Полный текст (5 658 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(قَامَت تبْكي أَن سبأت لفتية ... زقا وخابية بِعُود مقطع)
تبْكي بِضَم التَّاء وَكسر الْكَاف الْمُشَدّدَة يُقَال بكاه عَلَيْهِ تبكية اي هيجه للبكاء فمفعوله مَحْذُوف وروى تباكى أَي تتباكى وسبأ الْخمر مَهْمُوز الآخر كجعل سبأ وسباء واستبأها أَيْضا بِمَعْنى اشْتَرَاهَا للشُّرْب لَا للتِّجَارَة والزق بِالْكَسْرِ جلد يخرز وَلَا ينتف صوفه يكون للشراب وَغَيره والزق بِالضَّمِّ الْخمر نَفسهَا والخابية الجرة الْعَظِيمَة وَيُقَال الْحبّ والزير وَأَصلهَا الْهَمْز لَكِن تَرَكُوهُ وَالْعود بِفَتْح الْمُهْملَة المسن من الْإِبِل والمقطع بزنة اسْم الْمَفْعُول
الْبَعِير الَّذِي أقطع عَن الضراب وَالْبَعِير قَامَ من الهزال يخبر أَنَّهَا لامته فِيمَا لَا خطر لَهُ
(وقريت فِي مقرى قَلَائِص أَرْبعا ... وقريت بعد قرى قَلَائِص أَربع)
قريت الضَّيْف قرى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وقراء بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي أضفته والمقرى بِالْفَتْح مَوضِع الْقرى وبالكسر وَكَذَلِكَ المقرأة الْقَصعَة الَّتِي يقرى فِيهَا وقلائص مفعول قريت وَهِي جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة وَلِهَذَا حذف التَّاء من الْعدَد وَقَوله بعد قرى قَلَائِص أَربع كل لفظ مُضَاف لما بعده إِلَى الآخر يَقُول قريت فِي مَوضِع قَلَائِص أَرْبعا وَلم يمنعنى ذَلِك أَن قريت بعدهن
(أتبكيا من كل شَيْء هَين ... سفة بكاء الْعين مَا لم تَدْمَع)
يَقُول سفة بكاؤك من كل شَيْء لَا يحزنك وَلَا تَدْمَع عَيْنك مِنْهُ فَلَو كنت حزينة كَانَ أعذر لَك عِنْدِي
(فَإِذا أَتَانِي إخوتي فدعيهم ... يتعللوا فِي الْعَيْش أَو يلهوا معي] ٩ ... تعلل بِالْأَمر تشاغل بِهِ والعيش الْحَيَاة المختصة بِالْحَيَوَانِ وَهُوَ أخص
стр. 317
من الْحَيَاة لِأَن الْحَيَاة تقال فِي الْحَيَوَان وَفِي الْملك وَفِي الْبَارِي تَعَالَى (وَاللَّهْو) الشّغل عَن مهمات الْأُمُور بِمَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَالْوَاو فِي يلهوا ضمير الْجَمَاعَة وَلَام الْفِعْل محذوفة مثل الرِّجَال يعفون
(لَا تطرديهم عَن فِرَاشِي إِنَّه ... لابد يَوْمًا أَن سيخلو مضجعي)
الْفراش الْبَيْت كَذَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي شَرحه وَهِي هُنَا لَفْظَة قبيحة وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة
(هلا سَأَلت بعادياء وبيته ... والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع)
قَالَ شَارِح الدِّيوَان مُحَمَّد بن حبيب بعادياء يُرِيد عَن عادياء يَقُول لم يبْق عادياء وَكَذَلِكَ أَنا أقل بَقَاء وَهُوَ عادياء أَبُو السموءل الْأَزْدِيّ الغساني وَقَالَ آخَرُونَ يُرِيد عادا وكل شَيْء قديم عِنْد الْعَرَب عادي وَقَوله والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع يَعْنِي الْخَيْر وَالشَّر كَمَا يُقَال مَا فلَان بخل وَلَا بِخَمْر أَي لَيْسَ عِنْده خير وَلَا شَرّ واذهب فَمَا أَنْت بخل وَلَا خمر قَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْثَال أَرَادَ أَنه كَانَ لَا يبخل بِشَيْء مِمَّا كَانَ عِنْده
(وفتاتهم عنز عَشِيَّة أَبْصرت ... من بعد مرأى فِي الفضاء ومسمع)
(قَالَت أرى رجلا يقلب نَعله ... أصلا وجو آمن لم يفزع)
قَوْله وفتاتهم مجرور وعنز عطف بَيَان عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَآخره زَاي مُعْجمَة اسْم زرقاء الْيَمَامَة وَكَانَت من جديس بنت ملكهم وَكَانَت تغذى بالمخ وَفِي الْقَامُوس وعنز امْرَأَة من طسم سبيت فحملوها فِي هودج وألطفوها بالْقَوْل وَالْفِعْل فَقَالَت هَذَا شَرّ يومي حِين صرت أكْرم للسباء وَنصب شَرّ على معنى ركبت فِي شَرّ يوميها
стр. 318
ثمَّ قَالَ وزرقاء الْيَمَامَة امْرَأَة من جديس كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام انْتهى فَتَأمل قَالَ الشَّاعِر (الرمل)
(شَرّ يوميها وأغواه لَهَا ... ركبت عنز بحدج جملا)
وَكَانَت رَأَتْ رجلا من طلائع جمع تبع قُدَّام الْجَيْش يقلب نعلا من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يفزع لَهُم أحد وَلم يعلم بمجيئهم وَالْأَصْل جمع أصيل وَهُوَ مَا بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب وَقَوله وجو يُرِيد أهل جو وجو اسْم بلد وَهِي الْيَمَامَة الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا زرقاء الْيَمَامَة وَقَوله وفتاتهم قَالَ ابْن حبيب نسب عَنْزًا إِلَى بَيت عادياء وَلَيْسَت مِنْهُم وَإِنَّمَا كَانَ شَيْئا فِي أول الدَّهْر فنسبه إِلَى بَعضهم كَمَا قَالَ زُهَيْر كأحمر عَاد وَإِنَّمَا كَانَ فِي ثَمُود وكما قَالَ آخر
(مثل النَّصَارَى قتلوا المسيحا)
(فَكَأَن صَالح أهل جو غدْوَة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع)
يُرِيد الْجَمِيع لِأَنَّهُ إِذا هلك الْوُجُوه والصالحون مِنْهُم فَالَّذِينَ دونهم أَحْرَى أَن يهْلكُوا وَقد صبحوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الصبوح وَهُوَ شرب الْغَدَاة تَقول
صبحته صبحا من بَاب ضَربته والذيفان بِفَتْح الذَّال وَكسرهَا وبالمثناة التَّحْتِيَّة وتهمز فيهمَا السم الْقَاتِل والسمام بِالْكَسْرِ جمع سم والمنقع كل مَا ينقع مالماء وَنَحْوه
(كَانُوا كأنعم من رَأَيْت فَأَصْبحُوا ... يلوون زَاد الرَّاكِب الْمُتَمَتّع)
أَي كَانُوا بِنِعْمَة وخصب ثمَّ أَصْبحُوا يعسر عَلَيْهِم أَن يزودوا رَاكِبًا لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك والمتعة الزَّاد يَقُول مَا لَهُ مُتْعَة وَلَا بتات يَقُول
стр. 319
الْمُسَافِر متعني وبتتني وزودني كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد
(كَانَت مُقَدّمَة الْخَمِيس وَخَلفهَا ... رقص الركاب إِلَى الصَّباح بتبع)
الرقص بِفتْحَتَيْنِ الخبب وَهُوَ نوع من السّير وأرقص الرجل بعيره أَي حمله على الخبب ويروى ركض الركاب والركاب الْإِبِل واحده رَاحِلَة وَضمير كَانَت رَاجع إِلَى نظرة عنز الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة المفهومة من السِّيَاق وَخلف تِلْكَ النظرة إبل تبع تسير إِلَى الصَّباح حَتَّى لحقهم وَتبع أَبُو حسان بن تبع الَّذِي غزا جديس فَقَتلهُمْ واستباح الْيَمَامَة
(لَا تجزعي إِن منفس أهلكته الْبَيْت)
وَهَذَا آخر القصيدة والنمر بن تولب صَحَابِيّ يعد من المخضرمين وَنسبه مَذْكُور فِي الِاسْتِيعَاب وَغَيره وَهُوَ عكلي مَنْسُوب إِلَى عكل بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وَهِي أمة كَانَ تزَوجهَا عَوْف بن قيس بن وَائِل بن عَوْف بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة فَولدت لَهُ ثَلَاث بَنِينَ ثمَّ مَاتَ فحضنتهم عكل فنسبوا إِلَيْهَا والنمر شَاعِر جواد وَاسع الْعَطاء كثير الْقرى وهاب لمَاله وَكَانَ أَبُو عَمْرو ابْن الْعَلَاء يسمية الْكيس لجودة شعره وَكَثْرَة أَمْثَاله وَيُشبه شعره بِشعر حَاتِم
الطَّائِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ النمر شَاعِر الربَاب فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يمدح أحدا وَلَا هجا ووفد على النَّبِي
مُسلما وَهُوَ كَبِير
стр. 320
قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ النمر بن تولب مِائَتي سنة وخرف وَأُلْقِي على لِسَانه انحروا للضيف أعْطوا السَّائِل اصبحوا الرَّاكِب أَي اسقوه الصبوح قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمته من كتاب الشُّعَرَاء وَألقى بعض البطالين على لِسَانه نيكوا الرَّاكِب فَكَانَ يَقُولهَا وَمن شعره (الْكَامِل)
(لَا تغضبن على امْرِئ فِي مَاله ... وعَلى كرائم صلب مَالك فاغضب)
(وَإِذا تصبك خصَاصَة فارج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطي الرغائب فارغب)
(بَاب التَّنَازُع)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (السَّرِيع)
(فَكنت كالساعي إِلَى مثعب ... موائلا من سبل الراعد)
