← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قَول من لَا يشْتَرط المحرز الطَّالِب لذَلِك الْمحل. وفعيل قد وضع بالاشتراك تَارَة لفاعل وَتارَة لمفاعل والقرينة تعين وَهِي هُنَا التَّثْنِيَة. وَقد ذهب ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وأبيات الْجمل إِلَى مَا ذكرنَا قَالَ: لَك أَن تجْعَل الرَّضِيع بِمَعْنى الراضع كَقَوْلِهِم: قدير بِمَعْنى قَادر فَيكون مُتَعَدِّيا إِلَى مفعول وَاحِد. وَإِن شِئْت جعلته بِمَعْنى مرضع كَقَوْلِهِم: رب عقيدٌ بِمَعْنى معقد فيتعدى إِلَى مفعولين. وَمن خفض ثدي أم جعله بَدَلا من لبان وَمن نَصبه أبدله من مَوْضِعه لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب. وَلَا بُد من تَقْدِير مُضَاف فِي كلا الْوَجْهَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ: لبان ثدي أم. وَإِنَّمَا لزم تَقْدِير مُضَاف لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون بدل كل أَو بدل بعض أَو بدل اشْتِمَال فَلَا يجوز الثَّانِي لِأَن الثدي لَيْسَ بعض اللبان وَلَا الثَّالِث لِأَن الأول يشْتَمل على الثَّانِي وَذَلِكَ لَا يَصح هَا هُنَا. وَقد ذهب قوم إِلَى أَن الثَّانِي هُوَ الْمُشْتَمل على الأول وَذَلِكَ غلط فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون بدل كل. والثدي لَيْسَ اللبان فَوَجَبَ أَن يقدر لبان ثدي. وَيجوز أَن يكون ثدي أم مَفْعُولا سقط مِنْهُ حرف الْجَرّ كَقَوْلِك: اخْتَرْت زيدا الرِّجَال. انْتهى.

стр. 3117

وَتعقبه اللَّخْمِيّ بِأَنَّهُ قيل: إِن اسْم الْفَاعِل هُنَا بِمَعْنى الْمُضِيّ فَلَا يعْمل عِنْد الْبَصرِيين وَإِن انتصاب ثدي إِنَّمَا هُوَ على التَّمْيِيز لِأَنَّهُ يحسن فِيهِ إِدْخَال من الْمقدرَة فِي التَّمْيِيز. وَيحْتَمل أَن يكون مَنْصُوبًا بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ رَضِيع وَالتَّقْدِير: رضعا ثدي أم كَقَوْلِه تَعَالَى: وجاعل اللَّيْل سكناً وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا. وَهَذَا إِنَّمَا يكون على أَن تجْعَل رضيعي خَبرا وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات الْمفصل: ثدي بدل من مَحل لبان فِي تَقْدِير: رضيعين لباناً ثدي أم وَهُوَ بدل اشْتِمَال. وَقيل: ثدي أم مَنْصُوب على إِضْمَار رضعا بِدلَالَة رضيعي. وَتَبعهُ الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح. وَفِيه أَن الْوَصْف ماضٍ وَأَن بدل الاشتمال لَا بُد لَهُ من ضمير. والجيد فِي نصب رضيعي أَن يكون على الْمَدْح. وَجوز ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ غير هَذَا: أَن يكون حَالا من الندى والمحلق وَيكون قَوْله: على النَّار خبر بَات. وَأَن يكون خبر بَات وعَلى النَّار حَالا. وَأَن يَكُونَا خبرين.) أَقُول: أما الأول فَفِيهِ مَعَ ضعف مَجِيء الْحَال من الْمُبْتَدَأ الْمَنْسُوخ فَسَاد الْمَعْنى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يَكُونَا غير رضيعين فِي غير بياتهما على النَّار وجودة الْمَعْنى تَقْتَضِي أَنَّهُمَا رضيعان مذ ولدا. وَأما الأخيران ففيهما قبح التَّضْمِين الَّذِي هُوَ من عُيُوب الشّعْر وَهُوَ توقف الْبَيْت على الآخر. وَيرد هَذَا أَيْضا على جعله حَالا من الندى والمحلق

стр. 3118

وعَلى جعله بَدَلا من مقرورين وعَلى جعله صفة لَهُ. حكى هَذِه الثَّلَاثَة بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل. وَجوز هَذِه الثَّلَاثَة شَارِح وَهَذَا تعسف فَإِن تقاسما جَوَاب مُقَدّر نَشأ من قَوْله: وَبَات على النَّار الندى والمحلق وَالْخَبَر هُوَ على النَّار. واللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الأندلسي: هُوَ لبن الْآدَمِيّ. قيل: وَلَا يُقَال لَهُ لبن إِنَّمَا اللَّبن لسَائِر الْحَيَوَانَات. وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي الْخَبَر: اللَّبن للفحل أَي: للزَّوْج نعم اللبان فِي بني آدم أَكثر. انْتهى. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد: رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ َ أَن لبن الْفَحْل محرم كَمَا اتّفق عَلَيْهِ الْفُقَهَاء. وفسروه بِأَن الرجل تكون لَهُ امْرَأَة ترْضع بلبنه فَكل من أَرْضَعَتْه حرمته عَلَيْهِ وعَلى وَلَده. وَالصَّحِيح أَنه يُقَال: اللبان للْمَرْأَة خَاصَّة وَاللَّبن عَام. وَقَالَ الحريري فِي درة الْخَواص تبعا لِابْنِ قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب: يَقُولُونَ لرضيع الْإِنْسَان: قد ارتضع بلبنه وَصَوَابه ارتضع بلبانه لِأَن اللَّبن المشروب واللبان مصدر لِابْنِهِ أَي: شَاركهُ فِي شرب اللَّبن. وَهَذَا هُوَ معنى كَلَامهم الَّذِي نَحوا إِلَيْهِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْأَعْشَى فِي قَوْله: رضيعي لبانٍ ثدي أم تقاسما الْبَيْت. انْتهى.

стр. 3119

وَقد أَخذ معنى هَذَا المصراع وَبسطه الْكُمَيْت فِي مدح مخلد بن يزِيد وَقَالَ: الرجز (ترى الندى ومخلداً حليفين ... كَانَا مَعًا فِي مهده رضيعين) تنَازعا فِيهِ لبان الثديين وَفِيه لطف بلاغةٍ لجعلهما أَخَوَيْنِ من جنسٍ وَاحِد. وتقاسما: تفاعلا من الْقسم أَي: أقسم كل مِنْهُمَا لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر. وروى بدله:) تحَالفا من الْحلف وَهُوَ الْيَمين. وَالْبَاء فِي قَوْله: بأسحم داخلةٌ على الْمقسم بِهِ وَقد اخْتلف فِي مَعْنَاهُ: قَالَ ابْن السَّيِّد: فِيهِ سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: هُوَ الرماد وَكَانُوا يحلفُونَ. قَالَ الشَّاعِر: المنسرح (حَلَفت بالملح والرماد وبالن ... اس وَبِاللَّهِ نسلم الحلقه) (حَتَّى يظل الْجواد منعفراً ... وتخضب النبل غرَّة الدرقه) ثَانِيهَا: هُوَ اللَّيْل. ثَالِثهَا: هُوَ الرَّحِم. رَابِعهَا: هُوَ الدَّم لأَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِيهِ إِذا تحالفوا. حكى هَذِه الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة يَعْقُوب وَحكى غَيره وَهُوَ الْخَامِس أَنه

стр. 3120

حلمة الثدي. وَقيل وَهُوَ السَّادِس: زق الْخمر. وَقيل وَهُوَ السَّابِع: دِمَاء الذَّبَائِح الَّتِي كَانَت تذبح للأصنام. وَجعله أسحم لِأَن الدَّم إِذا يبس اسود. وَأبْعد هَذِه الْأَقْوَال قَول من قَالَ: إِنَّه الرماد لِأَن الرماد لَا يُوصف بِأَنَّهُ أسحم وَلَا داجٍ وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ أَوْرَق. انْتهى. وَقَالَ أَحْمد بن فَارس: الأسحم: الْأسود. والأسحم فِي قَول الْأَعْشَى: بأسحم داج هُوَ اللَّيْل وَفِي قَول النَّابِغَة: الطَّوِيل بأسحم دانٍ هُوَ السَّحَاب وَقَول زُهَيْر: الطَّوِيل بأسحم مذود هُوَ الْقرن. وَيُقَال: بأسحم داجٍ أَي: فِي الرَّحِم. انْتهى. وَقَالَ الحريري فِي الدرة: عَنى بالأسحم الداجي: ظلمَة الرَّحِم الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلقٍ فِي ظلماتٍ ثَلَاث. وَقيل: بل عَنى بِهِ اللَّيْل. وعَلى

стр. 3121

وَقد قيل إِن المُرَاد بِلَفْظَة تقاسما اقْتَسمَا وَإِن المُرَاد بالأسحم الداجي الدَّم وَقيل: المُرَاد بالأسحم اللَّبن لاعتراض السمرَة فِيهِ وبالداجي الدَّائِم. انْتهى.) وَلَا وَجه لتفسير تقاسما باقتسما على تَفْسِير الأسحم بِأحد الْمَعْنيين الْأَخيرينِ. وَكَيف يَصح تَفْسِير الداجي بالدائم مَعَ أَنه من الدجية وَهُوَ الظلام. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قيل: هُوَ الدَّم وَقيل: الرَّحِم وَقيل: سَواد حلمة الثدي وَقيل: زق الْخمر. وَقَوله: عوض هُوَ ظرفٌ مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة مُتَعَلق بِمَا بعده. وَجُمْلَة: لَا نتفرق جَوَاب الْقسم وَجَاء بِهِ على حِكَايَة لفظ المتحالفين الَّذِي نطقا بِهِ عِنْد التَّحَالُف وَلَو جَاءَ بِهِ على لفظ الْإِخْبَار عَنْهُمَا لقَالَ: لَا يفترقان. وَزعم ابْن السَّيِّد وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ أَنه يجوز مَعَ كَون عوض ظرفا أَن يكون عوض مقسمًا بِهِ وَالْبَاء فِي أسحم بِمَعْنى فِي. وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ كَانَ يجب حِينَئِذٍ إعرابه وجره بِحرف الْقسم. قَالَ الأندلسي: لَا يجوز أَن يكون عوض اسْم صنم لتقدم الْمقسم بِهِ قبله ولبنائه وَأَيْضًا لَا يجوز حذف حرف الْقسم عِنْد ذكر الْفِعْل. وَعَلِيهِ اقْتصر الْخَوَارِزْمِيّ نَقله عَنهُ ابْن المستوفي قَالَ: عَنى بأسحم داج: اللَّيْل وَهُوَ لَيْسَ بالمقسم بِهِ إِنَّمَا هُوَ ظرف بِمَنْزِلَة أَن تَقول: تقاسما فِي ليلٍ داج يكون تآلفهما فِيهِ واستئناس كل وَقَالَ صَاحب الْعين: عوض كلمة تجْرِي مجْرى الْقسم فعوض على هَذَا القَوْل مَعْنَاهُ حلفا بالدهر لَا نتفرق فَحذف حرف الْقسم وَنصب الْمقسم بِهِ كَمَا فِي قَوْلك: الله لَأَفْعَلَنَّ. هَذَا كَلَامه.

