← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وَأنْشد بعده: الطَّوِيل (هما نفثا فِي فِي من فمويهما ... على النابح العاوي أَشد رجام) وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة. وَضمير التَّثْنِيَة لإبليس وَابْن إِبْلِيس. ونفثا ألقيا على لساني. والنابح: هُنَا أَرَادَ بِهِ من يتَعَرَّض للهجو والسب من الشُّعَرَاء وَأَصله فِي الْكَلْب. وَمثله العاوي. والرجام: مصدر راجمه بِالْحِجَارَةِ أَي: راماه. وراجم فلانٌ عَن قومه إِذا دَافع عَنْهُم. جعل الهجاء فِي مُقَابلَة الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كَالْكَلْبِ النابح. وَالْبَيْت آخر قصيدة للفرزدق قَالَهَا فِي آخر عمره تَائِبًا إِلَى الله تَعَالَى مِمَّا فرط مِنْهُ من مهاجاته النَّاس وذم فِيهَا إِبْلِيس لإغوائه إِيَّاه فِي شبابه. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الْكَامِل يديان بيضاوان عِنْد محلمٍ هَذَا صدرٌ وعجزه: قد يمنعانك أَن تضام وتضهدا على أَنه مثنى يدا بِالْقصرِ فَلَمَّا ثني قلبت أَلفه يَاء كفتيان

стр. 3432

فِي مثنى فَتى لِأَن أَصْلهَا الْيَاء فَإِن وَإِنَّمَا قلبت فِي الْمُفْرد ألفا لانفتاح مَا قبلهَا. وتقلب واواً فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا عِنْد الْخَلِيل وسيبويه فَيُقَال: يدويٌّ. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَبَعض الْعَرَب يَقُول لليد: يدا مثل رَحا. قَالَ الشَّاعِر: الرجز (يَا رب سارٍ بَات مَا توسدا ... إِلَّا ذِرَاع العنس أَو كف اليدا) يديان بيضاوان ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَكَذَا قَالَ ابْن يعِيش. وَفِيه ردٌّ على من زعم أَن يديان مثنى يَد ردَّتْ لامه شذوذاً كالزمخشري فِي الْمفصل. قَالَ ابْن يعِيش: مَتى كَانَت اللَّام الساقطة ترجع فِي الْإِضَافَة فَإِنَّهَا ترد إِلَيْهِ فِي التَّثْنِيَة لَا يكون إِلَّا كَذَلِك. وَإِذا لم ترجع فِي الْإِضَافَة لم ترجع فِي التَّثْنِيَة كأب وَأَخ تَقول: أَخَوان وأبوان لِأَنَّك تَقول فِي الْإِضَافَة: أَبوك وأخوك فترى اللَّام رجعت فِي الْإِضَافَة فَلذَلِك رَددتهَا فِي التَّثْنِيَة. وَذَلِكَ لأَنا رَأينَا التَّثْنِيَة قد ترد الذَّاهِب الَّذِي لَا يعود فِي الْإِضَافَة كَقَوْلِك فِي يَد: يديان وَفِي دم: دموان. وَأَنت تَقول فِي الْإِضَافَة يدك ودمك فَلَا ترد الذَّاهِب. فَلَمَّا قويت التَّثْنِيَة على رد مَا لم ترده الْإِضَافَة صَارَت أقوى من الْإِضَافَة. وَحمل أَصْحَابنَا يديان على الْقلَّة والشذوذ وجعلوه من قبيل الضَّرُورَة.

стр. 3433

وَالَّذِي أرَاهُ أَن بعض الْعَرَب يَقُول فِي الْيَد: يدا فِي الْأَحْوَال كلهَا يَجعله مَقْصُورا كرحاً. إِلَى آخر مَا ذكره الْجَوْهَرِي. وَكَذَا صنع ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: ويدٌ أَصْلهَا يديٌ لظُهُور الْيَاء فِي تثنيتها ولقولهم:) يديت إِلَيْهِ يدا أَي: أسديت إِلَيْهِ نعْمَة. قَالَ: الوافر (يديت على ابْن حسحاس بن بدرٍ ... بِأَسْفَل ذِي الجذاة يَد الْكَرِيم) فَيجوز أَن تكون الْيَد الَّتِي هِيَ النِّعْمَة مَأْخُوذَة من الَّتِي هِيَ الْجَارِحَة لِأَن النِّعْمَة تسدى بِالْيَدِ. وَيجوز أَن تكون الْجَارِحَة مَأْخُوذَة من النِّعْمَة لِأَن الْيَد نعمةٌ من نعم الله على العَبْد وَيدل على سُكُون عينهَا جمعهَا على أيدٍ لِأَن قِيَاس فعلٍ فِي جمع الْقلَّة أفعل كأكلبٍ وأكعب وأبحر وأنسر فِي جمع نسر. وَفتح الدَّال فِي التَّثْنِيَة كَقَوْلِه: يديان بيضاوان ... الْبَيْت لَا يدل على فتحهَا فِي الْوَاحِد لما ذكرته من إِجْرَاء هَذِه المنقوصات على الْحَرَكَة إِذا أُعِيدَت لاماتها وَذَلِكَ لاستمرار حركات الْإِعْرَاب عَلَيْهَا فِي حَال نَقصهَا وَكَذَلِكَ إِذا نسبت إِلَيْهَا أعدت الْمَحْذُوف وَفتحت الدَّال وأبدلت من الْيَاء واواً كَمَا أبدلت من يَاء قَاض. فَقلت: يدويٌّ. هَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه فِي النّسَب إِلَى هَذَا الضَّرْب. وَأَبُو الْحسن الْأَخْفَش ينْسب إِلَيْهِ على زنته الْأَصْلِيَّة فَيَقُول: يدييٌّ وَفِي غدٍ: غدوي وحرٍ: حرحي. والخليل وسيبويه يَقُولُونَ: غدوي

стр. 3434

وحرحي. وَجمع الْيَد الَّتِي هِيَ الْجَارِحَة فِي الْأَكْثَر على أيدٍ وَقد جمعهَا على أياد فِي قَوْله: الرجز قطنٌ سخامٌ بأيادي غزل سخامٌ: ناعم. وَالْيَد الَّتِي هِيَ النِّعْمَة جمعهَا فِي الْأَكْثَر الْأَشْهر على أيادٍ. وَقد جمعوها على الْأَيْدِي وَإِنَّمَا الأيادي جمع الْجمع كَقَوْلِهِم فِي جمع أكلب: أكالب. وَقَوْلهمْ فِي تثنيتها: يدان أَكثر من قَوْلهم: يديان. فهذت مضادٌّ لقَولهم: دمان ودميان. انْتهى. وَكَذَا قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني قَالَ: إِذا قَالُوا فِي النّسَب إِلَى يدٍ يدوي تركُوا عين الْفِعْل محركة بعد الرَّد لأَنهم لَو حذفوا الْحَرَكَة عِنْد رد اللَّام لكَانَتْ اللَّام كَأَنَّهَا لم ترد لِأَنَّهَا قد وَهَذَا قَول أبي عَليّ فِيمَا أَخَذته عَنهُ وَهُوَ يشْهد لصِحَّة قَول سِيبَوَيْهٍ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي تبقية الْحَرَكَة الَّتِي حدثت بعد الْحَذف إِذا رد إِلَى الْكَلِمَة مَا حذف مِنْهَا.) وَأَبُو الْحسن يذهب إِلَى مَا وَجب بالحذف عِنْد رد الْمَحْذُوف وَالْقَوْل قَول سِيبَوَيْهٍ. أَلا ترى أَن الشَّاعِر لما رد الْحَرْف الْمَحْذُوف بقى الْحَرَكَة فِي قَوْله: يديان بيضاوان ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ أَبُو عَليّ: فَإِن قيل: فَمَا تصنع بقوله: الرجز إِن مَعَ الْيَوْم أَخَاهُ غدوا وَقَول الآخر: الطَّوِيل (وَمَا النَّاس إِلَّا كالديار وَأَهْلهَا ... بهَا يَوْم حلوها وغدواً بَلَاقِع)

стр. 3435

أَلا ترى أَنه رد اللَّام وَحذف حَرَكَة الْعين. فَهَذَا يشْهد لصِحَّة قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش. فَالْجَوَاب: أَن الَّذِي قَالَ غدواً لَيْسَ من لغته أَن يَقُول: غَد فيحذف بل الَّذِي يَقُول: غَد غير الَّذِي قَالَ غدواً. انْتهى. قَالَ ابْن المستوفي: الَّذِي قَالَه ابْن جني غير مَا ذكره الْجَوْهَرِي فتثنيته يدين على مَا ذكره ابْن جني صناعية وعَلى مَا ذكره الْجَوْهَرِي لغوية. وَقد تكلم ابْن السّكيت على يَد زِيَادَة على مَا ذكرنَا فِي كتاب الْمُؤَنَّث والمذكر فأحببنا إِيرَاده تتميماً للفائدة. قَالَ: الْيَد مُؤَنّثَة تصغيرها يدية يرد إِلَيْهَا فِي التصغير مَا نقص مِنْهَا والناقص مِنْهَا يَاء. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الشَّاعِر قَالَ: الْكَامِل (يديان بيضاوان عِنْد محلم ... قد تمنعانك مِنْهُمَا أَن تهضما) وَتجمع ثَلَاث أيد ثمَّ جمعوها الأيادي وَلم يَقُولُوا: يَدي بِالضَّمِّ وَلَا أيداء وَهُوَ قِيَاس. فاستغني بأيد وأيادٍ عَنهُ. قَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل (فَلَنْ أذكر النُّعْمَان إِلَّا بصالحٍ ... فَإِن لَهُ عِنْدِي يدياً وأنعما) فَإِن شِئْت جعلت اليدي بِالْفَتْح على جِهَة عصي وعصي وَتركت ضم أَولهَا أَو كَسره لثقل الضَّم وَالْكَسْر فِي الْيَاء. وَإِن شِئْت جعلته جمعا مفتعلاً مثل عبد وَعبيد وكلب وكليب ومعز ومعيز. وَيُقَال: قد يديته أَي: أصبت يَده وَقد يَدي من يَده إِذا شل مِنْهَا. وحَدثني الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ:

