Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الصاروج. والصفيح: الْحِجَارَة العراض.
وَمَعْنَاهُ أَنه يبْنى على الْمِيَاه الَّتِي هِيَ كالصفيح. والصفيح: السيوف وَاحِدهَا صفيحة. وَيُشبه المَاء إِذا كَانَ صافياً بِالسَّيْفِ. وَذكر المَاء وَأَرَادَ الْعِمَارَة لِأَنَّهَا بِهِ تكون.
وَقَوله: هَلُمَّ إِلَيْهَا إِلَخ يُخَاطب النُّعْمَان. وَهَذَا تهكمٌ وسخرية. يَقُول: إِن قدرت عَلَيْهَا فاقصدها فَإِنَّهَا أخصب مَا يكون مزدرعها مثار ودواليبها تَدور. وَضمير إِلَيْهَا لليمامة. والمنجنون: الدولاب. وَمعنى تكدس: يركب بَعْضهَا بَعْضًا فِي الدوران. وَيسْتَعْمل فِي سير الدَّوَابّ وَغَيرهَا.
وَقَوله: وَذَاكَ أَوَان الْعرض بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة: وَاد من أَوديَة الْيَمَامَة. وَحي أَي: عَاشَ بِالْخصْبِ. وروى: جن أَي: كثر ونشط. وزنابيره بدل من ذبابه. وذباب الرَّوْض قد يُسمى الزنابير.
وَقَوله: الْأَزْرَق المتلمس: جنسٌ آخر يكون أَخْضَر ضخماً. والمتلمس: الطَّالِب.
وَقد سمي الشَّاعِر المتلمس بِهَذَا الْبَيْت واسْمه جرير. وَلَك أَن تنصب الأوان وترفع الْعرض بِالِابْتِدَاءِ وَاسم الزَّمَان يُضَاف إِلَى الْجمل كَأَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذكرت هُوَ فِي ذَاك الأوان.
وَقَوله: يكون نَذِير من ورائي إِلَخ هُوَ نَذِير من بهثة بن وهب. وَقيل: أَرَادَ بالنذير: الْمُنْذر.
وَالْمعْنَى: إِنِّي لمرصدٌ لَهُم من ينذرني بهم فأتقي وأتحرز. وجليٌّ بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وأحمس: بطْنَان من ضبيعة
стр. 3257
بن ربيعَة.
يَقُول: فَإِذا جَاءَ وَقت التحارب قَامَ بنصري هَذَانِ البطنان. وَقيل: نذيرٌ وجليٌّ: أَخَوان وَقَوله: وَجمع بني قرَان إِلَخ جمع مَنْصُوب بِفعل مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: سم جمع بني قرَان.
وَمعنى الْبَيْت: أجرونا مجْرى نظائرنا فَإنَّا نرضى بهم قدوة واعرضوا مَا تسوموننا على بني قرَان فَإِن التزموه وقبلوه فلنا بهم أُسْوَة وَإِلَّا فالامتناع وَاجِب.
وَقَوله: هاتا إِلَخ أَي: هَذِه الخطة الَّتِي نكره عَلَيْهَا. والأبس: الْقَهْر. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أبست)
الرجل إِذا لَقيته بِمَا يكره وأبسته إِذا وضعت مِنْهُ باستخفافٍ وإهانة.
قَوْله: فَإِن يقبلُوا بالود نقبل بِمثلِهِ إِلَخ أعَاد الشَّرْط وَذَلِكَ أَنه قَالَ قبل هَذَا: فَإِن يقبلُوا هاتا وَلم يَأْتِ لَهُ بِجَوَاب ثمَّ قَالَ: فَإِن يقبلُوا بالود نقبل بِمثلِهِ فَاكْتفى بجوابٍ وَاحِد لاشْتِمَاله على مَا يكون جَوَابا لَهما فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن قبلوا مَا نوبس بِهِ نقبل مثله وَأَن أَقبلُوا بعد ذَلِك وادين أَقبلنَا وَإِلَّا فَنحْن أَشد أَو أبلغ شماساً أَي: امتناعا.
وَكَانُوا بَنو ضبيعة حلفاء لبني ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة فَوَقع بَينهم نزاع فعاتبهم المتلمس.
وَقَوله: وَإِن يَك عَنَّا إِلَخ أَرَادَ: حبيب فَخفف وَهُوَ حبيب بن كَعْب بن يشْكر بن بكر بن وَائِل. يَقُول: إِن تكاسل بَنو حبيب عَن إِدْرَاك ثَأْرنَا فقد كَانَ منا من يدأب ويسهر. والمقنب بِالْكَسْرِ: زهاء ثلثمائةٍ
стр. 3258
من الْخَيل. والتَّعْرِيس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل.
وَقَوله: مَا يعرس أَي: مَا يستقرون إِذا وتروا وَلَكنهُمْ يغزون ويغيرون أبدا حَتَّى يدركوا والمتلمس شاعرٌ جاهلي واسْمه جرير بن عبد الْمَسِيح وَسمي المتلمس بِالْبَيْتِ الْمَذْكُور.
وَقد تقدّمت تَرْجَمته مفصلة فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتِّينَ بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل أَلا يَا ديار الْحَيّ بالسبعان على أَن السبعان أعرب بالحركة على النُّون مَعَ لُزُوم الْألف. وَإِذا نسب إِلَيْهِ قيل: السبعاني.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي بَاب النّسَب فِي الْمفصل: ومنذ لَك قنسريٌّ ونصيبيٌّ فِيمَن جعل الْإِعْرَاب قبل النُّون. وَمن جعله معتقب الْإِعْرَاب قَالَ: قنسريني. وَقد جَاءَ مثل ذَلِك فِي التَّثْنِيَة قَالُوا: خليلانيٌّ وَجَاءَنِي خليلان اسْم رجل. وعَلى هَذَا قَوْله: أَلا يَا ديار الْحَيّ بالسبعان
стр. 3259
قَالَ ابْن المستوفي: وجدت بِخَط الزَّمَخْشَرِيّ: وَمن جعله معتقب الْإِعْرَاب بِكَسْر الْقَاف. وَقد صحّح عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ. فالمفتوح الْقَاف مصدر والمكسورها اسْم فَاعل. انْتهى.
وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع فِي أوزان الْأَسْمَاء قَالَ: وَيكون على فعلانٍ وَهُوَ قَلِيل قَالُوا: السبعان وَهُوَ اسمٌ.
قَالَ ابْن مقبل: أَلا يَا ديار الْحَيّ بالسبعان انْتهى.
وَأوردهُ ابْن قُتَيْبَة فِي أدبالكاتب على أَنه لم يَأْتِ اسمٌ على فعلان إِلَّا حرف وَاحِد.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيدٍ عبد الله الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي. وَقَالَ فِي مُعْجم مَا استعجم: السبعان بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيه على بِنَاء فعلان هَكَذَا ذكره سِيبَوَيْهٍ وه جبلٌ قبل الفلج. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. والفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام بعْدهَا جِيم: موضعٌ فِي بِلَاد بني مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة.
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: السبعان مَنْقُول من تَثْنِيَة السَّبع بِفَتْح فضم قَالَ أَبُو مَنْصُور: هُوَ موضعٌ مَعْرُوف فِي ديار قيس.
وَقَالَ نصر: السبعان: جبلٌ قبل فلج وَقيل: وَاد شمَالي سلم عِنْده جبلٌ يُقَال لَهُ: العَبْد أسود وَهَذَا المصراع وَقع صدر بيتٍ هُوَ مطلع قصيدتين لشاعرين إِحْدَاهمَا لتميم بن مقبل وَهُوَ)
شاعرٌ إسلاميٌّ مخضرم وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي
стр. 3260
الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَالثَّانيَِة لشاعر جاهليٍّ من بني عقيل.
أما الأولى وَهِي الْمَشْهُورَة الَّتِي ذكرهَا شرَّاح الشواهد فَهَذِهِ أَبْيَات من أَولهَا:
(أَلا يَا ديار الْحَيّ بالسبعان ... أمل عَلَيْهَا بالبلى الملوان)
(نهارٌ وليلٌ دائبٌ ملواهما ... على كل حَال النَّاس يَخْتَلِفَانِ)
(أَلا يَا ديار الْحَيّ لَا هجر بَيْننَا ... وَلَكِن روعاتٍ من الْحدثَان)
(لدهماء إِذْ للنَّاس والعيش غرةٌ ... وإ خلقانا بالصبا عسران)
وَقَوله: أَلا يَا ديار الْحَيّ إِلَخ أَلا: حرف تَنْبِيه. يتأسف على ديار قومه بِهَذَا الْمَكَان ويخبر أَن الملوين وهما اللَّيْل وَالنَّهَار أبلياها ودرساها. والْحَيّ: الْقَبِيلَة.
وَقَوله: بالسبعان مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه حَال من ديار.
وَقَوله: أمل عَلَيْهَا فِيهِ التفاتٌ لِأَنَّهُ لم يقل عَلَيْك. قَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: هُوَ من أمللت الْكتاب أمله. خاطبها ثمَّ خرج عَن خطابها إِلَى الْإِخْبَار عَن الْغَائِب.
وَقيل: وَيجوز أَن يكون من أمللت الرجل إِذا أضجرته وَأَكْثَرت عَلَيْهِ مَا يُؤْذِيه كَأَن اللَّيْل وَالنَّهَار أملاها من كَثْرَة مَا فعلا بهَا من البلى. والملوان: اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا يفرد واحدٌ
стр. 3261
مِنْهُمَا. يُرِيد أَن اللَّيْل وَالنَّهَار أملا عَلَيْهَا أَسبَاب البلى فَزَاد الْبَاء كَمَا قَالَ: الْبَسِيط
لَا يقْرَأن بالسور انْتهى.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: أمل بِمَعْنى دأب وَلَا زم وَمن هَذَا قيل للدّين: مِلَّة لِأَنَّهَا طَريقَة تلازم. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أمل فِي معنى أمْلى أَي: طَال. انْتهى.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أمله وأمل عَلَيْهِ أَي: أسأمه فَأَرَادَ بأمل عَلَيْهَا أسامها الملوان بالبلى لِكَثْرَة اخْتِلَافهمَا عَلَيْهَا. والبلى بِالْكَسْرِ وَالْقصر مصدر بلي الثَّوْب يبلي من بَاب تَعب بلَى وبلاءً بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي: خلق فَهُوَ بالٍ. وبلي الْمَيِّت: أفنته الأَرْض.