стр. 3122

وَفِيه أَن حرف الْقسم لَا يحذف مَعَ ذكر الْفِعْل. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: وَمن اعْتقد أَن عوض اسْم صنم لزمَه أَن يَجْعَل الْبَاء فِي قَوْله: بأسحم بِمَعْنى فِي. وَيَعْنِي بالأسحم اللَّيْل أَو الرَّحِم. وَلَا يجوز أَن تكون الْبَاء فِي هَذَا الْوَجْه للقسم لِأَن الْقسم لم يَقع بالأسحم إِنَّمَا وَقع بعوض الَّذِي هُوَ الصَّنَم. انْتهى. وَيعرف وَجه رده مِمَّا ذكرنَا. وَقَوله: وَأما إِذا مَا الْمحل إِلَخ الْمحل: انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض من الْكلأ. وسرح مَالهم أَي: أطلقها وفرقها. وَالْمَال عِنْد الْعَرَب: الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم. والسملق كجعفر: القاع الصفصف. وَقَوله: نفى الذَّم إِلَخ هُوَ جَوَاب إِذا. والجفنة بِالْفَتْح: قَصْعَة الطَّعَام فَاعل نفى. والجابية بِالْجِيم قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الْحَوْض الَّذِي يجبى فِيهِ المَاء لِلْإِبِلِ. وَأنْشد الْبَيْت. وتفهق قَالَ الْمبرد فِي أول الْكَامِل: من قَوْلهم: فهق الغدير يفهق إِذا امْتَلَأَ مَاء فَلم يكن فِيهِ مَوضِع مزِيد.) - قَالَ الْأَعْشَى: هَكَذَا ينشده أهل الْبَصْرَة وتأويله عِنْدهم أَن الْعِرَاقِيّ إِذا تمكن من المَاء مَلأ جابيته لِأَنَّهُ حضري فَلَا يعرف مَوَاضِع المَاء وَلَا محاله. وَسمعت أعرابية تنشد: كجابية السيح بإهمال الطَّرفَيْنِ تُرِيدُ النَّهر الَّذِي يجْرِي على جابيته

стр. 3123

فماؤها لَا يَنْقَطِع لِأَن النَّهر يمده. انْتهى. وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي حَاشِيَته على الْكَامِل: كَانَ الْأَحْمَر يَقُول: الشَّيْخ تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ السيح بِالسِّين والحاء غير معجمتين وَهُوَ المَاء الْجَارِي على وَجه الأَرْض يذهب وَيَجِيء. والْجَابِيَة: الْحَوْض وَجمعه الجوابي. وكل مَا يحبس فِيهِ المَاء فَهُوَ جابية. وَقيل: أَرَادَ بالشيخ الْعِرَاقِيّ كسْرَى. وَحَكَاهُ أَبُو عبيد فِي كلامٍ ذكره عَن الْأَصْمَعِي فِي شرح الحَدِيث. وحض بالشيخ على تَأْوِيل الْمبرد لِأَنَّهُ جرب الْأُمُور وقاسى الْخَيْر وَالشَّر وَهُوَ يَأْخُذ بالحزم فِي أَحْوَاله. انْتهى. ودردق بدالين بَينهمَا رَاء: الْأَطْفَال يُقَال: ولدانٌ دردق ودرادق. كَذَا فِي الْعباب. والسديف: شَحم السنام. وتدفق أَصله تتدفق بتاءين. والأعشى شَاعِر جاهلي قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب. وَقد روى صَاحب الأغاني سَبَب هَذِه القصيدة على غير مَا ذَكرْنَاهُ أَيْضا. وَقد روى عَن النَّوْفَلِي أَن المحلق كَانَت لَهُ أخواتٌ ثَلَاث لم يرغب أحدٌ فِيهِنَّ لفقرهن وخموله.

стр. 3124

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز لقد رَأَيْت عجبا مذ أمسا على أَن أمس غير منصرف مجرور بالفتحة وَالْألف للإطلاق. وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب تَغْيِير الْأَسْمَاء المبهمة إِذا صَارَت أعلاماً خَاصَّة أوردته بِطُولِهِ لِكَثْرَة فَوَائده: وَسَأَلته ﵀ يَعْنِي الْخَلِيل عَن أمس اسْم رجل فَقَالَ: مَصْرُوف لِأَن أمس هَا هُنَا لَيْسَ على الْجَرّ وَلكنه لما كثر فِي كَلَامهم وَكَانَ من الظروف تَرَكُوهُ على حالٍ وَاحِدَة كَمَا فعلوا ذَلِك: بأين وكسروه كَمَا كسروا غاق إِذْ كَانَت الْحَرَكَة تدخله لغير إِعْرَاب كَمَا أَن حَرَكَة غاق لغير إِعْرَاب. فَإِذا صَار اسْما لرجل انْصَرف لِأَنَّهُ قد نقلته إِلَى غير ذَلِك الْموضع كَمَا أَنَّك إِذا سميت بغاق صرفته. فَهَذَا يجْرِي مجْرى هَذَا كَمَا جرى ذَا مجْرى لَا. وَاعْلَم أَن بني تَمِيم يَقُولُونَ فِي مَوضِع الرّفْع: ذهب أمس بِمَا فِيهِ وَمَا رَأَيْته مذ أمس فَلَا يصرفون فِي الرّفْع لأَنهم عدلوه عَن الأَصْل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَام لَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكون عَلَيْهِ فِي الْقيَاس. أَلا ترى أَن أهل

стр. 3125

الْحجاز يكسرونه فِي كل مَوضِع وَبَنُو تَمِيم يكسرونه فِي أَكثر الْمَوَاضِع فِي الْجَرّ وَالنّصب. فَلَمَّا عدلوه عَن أَصله فِي الْكَلَام وَمَجْرَاهُ تركُوا صرفه كَمَا تركُوا صرف أخر حِين فَارَقت أخواتها فِي حذف الْألف وَاللَّام مِنْهَا وكما تركُوا صرف سحر ظرفا. لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مجروراً أَو مَرْفُوعا أَو مَنْصُوبًا غير ظرف لم يكن بِمَنْزِلَتِهِ إِلَّا وَفِيه الْألف وَاللَّام أَو يكون نكرَة إِذا أخرجتا مِنْهُ. فَلَمَّا صَار معرفَة فِي الظروف بِغَيْر ألف وَلَام خَالف التَّعْرِيف فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَصَارَ معدولاً عِنْدهم كَمَا عدلت أخر فَترك صرفه فِي هَذَا الْموضع كَمَا ترك صرف أمس فِي الرّفْع. وَإِن سميت رجلا بأمس فِي هَذَا القَوْل صرفته لِأَنَّهُ لَا بُد لَك من أَن تصرفه فِي الْجَرّ وَالنّصب لِأَنَّهُ فِي الْجَرّ وَالنّصب مكسورٌ فِي لغتهم فَإِذا انْصَرف فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ انْصَرف فِي الرّفْع لِأَنَّك تدخله فِي الرّفْع وَقد جرى لَهُ الصّرْف فِي الْقيَاس فِي الْجَرّ وَالنّصب لِأَنَّك لم تعدله عَن أَصله فِي) الْكَلَام مُخَالفا للْقِيَاس. وَلَا يكون أبدا فِي الْكَلَام اسمٌ منصرفٌ فِي الْجَرّ وَالنّصب وَلَا ينْصَرف فِي وَكَذَلِكَ سحر اسْم رجل تصرفه وَهُوَ فِي الرجل أقوى لَا يَقع ظرفا وَلَو وَقع اسْم شيءٍ فَكَانَ ظرفا صرفته وَكَانَ كأمس لَو كَانَ أمس مَنْصُوبًا غير ظرف مكسور كَمَا كَانَ. وَقد فتح قومٌ أمس فِي مذ لما رفعوا وَكَانَت فِي الْجَرّ هِيَ الَّتِي ترفع شبهوها بهَا. قَالَ: الرجز (لقد رَأَيْت عجبا مذ أمسا ... عجائزاً مثل الأفاعي خمْسا) وَهَذَا قَلِيل. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ ونقلته من نُسْخَة مُعْتَمدَة مقروءة على مَشَايِخ

стр. 3126

جلة عَلَيْهَا خطوط إجازاتهم مِنْهُم زيد بن الْحسن بن زيد الْكِنْدِيّ إِمَام عصره عَرَبِيَّة وحديثاً وتاريخ إِجَازَته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَهِي نُسْخَة ابْن ولاد تلميذ ثَعْلَب والمبرد وَتُوفِّي بِمصْر فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ. فَمَا اعْترض بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق على الزجاجي فِي زَعمه أَن أمس فِي الْبَيْت مَبْنِيَّة على الْفَتْح حق لَا شُبْهَة فِيهِ. وَقد غلطه شراحه مِنْهُم ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل قَالَ: مذ أمسا جَار ومجرور ومذ هُنَا حرف جر وَهِي بِمَنْزِلَة فِي كَأَنَّهُ قَالَ: لقد رَأَيْت عجبا فِي أمس وَالْعَامِل وَقد غلط أَبُو الْقَاسِم فِيهَا وَزعم أَنَّهَا فِي الْبَيْت مَبْنِيَّة على الْفَتْح وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْبَيْت على لُغَة بعض بني تَمِيم. وَلَيْسَ فِي الْعَرَب من يبنيها على الْفَتْح وَهِي مخفوضة بمذ وَلكنهَا لَا تَنْصَرِف عِنْدهم للتعريف وَالْعدْل. وَإِنَّمَا دخل عَلَيْهِ الْوَهم من قَول