على أَن الْكسَائي وَقع فِي أشنع مِمَّا فر مِنْهُ من حذف الْفَاعِل مضمرا لِئَلَّا يلْزم الْإِضْمَار قبل الذّكر فِي نَحْو ضرباني وَضربت الزيدين مَعَ أَن الْإِضْمَار قبل الذّكر قد ورد وَحذف الْفَاعِل فِي غير الْمسَائِل المحصورة لم يرد والساعي من سعى الرجل فِي مَشْيه وسعى إِلَى الصَّلَاة ذهب إِلَيْهَا على أَي وَجه كَانَ وأصل السَّعْي التَّصَرُّف فِي كل عمل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ والمثعب بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ وَاحِد مثاعب الْحِيَاض وانثعب المَاء جرى فِي المثعب وثعبت المَاء فِي الْحَوْض بِالتَّخْفِيفِ فجرته والثعب
стр. 321
بِالتَّحْرِيكِ مسيل المَاء فِي الْوَادي والموائل اسْم فَاعل من واءل مِنْهُ على وزن فَاعل أَي طلب النجَاة وهرب والموثل الملجأ وَقد وأل يئل وَألا ووؤلا على فعول أَي لَجأ والسبل بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين هُوَ الْمَطَر والراعد سَحَاب ذُو رعد وَيُقَال رعدَتْ السَّمَاء رعدا من بَاب قتل ورعودا لَاحَ مِنْهَا الرَّعْد كَذَا فِي الْمِصْبَاح يَقُول أَنا فِي التجائي إِلَيْهِ كالهارب من السَّحَاب ملتجئا إِلَى الْمِيزَاب وَمثله قَول الشَّاعِر (الْبَسِيط)
(المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
وَالْبَيْت لسَعِيد بن حسان وَقَبله
(فَرَرْت من معن وإفلاسه ... إِلَى اليزيدي أبي وَاقد)
ومعن هُوَ معن بن زَائِدَة الْأَمِير الْجواد الْمَضْرُوب مثلا فِي الْجُود وَالْكَرم وَإِنَّمَا قَالَ وإفلاسه لِأَن الإفلاس لَازم للكرام فِي أَكثر الْأَيَّام واليزيدي هُوَ أحد أَوْلَاد يزِيد بن عبد الْملك وَقد أورد الْعُتْبِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي تَارِيخ يَمِين الدولة مَحْمُود بن سبكتكين تمثيلا ونسبهما إِلَى سعيد بن حسان ونقلتهما مِنْهُ لِأَنِّي لم أرهما إِلَّا فِيهِ ونقلت شرح بَيته الأول من شرح التَّارِيخ الْمَذْكُور لأبي عبد الله مَحْمُود بن عمر النَّيْسَابُورِي الشهير بالنجاتي
стр. 322
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ (الْخَفِيف)
(لَا تخلنا على غراتك إِنَّا ... طالما قد وشى بِنَا الْأَعْدَاء)
على أَن بَعضهم جوز فِي السعَة حذف أحد مفعولي بَاب علمت للقرينة مستدلا بِهَذَا الْبَيْت أَي لَا تخلنا أذلاء الأولى هالكين أَو جازعين والقرينة الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ
(فبقينا على الشناءة تنمينا ... جدود وَعزة قعساء)
أَي فبقينا على بغض الْأَعْدَاء لنا وَلم يضرنا بغضهم والشناءة بِالْفَتْح
وَالْمدّ البغض وتنمينا ترفعنا يُقَال نماه كَذَا أَي رَفعه والقعساء الثَّابِتَة والجدود جمع جد بِالْفَتْح وَهُوَ الْحَظ وَالْبخْت وخال يخال بِمَعْنى ظن وَحسب وعَلى بِمَعْنى مَعَ والغراة بِالْفَتْح وَالْقصر اسْم بِمَعْنى الإغراء وَيُقَال أغريته بِهِ إغراء فأغري بِهِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقد روى على غرائك أَيْضا بِالْمدِّ وَهُوَ مُضَاف لفَاعِله وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي الْملك وَقَالَ أَبُو زيد فِي نوادره يُقَال أغريت فلَانا بِصَاحِبِهِ إغراء وآسدت بَينهمَا إيسادا إِذا حملت كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه حَتَّى غري بِهِ أَي لزق بِهِ غرى شَدِيدا مَقْصُور وغريت أَنا بفلان فَأَنا أغرى بِهِ غرى إِذا أولعت بِهِ من غير تحميل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَإِنَّا بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف بياني وطالما أَي كثيرا مَا وَهُوَ فعل مكفوف عَن الْفَاعِل لاتصاله بِمَا الكافة وروى أَيْضا قبل مَا قد وشى بِضَم اللَّام أَي قبلك وَمَا زَائِدَة ووشى بِهِ عِنْد السُّلْطَان وشيا سعى بِهِ وَقبل هَذَا الْبَيْت ...
стр. 323
(أَيهَا النَّاطِق المرقش عَنَّا ... عِنْد عَمْرو وَهل لذاك بَقَاء)
والمرقش المزين أَرَادَ الَّذِي يزين القَوْل بِالْبَاطِلِ يَقُول يَا أَيهَا النَّاطِق عِنْد الْملك الَّذِي يبلغهُ عَنَّا مَا يرِيبهُ فِي محبتنا إِيَّاه ودخولنا تَحت طَاعَته هَل لهَذَا التَّبْلِيغ بَقَاء وَهُوَ اسْتِفْهَام إنكاري لِأَن الْملك يبْحَث عَنهُ فَيعلم ذَلِك من الأكاذيب وعَمْرو هُوَ عَمْرو هُوَ عَمْرو بن الْمُنْذر الْأَكْبَر بن مَاء السَّمَاء وَيُقَال لَهُ أَيْضا عَمْرو بن هِنْد ويلقب بالمحرق لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم فِي النَّار وَقيل بل حرق نخل الْيَمَامَة وَهُوَ من مُلُوك الْحيرَة وَهَذِه الأبيات من الْمُعَلقَة الْمَشْهُورَة لِابْنِ حلزة وَهُوَ الْحَارِث بن حلزة من بني يشْكر بن بكر بن وَائِل وَهُوَ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة وَهُوَ فِي
اللُّغَة كَمَا قَالَ الصَّاغَانِي اسْم دويبة وَاسم البومة وَالذكر بِدُونِ هَاء وَيُقَال امْرَأَة حلزة للقصيرة والبخيلة والحلز السيء الْخلق انْتهى وَقَالَ قطرب حُكيَ لنا أَن الحلزة ضرب من النَّبَات وَلم نسْمع فِيهِ غير ذَلِك قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَجود الشُّعَرَاء قصيدة وَاحِدَة جَيِّدَة طَوِيلَة ثَلَاثَة نفر عَمْرو بن كُلْثُوم والْحَارث بن حلزة وطرفة بن العَبْد وَزعم الْأَصْمَعِي أَن الْحَارِث قَالَ قصيدته هَذِه وَهُوَ ابْن مائَة وَخمْس وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ من حَدِيثه أَن عَمْرو بن هِنْد لما ملك الْحيرَة وَكَانَ جبارا جمع بكرا وتغلب فَأصْلح بَينهم وَأخذ من الْحَيَّيْنِ رهنا من كل حَيّ مائَة غُلَام ليكف بَعضهم عَن بعض وَكَانَ أُولَئِكَ الرَّهْن يَسِيرُونَ ويغزون مَعَ الْملك فَأَصَابَتْهُمْ سموم فِي بعض مَسِيرهمْ فَهَلَك عَامَّة التغلبيين وَسلم البكريون فَقَالَت تغلب لبكر بن وَائِل أعطونا ديات أَبْنَائِنَا فَإِن ذَلِك لَازم لكم فَأَبت بكر فاجتمعت
стр. 324
تغلب إِلَى عَمْرو بن كُلْثُوم فَقَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم لتغلب بِمن ترَوْنَ بكرا تعصب أمرهَا الْيَوْم قَالُوا بِمن عَسى إِلَّا بِرَجُل من بني ثَعْلَبَة قَالَ عَمْرو أرى الْأَمر وَالله سينجلي عَن أَحْمَر أصلع أَصمّ من بني يشْكر فَجَاءَت بكر بالنعمان بن هرم أحد بني ثَعْلَبَة بن غنم بن يشْكر وَجَاءَت تغلب بِعَمْرو بن كُلْثُوم فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد الْملك قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم للنعمان بن هرم يَا أَصمّ جَاءَت بك أَوْلَاد ثَعْلَبَة تناضل عَنْهُم وَقد يفخرون عَلَيْك فَقَالَ النُّعْمَان وعَلى من أظلت السَّمَاء يفخرون قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم وَالله إِنِّي لَو لطمتك لطمة مَا أخذُوا بهَا قَالَ وَالله أَن لَو فعلت مَا أفلت بهَا قيس أير أَبِيك فَغَضب عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ يُؤثر بني تغلب على بكر وَجرى بَينهمَا كَلَام فَغَضب عَمْرو بن هِنْد غَضبا شَدِيدا حَتَّى هم بالنعمان فَقَامَ الْحَارِث بن حلزة وارتجل هَذِه القصيدة وتوكأ على قوسه فزعموا أَنه انتظم بهَا كَفه وَهُوَ لَا يشْعر من الْغَضَب وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب كَانَ مُتكئا على عنزة فارتزت فِي جسده وَهُوَ لَا يشْعر والعنزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون رمح صَغِير فِيهِ
زج أَي حَدِيدَة وَكَانَ عَمْرو بن هِنْد شريرا لَا ينظر إِلَى أحد بِهِ سوء وَكَانَ ابْن حلزة إِنَّمَا ينشده من وَرَاء حجاب لبرص كَانَ بِهِ فَلَمَّا أنْشدهُ هَذِه القصيدة أدناه حَتَّى جلس إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَكَانَ ينشده من وَرَاء سَبْعَة ستور فَأمر بِرَفْع الستور عَنهُ اسْتِحْسَانًا لَهَا
стр. 325
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل)
(وَلَو أَن مَا أسعى لأدنى معيشة ... كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وَقد يدْرك الْمجد الموثل أمثالي)
على أَنه لَيْسَ من التَّنَازُع وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وَأَصله من إِيضَاح ابْن الْحَاجِب وَقد تكلم عَلَيْهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي مغنى اللبيب فِي لَو وَفِي الْأَشْيَاء الَّتِي تحْتَاج إِلَى رابط من الْبَاب الرَّابِع بتحقيق لَا مزِيد عَلَيْهِ