стр. 3436

كنت مَعَ أبي الْخطاب عِنْد أبي عمرٍ وفِي مَسْجِد بني عدي فَقَالَ أَبُو عَمْرو: لَا تجمع أيدٍ بالأيادي إِنَّمَا الأيادي للمعروف. قَالَ: فَلَمَّا قمنا قَالَ لي أَبُو الْخطاب:) أما إِنَّهَا فِي علمه وَلم تحضره وَهُوَ أروى لهَذَا الْبَيْت مني: الْخَفِيف انْتهى. قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: المحلم بِكَسْر اللَّام يُقَال: إِنَّه من مُلُوك الْيمن. وصف الْيَد وَهِي النِّعْمَة بالبياض عبارةٌ عَن كرم صَاحبهَا. وَقَوله: عِنْد محلم أَي: لمحلم. يُقَال: عِنْد فلانٍ عطيةٌ أَو مَال أَي: لَهُ ذَلِك. كَذَا فِي المقتبس. قلت: وَجه التَّشْبِيه على مَا ذكره غير ظَاهر وَالْأَظْهَر أَن يُرَاد العضوان وَيُرَاد ببياضهما نقاؤهما وطهارتهما عَن تنَاول مَا لَا يحسن فِي الدَّين والمروءة. وضامه: ظلمه وَكَذَا هضمه. وضهده: قهره. وَقَوله: أَن تضام وتضهدا: مفعول ثَان لقَوْله: تمنعانك يُقَال: مَنعه كَذَا وَمنعه من كَذَا. وروى: قد تنفعانك وَعَلِيهِ فَقَوله: أَن تضام فِي مَحل النصب على الظّرْف أَي: وَقت كونك مَظْلُوما بالنصرة على من يظلمك والإعانة عَلَيْهِ. انْتهى.

стр. 3437

وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي: (يديان بيضاوان عِنْد محرق ... قد تمنعانك مِنْهُمَا أَن تهضما) ومحرق بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة قَالَ صَاحب الْعباب: كَانَ عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة يلقب بالمحرق لِأَنَّهُ حرق مائَة من بني تَمِيم. ومحرق أَيْضا: لقب الْحَارِث ابْن عَمْرو ملك الشَّام من آل وروى ابْن الشجري: ( ... . . عِنْد محلم ... قد تمنعانك أَن تذل وتقهرا) وأنشده ابْن الْأَعرَابِي وَأَبُو عمر الزَّاهِد: ( ... ... عِنْد محلم ... قد تمنعانك بَينهم أَن تهضما) وَرُوِيَ أَيْضا على غير مَا ذكر. وَمَعَ كَثْرَة تداوله فِي كتب اللُّغَة والنحو لم ينْسبهُ أحدٌ إِلَى قَائِله وَلَا ذكر تَتِمَّة لَهُ. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الوافر (فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحنا ... جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين) على أَنه جَاءَ دميان فِي تَثْنِيَة دم.

стр. 3438

وَهُوَ شاذٌّ عِنْد الْجَوْهَرِي لِأَنَّهُ واوي. وَمَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ كَلَام صَاحب الصِّحَاح إِلَى قَوْله: فَإِن قيل إِلَخ. وَصدر كَلَامه: الدَّم أَصله دموٌ بِالتَّحْرِيكِ وَإِنَّمَا قَالُوا: دمي يدمى لحَال الكسرة الَّتِي قبل الْيَاء كَمَا قَالُوا: رَضِي يرضى وَهُوَ من الرضْوَان. وَأنْشد الْبَيْت. وَقَالَ ابْن السراج فِي الصول: وَأما دمٌ فَهُوَ فعل بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّك تَقول: دمي يدمى دَمًا فَهُوَ دم. فَهَذَا مثل فرق يفرق فرقا فَهُوَ فرق. فدمٌ مصدر مثل بطر وحذر. وَهَذَا قَول أبي الْعَبَّاس الْمبرد. وَلَيْسَ عِنْدِي فِي قَوْلهم: دمي يدمى حجَّة لمن ادّعى أَن دَمًا فعل لِأَن قَوْلهم: دمي يدمى دَمًا إِنَّمَا هُوَ فعلٌ ومصدرٌ اشتقا من الدَّم كَمَا اشتق ترب يترب ترباً من التُّرَاب. فَقَوْلهم: دَمًا اسمٌ للْحَدَث وَالدَّم: الشَّيْء الَّذِي هُوَ جسم. وَلَكِن قَوْلهم: دميان دلّ على أَنه فعل. قَالَ الشَّاعِر لما اضْطر: فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحنا ... ... ... ... . . الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَأما دم فقد استبان أَنه من الْيَاء لقَوْل بعض الْعَرَب دميان. وَقَالَ بَعضهم: دموان. فمما دلّ على أَنه من الْوَاو أَكثر لأَنهم قد قَالُوا هنوان وَأَخَوَانِ وأبوان. انْتهى كَلَامه. وَهَذَا مَأْخَذ كَلَام الصِّحَاح. وَقد رد ابْن جني بعض هَذَا فِي شرح تصريف الْمَازِني وأيد مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وزن شَاة فعلة سَاكِنة الْعين. هَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَكلمت بعض

стр. 3439

الشُّيُوخ من أَصْحَابنَا بِمَدِينَة السَّلَام فِي الْعين مِنْهَا هَل هِيَ سَاكِنة أم متحركة فَادّعى أَنَّهَا متحركة فَسَأَلته عَن الدّلَالَة على ذَلِك فَقَالَ: انقلابها ألفا يدل على أَنَّهَا متحركة لِأَنَّهَا لَو كَانَت سَاكِنة لوَجَبَ إِثْبَاتهَا كَمَا ثبتَتْ فِي حَوْض وثوب. فَقلت لَهُ: أَنا وَأَنت مجمعان على) أَن سُكُون الْعين هُوَ الأَصْل وَأَن الْحَرَكَة زَائِدَة وَحكم الزِّيَادَة أَن لَا تثبت إِلَّا بِدَلِيل. فَأَما قَوْلك انقلابها دليلٌ على الْحَرَكَة فَغير لَازم لِأَن الْحَرَكَة الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا دَخَلتهَا لمجاورتها تَاء التَّأْنِيث وَقد أجمعنا على أَن تَاء التَّأْنِيث يفتح مَا قبلهَا وَإِن سُكُون الْعين هُوَ الأَصْل حَتَّى تقوم دلالةٌ على الْحَرَكَة. وَأما انقلاب الْعين فَإِنَّمَا هُوَ لما حدث فِيهَا من الْفَتْح عِنْد مجاورتها تَاء التَّأْنِيث فَوقف الْكَلَام هُنَاكَ. وَكَأَنَّهَا كَانَت شوهة فَلَمَّا حذفت الْهَاء بقيت شوةٌ ففتحوا الْوَاو لتاء التَّأْنِيث فَصَارَ شوة فَانْقَلَبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا. فَإِن قيل: مَا تنكر أَن تكون فعلة لِأَن اللَّام لما ردَّتْ وأبدلت فِي شَاءَ همزَة بقيت الْألف بِحَالِهَا. وَلَو كَانَت إِنَّمَا انفتحت الْعين لمجاورتها التَّاء لوَجَبَ إِذا رجعت اللَّام وزالت التَّاء أَن تعود إِلَى سكونها فَيُقَال: شوةٌ أَو شوءٌ إِذا أبدلت الْهمزَة قيل: هَذَا لَا يلْزم لِأَن الْعين لما تحركت لمجاورتها التَّاء ثمَّ

стр. 3440

ردَّتْ اللَّام بعد ذَلِك تركت الفتحة فِي الْعين بِحَالِهَا قبل الرَّد. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ. أَلا ترى أَنه لم يكن عِنْده فِي قَول الشَّاعِر: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين دلالةٌ على تحرّك الْعين من دم لِأَنَّهَا لما أجري عَلَيْهَا الْإِعْرَاب فِي قَوْلهم: دمٌ ودماً ودمٍ ثمَّ رد اللَّام فِي التَّثْنِيَة بقى الْحَرَكَة فِي الْعين على مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الرَّد كَمَا قَالَ الآخر: يديان بيضاوان عِنْد محلم وَقد أَجمعُوا على سُكُون الْعين من يَد. وَقد ترَاهُ قَالَ: يديان فحركها عِنْد الرَّد لِأَنَّهَا قد جرت محركة قبل الرَّد. وَالْقَوْل فِيهِ مثله فِي الدميان. وَغَيره من أَصْحَابنَا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس يذهب إِلَى ترك الْعين من دم لِأَنَّهُ مصدر دميت دَمًا مثل: هويت هوى. قَالَ أَبُو بكر بن السراج: وَلَيْسَ ذَلِك بِشَيْء. ثمَّ أورد مَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام ابْن السراج. وَحَاصِل كَلَامه أَن دَمًا أَصله سُكُون الْعين وَأَن لامه يَاء قَالَ: إِن الْأَخْفَش يخْتَار أَن يكون الْمَحْذُوف من ابْن الْوَاو لِأَن أَكثر مَا يحذف الْوَاو لثقلها وَالْيَاء تحذف أَيْضا لِأَنَّهَا تثقل. وَالدَّلِيل على هَذَا أَن يدا قد أَجمعُوا أَن الْمَحْذُوف مِنْهُ الْيَاء وَلَهُم

