← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(وَلَكِن تعلم أَنه عهد بَيْننَا فبن غير مَذْمُوم وَلَكِن مودعا) (حَدِيث أضعناه كِلَانَا فَلَنْ أرى ... وَأَنت نجيا آخر الدَّهْر أجمعا) (وَكنت إِذا ضيعت سرك لم تَجِد ... سواك لَهُ إِلَّا أشت وأضيعا) وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (الطَّوِيل) (أمنت امْرأ فِي السِّرّ لم يَك حازما ... وَلكنه فِي النصح غير مريب) (أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياء نَار أوقدت بثقوب) (وَكنت مَتى لم ترع سرك تَنْتَشِر ... قوارعه من مخطىء ومصيب) (فَمَا كل ذِي لب بمؤتيك نصحه ... وَمَا كل مؤت نصحه بلبيب وَلَكِن إِذا مَا استجمعا عِنْد وَاحِد فَحق لَهُ من طَاعَة بِنَصِيب) وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عوَانَة قَالَ كَانَ أَبُو الْأسود يجلس إِلَى فنَاء امْرَأَة بِالْبَصْرَةِ فيتحدث إِلَيْهَا وَكَانَت بَرزَة جميلَة فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا الْأسود هَل لَك أَن أتزوجك فَإِنِّي صناع الْكَفّ حَسَنَة التَّدْبِير قانعة بالميسور قَالَ نعم فَجمعت أَهلهَا وتزوجته فَوجدَ عِنْدهَا خلاف مَا قدره وأسرعت فِي مَاله ومدت يَدهَا إِلَى خيانته وأفشت سره فغدا على من كَانَ حضر تَزْوِيجه إِيَّاهَا فَسَأَلَهُمْ أَن يجتمعوا عِنْده فَفَعَلُوا فَقَالَ لَهُم (المتقارب) (أريت امْرأ كنت لم أبله ... فَقَالَ اتَّخَذَنِي صديقا خَلِيلًا) (فخاللته ثمَّ أكرمته ... فَلم أستفد من لَدنه فتيلا) (وألفيته حِين جربته ... كذوب الحَدِيث سروقا بَخِيلًا) ...

стр. 282

(فَذَكرته ثمَّ عاتبته ... عتابا رَفِيقًا وقولا جميلا) (فَأَلْفَيْته غير مستعتب ... وَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا) (أَلَسْت حَقِيقا بتوديعه ... وإتباع ذَلِك صرما طَويلا) فَقَالُوا لَهُ بلَى وَالله يَا أَبَا الْأسود فَقَالَ تِلْكَ صاحبتكم وَقد طَلقتهَا لكم وَأَنا أحب أَن أستر مَا أنكرته من أمرهَا فَانْصَرَفت مَعَهم وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَيَّاش قَالَ كَانَ الْمُنْذر بن الْجَارُود الْعَبْدي صديقا لأبي الْأسود يُعجبهُ مُجَالَسَته وَحَدِيثه وَكَانَ كل مِنْهُمَا يغشى صَاحبه وَكَانَت لأبي الْأسود مقطعَة من برود يكثر لبسهَا فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر لقد أدمنت لبس هَذِه الْمُقطعَة فَقَالَ أَبُو الْأسود رب مملول يُسْتَطَاع فِرَاقه فَعلم الْمُنْذر أَنه قد احْتَاجَ إِلَى كسْوَة فأهدى لَهُ ثيابًا فَقَالَ أَبُو الْأسود يمدحه (الطَّوِيل) (كساك وَلم تستكسه فحمدته ... أَخ لَك يعطيك الجزيل وياصر) (وَإِن أَحَق النَّاس إِن كنت حامدا ... بحَمْدك من أَعْطَاك وَالْعرض وافر) وروى الحريري فِي درة الغواص عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر قَالَ اجْتمع عندنَا أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم وَابْن الْأَعرَابِي فتجاريا الحَدِيث إِلَى أَن حكى أَبُو نصر أَن أَبَا الْأسود دخل على عبيد الله بن زِيَاد وَعَلِيهِ ثِيَاب

стр. 283

رثَّة فَكَسَاهُ ثيابًا جددا من غير أَن عرض لَهُ بسؤال فَخرج وَهُوَ يَقُول وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ وَأنْشد أَبُو نصر وياصر يُرِيد بِهِ ويعطف فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَعرَابِي بل هُوَ وناصر بالنُّون فَقَالَ لَهُ أَبُو نصر دعنى يَا هَذَا وياصري وَعَلَيْك بناصرك \ وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ أَبُو حَرْب بن أبي الْأسود قد لزم منزل أَبِيه بِالْبَصْرَةِ وَلَا ينتجع أَرضًا وَلَا يطْلب الرزق فِي تِجَارَة وَلَا غَيرهَا فَعَاتَبَهُ أَبوهُ على ذَلِك فَقَالَ أَبُو حَرْب إِن كَانَ لي رزق فسيأتيني فَقَالَ لَهُ أَبوهُ (الوافر) (وَمَا طلب الْمَعيشَة بالتمني ... وَلَكِن ألق دلوك فِي الدلاء) (تَجِيء بملئها يَوْمًا وَيَوْما ... تَجِيء بحمأة وَقَلِيل مَاء) وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ يكرم أَبَا الْأسود لما كَانَ عَاملا بِالْبَصْرَةِ لعَلي ﵁ وَيَقْضِي حوائجة فَلَمَّا ولي ابْن عَامر جفاه وأبعده وَمنعه حَوَائِجه لما كَانَ يُعلمهُ من هَوَاهُ فِي عَليّ ﵁ فَقَالَ فِيهِ أَبُو الْأسود (الطَّوِيل) (ذكرت ابْن عَبَّاس بِبَاب ابْن عَامر ... وَمَا مر من عيشي ذكرت وَمَا فضل) (أميرن كَانَا صَاحِبي كِلَاهُمَا ... فكلا جزاه الله عني بِمَا فعل) (فَإِن كَانَ شرا كَانَ شرا جَزَاؤُهُ ... وَإِن كَانَ خيرا كَانَ خيرا إِذا عدل) وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى الْعُتْبِي قَالَ كَانَ لأبي الْأسود جَار فِي ظهر دَاره لَهُ بَاب إِلَى قَبيلَة أُخْرَى وَكَانَ بَين دَاره وَدَار أبي الْأسود بَاب مَفْتُوح يخرج

стр. 284

مِنْهُ كل وَاحِد إِلَى قَبيلَة صَاحبه إِذا أرادها وَكَانَ الرجل ابْن عَم أبي الْأسود دنيا وَكَانَ شرسا سيء الْخلق فَأَرَادَ سد ذَلِك الْبَاب فَقَالَ لَهُ قومه لَا تفعل فتضر بِأبي الْأسود وَهُوَ شيخ وَلَيْسَ عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب ضَرَر وَلَا مُؤنَة فَأبى إِلَّا سَده ثمَّ نَدم على ذَلِك لِأَنَّهُ أضرّ بِهِ فَكَانَ إِذا أَرَادَ سلوك الطَّرِيق الَّتِي يسلكها مِنْهُ بعد عَلَيْهِ فعزم على فَتحه وَبلغ ذَلِك أَبَا الْأسود فَمَنعه مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ (الوافر) (بليت بِصَاحِب إِن أدن شبْرًا ... يزدني فِي مباعدة ذِرَاعا) (وَإِن أمدد لَهُ فِي الْوَصْل ذرعي ... يزدني فَوق قيس الذرع بارعا) (أَبَت نَفسِي لَهُ إِلَّا اتبَاعا ... وتأبى نَفسه إِلَّا امتناعا) (كِلَانَا جَاهد أدنو وينأى ... فَذَلِك مَا اسْتَطَعْت وَمَا استطاعا) وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (مجزوء الْكَامِل) (أعصيت أَمر ذَوي النهى ... وأطعت أَمر ذَوي الجهاله) (أَخْطَأت حِين صرمتني ... والمرء يعجز لَا محاله) (وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... وَالْحر تكفيه المقاله) وَقد أطلتا فِي إِيرَاد شعره لَكنا أطبنا فَإِن حِكْمَة شِفَاء الصُّدُور ودرر قلائد النحور وَأما عدي بن حَاتِم فنسبته عدي بن حَاتِم الطَّائِي بن عبد الله بن سعد ابْن حشرج بن امْرِئ الْقَيْس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم واسْمه هزومة بن ربيعَة ابْن جَرْوَل بن ثعل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ بن أدد

стр. 285

بن زيد بن كهلان إِلَّا أَنهم يَخْتَلِفُونَ فِي بعض الْأَسْمَاء إِلَى طَيء وكنية عدي أَبُو طريف قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ عدي مائَة وَثَمَانِينَ سنة ا. هـ. قدم على النَّبِي فِي شعْبَان من سنة سبع وَقَالَ الْوَاقِدِيّ من سنة عشر وَخَبره فِي قدومه خبر عَجِيب وَحَدِيث صَحِيح ثمَّ قدم على أبي بكر ﵁ بصدقات قومه فِي حِين الرِّدَّة وَمنع قومه وَطَائِفَة مَعَهم من الرِّدَّة بِثُبُوتِهِ على الْإِسْلَام وَحسن رَأْيه وَكَانَ سريا شريفا فِي قومه خَطِيبًا حَاضر الْجَواب فَاضلا كَرِيمًا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخل وَقت صَلَاة قطّ إِلَّا وَأَنا أشتاق إِلَيْهَا وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخلت على النَّبِي قطّ إِلَّا وسع لي أَو تحرّك وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فِي بَيته وَقد امْتَلَأَ من أَصْحَابه فَوسعَ لي حَتَّى جَلَست إِلَى جنبه وَفِي حَدِيث الشّعبِيّ أَن عدي بن حَاتِم قَالَ لعمر بن الْخطاب ﵁ إِذْ قدم عَلَيْهِ مَا أَظُنك تعرفنِي فَقَالَ وَكَيف لَا أعرفك وَأول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله صَدَقَة طَيئ أعرفك آمَنت إِذْ كفرُوا وَأَقْبَلت إِذْ أدبروا ووفيت إِذْ غدروا ثمَّ نزل عدي الْكُوفَة وسكنها وَشهد مَعَ عَليّ ﵁ الْجمل وفقئت عينه يَوْمئِذٍ ثمَّ شهد مَعَ عَليّ ﵁ صفّين والنهروان وَمَات بِالْكُوفَةِ وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين فِي سنة سبع وَسِتِّينَ كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر وَأما شعر النَّابِغَة الذبياني فَهُوَ (الطَّوِيل) (جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل) ...