стр. 3127

سِيبَوَيْهٍ: وَقد فتح قومٌ أمس مَعَ مذ لما رفعوا وَكَانَت فِي الْجَرّ هِيَ الَّتِي ترفع شبهوها بهَا. وَأنْشد الْبَيْت على ذَلِك. فَتوهم أَنه لما ذكر الْفَتْح الَّذِي هُوَ لقب الْبناء أَنه أَرَادَ أَن أمس مَبْنِيّ. وَلَو تَأمل لبان لَهُ الْعذر فِي ذكر الْفَتْح هُنَا إِذْ لَا يُمكن أَن تسمى الْحَرَكَة الَّتِي يحدثها عَامل الْجَرّ نصبا لِأَنَّهَا لَيست للنصب إِنَّمَا هِيَ للجر. وَسوى بَين عملٍ الْجَار والناصب دلَالَة على ضعف الْجَار فِيمَا لَا ينْصَرف وَلم يسمهَا جراً اسْتِقْلَالا لَهَا لِأَنَّهَا لما ضمت إِلَى النصب صَارَت كَأَنَّهَا غير جر الْبَتَّةَ.) أَلا ترَاهُ قَالَ: وَجَمِيع مَا لَا ينْصَرف إِذا أدخلت عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام انجر وَهُوَ لم يزل مجروراً إِلَّا أَنه جعل الْجَرّ الْمَحْمُول على النصب غير جر. وَإِلَّا فالعوامل فِي المنصرف وَغير المنصرف وَاحِدَة. فَاعْلَم ذَلِك. انْتهى كَلَام اللَّخْمِيّ. وَقَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: قد فتح قوم أمس فِي مذ إِلَخ. هَذَا من كَلَام سِيبَوَيْهٍ مشكلٌ يحْتَاج إِلَى الشَّرْح. وَشَرحه عَليّ بن سُلَيْمَان قَالَ: أهل الْحجاز على مَا حَكَاهُ النحويون يكسرون أمس فِي الرّفْع وَالنّصب والخفض وَبَنُو تَمِيم يَرْفَعُونَهُ فِي مَوضِع الرّفْع بِلَا تَنْوِين يجعلونه بِمَنْزِلَة مَا لَا ينْصَرف. وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ سَبِيل الظّرْف أَن يرفع لِأَن الْأَخْبَار لَيست عَنهُ فَلَمَّا أخبروا عَنهُ زادوه فضلَة فأخرجوه من الْبناء إِلَى مَا لَا ينْصَرف فَلَمَّا اضْطر الشَّاعِر أجراه فِي الْخَفْض مجْرَاه فِي الرّفْع وَقدر مذ هَذِه الخافضة وفتحه لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف. انْتهى. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِعْرَاب أمس ومنعها من الِانْصِرَاف لِأَنَّهَا اسمٌ لليوم الْمَاضِي قيل يَوْمك معدول عَن الْألف وَاللَّام. وَنَظِير جرها بعد مذ هَا هُنَا رَفعهَا فِي مَوضِع الرّفْع إِذا قَالُوا: ذهب أمس بِمَا فِيهِ وَمَا رَأَيْته مذ

стр. 3128

أمس وَهِي لغةٌ لبَعض بني تَمِيم. فَلَمَّا رفعت بعد مذ لِأَن مذ يرْتَفع مَا بعْدهَا إِذا كَانَ مُنْقَطِعًا مَاضِيا جَازَ للشاعر أَن يخفضه بعْدهَا على لُغَة من جر بهَا فِي مَا مضى وَانْقطع لِأَن مذ هَذِه الخافضة لأمس هِيَ الرافعة لَهُ فِي لُغَة من يرفع. وَقد بيّنت هَذَا وكشفت حَقِيقَته فِي كتاب النكت. انْتهى. وَلَيْسَ فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ مَا يدل على أَنه ضَرُورَة. فَتَأمل. وَأما مَا وهم بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق الزَّمَخْشَرِيّ فقد يمْنَع بِأَن يكون الزَّمَخْشَرِيّ ذهب إِلَى مَا حَكَاهُ وَنَقله أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف. وَيُؤَيِّدهُ قَول أبي زيد فِي النَّوَادِر: قَوْله مذ أمسا ذهب بهَا إِلَى لُغَة بني تَمِيم يَقُولُونَ: ذهب أمس بِمَا فِيهِ فَلم يصرفهُ. وَقَالَ الْجرْمِي فِيمَا كتبه على النَّوَادِر: جعل مذ من حُرُوف الْجَرّ وَلم يصرف أمس فتح آخِره فِي مَوضِع الْجَرّ وَهُوَ الْوَجْه فِي أمس. وَأَبُو زيد من مَشَايِخ سِيبَوَيْهٍ وَإِذا نقل عَنهُ فِي كِتَابه قَالَ: حَدثنِي الثِّقَة. وَالشَّارِح مَسْبُوق بالتوهيم. قَالَ أَبُو حَيَّان: اخْتلف النُّحَاة فِي إِعْرَاب أمس مُطلقًا إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف عِنْد بعض تَمِيم فَذهب إِلَى إِثْبَات ذَلِك ابْن الباذش وَهُوَ قَول ابْن عُصْفُور وَابْن مَالك.) وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ: هَذَا

стр. 3129

غلط وَإِنَّمَا بَنو تَمِيم يعربونه فِي الرّفْع ويبنون فِي النصب والجر. انْتهى. والبيتان من رجز فِي نَوَادِر أبي زيد سَمعه من الْعَرَب وَأنْشد بعدهمَا: الرجز (يأكلن مَا فِي رحلهن همسا ... لَا ترك الله لَهُنَّ ضرسا) وَقَالَ: الهمس: أَن تَأْكُل الشَّيْء وَأَنت تخفيه. وَقَوله: عجائزاً نونه لضَرُورَة الشّعْر قيل بَيَان بقوله: عجبا وَقيل بدلٌ مِنْهُ. وَهُوَ جمع عَجُوز. قَالَ ابْن السّكيت: الْعَجُوز: الْمَرْأَة الْكَبِيرَة وَلَا تقل عجوزة والعامة تَقوله. وَمثل صفةٌ لعجائز وَكَذَا قَوْله: خمْسا. والسعالي: جمع سعلاة بِالْكَسْرِ وَيُقَال أَيْضا: سعلاء بِالْمدِّ وَالْقصر وَهِي أُنْثَى الغول وَقيل: سَاحِرَة الْجِنّ. وروى أَبُو زيد وسيبويه: مثل الأفاعي جمع أَفْعَى وَهِي حَيَّة يُقَال: هِيَ رقشاء دقيقة الْعُنُق عريضة الرَّأْس لَا تزَال مستديرةً على نَفسهَا لَا ينفع مِنْهَا ترياق وَلَا رقية. يُقَال: هَذِه أَفْعَى بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ اسمٌ وَلَيْسَ بِصفة. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والرحل: المأوى والمنزل وروى أَيْضا: يأكلن مَا فِي عكمهن والعكم: الْعدْل بِكَسْر أَولهمَا. وَجُمْلَة: لَا ترك الله إِلَخ دعائية. وَزَاد ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْجمل بعد هَذَا: وَلَا لقين الدَّهْر إِلَّا تعسا

стр. 3130

وَقَالَ: التعس: السُّقُوط على الْقَفَا. وَزَاد ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ: الرجز (فِيهَا عجوزٌ لَا تَسَاوِي فلسًا ... لَا تَأْكُل الزبدة إِلَّا نهسا) وَالْبَيْت الشَّاهِد من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي مَا عرف قَائِلهَا. وَقَالَ ابْن المستوفي: وجدت هَذِه الأبيات الثَّمَانِية فِي كتاب نحوٍ قديم للعجاج أبي رؤبة. واراه بَعيدا من نمطه. وَقَوله: لَا تَأْكُل الزبدة إِلَّا نهسا أَي: لَا أَسْنَان لَهَا فَهِيَ تنهسها. وَهُوَ إغراقٌ وإفراط. والنهس: أَخذ اللَّحْم بِمقدم الْأَسْنَان. انْتهى. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الْبَسِيط (لاه ابْن عمك لَا أفضلك فِي حسبٍ ... عني وَلَا أَنْت دياني فتخوني) على أَن أصل لاه ابْن عمك: لله ابْن عمك فَحذف لَام الْجَرّ لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَقدر لَام التَّعْرِيف فَبَقيَ: لاه ابْن عمك فَبنِي لتضمن الْحَرْف. وصريحه أَن كسرة الْهَاء كسرة بِنَاء وَظَاهر كَلَام الْمفصل أَنَّهَا كسرة إِعْرَاب قَالَ: وتضمر أَي: بَاء الْقسم كَمَا تضمر اللَّام فِي: لاه أَبوك فَإِن الْمُضمر يبْقى مَعْنَاهُ وأثره بِخِلَاف الْمَحْذُوف فَإِنَّهُ يبْقى مَعْنَاهُ وَلَا يبْقى أَثَره. كَذَا حَقَّقَهُ السَّيِّد عِنْد قَول الْكَشَّاف فِي تَفْسِير: يجْعَلُونَ