стр. 3441

دَلِيل) قَاطع من الْإِجْمَاع. يُقَال: يديت إِلَيْهِ يدا. وَدم مَحْذُوف مِنْهُ الْيَاء يُقَال: دمٌ ودميان. قَالَ الشَّاعِر: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين والبنوة لَيْسَ بشاهدٍ قاطعٍ فِي الْوَاو لأَنهم يَقُولُونَ: الفتوة والتثنية فتيَان فابنٌ يجوز أَن يكون الْمَحْذُوف مِنْهُ الْوَاو وَالْيَاء وهما عِنْدِي متساويان. اه. وَقد حكى الْخلاف ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فِي كَون الْعين محركة أَو سَاكِنة وَفِي كَون اللَّام يَاء أَو واواً وَرجح كَونهَا يَاء قَالَ: وَدم عِنْد بعض التصريفيين دميٌ سَاكن الْعين قَالُوا: لِأَن الأَصْل فِي هَذِه المنقوصات أَن تكون أعينها سواكن حَتَّى يقوم دليلٌ على الْحَرَكَة من حَيْثُ كَانَ السّكُون هُوَ الأَصْل وَالْحَرَكَة طارئة. قَالُوا: وَلَيْسَ ظُهُور الْحَرَكَة فِي دميان دَلِيلا على أَن الْعين متحركة فِي الأَصْل لِأَن الِاسْم إِذا حذفت لامه واستمرت حركات الْإِعْرَاب على عينه ثمَّ أُعِيدَت اللَّام فِي بعض تصاريف الْكَلِمَة ألزموا الْعين الْحَرَكَة. وَقَالَ من خَالف أَصْحَاب هَذَا القَوْل: أصل دمٍ دميٌ بِفَتْح الْعين لِأَن بعض الْعَرَب قلبوا لامه ألفا فألحقوه بِبَاب رَحا فَقَالُوا: هَذَا دمٌ ودماً كرحاً. وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي تثنيته دمان فَلم يردوا اللَّام كَمَا قَالُوا فِي تَثْنِيَة يدٍ يدان. وَالْوَجْه أَن يكون الْعَمَل على الْأَكْثَر. وَكَذَلِكَ حكى قومٌ دموان. والأعرف فِيهِ الْيَاء. وَعَلِيهِ أنشدوا: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين

стр. 3442

قَالَ بعض أهل اللُّغَة: من الْعَرَب من يَقُول: الدَّم بِالتَّشْدِيدِ كَمَا تلفظ الْعَامَّة وَهِي لُغَة ردية. وأنشدوا لتأبط شرا: الرجز (حَيْثُ الْتَقت بكرٌ وفهمٌ كلهَا ... وَالدَّم يجْرِي بَينهم كالجدول) والعامة تفعل مثل هَذَا فِي الْفَم. وَمن الْعَرَب من يشدد الْفَم أَيْضا. وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الشّعْر قَالَ: يَا ليتها قد خرجت من فَمه انْتهى.) والجحر بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: الشق فِي الأَرْض. وَقَوله: جرى الدميان إِلَخ أَرَادَ بالْخبر الْيَقِين مَا اشْتهر عِنْد الْعَرَب من أَنه لَا يمتزج دم المتباغضين. وَهَذَا تلميحٌ فِي غَايَة الْحسن أَي: لما امتزجا وَعرف مَا بَيْننَا من الْعَدَاوَة. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ لم يخْتَلط دمي وَدَمه من بغضي لَهُ وبغضه لي بل يجْرِي دمي يمنةً وَدَمه يسرة. ويوضحه قَول المتلمس من قصيدة: الطَّوِيل (أحارث إِنَّا لَو تساط دماؤنا ... تزايلن حَتَّى لَا يمس دمٌ دَمًا) وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة المتلمس من كتاب الشُّعَرَاء: هَذَا الْبَيْت من إفراطه. يَقُول: إِن دِمَاءَهُمْ تنماز من دِمَاء غَيرهم. وَهَذَا محالٌ لَا يكون أبدا. وَكَذَا قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد. وتساط بِالسِّين الْمُهْملَة يَعْنِي: تخلط. وَمِنْه قَول الْعَامَّة: لَو خلط دمي بدمه لما اخْتَلَط أَي: لباينه من شدَّة الْعَدَاوَة وَلم يمازجه.

стр. 3443

وَقَالَ الأندلسي: مَعْنَاهُ لَو ذبحنا على جحرٍ وَاحِد لامتزجت دماؤنا بدمائكم. يصف مَا بَينهمَا من الْعَدَاوَة. وَهَذَا خلاف الْمَعْنى وَالصَّوَاب: لما امتزجت دماؤنا. وَنقل بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل أَن معنى الْبَيْت: لَو ذبحنا على جحرٍ لعلم من الشجاع منا من الجبان بجري دَمه وجموده لِأَن من زعمهم أَن دم الشجاع يجْرِي وَدم الجبان وَلَا يخفى أَن هَذَا الْمَعْنى غير صَحِيح هُنَا بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ: الوافر (لعمرك إِنَّنِي وَأَبا رياحٍ ... على حَال التكاشر مُنْذُ حِين) (ليبغضني وأبغضه وَأَيْضًا ... يراني دونه واراه دوني) فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحنا ... ... ... ... . الْبَيْت هَكَذَا روى الأبيات الثَّلَاثَة ابْن دُرَيْد فِي كِتَابه الْمُجْتَبى عَن عبد الرَّحْمَن عَن عَمه الْأَصْمَعِي ونسبها لعَلي بن بدال بن سليم. والتكاشر: المباسطة من الكشر وَهُوَ التبسم. وروى ابْن دُرَيْد بدله فِي الجمهرة: على طول التجاور. وعَلى بِمَعْنى مَعَ. وَقد أَدخل هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة صَاحب الحماسة البصرية فِي قصيدة المثقب الْعَبْدي. وَأنْشد بعْدهَا:

стр. 3444

الوافر) (فإمَّا أَن تكون أخي بصدقٍ ... فأعرف مِنْك غثي من سميني) (وَإِلَّا فاطر حني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني) وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده والعيني أَيْضا فِي شرح شَوَاهِد شُرُوح الألفية وَلم يوردها أحد فِي هَذِه القصيدة. وَقد رجعت إِلَى ديوانه فَلم أَجدهَا فِي هَذِه القصيدة. وَرَوَاهَا الْمفضل فِي المفضليات عَارِية عَنْهَا وَلم يُنَبه عَلَيْهَا أحد من شراحهم كَابْن الْأَنْبَارِي وَغَيره. وَقَالَ ابْن المستوفي: رَأَيْت هَذِه الأبيات فِي كتاب نحوٍ قديم منسوبةً للفرزدق. ووجدتها أَيْضا فِي نُسْخَة قديمَة ذكر كاتبها أَنَّهَا زيادات الحماسة كتبهَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن فِي ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة ونسبها لمرداس بن عمرٍ و. وَقَالَ: وتروى للأخطل. ووجدتها فِي نَوَادِر اللحياني أبي الْحسن عَليّ بن حَازِم قد أنشدها لأوس. انْتهى كَلَام ابْن المستوفي. وَابْن دُرَيْد هُوَ الْمرجع فِي هَذَا الْأَمر فَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بقوله. وَالله أعلم. وعَليّ بن بدال بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الدَّال وَآخره لَام.

стр. 3445

وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الطَّوِيل (فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا يقطر الدما) على أَن الْمبرد اسْتدلَّ بِهِ بِأَن الدَّم أَصله فعل بتحريك الْعين ولامه يَاء محذوفة بِدَلِيل أَن الشَّاعِر لما اضْطر أخرجه على أَصله وَجَاء بِهِ على الْوَضع الأول. فَقَوله الدما بِفَتْح الدَّال فَاعل يقطر والضمة مقدرَة على الْألف لِأَنَّهُ اسمٌ مَقْصُور وَأَصله دميٌ تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا. وَالدَّلِيل على أَن اللَّام ياءٌ قَوْلهم فِي التَّثْنِيَة: دميان وَفِي الْفِعْل: دميت يَده. هَذَا مُحَصل مدعاه وَهُوَ إِنَّمَا يتم على أَن فتح الْمِيم قبل حذف اللَّام وعَلى أَن الدما بِمَعْنى الدَّم وعَلى أَن يقطر بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة. وَفِي كل وَاحِد بحث. أما الأول فَمَمْنُوع وَإِنَّمَا فَتْحة الْمِيم حادثةٌ بعد حذف اللَّام وَهُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَن الْحَرَكَة عِنْده إِذا حدثت لحذف حرف ثمَّ رد الْمَحْذُوف ثبتَتْ الْحَرَكَة الَّتِي كَانَت قد جرت على السَّاكِن قبل دُخُولهَا عَلَيْهِ بِحَالِهَا. وَيشْهد لَهُ قَوْلهم: يديان فَإِنَّهُم أَجمعُوا على سُكُون الْعين من يَد من غير خلاف. وَقد نراهم قَالُوا: يديان فحركوا عِنْد الرَّد لِأَنَّهَا قد جرت محركة قبل رد اللَّام.