стр. 286

(بِمَا انتهكوا من رب عدنان جهرة ... وعَوْف يُنَاجِيهِمْ وذلكم جلل) (فاصبحتم وَالله يفعل ذاكم ... يعزكم مولى مواليكم شكل) وروى (يبوك النِّسَاء المرضعات بَنو شكل) (إِذا شَاءَ مِنْهُم نَاشِئ دربخت لَهُ ... لَطِيفَة طي الكشح رابية الكفل) قَالَ الْمفضل بن سَلمَة فِي الفاخر روى هَذَا الشّعْر للنابغة الذبياني وَقيل إِنَّه لعبد الله بن همارق بِضَم الْهَاء وَآخره قَاف وَهُوَ أحد بني عبد الله بن غطفان وَلَيْسَ فِي هَذَا الشّعْر شَاهد لما نَحن فِيهِ وَالسَّبَب فِيهِ أَن بني عبس لحقت ببني ضبة بعد يَوْم الفروق ثمَّ وَقع بَينهمَا دم ففارقتهم عبس فمرت تُرِيدُ الشَّام وَبلغ بني عَامر ارتفاعهم فخافوا انقطاعهم من قيس بن زُهَيْر رَئِيس بني عبس فَخرجت وُفُود بني عَامر إِلَيْهِم فدعتهم إِلَى أَن يرجِعوا ويحالفوهم فَقَالَ قيس بن زُهَيْر حالفوا قوما فِي صيابة بني عَامر لَيْسَ لَهُم عدد فيبغوا عَلَيْكُم بعددهم وَإِن احتجتم أَن يقومُوا بنصرتكم قَامَت بَنو عَامر فَحَالَفُوا مُعَاوِيَة بن شكل بن كَعْب بن عَامر بن صعصعة فَمَكَثُوا فيهم إِلَى أَن قَالَ الشَّاعِر هَذِه الأبيات يعير بني عبس فَلَمَّا بلغت قيسا قَالَ مَاله قَاتله الله أفسد علينا حلفنا فَخَرجُوا عَنْهُم ويبوك مضارع باك الْمَرْأَة بِمَعْنى جَامعهَا بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَآخره كَاف ودربخت بِالدَّال وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالباء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة يُقَال دربخت الْحَمَامَة لذكرها طاوعته للسفاد والصيابة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة الْخَالِص والصميم وَالْأَصْل وَالْخيَار من كل شَيْء وَالسَّيِّد وصيابة الْقَوْم لبابهم

стр. 287

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ (السَّرِيع) (لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع) لما تقدم فِي الْبَيْت الَّذِي قبله قَالَ حفيد السعد فِي حَاشِيَة المطول أفرد ضمير إِلَيْهِ مَعَ أَنه رَاجع إِلَى الْأَصْحَاب قصدا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم وَقَالَ الفناري قيل الضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى شخص مَذْكُور فِيمَا سبق وَفِي إِلَيْهِ رَاجع إِلَى مُصعب. وَقيل الضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى مُصعب وَفِي إِلَيْهِ رَاجع إِلَى أَصْحَابه قصدا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم أَو نقُول لمشابهة لفظ أَفعَال للمفرد وَلِهَذَا يَجِيء فِي كثير من الْمَوَاضِع وصف الْمُفْرد بِهِ نَحْو ثوب أسمال ونطفه أمشاج وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه﴾ فَإِن الضَّمِير فِي بطونه رَاجع للأنعام ا. هـ. وَهَذَا الْكَلَام برمتِهِ من شرح اللب فِي بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق وَقَوله أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل إِلَخ قَالَ الميداني فِي مجمع الْأَمْثَال جزاه كيل الصَّاع بالصاع أَي كافا إحسانه بِمثلِهِ وإساءته بِمِثْلِهَا وَقَوله صَاعا قَالَ الْحَفِيد هُوَ فِي مَوضِع الْحَال مثل بايعته يدا بيد وَهُوَ فِي الأَصْل جملَة أَي صَاع مِنْهُ بِصَاع كَذَا كتب قدس سره بِخَطِّهِ فِي الْحَاشِيَة ا. هـ. وَقَالَ الفناري وَقَوله صَاعا بِصَاع حَال من ضمير أدّى وَالْأَصْل مُقَابلا صَاعا بِصَاع ثمَّ طرح مُقَابلا وأقيم صَاعا مقَامه ثمَّ الْحَال لَيست هِيَ صَاعا وَحده بل هُوَ مَعَ قَوْله بِصَاع لِأَن معنى المنوب عَنهُ يحصل بالمجموع كَذَا ذكره صَاحب الإقليد فِي كَلمته فَاه إِلَى فِي ا. هـ.

стр. 288

ومرجع الضميرين على مَا تقدم نَاشِئ عَن عدم الِاطِّلَاع عَلَيْهِ وَالْبَيْت من قصيدة للسفاح بن بكير بن معدان الْيَرْبُوعي رثى بهَا يحيى بن شَدَّاد ابْن ثَعْلَبَة بن بشر أحد بني ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هِيَ لرجل من بني قريع رثى بهَا يحيى بن ميسرَة صَاحب مُصعب بن الزبير وَكَانَ وَفِي لَهُ حَتَّى قتل مَعَه وَهَذِه أَبْيَات من مطْلعهَا (السَّرِيع) (صلى على يحيى وأشياعه ... رب رَحِيم وشفيع مُطَاع) (لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع) (يَا سيدا مَا أَنْت من سيد ... موطأ الْبَيْت رحيب الذِّرَاع) نقلته من المفضليات وَشَرحهَا لِابْنِ الْأَنْبَارِي فَالضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى يحيى وَضمير إِلَيْهِ رَاجع إِلَى مُصعب وروى الْبَيْت أَيْضا كَذَا (لما جلا الخلان عَن مُصعب ... أدّى إِلَيْهِ الْقَرْض صَاعا بِصَاع) فَلَا شَاهد فِي الْبَيْت على هَذِه الرِّوَايَة وَهِي رِوَايَة الْمفضل الضَّبِّيّ فِي المفضليات وجلا بِالْجِيم بِمَعْنى تفرق من الْجلاء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهُوَ الْخُرُوج من الوطن يُقَال قد جلوا عَن أوطانهم وجلوتهم أَنا لَازم ومتعد وَيُقَال أَيْضا أجلو عَن الْبَلَد وأجليتهم أَنا كِلَاهُمَا بِالْألف والخلان جمع خَلِيل

стр. 289

وَقَوله يَا سيدا مَا أَنْت من سيد إِلَخ يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل) لما تقدم فِي الْبَيْت الَّذِي قبله قَالَ الفناري إِنَّمَا لم يجز هَاهُنَا رُجُوع الضَّمِير إِلَى الْمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَهُوَ اللوم أَو إِلَى الشَّاعِر على سنَن الِالْتِفَات لِأَن مَقْصُود الشَّاعِر قوم زُهَيْر فَإِن الذَّوْق السَّلِيم يفهم من هَذَا الْبَيْت تحريض أقربائه على لومه ولومهم على ترك لومه وَلَعَلَّ قوم زُهَيْر غير قوم الشَّاعِر وَالله أعلم ا. هـ. وَقَوله على مَا جر فِي الْقَامُوس الجريرة الذَّنب وَالْجِنَايَة جر على نَفسه وَغَيره جريرة يجر بِالضَّمِّ وَالْفَتْح جرا وَقَالَ حفيد السعد قَوْله على مَا جر أَي على الْعَار الَّذِي جَرّه ومده من كل جَانب وناحية بِسَبَب الظُّلم والعداوة لكنه قدس سره قد كتب فِي الْحَاشِيَة يُقَال جر عَلَيْهِم جريرة أَي جنى جِنَايَة وَقَالَ الفناري وَقد يرْوى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة من الحز وَهُوَ الْقطع ا. هـ. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ هُنَا وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ الأولى كَمَا يَأْتِي وَبعده (بكفي زُهَيْر عصبَة العرج مِنْهُم ... وَمن بيع فِي الركبين لخم وغالب) والبيتان من شعر أبي جُنْدُب بن مرّة القردي قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل زُهَيْر من بني لحيان وجر جنى أَي جر على نَفسه جرائر

стр. 290

من كل جَانب وروى قومه زُهَيْر ا. هـ. يَعْنِي بِنصب قومه وَرفع زُهَيْر وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ وَقَوله بكفي زُهَيْر إِلَخ عصبَة مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَمن يَبِيع مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ والعصبة الْجَمَاعَة وَالْعَرج بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا جِيم قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بهَا قتل قوم زُهَيْر وَسبي نِسَاؤُهُم وذراريهم وَضمير مِنْهُم لقوم زُهَيْر والظرف حَال من عصبَة بِتَقْدِير مُضَاف لَهُ وللمعطوف أَي قتل الْعصبَة فِي العرج وَسبي من بيع فِي الركبين حَال كَونهم من قوم زُهَيْر بِسَبَب جِنَايَة كفي زُهَيْر ولخم وغالب بدل من الركبين ولخم حَيّ من الْيمن وغالب قَبيلَة من قُرَيْش وَيقدر مِنْهُم أَيْضا بعد قَوْله وَمن بيع وَسبب هَذَا الشّعْر مَا رَوَاهُ السكرِي قَالَ مرض أَبُو جُنْدُب وَكَانَ لَهُ جَار من خُزَاعَة اسْمه خاطم فَقتله زُهَيْر اللحياني وَقتلُوا امْرَأَته فَلَمَّا برأَ أَبُو جُنْدُب من مَرضه خرج من أَهله حَتَّى قدم مَكَّة فاستلم الرُّكْن وكشف عَن استه وَطَاف فَعرف النَّاس أَنه يُرِيد شرا فَقَالَ (الرجز) (إِنِّي امْرُؤ أبْكِي على جاريه ... أبكى على الكعبي والكعبيه) (وَلَو هَلَكت بكيا عَلَيْهِ ... كَانَا مَكَان الثَّوْب من حقْوَيْهِ) يُقَال عذت بحقويك يُرِيد كَانَا فِي مَوضِع المعاذ أَي كَانَا مني بمَكَان من أجرت فَلَمَّا فرغ من طَوَافه وَقضى من مَكَّة حَاجته خرج فِي الخلعاء من بكر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان فَخَرجُوا مَعَه حَتَّى صبح بهم بني لحيان فِي العرج فَقتل فيهم وسبى من نِسَائِهِم وذراريهم وباعهم فاشترتهم هَاتَانِ القبيلتان فَقَالَ أَبُو جُنْدُب فِي ذَلِك ...