وَأنْشد ابْن السّكيت هَذَا الْبَيْت فِي إصْلَاح الْمنطق على أَن الملوين فِيهِ بِمَعْنى اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ وَابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: جعل الشَّاعِر الملوين هُنَا بِمَعْنى الْغَدَاة والعشي وَيدل عَلَيْهِ قَوْله بعده:)
نهارٌ وليلٌ دائبٌ ملواهما ودأب: اجْتهد وَبَالغ فِي الْعَمَل.
وَقَوله: على كل مُتَعَلق بدائب. والروعة: الْمرة من الروع وَهُوَ الْفَزع. والحدثان مصدر حدث الشَّيْء من بَاب قعد إِذا تجدّد. أَرَادَ حوادث الدَّهْر.
стр. 3262
والْغرَّة بِالْكَسْرِ: الْغَفْلَة. وخلقانا: مثنى خلق بِضَمَّتَيْنِ مُضَاف إِلَى نَا.
وَأما الثَّانِيَة فقد أورد خَمْسَة أَبْيَات من أَولهَا إِبْرَاهِيم الحصري فِي كِتَابه زهر الْآدَاب وَقَالَ: إِنَّهَا لشاعرٍ جاهلي من بني عقيل. وَتَابعه ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَهِي:
(أَلا يَا ديار الْحَيّ بالسبعان ... عفت حجَجًا بعدِي وَهن ثَمَانِي)
(فَلم يبْق مِنْهَا غير نؤيٍ مهدمٍ ... وَغير أثافٍ كالركي دفان)
(وآثار هابٍ أَوْرَق اللَّوْن سَافَرت ... بِهِ الرّيح والأمطار كل مَكَان)
(قفارٌ مروراةٍ يحار بهَا القطا ... ويضحي بهَا الجأبان يفترقان)
(ينيران من نسج الْغُبَار ملاءةً ... قميصين أسمالاً ويرتديان)
وَقَوله: عفت حجَجًا يُقَال: عفت الدَّار تَعْفُو أَي: اندرست وَذهب أَثَرهَا. والْحجَج: جمع حجَّة بِكَسْر أَولهمَا: السّنة.
وروى ياقوت: خلت حججٌ بعدِي لَهُنَّ ثَمَان والأثافي: جمع أثفية وَهِي ثَلَاثَة أَحْجَار تكون عَلَيْهَا الْقدر. والركي: جمع ركية وَهِي الْبِئْر. ودفان بِكَسْر الدَّال بعْدهَا فَاء يُقَال: ركية دَفِين ودفان إِذا اندفن بَعْضهَا. وَالْجمع دفن بِضَمَّتَيْنِ.
стр. 3263
وَقَوله: وآثار هابٍ الهابي: التُّرَاب الناعم الدَّقِيق وَهُوَ اسْم فَاعل من هبا يهبو هبواً أَي: ارْتَفع. والهباء: دقاق التُّرَاب. والهابي أَيْضا: تُرَاب الْقَبْر.
وَأنْشد لَهُ الْأَصْمَعِي: الطَّوِيل
(وهابٍ كجثمان الْحَمَامَة أجفلت ... بِهِ ريح ترجٍ وَالصبَا كل مجفل)
وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الرماد لِأَن الورقة هِيَ لون الرماد.
وَقَوله: قفار مروراة إِلَخ القفار: جمع قفر وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا مَاء فِيهِ وَلَا نَبَات وَهُوَ صفة)
لمكانٍ قبله. والمروراة بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء قَالَ فِي الصِّحَاح: هِيَ الْمَفَازَة الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا وَهِي فعوعلة وَالْجمع المرورى والمروريات والمراوي. والجأب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهمزَة: الْحمار الغليظ من حمر الْوَحْش. وَأَرَادَ بالجأبين الذّكر وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا يفْتَرق كل مِنْهُمَا عَن الآخر لعدم الْقُوت.
وَقَوله: ينيران من نسج إِلَخ أَي: يحوكان يُقَال: أنرت الثَّوْب وهنرته أَي: حكته. وَيُقَال أَيْضا: وَفِي الْقَامُوس: النير علم للثوب. ونرت الثَّوْب نيراً ونيرته وأنرته: جعلت لَهُ نيراً. وهدب الثَّوْب: لحْمَته. وَمن نسج كَانَ صفة لقميصين فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. والملاءة بِالضَّمِّ وَالْمدّ: الريطة. وقميصين: بدل من ملاءة وملاءة: مفعول ينيران وعَلَيْهِمَا: حَال من الْغُبَار. وأسمالاً: خلقا يُقَال: ثوب أسمالٌ أَي: خلق. ويرتديان: مَعْطُوف على ينيران وَمَعْنَاهُ يلبسان.
стр. 3264
يُرِيد أَن الحمارين لشدَّة عدوهما يثور التُّرَاب ويعلوهما فَيصير كَالثَّوْبِ عَلَيْهِمَا. وَإِنَّمَا اشْتَدَّ عدوهما للنجاة من هَذِه الْمَفَازَة.
قَالَ ياقوت: زَعَمُوا أَن أول من جعل الْغُبَار ثوبا هَذَا الشَّاعِر. وَكَذَلِكَ قَالَ الحصري: هُوَ أول من نظر إِلَى هَذَا الْمَعْنى وتبعته الخنساء فِي قَوْلهَا من أَبْيَات وَقد
قيل لَهَا: لقد مدحت أَخَاك حَتَّى هجوت أَبَاك فَقَالَت: الْكَامِل
(جارى أَبَاهُ فَأَقْبَلَا وهما ... يتعاوران ملاءة الْحَضَر)
وَهَذِه أبرع عبارَة وأنصع اسْتِعَارَة.
وتبعها عدي بن الرّقاع فِي وصف حمَار وأتانه: الْكَامِل
(يتعاوران من الْغُبَار ملاءةً ... بَيْضَاء محدثةً هما نسجاها)
(تطوى إِذا وردا مَكَانا جاسياً ... وَإِذا السنابك أسهلت نشراها)
قَالَ شَارِح ديوانه: قَوْله: يتعاوران إِلَخ أَي: تصير الغبرة للعير مرّة وللأتان مرّة. وَيُقَال من الْعَارِية: قد تعورنا العواري. وَالْمَكَان الجاسي: الغليظ فَإِذا جَريا فِيهِ لم يكن لَهما غبرةٌ وَإِذا أسهلا أَي: صَارا إِلَى سهولة الأَرْض ثار لَهما غُبَار.
فَجعل إثارة الْغُبَار بِمَنْزِلَة ملاءة تنشر عَلَيْهِمَا وَزَوَال الْغُبَار بِمَنْزِلَة طي الملاءة. وَهَذَا أحسن مَا قيل فِي وصف الْغُبَار والعجاج.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ أَبُو تَمام الطَّائِي فِي وصف كَثْرَة ظعنه وقصده الْمُلُوك: الوافر)
(يثير عجاجةً فِي كل يومٍ ... يهيم بهَا عدي بن الرّقاع)
стр. 3265
وَقد سلك البحتري طَريقَة الخنساء وَأحسن فِيهِ إِذْ يَقُول فِي يُوسُف بن أبي سعيد: الْكَامِل
(جدٌّ كجد أبي سعيدٍ إِنَّه ... ترك السماك كَأَنَّهُ لم يشرف)
(قاسمته أخلاقه وَهِي الردى ... للمعتدي وَهِي الندى للمعتفي)
(فَإِذا جرى فِي غايةٍ وجريت فِي ... أُخْرَى التقى شأواكما فِي الْمنصف)
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
(وَلها بالماطرون إِذا ... أكل النَّمْل الَّذِي جمعا)
على أَن أَبَا عَليّ قَالَ: الماطرون مجرور بكسرةٍ على النُّون.
أَقُول: قَالَه فِي بَاب مَا جعلت فِيهِ النُّون الْمَفْتُوحَة اللاحقة بعد الْوَاو وَالْيَاء فِي الْجمع حرف إِعْرَاب من كتاب إِيضَاح الشّعْر وَهَذَا نَصه: اعْلَم أَن هَذِه النُّون إِذا جعلت حرف الْإِعْرَاب صَارَت ثَابِتَة فِي الْكَلِمَة فَلم تحذف فِي الْإِضَافَة كَمَا كَانَت تحذف قبل كَمَا لَا تحذف نون فرسن وضيفن ورعشن وَنَحْو ذَلِك من النونات الَّتِي تكون حرف إِعْرَاب وَإِن كَانَت زَائِدَة.
وَيكون حرف اللين قبلهَا الْيَاء وَلَا يكون الْوَاو لِأَن الْوَاو تدل على إعرابٍ بِعَيْنِه فَلم يجز ثباتها من حَيْثُ لم يجز
стр. 3266
ثبات إعرابين فِي الْكَلِمَة.
أَلا ترى أَنهم إِذا نسبوا إِلَى رجلَانِ وَنَحْوه من التَّثْنِيَة حذفوا فَقَالُوا: رجليٌّ مَعَ أَن الْألف قد لَا تدل على إِعْرَاب بِعَيْنِه لِأَن قوما يجْعَلُونَ حرف الْإِعْرَاب فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث ألفا.