بقى أَن ابْن خلف نقل فِي شرح أَبْيَات الْكتاب عَن أبي عبد الله الْحسن بن مُوسَى الدينَوَرِي أَنه قَالَ وَالَّذِي يقوى فِي نَفسِي وَمَا سبقني إِلَيْهِ أحد أَن قَوْله وَلم أطلب مَعْنَاهُ وَلم أسع وَهُوَ غير مُتَعَدٍّ فَلذَلِك لم يحفل بِهِ وَلَا أعمل الأول وَلَا أَدْرِي كَيفَ خَفِي على الأفاضل من أَصْحَابنَا ذَلِك حَتَّى جعلُوا الْبَيْت شَاهدا لجَوَاز إِعْمَال الأول انْتهى وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء فَإِن الطّلب مَعْنَاهُ الفحص عَن وجود الشَّيْء عينا كَانَ ذَلِك الشَّيْء أَو معنى وَالسَّعْي السّير السَّرِيع دون الْعَدو وَيسْتَعْمل للْجدّ فِي الْأَمر وَهَذَا غير معنى الطّلب وَقد يكون لَازِما لَهُ واستعماله فِي اللَّازِم لَا قرينَة لَهُ مَعَ أَن الأول مُتَعَدٍّ وَالثَّانِي لَازم وَلم أطلب مُسْند إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم فَكيف يرفع وَمَا فِي أَن مَا مَصْدَرِيَّة لَا مَوْصُولَة لاحتياجها إِلَى الْعَائِد الْمُقدر أَي أسعى لَهُ
стр. 326
قَالَ ابْن خلف الْمجد الشّرف وَأَصله الْكَثْرَة فَكَأَن مَعْنَاهُ كَثْرَة الْأَفْعَال الجميلة الَّتِي توجب لصَاحِبهَا الشّرف وَهُوَ الِارْتفَاع انْتهى وَمثله فِي عُمْدَة الْحفاظ قَالَ وأصل الْمجد من مجدت الْإِبِل حصلت فِي مرعى كثير وَاسع وَقد أمجدها الرَّاعِي جعلهَا فِي ذَلِك وَتقول الْعَرَب فِي كل شجر نَار واستمجد المرخ والعفار ويروى بِصِيغَة الْمَاضِي والمرخ فَاعله بِمَعْنى استكثر النَّار وَفِي الْقَامُوس الْمجد نيل الشّرف وَالْكَرم أَو لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ وكرم الْآبَاء خَاصَّة والموثل قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات هُوَ الْمَجْمُوع وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس وَقَالَ ابْن السّكيت الموثل المستمر الْمُثبت يُقَال قد تأثل فلَان بِأَرْض كَذَا وَكَذَا أَي ثَبت فِيهَا وَقَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُقَال مجد موثل قديم لَهُ أصل والتأثل اتِّخَاذ أصل مَال والأثلة بِسُكُون الْمُثَلَّثَة الأَصْل قَالَ الْأَعْشَى
(أَلَسْت منتهيا عَن نحت أأثلتنا)
وَهَذَا البيتان من قصيدة لامرىء الْقَيْس مطْلعهَا
(أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
وَقد شرحنا فِي الشَّاهِد الثَّالِث من أَولهَا إِلَى قَوْله
(نظرت إِلَيْهَا والنجوم كَأَنَّهَا ... مصابيح رُهْبَان تشب لقفال)
عشْرين بَيْتا وَقد أَخذ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَبسط مَعْنَاهُمَا خفاف بن غضين البرجمي كَمَا رَأَيْته فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لأبي تَمام وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي
стр. 327
(الطَّوِيل)
(وَلَو أَن مَا أسعى لنَفْسي وَحدهَا ... لزاد يسير أَو ثِيَاب على جلدي)
(لأَنْت على نَفسِي وَبلغ حَاجَتي ... من المَال مَال دون بعض الَّذِي عِنْدِي)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وَكَانَ أبي نَالَ المكارم عَن جدي)
وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى وغضين بِضَم الْغَيْن وَفتح الضَّاد المعجمتين وَأَنت بِضَم الْهمزَة فَهِيَ مَاض من الأون وَهُوَ الدعة والرفق وَالْمَشْي الهين وَبعد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَهُوَ آخر القصيدة
(وَمَا الْمَرْء مَا دَامَت حشاشة نَفسه ... بمدرك أَطْرَاف الخطوب وَلَا آلي)
أَي وَلَا بمقصر من أَلا يألو بِمَعْنى قصر وقبلهما بيتان وحكايتهما بَين سيف الدولة والمتنبي مَشْهُورَة وهما
(كَأَنِّي لم اركب جوادا للذة ... وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلجال)
(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال)
أخذهما عبد يَغُوث الجاهلي وأودعهما فِي قصيدة قَالَهَا بعد أَن أسر فِي يَوْم الْكلاب الثَّانِي وَلم يرد عَلَيْهِ مَا ورد على امْرِئ الْقَيْس وهما
(كَأَنِّي لم أركب جوادا وَلم أقل ... لخيلي كري نَفسِي عَن رجاليا)
(وَلم اسبأ الزق الروي وَلم أقل ... لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا)
والأيسار جمع يَاسر وَهُوَ الجازر وَالَّذِي يَلِي قسْمَة جزور الميسر وَنسب امْرِئ الْقَيْس على مَا فِي المؤتلف والمختلف امْرُؤ الْقَيْس
стр. 328
بن حجر بن الْحَارِث بن عَمْرو بن حجر آكل المرار بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع ابْن مُعَاوِيَة بن ثَوْر الْأَكْبَر وَهُوَ كِنْدَة بن عفير بن عدي بن الْحَارِث بن مرّة ابْن أدد الشَّاعِر الْمُقدم وَنسبه لِابْنِ الْأَنْبَارِي فِي شرح المعلقات امْرُؤ الْقَيْس بن حجر بن الْحَارِث ابْن عَمْرو بن حجر بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن كِنْدَة بن ثَوْر بن مرتع بن عفير بن الْحَارِث بن مرّة بن عدي بن أدد بن عَمْرو بن هميسع بن عريب بن عَمْرو بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عَابِر بن شالخ ابْن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ ومرتع بِسُكُون الرَّاء وَكسر التَّاء ذكره ابْن مَاكُولَا وَابْن الْكَلْبِيّ وَقَالَ سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال لَهُ أرتعنا فَيَقُول أرتعتكم أَرض كَذَا وَالتَّشْدِيد ذكره أَيْضا لُغَة انْتهى وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي التكملة إِن مرتعا اسْمه عَمْرو وَذكر بَقِيَّة نسبه وَهُوَ أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
قَالَ ابْن خلف ويكنى امْرُؤ الْقَيْس أَبَا زيد وَأَبا وهب وَأَبا الْحَارِث وَذكر بعض اللغويين أَن اسْمه حندج وامرؤ الْقَيْس لقب لَهُ لقب بِهِ لجماله وَذَلِكَ أَن النَّاس قيسوا إِلَيْهِ فِي زَمَانه فَكَانَ أفضلهم والحندج بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالدَّال وَسُكُون النُّون وَآخره جِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة الرملة الطّيبَة
стр. 329
وَقيل كثيب من الرمل أَصْغَر من النقا وَيُقَال لامرئ الْقَيْس ذُو القروح أَيْضا لقَوْله (الطَّوِيل)
(وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة)
وَيُقَال لَهُ الْملك الضليل وَحجر فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم والمرار بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الراءين الْمُهْمَلَتَيْنِ شجر من أفضل العشب وأضخمة إِذا أَكلته الْإِبِل قلصت مشافرها فبدت أسنانها وَلذَلِك قيل لجد امْرِئ الْقَيْس آكل المرار لكشر كَانَ بِهِ وَهَذِه أَحْوَاله على وَجه الْإِجْمَال قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمته وَلما ملك حجر على بني أَسد كَانَ يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا مَعْلُوما فامتنعوا مِنْهُ فَسَار إِلَيْهِم فَأخذ سراوتهم فَقَتلهُمْ بِالْعِصِيِّ فسموا عبيد الْعَصَا وَأسر مِنْهُم طَائِفَة فيهم عبيد بن الأبرص فَقَامَ بَين يَدي الْملك وأنشده أبياتا يرققه بهَا مِنْهَا (مجزوء الْكَامِل)
(أَنْت المليك عَلَيْهِم ... وهم العبيد إِلَى القيامه)
فَرَحِمهمْ الْملك وَعَفا عَنْهُم وردهم إِلَى بِلَادهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا على مسيرَة يَوْم من تهَامَة تكهن كاهنهم عَوْف بن ربيعَة الْأَسدي فَقَالَ يَا عبَادي قَالُوا لبيْك رَبنَا فسجع لَهُم على قتل حجر وحرضهم عَلَيْهِ فركبت بَنو أَسد كل صَعب
وَذَلُول فَمَا أشرق لَهُم الضُّحَى حَتَّى انْتَهوا إِلَى حجر فوجدوه نَائِما فذبحوه وشدوا على هجائنه فاستاقوها وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس طرده أَبوهُ لما صنع فِي الشّعْر بفاطمة مَا صنع وَكَانَ لَهَا عَاشِقًا فطلبها زَمَانا فَلم يصل إِلَيْهَا وَكَانَ يطْلب مِنْهَا موعدا حَتَّى كَانَ مِنْهَا يَوْم الغدير بدارة جلجل مَا كَانَ فَقَالَ
стр. 330
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
فَلَمَّا بلغ ذَلِك حجرا دَعَا مولى لَهُ يُقَال لَهُ ربيعَة فَقَالَ لَهُ اقْتُل امْرأ الْقَيْس وائتني بِعَيْنيهِ فذبح جؤذرا فَأَتَاهُ بِعَيْنيهِ فندم حجر على ذَلِك فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنِّي لم أَقتلهُ قَالَ فائتني بِهِ فَانْطَلق فَإِذا هُوَ قد قَالَ شعرًا فِي رَأس جبل وَهُوَ قَوْله (الطَّوِيل)