стр. 3446

وَأما الثَّانِي فممنوعٌ أَيْضا لاحْتِمَال أَنه مصدر دمي دَمًا كفرح يفرح فَرحا. قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني: دَمًا: مصدر دميت يَده لَا بِمَعْنى الدَّم. وَلَكِن على أقدامنا يقطر الدما فالدما فِي مَوضِع رفع وَهُوَ مصدر مَقْصُور على فعل وَتَقْدِيره على حذف مُضَاف. وَكَذَا قَول الشَّاعِر: الرمل (كأطومٍ فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس مِنْهُ عدما) (غفلت ثمَّ أَتَت ترقبه ... فَإِذا هِيَ بعظامٍ ودما) فَإِنَّهُ أوقع الْمصدر فيهمَا موقع الْجَوْهَر وتأويله عِنْدِي على حذف الْمُضَاف كَأَنَّهُ قَالَ: يقطر ذُو الدمى وَإِذا هِيَ بعظام وَذي دمًى. انْتهى. والأطوم بِفَتْح الْألف وَضم الطَّاء: الْبَقَرَة الوحشية. والبرغز بِضَم الْمُوَحدَة فالغين الْمُعْجَمَة) وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة بَينهمَا وَآخره زَاي هُوَ وَلَدهَا. والغبس: جمع أغبس وَهِي الذئاب وَقيل: هِيَ الْكلاب. والدما فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا خَفَاء فِي كَونه بِمَعْنى الدَّم والتأويل خلاف الظَّاهِر. وَأما الثَّالِث فقد رُوِيَ أَيْضا بالنُّون وبالتاء الْفَوْقِيَّة. أما الأول فقد قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: اخْتلفُوا فِي نصب الدَّم وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة: على أقدامنا تقطر الدما

стр. 3447

بالنُّون أَي: نقطر دَمًا من جراحنا. انْتهى. وَأما الرِّوَايَة بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّة فقد رَوَاهَا شرَّاح الحماسة وَقَالُوا: قطر فعلٌ متعدٍّ مسندٌ إِلَى ضمير الكلوم. فالدما على هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ مفعول بِهِ يحْتَمل أَنه مَقْصُور كَمَا قَالَ الْمبرد وَيحْتَمل أَنه الدَّم مَنْقُوص وألفه للإطلاق. وَحِينَئِذٍ يسْقط الِاسْتِدْلَال على أَنه مَقْصُور. وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة وَتَبعهُ التبريزي وَغَيره: وَإِن شِئْت جعلت الدَّم مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز كَأَنَّهُ قَالَ: تقطر دَمًا وَأدْخل الْألف وَاللَّام وَلم يعْتد بهما. وَقَالَ فِي شرح الفصيح: وَبَعْضهمْ يَجْعَل الدما تمييزاً وَلَا يعْتد بِالْألف وَاللَّام أَرَادَ تقطر كلومنا دَمًا أَي: من الدَّم كَمَا فِي قَوْله: الوافر وَلَا بفزارة الشّعْر الرقابا وَمَا أشبهه. وَيجوز فِي هَذَا الْوَجْه أَن تنصبه على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ كَمَا يفعل بقوله: هُوَ الْحسن وَجها. انْتهى. أَقُول: قد أَخطَأ أَبُو عليٍّ الْوَجْه الأول فِي الْمسَائِل البصرية قَالَ: وَحمل الدما على التَّمْيِيز خطأ. انْتهى. وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فَلَيْسَ على منوال مَا مثل بِهِ. وَزَاد ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَقَالَ: رُوِيَ: تقطر الدما

стр. 3448

بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَضمّهَا. أما الأول فَلِأَن قطر متعدٍّ. وَقد جَاءَ تقطر الدما مُتَعَدِّيا ناصباً للدم فِي قَول الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب لأبي طَالب حِين قتل خِدَاش بن عَلْقَمَة بن عَامر من أَبْيَات عدتهَا ثَلَاثَة عشر بَيْتا أوردهَا أَبُو تَمام فِي آخر كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهُوَ: الطَّوِيل (أَبى قَومنَا أَن ينصفونا فأنصفت ... قواطع فِي أَيْمَاننَا تقطر الدما) وَأورد السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاه والنظائر مجْلِس ثَعْلَب مَعَ جمَاعَة من النَّحْوِيين نَقله من كتاب غرائب) مجَالِس النَّحْوِيين للزجاجي قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان قَالَ: كُنَّا عِنْد أبي الْعَبَّاس ثَعْلَب فأنشدنا: (فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا يقطر الدما) فسألنا: مَا تَقولُونَ فِيهِ فَقُلْنَا: الدَّم فاعلٌ جَاءَ على الأَصْل. فَقَالَ: هَكَذَا رِوَايَة أبي عبيد. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: هَذَا غلط وَإِنَّمَا الرِّوَايَة: تقطر الدما منقوطة من فَوْقهَا وَالْمعْنَى: وَلَكِن على أقدامنا تقطر الكلوم الدما فَيصير مَفْعُولا بِهِ. وَيُقَال: قطر المَاء وقطرته أَنا. وأنشدنا: فَإِذا هِيَ بعظام ودما الْبَيْتَيْنِ

стр. 3449

وَقَالَ: كَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: إِنَّمَا الرِّوَايَة بِكَسْر الدَّال ثمَّ قصر الْمَمْدُود. انْتهى. وَهُوَ من أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة للحصين بن الْحمام المري وأوردها الأعلم الشنتمري فِي حماسته أَيْضا وَهِي: الطَّوِيل (تَأَخَّرت أستبقي الْحَيَاة فَلم أجد ... لنَفْسي حَيَاة مثل أَن أتقدما) (فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدما) (نفلق هاماً من رجالٍ أعزةٍ ... علينا وهم كَانُوا أعق وأظلما) وَقَوله: تَأَخَّرت أستبقي الْحَيَاة إِلَخ قَالَ الطبرسي فِي شَرحه: يَقُول: نكصت على عَقبي رَغْبَة فِي الْحَيَاة فَرَأَيْت الْحَيَاة فِي التَّقَدُّم. وَقَالَ المرزوقي: يجوز أَن يكون هَذَا مثل قَوْلهم: الشجاع موقى أَي: تتهيبه الأقران فيتحامونه فَيكون ذَلِك وقايةً لَهُ. وَفِي طَرِيقَته قَول الآخر: المتقارب (يخَاف الجبان يرى أَنه ... سيقتل قبل انْقِضَاء الْأَجَل) (وَقد تدْرك الحادثان الجبان ... وَيسلم مِنْهَا الشجاع البطل) وَمثله قَول الآخر: المتقارب (نهين النُّفُوس وهون النفو ... س يَوْم الكريهة أوقى لَهَا) وَيجوز أَن يَقُول: أحجمت مستبقياً لعيشي فَلم أجد لنَفْسي عَيْشًا كَمَا يكون فِي الْإِقْدَام وَذَلِكَ وَمن ذكر بالجميل وتحدث عَنهُ بالبلاء

стр. 3450

حَيّ ذكره واسْمه وَإِن ذهب أَثَره وجسمه. وَقَوله: حَيَاة مثل أَن أتقدما مَعْنَاهُ حَيَاة تشبه الْحَيَاة المكتسبة فِي التَّقَدُّم وبالتقدم.) وَقَوله: فلسنا على الأعقاب إِلَخ الأعقاب: جمع عقب بِفَتْح فَكسر هُوَ مُؤخر الْقدَم. والكلوم: جمع كلم بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ الْجرْح. قَالَ المرزوقي: أَرَادَ: لسنا بدامية الكلوم على الأعقاب. وَلَو لم يَجْعَل الْإِخْبَار على أنفسهم لَكَانَ الْكَلَام: لَيست كلومنا بداميةٍ على الأعقاب. فَيَقُول: نتوجه نَحْو الْأَعْدَاء فِي الْحَرْب وَلَا نعرض عَنْهُم فَإِذا جرحنا كَانَت الْجِرَاحَات فِي مقدمنا لَا فِي مؤخرنا وسالت الدِّمَاء على أقدامنا لَا على أعقابنا. وَمثله قَول الْقطَامِي: الْبَسِيط (لَيست تجرح فِرَارًا ظُهُورهمْ ... وَفِي النحور كلومٌ ذَات أبلاد) انْتهى. وَقد أورد ابْن هِشَام صَاحب السِّيرَة هَذَا الْبَيْت فِي سيرته وَتَبعهُ الشَّامي فَأوردهُ فِي سيرته أَيْضا قَالَا: إِن من جملَة من فر يَوْم بدرٍ خَالِد بن الأعلم وَهُوَ الْقَائِل: (ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... وَلَكِن على أقدامنا تقطر الدما) فَظَاهره أَنه قَائِل هَذَا الْبَيْت. وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا قَالَه متمثلاً بِهِ. وَقَوله: نفلق هاماً إِلَخ قَالَ المرزوقي: يَقُول: نشقق هامات من

стр. 3451

رجالٍ يكرمون علينا لأَنهم منا وهم كَانُوا أسبق إِلَى العقوق وأوفر ظلما لأَنهم بدؤونا بِالشَّرِّ وألجؤونا إِلَى الْقِتَال فَنحْن منتقمون ومجازون. انْتهى. وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي: أصل العقوق الْقطع يُقَال: عق الرَّحِم كَمَا يُقَال: قطعهَا. وَجمع الْعَاق أعقةٌ وَهُوَ جمع نَادِر. انْتهى. وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة من قصيدة عدتهَا واحدٌ وَأَرْبَعُونَ بَيْتا للحصين بن الْحمام وَهُوَ شَاعِر جاهلي أوردهَا الْمفضل فِي المفضليات وَلَيْسَ البيتان الْأَوَّلَانِ من الثَّلَاثَة موجودين فِي رِوَايَة الْمفضل. وَالْبَيْت الثَّالِث فِي رِوَايَته إِنَّمَا هُوَ: يفلقن بالنُّون لِأَنَّهُ ضمير السيوف فِي بيتٍ قبله وَهُوَ: (صَبرنَا وَكَانَ الصَّبْر منا سجيةً ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما) وَقد تقدم أبياتٌ كَثِيرَة مِنْهَا مشروحةٌ مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الِاسْتِثْنَاء.) وَقد أورد ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه منشأ هَذِه القصيدة فَقَالَ: كَانَت بَنو سعد بن ذبيان قد أحلبت على بني سهم مَعَ بني صرمة وأحلبت مَعَهم محَارب بن خصفة فَسَارُوا إِلَيْهِم وَرَئِيسهمْ حميضة بن حَرْمَلَة الصرمي وَنَكَصت عَن حُصَيْن ابْن الْحمام قبيلتان وهما عدوان بن وائلة بن سهم فَلم يكن مَعَه إِلَّا بَنو وائلة بن سهم والحرقة