стр. 3131

أَصَابِعهم لِأَن الْمَحْذُوف باقٍ مَعْنَاهُ وَإِن سقط لَفظه. قَالَ ابْن يعِيش فِي شَرحه: اعْلَم أَنهم يَقُولُونَ: لاه أَبوك ولاه ابْن عمك يُرِيدُونَ: لله أَبوك وَللَّه ابْن قَالَ الشَّاعِر: لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسبٍ ... ... ... ... . . الْبَيْت أَي: لله ابْن عمك فحذفت لَام الْجَرّ وَلَام التَّعْرِيف وَبقيت اللَّام الْأَصْلِيَّة. هَذَا رَأْي سِيبَوَيْهٍ. وَأنكر ذَلِك الْمبرد وَكَانَ يزْعم أَن الْمَحْذُوف لَام التَّعْرِيف وَاللَّام الْأَصْلِيَّة والباقية هِيَ لَام الْجَرّ وَإِنَّمَا فتحت لِئَلَّا ترجع الْألف إِلَى الْيَاء مَعَ أَن أصل لَام الْجَرّ الْفَتْح. وَرُبمَا قَالُوا لهي أَبوك فقلبوا اللَّام إِلَى مَوضِع الْعين وَسَكنُوا لِأَن الْعين كَانَت سَاكِنة وَهِي الْألف وَبَنوهُ على الْفَتْح لأَنهم حذفوا مِنْهُ لَام التَّعْرِيف وتضمن مَعْنَاهَا فَبنِي لذَلِك كَمَا بني أمس والآن وَفتح آخِره تَخْفِيفًا لما دخله من الْحَذف والتغيير. انْتهى. وَقَالَ الأندلسي فِي شَرحه أَيْضا عِنْد قَوْله وتضمر كَمَا تضمر اللَّام إِلَخ: هَذَا هُوَ الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن تحذف الْحَرْف لفظا وتقدره معنى فَيبقى عمله كَمَا تضمر رب. وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: قَوْله لاه أَرَادَ: لله حذف لَام الْجَرّ وَاللَّام الأولى من الله. وَكَانَ الْمبرد يرى أَنه حذف

стр. 3132

اللامين من الله وَأبقى لَام الْجَرّ وَفتحهَا. وحجته أَن حرف الْجَرّ لَا يجوز أَن يحذف. انْتهى. وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: قَوْله: لاه ابْن عمك أَصله لله فَحذف لَام الْجَرّ وأعملها محذوفة) كَمَا فِي قَوْله الله لَأَفْعَلَنَّ وأتبعها فِي الْحَذف لَام التَّعْرِيف فَبَقيَ لاه بِوَزْن عَال. وَلَا يجوز أَن تكون اللَّام فِي لاه لَام الْجَرّ وَفتحت لمجاورتها للألف كَمَا زعم بعض النَّحْوِيين لأَنهم قَالُوا: لهي أَبوك بِمَعْنى لله أَبوك ففتحوا اللَّام وَلَا مَانع لَهَا من الْكسر فِي لهي لَو كَانَت الجارة وَإِنَّمَا يفتحون لَام الْجَرّ مَعَ الْمُضمر فِي نَحْو: لَك وَلنَا وفتحوها فِي الاستغاثة إِذا دخلت على الِاسْم المستغاث بِهِ لِأَنَّهُ أشبه الضَّمِير من حَيْثُ كَانَ منادًى والمنادى يحل مَحل الْكَاف من نَحْو: أَدْعُوك. فَإِن قيل: فَكيف يتَّصل الِاسْم بِالِاسْمِ فِي قَوْله لاه ابْن عمك بِغَيْر وَاسِطَة وَإِنَّمَا يتَّصل الِاسْم بِالِاسْمِ فِي نَحْو: لله زيد ولأخيك ثوب بِوَاسِطَة اللَّام فَالْجَوَاب: أَن اللَّام أوصلت الِاسْم بِالِاسْمِ وَهِي مقدرَة كَمَا تجملت الْجَرّ وَهِي مقدرَة. انْتهى. فَهَؤُلَاءِ كلهم صَرَّحُوا بِأَن الكسرة إِعْرَاب وَأَن لاه مجرورة بِاللَّامِ المضمرة. وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم اختصر كَلَامه من أمالي ابْن الشجري فَوَقع فِيمَا وَقع. وَهَذِه عبارَة ابْن الشجري:

стр. 3133

أَقُول: إِن الِاسْم الَّذِي هُوَ لاه على هَذَا القَوْل تَامّ وَهُوَ أَن يكون أَصله: ليه على وزن جبل وَمن قَالَ: لهي أَبوك فَهُوَ مقلوب من لاه فَقدمت لامه الَّتِي هِيَ الْهَاء على عينه الَّتِي هِيَ الْيَاء فوزنه فلع. وَكَانَ أَصله بعد تَقْدِيم لامه على عينه: للهي فحذفوا لَام الْجَرّ ثمَّ لَام التَّعْرِيف وضمنوه معنى لَام التَّعْرِيف فبنوه كَمَا ضمنُوا مَعْنَاهَا أمس فَوَجَبَ بِنَاؤُه وحركوا الْيَاء لسكون الْهَاء قبلهَا واختاروا لَهَا الفتحة لخفتها. انْتهى.

стр. 3134

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق كَمَا هُوَ أحد مذهبي سِيبَوَيْهٍ فِي الله وَهُوَ أَنه من لاه يَلِيهِ قَالَ ابْن الشجري: أصل هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ الله تَعَالَى مُسَمَّاهُ إلاه فِي أحد قولي سِيبَوَيْهٍ بِوَزْن فعال ثمَّ لاه بِوَزْن عَال. وَلما حذفوا فاءه عوضوا مِنْهَا لَام التَّعْرِيف فصادفت وَهِي سَاكِنة اللَّام الَّتِي هِيَ عينٌ وَهِي متحركة فأدغمت فِيهَا. إِلَى أَن قَالَ: وَهَذَا قَول يُونُس بن حبيب وَأبي الْحسن الْأَخْفَش وَعلي بن حَمْزَة الْكسَائي وَيحيى بن زِيَاد الْفراء وقطرب بن المستنير. وَقَالَ بعد وفاقه لهَذِهِ الْجَمَاعَة: وَجَائِز أَن يكون أَصله لاه وأصل لاه ليه على وزن جبل ثمَّ) أَدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام فَقيل الله. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الْعَرَب: لهي أَبوك يُرِيد لاه أَبوك. قَالَ: فتقديره على هَذَا القَوْل فعل وَالْوَزْن وزن بَاب وَدَار. (كحلفةٍ من أبي رياحٍ ... يسْمعهَا لاهه الْكِبَار)

стр. 3135

وَلِذِي الإصبع العدواني: لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسبٍ ... ... ... ... . . الْبَيْت انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. هَذَا كَلَامه. وَأَقُول: هَذَانِ البيتان ليسَا بموجودين فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ كَمَا نبهنا سَابِقًا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. وَقد تكلم أَبُو عَليّ الْفَارِسِي على قَوْلهم: لهي أَبوك فِي التَّذْكِرَة القصرية وَفِي إِيضَاح الشّعْر فَلَا بَأْس بِنَقْل كلاميه لمزيد الْفَائِدَة والإيضاح: قَالَ فِي التَّذْكِرَة: لهي أَبوك مقلوب من لاه على القَوْل الَّذِي لاه فِيهِ فعل أَي: بِفتْحَتَيْنِ لَا على القَوْل الَّذِي لاه فِيهِ عَال محذوفة الْفَاء وَهِي همزَة إلاه. وَمن إِشْكَال هَذِه الْمَسْأَلَة مُخَالفَة وَزنهَا لوزن مَا قلبت مِنْهُ لِأَن الأَصْل فعل أَي: بِفتْحَتَيْنِ ولهي فلع أَي: بِسُكُون اللَّام. وَمن إشكالها أَيْضا أَن المقلوب مِنْهُ مُعرب وَهُوَ لاه والمقلوب مَبْنِيّ على الْفَتْح وَهِي لهي. وَإِنَّمَا جعلنَا لهي هُوَ المقلوب لِأَنَّهُ أقل تمَكنا وَأكْثر تغييراً بِدَلِيل أَن اسْم الله تَعَالَى مُعرب متصرف فِي الْخَبَر والنداء أَي: لَيْسَ هُوَ مَبْنِيا وَدخُول جَمِيع العوامل عَلَيْهِ ولهي أَبوك مَبْنِيّ لَا يَزُول عَن هَذَا الْموضع فَهُوَ بِهَذَا أَكثر تغييراً وَأَقل تمَكنا. وَلَا يخرج لاه فِي كَلَامهم مَعَ مَا ذكرنَا من الدَّلِيل على أَنه الأَصْل أَنه لَيْسَ أصل اشتق مِنْهُ إِذْ كَانَ فِي كَلَامهم مَا الْعين فِيهِ يَاء كثيرٌ. فَأَما مُخَالفَة وزن لهي الأَصْل الَّذِي قلبت مِنْهُ فقد جَاءَ مثله قَالُوا فوقٌ فعين الْفِعْل مِنْهُ سَاكِنة وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: الهزج ونبلي وفقاها كعراقيب فَقلب الْعين إِلَى مَوضِع اللَّام وحرك اللَّام كَمَا سكن اللَّام فِي لهي وَذَلِكَ لِأَن المقلوب بِنَاء مُسْتَأْنف فَجَائِز أَن يَأْتِي مُخَالفا لما قلب مِنْهُ. يدلك على أَنه بِنَاء مُسْتَأْنف قَوْلهم: قسي هُوَ مقلوب من قووس وهم لَا يَتَكَلَّمُونَ بقووس) الْبَتَّةَ فتركهم الْكَلَام بِالْأَصْلِ يدلك على أَن المقلوب مَبْنِيّ بِنَاء مستأنفاً لِأَنَّهُ لَو لم يكن مستأنفاً وَكَانَ هُوَ المقلوب مِنْهُ لَكَانَ المقلوب مِنْهُ متكلماً بِهِ. وَإِذا ثَبت أَنه بِنَاء مُسْتَأْنف لم يُنكر أَن يَأْتِي على غير وزن المقلوب مِنْهُ كَمَا أَنه لما أَن كَانَت أبنيته مستأنفة لم يُنكر أَن تَجِيء على وزن الْوَاحِد. وَأما وَجه بنائِهِ فَهُوَ أَنه تضمن معنى حرف التَّعْرِيف كَمَا تضمن أمس ذَلِك. أَلا ترى أَنه فِي معنى: لله أَبوك وَلَيْسَ فِيهِ حرف التَّعْرِيف. وحرك بِالْفَتْح كَرَاهَة للكسر مَعَ الْيَاء. وَلَا يحكم بِأَن لاه مَبْنِيّ وَأَنت تَجِد سَبِيلا إِلَى الحكم لَهُ بالإعراب. أَلا ترى أَنه اسْم مُتَمَكن منصرف فَلَا يحكم لَهُ بِالْبِنَاءِ إِلَّا بِدَلِيل كَمَا لم يحكم للهي إِلَّا بِدَلِيل وَهُوَ الْفَتْح. انْتهى.