(فَلَا تسلميني يَا ربيع لهَذِهِ ... وَكنت أَرَانِي قبلهَا بك واثقا)
فَرده إِلَى أَبِيه فَنَهَاهُ عَن قَول الشّعْر ثمَّ إِنَّه قَالَ (الطَّوِيل)
(إِلَّا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
فَبلغ ذَلِك أَبَاهُ فطرده كَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَفِيه أَن امْرأ الْقَيْس قَالَ هَذِه القصيدة فِي طَرِيق الشَّام عِنْد مسيره إِلَى قَيْصر بعد قتل أَبِيه وَلَعَلَّه شعر آخر ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فَبَلغهُ مقتل أَبِيه وَهُوَ بدمون فَقَالَ (الرجز)
(تطاول اللَّيْل علينا دمون ... دمون إِنَّا معشر يمانون)
(وإننا لأهلنا محبون)
ثمَّ قَالَ ضيعني صَغِيرا وحملني دَمه كَبِيرا لَا صحو الْيَوْم وَلَا سكر غَدا الْيَوْم خمر وَغدا أَمر ثمَّ آلى لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يشرب خمرًا حَتَّى يثأر بِأَبِيهِ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لَاحَ لَهُ برق فَقَالَ (المتقارب)
(أرقت لبرق بلَيْل أهل ... يضيء سناه بِأَعْلَى جبل)
(بقتل بني أَسد رَبهم ... أَلا كل شَيْء سواهُ جلل)
стр. 331
ثمَّ استجاش بكر بن وأئل فَسَار إِلَيْهِم وَقد لجئوا إِلَى كنَانَة فأوقع بهم ونجت بَنو كَاهِل من بني أَسد فَقَالَ (الرجز)
(يَا لهف نَفسِي إِذْ خطئن كاهلا ... القاتلين الْملك الحاحلا)
(تالله لَا يذهب شَيْخي بَاطِلا)
وَقد ذكر امْرُؤ الْقَيْس فِي شعره أَنه ظفر بهم فيأبى عَلَيْهِ ذَلِك الشُّعَرَاء قَالَ عبيد (مجزوء الْكَامِل)
(يَا ذَا المخوفنا بقتل أَبِيه إذلالا وحينا)
(أزعمت أَنَّك قد قتلت سراتنا كذبا ومينا)
وَلم يزل يسير فِي الْعَرَب يطْلب النَّصْر حَتَّى خرج إِلَى قَيْصر يستمده وَنظرت إِلَيْهِ ابْنه قَيْصر فعشقته فَكَانَ يَأْتِيهَا وتأتيه وفطن الطماح بن قيس الْأَسدي لَهما وَكَانَ حجر قتل أَبَاهُ فوشى بِهِ إِلَى الْملك فَخرج امْرُؤ الْقَيْس متسرعا
فَبعث قَيْصر فِي طلبه رَسُولا فأدركه دون أنقرة بِيَوْم وَمَعَهُ حلَّة مَسْمُومَة فلبسها فِي يَوْم صَائِف فَتَنَاثَرَ لَحْمه وتفطر جسده وَمَات هُنَاكَ وَكَانَ يحملهُ جَابر بن حني التغلبي فَذَلِك قَوْله (الطَّوِيل)
(فإمَّا تريني فِي رحالة جَابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني)
(فيا رب مكروب كررت وَرَاءه ... وعان فَككت الغل مِنْهُ فقداني)
(إِذا الْمَرْء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانه ... فَلَيْسَ على شَيْء سواهُ بخزان)
وَقَالَ حِين حَضرته الْوَفَاة (منهوك الْكَامِل)
(وطعنة مسحنفره ... وجفنه مثعنجره)
(تبقى غَدا بأنقره)
стр. 332
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ هَذَا آخر شَيْء تكلم بِهِ ثمَّ مَاتَ وَجَابِر بن حني بِضَم الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَالْيَاء الْمُشَدّدَة والرحالة بِالْكَسْرِ قيل السرج وَقيل السرج من جُلُود لَا خشب فِيهِ يتَّخذ للركض الشَّديد والحرج الضّيق والقر بِفَتْح الْقَاف مركب للرِّجَال كالهودج والمسحنفر الْوَاسِع والمثعنجر السَّائِل المنسكب ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة قَالَ أَبُو عبد الله الجُمَحِي كَانَ امْرُؤ الْقَيْس مِمَّن يتعهر فِي شعره وَذَلِكَ قَوْله (الطَّوِيل)
(فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع)
وَقَالَ (الطَّوِيل)
(سموت إِلَيْهَا بعد مَا نَام أَهلهَا)
وَقد سبق امْرُؤ الْقَيْس الْعَرَب إِلَى أَشْيَاء ابتدعها واستحسنها الْعَرَب واتبعته فِيهَا الشُّعَرَاء من استيقاف صَحبه والتبكاء فِي الديار ودقة التَّشْبِيه وَقرب المأخذ ويستجاد من تشبيهه قَوْله
(الطَّوِيل)
(كَأَن عُيُون الْوَحْش حول خبائنا ... وأرحلنا الْجزع الَّذِي لم يثقب)
وَمِمَّا عيب عَلَيْهِ قَوْله (الطَّوِيل)
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل) قَالُوا الثريا لَا تعرض لَهَا وَإِنَّمَا أرَاهُ أَرَادَ الجوزاء فَذكر الثريا
стр. 333
على الْغَلَط كَمَا
قَالَ الآخر كأحمر عَاد وَإِنَّمَا هُوَ كأحمر ثَمُود وَهُوَ عَاقِر النَّاقة وَأَقْبل قوم من الْيمن يُرِيدُونَ النَّبِي
فضلوا الطَّرِيق ومكثوا ثَلَاثًا لَا يقدرُونَ على المَاء إِذْ أقبل رَاكب على بعير وَأنْشد بعض الْقَوْم (الطَّوِيل)
(وَلما رَأَتْ أَن الشَّرِيعَة همها ... وَأَن الْبيَاض من فرائصها دامي)
(تيممت الْعين الَّتِي عِنْد ضارج ... يفِيء عَلَيْهَا الظل عرمضها طامي)
فَقَالَ الرَّاكِب من يَقُول هَذَا قَالُوا امْرُؤ الْقَيْس فَقَالَ وَالله مَا كذب هَذَا ضارج عنْدكُمْ وَأَشَارَ إِلَيْهِ فَمَشَوْا على الركب فَإِذا مَاء غدق وَإِذا عَلَيْهِ العرمض والظل يفِيء عَلَيْهِ فَشَرِبُوا وحملوا وَلَوْلَا ذَلِك لهلكوا انْتهى كَلَام ابْن قُتَيْبَة
(تتمه)
ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف عشرَة من الشُّعَرَاء مِمَّن اسمهم امْرُؤ الْقَيْس وَاحِد مِنْهُم صَحَابِيّ وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس بن عَابس الْكِنْدِيّ وَزَاد صَاحب الْقَامُوس على مَا قَالَ الْآمِدِيّ اثْنَيْنِ وهما صحابيان أَحدهمَا امْرُؤ الْقَيْس بن الْأَصْبَغ الْكَلْبِيّ وامرؤ الْقَيْس بن الفاخر بن الطماح
стр. 334
(مفعول مَا لم يسم فَاعله أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْخَمْسُونَ (الْكَامِل)
(نبئت عمرا غير شَاكر نعمتي)
على أَن أعلم وَأَخَوَاتهَا مِمَّا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل إِذا بنيت للْمَفْعُول لَا يَنُوب عَن الْفَاعِل إِلَّا الْمَفْعُول الأول كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت فَإِن ضمير الْمُتَكَلّم كَانَ فِي الأَصْل مَفْعُولا أَولا وَالتَّقْدِير نَبَّأَنِي فلَان فَلَمَّا بنى فعله للْمَفْعُول نَاب عَن الْفَاعِل وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وعمرأ هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَغير الْمَفْعُول الثَّالِث وأصلهما الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَهَذَا المصراع صدر وعجزه
(وَالْكفْر مخبثة لنَفس الْمُنعم)
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة عنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي وَالْكفْر هُنَا الْجحْد يُقَال كفر النِّعْمَة وبالنعمة إِذا جَحدهَا ومخبثة بِفَتْح الْمِيم من الْخبث يُقَال خبث الشَّيْء خبثا من بَاب قرب خلاف طَابَ وَالِاسْم الخباثة ومفعلة صِيغَة سَبَب الْفِعْل وَالْحَامِل عَلَيْهِ والداعي إِلَيْهِ كَقَوْلِه
الْوَلَد مَجْبَنَة مَبْخَلَة أَي سَبَب يَجْعَل وَالِده جَبَانًا لم يشْهد الحروب ليربيه ويجعله بَخِيلًا يجمع المَال ويتركه لوَلَده من بعده وَمثله كثير فِي الْعَرَبيَّة وَلم يتَكَلَّم عُلَمَاء التصريف على هَذِه الصِّيغَة قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح الْمُعَلقَة يُقَال طَعَام مطيبة للنَّفس ومخبثة لَهَا وشراب مبولة انْتهى يَقُول من أَنْعَمت عَلَيْهِ نعْمَة فَلم ينشرها وَلم يشكرها فَإِن ذَلِك سَبَب لتغير نفس الْمُنعم من الإنعام على كل أحد وَلَيْسَ الْمَعْنى يتَغَيَّر نفس الْمُنعم على ذَلِك الجاحد كَمَا قَالَ شرَّاح الْمُعَلقَة فَإِنَّهُ تَقْصِير
стр. 335
وَهَذَا المصراع من بَاب إرْسَال الْمثل وَلما كَانَ هَذَا الْبَيْت تَاما فِي نَفسه لم نضف إِلَيْهِ شَيْئا من هَذِه القصيدة وترجمة عنترة قد تقدّمت مَعَ أَبْيَات من هَذِه الْمُعَلقَة فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ (الوافر)
(وَلَو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا)
على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْمُتَأَخِّرين أَجَازُوا نِيَابَة الْجَار وَالْمَجْرُور عَن الْفَاعِل مَعَ وجود الْمَفْعُول الصَّرِيح قَالَ ابْن جني فِي الخصائص هَذَا من أقبح الضَّرُورَة وَمثله لَا يعْتد بِهِ أصلا بل لَا يثبت إِلَّا محتقرا شاذا وَبَعض الْمُتَأَخِّرين هُوَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش تلميذ الْمبرد وقفيرة بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وبالراء الْمُهْملَة مُصَغرًا اسْم أم الفرزدق وَرُوِيَ فكيهة أَيْضا على وَزنه وَهُوَ تَحْرِيف والجرو مثلث الْجِيم ولد السبَاع وَمِنْهَا الْكَلْب ذمّ الشَّاعِر قفيرة بِأَنَّهَا لَو ولدت جروا لسبت جَمِيع الْكلاب بِسَبَب