فَإِذا حذفوا ذَلِك مَعَ أَنهم قد جعلوها بِمَنْزِلَة الدَّال فِيهِ لَا يكون لإعرابٍ مَخْصُوص
فَأن لَا تثبت الْوَاو الدَّالَّة على إِعْرَاب مختصٍّ أولى.
فَأَما من أجَاز ثبات الْوَاو فِي هَذَا الضَّرْب من الْجمع وَزعم أَن ذَلِك يجوز فِيهِ قِيَاسا على قَوْلهم: زيتون فَقَوله فِي ذَلِك يبعد من جِهَة الْقيَاس مَعَ أَنا لم نعلمهُ جَاءَ فِي شَيْء عَنْهُم. وَذَلِكَ أَن هَذِه الْوَاو لم تكن قطّ إعراباً وَلَا دالاًّ عَلَيْهِ كَمَا كَانَت الَّتِي فِي مُسلمُونَ.
فالواو فِي زيتون كَالَّتِي فِي منجنون فِي أَنه لم يكن قطّ إعراباً كَمَا أَن الَّتِي فِي منجنون كَذَلِك.
وعَلى مَا ذهب إِلَيْهِ النَّاس جَاءَ التَّنْزِيل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: وَلَا طعامٌ إِلَّا من غسلين لما صَارَت)
النُّون حرف إِعْرَاب صَار حرف اللين قبله الْيَاء. وَقَالَ تَعَالَى: لفي عليين وَا أَدْرَاك مَا عليون.
فَأَما قَول الشَّاعِر:
(وَلها بالماطرون إِذا ... أكل النَّمْل الَّذِي جمعا)
فأعجميٌّ وَلَيْسَت الْوَاو فِيهِ إعراباً كَالَّتِي فِي سِنِين. فَأَما ثبات الْيَاء فِي سِنِين وفلسطين وقنسرين فَإِنَّهَا لما لم تدل على إِعْرَاب بِعَيْنِه أشبهت الْيَاء الَّتِي فِي شمليل وقنديل وَلذَلِك ثبتَتْ فِي النّسَب وَلم تحذف كَمَا حذف مَا يكون فِي ثباته فِي الِاسْم اجْتِمَاع علامتين للإعراب.
وَقد كثر هَذَا الضَّرْب من
стр. 3267
الْجمع حَتَّى لَو جعل قِيَاسا مستمراً كَانَ مذهبا. انْتهى.
وَمثله قَول ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: فَأَما الماطرون فَلَيْسَتْ النُّون فِيهِ بزائدة لِأَنَّهَا تعرب.
قَالَ: وَلها بالماطرون إِذا
وَفِيه ردٌّ لمن جعل الْكَلِمَة ثلاثية كصاحب الْقَامُوس فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَادَّة مطر: وماطرون: قَرْيَة بِالشَّام.
وَفِيه أَنه كَانَ يجب أَن يَقُول: الماطرون.
وَقد خَالف الْجَوْهَرِي فَرَوَاهُ الناطرون بالنُّون وَقَالَ: الناطرون: موضعٌ بِنَاحِيَة الشَّام وَالْقَوْل فِي إعرابه كالقول فِي نَصِيبين وينشد هَذَا الْبَيْت بِكَسْر النُّون: وَلها بالناطرون إِذا ... ... ... ... . . الْبَيْت ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي فِي الْعباب فَقَالَ: الماطرون: مَوضِع قرب دمشق. وَقَالَ بعض من صنف فِي اللُّغَة: الناطرون: مَوضِع بِنَاحِيَة الشَّام.
وَكَذَلِكَ غلطه صَاحب الْقَامُوس. وَلم يذكرهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ كالشارح الْمُحَقق: فِي شرح كتاب
стр. 3268
سِيبَوَيْهٍ: الماطرون بِالْمِيم وطاء مَفْتُوحَة وَالْمَشْهُور الماطرون بِالْمِيم وَكسر الطَّاء. وَقَالَ أَبُو الْحسن القفطي: الماطرون: بستانٌ بِظَاهِر دمشق.
ثمَّ قَالَ: وَالْبَيْت من أبياتٍ ليزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان تغزل بهَا فِي نَصْرَانِيَّة قد ترهبت فِي ديرٍ خراب عِنْد الماطرون وَهُوَ بُسْتَان بِظَاهِر دمشق يُسمى الْيَوْم الميطور.
وأولها: المديد
(رَاعيا للنجم أرقبه ... فَإِذا مَا كوكبٌ طلعا))
(حَال حَتَّى إِنَّنِي لأرى ... أَنه بالفور قد رجعا)
(وَلها بالماطرون إِذا ... أكل النَّمْل الَّذِي جمعا)
(خرفةٌ حَتَّى إِذا ارتبعت ... سكنت من جلقٍ بيعا)
(فِي قبابٍ حول دسكرةٍ ... حولهَا الزَّيْتُون قد ينعا)
آب: رَجَعَ. واكتع: افتعل من الكنع بِالْكَاف وَالنُّون قَالَ صَاحب الْعباب: اكتنع اللَّيْل: حضر ودنا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وأَمر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِمَعْنى جعل مرا.
وَقَوله: وَلها بالماطرون اللَّام مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه خبر مقدم وخرفة: مُبْتَدأ مُؤخر وَضمير الْمُؤَنَّث للنصرانية الَّتِي تغزل بهَا وبالماطرون فَاعل لَهَا وإِذا ظرف عَامله مُتَعَلق بِاللَّامِ. والخرفة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء: المخترف والمجتنى وَقيل مَا يجتنى. وَهَذِه الرِّوَايَة رِوَايَة الْمبرد فِي الْكَامِل.
وروى صَاحب الْعباب فِي الْبَيْت: خلقَة بِالْكَسْرِ بدل خرفة.
стр. 3269
وَقَالَ: خلفة الشّجر: شجرٌ يخرج بعد الثَّمر الْكثير.
وَكَذَا روى الْعَيْنِيّ عَن ابْن الْقُوطِيَّة أَنه قَالَ: الرِّوَايَة هِيَ الخلفة بِاللَّامِ وَهُوَ مَا يطلع من الثَّمر بعد والنَّمْل: فَاعل أكل والَّذِي: مَفْعُوله والعائد مَحْذُوف أَي: جمعه. وارتبعت: دخلت فِي الرّبيع. ويروى: ربعت بِمَعْنَاهُ.
ويروى: ذكرت بدل سكنت. وجلق بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة: مَدِينَة بِالشَّام.
وَمن جلق كَانَ صفة لقَوْله بيعا فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. وبيعا: مفعول سكنت أَو ذكرت وَهُوَ جمع بيعَة بِالْكَسْرِ.
قَالَ الْجَوْهَرِي وصاحبا الْعباب والمصباح: هِيَ لِلنَّصَارَى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْبيعَة للْيَهُود والكنيسة لِلنَّصَارَى. وَهَذَا لَا يُنَاسب قَوْله إِن الشّعْر فِي نَصْرَانِيَّة.
وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن لهَذِهِ الْمَرْأَة تردداً إِلَى الماطرون فِي الشتَاء فَإِن النَّمْل يخزن الْحبّ فِي الصَّيف ليأكله فِي الشتَاء وَلَا يخرج إِلَى وَجه الأَرْض من قريته. وَإِذا دخلت فِي أَيَّام الرّبيع ارتحلت إِلَى البيع الَّتِي بجلق.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَوْله بالماطرون صفةٌ لخرفة. وَهَذَا مخالفٌ لقَولهم إِن صفة النكرَة إِذا تقدّمت صَارَت حَالا مِنْهُ. وَقَالَ: إِذا للْوَقْت وَالتَّقْدِير: لَهَا خرفة وَقت أكل النَّمْل مَا جمعه.)
وَقَوله: فِي قباب حول إِلَخ الظّرْف: صفة لقَوْله بيعا وَهُوَ جمع قبَّة. والدسكرة بِفَتْح الدَّال نقل صَاحب الْعباب عَن اللَّيْث أَنَّهَا بناءٌ يشبه قصراً حوله بيوتٌ وَجَمعهَا دساكر تكون
стр. 3270
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: أينعت الثَّمَرَة إيناعاً أَي: أدْركْت. وينعت ينعاً وينعاً بِالْفَتْح وَالضَّم.
وَيقْرَأ: انْظُرُوا إِلَى ثمره إِذا أثمر وينعه وينعه كِلَاهُمَا جَائِز.
وَأنْشد هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة وَقَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا الشّعْر يخْتَلف فِيهِ فبعضهم ينْسبهُ إِلَى الْأَحْوَص وَبَعْضهمْ ينْسبهُ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة. انْتهى.
وَقد سَهَا الْعَيْنِيّ هُنَا فِي قَوْله: الاستشهاد بالماطرون حَيْثُ نزل منزلَة الزَّيْتُون فِي إِلْزَامه الْوَاو وَإِعْرَابه بالحروف وَصَوَابه وَإِعْرَابه بالحركات.
وَلَو اسْتشْهد الشَّارِح الْمُحَقق بقوله: الْخَفِيف
(طَال ليلِي وَبت كَالْمَجْنُونِ ... واعترتني الهموم بالماطرون)
كَمَا اسْتشْهد بِهِ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية لَكَانَ أولى فَإِن كسرة النُّون صَرِيحَة لوقوعها فِي القافية.