стр. 3136

وصريح كَلَامه أخيراً يرد مَا زَعمه الشَّارِح من بِنَاء لاه. وَقَالَ فِي إِيضَاح الشّعْر: تحذف حُرُوف الْمعَانِي مَعَ الْأَسْمَاء على ضروب: أَحدهَا: أَن يحذف الْحَرْف وَيضمن الِاسْم مَعْنَاهُ وَهَذَا يُوجب بِنَاء الِاسْم نَحْو أَيْن وَخَمْسَة عشر وأمس فِي قَول الْحِجَازِيِّينَ وَمن بناه ولهي أَبوك. وَالْآخر: أَن يعدل الِاسْم عَن اسمٍ فِيهِ حرف فَهَذَا المعدول لَا يجب بِنَاؤُه لِأَنَّهُ لم يتَضَمَّن الْحَرْف فَيلْزم الْبناء كَمَا تضمنه الأول لِأَن الْحَرْف يُرَاد فِي ذَلِك الْبناء الَّذِي وَقع الْعدْل عَنهُ. وَإِذا كَانَ هُنَاكَ مرَادا لم يتَضَمَّن هُنَاكَ الِاسْم. أَلا ترى أَنه محَال أَن يُرَاد ثمَّ فيعدل هَذَا عَنهُ ويتضمن مَعْنَاهُ لِأَنَّك إِذا ثَبت الْحَرْف فِي موضِعين فَلَا يكون حِينَئِذٍ عدلا. أَلا ترى أَن الْعدْل إِنَّمَا هُوَ أَن تلفظ ببناءٍ وتريد الآخر فَلَا بُد من أَن يكون الْبناء المعدول غير المعدول ومخالفاً لَهُ. وَلَا شَيْء يَقع فِيهِ الْخلاف بَين سحر المعدول والمعدول عَنهُ إِلَّا إِرَادَة لَام التَّعْرِيف فِي المعدول عَنهُ وتعري المعدول مِنْهُ فَلَو ضمنته مَعْنَاهُ لَكَانَ بِمَنْزِلَة إثْبَاته وَلَو أثْبته لم يكن عدلا. فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يتضمنه وَإِذا لم يتضمنه لم يجز أَن يبْنى كَمَا بنى أمس. وَالضَّرْب الثَّالِث: أَن تحذف الْحَرْف فِي اللَّفْظ وَيكون مرَادا فِيهِ. وَإِنَّمَا تحذفه من اللَّفْظ اختصاراً واسْتِخْفَافًا. فَهَذَا يجْرِي مجْرى الثَّبَات. فَمن هَذَا الْقسم الْحَذف فِي جَمِيع الظروف) حذفت اختصاراً لِأَن فِي ذكرك الْأَسْمَاء

стр. 3137

الَّتِي هِيَ ظروفٌ دلَالَة على إرادتها. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: جَلَست خَلفك وقدمت الْيَوْم علم أَن هَذَا لَا يكون شَيْئا من أَقسَام المفعولات إِلَّا الظّرْف. فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك كَانَ حذفهَا بِمَنْزِلَة إِثْبَاتهَا لقِيَام الدّلَالَة عَلَيْهَا. فَإِذا كنيت رددت فِي الَّتِي كَانَت محذوفة للاختصار وللدلالة الْقَائِمَة عَلَيْهَا لِأَن الضَّمِير لَا يتَمَيَّز وَلَا ينْفَصل كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الْمظهر. أَلا ترى أَن الْهَاء فِي كِنَايَة الظّرْف كالهاء فِي كِنَايَة الْمَفْعُول بِهِ. فَإِذا رددت الْحَرْف الَّذِي كنت حذفته فوصلته بِهِ دلّ على أَنه من بَين المفعولات ظرف. فقد علمت بردك لَهُ فِي الْإِضْمَار أَنَّك لم تضمن الِاسْم معنى الْحَرْف فتبنيه وَأَنه مُرَاد فِي حَال الْحَذف لِأَن فِي ظُهُور الِاسْم دلَالَة عَلَيْهِ فحذفته لذَلِك. فَهَذَا يشبه قَوْلهم: الله لَأَفْعَلَنَّ فِي أَنهم مَعَ حذفهم ذَلِك يجْرِي عِنْدهم مجْرى غير الْمَحْذُوف إِلَّا أَنه لما حذف فِي الظّرْف واستغني عَنهُ وصل الْفِعْل إِلَيْهِ فانتصب. وَالْجَار إِذا حذفوه على هَذَا الْحَد الَّذِي ذكرته لَك من أَن الدّلَالَة قَائِمَة على حذفه يجْرِي على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يُوصل الْفِعْل كباب الظروف واخترت الرِّجَال زيدا. وَالْآخر: أَن يُوصل الْفِعْل وَلَكِن يكون الْحَرْف كالمثبت فِي اللَّفْظ فيجرون بِهِ كَمَا يجرونَ بِهِ وَهُوَ مُثبت وَذَلِكَ قَوْلهم: الله وكما قَامَ لنا من الدّلَالَة على حذفهم لَهُ فِي وبلدٍ وكما ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي: المتقارب ونارٍ توقد بِاللَّيْلِ نَارا

стр. 3138

وكما ذهب بعض الْمُتَقَدِّمين من الْبَصرِيين فِي قَوْله: وَاخْتِلَاف اللَّيْل إِلَى أَنه على ذَلِك. وَلَو قَالَ قَائِل فِي إنشاد من أنْشد: الطَّوِيل وَلَا مستنكرٍ أَن تعقرا إِلَى هَذَا الْوَجْه لَكَانَ قِيَاس هَذَا القَوْل. فَأَما تَركهم الرَّد فِي حَال الْإِضْمَار فِي نَحْو: الطَّوِيل فَمنهمْ من يَقُول: إِنَّمَا فعل ذَلِك لِأَن الْإِضْمَار لَا يكون إِلَّا بعد مَذْكُور فَيعلم أَنه إِضْمَار ذَلِك. وَهَذَا إِذا اتسعوا فِيهِ فَجعلُوا نَصبه نصب الْمَفْعُول بِهِ لم يلْزم أَن يكون عَلَيْهِ دلَالَة كَمَا كَانَ فِي حَال كَونه ظرفا.) فَأَما قَوْلهم: لهي أَبوك فَلَا تكون هَذِه اللَّام الثَّانِيَة فِي الِاسْم إِلَّا الَّتِي هِيَ فَاء الْفِعْل. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا لَا تَخْلُو من أَن تكون الجارة أَو الْمعرفَة أَو الَّتِي هِيَ فَاء. فَلَا يجوز أَن تكون الْمعرفَة لِأَن تِلْكَ يتضمنها الِاسْم وَإِذا تضمنها الِاسْم لم تظهر. أَلا ترى أَن الْوَاو فِي خَمْسَة عشر لَا تثبت وَاللَّام فِي أمس فِي قَول من بنى لَا تظهر. فَلَمَّا كَانَ الِاسْم هُنَا مَبْنِيا أَيْضا على الْفَتْح وَلم يكن فِيهِ معنى يُوجب بناءه على تضمنه لِمَعْنى حرف التَّعْرِيف وَجب أَيْضا أَن لَا يظْهر كَمَا لم يظْهر أَيْضا فِيمَا ذكرت لَك. فَإِذا لم يجز ظُهُور حرف التَّعْرِيف لم تخل المحذوفة من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن تكون الجارة أَو الَّتِي هِيَ فَاء

стр. 3139

الْفِعْل. فَلَا يجوز أَن تكون الجارة لِأَنَّهَا مَفْتُوحَة وَتلك مَكْسُورَة مَعَ المظهرة فَلَا يجوز إِذا أَن تكون إِيَّاهَا لِلْفَتْحِ. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا تنكر أَن تكون الجارة وَإِنَّمَا فتحت لِأَنَّهَا جَاوَرت الْألف وَالْألف يفتح مَا قبلهَا قيل لَهُ: الدّلَالَة على أَنَّهَا فِي قَوْلهم: لاه أَبوك هِيَ الْفَاء وَلَيْسَت الجارة أَنَّهَا لَو كَانَت الجارة فِي لاه وَفتحت لمجاورة الْألف لوَجَبَ أَن تكسر فِي لهي وَلَا تفتح لزوَال الْمَعْنى الَّذِي أوجب فَتحه وَهُوَ مجاورة الْألف. فَعلمت أَن الْفَتْح لم يكن لمجاورة الْألف. فَإِن قَالَ: ترك فِي الْقلب كَمَا كَانَ فِي غير الْقلب فَذَلِك دَعْوَى لَا دلَالَة عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَقِيم فِي الْقلب ذَلِك. أَلا تراهم قَالُوا: جاهٌ فِي قلب وَجه وفقاً فِي فَوق. فَإِذا كَانُوا قد خصوه بأبنيةٍ لَا تكون فِي المقلوب عَنهُ دلّ على أَنه لَيْسَ يجب أَن يكون كالمقلوب عَنهُ. على أَن ادِّعَاء فتح هَذِه اللَّام مَعَ أَنَّهَا الجارة لَا سوغ فِي اللُّغَة الَّتِي هِيَ أشيع وَأفْشى. وَلم تفتح فِي هَذِه اللُّغَة الشائعة إِلَّا مَعَ المنادى وَذَلِكَ لمضارعته الْمُضمر. فَإِذا لم يجز ذَلِك ثَبت أَنَّهَا فَاء الْفِعْل وَإِذا ثَبت ذَلِك ثَبت أَن الجارة مضمرة لَا بُد من ذَلِك. أَلا ترى أَنَّك إِن لم تضمر يتَّصل الِاسْم الثَّانِي بِالْأولِ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِيَّاه. فَالْمَعْنى إِذا: لله أَبوك. وَمِمَّا يدل على فَسَاد قَول من قَالَ إِن هَذِه اللَّام هِيَ الجارة أَنَّهَا إِذا كَانَت إِيَّاهَا كَانَت فِي تَقْدِير الِانْفِصَال من الِاسْم من حَيْثُ كَانَ الْعَامِل فِي تَقْدِير الِانْفِصَال عَن الْمَعْمُول فِيهِ فَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد ابْتَدَأَ الِاسْم أَوله سَاكن. وَذَلِكَ مِمَّا قد رفضوه وَلم يستعملوه. أَلا ترى أَنهم لم يخففوا الْهمزَة إِذا