стр. 336
ذَلِك الجرو لسوء خلقه وخلقه وَقَالَ القالي فِي شرح اللّبَاب وَقيل الْكلاب لَيست مَفْعُوله بل مفعول ولدت وجرو نصب على النداء أَو على الذَّم وَقيل الْكلاب نصب على الذَّم وَجمع لِأَن قفيرة وجروا وكلبا ثَلَاثَة انْتهى
وَهَذَا التَّخْرِيج نَقله ابْن الْحَاجِب فِي أمالية عَن أبي جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه الْكَافِي فِي النَّحْو عَن أبي إِسْحَاق الزّجاج وَقَالَ معنى قَوْله لسب لحصل السب بِسَبَب ذَلِك الجرو وَهَذَا مُسْتَقِيم وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا الفرزدق مطْلعهَا (الوافر)
(أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وَقَوْلِي إِن أصبت لقد أصابا)
وَتقدم شَرحه مَعَ تَرْجَمَة جرير فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد
(وَهل أم تكون أَشد رعيا ... وصرا من قفيرة واحتلابا)
وَقد نقض هَذِه القصيدة عَلَيْهِ الفرزدق بقصيدة وكلتاهما مسطورة فِي النقائض
стр. 337
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س
(أَمرتك الْخَيْر)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الْبَسِيط)
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب)
على أَن الْجُزُولِيّ منع نِيَابَة الْمَنْصُوب بِسُقُوط الْجَار مَعَ وجود الْمَفْعُول بِهِ الْمَنْصُوب من غير حذف الْجَار وَأَصله أَمرتك بِالْخَيرِ لِأَن أَمر يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الْكَاف هُنَا وبحرف الْجَرّ إِلَى آخر ف الْخَيْر مَنْصُوب بِنَزْع الْبَاء بِدَلِيل مَا أمرت بِهِ قَالَ الأعلم وسوغ الْحَذف وَالنّصب أَن الْخَيْر اسْم فعل يحسن أَن وَمَا عملت فِيهِ فِي مَوْضِعه وَأَن يحذف مَعهَا حرف الْجَرّ كثيرا تَقول أَمرتك أَن تفعل تُرِيدُ بِأَن تفعل فَإِذا وَقع موقع أَن اسْم فعل شبه بهَا فَحسن الْحَذف فَإِن قلت أَمرتك بزيد لم يجز أَن تَقول أَمرتك زيدا انْتهى وَنقل ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ هَذَا الْكَلَام فِي شرح أَبْيَات الْجمل إِلَّا أَنه قَالَ الْخَيْر مصدر وَهَذَا لَيْسَ بجيد قَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح عِنْد قَول الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما)
يجوز أَن يكون جعل الْخَيْر كِنَايَة عَن كل مَا يحمد من إِصَابَة الْحق وتعاطي الْعدْل وَاتِّبَاع الرشد وَيكون وَمن يغو على الضِّدّ مِنْهُ وَيجوز أَن يكون الْخَيْر كِنَايَة عَن الْغنى خَاصَّة والغي كِنَايَة عَن الْفقر وَقد علم أَن
стр. 338
الْغنى مَحْمُود والفقر مَذْمُوم وَالْعرب تسمى كل مرتضى عِنْدهم خيرا وَحقا وصوابا
وحسنا وكل مَذْمُوم عِنْدهم شرا وَخطأ وسيئة وجهلا وغيا انْتهى وَقد أورد القَاضِي هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى (فأفعلوا مَا تؤمرون على أَنه بِتَقْدِير تؤمرون بِهِ كَمَا فِي الْبَيْت وَلَا يخفى ركاكة قَول شَارِح شواهده الْموصِلِي إِن الْأَمر لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْبَاء وَقد شاع حذفه فِي هَذَا الْفِعْل وَكثر اسْتِعْمَال أَمرته كَذَا حَتَّى لحقت بالأفعال المتعدية إِلَى مفعولين هَذَا كَلَامه روى أَبُو عَليّ الهجري فِي نوادره أَمرتك الرشد بدل الْخَيْر وَهُوَ الصّلاح وإصابة الصَّوَاب وَفعله من بَابي تَعب وَقتل وَأمرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَضمير بِهِ لما الموصولة أَو الموصوفة وَالْفَاء الأولى جَوَاب شَرط مُقَدّر أَي إِن تمتثل فافعل وَقَالَ اللَّخْمِيّ جَوَاب لما فِي الْجُمْلَة من معنى الْأَمر وَالْفَاء الثَّانِيَة جَوَاب الْأَمر وَقَالَ أَيْضا ذَا حَال من الْكَاف فِي تركتك وَالْعَامِل فِيهِ ترك وَهُوَ بِمَعْنى صَاحب وَهُوَ عِنْد ابْن درسْتوَيْه مفعول ثَان لتركت لِأَنَّهَا تتعدى إِلَى مفعولين وَالثَّانِي هُوَ الأول وَهَذَا وهم لِأَن تركت فِي معنى خليت وخليت لَا يَجِيء مَعهَا إِلَّا الْحَال فَكَذَلِك لَا يَجِيء مَعَ تركت إِلَّا الْحَال انْتهى وَالصَّوَاب أَن ترك يتَضَمَّن معنى جعل فيتعدى تعديته وَهَذَا مستفيض لَا يخفى على مثله وَقَالَ ابْن خلف وتركتك إِن كَانَ بِمَعْنى صيرتك كَانَ ذَا مَال مَفْعُولا
стр. 339
ثَانِيًا كَمَا تَقول تركت زيدا فَقِيه الْبَلَد إِذا كنت أَنْت الَّذِي فقهته وعلمته وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ (تركناها آيَة) أَي جعلناها وصيرناها وَإِن كَانَت بِمَعْنى خلفتك كَانَ ذَا مَال حَالا كَمَا تَقول تركت زيدا وَهُوَ فَقِيه الْبَلَد انْتهى وَقد للتحقيق وَقَالَ اللَّخْمِيّ يجوز أَن تكون للتوقع أَيْضا وَالْمَال قَالَ
اللَّخْمِيّ فِي شرح فصيح ثَعْلَب هُوَ عِنْد الْعَرَب الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا يُقَال لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّة مَال وَإِنَّمَا يُقَال لَهما ناض وَأقله مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَمَا نقص عَن ذَلِك فَلَيْسَ بِمَال وَحكى أَبُو عمر صَاحب الياقوته المَال الصَّامِت والناطق فالصامت الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم والجواهر والناطق الْبَعِير وَالْبَقَرَة وَالشَّاة قَالَ وَمِنْه قَوْلهم مَاله صَامت وَلَا نَاطِق وَمِنْهُم من أوقع المَال على جَمِيع مَا يملكهُ الْإِنْسَان وَهُوَ الصَّحِيح انْتهى وَيشْهد لِلْقَوْلِ الْأَخير قَوْله تَعَالَى (وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم وَهَذَا لَا يخص شَيْئا دون شَيْء والنشب بالشين الْمُعْجَمَة قيل بِمَعْنى جَمِيع مَا يملك بِمَعْنى المَال وَقيل المَال الْأَصِيل الثَّابِت بِمَعْنى الْعقار كالدور والضياع مَأْخُوذ من نشب الشَّيْء إِذا ثَبت فِي مَوضِع لُزُومه فعلى الأول يكون من عطف المترادفين للتوكيد وعَلى الثَّانِي يكون من عطف الْخَاص على الْعَام وَإِن فسر المَال بِغَيْر القَوْل الْأَخير كَانَ من عطف المتقابلين وَقَالَ الأعلم قد قيل إِن النشب هُنَا جَمِيع المَال فَيكون عطفه على الأول مُبَالغَة وتوكيدا وسوغ ذَلِك أختلاف اللَّفْظَيْنِ وَهَذَا كَلَامه فَتَأَمّله وَهَذِه رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَرَوَاهُ الهجري فِي نوادره ذَا نسب بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ اللَّخْمِيّ وَأَبُو الْوَلِيد
стр. 340
الوقشي فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا معنى لإعادة ذكر المَال وَإِنَّمَا يَقُول تركتك غَنِيا حسيبا يُخَاطب ابْنه وَقد نسب السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي هَذَا الْكَلَام لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يكْتب عَلَيْهِ هُنَا شَيْئا وَإِنَّمَا كتب مَا يُقَارب هَذَا فِي أَبْيَات الْجمل وَقد ورد هَذَا الْبَيْت فِي شعرين أَحدهمَا فِي شعر أعشى طرود وَالثَّانِي فِي شعر اخْتلف فِي قَائِله أما الأول فقد نَقله الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَهُوَ (الْبَسِيط)
(يَا دَار أَسمَاء بَين السفح فالرحب ... أقوت وَعفى عَلَيْهَا ذَاهِب الحقب)
(فَمَا تبين مِنْهَا غير منتضد ... وراسيات ثَلَاث حول منتصب)
(وعرصة الدَّار تستن الرِّيَاح بهَا ... تحن فِيهَا حنين الوله السَّلب)
(دَار لأسماء إِذْ قلبِي بهَا كلف ... وَإِذ أقرب مِنْهَا غير مقترب)
(إِن الحبيب الَّذِي أمسيت أهجره ... من غير مقلية مني وَلَا غضب)
(أصد عَنهُ ارتقابا أَن ألم بِهِ ... وَمن يخف قالة الواشين يرتقب)
(إِنِّي حوبت على الأقوام مكرمَة ... قدما وَحَذَّرَنِي مَا يَتَّقُونَ أبي)
(وَقَالَ لي قَول ذِي علم وتجربة ... بسالفات أُمُور الدَّهْر والحقب)
(أَمرتك الرشد فافعل مَا أمرت بِهِ)
انْتهى وَقَالَ اللَّخْمِيّ من قَالَ إِن الْبَيْت لأعشى طرود قَالَ بعده
(لَا تبخلن بِمَال عَن مذاهبه ... فِي غير زلَّة إِسْرَاف وَلَا تغب)
(فَإِن وراثه لن يحمدوك بِهِ ... إِذا أجنوك بَين اللَّبن والخشب)