وَهُوَ مطلع قصيدة وَبعده: الْخَفِيف
(صَاح حَيا الْإِلَه حَيا ودوراً ... عِنْد أصل الْقَنَاة من جيرون)
(عَن يساري إِذا دخلت إِلَى الدا ... ر وَإِن كنت خَارِجا فيميني)
(فلتلك اغتربت بِالشَّام حَتَّى ... ظن أَهلِي مرجمات الظنون)
(وَإِذا مَا نسبتها لم تجدها ... فِي سناءٍ من المكارم دون)
(تجْعَل الْمسك واليلنجوج والن ... د صلاءً لَهَا على الكانون)
стр. 3271
(ثمَّ خَاصرتهَا إِلَى الْقبَّة الخض ... رَاء تمشي فِي مرمرٍ مسنون)
(قبةٌ من مراجلٍ ضربتها ... عِنْد حد الشتَاء فِي قيطون)
(ثمَّ فارقتها على خير مَا كَا ... ن قرينٌ مُقَارنًا لقرين)
(فَبَكَتْ خشيَة التَّفَرُّق للبي ... ن بكاء الحزين إِثْر الحزين)
(لَيْت شعري أَمن هوى طَار نومي ... أم براني رَبِّي قصير الجفون)
وجيرون: بابٌ من أَبْوَاب دمشق. والرَّجْم: الْكَلَام بِالظَّنِّ. واليلنجوج بجيمن: عود البخور.
وروى بدله: الألوة بِفَتْح الْهمزَة وَضم اللَّام وَهُوَ الْعود أَيْضا. والصلاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ: التدفي)
بالنَّار. والمخاصرة: أَن يضع كل وَاحِد من اثْنَيْنِ يَده على خصر الآخر. والْمسنون: الأملس المجلو. والمراجل: جمع مرجل بِالْكَسْرِ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَحده: بِفَتْح الْمِيم هُوَ ضربٌ من برود الْيمن. كَذَا فِي الْعباب.
وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: هُوَ الْقدر من النّحاس إِذْ لَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا. والقيطون: المخدع.
قَالَ الْعَيْنِيّ: هَذِه القصيدة لأبي دهبلٍ الجُمَحِي وَهُوَ شاعرٌ إسلاميٌّ شَبَّبَ فِيهَا بعاتكة بنت مُعَاوِيَة حِين حجت وَرجع مَعهَا إِلَى الشَّام فَمَرض بهَا. وَيُقَال: إِن يزِيد قَالَ لِأَبِيهِ إِن أَبَا دهبل ذكر رَملَة ابْنَتك فاقتله. فَقَالَ: أَي شيءٍ قَالَ قَالَ:
(هِيَ زهراء مثل لؤلؤة الغ ... واص ... ... ... . الْبَيْت)
стр. 3272
قَالَ مُعَاوِيَة: لقد أحسن قَالَ: فقد قَالَ: وَإِذا مَا نسبتها ... ... ... ... . الْبَيْت قَالَ: صدق قَالَ: فقد قَالَ: ثمَّ خَاصرتهَا إِلَى الْقبَّة ... ... ... ... . الْبَيْت فَقَالَ مُعَاوِيَة: كذب وَقَالَ ثَعْلَب: حَدثنَا الزبير قَالَ: حَدثنِي مُصعب قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن أبي عبد الله قَالَ: خرج أَبُو دهبل يُرِيد الْغَزْو وَكَانَ رجلا صَالحا جميلاً فَلَمَّا كَانَ بجيرون جَاءَتْهُ امْرَأَة فَأَعْطَتْهُ كتابا فَقَالَ: اقْرَأ لي هَذَا الْكتاب. فقرأه لَهَا ثمَّ ذهبت فَدخلت قصراً وَخرجت إِلَيْهِ فَقَالَت: لَو تبلغت معي إِلَى هَذَا الْقصر فَقَرَأته على امرأةٍ فِيهِ كَانَ لَك فِيهِ أجر.
فَبلغ مَعهَا الْقصر فَلَمَّا دخله فَإِذا فِيهِ جوارٍ كَثِيرَة فأغلقن عَلَيْهِ الْقصر وَإِذا امرأةٌ وضيئةٌ تَدعُوهُ إِلَى نَفسهَا فَأبى فحبس وضيق عَلَيْهِ حَتَّى كَاد يَمُوت.
ثمَّ دَعَتْهُ إِلَى نَفسهَا فَقَالَ: أما الْحَرَام فو الله لَا يكون وَلَكِن أتزوجك. فتزوجته وَأقَام مَعهَا زَمَانا طَويلا لَا يخرج من الْقصر حَتَّى يئس مِنْهُ وَتزَوج بنوه وَبنَاته واقتسموا مَاله وأقامت زَوجته تبْكي عَلَيْهِ حَتَّى عميت.
ثمَّ إِن أَبَا دهبل قَالَ لامْرَأَته: إِنَّك قد أثمت فِي وَفِي أَهلِي وَوَلَدي فأذني لي
فِي الْمصير إِلَيْهِم وأعود إِلَيْك. فَأخذت عَلَيْهِ العهود أَن لَا يُقيم إِلَّا سنة. فَخرج من عِنْدهَا وَقد أَعطَتْهُ مَالا كثيرا حَتَّى قدم على أَهله فَرَأى حَال زَوجته فَقَالَ لأولاده. أَنْتُم قد ورثتموني وَأَنا حيٌّ)
وَهُوَ حظكم وَالله لَا يُشْرك
стр. 3273
زَوْجَتي فِيمَا قدمت بِهِ أحد. فتسلمت جَمِيع مَا أَتَى بِهِ.
ثمَّ إِنَّه اشتاق إِلَى زَوجته الشامية وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْهَا فَبَلغهُ مَوتهَا فَأَقَامَ وَقَالَ هَذِه القصيدة.
وَيُقَال: إِنَّهَا لعبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت. وَذهب إِلَيْهِ الْجَوْهَرِي وَغَيره.
وَقَالَ ابْن بري: الصَّحِيح أَنَّهَا لأبي دهبل. انْتهى كَلَام الْعَيْنِيّ.
وَلم ينسبها أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني إِلَّا لعبد الرَّحْمَن بن حسان قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن الْحَارِث الخراز قَالَ: حَدثنَا الْمَدَائِنِي عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْمُبَارك قَالَ: شَبَّبَ عبد الرَّحْمَن بن حسان بأخت مُعَاوِيَة فَغَضب يزِيد فَدخل على مُعَاوِيَة فَقَالَ لمعاوية: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْتُل عبد الرَّحْمَن بن حسان. قَالَ: وَلم قَالَ: شَبَّبَ بعمتي. قَالَ: وَمَا قَالَ قَالَ: قَالَ:
(طَال ليلِي وَبت كالمحزون ... ومللت الثواء فِي جيرون)
قَالَ مُعَاوِيَة: يَا بني وَمَا علينا من طول ليله وحزنه أبعده الله.
وَهَذَا هُوَ مطلع القصيدة عِنْد صَاحب الأغاني وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الماطرون قَالَ يزِيد: إِنَّه يَقُول: فلذاك اغتربت بِالشَّام ... ... ... ... . . الْبَيْت
стр. 3274
قَالَ: يَا بني وَمَا علينا من ظن أَهله قَالَ: إِنَّه يَقُول:
(هِيَ زهراء مثل لؤلؤة الغ ... واص ... ... ... . الْبَيْت)
قَالَ: صدق يَا بني. قَالَ: وَإنَّهُ يَقُول: وَإِذا مَا نسبتها لم تجدها ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ: صدق يَا بني هِيَ هَكَذَا.
قَالَ: إِنَّه يَقُول: ثمَّ خَاصرتهَا إِلَى الْقبَّة ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ: خَاصرتهَا: أخذت بخصرها وَأخذت بخصري وَلَا كل هَذَا بِابْني ثمَّ ضحك وَقَالَ: أَنْشدني مَا قَالَ أَيْضا.
فأنشده قَوْله:)
(قبَّة من مراجلٍ نصبوها ... عِنْد حد الشتَاء فِي قيطون)
عَن يساري إِذا دخلت ... ... ... ... . . الْبَيْت تجْعَل الند والألوة ... ... ... ... . . الْبَيْت
(وقباب قد أشرجت وبيوتٌ ... نطقت بالريحان والزرجون)
قَالَ: يَا بني لَيْسَ يجب الْقَتْل فِي هَذَا والعقوبة دون الْقَتْل وَلَكنَّا نكفه بالصلة لَهُ والتجاوز عَنهُ.
وَنسخت من كتاب ابْن النطاح: وَذكر الْهَيْثَم بن عدي عَن ابْن دأب قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب بن صَفْوَان أَن عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت كَانَ يشبب بابنة مُعَاوِيَة ويذكرها فِي شعره فَقَالَ النَّاس لمعاوية: لَو جعلته نكالاً فَقَالَ: لَا
стр. 3275
وَلَكِن أداويه بِغَيْر ذَلِك.
فَأذن لَهُ وَكَانَ يدْخل عَلَيْهِ فِي أخريات النَّاس ثمَّ أجلسه على سَرِيره مَعَه وَأَقْبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثه ثمَّ قَالَ: إِن ابْنَتي الْأُخْرَى عاتبةٌ عَلَيْك.
قَالَ: فِي أَي شيءٍ قَالَ: فِي مدحتك أُخْتهَا وتركك إِيَّاهَا. قَالَ: فلهَا العتبى وكرامةٌ أَنا ذاكرها وممتدحها.
فَلَمَّا فعل وَبلغ ذَلِك النَّاس قَالُوا: قد كُنَّا نرى أَن نسيب عبد الرَّحْمَن بن حسان بابنة مُعَاوِيَة لشيءٍ فَإِذا هُوَ على رَأْي مُعَاوِيَة وَأمره. وَعلم من كَانَ يعرف أَنه لَيْسَ لَهُ بنت أُخْرَى أَنه إِنَّمَا خدعه ليشبب بهَا وَلَا أصل لَهَا ليعلم النَّاس أَنه كذب على الأولى لما ذكر الثَّانِيَة.
هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الأغاني. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْخَفِيف
(لَيْت شعري وَأَيْنَ مني ليتٌ ... إِن لواً وَإِن ليتاً عناء)
على أَن الْكَلِمَة المبنية إِذا أُرِيد بهَا لَفظهَا فالأكثر حكايتها على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَقد تَجِيء معربةً كَمَا فِي الْبَيْت كَمَا أعرب ليتٌ الأولى بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَنصب الثَّانِيَة مَعَ لَو بإن.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي تَسْمِيَة الْحُرُوف والكلم قَالَ: وَالْعرب تخْتَلف
стр. 3276
فِيهَا يؤنثها بعض ويذكرها وَأما لَيْت وإِن فحركت أواخرها بِالْفَتْح لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْأَفْعَال فَإِذا صيرت وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْما فَهُوَ ينْصَرف على كل حَال. وَإِن جعلته اسْما للكلمة
وَأَنت تُرِيدُ لُغَة من ذكر لم تصرفها وَإِن سميتها بلغَة من أنث كنت بِالْخِيَارِ.
إِلَى أَن قَالَ: وَأما أَو ولَو فهما سَاكِنا الْأَوَاخِر فَإِذا صَارَت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا اسْما فقصتها فِي التَّأْنِيث والتذكير والانصراف وَترك الِانْصِرَاف كقصة لَيْت وَإِن إِلَّا أَنَّك تلْحق واواً آخر فتثقل.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب اسْم آخِره وَاو قبلهَا حرف مَفْتُوح.
قَالَ أَبُو زبيد:
(لَيْت شعري وَأَيْنَ مني ليتٌ ... إِن ليتاً وَإِن لواً عناء)
وَقَالَ آخر: الطَّوِيل
(ألام على لوٍّ وَلَو كنت عَالما ... بأذناب لوٍّ لم تفتني أَوَائِله)
انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي تَضْعِيف لَو لما جعلهَا اسْما وَأخْبر عَنْهَا لِأَن الِاسْم الْمُفْرد المتمكن لَا يكون على أقل من حرفين متحركين وَالْوَاو فِي لَولَا تتحرك فضوعفت لتَكون كالأسماء المتمكنة.
وَيحْتَمل الْوَاو بالتضعيف الْحَرَكَة. وَأَرَادَ ب لَو هَا هُنَا لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي فِي نَحْو قَوْلك: لَو أَتَيْتنَا لَو أَقمت عندنَا أَي: ليتك أتيت. أَي: أَكثر التَّمَنِّي يكذب صَاحبه ويعنيه وَلَا يبلغ فِيهِ مُرَاده.
انْتهى.
стр. 3277
وَالْبَيْت من قصيدة لأبي زبيدٍ الطَّائِي أورد مِنْهَا الأعلم فِي بَاب النسيب من حماسته سِتَّة أَبْيَات وَهِي: الْخَفِيف)
(وَلَقَد مت غير أَنِّي حيٌّ ... يَوْم بَانَتْ بودها خنساء)
(من بني عامرٍ لَهَا شقّ قلبِي ... قسْمَة مثل مَا يشق الرِّدَاء)
(أشربت لون صفرةٍ فِي بياضٍ ... وَهِي فِي ذَاك لدنةٌ غيداء)
(كل عينٍ مَتى ترَاهَا من النا ... س إِلَيْهَا مديمةٌ حولاء)
(لَيْت شعري وَأَيْنَ مني ليتٌ ... إِن ليتاً وَإِن لواً عناء)
(أَي ساعٍ سعى ليقطع شربي ... حِين لاحت للصابح الجوزاء)
قَوْله: وَلَقَد مت إِلَخ يَعْنِي أَنا لشدَّة الْحزن ميت إِلَّا أَنِّي فِي عداد الْأَحْيَاء. وبَانَتْ: فَارَقت يُرِيد: هجرتني.
وَقَوله: لَهَا شقّ قلبِي بِالْكَسْرِ يُرِيد: شقَّتْ قلبِي بحبها فاستولت عَلَيْهِ.
وَقَوله: كل عين إِلَخ كل مُبْتَدأ ومَتى اسْم اسْتِفْهَام طرف لتراها وَجُمْلَة: ترَاهَا صفة لعين ومديمة: خبر الْمُبْتَدَأ وإِلَيْهَا: مُتَعَلق بِهِ وَهُوَ اسْم فَاعل من أدمت أَي: واظبت. وحولاء خبر ثَان. جعلهَا حولاء لميلها إِلَيْهَا بِالنّظرِ فَكَأَن بهَا حولا.
стр. 3278
وَقَوله: لَيْت شعري إِلَخ قد شَرحه الشَّارِح فِي لَيْت وَقَالَ: الْتزم حذف الْخَبَر فِي لَيْت شعري مردفاً باستفهام نَحْو: لَيْت شعري أتأتيني أم لَا وَهَذَا الِاسْتِفْهَام مفعول شعري. فجملة: أَي ساع سعى فِي الْبَيْت بعده مفعول شعري.
والشّرْب بِالْكَسْرِ: النَّصِيب من المَاء. والصابح: من صبحت الْإِبِل إِذا سقيتها فِي أول النَّهَار وَالْإِبِل مصبوحة وَالْقَوْم صابحون. كَذَا فِي الجمهرة لِابْنِ دُرَيْد وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود: والجوزاء: برجٌ من بروج السَّمَاء. وَالْعرب تَقول: إِذا طلعت الجوزاء توقدت المعزاء وكنست الظباء وعرقت العلباء وطاب الخباء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَزَاد صَاحب الأغاني بعد هَذَا: الْخَفِيف
(فاستظل العصفور كرها مَعَ الض ... ب وأوفى فِي عوده الحرباء)
(وَنفى الجندب الْحَصَى بكراعي ... هـ وأذكت نيرانها المعزاء)
(من سمومٍ كَأَنَّهَا حر نارٍ ... شفعتها ظهيرةٌ غراء)
(عرفت نَاقَتي شمائل مني ... فَهِيَ إِلَّا بغامها خرساء)
(عرفت لَيْلهَا الطَّوِيل وليلي ... إِن ذَا النّوم للعيون غطاء))
وَأورد سَبَب هَذِه القصيدة بِسَنَدِهِ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: كَانَ الْوَلِيد
стр. 3279
بن عقبَة قد
اسْتعْمل الرّبيع بن مري بن أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي على الْحمى فِيمَا بَين الجزيرة وَظهر الْحيرَة فأجدبت الجزيرة.
وَكَانَ أَبُو زبيدٍ فِي تغلب. فَخرج لَهُم ليرعيهم فَأبى عَلَيْهِ الأوسي وَقَالَ: إِن شِئْت أرعيك وَحدك فعلت.
فَأتى أَبُو زبيد الْوَلِيد بن عقبَة فَأعْطَاهُ مَا بَين الْقُصُور الْحمر من الشَّام إِلَى الْقُصُور الْحمر من الْحيرَة وَجعلهَا لَهُ حمى وَأَخذهَا من الآخر.
قَالَ عمر بن شبة فِي خَبره خَاصَّة: فَلَمَّا عزل الْوَلِيد عَن الْكُوفَة وَولي سعد ابْن أبي وَقاص مَكَانَهُ انتزعها مِنْهُ وأخرجها من يَده فَقَالَ أَبُو زبيد:
(وَلَقَد مت غير أَنِّي حيٌّ ... يَوْم بَانَتْ بودها خنساء)
إِلَى آخر القصيدة.
وَأَبُو زبيدٍ الطَّائِي: شَاعِر نصرانيٌّ كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي
стр. 3280
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل:
بوحشٍ إصمت هُوَ قِطْعَة من بيتٍ لِلرَّاعِي وَهُوَ: الْبَسِيط
(أشلى سلوقيةً باتت وَبَات بهَا ... بوحشٍ إصمت فِي أصلابها أود)
على أَنه إِذا سمي بِفعل فِيهِ همزَة وصل قطعت ك إصمت بِكَسْر الْهمزَة وَالْمِيم.
وَتقدم عَن الشَّارِح الْمُحَقق أَنه مَنْقُول من فعل أَمر لبرية مُعينَة. وَقيل: هُوَ علم الْجِنْس لكل مكانٍ قفر تَقول: لَقيته بوحش إصمت وببلد إصمت. والْوَحْش: الْمَكَان الْخَالِي. وَكسر مِيم إصمت والمسموع فِي الْأَمر الضَّم لِأَن الْأَعْلَام كثيرا مَا تغير عِنْد النَّقْل تبعا لنقل مَعَانِيهَا كَمَا قيل فِي شمس بن مَالك بِضَم الشين. انْتهى.
وَقَوله:: وَكسر مِيم إصمت إِلَخ جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ مَنْقُولًا من فعل الْأَمر لكَانَتْ الْهمزَة وَالْمِيم مضموتين لِأَنَّهُ يُقَال: صمت يصمت صمتا من بَاب نصر وصموتاً وصمتاً وَمثله للأندلسي فِي شرح الْمفصل قَالَ: الْمَشْهُور فِي مضارع
стр. 3281
صمت: يصمت بِالضَّمِّ فإمَّا أَن يكون الْكسر لُغَة فِيهِ لم ينْقل وَإِمَّا أَن يكون مِمَّا غير فِي التَّسْمِيَة كَمَا قَالُوا: شمس بن مَالك بِالضَّمِّ فغيروا لفظ الشَّمْس.
وَإِمَّا أَن يكون مرتجلاً وَافق لفظ الْأَمر الَّذِي بِمَعْنى اسْكُتْ فَلَا يكون من هَذَا الْفَصْل. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل.
وَأجَاب ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على الْمفصل بِغَيْر هَذَا قَالَ: وَقد أَخذ على صَاحب الْمفصل باستشهاده فَإِن الْعَرَب تَقول: صمت يصمت فَالْأَمْر فِيهِ بِالضَّمِّ فَكيف جَاءَ إصمت وَجَوَابه أَن يُقَال: إِن فعل يَأْتِي على يفعل وَيفْعل.