стр. 291

(أَلا لَيْت شعري هَل يَلُومن قومه) والقردي نِسْبَة إِلَى قرد بِكَسْر الْقَاف على لفظ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَهُوَ بطن من هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر ولحيان بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة تحتية بطن من هُذَيْل أَيْضا وَأَبُو جُنْدُب شَاعِر جاهلي (تَتِمَّة) الْبَيْت الَّذِي فِي المطول وَهُوَ قَوْله جزى بنوه إِلَخ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمَة عدي بن زيد كَذَا (الْبَسِيط) (جزى بنوه أَبُو الغيلان من كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار) وَذكر فِيهِ جَزَاء سنمار قَالَ وَأما صَاحب الخورنق فَهُوَ النُّعْمَان بن الشَّقِيقَة وَهُوَ الَّذِي ساح على وَجهه فَلم يعرف لَهُ خبر والشقيقة أمة بنت أبي ربيعَة بن ذهل بن شبيان وَهُوَ النُّعْمَان بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي بن نصر ابْن ربيعَة اللَّخْمِيّ فَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ سَبَب بنائِهِ الخورنق أَن يزدجرد بن سَابُور كَانَ لَا يبْقى لَهُ ولد فَسَأَلَ عَن منزل مريء صَحِيح من الأدواء والأسقام فَدلَّ على ظهر الْحيرَة فَدفع ابْنه بهْرَام جور بن يزدجرد إِلَى النُّعْمَان بن الشَّقِيقَة وَكَانَ عاملة على أَرض الْعَرَب وَأمره بِأَن يَبْنِي الخورنق مسكنا لَهُ ولابنه وينزله إِيَّاه مَعَه بِإِخْرَاجِهِ إِلَى بوادي الْعَرَب وَكَانَ الَّذِي بنى الخورنق رجلا يُقَال لَهُ سنمار فَلَمَّا فرغ من بنائِهِ عجبوا من حسنه وإتقان عمله فَقَالَ لَو علمت أَنكُمْ توفوني أجرتي

стр. 292

وتصنعون بِي مَا أستحقه لبنيته بِنَاء يَدُور مَعَ الشَّمْس حَيْثُمَا دارت فَقَالُوا وَإنَّك لتبني مَا هُوَ أفضل مِنْهُ وَلم تبنه ثمَّ أَمر بِهِ فَطرح من رَأس الْجَوْسَقِ وَفِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَالَ إِنِّي لأعرف فِي هَذَا الْقصر مَوضِع عيب إِذا هدم تداعى الْقصر فَقَالَ أما وَالله لَا تدل عَلَيْهِ أحدأ أبدا ثمَّ رمى بِهِ من أَعلَى الْقصر فَقَالَت الشُّعَرَاء فِي ذَلِك أشعارا كَثِيرَة مِنْهَا قَول أبي الطمحان القيني (الطَّوِيل) (جَزَاء سنمار جزوها وربها ... وباللات والعزى جَزَاء الْمُكَفّر) وَمِنْهَا قَول سليط بن سعد (الْبَسِيط) (جزى بنوه أَبَا الغيلان من كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار قَالَ عبد الْعُزَّى بن امرىء الْقَيْس الْكَلْبِيّ وَكَانَ أهْدى إِلَى الْحَارِث بن مَارِيَة الغساني أفراسا ووفد إِلَيْهِ فأعجب بِهِ واختصه وَكَانَ للْملك ابْن مسترضع فِي بني عبد ود من كلب فنهشته حَيَّة فَظن الْملك أَنهم اغتالوه فَقَالَ لعبد الْعُزَّى جئني بهؤلاء الْقَوْم فَقَالَ هم قوم أَحْرَار لَيْسَ لي عَلَيْهِم فضل فِي نسب وَلَا فعل فَقَالَ لتَأْتِيني بهم أَو لَأَفْعَلَنَّ وأفعلن فَقَالَ لَهُ رجونا من جنابك أمرا حَال دونه عقابك ودعا ابنيه شرَاحِيل وَعبد الْحَارِث فَكتب مَعَهُمَا إِلَى قومه (الطَّوِيل) (جزاني جزاه الله شَرّ جَزَائِهِ ... جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب) ...

стр. 293

(سوى رصه الْبُنيان عشْرين حجَّة ... يعل عَلَيْهِ بألقراميد والسكب) وَهِي أَبْيَات قَالَ فَقتله النُّعْمَان ا. هـ. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل) (كَأَن لم يمت حَيّ سواك وَلم تقم ... على أحد إِلَّا عَلَيْك النوائح) على أَنه إِذا وَقع مَرْفُوع بعد الْمُسْتَثْنى فِي الشّعْر أضمروا لَهُ عَاملا من جنس الأول أَي قَامَت النوائح وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي الحماسة لأشجع السّلمِيّ وَهِي (مضى ابْن سعيد حِين لم يبْق مشرق ... وَلَا مغرب إِلَّا لَهُ فِيهِ مادح) (وَمَا كنت أَدْرِي مَا فواضل كَفه ... على النَّاس حَتَّى غيبته الصفائح) (فَأصْبح فِي لحد من الأَرْض مَيتا ... وَكَانَت بِهِ حَيا تضيق الصحاصح) (سأبكيك مَا فاضت دموعي فَإِن تغض ... فحسبك مني مَا تجن الجوانح) (وَمَا أَنا من رزء وَإِن جلّ جازع ... وَلَا لسرور بعد موتك فارح) (لَئِن حسنت فِيك المراثي وَذكرهَا ... لقد حسنت من قبل فِيك المدائح) كَأَن لم يمت حَيّ سواك الْبَيْت والصفائح أَحْجَار عراض يسقف بهَا الْقَبْر والصحاصح جمع صحصح وَهِي الأَرْض المستوية الواسعة وتغيض تنقص يُقَال غاض المَاء وغضته

стр. 294

وَقَوله كَأَن لم يمت كَأَن مخففه وَاسْمهَا ضمير شَأْن يَقُول أفرط الْحزن عَلَيْك حَتَّى كَانَ الْمَوْت لم يعْهَد قبل موتك وَكَأن النِّيَاحَة لم تقم على من سواك وَأَشْجَع هُوَ ابْن عَمْرو السّلمِيّ ويكنى أَبَا الْوَلِيد من ولد الشريد بن مطرود السّلمِيّ وَتزَوج أَبوهُ امْرَأَة من أهل الْيَمَامَة فشخص مَعهَا إِلَى بَلَدهَا فَولدت لَهُ هُنَاكَ أَشْجَع وَنَشَأ بِالْيَمَامَةِ ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فَقدمت بِهِ أمه الْبَصْرَة فطلبت مِيرَاث أَبِيه وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ مَال فَمَاتَتْ بهَا وربي أَشْجَع وَنَشَأ بِالْبَصْرَةِ فَكَانَ من لَا يعرفهُ يدْفع نسبته ثمَّ كبر وَقَالَ الشّعْر فأجاد وعد فِي الفحول وَكَانَ الشّعْر يؤمئذ فِي ربيعَة واليمن وَلم يكن لقيس عيلان شَاعِر فَلَمَّا نجم أَشْجَع افتخرت بِهِ قيس واثبتت نسبه ثمَّ خرج أَشْجَع إِلَى الرقة والرشيد بهَا فَنزل على بني سليم ومدح البرامكة وَانْقطع إِلَى جَعْفَر خَاصَّة فوصله الرشيد فأثرى وَحسنت حَاله وَلما ولى الرشيد جَعْفَر بن يحيى خُرَاسَان جلس لتهنئة النَّاس وأنشده الشُّعَرَاء وَدخل فِي آخِرهم أَشْجَع فَقَالَ لتأذن فِي إنشاد شعر قضيت بِهِ حق سوددك وكمالك وخففت بِهِ ثقل أياديك عِنْدِي فَقَالَ هَات يَا أَبَا الْوَلِيد فأنشده (المتقارب) (أتصبر يَا قلب أم تجزع ... فَإِن الديار غَدا بلقع) (غَدا يتفرق أهل الْهوى ... وَيكثر باك ومسترجع) إِلَى أَن بلغ قَوْله (ودوية بَين أقطارها ... مقاطع أَرضين لَا تقطع) (تجاوزتها فَوق عيرانة ... من الرّيح فِي سَيرهَا أسْرع) (إِلَى جَعْفَر نزعت رَغْبَة ... وَأي فَتى نَحوه تنْزع) ...

стр. 295

(فَمَا دونه لامرئ مطمع ... وَلَا لامرئ غَيره مقنع) (وَلَا يرفع النَّاس مَا حطه ... وَلَا يضعون الَّذِي يرفع) (يُرِيد الْمُلُوك مدى جَعْفَر ... وَلَا يصنعون كَمَا يصنع) (وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى ... وَلَكِن معروفه أوسع) (يلوذ الْمُلُوك بآرائه ... إِذا نالها الْحَدث الأفظع) (بديهته مثل تَدْبيره ... مَتى رمته فَهُوَ مستجمع) (وَكم قَائِل إِذْ راى ثروتي ... وَمَا فِي فضول الْغنى أصنع) (غَدا فِي ظلال ندى جَعْفَر ... يجر ثِيَاب الْغنى أَشْجَع) (فَقل لخراسان تحيا فقد ... أَتَاهَا ابْن يحيى الْفَتى الأروع) فَأقبل عَلَيْهِ جَعْفَر يخاطبه مُخَاطبَة الْأَخ أَخَاهُ ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار قَالَ الصولي فِي الورقات قَالَ لي يَوْمًا عبد الله بن المعتز من أَيْن أَخذ أَشْجَع قَوْله (وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى الْبَيْت) فَقلت من قَول مُوسَى شهوات لعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ (وَلم يَك أوسع الفتيان مَالا ... وَلَكِن كَانَ ارحبهم ذِرَاعا) فَقَالَ أصبت هَكَذَا هُوَ ا. هـ. وَرَأَيْت فِي الحماسة فِي بَاب الأضياف وَقَالَ أَبُو زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي (الوافر) (لَهُ نَار تشب على يفاع ... إِذا النيرَان ألبست القناعا) (وَلم يَك أَكثر الفتيان مَالا الْبَيْت) وَإِنَّمَا لقب مُوسَى بشهوات لِأَن عبد الله بن جَعْفَر كَانَ يشتهى عَلَيْهِ

стр. 296

الشَّهَوَات فيشتريها لَهُ مُوسَى ويتربح عَلَيْهِ وَهُوَ مولى لبني سهم وَأَصله من أذربيجان كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي مُوسَى شهوات هُوَ مُوسَى ابْن يسَار مولى قُرَيْش وَيُقَال مولى بنى سهم وَيُقَال مولى بني تيم كَانَ يجلب إِلَى الْمَدِينَة القند وَالسكر من أذربيجان فَقَالَت امْرَأَة مَا يزَال مُوسَى يجلب إِلَيْنَا الشَّهَوَات فغلب عَلَيْهِ وَقَالَ أبن شبة كَانَ مُوسَى سؤولا ملحفا فَإِذا رأى مَعَ أحد شَيْئا يُعجبهُ من ثوب أَو مَتَاع أَو دَابَّة تباكى فَإِذا قيل لَهُ مَالك قَالَ أشتهي هَذَا فَسمى مُوسَى شهوات وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ سمي بذلك لقَوْله فِي يزِيد بن مُعَاوِيَة (الْخَفِيف) (لست منا وَلَيْسَ خَالك منا ... يَا مضيع الصَّلَاة بالشهوات) يُقَال مُوسَى شهوات على الصّفة وعَلى الْإِضَافَة وَهُوَ أصح ويكنى أَبَا مُحَمَّد وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل بن يسَار ا. هـ. وَبَيت مُوسَى شهوات نسبه السعد فِي المطول وَصَاحب الْمعَاهد فِي شَوَاهِد التَّلْخِيص إِلَى أبي زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي كَمَا فِي الحماسة قَالَ الصولي بعد أَن تصرف جَعْفَر بِالْأَمر وَالنَّهْي وَالتَّوْلِيَة والعزل بدا للرشيد عَزله فَعَزله عَن خُرَاسَان فَاغْتَمَّ لذَلِك جَعْفَر فَدخل عَلَيْهِ أَشْجَع فَقَالَ (السَّرِيع) (أمست خُرَاسَان تعزى بِمَا ... أخطأها من جَعْفَر المرتجى) (كَانَ الرشيد المعتلى أمره ... ولى على مشرقها الأبلجا) (ثمَّ أرَاهُ رَأْيه أَنه ... أَمْسَى إِلَيْهِ مِنْهُم أحوجا) ...