стр. 341
وَقد أورد الهجري أَيْضا فِي نوادره هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَأما الثَّانِي فَهُوَ هَذَا (الْبَسِيط)
(فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرة ... مجرب عَاقل نزة عَن الريب)
(قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسه ... أَب كريم وجد غير مؤتشب)
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب)
(واترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُم ... واعمد لأخلاق أهل الْفضل وَالْأَدب)
(وَإِن دعيت لغدر أَو أمرت بِهِ ... فاهرب بِنَفْسِك عِنْد آبد الْهَرَب)
وَهَذَا الشّعْر قد نسب إِلَى عَمْرو بن معد يكرب وللعباس بن مرداس ولزرعة ابْن السَّائِب ولخفاف بن ندبة قَالَ اللَّخْمِيّ من نسب الْبَيْت لأحد الثَّلَاثَة الأول قَالَ قبْلَة
(فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرة الْبَيْت)
وَنسب قَوْله فاترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُم
وَقَوله قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسه الْبَيْتَيْنِ إِلَى أعشى طرود لَا غير وَقَالَ هما بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَقد نسب الْبَيْت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ لعَمْرو بن معد يكرب وَالله أعلم وأعشى طرود قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف لم يذكر اسْمه وَلَا عرف نسبه إِلَى الْقَبِيل وَبَنُو طرود من فهم بن عَمْرو بن قيس بن عيلان وهم حلفاء بني سليم ثمَّ فِي بني خفاف انْتهى وَنقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب هَذَا الْكَلَام وَلم يزدْ عَلَيْهِ
стр. 342
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي نقلا عَن نَوَادِر الهجري وَاللَّخْمِيّ نقلا عَن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن سراج إِن أعشى طرود اسْمه إِيَاس بن مُوسَى بِكَسْر الْهمزَة بعْدهَا مثناة تحتية وَلم يزيدا على هَذَا قَالَ المرزباني حضر هوذه بن الْحَارِث الْمَعْرُوف بِابْن حَملَة فِي أَيَّام عمر الْعَطاء فَدَعَا قبله إِيَاس بن مُوسَى هَذَا فَقَالَ هَوْذَة (الطَّوِيل)
(لقد دَار هَذَا الْأَمر فِي غير أَهله ... فابصر أَمِين الله كَيفَ تذود)
(ايدعى جشيم والسويد أمامنا ... ويدعى إِيَاس قبلنَا وطرود)
(فَإِن كَانَ هَذَا فِي الْكتاب فهم إِذن ... مُلُوك سوى حَرْب وَنحن عبيد)
انْتهى وَفهم من هَذَا أَن أعشى طرود إسلامي لَكِن لَو يعلم مَا هُوَ صَحَابِيّ أم تَابِعِيّ وَالله أعلم وَقَوله يَا دَار أَسمَاء بَين السفح إِلَخ قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ السفح بِلَفْظ سفح الْجَبَل وَهُوَ أَسْفَله حَيْثُ يسفح فِيهِ المَاء وَهُوَ مَوضِع كَانَت بِهِ وقْعَة بَين بكر بن وَائِل وَتَمِيم وَلم يذكر أَبُو عبيد هَذِه الْكَلِمَة فِي المعجم
والرحب بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ مَوضِع وَلم يذكرهَا أَبُو عبيد وَلَا ياقوت وأقوت خلت من الأنيس كَأَنَّهُ ذهب قوتها وَعفى عَلَيْهَا بِالتَّشْدِيدِ كعفاها أَي طمسها ومحا علاماتها والحقب بِضَمَّتَيْنِ الدَّهْر وبكسر فَفتح جمع حقبة وَهِي السّنة أَي طمسها الدَّهْر الذَّاهِب والسنون الْمَاضِيَة وَتبين ظهر والمنتضد الْحِجَارَة المصفوفة بَعْضهَا فَوق بعض
стр. 343
وَأَرَادَ بقوله راسيات ثَلَاث حِجَارَة الْقدر الثَّلَاثَة وَهُوَ مَعْطُوف على منتضد وَكَذَلِكَ عَرصَة واستنت الرِّيَاح هبت عَلَيْهَا من هُنَا وَمن هُنَا والوله جمع الواله الْمَرْأَة الَّتِي فقدت وَلَدهَا وَالسَّلب بِضَمَّتَيْنِ اللابسة الثِّيَاب السود وتحن من الحنين بِمَعْنى الأنين وَقَوله وَإِذ أقرب مِنْهَا إِلَخ أَي أمني نَفسِي مِنْهَا مَا لَا يكون والمقلية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر بِمَعْنى القلى وَهُوَ البغض والكراهية والارتقاب الِانْتِظَار وَأَن ألم أَي لِأَن أنزل وَأحل بِهِ والتغب بمثناة فوقية فغين مُعْجمَة قَالَ اللَّخْمِيّ هُوَ جمع تغبة وَهِي السقطة وَمَا يعاب بِهِ ابْنه والتغب أَيْضا الْهَلَاك وَقَالَ فِي الصِّحَاح تغب بِالْكَسْرِ تغبا هلك ونزه بِفَتْح وَسُكُون الزَّاي الْبعيد سكن الزَّاي وَهِي مَكْسُورَة للضَّرُورَة والمؤتشب الْمُخْتَلط يُقَال أشبت الْقَوْم إِذا خلطت بَعضهم بِبَعْض
(الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ (المديد)
(غير مأسوف على زمن ... يَنْقَضِي بالهم والحزن)
أوردهُ مِثَالا لإجراء غير قَائِم الزيدان مجْرى مَا قَائِم الزيدان لكَونه بِمَعْنَاهُ \ وَتَخْرِيج الْبَيْت على هَذَا أحد أَقْوَال ثَلَاثَة هُوَ أحْسنهَا وَإِلَيْهِ ذهب ملك النُّحَاة الْحسن بن أبي نزار وَابْن الشجري أَيْضا فِي أمالية
стр. 344
ومأسوف اسْم مفعول من الأسف وَهُوَ أَشد الْحزن وَبَاب فعله فَرح وعَلى زمن مُتَعَلق بِهِ على أَنه نَائِب الْفَاعِل وَجُمْلَة يَنْقَضِي صفة لزمن وبالهم حَال من ضَمِيره أَي مشوبا بالهم فَلَمَّا كَانَت غير للمخالفة فِي الْوَصْف وَجَرت لذَلِك مجْرى حرف النَّفْي وأضيفت إِلَى اسْم الْمَفْعُول الْمسند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور والمتضايفان بِمَنْزِلَة الِاسْم الْوَاحِد سد ذَلِك مسد الْجُمْلَة كَأَنَّهُ قيل مَا يؤسف على زمن هَذِه صفته قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته وَلم أر لهَذَا الْبَيْت نظيرا فِي الْأَعْرَاب إِلَّا بَيْتا فِي قصيدة المتنبي يمدح بهَا بدر بن عمار الطبرستاني يَقُول فِيهَا (الرمل)
(لَيْسَ بالمنكر أَن برزت سبقا ... غير مَدْفُوع عَن السَّبق العراب)
ف العراب مَرْفُوع بمدفوع وَمن جعله مُبْتَدأ فقد أَخطَأ لِأَنَّهُ يصير التَّقْدِير
العراب غير مَدْفُوع عَن السَّبق والعراب جم فَلَا أقل من أَن يَقُول غير مدفوعة لِأَن خبر الْمُبْتَدَأ لَا يتَغَيَّر تذكيره وتأنيثه بتقديمة وتأخيره وَالْقَوْل الثَّانِي لِابْنِ جني وَتَبعهُ ابْن الْحَاجِب وَهُوَ أَن غير خبر مقدم وَالْأَصْل زمن يَنْقَضِي بالهم والحزن غير مأسوف عَلَيْهِ ثمَّ قدمت عَلَيْهِ وَمَا بعْدهَا ثمَّ حذف زمن دون صفته فَعَاد الضَّمِير الْمَجْرُور بعلى على غير مَذْكُور فَأتى بِالِاسْمِ الظَّاهِر مَكَانَهُ وَحذف الْمَوْصُوف بِدُونِ شَرطه الْمَعْرُوف ضَرُورَة وَالثَّالِث وَهُوَ لِابْنِ الخشاب أَن غير خبر لأَنا محذوفا ومأسوف مصدر كالمعسور والميسور أُرِيد بِهِ اسْم الْفَاعِل وَالتَّقْدِير أَنا غير آسَف على زمن هَذِه صفته وَهَذَا الْبَيْت لأبي نواس وَهُوَ لَيْسَ مِمَّن يستشهد بِكَلَامِهِ وَإِنَّمَا أوردهُ
стр. 345
الشَّارِح مِثَالا للمسألة وَلِهَذَا لم يقل كَقَوْلِه وَبعده بَيت ثَان وَهُوَ
(إِنَّمَا يَرْجُو الْحَيَاة فَتى ... عَاشَ فِي أَمن من المحن)
وأَبُو نواس هُوَ أَبُو عَليّ الْحسن بن هَانِئ بن عبد الأول بن الصَّباح الْحكمِي بِفَتْح الْحَاء وَالْكَاف نِسْبَة إِلَى الحكم بن سعد الْعَشِيرَة وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مِنْهَا الْجراح ابْن عبد الله الْحكمِي أَمِير خُرَاسَان وَكَانَ جد أبي نواس من موَالِيه وَإِنَّمَا قيل لَهُ أَبُو نواس لذوابتين كَانَتَا لَهُ تنوسان على عاتقة والذؤابة بِهَمْزَة بعد الذَّال المضمومة الضفيرة من الشّعْر إِذا كَانَت غير ملوية فَإِن كَانَت ملوية فَهِيَ عقيصة والذؤابة أَيْضا طرف الْعِمَامَة وناس ينوس إِذا تدلى وتحرك والعاتق مَا بَين الْمنْكب والعنق وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء وَقيل إِن خلفا الْأَحْمَر كَانَ لَهُ وَلَاء فِي الْيمن وَكَانَ أميل النَّاس إِلَى أبي نواس فَقَالَ لَهُ يَوْمًا أَنْت من الْيمن فتكن باسم ملك من مُلُوكهمْ الأذواء فَاخْتَارَ ذَا نواس فكناه أَبَا نواس بِحَذْف صَدره وغلبت عَلَيْهِ ومولده بِالْبَصْرَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقيل سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمَات بِبَغْدَاد سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل سنة سِتّ وَقيل سنة ثَمَان وَنَشَأ بِالْبَصْرَةِ ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة وَقيل بل ولد بالأهواز وَقيل بكورة من كور خوزستان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَنقل مِنْهَا وعمره سنتَانِ إِلَى الْبَصْرَة