стр. 3452

فَسَار إِلَيْهِم فَلَقِيَهُمْ الْحصين وَمن مَعَه بدارة مَوْضُوع فظفر بهم وَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم فَأكْثر. فَلذَلِك يَقُول الْحصين بن الْحمام: الطَّوِيل (وَلَا غرو إِلَّا يَوْم جَاءَت محاربٌ ... يقودون ألفا كلهم قد تكتبا) (موَالِي موالينا ليسبوا نِسَاءَنَا ... أثعلب قد جئْتُمْ بنكراء ثعلبا) وَإِنَّمَا سَارَتْ إِلَيْهِم محاربٌ للحلف الَّذِي كَانَ بَينهم. فَقَالَ الْحصين: الطَّوِيل (أيا أخوينا من أَبينَا وَأمنا ... إِلَيْكُم وَعند الله وَالرحم الْعذر) انْتهى. وأحلب بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال للْقَوْم إِذا جاؤوا من كل أَوب للنصرة: قد أحلبوا. والمحلب: النَّاصِر. ويعجبني من آخر هَذِه القصيدة قَوْله: (فلست بمبتاع الْحَيَاة بسبةٍ ... وَلَا مبتغٍ من رهبة الْمَوْت سلما) يَقُول: لَا أَشْتَرِي الْحَيَاة بِمَا أسب عَلَيْهِ وأعير بِهِ وَلَا أطلب النجَاة من الْمَوْت لِأَنِّي أعلم أَن الْمَوْت لَا بُد مِنْهُ. يَعْنِي: من طلب النجَاة من الْمَوْت احْتمل الذل وَمن علم أَنه ميت لَا محَالة لم يحْتَمل المذلة. والْحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَالْحمام بِضَم الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم. والمري نِسْبَة إِلَى مرّة وَهُوَ أَبُو قَبيلَة وَهُوَ مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان. وَسَهْم وصرمة أَخَوان وهما ابْنا مرّة. وَوَائِلَة هُوَ ابْن سهم. وَالْحصين من بني وائلة وَهُوَ الْحصين بن الْحمام بن ربيعَة بن

стр. 3453

مساب بن حران بن وائلة. وحميضة بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن حَرْمَلَة بن الْأَشْعر بن إِيَاس بن مريطة بن ضرمة بن صرمة بن مرّة. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الرجز (يَا رب سارٍ بَات مَا توسدا ... إِلَّا ذِرَاع العنس أَو كف اليدا) على أَن السيرافي اسْتدلَّ بِهِ على أَن يدا أَصله فعل بتحريك الْعين. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: بعض الْعَرَب يَقُول: لليد يدا مثل رحى. وَأنْشد الشّعْر. وتثنيتها على قَالَ الشَّاعِر: (يديان بيضاوان عِنْد محرق ... قد تمنعانك مِنْهُمَا أَن تهضما) انْتهى. وَتَبعهُ ابْن يعِيش بقوله: وَالَّذِي أرَاهُ أَن بعض الْعَرَب يَقُول فِي الْيَد يدا. إِلَى آخر مَا ذكره صَاحب الصِّحَاح. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الأضداد: أنْشد الْفراء: يَا رب سارٍ بَات مَا توسدا إِلَخ أَي: كَانَ ذِرَاع النَّاقة لَهُ بِمَنْزِلَة الوسادة. وَمَوْضِع الْيَد خفضٌ بِإِضَافَة الْكَفّ إِلَيْهَا وَثبتت الْألف فِيهَا وَهِي مخفوضة لِأَنَّهَا شبهت بالرحى والفتى والعصا. وعَلى هَذَا قَالَت جماعةٌ من الْعَرَب: قَامَ أَبَاك وَجلسَ أَخَاك فشبهوهما بعصاك ورحاك. هَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا. وَقَالَ غَيرهم: مَوضِع الْيَد نصبٌ

стр. 3454

بكف وكف فعلٌ مَاض من قَوْلك: قد كف فلَان الْأَذَى عَنَّا. انْتهى كَلَامه. فَتَأمل كَلَامه. ويَا: حرف تَنْبِيه. ورب: حرف جر. وسَار: اسْم فَاعل من سرى فِي اللَّيْل. وَاسم بَات وَيجوز أَن تكون بَات تَامَّة وَجُمْلَة: مَا توسدا حالٌ من ضمير فاعلها. وتوسد: بِمَعْنى اتخذ وسَادَة. والعنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة الشَّدِيدَة. ويروى: العيس بِالْكَسْرِ وبالمثناة التَّحْتِيَّة وَهِي الْإِبِل الْبيض الَّتِي يخالط بياضها شيءٌ من الشقرة وَاحِدهَا أعيس وَالْأُنْثَى عيساء. يَقُول: أَكثر من يسير اللَّيْل لم يتوسد للاستراحة إِلَّا ذِرَاع نَاقَته المعقولة أَو كف يَده. وَجَوَاب رب مَحْذُوف تَقْدِيره: لَقيته أَو مذكورٌ فِي بَيت بعده.) وَلَا يَصح أَن يكون جوابها مَا توسد. فَتَأمل. وَهَذَا الرجز لم أَقف على قَائِله وَلَا تتمته. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الطَّوِيل (هما خطتا إِمَّا إسارٌ ومنةٌ ... وَإِمَّا دمٌ وَالْقَتْل بِالْحرِّ أَجْدَر) على أَن نون التَّثْنِيَة قد تحذف للضَّرُورَة كَمَا هُنَا فَإِن الأَصْل: هما خطتان.

стр. 3455

قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: فِي رفع إسار حذف نون الْمثنى من خطتان. وَفِي جَرّه الْفَصْل بَين المتضايفين بإما. فَلم يَنْفَكّ الْبَيْت عَن ضَرُورَة. انْتهى. وَقد تكلم على الْوَجْهَيْنِ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة بكلامٍ لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الْحسن. قَالَ: أما الرّفْع فظريف الْمَذْهَب وَظَاهر أمره أَنه على لُغَة من حذف نون التَّثْنِيَة لغير إِضَافَة فقد حُكيَ ذَلِك. وَمِمَّا يعزى إِلَى كَلَام الْبَهَائِم قَول الحجلة للقطاة: بيضك ثنتا وبيضي مِائَتَا أَي: ثِنْتَانِ ومائتان. وَقَول الآخر: الطَّوِيل (لنا أعنزٌ لبنٌ ثلاثٌ فبعضها ... لأولادها ثنتا وَمَا بَيْننَا عنز) وَذهب الْفراء فِي قَوْله: المتقارب (لَهَا متنتان خظاتا كَمَا ... أكب على ساعديه النمر) إِلَى أَنه أَرَادَ خظاتان فَحذف النُّون اسْتِخْفَافًا. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الآخر: الهزج (ومتنان خظاتان ... كزحلوفٍ من الهضب) وَقد تقصيت القَوْل على هَذَا الْموضع فِي كتابي سر الصِّنَاعَة. فعلى هَذَا يَجِيء قَوْله: (هما خطتا إِمَّا إسارٌ ومنةٌ ... وَإِمَّا دمٌ ... ... ... . .)

стр. 3456

فَإِن قلت: فَإِذا كَانَ بالتثنية قد أثبت شَيْئَيْنِ فَكيف فسر بِالْوَاحِدِ فَقَالَ: إِمَّا وَإِمَّا وهما يثبتان الْوَاحِد كَمَا تثبته أَو. فَالْجَوَاب: أَنه تصور أَمريْن واعتقد أَنه لَا بُد من أَحدهمَا وَعلم أَن الْمَحْصُول عَلَيْهِ أَحدهمَا لَا كِلَاهُمَا ففسر مَا تصَوره وهما شَيْئَانِ بِمَا يحصل عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَاحِد كَمَا يخص بعد الْعُمُوم فِي) نَحْو قَوْلك: ضربت زيدا رَأسه وَلَقِيت بني فلَان نَاسا مِنْهُم. فَإِن قلت: فَهَلا حَملته على حذف الْمُضَاف فَكَانَ أقرب مذهبا وأيسر مُتَوَهمًا حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: هما إِحْدَى خطتين قيل: يمْنَع من ذَلِك قَوْله: هما وهما لَا يكون خَبره مُفردا. أَلا ترى لَا تَقول: أَخَوَاك جَالس وَلَا نَحْو ذَلِك. فَلذَلِك انصرفنا عَن هَذَا الْوَجْه إِلَى الَّذِي قبله. وَيجوز عِنْدِي فِيهِ وجهٌ أَعلَى من هَذَا الضعْف حذف نون التَّثْنِيَة عندنَا وَهُوَ أَن يكون على وَجه الْحِكَايَة حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: هما خطتا قَوْلك: إِمَّا إسار ومنة وَإِمَّا دم فتحذف النُّون على هَذَا للإضافة الْبَتَّةَ. وَأما من جر إِمَّا إسار ومنة وَإِمَّا دم فَأمره وَاضح. وَذَلِكَ أَنه حذف النُّون من خطتان للإضافة وَلم يعْتد إِمَّا فاصلاً بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ. وعَلى هَذَا تَقول: هما غُلَاما إِمَّا