стр. 3140

كَانَت أول كلمة من حَيْثُ كَانَ تخفيفها تَقْرِيبًا من السَّاكِن. فَإِذا) وَيدل على فَسَاد ذَلِك أَنهم لم يخرموا أول متفاعلن كَمَا خرموا أول فعولن ومفاعلن وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتوالى فِي أَوله متحركات لِأَن متفاعلن يسكن ثَانِيه للزحاف فَيلْزم لَو خرموه كَمَا خرم فعولن الِابْتِدَاء بالساكن. وعَلى هَذَا قَالَ الْخَلِيل: لَو لفظت بِالدَّال من قد وَالْبَاء من اضْرِب لَقلت: أد وإب فاجتلبت همزَة الْوَصْل. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لَو أعللت الْفَاء من عدَّة وزنة وَنَحْوهمَا وَلم تحذفها للزمك أَن تجتلب همزَة الْوَصْل فِيهَا فَتَقول: إعدة. وَمن زعم أَن الْهمزَة فِي أَنا كَانَ الأَصْل فِيهَا ألفا ثمَّ أبدل مِنْهَا همزَة فقد جهل مَا ذَكرْنَاهُ من مَذَاهِب الْعَرَب ومقاييس النَّحْوِيين. فَأَما أمس فقد جوزت الْعَرَب فِيهِ ضَرْبَيْنِ: ضمنهَا قوم معنى الْحَرْف فبنوها فِي كل حَال وعدلها آخَرُونَ فَلم يصرفوه فَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة سحر فِي بَاب الْعدْل وَأَنَّهُمْ لم يضمنوه الْحَرْف. فَأَما أخر وَالْعدْل فِيهِ فَلهُ موضعٌ آخر يذكر فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولتعلق جَمِيعه بِهَذَا الْبَاب سقناه برمتِهِ ليَكُون كالتتمة لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الإصبع العدواني وَهُوَ شَاعِر جاهلي

стр. 3141

وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين بعد الثلثمائة. وعدتها فِي رِوَايَة الْمفضل فِي المفضليات ثَمَانِيَة عشر بَيْتا وَفِي رِوَايَة ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرحها عَن أبي عِكْرِمَة وَرِوَايَة أبي عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ سِتَّة وَثَلَاثُونَ بَيْتا. واقتصرنا على رِوَايَة الْمفضل. قَالَهَا فِي ابْن عَم لَهُ كَانَ ينافسه ويعاديه وَهِي: الْبَسِيط (لي ابْن عَم على مَا كَانَ من خلقٍ ... مُخْتَلِفَانِ فأقليه ويقليني) (أزرى بِنَا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه وَخلته دوني) (يَا عَمْرو إِلَّا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حَتَّى تَقول الهامة اسقوني) (لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسبٍ ... عني وَلَا أَنْت دياني فتخزوني) (وَلَا تقوت عيالي يَوْم مسغبةٍ ... وَلَا بِنَفْسِك فِي العزاء تكفيني) (إِنِّي لعمرك مَا بَابي بِذِي غلقٍ ... عَن الصّديق وَلَا خيري بممنون)) (وَلَا لساني على الْأَدْنَى بمنطلقٍ ... بالفاحشات وَلَا فتكي بمأمون) (عف يؤوسٌ إِذا مَا خفت من بلدٍ ... هونا فلست بوقافٍ على الْهون) (عني إِلَيْك فَمَا أُمِّي براعيةٍ ... ترعى الْمَخَاض وَمَا رَأْيِي بمغبون) (إِنِّي أبي أبي ذُو محافظةٍ ... وَابْن أبي أبي من أبيين) (وَأَنْتُم معشرٌ زيدٌ على مائةٍ ... فاجمعوا أَمركُم كلا فكيدوني) (فَإِن عَرَفْتُمْ سَبِيل الرشد فَانْطَلقُوا ... وَإِن جهلتم سَبِيل الرشد فأتوني) (مَاذَا عَليّ وَإِن كُنْتُم ذَوي كرمٍ ... أَن لَا أحبكم إِن لم تحبوني) ...

стр. 3142

(لَو تشربون دمي لم يرو شاربكم ... وَلَا دماءكم جمعا ترويني) (الله يعلمني وَالله يعلمكم ... وَالله يجزيكم عني ويجزيني) (قد كنت أوتيكم نصحي وأمنحكم ... ودي على مثبتٍ فِي الصَّدْر مَكْنُون) (لَا يخرج الكره مني غير مأبيةٍ ... وَلَا أَلين لمن لَا يَبْتَغِي ليني) وَمن رِوَايَة أبي عِكْرِمَة: (فَإِن ترد عرض الدُّنْيَا بمنقصتي ... فَإِن ذَلِك مِمَّا لَيْسَ يشجيني) (وَلَا يرى فِي غير الصَّبْر منقصةٌ ... وَمَا سواهُ فَإِن الله يَكْفِينِي) (لَوْلَا أياصر قربى لست تحفظها ... وَرَهْبَة الله فِيمَن لَا يعاديني) (إِذن بريتك برياً لَا انجبار لَهُ ... إِنِّي رَأَيْتُك لَا تنفك تبريني) (إِن الَّذِي يقبض الدُّنْيَا ويبسطها ... إِن كَانَ أَغْنَاك عني سَوف يغنيني) (وَالله لَو كرهت كفي مصاحبتي ... لَقلت إِذْ كرهت قربي لَهَا بيني) وَقَوله: لي ابْن عَم علم من هَذَا أَنَّهُمَا اثْنَان. فَقَوله مُخْتَلِفَانِ خبر مُبْتَدأ مُضْمر أَي: نَحن. وَقَوله: من خلق أَي: من تخالق. وَكَانَ تَامَّة أَي: ثَبت ومن بيانٌ لما. ومطلع القصيدة على رِوَايَة أبي عِكْرِمَة والقالي: (يَا من لقلبٍ شَدِيد الْهم محزون ... أَمْسَى تذكر ريا أم هَارُون) ...

стр. 3143

(أَمْسَى تذكرها من بَعْدَمَا شحطت ... والدهر ذُو غلظةٍ حينا وَذُو لين) (فَإِن يكن حبها أَمْسَى لنا شجناً ... فَأصْبح الوأي مِنْهَا لَا يواتيني) (فقد غنينا وَشَمل الدَّهْر يجمعنا ... أطيع ريا وريا لَا تعاصيني)) (ترمي الوشاة فَلَا تخطي مقاتلهم ... بصادقٍ من صفاء الود مَكْنُون) ولي ابْن عَم على مَا كَانَ من خلقٍ ... ... ... ... إِلَى آخِره والشجن: الْحزن. والوأي: الْوَعْد. وغنينا: أَقَمْنَا. وَقَوله: أزرى بِنَا إِلَخ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يُقَال أزرى بِهِ إِذا قصر وزرى عَلَيْهِ: إِذا عابه. وَقَوله: شالت نعامتنا أَي: تفرق أمرنَا وَاخْتلف. يُقَال عِنْد اخْتِلَاف الْقَوْم: شالت نعامتهم وزف رألهم. والرأل: فرخ النعام. وَقيل يُقَال شالت نعامتهم إِذا جلوا عَن الْموضع. وَالْمعْنَى: تنافرنا فصلات لَا أطمئن إِلَيْهِ وَلَا يطمئن إِلَيّ وَيُقَال ألقوا عصاهم إِذا سكنوا واطمأنوا. انْتهى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى: شالت نعامتهم أَي: تفَرقُوا وذهبوا. لِأَن النعامة موصوفةٌ بالخفة وَسُرْعَة الذّهاب والهرب. وَيُقَال أَيْضا: خفت نعامتهم وزف رألهم. وَقيل: النعامة: جمَاعَة الْقَوْم. وَأنْشد الْبَيْت مَعَ أَبْيَات أخر. وَقَوله: يَا عَمْرو إِلَّا تدع شتمي إِلَخ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب تَقول: الْعَطش فِي الرَّأْس. وَأنْشد قَول الراجز: الرجز (قد علمت أَنِّي مَرْوِيّ هامها ... وَمذهب الغليل من أوامها) إِذا جعلت الدَّلْو فِي خطامها

стр. 3144

الغليل: شدَّة الْعَطش. والأوام: حر تَجدهُ فِي أجوافها. وَأنْشد أَيْضا: الطَّوِيل ستعلم إِن متْنا صدًى أَيّنَا الصدي صدًى أَي: عطشاً. وَالْمعْنَى: إِن لَا تدع شتمي اضربك على هامتك حَيْثُ تعطش. وَيُقَال: إِن الرجل إِذا قتل فَلم يدْرك بثأره خرجت هامةٌ من قَبره فَلَا تزَال تصيح: اسقوني اسقوني وَأنْشد فِي ذَلِك: الوافر (فَإِن تَكُ هامةٌ بهراة تزقو ... فقد أزقيت بالمروين هاما) انْتهى. قَالَ الشريف الرضي فِي أَمَالِيهِ بعد نقل هَذَا: وَهَذَا باطلٌ لَا أصل لَهُ. وَيجوز أَن يعنيه ذُو الإصبع على مَذَاهِب الْعَرَب.) وَقَوله: لاه ابْن عمك إِلَخ أَصله: لله ابْن عمك فَحذف لَام الْجَرّ مَعَ لَام التَّعْرِيف وَبَقِي عمله شذوذاً وَهُوَ خبر مقدم وَابْن عمك: مُبْتَدأ مُؤخر وَاللَّام المحذوفة للتعجب. وَنقل الشريف المرتضى عَن ابْن دُرَيْد أَنه قَالَ: أقسم وَأَرَادَ: لله ابْن عمك فَتكون اللَّام للقسم وَجُمْلَة: لَا أفضلت جَوَابه. وَهَذَا غير صَحِيح لِأَنَّهُ يبْقى قَوْله ابْن عمك ضائعاً. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَصله لله در ابْن عمك. وَهَذَا تكلّف لِأَنَّهُ إجحاف مُسْتَغْنى عَنهُ يَجْعَل اللَّام للتعجب وَيكون جملَة: لَا أفضلت إِلَخ