وَأمه أهوازية اسْمهَا جلبان وَكَانَ أَبوهُ من أهل دمشق من جند مَرْوَان الْحمار انْتقل إِلَى الأهواز للرباط فَتَزَوجهَا وَقدم أَبُو نواس بَغْدَاد مَعَ والبة بن الْحباب الشَّاعِر وَبِه تخرج وَعرض الْقُرْآن على يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ وَأخذ اللُّغَة عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ وَأبي عُبَيْدَة ومدح الْخُلَفَاء والوزراء وَكَانَ فِي الشّعْر من الطَّبَقَة الأولى من المولدين
стр. 346
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَبُو نواس للمحدثين مثل امْرِئ الْقَيْس للْمُتَقَدِّمين وشعره عشرَة أَنْوَاع وَهُوَ مجيد فِي الْكل وَمَا زَالَ الْعلمَاء والأشراف يروون شعره ويتفكهون بِهِ ويفضلونه على أشعار القدماء وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَوْلَا أَن أَبَا نواس أفسد بِهَذِهِ الأقذار يَعْنِي الْخُمُور لَا حتججنا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحكم القَوْل لَا يُخطئ وديوان شعره مُخْتَلف لاخْتِلَاف جامعيه فَإِنَّهُ أعتنى بجمعه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر الصولي وَهُوَ صَغِير وَمِنْهُم عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ وَهُوَ كَبِير جدا وَكِلَاهُمَا عِنْدِي وَللَّه الْحَمد على نعْمَة وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بتوزون وَلم أره إِلَى الْآن وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ (الطَّوِيل)
(على مثلهَا من أَربع وملاعب ... تذال مصونات الدُّمُوع السواكب [)
على أَنه لما أنْشد المصراع الأول عَارضه شخص فَقَالَ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فانخزل مِنْهُ وَترك الإنشاد لِأَن تَقْدِيم الْخَبَر فِي مثله يُوهم الدُّعَاء
باللعنة وسمى ابْن أبي الإصبع هَذَا النَّوْع فِي تَحْرِير التحبير التوليد وَقَالَ التوليد على ضَرْبَيْنِ من الْأَلْفَاظ وَمن الْمعَانِي فَالَّذِي من الْأَلْفَاظ هُوَ أَن يُزَوّج الْمُتَكَلّم كلمة من لَفظه إِلَى كلمة من غَيره فيتولد بَينهمَا كَلَام
стр. 347
يُنَاقض غَرَض صَاحب الْكَلِمَة الْأَجْنَبِيَّة وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظ المفرده دون الْجمل المؤتلفة ومثاله مَا حكى أَن مُصعب بن الزبير وسم خيله بِلَفْظِهِ عدَّة فَلَمَّا قتل وَصَارَت إِلَى الْعرَاق رَآهَا الْحجَّاج فوسم بعد لَفْظَة عدَّة لَفْظَة الْفِرَار فتولد بَين اللفظتين غير مَا أَرَادَهُ مُصعب وَمن توليد الْأَلْفَاظ توليد الْمَعْنى من تَزْوِيج الْجمل المفيدة وَمن لطيف التوليد قَول بعض الْعَجم (الوافر)
(كَأَن عذاره فِي الخد لَام ... ومبسمه الشهي الطّعْم صَاد)
(وطرة شعره ليل بهيم ... فَلَا عجب إِذا سرق الرقاد)
فَإِن هَذَا الشَّاعِر ولد من تَشْبِيه العذار بِاللَّامِ وتشبيه الْفَم بالصَّاد لَفظه لص وَولد من مَعْنَاهَا وَمعنى تَشْبِيه الطرة بِاللَّيْلِ ذكر سَرقَة النّوم فَجعل فِي هَذَا الْبَيْت توليدا وإدماجا وَهَذَا من أغرب مَا سَمِعت ومثاله مَا حُكيَ أَن أَبَا تَمام أنْشد أَبَا دلف
(على مثلهَا من أَربع وملاعب)
فَقَالَ بعض من أَرَادَ نُكْتَة لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فولد من الْكَلَامَيْنِ كلَاما يُنَافِي غَرَض أبي تَمام من وَجْهَيْن أَحدهمَا خُرُوج الْكَلَام عَن التشبيب إِلَى الهجاء بِسَبَب مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من الدُّعَاء وَالثَّانِي خُرُوج الْكَلَام عَن أَن يكون بَيْتا من شعر إِلَى أَن صَار قِطْعَة من نثر وَمن هَذَا الضَّرْب قَول الشَّاعِر
стр. 348
(الطَّوِيل)
(ألوم زيادا فِي ركاكة عقله ... وَفِي قَوْله أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
(وَهل يحسن التَّهْذِيب مِنْك خلائقا ... أرق من المَاء الزلَال وَأطيب)
(تكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عِنْد نعْمَان كَوْكَب)
(وَلَو أَبْصرت عَيناهُ شخصك مرّة ... لَأبْصر مِنْهُ شمسه وَهِي غيهب)
فَإِن هَذَا الشَّاعِر زوج مدح ممدوحه بتهذيب الْأَخْلَاق إِلَى قَول النَّابِغَة أَي الرِّجَال الْمُهَذّب فتولد بَين الْكَلَامَيْنِ مَا يُنَافِي غَرَض النَّابِغَة حَيْثُ أخرج الشَّاعِر كَلَامه مخرج الْمُنكر على النَّابِغَة ذَلِك الِاسْتِفْهَام وأوضح مناقضته للنابغة ببيته الثَّانِي وَهُوَ قَوْله وَهل يحسن التَّهْذِيب الْبَيْت وَزوج قَوْله فِي عجز الْبَيْت الثَّالِث وكل مليك عِنْد نعْمَان كَوْكَب إِلَى قَول النَّابِغَة بأنك شمس والملوك كواكب بِدَلِيل قَول الشَّاعِر يَعْنِي النَّابِغَة تكلم والنعمان شمس سمائه الْبَيْت فتولد بَين الْكَلَامَيْنِ قَوْله (الطَّوِيل)
(وَلَو أَبْصرت عَيناهُ شخصك مرّة ... لَأبْصر مِنْهُ شمسه وَهِي غيهب)
وَأما الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ مَا تولد من الْمعَانِي كَقَوْل الْقطَامِي (الْبَسِيط)
(قدء يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل)
فَقَالَ من بعده (الْبَسِيط)
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله ... إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
стр. 349
. فَمَعْنَى صدر هَذَا الْبَيْت معنى بَيت الْقطَامِي بِكَمَالِهِ وَمعنى عجز الْبَيْت مولد بَينهمَا وَهُوَ قَوْله
(إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
والقطامي أَخذ مَعْنَاهُ من عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ حَيْثُ قَالَ (السَّرِيع)
(قد يدْرك المبطئ من حَظه ... وَالْخَيْر قد يسْبق جهد الْحَرِيص)
وعدي نظر إِلَى قَول جمانة الْجعْفِيّ (الطَّوِيل)
(ومستعجل والمكث أدنى لرشده ... وَلم يدر فِي استعجاله مَا يُبَادر)
وَمن التوليد توليد بديع من بديع كَقَوْل أبي تَمام (الطَّوِيل)
(لَهَا منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح وَيَغْدُو فِي خفارته الْحبّ)
فَإِنَّهُ ولد قَوْله قيد النواظر من قَول امْرِئ الْقَيْس قيد الأوابد لِأَن هَذِه اللَّفْظَة الَّتِي هِيَ قيد انْتَقَلت بإضافتها من الطَّرْد إِلَى النسيب فَكَأَن النسيب تولد من الطَّرْد وَتَنَاول اللَّفْظ الْمُفْرد لَا يعد سَرقَة وَإِنَّمَا سقنا هَذَا الْفَصْل برمتِهِ لغرابته وقلما يُوجد فِي مَوضِع آخر وَقَول أبي تَمام على مثلهَا من أَربع ضمير مثلهَا مُفَسّر بالتمييز الْمَجْرُور بِمن وَالْأَكْثَر أَن يكون التَّمْيِيز مُفَسرًا لضمير نعم وَبئسَ وَرب قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي والزمخشري يُفَسر الضَّمِير بالتمييز فِي غير بَابي نعم وَرب وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِي فسواهن سبع سموات الضَّمِير فِي فسواهن ضمير مُبْهَم وَسبع سموات تَفْسِيره كَقَوْلِهِم ربه رجلا وَلَوْلَا تشبيهه بربه رجلا لحمل على الْبَدَل والأربع جمع ربع بِالْفَتْح وَهُوَ محلّة الْقَوْم ومنزلهم
стр. 350
والملاعب جمع ملعب وَهُوَ مَوضِع اللّعب وتذال مَبْنِيّ للْمَجْهُول مضارع أذاله بِمَعْنى أهانة وَهُوَ متعدي ذال الشَّيْء ذيلا هان وَالثَّابِت فِي نسخ ديوانه وشروحه أذيلت والمصونات من الصون وَهُوَ خلاف الابتذال والسواكب المنصبة فَإِن سكب يَأْتِي لَازِما يُقَال سكب المَاء سكبا وسكوبا أنصب وَيَأْتِي مُتَعَدِّيا يُقَال سكب زيد المَاء قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن يحيى الصولي فِي شَرحه قد أنكر بَعضهم مصونات الدُّمُوع السواكب وَقَالَ كَيفَ يكون من السواكب مَا هُوَ مصون وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو تَمام أذيلت مصونات الدُّمُوع الَّتِي هِيَ الْآن سواكب
ثمَّ قَوْله أذيلت بِمَعْنى صبَّتْ صبا سَائِلًا حَتَّى يصير لَهَا ذيل لَيْسَ بجيد فَإِن معنى الْبَيْت أهينت الدُّمُوع الغزيرة يسكبها على مثل هَذِه الْمنَازل لخلها من الحبائب وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة مدح بهَا أَبَا دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ وَبعده (الطَّوِيل)
(أَقُول لقرحان من الْبَين لم يجد ... رسيس الْهوى بَين الحشا والترائب)