стр. 3457

وأجود من هَذَا أَن تَقول: هما إِمَّا خطتا إسارٍ ومنة وَإِمَّا دمٌ. وَإِن شِئْت: وَإِمَّا خطتا دم. فَإِن قلت: إِن إِمَّا مثل أَو فِي أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا توجب أحد الشَّيْئَيْنِ فترجع بك الْحَال إِذن إِلَى أَنَّك كَأَنَّك قلت: هما خطتا أحد هذَيْن الْأَمريْنِ. وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك إِنَّمَا الْمَعْنى هما خطتان إِحْدَاهمَا كَذَا وَالْأُخْرَى كَذَا. وَلَيْسَت أَيْضا كل وَاحِدَة من الخطتين للإسار وَالدَّم جَمِيعًا إِنَّمَا أَحدهمَا لأَحَدهمَا على مَا تقدم. فَالْجَوَاب: أَن سَبَب جَوَاز ذَلِك هُوَ أَن كل وَاحِد من الإسار وَالدَّم لما كَانَ معرضًا لكل واحدةٍ من الخطتين يصلح أَن يصير بِصَاحِب الخطة إِلَيْهِ أطلقا جَمِيعًا على كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِأَن أضيفا إِلَيْهِ وَجعل مفضًى لَهُ ومظنة مِنْهُ. وَنَحْو مِنْهُ قَول الله ﵎: وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله وَلم يَجْعَل كل وَاحِد من اللَّيْل وَالنَّهَار لكل واحدٍ من السّكُون والابتغاء وَإِنَّمَا جعل اللَّيْل للسكون وَالنَّهَار للابتغاء فخلط الْكَلَام اكْتِفَاء بِمَعْرِِفَة المخاطبين بِوَقْت السّكُون من وَقت الابتغاء. انْتهى. وَالْبَيْت من أحد عشر بَيْتا لتأبط شرا أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة هَكَذَا: الطَّوِيل (إِذا الْمَرْء لم يحتل وَقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وَهُوَ مُدبر) ...

стр. 3458

(فَذَاك قريع الدَّهْر مَا عَاشَ حولٌ ... إِذا سد مِنْهُ منخرٌ جاش منخر)) (أَقُول للحيان وَقد صفرت لَهُم ... وطابي ويومي ضيق الْحجر معور) (هما خطتا إِمَّا إسارٍ ومنةٍ ... وَإِمَّا دمٍ وَالْقَتْل بِالْحرِّ أَجْدَر) (وَأُخْرَى أصادي النَّفس عَنْهَا وَإِنَّهَا ... لمورد حزمٍ إِن فعلت ومصدر) (فرشت لَهَا صَدْرِي فزل عَن الصَّفَا ... بِهِ جؤجؤٌ عبلٌ ومتنٌ مخصر) (فخالط سهل الأَرْض لم يكدح الصَّفَا ... بِهِ كدحةً وَالْمَوْت خزيان ينظر) (فَأَبت إِلَى فهمٍ وَمَا كدت آيباً ... وَكم مثلهَا فارقتها وَهِي تصفر) وَأورد صَاحب الأغاني أول الأبيات أَقُول للحيان والأبيات الثَّلَاثَة قبله بعد قَوْله: فَأَبت إِلَى فهم ... . . الْبَيْت. وَخبر هَذِه الأبيات أَن تأبط شرا كَانَ يشتار عسلاً فِي غارٍ من بِلَاد هُذَيْل وَكَانَ يَأْتِيهِ كل عَام وَأَن هذيلاً ذكر لَهَا ذَلِك فرصدته لوقت حَتَّى إِذا هُوَ جَاءَ وَأَصْحَابه تدلى فَدخل الْغَار. فأغارت هذيلٌ على أَصْحَابه وأنفروهم ووقفوا على الْغَار فحركوا الْحَبل فَأطلع رَأسه فَقَالُوا: اصْعَدْ. قَالَ: فعلام أصعد على الطلاقة وَالْفِدَاء قَالُوا: لَا شَرط لَك. قَالَ: أفتراكم آخذي وقاتلي وآكلي جنائي. لَا وَالله لَا أفعل ثمَّ جعل يسيل الْعَسَل على فَم الْغَار ثمَّ عمد إِلَى زقٍّ فشده على صَدره ثمَّ لصق بالعسل وَلم يزل يتزلق عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ سليما إِلَى أَسْفَل الْجَبَل فَنَهَضَ وفاتهم وَبَين مَوْضِعه الَّذِي وَقع فِيهِ وَبينهمْ مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام.

стр. 3459

وَقَوله: إِذا الْمَرْء لم يحتل إِلَخ الْحِيلَة من حَال الشَّيْء إِذا انْقَلب عَن جِهَته كَأَن صَاحبهَا يُرِيد أَن يستنبط مَا تحول عِنْد غَيره وَلذَلِك يُقَال: فلانٌ حولٌ قلب. وجد جده: ازْدَادَ جده جدا. وَالْجد بِالْكَسْرِ: الِاجْتِهَاد. وأضاع: وجد أمره ضائعاً أَو بِمَعْنى ضيع. وَالْمعْنَى عالج أمره مُدبرا فِيهِ غير مقبل. أَي: إِذا الْمَرْء لم يطْلب رشده فِي إصْلَاح أمره فِي الْوَقْت الَّذِي يجب أَن يَفْعَله آل بِهِ أمره إِلَى الضّيَاع. وَقَوله: وَلَكِن أَخُو الحزم يَقُول: صَاحب الحزم هُوَ الَّذِي يستعد لِلْأَمْرِ قبل نُزُوله. وَقَوله: فَذَاك قريع الدَّهْر إِلَخ يجوز أَن يكون فِي معنى مُخْتَار الدَّهْر وَيكون من قرعت أَي: اخترته بقرعتي. وَيجوز أَن يكون من قرعه الدَّهْر بنوائبه حَتَّى جرب وتبصر. وَقَوله: مَا عَاشَ) أَي: مُدَّة عيشه. وَقَوله: إِذا سد مِنْهُ منخر إِلَخ مثلٌ للمكروب الْمضيق عَلَيْهِ. وجاش: تحرّك واضطرب. وَقَوله: أَقُول للحيان إِلَخ لحيان: بطنٌ من هُذَيْل خاطبهم لما كَانُوا على رَأس الْغَار الَّذِي اشتار مِنْهُ الْعَسَل. وَقَوله: صفرت وطابي الْوَاو للْحَال. والوطاب هُنَا: ظروف الْعَسَل وَهِي فِي الأَصْل جمع وطب وَهُوَ سقاء اللَّبن. وصفرت: خلت. أَشَارَ إِلَى ظروف الْعَسَل الَّتِي صب الْعَسَل مِنْهَا على الْجَانِب الآخر وَركبهُ متزلقاً حَتَّى لحق بالسهل. وَقيل: مَعْنَاهُ خلا قلبِي من ودهم يُرِيد وطاب ودي.

стр. 3460

وَقيل: أشرفت نَفسِي على الْهَلَاك. فَأَرَادَ بالوطاب جِسْمه. ومعور اسْم فَاعل من أَعور لَك الشَّيْء إِذا بَدَت لَك عَوْرَته وَهِي مَوضِع المخافة. وكل مَا طلبته فأمكنك فقد أعورك وأعور لَك. وَقَوله: هما خطتا إِلَخ هَذَا مقول القَوْل. والخطة بِالضَّمِّ: الْحَالة والشأن. وَكَأَنَّهُم كَانُوا يريدونه على الْحَالَتَيْنِ فَأخذ يتهكم عَلَيْهِم ويحكي مقالتهم. وَالْمعْنَى: لَيْسَ إِلَّا واحدةٌ من خَصْلَتَيْنِ على زعمكم: إِمَّا استئسارٌ والتزام منتكم إِن رَأَيْتُمْ الْعَفو. وَإِمَّا قتلٌ وَهُوَ بِالْحرِّ أَجْدَر مِمَّا يكسبه الذل. فهاتان الخصلتان هما اللَّتَان أَشَارَ إِلَيْهِمَا بقوله: هما خطتا. وَقد ثلثهما بخطةٍ أُخْرَى ذكرهَا فِيمَا بعد. وَكله تهكم وهزءٌ. وَقَوله: وَالْقَتْل بِالْحرِّ أَجْدَر اعتراضٌ بَين مَا عده من الْخِصَال. وَقَوله: وَأُخْرَى أصادي النَّفس إِلَخ المصاداة: إدارة الرَّأْي فِي تَدْبِير الشَّيْء أَو الْإِتْيَان بِهِ. يَقُول: وَهَا هُنَا خطة أُخْرَى أداري نَفسِي فِيهَا وَإِنَّهَا هِيَ الْموضع الَّذِي يردهُ الحزم ويصدر عَنهُ إِن فعلت. وَإِنَّمَا قسم الْكَلَام هَذِه الْأَقْسَام لِأَنَّهُ رَآهُمْ يبتون أمره عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ نظر إِلَى جهتي الْجَبَل فَعلم أَنه إِن رَضِي مَا أَرَادَهُ بَنو لحيان كَانَ فِيهِ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ من الْأسر وَالْقَتْل بزعمهم. وَإِن احتال للجهة الْأُخْرَى فالحزم فِيهَا وخلاصه فِيهَا وَكَانَ أمرا ثَالِثا. وَقَوله: وَإِنَّهَا لمورد حزم اعْتِرَاض أَيْضا. وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة من بَاب التَّقْسِيم الَّذِي هُوَ من محَاسِن الْكَلَام وَهُوَ أَن يقْصد وصف شَيْء تخْتَلف أَحْوَاله فَيقسم أقساماً محورة لَا يُمكن