стр. 3145

بَيَانا وتفسيراً لجِهَة التَّعَجُّب من كَمَال صِفَاته الْمُقْتَضى للتعجب مِنْهَا. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وروى: لاه ابْن عمك بالخفض وَهُوَ قسمٌ الْمَعْنى: رب ابْن عمك بخفض رب فَيكون على هَذَا رب تَابعا للفظ الْجَلالَة بالوصفية وَيكون جملَة: لَا أفضلت إِلَخ جَوَاب الْقسم وَاللَّام المضمرة للقسم ولاه مقسم بِهِ. وَقد أورد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْبَيْت فِي عَن من حُرُوف الْجَرّ على أَنَّهَا هُنَا فِي بَابهَا من الْمُجَاوزَة وأفضلت مضمن لِمَعْنى تجاوزت فِي الْفضل. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن عَن فِيهِ بِمَعْنى على قَالَ: لِأَن الْمَعْنى الْمَعْرُوف: أفضلت عَلَيْهِ. وَهَذَا قَول ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَتَبعهُ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: ذهب يَعْقُوب بن السّكيت وَمن كِتَابه نقل ابْن قُتَيْبَة هَذِه الْأَبْوَاب إِلَى أَن عَن هَا هُنَا بِمَعْنى عَليّ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ جعل أفضلت من قَوْلهم: أفضلت على الرجل إِذا أوليته فضلا. وأفضلت هَذِه تتعدى بعلى لِأَنَّهَا بِمَعْنى الإنعام. وَمَعْنَاهُ: إِنَّك لم تنعم عَليّ بِأَن شرفتني فَتعْتَد بذلك عَليّ. وَقد يجوز أَن يكون من قَوْلهم: أعْطى وَأفضل إِذا زَاد على الْوَاجِب. وأفل هَذِه أَيْضا تتعدى بعلى يُقَال:

стр. 3146

أفضل على كَذَا أَي: زَاد عَلَيْهِ فضلَة. وَقد يجوز أَن يكون من قَوْلهم: أفضل الرجل إِذا صَار ذَا فضلٍ فِي نَفسه فَيكون مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك فضلٌ تنفرد بِهِ عني وتحوزه دوني. فَتكون عَن هُنَا وَاقعَة موقعها غير مبدلة من على. انْتهى.) وَمِنْه أَخذ مَا نَقله ابْن الملا بقوله: قيل: ضمن أفضل معنى انْفَرد فَعدى بعن لِأَنَّهُ إِذا أفضل عَلَيْهِ فِي الْحسب أَي: زَاد فقد انْفَرد عَنهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَة. وَقيل: هِيَ على بَابهَا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أفضل وَكَانَ فَوْقه فِي الْحسب فقد زَاد عَنهُ وَصَارَ فِي حيّز فَكَأَنَّهُ يَقُول: مَا زَاد قدرك عَن قدري وَلَا ارْتَفع شَأْنك عَن شأني. انْتهى. هَذَا وَقد روى صَاحب الأغاني: (لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسبٍ ... شَيْئا ... ... ... ... .) وَعَلَيْهَا لَا يكون فِي الْبَيْت عَن فَلَا يَأْتِي هَذَا الْبَحْث. وعَلى تِلْكَ كَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول: عَنهُ بضمير الْغَائِب لكنه الْتفت من الْغَيْبَة إِلَى التَّكَلُّم. قَالَ ابْن السَّيِّد: وَيَعْنِي بِابْن الْعم الْمَذْكُور نَفسه فَلذَلِك رد الْإِخْبَار بِلَفْظ الْمُتَكَلّم وَلم يُخرجهُ بِلَفْظ الْغَيْبَة لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه يَعْنِي نَفسه. وَلَو جَاءَ بالْكلَام على لفظ الْغَيْبَة لَكَانَ أحسن وَلكنه أَرَادَ تَأْكِيد الْبَيَان وَرفع الْإِشْكَال. والْحسب: مَا يعده الْإِنْسَان من مآثر نَفسه. وَفِي الْقَامُوس: الديَّان: القهار وَالْقَاضِي وَالْحَاكِم والمجازي الَّذِي لَا يضيع عملا بل يَجْزِي بِالْخَيرِ وَالشَّر.

стр. 3147

وتخزوني بِالْخَاءِ وَالزَّاي المعجمتين: مضارع خزاه خزواً بِالْفَتْح: ساسه وقهره وَملكه. وَأما الخزي بِالْكَسْرِ وَهُوَ الهوان والذل فالفعل مِنْهُ كرضي. وأخزاه الله: فضحه. قَالَ الدماميني: يحْتَمل الرّفْع وَالنّصب فِي فتخزوني كَمَا يحتملها نَحْو: مَا تَأْتِينَا فتحدثنا أَي: وَلَا أَنْت مالكي فَأَنت تسوسني أَو لَيْسَ لَك ملك فسياسة. وعَلى تَقْدِير النصب فالفتحة مقدرَة كَمَا فِي قَوْله: الطَّوِيل أَبى الله أَن أسمو بِأم وَلَا أَب وَلَيْسَ بضرورة. وَقد قرئَ فِي الشواذ: إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح بِإِسْكَان الْوَاو من يعْفُو الَّذِي. انْتهى. وَقَالَ ابْن السَّيِّد: وَقَوله لَا أفضلت مَعْنَاهُ: لم تفضل. وَالْعرب تقرن لَا بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فينوب ذَلِك مناب لم إِذا قرنت بِالْفِعْلِ الْمُسْتَقْبل. فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: فَلَا صدق وَلَا صلى. مَعْنَاهُ: لم يصدق وَلم يصل. وَمِنْه قَول أبي) خرَاش: الرجز وَمعنى الْبَيْت: لله ابْن عمك الَّذِي ساواك فِي الْحسب وماثلك فِي

стр. 3148

الشّرف فَلَيْسَ لَك فضل عَلَيْهِ فتفتخر بِهِ وَلَا أَنْت مَالك أمره فتسوسه وتصرفه على حكمك. وَقَوله: وَلَا تقوت عَليّ إِلَخ تقوت: تُعْطِي الْقُوت. والمسغبة: المجاعة. والعزاء بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي: الضّيق والشدة. وَقَوله: إِنِّي لعمرك إِلَخ الْمَمْنُون: الْمَقْطُوع أَو من الْمِنَّة. وَقَوله: عف يؤوس إِلَخ أَي: أعف عَمَّا لَيْسَ لي لست بِذِي طمع آيس مِمَّا فِي أَيدي غَيْرِي فَلَا تتبعه نَفسِي. والْهون بِالضَّمِّ: الذل. وَقَوله: فَمَا أُمِّي براعية أَي: لست بِابْن أمة. عرض بِهِ وَكَانَ ابْن أمة. وَإِنَّمَا خص رعية الْمَخَاض لِأَنَّهَا أَشد من رعية غَيرهَا وَلَا يمتهن فِيهَا إِلَّا من لم يبال بِهِ. وَقَوله: إِنِّي أبي إِلَخ قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: كسرة النُّون من أبيين حَرَكَة التقاء الساكنين وهما الْيَاء وَالنُّون وَكسرت النُّون على أصل التقاء الساكنين إِذا التقيا. وَلم تفتح كَمَا تفتح نون الْجمع لِأَن الشَّاعِر اضْطر إِلَى ذَلِك لِئَلَّا يخْتَلف حَرَكَة حرف الروي فِي سَائِر الأبيات. وَقَوله: وَأَنْتُم معشر إِلَخ زيدٌ: زِيَادَة. وَأجْمع أمره بألفٍ قَالَ تَعَالَى: فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم. وَقَوله: لَا يخرج الكره هُوَ فَاعل يخرج يَقُول: إِذا أكرهت على الشَّيْء لم يكن عِنْدِي إِلَّا الإباء لَهُ لَا أعطي على القسر شَيْئا. والمأبية: مصدر كالإباء

стр. 3149

(النكرَة والمعرفة) أنْشد فِيهِ ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر أظبيٌ كَانَ أمك أم حمَار على أَن الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ عَاد على نكرَة غير مُخْتَصَّة بشيءٍ وَهُوَ ظَبْي. وَقد تكلم الشَّارِح الْمُحَقق عَلَيْهِ فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. ولنشرح هُنَا الشّعْر ونعين قَائِله فَنَقُول: هُوَ من أَبْيَات أوردهَا أَبُو تَمام فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل ونسبها لثروان ابْن فَزَارَة بن عبد يَغُوث العامري وَهِي: (وكائن قد رَأَيْت من اهل دارٍ ... دعاهم رائدٌ لَهُم فَسَارُوا) (فَأصْبح عَهدهم كمقص قرنٍ ... فَلَا عينٌ تحس وَلَا أثار) (فَإنَّك لَا يَضرك بعد عامٍ ... أظبيٌ كَانَ أمك أم حمَار) (فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللؤم وَاخْتَلَطَ النجار) (وَعَاد العَبْد مثل أبي قبيسٍ ... وسيق مَعَ المعلهجة العشار)

стр. 3150

وَقَوله: وكائن هِيَ خبرية بِمَعْنى كم الخبرية. والرائد: الَّذِي يُرْسل فِي طلب الْكلأ. وَقَوله: فَأصْبح عَهدهم إِلَخ الْعَهْد بِالْفَتْح: الْمنزل الَّذِي لَا يزَال الْقَوْم إِذا بعدوا عَنهُ رجعُوا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ المهد. وَقَوله: كمقص قرن قَالَ أَبُو تَمام أَي: كمقطع قرن. يُرِيد: خلت دِيَارهمْ. وَقيل: مقص قرن: جبلٌ مشرف على عَرَفَات أَيْضا. وَلَيْسَ يُريدهُ. انْتهى. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: مقص: موضعٌ تقتص فِيهِ الأَرْض أَي: لَا يُوجد لَهُم ولعهدهم أثر كَمَا لَا يُوجد أثر من يمشي على صَخْرَة. وقرن: جبل. انْتهى. وتحس: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من أحس الرجل الشَّيْء إحساساً أَي: علم بِهِ. والأثار بِالْفَتْح هُوَ الْأَثر. وَيُقَال: أثارةٌ أَيْضا بِالْهَاءِ.) وَقَوله: لقد بدلت أَهلا إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والسخار بِضَم السِّين وَكسرهَا: اسْم للسخرية والاستهزاء. وَرَوَاهُ مؤرجٍ السدُوسِي فِي أَمْثَاله: فَإنَّك لَا يضورك يُقَال: ضاره يضوره ويضيره بِمَعْنى. ورويا: حولٍ بدل عَام. وَلم أر رِوَايَة فَإنَّك لَا تبالي لأحد إِلَّا للنحويين. وَقَوله: أظبي كَانَ إِلَخ هَذِه هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة الَّتِي رَوَاهَا سِيبَوَيْهٍ فَمن دونه من النُّحَاة. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِي رده على ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: كَيفَ يكون الظبي وَالْحمار أَمِين وهما ذكرا الْحَيَوَان حَتَّى إِن الْمثل يضْرب بالحمار فَيُقَال: من ينك العير ينك نياكا