وَمِنْهُم من يَقُول: إِن سمع للْفِعْل مضارع اتبع وَإِلَّا فَأَنت فِيهِ مُخَيّر إِن شِئْت قلت: يفعل أَو يفعل.
وَمِنْهُم من يَقُول: إِن كثر اسْتِعْمَال الْمُضَارع اتبع وَإِلَّا كنت فِيهِ بِالْخِيَارِ. انْتهى.
وَقَالَ فِي شرح الْمفصل: واستشهاده بِالْبَيْتِ مُسْتَقِيم على وَجْهَيْن: أَن يثبت أَن فعل يَجِيء على يفعل وَيفْعل. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يثبت صمت يصمت وَلَا يَسْتَقِيم على غير ذَلِك. وقول بَعضهم:)
стр. 3282
وإصمت علم للفلاة القفر سميت بذلك لِأَنَّهُ لَا أنيس بهَا فينطقوا أَو لِأَنَّهَا لشدتها تصمت سالكها. وَالدَّلِيل تشتبه عَلَيْهِ طرقها فَلَا يتَكَلَّم لِأَنَّهُ لَا يَتَّضِح لَهُ الْهدى فِيهَا. ومانعها من الصّرْف التَّعْرِيف وَوزن الْفِعْل لِأَنَّهُ بزنة اضْرِب وَهِي مجرورة الْموضع بِإِضَافَة وَحش إِلَيْهَا.
وَقيل: اسْم بَلْدَة بِعَينهَا. ويروى: ببلدة إصمت. وَيُقَال: تَرَكتنِي ببلدة إصمتة وبلد إصمت. يضْرب للرجل الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ وَلَا مَانع. انْتهى.
وَلم يُورد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ هَذِه الْكَلِمَة فِي مُعْجم مَا استعجم وأوردها ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَقَالَ: إصمت بِالْكَسْرِ وَكسر الْمِيم وتاء مثناة: اسْم)
علم لبرية بِعَينهَا. قَالَ الرَّاعِي: أشلى سلوقيةً باتت وَبَات بهَا إلخوقال بَعضهم: الْعلم هُوَ وَحش إصمت الكلمتان مَعًا. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: لَقيته بوحش إصمت وببلدة إصمت أَي: بمَكَان قفر.
стр. 3283
وإصمت مَنْقُول من فعل الْأَمر مُجَرّد عَن الضَّمِير وَقطعت همزته ليجري على غَالب الْأَسْمَاء. وَهَكَذَا جَمِيع مَا يُسمى بِهِ من فعل الْأَمر. وَكسر الْهمزَة فِي إصمت إِمَّا لُغَة لم تبلغنَا وَإِمَّا أَن يكون غير فِي التَّسْمِيَة بِهِ عَن أصمت بِالضَّمِّ الَّذِي هُوَ مَنْقُول فِي مضارع هَذَا الْفِعْل وَإِمَّا أَن يكون مُجَردا مرتجلاً وَافق لفظ الْأَمر الَّذِي بِمَعْنى اسْكُتْ. وَرُبمَا كَانَ تَسْمِيَة هَذِه الصَّحرَاء بِهَذَا الْفِعْل للغلبة لِكَثْرَة مَا يَقُول الرجل لصَاحبه إِذا سلكها: اصمت لِئَلَّا تسمع فتهلك لشدَّة الْخَوْف بهَا. انْتهى. فَهَذِهِ عدَّة توجيهات لكسر الْهمزَة وَالْمِيم ولتسمية الفلاة بِهِ. وإصمته غير منصرف أَيْضا لَكِن للعلمية والتأنيث. وَالْقَوْل بِأَن إصمت مرتجل لَا مَنْقُول أسلم وأسهل وَحِينَئِذٍ لَا يحْتَاج إِلَى تَوْجِيه كسر الْمِيم وَيكون منع الصّرْف للعلمية والتأنيث الْمَعْنَوِيّ وَفِي إصمتة التَّأْنِيث اللَّفْظِيّ على طَريقَة وَاحِدَة.
وَالْعجب من ابْن يعِيش فَإِنَّهُ وَجه منع الصّرْف فِي إصمت بِمَا ذكرنَا مَعَ القَوْل بِالنَّقْلِ. وَكَونه علم جنس أظهر من كَونه علم شخص لبقعةٍ مُعينَة كَمَا هُوَ ظاهرٌ من استعمالهم: وَالصَّحِيح أَن الْعلم إِنَّمَا هُوَ إصمت وإصمتة لَا مَجْمُوع وَحش إصمت ووحش إصمتة بِدَلِيل أَنه يُقَال: بلد إصمت وصحراء إصمت وَغير ذَلِك وَلم يقل أحد بعملية الْمَجْمُوع فِيهِ وَمَا يُضَاف
стр. 3284
إِلَيْهِمَا من وَحش وبلد وبلدة وصحراء أَيْضا كَمَا نَقله صَاحب الْقَامُوس إِضَافَته للتخصيص.
وَقد يجمع إصمت على إصمتين شذوذاً كَأَنَّهُمْ سموا كل قطعةٍ مِنْهَا بإصمت إِن كَانَ إصمت علم قفرٍ بِعَيْنِه. وَإِن كَانَ علم جنس فَوَاضِح. وَقد رَأَيْته فِي شعر أُميَّة ابْن أبي الصَّلْت قَالَ من
(وترذى الناب والجمعاء فِيهِ ... بوحش الإصمتين لَهُ ذُبَاب)
قَالَ شَارِح ديوانه: ترذى من الرذية أَي: تتْرك وَقد أرذيت فَهِيَ مراذة. والناب: النَّاقة المسنة. والجمعاء: الذاهبة الْأَسْنَان. والإصمتين: مكانٌ لَيْسَ فِيهِ أحد.
وَهُوَ مثلٌ للْعَرَب يُقَال: تركت فلَانا بوحش الإصمتين. وَله ذبابٌ ذُبَاب الْحمار. انْتهى.
وَاعْلَم أَن ابْن المستوفي اسْتشْكل كَون إصمت مَنْقُولًا من الْفِعْل دون ضَمِيره وَقَالَ: قَول النُّحَاة إِن إصمت مَنْقُول من فعل الْأَمر مُجَردا من الضَّمِير فِيهِ نظر لِأَنَّهُ جمعٌ بَين نقيضين وَذَلِكَ أَنهم إِنَّمَا سموا بِهِ بعد الْأَمر للمواجهة فَلَا بُد من الضَّمِير فِيهِ.)
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من بَاب الْمُسَمّى بِالْجُمْلَةِ المركبة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكُونُوا نزعوه بعد التَّسْمِيَة تحكماً مِنْهُم. انْتهى.
أَقُول: لَا يرد مَا ذكره فَإِنَّهُم قَالُوا: إِذا سمي بِفعل فَإِن لم يعْتَبر ضَمِيره الْفَاعِل فَهُوَ مُفْرد لَا ينْصَرف وَإِن اعْتبر ضَمِيره فَهُوَ جملَة محكية
стр. 3285
سَوَاء كَانَ الضَّمِير مِمَّا يجب استتاره أم لَا بِدَلِيل أَحْمد الْمَنْقُول من الْمُضَارع الْمُتَكَلّم وتغلب الْمَنْقُول من الْمُضَارع للمخاطب فَالضَّمِير أَمر اعتباري يجوز أَن يُلَاحظ وَيعْتَبر وَيجوز عَدمه وَلَا ينظر إِلَى مَكَان تجريده من الْفِعْل حِين التَّسْمِيَة.
وَاسْتشْكل أَيْضا قطع الْهمزَة بعد التَّسْمِيَة بِأَنَّهُ من بَاب تَحْصِيل الْحَاصِل لِأَنَّهَا مَقْطُوعَة قبل قَالَ: وَقَوْلهمْ إِنَّهُم قطعُوا الْهمزَة من إصمت مَعَ التَّسْمِيَة بِهِ خَالِيا من الضَّمِير فِيهِ أَيْضا نظر لِأَن الْمَكَان عِنْدهم إِنَّمَا سمي بقول الرجل لصَاحبه: اصمت يسكته بذلك من غير أَن يكون تقدمه كَلَام قبله وَصله بِهِ فوصل الْهمزَة. وَكَذَا كل فعل أَمر من يفعل قطعت همزته. انْتهى.
أَقُول: مُرَادهم الْتِزَام قطعهَا بعد التَّسْمِيَة درجاً وَابْتِدَاء بِخِلَاف إصمت قبل التَّسْمِيَة فَإِن الْهمزَة لَا تقطع فِي الدرج وَهَذَا ظَاهر.
وَأما مَا قَالَه صَاحب الْقَامُوس من أَن إصمت وإصمتة بِقطع الْهمزَة وَوَصله فمشكل وَلم أره لغيره وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من مَفْهُوم قَول أبي زيد كَمَا نَقله ابْن مكرم فِي لِسَان الْعَرَب وَهُوَ أَن بعض الْعَرَب قطع الْألف من إصمت وَنصب التَّاء.
وَمَفْهُومه أَن أَكثر الْعَرَب يصل الْألف ويسكن التَّاء وَيكون حِينَئِذٍ هَذَا من بَاب التَّسْمِيَة بِالْجُمْلَةِ المحكية. وَلم أر من قَالَه.
وَأما وَصلهَا فِي إصمتة فَلم أعرف وَجهه وَقد ذكرُوا همزَة الْوَصْل فِي أسماءٍ مَعْدُودَة وَلَيْسَ هَذَا
стр. 3286
مِنْهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال توصل بِنَقْل حركتها إِلَى سَاكن قبلهَا كَقَوْلِك: من إصمتة. وَالله أعلم.
وَأما أطرقا فقد أدرجه صَاحب الْمفصل فِي الْمَنْقُول من فعل الْأَمر مَعَ إصمت. وَظَاهره أَنه
وَلَو لاحظه لذكره فِي الْعلم الْمركب من جملَة أَو غَيرهَا وَالصَّوَاب ذكره فِي قسم الْمركب لِأَنَّهُ جملَة مركبة من فعل وفاعل قطعا.