стр. 297

(كم فرق الدَّهْر بأسبابه ... من مُحصن أَهلا وَكم زوجا) (وَكم بِهِ الرَّحْمَن من كربَة ... فِي مُدَّة تقصر قد فرجا) فَقَالَ لَهُ جَعْفَر قُمْت وَالله بالعذر لأمير الْمُؤمنِينَ وأصبت الْحق وخففت عَليّ الْعَزْل فَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار أُخْرَى وَلما دخل أَشْجَع على الرشيد بالرقة كَانَ قد فرغ من قصره الْأَبْيَض فأنشده (الْكَامِل) (قصر عَلَيْهِ تحيه وَسَلام ... فِيهِ لأعلام الْهدى أَعْلَام) (نشرت عَلَيْهِ الأَرْض كسوتها الَّتِي ... نسج الرّبيع وزخرف الأوهام) إِلَى أَن قَالَ (وعَلى عَدوك يَا ابْن عَم مُحَمَّد ... رصدان ضوء الصُّبْح والإظلام) (فَإِذا تنبه رعته وَإِذا غفا ... سلت عَلَيْهِ سيوفك الأحلام) قَالَ الصولي فِي الورقات بِسَنَدِهِ إِلَى أَشْجَع إِن الرشيد قَالَ لي من أَيْن أخذت قَوْلك وعَلى عَدوك الْبَيْتَيْنِ فَقلت لَا أكذب وَالله من قَول النَّابِغَة (الطَّوِيل) (فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع) فَقَالَ صه هُوَ عِنْدِي من كَلَام الأخطل لعبد الْملك بن مَرْوَان وَقد قَالَ لَهُ أَنا مجيرك من الجحاف فَقَالَ من يجيرني مِنْهُ إِذا نمت وترجمة أَشْجَع مُطَوَّلَة فِي الورقات للصولي وَفِي الأغاني للأصبهاني وَأَشْجَع لَيْسَ مِمَّن يستشهد بِكَلَامِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيره عَن الْبَيْت الَّذِي بعده

стр. 298

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (الْكَامِل) ٤٤ - (لَا أشتهي يَا قوم إِلَّا كَارِهًا ... بَاب الْأَمِير وَلَا دفاع الْحَاجِب) على أَن " بَاب الْأَمِير " مَنْصُوب ب " لَا أشتهي " مُقَدرا. وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح أَيْضا. قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي، فِي شرح الحماسة: هُنَا " كَارِهًا " حَال، يَقُول: لَا أعلق شهوتي بورود بَاب الْأَمِير ومدافعة الْحَاجِب إِلَّا على كره؛ يصف ميله إِلَى البدو وَأَهله وإلفه إيَّاهُم. وَقَالَ السَّيِّد فِي حَاشِيَته على المطول: قصر فِيهِ الشَّاعِر نَفسه فِي زمَان اشتهائه بَاب الْأَمِير على صفة الْكَرَاهَة لَهُ؛ فَهُوَ من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. وَيُمكن أَن يُقَال: قصر فِيهِ اشتهاءه بَاب الْأَمِير عَلَيْهِ مَوْصُوفا بالكراهية لَهُ لَا يتعداه إِلَيْهِ مَوْصُوفا بِصفة الْإِرَادَة لَهُ، فَهُوَ من قصر الصّفة على الْمَوْصُوف. وَلَك أَن تَقول قصر اشتهاءه الْبَاب على أَنه مُجْتَمع مَعَ كراهيته لَهُ دون إِرَادَته إِيَّاه؛ فَيكون أَيْضا من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. ثمَّ اشتهاء الشَّيْء إِن لم يكن مستلزماً لإرادته لم يناف كَرَاهَته، فَجَاز أَن يكون الشَّيْء مشتهى مَكْرُوها كاللذات الْمُحرمَة عِنْد الزهاد، كَمَا جَازَ أَن يكون الشَّيْء مرَادا منفوراً عَنهُ، كشرب الْأَدْوِيَة الْمرة عِنْد المرضى. فَإِن قيل: الاشتهاء يسْتَلْزم الْإِرَادَة، فالجمع بَينه وَبَين الْكَرَاهِيَة باخْتلَاف الْجِهَة، فيشتهي الدُّخُول على الْأَمِير لما فِيهِ من التَّقَرُّب، يكرههُ لما فِيهِ من المذلة ودفاع الْحَاجِب، فبالحقيقة المشتهى هُوَ التَّقَرُّب، وَالْمَكْرُوه تِلْكَ المذلة. ا. هـ. وَبِهَذَا يعرف سُقُوط قَول بعض شرَّاح الحماسة هُنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ قَوْله " كَارِهًا " حَالا من أشتهي، لِأَنَّهُ لَا يكون كَارِهًا للشَّيْء مشتهياً لَهُ فِي حَال،

стр. 299

من أجل أَن الشَّهْوَة مُنَافِيَة للكراهية، وَلكنه حَال من فعل مُقَدّر، وَالْمعْنَى: لَا أشتهي بَاب الْأَمِير وَلَا آتيه إِلَّا كَارِهًا، أَو وَلَكِن آتيه كَارِهًا ا. هـ. وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة مَذْكُورَة فِي الحماسة، لمُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ والبيتان بعده: (وَمن الرِّجَال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب) الْجُزْء ٩ (مِنْهُم أسود لَا ترام وَبَعْضهمْ ... مِمَّا قمشت وَضم حَبل الحاطب) يشبه الرجل فِي مضائه وصرامته وَفِي دقته إِذا هزل بِالسَّيْفِ والسنان ومذروبة محددة وَكَذَلِكَ مذربة وكل شَيْء حددته فقد ذربته يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسنة المطرورة مضاء ونفاذا فِي الْأُمُور والمزند وَكَذَلِكَ الزند الضّيق وَقَوْلهمْ فلَان زند متين أَي زند شَدِيد الضّيق متين شَدِيد بخيل أَي إِن نالهم خطب ضاقوا عَنهُ وَلم يتجهوا فِيهِ لرشد وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول وَمِنْهُم مزندون لكنه أكتفى بِالْأولِ كَقَوْلِه تَعَالَى (مِنْهَا قَائِم وحصيد) قَالَ المرزوقي سَمِعت أَبَا عَليّ الْفَارِسِي يَقُول كل صفتين تتنافيان فَلَا يَصح اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فلابد من إِضْمَار من مَعَهُمَا إِذا فصل جملَة بهما مَتى لم يجىء ظَاهرا فَإِن أمكن أجتماع صفتين لموصوف وَاحِد اسْتغنى عَن إِضْمَار من كَقَوْلِك صاحباك مِنْهُمَا ظريف وكريم وَقَوله شهودهم إِلَى آخِره يرْوى بدله حضورهم يُرِيد أَنه لَا غناء عِنْدهم فحضورهم كغيبتهم كَقَوْل الشَّاعِر (الطَّوِيل) (شهِدت جسيمات العلى وَهُوَ غَائِب ... وَلَو كَانَ أَيْضا شَاهدا كَانَ غَائِبا) قَالَ الطبرسي يجوز أَن يُرِيد بالشهود جمع شَاهد وَهُوَ الْحَاضِر وَأَرَادَ

стр. 300

بالغائب الْكَثْرَة فَتكون جِنْسا وَإِن كَانَ الشُّهُود مصدرا فالغائب يجوز أَن يكون جِنْسا كَالْأولِ أَي شهودهم كغيبة الْغَائِب بِحَذْف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون مصدرا كالباطل وَقَوله مِنْهُم لُيُوث إِلَخ يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسود فِي الْعِزَّة والمنعة لَا يطْلب اهتضامهم وَلَا يطْمع فيهم وَمِنْهُم متفاوتون كقماش الْبَيْت وَهُوَ رَدِيء مَتَاعه جمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَقَوله وَضم حَبل الحاطب هُوَ كَقَوْل الآخر (وَكلهمْ يجمعهُمْ بَيت الْأدم) قَالَ الْأَصْمَعِي بَيت الْأدم يجمع الْجيد والرديء فَفِيهِ من كل جلد رقعه وَكَذَلِكَ الحاطب يجمع فِي حبله الرطب واليابس والجزل والشخت وَرُبمَا احتطب لَيْلًا فضم فِي حبلة أَفْعَى وَهُوَ لَا يدْرِي وَنَحْوه قَول الْعَامَّة فِي الشَّيْء المتفاوت وَالْقَوْم الْمُخْتَلطين هم خرق الْبُرْنُس استانف بِهَذَا الْبَيْت تِلْكَ الْقِسْمَة على وَجه آخر فَهُوَ من بَاب الْبَيَان وَهُوَ أَن يحمل الشَّاعِر معنى ويفسره بِمَا يَلِيهِ وَصَاحب هَذِه الأبيات مُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ أحد شعراء بني حنيفَة المكثرين يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَهِي أمة كَمَا أَن حسان بن ثَابت ﵁ يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَتقدم فِي تَرْجَمته وَيُقَال كَانَ نَصْرَانِيّا وَهُوَ الْقَائِل (الطَّوِيل) (وجدنَا أَبَانَا كَانَ حل ببلدة ... سوى بَين قيس عيلان والفزر) (برابية أما الْعَدو فحولنا ... مطيف بِنَا فِي مثل دَائِرَة الْمهْر) (فَلَمَّا نأت عَنَّا الْعَشِيرَة كلهَا ... أَقَمْنَا وحالفنا السيوف على الدَّهْر)

стр. 301

كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَسوى صفة بَلْدَة بِمَعْنى متوسطة والفزر لقب لسعد بن زيد مَنَاة وَالْمعْنَى وجدنَا أَبَانَا حل ببلدة متوسطه لديار قيس بن عيلان وَسعد بن زيد مَنَاة يُرِيد حل بَين مُضر وناى عَن ربيعَة لِأَن قيسا والفزر من مُضر وَقَوله فَلَمَّا نأت إِلَخ يَقُول لما خذلتنا عشيرتنا وهم ربيعَة اكتفينا بِأَنْفُسِنَا فَأَقَمْنَا بدار الْحفاظ وَالصَّبْر واتخذنا سُيُوفنَا حلفاء على الدَّهْر وَهَذَا مثل ضربه لاستقلالهم فِيمَا نهضوا فِيهِ بعددهم وعدتهم وبلائهم وصبرهم واستغنائهم عَن القاعدين وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل) (ليبك يزِيد ضارع لخصومة ... ومختبط مِمَّا تطيح الطوائح) على أَن الْفِعْل الْمسند إِلَى ضارع حذف جَوَازًا أَي يبكة ضارع وَهَذَا على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأما على رِوَايَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل ففاعله ضارع وَيزِيد مَفْعُوله وَلَا حذف وَلَا شَاهد وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الثَّابِتَة عِنْد العسكري وعد الرِّوَايَة الأولى غَلطا فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب التَّصْحِيف فِيمَا غلط فِيهِ النحويون وَمِمَّا قلبوه وَخَالفهُم الروَاة قَول الشَّاعِر (ليبك يزِيد ضارع الْبَيْت) وَقد رَوَاهُ خَالِد والأصمعي وَغَيرهمَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل من الْبكاء وَنصب يزِيد وَمثله فِي كتاب فعلت وأفعلت لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ أنْشد