стр. 3151

وَالصَّوَاب مَا أنشدناه أَبُو الندى: أظبي ناك أمك أم حمَار وَإِنَّمَا قلبت اللَّفْظَة تحرجاً فِيمَا أرى ثمَّ اسْتشْهد بِهِ النحويون على ظَاهره. وَهَذِه الأبيات قِطْعَة طريفةً أَكتبهَا أَبُو الندى وَذكر أَنَّهَا لثروان بن فَزَارَة بن عبد يَغُوث بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر. انْتهى. أَقُول: يدْفع مَا توقف فِيهِ بِأَن أم هُنَا مَعْنَاهُ الأَصْل. وَهَذَا معنى شَائِع لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ فَإِن الْأُم فِي اللُّغَة تطلق على أصل كل شَيْء سواءٌ كَانَ فِي الْحَيَوَان أَو فِي غَيره. وَقَالَ الأعلم: فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وصف فِي الْبَيْت تغير الزَّمَان واطراح مُرَاعَاة الْأَنْسَاب. فقد لحق الأسافل بالأعالي فَيَقُول: لَا تبالي بعد قيامك بِنَفْسِك واستغنائك عَن أَبَوَيْك من انتسبت إِلَيْهِ من شرِيف أَو وضيع. وَضرب الْمثل بالظبي وَالْحمار وجعلهما أَمِين وهما ذكران لِأَنَّهُ مثلٌ لَا حَقِيقَة وَقصد قصد الجنسين وَلم يُحَقّق أبوة. وَذكر الْحول لذكر الظبي وَالْحمار لِأَنَّهُمَا يستغنيان بأنفسهما بعد الْحول فَضرب الْمثل بِذكرِهِ للْإنْسَان لما أَرَادَ من استغنائه بِنَفسِهِ. انْتهى. وَقَوله: وماج اللؤم إِلَخ ماج يموج. واللؤم: دناءة النَّفس

стр. 3152

والآباء. والنجار بِكَسْر النُّون وَضمّهَا بعْدهَا جِيم: الأَصْل أَي: ذهب السودد وَغلب على النَّاس اللؤم والدناءة واشتبه الأَصْل وَالنّسب حَتَّى لَو بقوا على هَذِه الْحَالة سنة لَا يُبَالِي إنسانٌ أهجيناً كَانَ أَو غير هجين.) وَقَوله: مثل أبي قبيس هُوَ مصغر أَبُو قَابُوس وَهُوَ كنية النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة. وقَابُوس: مُعرب كاووس اسْم ملكٍ من مُلُوك الْفرس الْقَدِيمَة. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: الَّذِي أنشدناه أَبُو الندى: وَعَاد الفند مثل أبي قبيس والفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون: قِطْعَة من الْجَبَل طولا وَقيل: الْجَبَل الْعَظِيم. وأَبُو قبيس: جبلٌ بِمَكَّة سمي بِرَجُل من مذْحج حداد لِأَنَّهُ أول من بنى فِيهِ. وَفِي الْقَامُوس: المعلهج كمزعفر: الأحمق اللَّئِيم والهجين. وَحكم الْجَوْهَرِي بِزِيَادَة هائه غلط. والهجين: اللَّئِيم وعربي ولد من أمة أَو من أَبوهُ خيرٌ من أمه. وفرسٌ هجين: غير كريم كالبرذون. والعشار بِالْكَسْرِ: جمع عشير وَهُوَ الْقَرِيب وَالصديق أَو جمع عشراء والعشراء من النوق: الَّتِي مضى لحملها عشرَة أشهر أَو ثَمَانِيَة أَو هِيَ كالنفساء من النِّسَاء. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: الفند كِنَايَة عَن الرجل الوضيع. وَأَبُو قبيس: الرجل الشريف. والمعلهجة: الْفَاسِدَة النّسَب أَي: تزوجت هَذِه المعلهجة ومهرت مهر الشَّرِيفَة. وثروان بن فَزَارَة: صَحَابِيّ وَفد على رَسُول الله ﷺ َ. وَهُوَ الْقَائِل:

стр. 3153

الطَّوِيل (إِلَيْك رَسُول الله خبت مطيتي ... مَسَافَة أرباعٍ تروح وتغتدي) وَنسبه صَاحب الجمهرة وَابْن حجر فِي الْإِصَابَة عَنهُ كَذَا: ثروان بن فَزَارَة ابْن عبد يَغُوث بن زُهَيْر الصتم بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. والصتم بِفَتْح الصَّاد وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: لقب زُهَيْر وَيُقَال لَهُ: زهيرٌ الْأَكْبَر. وَنسب سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت لخداش بن زُهَيْر. وَزُهَيْر هَذَا هُوَ زُهَيْر الصتم الْمَذْكُور وَهُوَ أَخُو عبد يَغُوث جد ثروان الصَّحَابِيّ. قَالَ المرزباني: هُوَ جاهلي. وَأوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي قسم المخضرمين الَّذين أدركوا زمن النَّبِي ﷺ َ وَلم يجتمعوا بِهِ. قَالَ: خِدَاش بن زُهَيْر العامري شهد حنيناً مَعَ الْمُشْركين وَله فِي ذَلِك شعر يَقُول فِيهِ: الْبَسِيط (يَا شدَّة مَا شددنا غير كاذبةٍ ... على سخينة لَوْلَا اللَّيْل وَالْحرم) ثمَّ أسلم خداشٌ بعد ذَلِك بِزَمَان ووفد وَلَده سعساع على عبد الْملك يتنازعون فِي العرافة فَنظر إِلَيْهِ عبد الْملك فَقَالَ: قد وليتك العرافة. فَقَامَ قومه وهم يَقُولُونَ: فلج ابْن خِدَاش) فسمعهم عبد الْملك فَقَالَ: كلا وَالله لَا يهجونا أَبوك فِي الْجَاهِلِيَّة ونسودك فِي الْإِسْلَام. وَذكر الْبَيْت الْمُتَقَدّم. وَالْمرَاد بقوله: سخينة قُرَيْش. وَذكر المرزباني أَنه جاهلي وَأَن الْبَيْت الَّذِي قَالَه فِي قُرَيْش كَانَ فِي حَرْب الْفجار. وَهَذَا أصوب. انْتهى.

стр. 3154

وَنسب العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف الْبَيْت الشَّاهِد لزرارة بن فروان من بني عَامر بن صعصعة وَقَالَ: الْفَاء فِي فروان مَفْتُوحَة. وَلم أر زُرَارَة هَذَا فِي الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة من الْإِصَابَة وَلَا فِي جمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الْكَلْبِيّ. وَالله أعلم. وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني على أَنه يجوز وصف الْمُعَرّف بِاللَّامِ الجنسية بالنكرة كَمَا هُنَا فَإِن جملَة يسبني نكرَة وَقعت وَصفا للئيم. وَفِيه أَنهم قَالُوا: الْجمل لَا تتصف بتعريف وَلَا تنكير. وَقَالُوا أَيْضا: إِن الْجُمْلَة بعد الْمُعَرّف بِاللَّامِ الجنسية يحْتَمل أَن تكون حَالا مِنْهُ وَأَن تكون وَصفا لَهُ. ومثلوا بِهَذَا الْبَيْت. مِنْهُم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَغَيره. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الْكَامِل (أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما تزل برحالنا وَكَأن قد)

стр. 3155

على أَن قد كلمة مُسْتَقلَّة يصلح الْوَقْف عَلَيْهَا. وَهَذَا الْفَصْل قد أَخذه الشَّارِح الْمُحَقق من سر الصِّنَاعَة لِابْنِ جني وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ قَالَ: وَذهب الْخَلِيل إِلَى أَن حرف التَّعْرِيف بِمَنْزِلَة قد فِي الْأَفْعَال وَأَن الْهمزَة وَاللَّام جَمِيعًا للتعريف. وَحكي عَنهُ أَنه كَانَ يسميها أل كَقَوْلِنَا: قد وَأَنه لم يكن يَقُول الْألف وَاللَّام كَمَا لَا تَقول فِي قد الْقَاف وَالدَّال. وَيُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَب قطع أل فِي أَنْصَاف الأبيات نَحْو قَول عبيد: الرمل المرفل (يَا خليلي اربعا واستخبرا ال ... منزل الدارس من أهل الْحَلَال) (مثل سحق الْبرد عفى بعْدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمَال) وَهَذِه قطعةٌ لِعبيد مَشْهُورَة عَددهَا بضعَة عشر بَيْتا يطرد جَمِيعهَا على هَذَا الْقطع الَّذِي ترَاهُ إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا من جُمْلَتهَا. وَلَو كَانَت اللَّام وَحدهَا حرفا للتعريف لما جَازَ فصلها من الْكَلِمَة الَّتِي عرفتها لاسيما وَاللَّام سَاكِنة والساكن لَا ينوى بِهِ الِانْفِصَال. وَيُقَوِّي ذَلِك أَيْضا قَول الآخر: الرجز (عجل لنا هَذَا وألحقنا بذال ... الشَّحْم إِن قد أجمناه بجل) فإفراده أل وإعادته إِيَّاهَا فِي الْبَيْت الثَّانِي يدل من مَذْهَبهم على قُوَّة اعْتِقَادهم لقطعها فَصَارَ قطعهم أل وهم يُرِيدُونَ الِاسْم بعْدهَا كَقطع النَّابِغَة قد وَهُوَ يُرِيد الْفِعْل بعْدهَا. وَذَلِكَ قَوْله: (أفد الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما تزل برحالنا وَكَأن قد)
следующие страницы →