وَلِهَذَا قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي شَرحه: تمثيله بقوله: أطرقا فِي غير قسمٍ الْمركب لَيْسَ بِمُسْتَقِيم.
وَأجَاب ابْن يعِيش بِأَن أطرقا لَهَا جهتان: جِهَة كَونه أمرا وجهة كَونه جملَة. فإيراده هُنَا من)
حَيْثُ أَنه أَمر. وَلَو أوردهُ فِي المركبات من حَيْثُ هُوَ جملَة لجَاز. انْتهى.
وَفِيه نظر فَإِن التَّقْسِيم يصير حِينَئِذٍ فَاسِدا لِأَن كل تَقْسِيم صَحِيح ذكرت فِيهِ أنواعٌ بِاعْتِبَار صفاتٍ مصححةٍ للتقسيم يجب أَن يكون صفة كل قسم منتفية عَن بَقِيَّة الْأَقْسَام وَإِلَّا لم يَصح التَّقْسِيم باعتبارها وَهَا هُنَا التَّقْسِيم قد ذكر فِيهِ الْمركب فَيجب أَن يكون التَّرْكِيب منتفياً عَن بَقِيَّة الْأَقْسَام.
وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ يَصح أَن يكون أطرقا أمرا للْوَاحِد وتثنيته تَثْنِيَة الْفِعْل لَا الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ: أطرق أطرق كَمَا قيل فِي: ألقيا فِي جَهَنَّم وَفِي: قفا نبك تَأْكِيدًا ومبالغة.
стр. 3287
وَأجَاب بعضٌ آخر بِأَن الْألف يجوز أَن تكون بَدَلا من نون التوكيد الْخَفِيفَة وَالْأَصْل أطرقن فأبدلت للْوَقْف ألفا.
وَيَردهُ مَا حكوا فِي وَجه التَّسْمِيَة من أَن رجلا قَالَ لصاحبيه فِي مَوضِع: أطرقا تخويفاً لَهما قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: أطرقا: موضعٌ بالحجاز. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: غزا ثَلَاثَة نفرٍ فِي الدَّهْر الأول فَلَمَّا صَارُوا إِلَى هَذَا الْموضع سمعُوا نبأة فَقَالَ أحدهم لصاحبيه: أطرقا أَي: اسكتا.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: أَي: الزما الأَرْض فَسُمي بِهِ ذَلِك الْموضع. قَالَ أَبُو الْفَتْح بن جني: دلّ قَول أبي عمرٍ وأَن الْموضع سمي بِالْفِعْلِ وَفِيه ضَمِيره لم يجرد
عَنهُ كَمَا يُقَال: لَقيته بوحش إصمت أَي: بفلاة يسكت فِيهَا الْمَرْء صَاحبه فَيَقُول لَهُ: اصمت إِلَّا أَنه جرد إصمت من الضَّمِير فأعربه وَلم يصرفهُ للتعريف والتأنيث أَو وزن الْفِعْل. انْتهى كَلَام أبي عبيد.
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: قَالَ أَبُو عَمْرو: أطرقا: اسمٌ لبلد بِعَيْنِه من فعل الْأَمر وَفِيه ضمير وَهِي الْألف. كَأَنَّهُ سالكه سمع نبأة فَقَالَ لصاحبيه: أطرقا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ ثَلَاثَة نفر بِهَذَا الْمَكَان فَسَمِعُوا صَوتا فَقَالَ أحدهم لصاحبيه: أطرقا فَسُمي بذلك. انْتهى.
وَقيل: إِن أطرقا غير علم لأرض فَلَا شَاهد فِيهِ. ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ قوم:
стр. 3288
هُوَ جمع طَرِيق كصديق وأصدقاء وَقصر للضَّرُورَة. حَكَاهُ ياقوت.
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم: قَالَ بَعضهم: هُوَ جمع طَرِيق على لُغَة هُذَيْل وَيجوز أَن يكون قَالَ ابْن يعِيش: يكون على هَذَا حذف الْألف الأولى الَّتِي للمد فَعَادَت ألف التَّأْنِيث إِلَى أَصْلهَا)
وَهُوَ الْقصر. وَيَنْبَغِي أَن تكْتب الْألف بِالْيَاءِ. انْتهى.
وَقَالَ ثَعْلَب كَمَا نَقله أَبُو عبيد أَيْضا: قَوْله على أطرقا أَرَادَ على أطرقة فأبدل من تَاء التَّأْنِيث يَاء كَمَا يُقَال فِي شكاعي شكاعة كَمَا يُبدل أَيْضا من الْألف تَاء.
قَالَ الراجز: الرجز
(من بَعْدَمَا وَبَعْدَمَا وبعدمت ... صَارَت نفوس الْقَوْم عِنْد الغلصمت)
انْتهى.
وَقَالَ بَعضهم: الرِّوَايَة: علا أطرقا وَقَالَ ابْن يعِيش: رَوَاهُ بَعضهم: بِضَم الرَّاء كَأَنَّهُ جعله جمع طَرِيق وَيجْعَل علا فعلا ناصباً لَهُ من الْعُلُوّ وَفِيه ضمير كَأَنَّهُ قَالَ: السَّيْل علا أطرقاً. وعَلى هَذَا يكون قد أنث الطَّرِيق لِأَن فعيلاً وفعالاً إِنَّمَا يجمعان على أفعل إِذا كَانَ مؤنثاً نَحْو عنَاق وأعنق
стр. 3289
وَيكون باليات الْخيام من صفة أطرقاً. انْتهى.
وَحَكَاهُ أَبُو عبيد أَيْضا قَالَ: ويروى: علا أطرقاً من الْعُلُوّ. وَجمع طَرِيق على أطرق يدل على تأنيثه لِأَن تكسير الْمُؤَنَّث كعناق وأعنق وعقاب وأعقب.
وَقَالَ ياقوت: قَالَ أَبُو الْفَتْح: ويروى: علا أطرقاً ف علا فعلٌ مَاض. وأطرقا: جمع طَرِيق. فَمن أنث الطَّرِيق جمعه على أطرق مثل عنَاق وأعنق وَمن ذكره جمعه على أطرقاً كصديق وأصدقاء فَيكون قد قصره ضَرُورَة.
هَذَا وَالصَّحِيح أَن أطرقاً علم أَرض بِدَلِيل قَول عبد الله بن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي يُخَاطب بني كَعْب بن عَمْرو من خُزَاعَة وَكَانَ يطالبهم بِدَم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أبي خَالِد بن الْوَلِيد لِأَنَّهُ مر بِرَجُل مِنْهُم يصلح سهاماً فعثر بِسَهْم مِنْهَا فجرحه فَانْتقضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ: الطَّوِيل
(إِنِّي زعيمٌ أَن تسيروا وتهربوا ... وَأَن تتركوا الظهْرَان تعوي ثعالبه)
(وَأَن تتركوا مَاء بجزعة أطرقا ... وَأَن تسلكوا أَي الْأَرَاك أطايبه)
(وَإِنَّا أناسٌ لَا تطل دماؤنا ... وَلَا يتعالى صاعداً من نحاربه)
وَقَالُوا فِي تَفْسِير هَذَا: الجزعة والجزع بِمَعْنى وَاحِد وهم مُعظم الْوَادي. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ مَا انثنى مِنْهُ. وأطرقا هُنَا وَقع مُضَافا إِلَيْهِ وَهُوَ علم مَوضِع سمي بِفعل الْأَمر كَمَا تقدم. وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا مَا تمحلوه فِي ذَلِك الْبَيْت.
стр. 3290
قَالَ ياقوت: وَهَذَا الشّعْر يُؤذن بِأَن أطرقا مَوضِع من ضواحي مَكَّة لِأَن الظهْرَان هُنَاكَ وَهِي)
منَازِل كَعْب بن خُزَاعَة. فَيكون أطرقا من منازلها بِتِلْكَ النواحي وَهِي من منَازِل هذيلٍ أَيْضا وَلذَلِك ذَكرُوهُ فِي شعرهم. وَالله أعلم. انْتهى.
وَقد آن لنا أَن نرْجِع إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول: الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لِلرَّاعِي واسْمه عبيد بن حُصَيْن النميري وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة.
وَهِي من قصيدة مدح بهَا عبد الله بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَولهَا: الْبَسِيط
(طَاف الخيال بِأَصْحَابِي وَقد هجدوا ... من أم علوان لَا نحوٌ وَلَا صدد)
(فأرقت فتية باتوا على عجلٍ ... وَأَعْيُنًا مَسهَا الإدلاج والسهد)
(هَل تبلغني عبد الله دوسرةٌ ... وجناء فِيهَا عَتيق الني ملتبد)
(كَأَنَّهَا يَوْم خمس الْقَوْم عَن جلبٍ ... وَنحن والآل بالموماة نطرد)
(قرمٌ تعداه عادٍ عَن طروقته ... من الهجان على خرطومه الزّبد)
(أَو ناشطٌ أسفع الْخَدين أَلْجَأَهُ ... نفح الشمَال فأمسى دونه العقد)
стр. 3291
ثمَّ وصف الثور والأطلال فَقَالَ:
(حَتَّى إِذا هَبَط الأحدان وانقطعت ... عَنْهَا سلاسل رملٍ بَينهَا وهد)
(صَادف أطلس مشاءً بأكلبه ... إِثْر الأوابد مَا ينمي لَهُ سبد)
(أشلى سلوقةً باتت وَبَات بهَا ... بوحش إصمت فِي أصلابها أود)
(يدب مستخفياً يغشي الضراء بهَا ... حَتَّى استقامت وأعراه لَهَا جدد)
هجدوا: رقدوا. والنَّحْو: التَّوَجُّه. والصدد: الْقرب. وَخبر نَحْو مَحْذُوف أَي: مِنْهَا. والإدلاج: السّير من أول اللَّيْل. والسهد بِفتْحَتَيْنِ: الأرق والسهر. وعبد الله هُوَ أَخُو يزِيد بن مُعَاوِيَة. فِي الجمهرة: وَعبد الله بن مُعَاوِيَة كَانَ أَحمَق النَّاس وَأمه فَاخِتَة بنت قرظة بن عبد عَمْرو بن نَوْفَل بن عبد منَاف. وَأم يزِيد مَيْسُونُ بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة. والدوسرة بِالْفَتْح: النَّاقة الضخمة. والوجناء: الشَّدِيدَة. والني بِفَتْح النُّون: السّمن والشحم.