стр. 302

الْأَصْمَعِي ليبك يزِيد ضارع أَي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَلم يعرف ليبك يزِيد أَي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقَالَ هَذَا من عمل النَّحْوِيين وَزعم بَعضهم أَنه لَا حذف فِي الْبَيْت على الرِّوَايَة الأولى أَيْضا لجَوَاز أَن يكون يزِيد منادى وضارع نَائِب الْفَاعِل قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والتوجيه الأول أولى لِأَنَّهُ قد روى ليبك يزِيد بِفَتْح يَاء يبك وَكسر كَافَّة وَنصب يزِيد فَلَمَّا ظهر ضارع فَاعِلا فِي هَذِه الرِّوَايَة اسْتحق أَن يقدر فَاعِلا فِي الْأُخْرَى ليستويا وتوهم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَتَبعهُ الفناري فِي حَاشِيَة المطول أَن الْقَائِل بِنِدَاء يزِيد يزْعم أَنه منادى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لم يثبت رفع يزِيد فِي رِوَايَة الْبناء للْفَاعِل وَلَيْسَ كَمَا توهم فَإِن الَّذِي خرجه على النداء إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَمَا نقل ابْن هِشَام وَالرِّوَايَة الأولى أبلغ بتكرار الْإِسْنَاد إِجْمَالا ثمَّ تَفْصِيلًا كَمَا بَينه السعد فِي المطول وَقَالَ ابْن خلف لما قَالَ ليبك يزِيد عَم المأمورين بالتفجع على هَذَا الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ من كَثْرَة الْغناء ثمَّ خص هذَيْن الصِّنْفَيْنِ من جملَة الباكين عَلَيْهِ لشدَّة احتياجهما إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ نقلا عَن بَعضهم إِن الْإِبْهَام على الْمُخَاطب فِي مثل هَذَا النَّحْو الَّذِي يقْصد بِهِ الْعُمُوم تَعْظِيم للمقصود ومدح عميم وَيزِيد على رِوَايَة الْبناء لفاعل غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل دون ضَمِيره الْمُسْتَتر وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحْتَمل أَن يكون كَالْأولِ وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَن يكون مَنْقُولًا من الْفِعْل مَعَ فَاعله الْمُسْتَتر وَيكون حِينَئِذٍ جملَة محكية وَأعلم أَن هَذَا الْبَيْت لوُقُوعه فِي الْمَتْن شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَنحن نذْكر

стр. 303

مَا يتَعَلَّق بِهِ فَقَوله الضارع الذَّلِيل من قَوْلهم ضرع ضراعة فعله من الْبَاب الثَّالِث وَورد فِي لُغَة أَيْضا من بَاب تَعب وَيُقَال أَيْضا ضرع ضرعا كشرف شرفا بِمَعْنى ضعف فَهُوَ ضرع أَيْضا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله لخصومة مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء إِلَخ أَقُول ظَاهره أَنه لم يعْتَمد على شَيْء مِمَّا ذكر من شُرُوط عمل اسْم الْفَاعِل النصب وَفِيه أَنه مُعْتَمد على مَوْصُوف مُقَدّر قَالَ ابْن مَالك فِي الْخُلَاصَة (الرجز) (وَقد يكون نعت مَحْذُوف عرف ... فَيسْتَحق الْعَمَل الَّذِي وصف) وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه مُتَعَلق بضارع وَإِن فرض أَنه لم يعْتَمد على شَيْء لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ رَائِحَة الْفِعْل وَكَيف لَا يتَعَلَّق بِهِ مَعَ اعْتِمَاده على مَوْصُوف مُقَدّر لكنه بعيد عَن السِّيَاق قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول فَإِن قلت بل قد اعْتمد على الْمَوْصُوف الْمُقدر أَي شخص ضارع فعلى تَقْدِير اشْتِرَاط الِاعْتِمَاد فِي تعلق الْجَار بِهِ لَا مَحْذُور أَيْضا قلت إِن كفى فِي عمله الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر لَا يتَصَوَّر الإلغاء لعدم الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ لتصريح الشَّارِح يَعْنِي السعد فِي شرح الْكَشَّاف بِأَن ذكر الْمَوْصُوف مَعَ اسْم الْفَاعِل مُلْتَزم لفظا أَو تَقْديرا تعيينا للذات الَّتِي قَامَ بهَا الْمَعْنى وَهُوَ مُخَالف لتصريحهم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر إِنَّمَا يَكْفِي لعمله إِذا قوي الْمُقْتَضى لتقديره كَمَا فِي يَا طالعا جبلا وَيَا رَاكِبًا فرسا لانضمام اقْتِضَاء حرف النداء إِلَى اقْتِضَاء نفس اسْم الْفَاعِل لَكِن تَأتي اعْتِبَار مثل هَذَا الْمُقْتَضى فِي كل مَوضِع مَحل نظر ا. هـ. وَهَذَا كَلَام جيد وَقَوله لأجل الْخُصُومَة أَشَارَ إِلَى أَن اللَّام فِي الْخُصُومَة لَام التَّعْلِيل وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَيْضا وَقَوله فَإِن يزِيد كَانَ ملْجأ للأذلاء

стр. 304

والضعفاء الأولى ملْجأ للأذلاء والفقراء فَإِن المختبط بِمَعْنى السَّائِل كَمَا فسره الشَّارِح بِهِ وَقَوله وتعليقه بيبك لَيْسَ بِقَوي فِي الْمَعْنى قَالَ الفناري لِأَن مُطلق الْخُصُومَة لَيْسَ سَببا للبكاء بل هِيَ بِوَصْف المغلوبية وَقَوله والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَقع فِي بعض النّسخ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ للمعروف وَالظَّاهِر أَن قيد اللَّيْل تَحْرِيف من النساخ وَكَون الاختباط الْإِتْيَان للمعروف من غير وَسِيلَة هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ المختبط الرجل يَسْأَلك من غير معرفَة كَانَت بَيْنكُمَا وَلَا يَد سلفت مِنْهُ إِلَيْك وَعَلِيهِ فَيكون الاختباط مُتَعَدِّيا لمفعول وَاحِد كَمَا مثل الشَّارِح الْمُحَقق بقوله يُقَال اختبطني فلَان وَقَالَ ابْن خلف الاختباط بِمَعْنى السُّؤَال والطلب فَهُوَ بِمَنْزِلَة الِاقْتِضَاء تَقول اختبطني معروفي فخبطته أَي أَنْعَمت عَلَيْهِ وَمثله اقتضيته مَالا أَي سَأَلته إِيَّاه وَحكى بَعضهم اختبط فلَان فلَانا وَرقا إِذا أصَاب مِنْهُ خيرا فعلى تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي الْبَيْت حذف مفعول وَاحِد أَي ومختبط وَرقا أَو رزقا أَو نَحْو ذَلِك وَيجوز أَن يكون هَذَا الْمَفْعُول ضمير يزِيد أَي ومختبط إِيَّاه وعَلى التَّفْسِير الثَّانِي فِيهِ حذف مفعولين أَي ومختبط النَّاس أَمْوَالهم وَمثله إِذا سَأَلت فاسأل الله أَي إِذا سَأَلت أحدا مَعْرُوفَة فاسأل الله مَعْرُوفَة وروى ومستنمح بدل ومختبط أَي من أستمنحه أَي طلب منحته وَهِي الْعَطِيَّة والرفد وَالْأَصْل فِي المنحة هِيَ الشَّاة أَو النَّاقة يُعْطِيهَا صَاحبهَا رجلا يشرب لَبنهَا ثمَّ يردهَا إِذا انْقَطع اللَّبن ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى أطلق على كل عَطاء ومنحته من بَاب نفع وَضرب إِذا أَعْطيته

стр. 305

وصف الشَّاعِر يزِيد بالنصر وَالْكَرم للذليل وطالب الْمَعْرُوف فيقصده الضارع للخصومة ويلتجىء إِلَيْهِ المختبط إِذا أَصَابَته شدَّة السنين وَقَوله وَأَصله من خبطت الشَّجَرَة إِلَخ الْخبط بِسُكُون الْبَاء إِسْقَاط الْوَرق من الشّجر بالعصا لعلف الْإِبِل والخبط بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الْوَرق السَّاقِط والمخبط بِكَسْر الْمِيم هِيَ الْعَصَا الَّتِي يخبط بهَا وَالْفِعْل من بَاب ضرب وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِيهِ أَن الساري والسائر لابد من أَن يختبط الأَرْض ثمَّ اختصر الْكَلَام فَقيل للآتي طَالبا للجدوى مختبط وخبطت الرجل إِذا أَنْعَمت عَلَيْهِ من غير معرفَة وخبطته إِذا سَأَلته أَيْضا فَهُوَ ضد وَقَوله وَهُوَ إِمَّا على حذف الزَّوَائِد إِلَخ أَشَارَ إِلَى أَن الطوائح جمع على غير قِيَاس لِأَن فعله رباعي يُقَال أطاحته الطوائح وطوحته فَقِيَاس الْجمع أَن يكون المطيحات والمطارح فَإِن تكسير مفعل مفاعل بِحَذْف إِحْدَى الْعَينَيْنِ وإبقاء الْمِيم وَتَخْرِيج الْجمع على حذف الزَّوَائِد هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وتخريجه على النّسَب هُوَ لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَإِن تَقْدِيره عِنْده مِمَّا تطيحه الحادثات ذَوَات الطوائح وَنقل ابْن خلف عَن الْأَصْمَعِي أَن الْعَرَب تَقول طاح الشَّيْء بِنَفسِهِ وطاحه غَيره بِمَعْنى طوحه وأبعده فعلى هَذَا تكون الطوائح جمع طائحة من الْمُتَعَدِّي قِيَاسا وَلَا شذوذ وَلم أر هَذَا النَّقْل فِي الْكتب المدونه فِي اللُّغَة وَلَا فِي غَيرهَا وَقَوله يُقَال طاح يطوح إِلَخ طاح بِمَعْنى هلك وكل شَيْء ذهب وفني