(أَعنِي أفرق شَمل دمعي فإنني ... ارى الشمل مِنْهُم لَيْسَ بالمتقارب)
إِلَى أَن قَالَ
(إِذا العيس لاقت بِي أَبَا دلف فقد ... تقطع مَا بيني وَبَين النوائب)
(هُنَالك تلقى الْجُود حَيْثُ تقطعت ... تمائمه وَالْمجد مرخى الذوائب)
(تكَاد عطاياه يجن جنونها ... إِذا لم يعوذها بنغمة طَالب) قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح ديوانه القرحان أَصله الَّذِي لم يصبهُ
стр. 351
الجدري واستعارة هُنَا لمن لم يمْتَحن بالنوى وَلم يدْخل فِي إسار الْهوى قَالَ فِي الصِّحَاح رس الْحمى ورسيسها أول مَسهَا وَقَوله أَعنِي أفرق الْبَيْت قَالَ الصولي اي لَا أرى شملهم مجتمعا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا يَقُول قد اجْتمع دمعي لِأَنِّي لم أبك حَتَّى رَأَيْت مَنَازِلهمْ فأعني بوقفة ثمَّ معي حَتَّى أبكيهم فَأَسْتَرِيح وَقَوله إِذا العيس لاقت بِي الْبَيْت يَقُول إِذا أقدمتني الْإِبِل إِلَيْهِ انْقَطَعت الْأَسْبَاب بيني وَبَين النوائب أَي لم يبْق لَهَا سَبِيل عَليّ وَقَوله هُنَالك تلقى الْجُود الْبَيْت قَالَ الصولي يُقَال تقطعت تمائم فلَان فِي بني فلَان إِذا تربى وَنَشَأ فيهم وَأَرَادَ إِن الْمجد كالآمن فيهم أَن يتَحَوَّل إِلَى غَيرهم فَيكون قد أحَاط بِهِ الشّرف من كل جَانب ويروى وافي الذوائب وَقَوله تكَاد عطاياه الْبَيْت قَالَ الإِمَام المرزوقي يَقُول قد تعود هَذَا الرجل تَفْرِيق مَاله بالصلات وتبديده بالعطيات حَتَّى تقرب عطاياه لَو أمسك
يَوْمًا من أَن تجن إِن لم يعلق عَلَيْهَا عوذها من نغم الطلاب وَالزُّوَّارِ وَقَوله يجن جنونها إِنَّمَا يُرِيد يجن صِحَّتهَا أَي يصير بدل صِحَّتهَا جُنُون لكنه سَمَّاهَا بِمَا يؤول إِلَيْهِ كَمَا يُقَال خرجت خوارجه وَكَذَلِكَ عطاياه أَي أَمْوَاله الَّتِي تصير عطاياه فَسَماهُ بِمَا يؤول إِلَيْهِ وَقَالَ الصولي مِمَّا أنكر أَبُو الْعَبَّاس ابْن المعتز من رَدِيء طباقة قَوْله تكَاد عطاياه الْبَيْت وَفِيه اسْتِعَارَة فَقَالَ وَلم يجن جُنُون عطاياه انتظارا للطلب بل يبْدَأ بالعطاء ويستريح وَفِيه قبح لم يعودها بنغمة طَالب
стр. 352
يعطبها ليغر طَالب وَفِي هَذَا الآعتراض نظر فَإِن مُرَاده أَنه أغْنى النَّاس فَلم يبْق طَالب إِلَّا نَادرا فَإِذا أَبْطَأَ طَالب الْمَعْرُوف جنت عطاياه شوقا إِلَيْهِ فَتَأمل وَمِنْهَا وَهُوَ مِمَّا يستجاد
(يرى أقبح الْأَشْيَاء أوبة آمل ... كسته يَد المأمول حلَّة خائب)
(وَأحسن من نور يَفْتَحهُ الندى ... بَيَاض العطايا فِي سَواد المطالب)
(إِذا ألجمت يَوْمًا لجيم وحولها ... بَنو الْحصن نجل الْمُحْصنَات النجائب)
(فَإِن المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم فِي الروع دون الْأَقَارِب)
(جحافل لَا يتركن ذَا جبرية ... سليما وَلَا يحربن من لم يحارب)
(يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب)
ولجيم بِالتَّصْغِيرِ أَبُو عجل جد أبي دلف والحصن هُوَ ثَعْلَبَة بن عكابة وَبَنُو الْحصن أَعْمَامه (الطَّوِيل)
(إِذا افتخرت يَوْمًا تَمِيم بقوسها ... فخارا على مَا وطدت من مَنَاقِب)
(فَأنْتم بِذِي قار أمالت سُيُوفكُمْ ... عروش الَّذين استرهنوا قَوس حَاجِب)
قَالَ الإِمَام المرزوقي يَعْنِي بِالْقَوْسِ قَوس حَاجِب بن زُرَارَة رَهنهَا عِنْد كسْرَى
وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّبِي
كَانَ دَعَا على مُضر وَقَالَ اللَّهُمَّ أشدد وطأتك على مُضر وأبعث عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف فتوالت الجدوبة عَلَيْهِم سبع سِنِين فَلَمَّا رأى حَاجِب الْجهد على قومه جمع بني زُرَارَة وَقَالَ إِنِّي أزمعت على أَنِّي آتِي الْملك يَعْنِي
стр. 353
كسْرَى فأطلب أَن يَأْذَن لقومنا فَيَكُونُوا تَحت هَذَا الْبَحْر حَتَّى يحيوا فَقَالُوا رشدت فافعل غير أَنا نَخَاف عَلَيْك بكر بن وَائِل فَقَالَ مَا مِنْهُم وَجه إِلَّا ولي عِنْده يَد إِلَّا ابْن الطَّوِيلَة التَّيْمِيّ وسأداويه ثمَّ ارتحل فَلم يزل ينْتَقل فِي الإتحاف وَالْبر من النَّاس حَتَّى أنْتَهى إِلَى المَاء الَّذِي عَلَيْهِ ابْن الطَّوِيلَة فنزله لَيْلًا فَلَمَّا أَضَاء الْفجْر دَعَا بنطع ثمَّ أَمر فصب عَلَيْهِ التَّمْر ثمَّ نَادَى حَيّ على الْغَدَاء فَنظر ابْن الطَّوِيلَة فَإِذا هُوَ بحاجب فَقَالَ لأهل الْمجْلس أَجِيبُوهُ وَأهْدى إِلَيْهِ جزرا ثمَّ ارتحل فَلَمَّا بلغ كسْرَى شكا إِلَيْهِ الْجهد فِي أَمْوَالهم وأنفسهم وَطلب أَن بأذن لَهُم فَيَكُونُوا فِي حد بِلَاده فَقَالَ أَنْتُم معشر الْعَرَب أهل غدر فَإِذا أَذِنت لَهُم عاثوا فِي الرّعية وأغاروا قَالَ حَاجِب إِنِّي ضَامِن للْملك أَن لَا يَفْعَلُوا قَالَ فَمن لي بِأَن تفي أَنْت قَالَ أرهنك قوسي فَلَمَّا جَاءَ بهَا ضحك من حوله فَقَالَ الْملك مَا كَانَ ليلمسها اقبضوها مِنْهُ ثمَّ جَاءَت مُضر إِلَى النَّبِي
بعد موت حَاجِب فَدَعَا لَهُم فَخرج أَصْحَابه إِلَى بِلَادهمْ وارتحل عُطَارِد بن حَاجِب إِلَى كسْرَى يطْلب قَوس أَبِيه فَقَالَ مَا أَنْت بِالَّذِي وَضَعتهَا قَالَ أجل إِنَّه هلك وَأَنا ابْنه وَفِي للْملك قَالَ ردوا عَلَيْهِ وكساه حلَّة فَلَمَّا وَفد إِلَى النَّبِي
أهداها إِلَيْهِ فَلم يقبلهَا فَبَاعَهَا من يَهُودِيّ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم فَصَارَ ذَلِك فخرا ومنقبة لحاجب وعشيرته فَيَقُول أَبُو تَمام إِذا افتخرت تَمِيم بذلك فَأنْتم قتلتم الَّذين كسبوهم هَذَا الْمجد مِمَّا ارتهنوه وهدمتم عزهم وَإِنَّمَا يَعْنِي وقْعَة ذِي قار حِين
قتلت بَنو شَيبَان الْعَجم
стр. 354
ونكلوا فيهم وَكَانَ رئيسهم سيار بن حَنْظَلَة الْعجلِيّ وَأَبُو دلف عجلي فَلذَلِك خاطبه بِهَذَا ا. هـ.
وَقد لمح بَعضهم إِلَى قَوس حَاجِب بقوله فِي مليح قلندري قد حلق حَاجِبه فَقَالَ (الطَّوِيل)
(حَبِيبِي بِحَق الله قل لي مَا الَّذِي ... دعَاك إِلَى هَذَا فَقَالَ مجابي)
(وعدت بوصل العاشقين تعطفا ... فَلم يثقوا واسترهنوا قَوس حاجبي)
وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف هَذِه القصيدة استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ لَهُ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ الرائية الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر)
وددت وَالله أَنَّهَا لَك فِي قَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر وأَبُو تَمام الطَّائِي هُوَ حبيب بن أَوْس بن الْحَارِث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان بن مر بن سعد بن كَاهِل بن عَمْرو بن عدي بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ
стр. 355
ولد فِي جاسم بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة من قرى الجيدور بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَهُوَ إقليم من دمشق فِي آخر خلَافَة الرشيد سنة تسعين وَمِائَة وَقيل غير ذَلِك وَنَشَأ بِمصْر واشتغل إِلَى أَن صَار أوحد عصره كَانَ
يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة علمه وَكَمَال فَضله وإتقان مَعْرفَته بِحسن اخْتِيَاره وَهُوَ فِي جمعه للحماسة أشعر مِنْهُ فِي شعره وَله كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهُوَ دون الحماسة وَكِلَاهُمَا عِنْدِي وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَقيل غير هَذَا وَكَانَ شعره غير مُرَتّب فرتبه الصولي على الْحُرُوف ثمَّ رتبه عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي على أَنْوَاع الشّعْر وترجمته طَوِيلَة تركناها لشهرتها وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لَا يعنيني)
على أَن التَّعْرِيف غير مَقْصُود قَصده فَإِن تَعْرِيف أل الجنسية لَفْظِي لَا يُفِيد التَّعْيِين وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ معرفَة وَقد أورد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي الْحَال وَالْإِضَافَة والنعت والموصوف والمعرف بأل أَيْضا وَجُمْلَة يسبني وصف اللَّئِيم فِي الْمَعْنى وَحَال مِنْهُ بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَالْأول أظهر للمقصود وَهُوَ التمدح بالوقار
следующие страницы →