والْخمس بِالْكَسْرِ من أظماء الْإِبِل: أَن ترعى ثَلَاثَة أَيَّام وَترد الْيَوْم الرَّابِع.
والجلب بِضَم الْجِيم وَفتح اللَّام: جمع جلبة وَهِي الشدَّة. يُقَال:
стр. 3292
أصابتنا جلبة الزَّمَان وكلبته. والْآل: السراب بعد الزَّوَال. والموماة بِالْفَتْح: الفلاة.)
وقرم: خبر كَأَنَّهَا وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: الْبَعِير المكرم لَا يجمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَلَكِن يكون للفحلة. وتعداه أَي: تعدى عَلَيْهِ. وعادٍ: من عدا عَلَيْهِ أَي: تجَاوز عَلَيْهِ الْحَد. والطروقة: أُنْثَى الْفَحْل.
يُقَال: طرق الْفَحْل النَّاقة طرقاً فَهِيَ طروقة فعولة بِمَعْنى مفعولة. والهجان من الْإِبِل الْبيض يَسْتَوِي فِيهِ الْمُؤَنَّث والمذكر وَالْوَاحد وَالْجمع.
شبه نَاقَته فِي حَالَة جهدها وشدتها وَهُوَ سَائِر فِي شدَّة الهجير بفحل هائج حَال دون أنثاه حَائِل. وَفِيه مبالغاتٌ لَا تخفى.
وَقَوله: أَو ناشط إِلَخ يَعْنِي أَنَّهَا إِمَّا تشبه ذَلِك الْفَحْل أَو تشبه الناشط وَهُوَ الثور الوحشي يخرج من أرضٍ إِلَى أَرض. والأسفع: الْأسود من السفعة بِالضَّمِّ وَهُوَ سوادٌ مشربٌ حمرَة يَعْنِي اسود وَجهه من شدَّة الْحر أَو من شدَّة الْبرد وَالرِّيح. وأَلْجَأَهُ: اضطره. والنفح: الهبوب. والشمَال: الرّيح الْمَعْرُوفَة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: مَا كَانَ من الرِّيَاح نفح فَهُوَ برد وَمَا كَانَ لفح فَهُوَ حر والعقد بِفَتْح الْعين وَكسر الْقَاف وَفتحهَا: مَا تعقد من الرمل أَي: تراكم الْوَاحِدَة عقدَة كَذَلِك.
يَعْنِي فَهُوَ مسرعٌ ليصل كناسه ومأواه. والأحدان بِالضَّمِّ: قطع رمل مُتَفَرِّقَة وَالْأَصْل وحدانٌ جمع أوحد.
стр. 3293
ووهد بِضَمَّتَيْنِ: جمع وهاد وَهُوَ جمع وهدة وَهُوَ الْمَكَان المطمئن.
وصَادف أَي: ذَلِك الناشط. وأطلس مَفْعُوله يُرِيد بِهِ صياداً وقانصاً. والأطلس قَالَ فِي الْقَامُوس: هُوَ الرجل يرْمى بقبيح. وَالسَّارِق وَالذِّئْب الأمعط.
وَفِي الصِّحَاح: الأطلس: الْخلق وَكَذَلِكَ الطلس بِالْكَسْرِ وَالْجمع أطلاس. وَرجل أطلس الثَّوْب.
قَالَ ذُو الرمة يصف قانصاً: الْبَسِيط ومشاءً: مُبَالغَة ماشٍ أَي: كاسب. وأكلب: جمع كلب. والأوابد: جمع آبدة وَهِي الوحوش. وينمي من نمى المَال وَغَيره ينمي نَمَاء: زَاد. والسبد: الصُّوف كنى بِهِ عَن المَال والماشية.
وَقَوله: أشلى سلوقية فَاعل أشلى ضمير أطلس المُرَاد بِهِ القانص.
قَالَ أَبُو زيد: أشليت الْكَلْب: دَعوته.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: أوسدت الْكَلْب بالصيد وآسدته إِذا أغريته بِهِ. وَلَا يُقَال: أشليته)
إِنَّمَا الإشلاء الدُّعَاء. يُقَال: أشليت الشَّاة والناقة إِذا دعوتما بأسمائهما لتحلبهما.
وَقَول زِيَاد الْأَعْجَم: الطَّوِيل
(أَتَيْنَا أَبَا عمرٍ وفأشلى كلابه ... علينا فكدنا بَين بيتيه نؤكل)
يرْوى: فأغرى كلابه. كَذَا فِي الصِّحَاح. وسلوقية أَي: كلاباً سلوقية.
قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: سلوق بِفَتْح أَوله
стр. 3294
وَضم اللَّام: مَوضِع تنْسب إِلَيْهِ الْكلاب السلوقية والدروع. وَفِي كتاب الْعين: موضعٌ بِالْيمن تنْسب إِلَيْهِ الْكلاب. وَقَالَ أَيْضا: السلوقي من الدروع وَالْكلاب: أَجودهَا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا هِيَ منسوبة إِلَى سلقية بِفَتْح أَوله وثانيه وَإِسْكَان الْقَاف وَتَخْفِيف الْيَاء وَفِي البارع عَن أبي حَاتِم: السلوقية من الْكلاب منسوبةٌ إِلَى مَدِينَة من مَدَائِن الرّوم يُقَال لَهَا: سلقية فأعربت.
قَالَ أَبُو حَاتِم: وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: إِنَّمَا يُقَال لَهَا سلوقية وَقد دَخَلتهَا وَهِي عَظِيمَة وَلها شَأْن.
انْتهى.
وَقَوله: باتت وَبَات بهَا قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: بَات لَهُ مَعْنيانِ أشهرهما اخْتِصَاص الْفِعْل بِاللَّيْلِ كَمَا اخْتصَّ الْفِعْل فِي ظلّ بِالنَّهَارِ. فَإِذا قلت: بَات يفعل كَذَا فَمَعْنَاه فعله بِاللَّيْلِ.
وَقَالَ اللَّيْث: من قَالَ بَات بِمَعْنى نَام فقد أَخطَأ لِأَنَّك تَقول بَات يرْعَى النُّجُوم وَمَعْنَاهُ ينظر إِلَيْهَا وَكَيف ينَام من يراقب النُّجُوم.
وَالْمعْنَى الثَّانِي تكون بِمَعْنى صَار يُقَال: بَات بِموضع كَذَا أَي: صَار بِهِ سواءٌ كَانَ فِي ليل أَو نَهَار. وَعَلِيهِ قَوْله ﵊ ُ: فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده. وَالْمعْنَى صَارَت ووصلت. انْتهى.
стр. 3295
وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وتجيء بَات تَامَّة بِمَعْنى: أَقَامَ لَيْلًا وَنزل سَوَاء نَام أَو لم ينم. وَفِي كَلَامهم: سر وَبت. انْتهى.
وَقَوله: فِي أصلابها أود أَي: فِي أصلاب الْكلاب السلوقية. إِذْ لكل كلبٍ صلبٌ. وَلِهَذَا وَقدر بَعضهم تبعا لِابْنِ الْحَاجِب: كلبةً سلوقيةً. وَوجه جمع الأصلاب بِجعْل كل طَائِفَة من الْفقر صلباً. وَله الْعذر لِأَنَّهُ لم يقف على مَا قبله.
والصلب: وسط الظّهْر من الْعُنُق إِلَى الْعَجز وَهِي فقرات أَي: خَرَزَات منتظمة. والمتنان)
يكتنفان يَمِينا وَشمَالًا. والأود بِفتْحَتَيْنِ: الاعوجاج. وَالْجُمْلَة حالٌ من ضمير الْكلاب وَهِي حالٌ لَازِمَة لِأَن الْكلاب السلوقية يكون أوساطها مخروطة الشكل خلقَة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا كَانَ فِي ظهر الْكَلْب احديدابٌ قَلِيل كَانَ أفره لَهُ وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ وَاسع الفقحة كَانَ أسْرع لجريه وَكَذَلِكَ من الدَّوَابّ. وَكَذَا إِذا اتَّسع منخراه وشدقاه.
فَقَوله: أشلى سلوقية اسْتِئْنَاف بعد الْإِخْبَار عَن الناشط بِمَا ذكره. وَأَرَادَ: أشلى عَلَيْهِ أَي: أغرى الْكلاب على الناشط.
وَجُمْلَة: باتت إِلَخ اسْتِئْنَاف بيانيٌّ كَأَنَّهُ قيل: فَمَا صنعت قَالَ: باتت. وَقيل الْجُمْلَة صفة سلوقية. وَبَات هُنَا تَامَّة كَمَا نقلنا عَن الشَّارِح الْمُحَقق.
وَقَوله: وَبَات بهَا أَي: وَبَات الصياد مَعَ السلوقية فالباء بِمَعْنى مَعَ وَالضَّمِير للسلوقية.
وَقَوله: بوحش إصمت الْبَاء بِمَعْنى فِي مُتَعَلق بِأحد الْفِعْلَيْنِ.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: الْمَجْرُور فِي قَوْله: بوحش يتَعَلَّق
следующие страницы →