стр. 306

فقد طاح وَقَوله وطاح يطيح وَهُوَ واوي إِلَخ فَيكون أَصلهمَا طوح يطوح بِكَسْر الْوَاو فيهمَا فأعلا وَجعله صَاحب الْعباب مِمَّا عينه جَاءَ مُعْتَلًّا بِالْوَاو تَارَة وبالياء تَارَة أُخْرَى وَلم يعْتَبر أَن الْوَاو صَارَت يَاء بالإعلال وَسَبقه ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَإِنَّهُ قَالَ وَمن قَالَ طاح يطيح فَكَانَ عِنْده كباع يَبِيع فقياسة أَن يَقُول المطايح فيصحح الْيَاء لِأَنَّهَا عين مفعل وَقَوله مِمَّا تطيح مُتَعَلق بمختبط إِلَخ هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن خلف وَقَوله مِمَّا تطيح مَوْضِعه رفع على النَّعْت لمختبط أَوله ولضارع جَمِيعًا أَي كَائِن أَو كائنان فَتكون مَا للْجِنْس وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل رِوَايَة من روى مِمَّن تطيح أَي من الَّذِي تطيحه الطوائح فَحذف الْعَائِد وروى أَبُو عَليّ قد طوحته الطوائح وَهَذَا يُؤَيّد كَون هَذِه الْجُمْلَة نعتا لمختبط لرجوع الضَّمِير إِلَيْهِ مُفردا وَقَوله أَي يسْأَل من أجل أَشَارَ إِلَى أَن من تعليلية وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي إيضاحه وأماليه وَمن للابتداء أَو بِمَعْنى السَّبَبِيَّة فَالْأول على أَن ابْتِدَاء الاختباط من الإطاحة أَو سَبَب الاختباط الإطاحة فَإِن قلت مَا الْفرق بَينهمَا قلت فِيهِ خلاف قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَن التَّعْلِيل وَالسَّبَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد قَالَ السُّيُوطِيّ هَذَا هُوَ الْحق وَفِي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي مَا يُصَرح بِهِ لِأَنَّهُ قَالَ الْمعبر عَنهُ هُنَا بِالسَّبَبِ هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الْقيَاس بِالْعِلَّةِ وَخَالفهُم ابْن السُّبْكِيّ فِي الْأَشْبَاه والنظائر فَقَالَ إِن الْفرق بَينهمَا ثَابت لُغَة ونحوا وَشرعا قَالَ اللغويون

стр. 307

السَّبَب كل شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيره وَمن ثمَّ سموا الْحَبل سَببا وَذكروا أَن الْعلَّة الْمَرَض وكلمات يَدُور مَعْنَاهَا على أَن الْعلَّة أَمر يكون عَنهُ أَمر آخر وَذكر النُّحَاة أَن اللَّام للتَّعْلِيل وَلم يَقُولُوا للسَّبَبِيَّة وَقَالَ أَكْثَرهم الْبَاء للسَّبَبِيَّة وَلم يَقُولُوا للتَّعْلِيل وَذكر ابْن مَالك السَّبَبِيَّة وَالتَّعْلِيل وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُمَا غيران وَقَالَ أهل الشَّرْع السَّبَب مَا يحصل الشَّيْء عِنْده لَا بِهِ وَالْعلَّة مَا يحصل بِهِ وَأنْشد ابْن السَّمْعَانِيّ على ذَلِك (الطَّوِيل) (ألم تَرَ أَن الشَّيْء للشَّيْء عله ... تكون بِهِ كالنار تقدح بالزند) والمعلول يتأثر عَن علته بِلَا وَاسِطَة بَينهمَا وَلَا شَرط يتَوَقَّف الحكم على وجوده وَالسَّبَب إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الحكم بِوَاسِطَة أَو وسائط وَلذَلِك يتراخى الحكم عَنهُ حَتَّى تُوجد الشَّرَائِط وتنتفي الْمَوَانِع وَأما الْعلَّة فَلَا يتراخى الحكم عَنْهَا إِذْ لَا شَرط لَهَا بل مَتى وجدت أوجبت معلولها بالِاتِّفَاقِ إِلَى آخر مَا فَصله وَقَوله إذهاب الوقائع مَاله أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح مَحْذُوف وَهُوَ مَاله وَقَوله أَي يبك لأجل إهلاك المنايا يزِيد أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح على هَذَا التَّقْدِير هُوَ يزِيد وَأَرَادَ بالمنايا أَسبَاب الْمَوْت إطلاقا لاسم الْمُسَبّب على السَّبَب وَإِلَّا فالشخص الْوَاحِد لَا تهلكه إِلَّا منية وَاحِدَة وَقَوله وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الَّتِي زَاد بَعضهم وَيجوز أَن تكون نكرَة مَوْصُوفَة وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لنهشل بن حري على مَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف فِي مرثية يزِيد وَهِي

стр. 308

(الطَّوِيل) (لعمري لَئِن أَمْسَى يزِيد بن نهشل ... حَشا حدث تسفي عَلَيْهِ الروائح) (لقد كَانَ مِمَّن يبسط الْكَفّ بالندى ... إِذا ضن بِالْخَيرِ الأكف الشحائح) (فبعدك أبدى ذُو الضغينة ضغنه ... وسد لي الطّرف الْعُيُون الكواشح) (ذكرت الَّذِي مَاتَ الندى عِنْد مَوته ... بعاقبه إِذْ صَالح الْعَيْش طالح) (إِذا أرق أفنى من اللَّيْل مَا مضى ... تمطى بِهِ ثني من اللَّيْل رَاجِح) (ليبك يزِيد ضارع) ... الْبَيْت سقى جدثا أَمْسَى بدومة ثاويا ... من الدَّلْو والجوزاء غاد ورائح) الحشا مَا فِي الْبَطن والجدث بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة الْقَبْر وتسفي مضارع سفت الرّيح التُّرَاب ذرته وَيُقَال أسفته أَيْضا فالمفعول مَحْذُوف والروائح أَي الْأَيَّام الروائح من رَاح الْيَوْم يروح روحا من بَاب قَالَ وَفِي لُغَة من بَاب خَافَ إِذا اشتدت رِيحه فَهُوَ رائح وَأما كَونه جمع ريح لم أَقف على من نبه عَلَيْهِ مَعَ أَن ريحًا لم تجمع على هَذَا الْوَزْن وضن يُقَال ضن بالشَّيْء يضن من بَاب تَعب ضنا وضنة بِالْكَسْرِ وضنانة بِالْفَتْح بخل فَهُوَ ضنين وَمن بَاب ضرب لُغَة والشحائح جمع شحيح من الشُّح وَهُوَ الْبُخْل وَفعله من بَاب قتل وَفِي لُغَة من بَابي ضرب وتعب أَرَادَ أَنه إِن فقد بِالْعدمِ فَهُوَ حَيّ بِذكرِهِ بِالْكَرمِ وَمَا أحسن قَول أبي نصر الميكالي (الْكَامِل) (باني العلى وَالْمجد وَالْإِحْسَان ... وَالْفضل وَالْمَعْرُوف أكْرم باني) (الْجُود رَأْي مُسَدّد وموفق ... والبذل فعل مؤيد وَمَعَان) ...

стр. 309

(وَالْبر أكْرم مَا وعته حقيبة ... وَالشُّكْر افضل مَا حوته يدان) (وَإِذا الْكَرِيم مضى وَولى عمره ... كفل الثَّنَاء لَهُ بعمر ثَان) وَلأَجل هَذَا الْبَيْت الْأَخير أنشدت هَذِه الأبيات وعاه يعيه حفظه وَجمعه والحقيبة أَصله الْعَجز ثمَّ سمي مَا يحمل من القماش على الْفرس خلف حقيبته مجَازًا لِأَنَّهُ مَحْمُول على الْعَجز وَقَوله فبعدك أبدى إِلَخ فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والضغينة والضغن بِالْكَسْرِ اسْم من ضغن صَدره ضغنا من بَاب تَعب بِمَعْنى حقد وسد أغلق والطرف مصدر طرف الْبَصَر طرفا من بَاب ضرب تحرّك وَنظر وَهُوَ مفعول مقدم والعيون فَاعل مُؤخر والكواشح جمع كاشحة مؤنث الْكَاشِح وَهُوَ مُضْمر الْعَدَاوَة وكشح لَهُ بالعداوة عَادَاهُ ككاشحه وَإِنَّمَا نسبه إِلَى الْعُيُون لِأَن الْعَدَاوَة أول مَا تظهر من الْعين أَي صرت بعْدك ذليلا لَا أقدر أَن أرفع بَصرِي إِلَى أحد وَفِي نُسْخَة وسدد لي من التسديد وَهُوَ التَّقْوِيم أَي صوبت نحوي عُيُون الْأَعْدَاء نظرها وَهَذِه أحسن وَقَوله ذكرت الَّذِي إِلَخ ضمير مَوته رَاجع للَّذي وَهُوَ الْعَائِد وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمات وَالْعَاقِب الَّذِي يخلف من كَانَ قبله فِي الْخَيْر وَضمير عاقبه رَاجع للندى يَقُول مَاتَ الندى مَعَ من يخلفه عِنْد موت يزِيد وَيصِح أَن يعود الضَّمِير ليزِيد وَإِذ مُتَعَلقَة بذكرت والصالح من الصّلاح والطالح من الطلاح وَهُوَ ضد الصّلاح والأرق السهر وتمطى امْتَدَّ وَطَالَ

стр. 310

وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى مَا مضى والثني بِكَسْر الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون يُقَال ثني من اللَّيْل أَي سَاعَة وَقيل وَقت وراجح أَي زَائِد ثقيل من رجح الْمِيزَان رجوحا مَال وَإِذا عاملها تمطى يشكو بِهَذَا الْبَيْت طول اللَّيْل وَقَوله أَمْسَى بدومة ثاويا دومة بِفَتْح الدَّال وَالْمِيم اسْم مَوضِع بَين الشَّام والموصل وَهُوَ من منَازِل جذيمة الأبرش كَانَ وَقع فِيهِ الطَّاعُون ذكره الأخطل فِي شعره كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ وغاد فَاعل سقى واحده غادية وَهِي السحابة تنشأ غدْوَة والرائح مطر الْعشي وَهُوَ آخر النَّهَار وَقَوله من الدَّلْو كَانَ فِي الأَصْل صفة لما بعده فَلَمَّا قدم صَار حَالا وَإِنَّمَا خص السَّحَاب كَونه من الدَّلْو والجوزاء لِكَثْرَة مَاله فَإِن الدَّلْو وسط فصل الشتَاء فَإِن الشَّمْس تحل فِيهِ بالجدي والدلو والحوت والجوزاء آخر فصل الرّبيع وَالشَّمْس تحل فِيهِ بِالْحملِ والثور والجوزاء ونهشل بن حري بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بِلَفْظ الْمَنْسُوب إِلَى الْحر أَو إِلَى الْحرَّة وَهُوَ ابْن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة ابْن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَكَانَ اسْم ضَمرَة جد نهشل شقة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَدخل على النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا شقة بن ضَمرَة قَالَ النُّعْمَان تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا الْمَرْء باصغريه بِقَلْبِه وَلسَانه إِن نطق نطق بِبَيَان وَإِن قَاتل قَاتل بجنان قَالَ أَنْت ضَمرَة بن ضَمرَة يُرِيد أَنَّك كأبيك كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَكَانَ نهشل شَاعِرًا حسن الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل

стр. 311

(الطَّوِيل) (وَيَوْم كَأَن المصطلين بحره ... وَإِن لم تكن نَار وقُوف على جمر) (صَبرنَا لَهُ حَتَّى يبوخ وَإِنَّمَا ... تفرج أَيَّام الكريهة بِالصبرِ) قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف وَابْنه حري بن نهشل بن حري شَاعِر أَيْضا وَله يَقُول الفرزدق (أحري قد فاتتك أُخْت مجاشع ... فصيلة فانكح بعْدهَا أَو تأيم) ونهشل بن حري من المخضرمين نقل ابْن حجر فِي الْإِصَابَة عَن المرزباني أَنه شرِيف مَشْهُور مخضرم بَقِي غلى أَيَّام مُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَ عَليّ فِي حروبه وَقتل أَخُوهُ مَالك بصفين وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَئِيس بن حَنْظَلَة وَكَانَت رايتهم مَعَه ورثاه نهشل بمراث كَثِيرَة قَالَ وَأَبوهُ شَاعِر شرِيف مَشْهُور مَذْكُور وجده ضمره سيد ضخم الشّرف وَكَانَ من خير بيُوت بني دارم (تَتِمَّة) نسب النّحاس هَذِه الأبيات فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَتَبعهُ ابْن هِشَام للبيد الصَّحَابِيّ وَحكى الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّهَا لمزرد أخي الشماخ وَقَالَ ابْن السيرافي هِيَ لِلْحَارِثِ بن ضرار النَّهْشَلِي يرثي يزِيد بن نهشل وَقَالَ اللبلي إِنَّهَا لِضِرَار النَّهْشَلِي وَذكر البعلي أَنَّهَا لِلْحَارِثِ بن نهيك النَّهْشَلِي وَقيل هِيَ للمهلهل وَالصَّوَاب أَنَّهَا لنهشل بن حري كَمَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف وَكَذَا فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح وَالله أعلم

стр. 312

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (لَا تجزعي إِن منفس أهلكته) وَتَمَامه (وَإِذا هَلَكت فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي) على أَن الْكُوفِيّين أضمروا فعلا رَافعا لمنفس أَي إِن هلك منفس أَو أهلك منفس وَأوردهُ فِي بَاب الِاشْتِغَال أَيْضا كَذَا وَأما البصريون فقد رَوَوْهُ (لَا تجزعي إِن منفسا أهلكته) وَكَذَا أوردهُ سِيبَوَيْهٍ بِنصب منفس على أَنه مَنْصُوب بِفعل مُضْمر تَقْدِيره إِن أهلكت منفسا أهلكته فأهلكته الْمَذْكُور مُفَسّر للمحذوف وَهَذِه الْجُمْلَة من بَاب الِاشْتِغَال لَا تدخل فِي الْجُمْلَة التفسيرية الَّتِي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَإِن حصل بهَا تَفْسِير قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات الْفِعْل الْمَحْذُوف وَالْفِعْل الْمَذْكُور فِي نَحْو قَوْله لَا تجزعي إِن منفسا أهلكته مجزومان فِي التَّقْدِير وَإِن انجزام الثَّانِي لَيْسَ على الْبَدَلِيَّة إِذْ لم يثبت حذف الْمُبدل مِنْهُ بل على تَكْرِير إِن أَي إِن أهلكت منفسا إِن أهلكته وساغ إِضْمَار إِن وَإِن لم يجز إِضْمَار لَام الْأَمر إِلَّا ضَرُورَة لاتساعهم فِيهَا بِدَلِيل إيلائهم إِيَّاهَا الِاسْم وَلِأَن تقدمها مقو للدلالة عَلَيْهَا وَقَوله وَإِذا هَلَكت الْوَاو عطفت هَذِه الْجُمْلَة الشّرطِيَّة على الشّرطِيَّة الَّتِي قبلهَا وَلم أر فِي جَمِيع الطّرق من روى بِالْفَاءِ بدل الْوَاو إِلَّا الْعَيْنِيّ

стр. 313

فَإِنَّهُ قَالَ الْفَاء عاطفة وَالْمعْنَى لَا يَقْتَضِي الْفَاء فَإِنَّهَا تدل على التَّرْتِيب والتعقيب والسببية وَالثَّلَاثَة منتفية سَوَاء كَانَ التَّرْتِيب معنويا كَمَا فِي قَامَ زيد فعمرو أَو زَكَرِيَّا وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو ونادى نوح ربه فَقَالَ رب) وَقَوله فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي أوردهُ الشَّارِح فِي الْفَاء العاطفة على أَن إِحْدَى الفاءين زَائِدَة وَلم يعين أَيَّتهمَا زَائِدَة قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل القصرية الْفَاء الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة فَاء الْجَزَاء ثمَّ قَالَ أجعَل الزَّائِدَة أَيهمَا شِئْت وَعين القَاضِي فِي تَفْسِيره الْفَاء الأولى فَإِنَّهُ أورد الْبَيْت نظيرا لقَوْله تَعَالَى ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ فَقَالَ الْفَاء فِي بذلك زَائِدَة مثلهَا الْفَاء الدَّاخِلَة على عِنْد فِي الْبَيْت وَتَقْدِيم عِنْد للتَّخْفِيف كتقديم ذَلِك وسيبويه لَا يثبت زِيَادَة الْفَاء وَحكم بزيادتها هُنَا للضَّرُورَة وَمن تبعه وَجه مَا أوهم الزِّيَادَة فوجهها صَاحب اللّبَاب بِأَنَّهَا إِنَّمَا كررت هُنَا لبعد الْعَهْد بِالْفَاءِ الأولى كَمَا كرر الْعَامِل فِي قَوْله (الطَّوِيل) (لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني ... إِذا قلت أما بعد أَنِّي خطيبها) أُعِيد أَنِّي لبعد الْعَهْد بأنني وَأَجَازَ الْأَخْفَش زيادتها فِي الْخَبَر مُطلقًا وَحكى زيد فَوجدَ وَقَيده بَعضهم بِكَوْن الْخَبَر أمرا أَو نهيا نَحْو (وقائلة خولان فانكح فناتهم) وَقَوله (الْخَفِيف) (أَنْت فَانْظُر لأي ذَاك تصير) وأوله المانعون بِأَن التَّقْدِير هَذَا زيد فَوجدَ وَهَذِه خولان وَبِأَن الأَصْل انْظُر فَانْظُر ثمَّ حذف انْظُر فبرز ضَمِيره والجزع قيل هُوَ الْحزن وَقيل أخص مِنْهُ فَإِنَّهُ حزن يمْنَع الْإِنْسَان ويصرفه عَمَّا هُوَ بصدده ويقطعه عَنهُ

стр. 314

وَأَصله الْقطع يُقَال جزعت الْحَبل قطعته لنصفه وَيُقَال أَيْضا جزعنا الْوَادي أَي قطعناه عرضا وَقيل هُوَ قِطْعَة مُطلقًا فالجزع بِالْفَتْح الْمصدر والجزع بِالْكَسْرِ مُنْقَطع الْوَادي وَقيل هُوَ الْفَزع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أجزعنا أم صَبرنَا﴾ والفزع أخص من الْخَوْف وَهُوَ انقباض يعتري الْإِنْسَان ونفار من كل شَيْء مخيف وَهُوَ من جنس الْجزع والمنفس قَالَ فِي الْقَامُوس وَشَيْء نَفِيس ومنفوس ومنفس بِالضَّمِّ يتنافس فِيهِ ويرغب وَنَفس ككرم نفاسه ونفاسا بِالْكَسْرِ ونفسا بِالتَّحْرِيكِ والنفيس المَال الْكثير وَنَفس بِهِ كفرح ضن وَعَلِيهِ بِخَير حسد وَعَلِيهِ الشَّيْء نفاسه لم يره لَهُ أَهلا انْتهى وَفِي عُمْدَة الْحفاظ وأصل المنافسة مجاهدة النَّفس للتشبيه بالأفاضل فِي غير إِدْخَال ضَرَر على غَيره وَشَيْء نَفِيس منفوس بِهِ أَي مضنون والإهلاك لشَيْء إِيقَاع الْهَلَاك بِهِ والهلاك على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا وَهُوَ المُرَاد هُنَا افتقاد الشَّيْء عَنْك وَهُوَ مَوْجُود عِنْد غَيْرك وَمِنْه هلك عني سلطانيه. وَالثَّانِي هَلَاك الشَّيْء باستحالة وَفَسَاد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيهْلك الْحَرْث والنسل﴾ وَالثَّالِث الْمَوْت نَحْو إِن امْرُؤ هلك وَالرَّابِع الشَّيْء من الْعَالم وَعَدَمه رَأْسا وَذَلِكَ هُوَ الْمُسَمّى فنَاء كَقَوْلِه تَعَالَى (كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه) وَقد يُطلق الْهَلَاك على الْعَذَاب وَالْخَوْف والفقر وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا أَسبَابه يَقُول لَا تجزعي من إنفاقي النفائس مَا دمت حَيا فَإِنِّي أحصل أَمْثَالهَا وأخلفها عَلَيْك وَلَكِن أجزعي إِذا مت فَإنَّك لَا تجدين خلفا منى وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة للنمر بن تولب يصف نَفسه فِيهَا بِالْكَرمِ

стр. 315

ويعاتب زَوجته على لومها فِيهِ وَكَانَ أَضَافَهُ قوم فِي الْجَاهِلِيَّة فعقر لَهُم أَربع قَلَائِص وَاشْترى لَهُم زق خمر فَلَامَتْهُ على ذَلِك فَقَالَ هَذِه القصيدة وَهِي (الْكَامِل) (قَالَت لتعذلني من اللَّيْل اسْمَع ... سفه تبيتك الْمَلَامَة فاهجعي) قَوْله اسْمَع مقول قَوْلهَا وَقَوله سفه إِلَخ هُوَ خبر مقدم وتبيتك مُبْتَدأ مُؤخر والملامة مفعول تبيتك وَهُوَ مُضَاف لفَاعِله وروى سفها بِالنّصب فَتكون كَانَ مقدرَة وعَلى الْوَجْهَيْنِ الْجُمْلَة مقولة لقَوْل مَحْذُوف اي فَقلت لَهَا يَقُول لامت من اللَّيْل عجلة عَن الصُّبْح وَكَانَ ذَلِك مِنْهَا سفها مثله قَول الشَّاعِر (الْبَسِيط) (هبت تلوم وبئست سَاعَة اللاحي ... هلا انتظرت بِهَذَا اللوم إصباحي) والسَّفه خفَّة الْعقل وَالْأَصْل فِيهِ خفَّة النسج فِي الثَّوْب يُقَال ثوب سَفِيه أَي خَفِيف النسج والسفه أَيْضا خفه الْبدن وَمِنْه زِمَام سفية أَي كثير الِاضْطِرَاب وَاسْتعْمل فِي خفَّة النَّفس كنقصان الْعقل فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة والأخروية قَالَ تَعَالَى (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَي ضَعِيف الْعقل بِاعْتِبَار خفته وَلذَلِك قوبل برزانة فَقيل رزين الْعقل والتبيت أَرَادَ بِهِ التبييت لِأَنَّهُ مصدر بَيت الْأَمر أَي دبره لَيْلًا والهجوع النّوم بِاللَّيْلِ (لَا تجزعي لغد وَأمر غَد لَهُ ... أتعجلين الشَّرّ مَا لم تمنعي) يَقُول إننا الْآن بِخَير فَلم تعجلين الشَّرّ مَا لم تمنعي من الْخَيْر وَقَوله وَأمر غَد لَهُ أَي أَن أَمر غَد أَو رزق غَد موكول إِلَى غَد فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التحزن مُنْذُ الْيَوْم وَقَوله أتعجلين اسْتِفْهَام توبيخي وتعجلين بِفَتْح التَّاء وَأَصله بتاءين وَأَرَادَ ب الشَّرّ الْفقر أَو الْجزع وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفيه ...

