَبَر: اللَّبن للفحل أَي: للزَّوْج نعم اللبان فِي بني آدم أَكثر. انْتهى.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد: رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ َ أَن لبن الْفَحْل محرم كَمَا اتّفق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء. وفسروه بِأَن الرجل تكون لَهُ امْرَأَة ترْضع بلبنه فَكل من أَرْضَعَتْه حرمته عَلَيْهِ وعَلى وَلَده. وَالصَّحِيح أَنه يُقَال: اللبان للْمَرْأَة خَاصَّة وَاللَّبن عَام.
وَقَالَ الحريري فِي درة الْخَواص تبعا لِابْنِ قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب: يَقُولُونَ لرضيع الْإِنْسَان: قد ارتضع بلبنه وَصَوَابه ارتضع بلبانه لِأَن اللَّبن المشروب واللبان مصدر لِابْنِهِ أَي: شَاركهُ فِي شرب اللَّبن. وَهَذَا هُوَ معنى كَلَامهم الَّذِي نَحوا إِلَيْهِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْأَعْشَى فِي قَوْله: رضيعي لبانٍ ثدي أم تقاسما الْبَيْت. انْتهى.
стр. 3119
وَقد أَخذ معنى هَذَا المصراع وَبسطه الْكُمَيْت فِي مدح مخلد بن يزِيد وَقَالَ: الرجز
(ترى الندى ومخلداً حليفين ... كَانَا مَعًا فِي مهده رضيعين)
تنَازعا فِيهِ لبان الثديين وَفِيه لطف بلاغةٍ لجعلهما أَخَوَيْنِ من جنسٍ وَاحِد. وتقاسما: تفاعلا من الْقسم أَي: أقسم كل مِنْهُمَا لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر. وروى بدله:)
تحَالفا من الْحلف وَهُوَ الْيَمين. وَالْبَاء فِي قَوْله: بأسحم داخلةٌ على الْمقسم بِهِ وَقد اخْتلف فِي مَعْنَاهُ: قَالَ ابْن السَّيِّد: فِيهِ سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: هُوَ الرماد وَكَانُوا يحلفُونَ. قَالَ الشَّاعِر: المنسرح
(حَلَفت بالملح والرماد وبالن ... اس وَبِاللَّهِ نسلم الحلقه)
(حَتَّى يظل الْجواد منعفراً ... وتخضب النبل غرَّة الدرقه)
ثَانِيهَا: هُوَ اللَّيْل.
ثَالِثهَا: هُوَ الرَّحِم.
رَابِعهَا: هُوَ الدَّم لأَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِيهِ إِذا تحالفوا.
حكى هَذِه الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة يَعْقُوب وَحكى غَيره وَهُوَ الْخَامِس أَنه
стр. 3120
حلمة الثدي. وَقيل وَهُوَ السَّادِس: زق الْخمر. وَقيل وَهُوَ السَّابِع: دِمَاء الذَّبَائِح الَّتِي كَانَت تذبح للأصنام. وَجعله أسحم لِأَن الدَّم إِذا يبس اسود.
وَأبْعد هَذِه الْأَقْوَال قَول من قَالَ: إِنَّه الرماد لِأَن الرماد لَا يُوصف بِأَنَّهُ أسحم وَلَا داجٍ وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ أَوْرَق. انْتهى.
وَقَالَ أَحْمد بن فَارس: الأسحم: الْأسود. والأسحم فِي قَول الْأَعْشَى: بأسحم داج هُوَ اللَّيْل وَفِي قَول النَّابِغَة: الطَّوِيل بأسحم دانٍ هُوَ السَّحَاب وَقَول زُهَيْر: الطَّوِيل
بأسحم مذود هُوَ الْقرن. وَيُقَال: بأسحم داجٍ أَي: فِي الرَّحِم. انْتهى.
وَقَالَ الحريري فِي الدرة: عَنى بالأسحم الداجي: ظلمَة الرَّحِم الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلقٍ فِي ظلماتٍ ثَلَاث. وَقيل: بل عَنى بِهِ اللَّيْل. وعَلى
следующие страницы →