стр. 3461

الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَلَا النُّقْصَان كَمَا قسم تأبط) شرا أَحْوَاله مَعَ بني لحيان أقساماً ثَلَاثَة لَا رَابِع لَهَا. وَمِنْه قَول بشر بن أبي خازم: الوافر (وَلَا يُنجي من الغمرات إِلَّا ... براكاء الْقِتَال أَو الْفِرَار) وَلَيْسَ فِي أَقسَام النجَاة للمحارب قسمٌ ثَالِث. وَنَحْوه قَول زُهَيْر: الطَّوِيل (وَأعلم مَا فِي الْيَوْم والأمس قبله ... ولكنني عَن علم مَا فِي غدٍ عمي) وَقَوله: فرشت لَهَا صَدْرِي إِلَخ بَين بِهَذَا كَيْفيَّة مزاولته لنَفسِهِ. والْفرش: الْبسط. وَضمير لَهَا: للخطة الَّتِي عبر عَنْهَا بقوله: وَأُخْرَى أَي: فرشت من أجل هَذِه الخطة صَدْرِي على الصَّفَا. وَهَذَا حِين صب الْعَسَل فتزلق بِهِ عَن الصَّفَا أَي: بصدره. جؤجؤ عبل أَي: ضخم. وَمتْن مخصر أَي: دَقِيق. والصدر والمتن: صَدره وَمَتنه وَلكنه أخرجه مخرج قَوْلهم: لقِيت بزيدٍ الْأسد وزيدٌ هُوَ الْأسد عِنْدهم وَوضع فرشت مَوضِع ألقيت وَوضعت. وَيُقَال: فرشت ساحتي بِالْأَجْرِ. وأفرشت الشَّاة للذبح إِذا أضجعتها. كَذَا قَالَ التبريزي. وَقَوله: فخالط سهل الأَرْض إِلَخ الْخَلْط أَصله تدَاخل أَجزَاء الشَّيْء فِي الشَّيْء. والكدح بالأسنان وَالْحجر دون الكدم. يَقُول: وصلت إِلَى السهل وَلم يُؤثر الصَّفَا وَهُوَ الصخر فِي صَدْرِي أثرا وَلَا خدشاً وَالْمَوْت كَانَ قد طمع فِي فَلَمَّا رَآنِي وَقد تخلصت بَقِي مستحياً. وخزيان من الخزاية وَهِي الاستحياء وَيجوز أَن يكون من الخزي وَهُوَ الفضيحة والهوان.

стр. 3462

وينظر: خبر ثَان أَو حَال من ضمير خزيان. وَينظر: يتحير. وَقد حمل قَوْله تَعَالَى: وَأَنْتُم حينئذٍ تنْظرُون على أَن معنى تتحيرون. وَقَوله: فَأَبت إِلَى فهم. إِلَى آخِره أَبَت: رجعت. وفهم: قَبيلَة تأبط شرا. وَقَوله: وَكم مثلهَا إِلَخ أَي: مثل هَذِه الخطة فارقتها بِالْخرُوجِ مِنْهَا وَهِي مغلوبة تصفر وَأَنا الْغَالِب. وَقيل مَعْنَاهُ: كم مثل لحيان فارقتها وَهِي تتلهف كَيفَ أفلت. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْفِعْل وَفِي أَفعَال المقاربة. وَقد تقدّمت تَرْجَمَة تأبط شرا فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده ٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ) الوافر (مَتى مَا تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا) على أَن يجوز اتِّفَاقًا أَن يُقَال: أليتان بتاء التَّأْنِيث إِلَى آخر مَا نَقله عَن أبي عَليّ. وَقد نقل عَنهُ ابْن الشجري فِي الْمجْلس الثَّالِث من أَمَالِيهِ خلاف

стр. 3463

هَذَا قَالَ: قَالَ أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد الْفَارِسِي: قد جَاءَ من الْمُؤَنَّث بِالتَّاءِ حرفان لم يلْحق فِي تثنيتهما التَّاء وَذَلِكَ قَوْلهم: خصيان وأليان فَإِذا أفردوا قَالُوا: خصية وألية. وَأنْشد أَبُو زيد: الرجز وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: الرجز (كَأَن خصييه من التدلدل ... ظرف عجوزٍ فِيهِ ثنتا حنظل) انْتهى. وَقد جَاءَت فِي قَوْله: روانف أليتيك تَاء التَّأْنِيث كَمَا ترى فالعرب إِذن مختلفةٌ فِي ذَلِك. انْتهى كَلَام ابْن الشجري. وَهَذَا كَلَام الصِّحَاح قَالَ: الألية بِالْفَتْح: ألية الشَّاة. فَإِذا ثنيت قلت: أليان فَلَا تلْحقهُ التَّاء. وأنشده الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل على أَن الْحَال قد تَجِيء من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مَعًا كفردين فَإِنَّهُ حالٌ مِنْهُمَا فِي تلقني. وَكَذَا أنْشدهُ فِي الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أيامٍ إِلَّا رمزاً فِي قِرَاءَة من قَرَأَ: رمزاً بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ جمع رموز كرسل جمع رَسُول. ورمزاً بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ جمع رامز

стр. 3464

كخدم جمع خَادِم. قَالَ: هُوَ حالٌ مِنْهُ وَمن النَّاس دفْعَة كَمَا فِي الْبَيْت بِمَعْنى إِلَّا مترامزين كَمَا يكلم النَّاس الْأَخْرَس بِالْإِشَارَةِ ويكلمهم. ومَتى: جازمة وتلقني: شَرطهَا وترجف: جزاؤها. وَرُوِيَ: ترْعد: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وروانف: فَاعل ترجف. قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل البصرية: وتستطارا جزمٌ عطف على ترْعد فَحَملته على الأليتين أَو على معنى الروانف لِأَنَّهُمَا اثْنَان فِي الْحَقِيقَة. وَهَذَا أحسن من أَن تحمله على أَن فِي وتستطاروا ضمير الروانف وَتجْعَل الْألف بَدَلا من النُّون الْخَفِيفَة لِأَن الْجَزَاء وَاجِب.) وَقد جَاءَ: وَمهما تشأ مِنْهُ فَزَارَة تمنعا إِلَّا أَن هَذَا إِن لم يضْطَر إِلَيْهِ وزن كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْكَلَام. انْتهى. وَتَبعهُ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: تستطارا جزمٌ بالْعَطْف على ترْعد بِحمْلِهِ على الأليتين أَو على معنى الروانف لِأَنَّهُمَا اثْنَتَانِ فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا جَمعهمَا اتساعاً. وَقَالَ قوم: تستطار محمولٌ على الروانف وَفِيه ضميرها وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول: تستطر إِلَّا أَنه أَتَى بالنُّون الْخَفِيفَة فانفتحت الرَّاء فَلم تسْقط الْألف الَّتِي هِيَ عين الْفِعْل وأبدل من النُّون ألفا. وَمثله قَول الآخر:

стр. 3465

الطَّوِيل وَمهما تشأ مِنْهُ فَزَارَة تمنعا يُرِيد: تمنعن. وَالْقَوْل الأول اخْتِيَار أبي عَليّ لِأَنَّهُ اضْطر فِي الْبَيْت الثَّانِي وَلم يضْطَر فِي تستطار لِأَنَّهُ لَهُ حمله على معنى التَّثْنِيَة فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْكَلَام. انْتهى. وَزَاد ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ: معنى تستطار تستخف. وَيحْتَمل وَجْهَيْن من الْإِعْرَاب أَحدهمَا: أَن يكون مَجْزُومًا مَعْطُوفًا على جَوَاب الشَّرْط وَأَصله تستطاران فَسَقَطت نونه للجزم. فالألف على هَذَا ضميرٌ عَائِد على الروانف وَعَاد إِلَيْهَا وَهِي جمعٌ ضمير تَثْنِيَة لِأَنَّهَا من الجموع الْوَاقِعَة فِي مواقع التَّثْنِيَة نَحْو قَوْلك: وُجُوه الرجلَيْن فَعَاد الضَّمِير على مَعْنَاهَا دون لَفظهَا إِذْ الْمَعْنى رانفتا أليتيك. كَمَا أَن معنى الْوُجُوه من قَوْلك: حَيا الله وجوهكما معنى الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يكون لواحدٍ أَكثر من وَجه كَمَا أَنه لَيْسَ للألية إلارانفة وَاحِدَة. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن يكون نصبا على الْجَواب بِالْوَاو بِتَقْدِير: وَأَن تستطار فالألف على هَذَا لإِطْلَاق القافية وَالتَّاء للخطاب وَهِي فِي الْوَجْه الأول للتأنيث. وَيجوز أَن تجْعَل التَّاء فِي هَذَا الْوَجْه أَيْضا لتأنيث الروانف وَجَاء الْجَواب بعد الشَّرْط وَالْجَزَاء كَمَا يَجِيء بعد الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِب كالنهي وَالنَّفْي. وَمثله فِي انتصاب الْجَواب بِالْوَاو بعد الشَّرْط وَالْجَزَاء قَوْله