стр. 316

(قَامَت تبْكي أَن سبأت لفتية ... زقا وخابية بِعُود مقطع) تبْكي بِضَم التَّاء وَكسر الْكَاف الْمُشَدّدَة يُقَال بكاه عَلَيْهِ تبكية اي هيجه للبكاء فمفعوله مَحْذُوف وروى تباكى أَي تتباكى وسبأ الْخمر مَهْمُوز الآخر كجعل سبأ وسباء واستبأها أَيْضا بِمَعْنى اشْتَرَاهَا للشُّرْب لَا للتِّجَارَة والزق بِالْكَسْرِ جلد يخرز وَلَا ينتف صوفه يكون للشراب وَغَيره والزق بِالضَّمِّ الْخمر نَفسهَا والخابية الجرة الْعَظِيمَة وَيُقَال الْحبّ والزير وَأَصلهَا الْهَمْز لَكِن تَرَكُوهُ وَالْعود بِفَتْح الْمُهْملَة المسن من الْإِبِل والمقطع بزنة اسْم الْمَفْعُول الْبَعِير الَّذِي أقطع عَن الضراب وَالْبَعِير قَامَ من الهزال يخبر أَنَّهَا لامته فِيمَا لَا خطر لَهُ (وقريت فِي مقرى قَلَائِص أَرْبعا ... وقريت بعد قرى قَلَائِص أَربع) قريت الضَّيْف قرى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وقراء بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي أضفته والمقرى بِالْفَتْح مَوضِع الْقرى وبالكسر وَكَذَلِكَ المقرأة الْقَصعَة الَّتِي يقرى فِيهَا وقلائص مفعول قريت وَهِي جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة وَلِهَذَا حذف التَّاء من الْعدَد وَقَوله بعد قرى قَلَائِص أَربع كل لفظ مُضَاف لما بعده إِلَى الآخر يَقُول قريت فِي مَوضِع قَلَائِص أَرْبعا وَلم يمنعنى ذَلِك أَن قريت بعدهن (أتبكيا من كل شَيْء هَين ... سفة بكاء الْعين مَا لم تَدْمَع) يَقُول سفة بكاؤك من كل شَيْء لَا يحزنك وَلَا تَدْمَع عَيْنك مِنْهُ فَلَو كنت حزينة كَانَ أعذر لَك عِنْدِي (فَإِذا أَتَانِي إخوتي فدعيهم ... يتعللوا فِي الْعَيْش أَو يلهوا معي] ٩ ... تعلل بِالْأَمر تشاغل بِهِ والعيش الْحَيَاة المختصة بِالْحَيَوَانِ وَهُوَ أخص

стр. 317

من الْحَيَاة لِأَن الْحَيَاة تقال فِي الْحَيَوَان وَفِي الْملك وَفِي الْبَارِي تَعَالَى (وَاللَّهْو) الشّغل عَن مهمات الْأُمُور بِمَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَالْوَاو فِي يلهوا ضمير الْجَمَاعَة وَلَام الْفِعْل محذوفة مثل الرِّجَال يعفون (لَا تطرديهم عَن فِرَاشِي إِنَّه ... لابد يَوْمًا أَن سيخلو مضجعي) الْفراش الْبَيْت كَذَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي شَرحه وَهِي هُنَا لَفْظَة قبيحة وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة (هلا سَأَلت بعادياء وبيته ... والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع) قَالَ شَارِح الدِّيوَان مُحَمَّد بن حبيب بعادياء يُرِيد عَن عادياء يَقُول لم يبْق عادياء وَكَذَلِكَ أَنا أقل بَقَاء وَهُوَ عادياء أَبُو السموءل الْأَزْدِيّ الغساني وَقَالَ آخَرُونَ يُرِيد عادا وكل شَيْء قديم عِنْد الْعَرَب عادي وَقَوله والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع يَعْنِي الْخَيْر وَالشَّر كَمَا يُقَال مَا فلَان بخل وَلَا بِخَمْر أَي لَيْسَ عِنْده خير وَلَا شَرّ واذهب فَمَا أَنْت بخل وَلَا خمر قَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْثَال أَرَادَ أَنه كَانَ لَا يبخل بِشَيْء مِمَّا كَانَ عِنْده (وفتاتهم عنز عَشِيَّة أَبْصرت ... من بعد مرأى فِي الفضاء ومسمع) (قَالَت أرى رجلا يقلب نَعله ... أصلا وجو آمن لم يفزع) قَوْله وفتاتهم مجرور وعنز عطف بَيَان عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَآخره زَاي مُعْجمَة اسْم زرقاء الْيَمَامَة وَكَانَت من جديس بنت ملكهم وَكَانَت تغذى بالمخ وَفِي الْقَامُوس وعنز امْرَأَة من طسم سبيت فحملوها فِي هودج وألطفوها بالْقَوْل وَالْفِعْل فَقَالَت هَذَا شَرّ يومي حِين صرت أكْرم للسباء وَنصب شَرّ على معنى ركبت فِي شَرّ يوميها

стр. 318

ثمَّ قَالَ وزرقاء الْيَمَامَة امْرَأَة من جديس كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام انْتهى فَتَأمل قَالَ الشَّاعِر (الرمل) (شَرّ يوميها وأغواه لَهَا ... ركبت عنز بحدج جملا) وَكَانَت رَأَتْ رجلا من طلائع جمع تبع قُدَّام الْجَيْش يقلب نعلا من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يفزع لَهُم أحد وَلم يعلم بمجيئهم وَالْأَصْل جمع أصيل وَهُوَ مَا بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب وَقَوله وجو يُرِيد أهل جو وجو اسْم بلد وَهِي الْيَمَامَة الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا زرقاء الْيَمَامَة وَقَوله وفتاتهم قَالَ ابْن حبيب نسب عَنْزًا إِلَى بَيت عادياء وَلَيْسَت مِنْهُم وَإِنَّمَا كَانَ شَيْئا فِي أول الدَّهْر فنسبه إِلَى بَعضهم كَمَا قَالَ زُهَيْر كأحمر عَاد وَإِنَّمَا كَانَ فِي ثَمُود وكما قَالَ آخر (مثل النَّصَارَى قتلوا المسيحا) (فَكَأَن صَالح أهل جو غدْوَة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع) يُرِيد الْجَمِيع لِأَنَّهُ إِذا هلك الْوُجُوه والصالحون مِنْهُم فَالَّذِينَ دونهم أَحْرَى أَن يهْلكُوا وَقد صبحوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الصبوح وَهُوَ شرب الْغَدَاة تَقول صبحته صبحا من بَاب ضَربته والذيفان بِفَتْح الذَّال وَكسرهَا وبالمثناة التَّحْتِيَّة وتهمز فيهمَا السم الْقَاتِل والسمام بِالْكَسْرِ جمع سم والمنقع كل مَا ينقع مالماء وَنَحْوه (كَانُوا كأنعم من رَأَيْت فَأَصْبحُوا ... يلوون زَاد الرَّاكِب الْمُتَمَتّع) أَي كَانُوا بِنِعْمَة وخصب ثمَّ أَصْبحُوا يعسر عَلَيْهِم أَن يزودوا رَاكِبًا لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك والمتعة الزَّاد يَقُول مَا لَهُ مُتْعَة وَلَا بتات يَقُول

стр. 319

الْمُسَافِر متعني وبتتني وزودني كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد (كَانَت مُقَدّمَة الْخَمِيس وَخَلفهَا ... رقص الركاب إِلَى الصَّباح بتبع) الرقص بِفتْحَتَيْنِ الخبب وَهُوَ نوع من السّير وأرقص الرجل بعيره أَي حمله على الخبب ويروى ركض الركاب والركاب الْإِبِل واحده رَاحِلَة وَضمير كَانَت رَاجع إِلَى نظرة عنز الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة المفهومة من السِّيَاق وَخلف تِلْكَ النظرة إبل تبع تسير إِلَى الصَّباح حَتَّى لحقهم وَتبع أَبُو حسان بن تبع الَّذِي غزا جديس فَقَتلهُمْ واستباح الْيَمَامَة (لَا تجزعي إِن منفس أهلكته الْبَيْت) وَهَذَا آخر القصيدة والنمر بن تولب صَحَابِيّ يعد من المخضرمين وَنسبه مَذْكُور فِي الِاسْتِيعَاب وَغَيره وَهُوَ عكلي مَنْسُوب إِلَى عكل بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وَهِي أمة كَانَ تزَوجهَا عَوْف بن قيس بن وَائِل بن عَوْف بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة فَولدت لَهُ ثَلَاث بَنِينَ ثمَّ مَاتَ فحضنتهم عكل فنسبوا إِلَيْهَا والنمر شَاعِر جواد وَاسع الْعَطاء كثير الْقرى وهاب لمَاله وَكَانَ أَبُو عَمْرو ابْن الْعَلَاء يسمية الْكيس لجودة شعره وَكَثْرَة أَمْثَاله وَيُشبه شعره بِشعر حَاتِم الطَّائِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ النمر شَاعِر الربَاب فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يمدح أحدا وَلَا هجا ووفد على النَّبِي مُسلما وَهُوَ كَبِير

стр. 320

قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ النمر بن تولب مِائَتي سنة وخرف وَأُلْقِي على لِسَانه انحروا للضيف أعْطوا السَّائِل اصبحوا الرَّاكِب أَي اسقوه الصبوح قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمته من كتاب الشُّعَرَاء وَألقى بعض البطالين على لِسَانه نيكوا الرَّاكِب فَكَانَ يَقُولهَا وَمن شعره (الْكَامِل) (لَا تغضبن على امْرِئ فِي مَاله ... وعَلى كرائم صلب مَالك فاغضب) (وَإِذا تصبك خصَاصَة فارج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطي الرغائب فارغب) (بَاب التَّنَازُع) أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (السَّرِيع) (فَكنت كالساعي إِلَى مثعب ... موائلا من سبل الراعد) على أَن الْكسَائي وَقع فِي أشنع مِمَّا فر مِنْهُ من حذف الْفَاعِل مضمرا لِئَلَّا يلْزم الْإِضْمَار قبل الذّكر فِي نَحْو ضرباني وَضربت الزيدين مَعَ أَن الْإِضْمَار قبل الذّكر قد ورد وَحذف الْفَاعِل فِي غير الْمسَائِل المحصورة لم يرد والساعي من سعى الرجل فِي مَشْيه وسعى إِلَى الصَّلَاة ذهب إِلَيْهَا على أَي وَجه كَانَ وأصل السَّعْي التَّصَرُّف فِي كل عمل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ والمثعب بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ وَاحِد مثاعب الْحِيَاض وانثعب المَاء جرى فِي المثعب وثعبت المَاء فِي الْحَوْض بِالتَّخْفِيفِ فجرته والثعب
следующие страницы →