стр. 3466

عَزَّ وَجَلَّ: إِن يَشَأْ يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظَهره ثمَّ قَالَ: أَو يوبقهن بِمَا كسبوا ويعف عَن كثير وَيعلم الَّذين يجادلون. وَمن) (فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام) (ونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام) قد رُوِيَ: ونأخذ جزما بالْعَطْف على جَوَاب الشَّرْط وَرُوِيَ نصبا على الْجَواب وَرُوِيَ رفعا أَيْضا على الِاسْتِئْنَاف. انْتهى. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على ترجف وألحقت بِهِ نون التوكيد الْخَفِيفَة فقلبت ألفا فِي الْوَقْف إِلَّا أَن إِلْحَاق نون التوكيد فِي جَوَاب الشَّرْط ضَعِيف. وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على أحد الْوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: مَذْهَب الْكُوفِيّين بِالْوَاو الَّتِي يسمونها وَاو الصّرْف مثلهَا عِنْدهم فِي قَوْله تَعَالَى: ويعف عَن كثيرٍ وَيعلم فِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين. وَالثَّانِي: مَذْهَب الْبَصرِيين وَهُوَ أَن يكون مَعْطُوفًا على مُقَدّر مثلهَا عِنْدهم فِي قَوْله وَيعلم أَي: لينتقم وَيعلم. إِلَّا أَنه لَا يُمكن التَّقْدِير لفعل مَنْصُوب لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى سَبَب وَلَو قدر فعل مَنْصُوب لَكَانَ مسبباً فَيَنْبَغِي أَن يكون التَّقْدِير لاسمٍ مَنْصُوب مفعول من أَجله كَأَنَّهُ قيل: ترجف روانف أليتيك خوفًا واستطارة.

стр. 3467

فَلَمَّا أَتَى بِالْفِعْلِ مَوضِع استطارةً وَعطف على الْمُقدر وَجب أَن يكون مَنْصُوبًا مثله فِي قَوْلك: والروانف: أَطْرَاف الأليتين واحدته رانفة. وتستطار بِمَعْنى يطْلب مِنْك أَن تطير خوفًا وجبناً. وَالْعرب تَقول لمن اشْتَدَّ بِهِ الْخَوْف: طارت نَفسه خوفًا. وَمِنْه قَوْله: الوافر أَقُول لَهَا وَقد طارت شعاعاً وَقَالَ هَا هُنَا: وتستطارا كَأَنَّهُ طلب مِنْهُ أَن يطير من الْخَوْف. وَالضَّمِير فِي وتستطارا للمخاطب لَا للروانف إِذْ لَا تطلب من الروانف استطارة وَإِنَّمَا الْمَقْصُود طلبه من الْمُخَاطب. انْتهى. وَقَوله: كَأَنَّهُ قيل ترجف روانف أليتيك خوفًا واستطارة هُوَ أَجود مِمَّا نَقله الْعَيْنِيّ بِأَن نَصبه بِأَن فِي تَقْدِير مصدر مَرْفُوع بالْعَطْف على مصدر ترجف تَقْدِيره: ليكن مِنْك رجف الروانف والاستطارة. وَقَالَ ابْن يعِيش: قَوْله: وتستطارا يحْتَمل وُجُوهًا:) أَحدهَا: أَن يكون مَجْزُومًا بِحَذْف النُّون فَالضَّمِير للروانف وَعَاد إِلَيْهَا الضَّمِير بِلَفْظ التَّثْنِيَة لِأَنَّهَا تَثْنِيَة فِي الْمَعْنى. وَالثَّانِي: أَن يكون عَائِدًا إِلَى الأليتين.

стр. 3468

وَالْآخر: أَن يكون الضَّمِير مُفردا عَائِدًا إِلَى الْمُخَاطب وَالْألف بدلٌ من نون التوكيد. انْتهى مُخْتَصرا. وَنَقله الْعَيْنِيّ بِحُرُوفِهِ وَلم يعزه. وَلَا يخفى اختلاله فَإِنَّهُ قَالَ: فِيهِ وُجُوه. وَلم يذكر غير الْجَزْم وَكَانَ يجب أَن يُقَابله بِالنّصب كَمَا فعله غَيره وَيَقُول بعده: وَالضَّمِير للمخاطب وَالْألف للإطلاق ويدرج عود الضَّمِير إِلَى الأليتين فِي صُورَة الْجَزْم. أَو يَقُول: وتستطاروا مجزوم فِي مرجع ضَمِيره أوجه ثَلَاثَة. وَجعله تعدد احْتِمَال مرجع الضَّمِير وُجُوهًا مُقَابلَة للجزم فَاسد فَإِن الثَّلَاثَة مُحْتَملَة فِي صُورَة الْجَزْم. فَتَأمل. وَزَاد الْعَيْنِيّ بعد هَذَا: وَيُقَال الضَّمِير الْمُفْرد عَائِد إِلَى الروانف تَقْدِيره: تستطاران هِيَ. انْتهى. وَهَذَا هُوَ الأول مِمَّا ذكره ابْن يعِيش بِعَيْنِه فَذكره تكرارٌ لَهُ. وَالْبَيْت من أبياتٍ عدتهَا ثَلَاثَة عشر بَيْتا لعنترة الْعَبْسِي خَاطب بهَا عمَارَة بن زيادٍ الْعَبْسِي. قَالَ الأعلم فِي شرح شعره فِي الْأَشْعَار السِّتَّة وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: كَانَ عمَارَة يحْسد عنترة على شجاعته إِلَّا أَنه كَانَ يظْهر تحقيره وَيَقُول لِقَوْمِهِ: إِنَّكُم قد أَكثرْتُم من ذكره ولوددت أَنِّي لَقيته خَالِيا حَتَّى أريحكم مِنْهُ وَحَتَّى أعلمكُم أَنه عبد. وَكَانَ عمَارَة مَعَ كَثْرَة جوده كثير المَال وَكَانَ عنترة لَا يكَاد يمسك إبِلا وَلَكِن يُعْطِيهَا إخْوَته

стр. 3469

وَهَذِه أبياتٌ سِتَّة مِنْهَا وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بقيتها فِي أفعل التَّفْضِيل: الوافر (أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أَنا ذَا عمارا) (مَتى مَا تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا) (وسيفي صارمٌ قبضت عَلَيْهِ ... أشاجع لَا ترى فِيهَا انتشارا) (حسامٌ كالعقيقة فَهُوَ كمعي ... سلاحي لَا أفل وَلَا فطَارَا) (وكالورق الْخفاف وَذَات غربٍ ... ترى فِيهَا عَن الشَّرْع ازورارا) (ومطرد الكعوب أحص صدقٌ ... تخال سنانه بِاللَّيْلِ نَارا) وَقَوله: أحولي تنفض إِلَخ الْهمزَة للاستفهام الإنكاري التوبيخي. وحَولي: ظرف لتنفض و) استك: فَاعل تنفض ومذرويها: مَفْعُوله. وَالْمعْنَى: أتتوعدني وتهددني واستك تضيق عَن ذَلِك. وتنفض مذرويها مثلٌ لخفته بالوعيد وطيشه. يُقَال: جَاءَ فلانٌ ينفض مذرويه إِذا جَاءَ يتهدد. وَقد شرح السَّيِّد المرتضى قدس الله روحه هَذِه الْكَلِمَة فِي أَمَالِيهِ أحسن شرح فِي كلامٍ نَقله لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وَقع فِيهِ: ترى أحدهم يملخ فِي الْبَاطِل ملخاً ينفض مذرويه وَيَقُول: هَا أَنا ذَا فاعرفوني. قَالَ: الملخ هُوَ التثني والتكسر يُقَال: ملخ الْفرس إِذا لعب. والمذروان: فرعا الأليتين. هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة وَأنْشد بَيت عنترة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة راداً عَلَيْهِ: لَيْسَ المذروان

стр. 3470

فرعي الأليتين بل هما الجانبان من كل شَيْء تَقول الْعَرَب: جَاءَ فلانٌ يضْرب أصدريه وَيضْرب عطفيه وينفض مذرويه وهما منكباه. وَذكر أَنه سمع رجلا من نصحاء الْعَرَب يَقُول: قنع مذرويه يُرِيد جَانِبي رَأسه وهما فوداه. وَإِنَّمَا سميا بذلك لِأَنَّهُمَا يذريان أَي: يشيبان. والذرى: الشيب. قَالَ: وَهَذَا أصل الْحَرْف ثمَّ استعير للمنكبين والأليتين والطرفين من كل شَيْء. وَقَالَ أُميَّة بن أبي عائذٍ الْهُذلِيّ يذكر قوساً: المتقارب (على عجس هتافة المذروي ... ن زوراء مضجعةٍ فِي الشمَال) أَرَادَ: قوساً ينبض طرفاها. قَالَ: فَلَا معنى لوصف الرجل الَّذِي كره الْحسن بِأَن يُحَرك أليتيه وَلَا من شَأْن من يبذخ وينبه على نَفسه يَقُول: هَا أَنا ذَا فاعرفوني أَن يُحَرك أليتيه. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه يضْرب عطفيه وَهَذَا مِمَّا يُوصف بِهِ المرح المختال. وَرُبمَا قَالُوا: جَاءَنَا ينفض مذرويه إِذا تهدد وتوعد لِأَنَّهُ إِذا تكلم وحرك رَأسه نفض قُرُون قَالَ المرتضى قدس الله روحه: وَلَيْسَ الَّذِي ذكره أَبُو عُبَيْدَة بِبَعِيد لِأَن من شَأْن المختال الَّذِي يزهى بِنَفسِهِ أَن يَهْتَز ويتثنى فتتحرك أعطافه وأعضاؤه. ومذرواه من جملَة مَا يَهْتَز ويتحرك لِأَنَّهُمَا بارزان من جِسْمه فَيظْهر فيهمَا
следующие страницы →