Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
واللقَاح: جمع لقوح وَهِي النَّاقة ذَات اللَّبن مثل قلاص وقلوص. وَقَالَ ثَعْلَب: اللقَاح جمع لقحة بِالْكَسْرِ وَإِن شِئْت لقوح وَهِي الَّتِي نتجت فَهِيَ لقوحٌ شَهْرَيْن أَو ثَلَاثَة ثمَّ هِيَ لبونٌ بعدذ لَك.
وَتقدم شرح قَوْله:)
بَين رماحي مالكٍ ونهشل فِي بَاب الندبة.
وَقَوله: لأصبح الْحَيّ أوباداً الْبَيْت قبله:
(سعى عقَالًا فَلم يتْرك لنا سبداً ... فَكيف لَو قد سعى عَمْرو عِقَالَيْنِ)
أنشدهما أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام الْبَغْدَادِيّ فِي أَمْثَاله وَقَالَ: اسْتعْمل مُعَاوِيَة
ابْن أبي سُفْيَان ابْن أَخِيه عَمْرو بن عتبَة بن أبي سُفْيَان على صدقَات كلب فاعتدى عَلَيْهِم فَقَالَ عَمْرو بن العداء الْكَلْبِيّ هَذَا الشّعْر. وسعى فِي الْمَوْضِعَيْنِ من سعى الرجل على الصَّدَقَة أَي: الزَّكَاة يسْعَى سعياً: عمل فِي أَخذهَا من أَرْبَابهَا. وَعِقَالًا وعقالين منصوبان على الظّرْف أَرَادَ: مُدَّة عقال وَمُدَّة عِقَالَيْنِ. والعقال: صَدَقَة عَام.
قَالَ الْأَصْمَعِي: بعث فلانٌ على عقال بني فلَان إِذا بعث على صَدَقَاتهمْ. قَالَ أَبُو عبيد: هَذَا كَلَام الْعَرَب الْمَعْرُوف عِنْدهم.
فَأَما مَا رُوِيَ أَن عمر كَانَ يَأْخُذ مَعَ كل فَرِيضَة عقَالًا ورواءً فَإِذا دخلت إِلَى الْمَدِينَة بَاعهَا ثمَّ تصدق
стр. 3537
بِتِلْكَ الْعقل والأروية فالعقال: الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير والرواء: الْحَبل الَّذِي يقرن بِهِ البعيران.
وَقَالُوا فِي قَول أبي بكر: لَو مَنَعُونِي عقَالًا مِمَّا أَدّوا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ لقاتلتهم عَلَيْهِ: يَعْنِي: بالعقال صَدَقَة عَام وَقيل: أَرَادَ الْحَبل الَّذِي كَانَت تعقل بِهِ الْفَرِيضَة الْمَأْخُوذَة فِي الصَّدَقَة. وَهُوَ بالحبل أولى فِي هَذَا الْموضع لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يذكر فِي مثل هَذَا الْموضع الْأَقَل لَا الْأَكْثَر بِنَاء على قُوَّة العزمة فِي الْأَدْنَى فَكيف فِي الْأَعْلَى. انْتهى.
وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل بعد نقل كَلَام أبي بكر ﵁: قَوْله: لَو مَنَعُونِي عقَالًا لجاهدتهم عَلَيْهِ على خلاف مَا تتأوله الْعَامَّة.
وَلقَوْل الْعَامَّة وجهٌ قد يجوز فَأَما الصَّحِيح فَأن الْمُصدق إِذا أَخذ من الصَّدَقَة مَا فِيهَا وَلم يَأْخُذ ثمنا قيل: أَخذ عقَالًا. وَإِذا أَخذ الثّمن قيل: أَخذ نَقْدا.
وَقَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل
(أَتَانَا أَبُو الْخطاب يضْرب طبله ... فَرد وَلم يَأْخُذ عقَالًا وَلَا نَقْدا))
وَالَّذِي تَقوله الْعَامَّة تَأْوِيله: ومَنَعُونِي مَا يُسَاوِي عقَالًا فضلا عَن غَيره. وَهُوَ وَجه.
وَالْأول هُوَ الصَّحِيح لِأَن لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِم عقال يعقل بِهِ الْبَعِير فيطلبه فبمنعه وَلَكِن مجازه فِي قَول الْعَامَّة مَا ذكرنَا. وَهُوَ من كَلَام
стр. 3538
الْعَرَب: أَتَانَا بِجَفْنَة يقْعد عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَي: لَو قعد عَلَيْهَا ثَلَاثَة لصلح. انْتهى.
وَقَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: العقال: صَدَقَة سنةٍ فِي خير أبي بكر: لَو مَنَعُونِي عقَالًا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
والسبد بِفتْحَتَيْنِ الشّعْر والوبر.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب: إِذا قيل: مَا لَهُ سبد وَلَا لبد فَمَعْنَاه: مَا لَهُ ذُو سبد وَهِي الْإِبِل والمعز وَلَا ذُو لبد وَهِي الْغنم. ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى صَار مثلا مَضْرُوبا للفقر فَقيل لكل من لَا مَال لَهُ أَي شَيْء كَانَ. فَفِيهِ مجازٌ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: إيقاعهم النَّفْي على السبد واللبد وهم يُرِيدُونَ نفي مَا لَهُ السبد واللبد.
وَالثَّانِي: استعمالهم ذَلِك فِي كل من لَا مَال لَهُ وَأَصله أَن يكون فِي الْإِبِل والمعز وَالْغنم خَاصَّة.
انْتهى.
وَقَوله: فَكيف هُوَ ظرف مَعَ عَامله الْمَحْذُوف فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: كَيفَ حَالنَا. وَهَذِه الْجُمْلَة دَلِيل جَوَاب لَو.
يَقُول: تولى هَذَا الرجل علينا سنة فِي أَخذ الزَّكَاة منا فَلم يتْرك لنا شَيْئا لظلمه إيانا فَلَو تولى سنتَيْن علينا على أَي حَال كُنَّا نَكُون وَقَوله: لأصبح الْحَيّ إِلَخ اللَّام فِي جَوَاب قسمٍ مُقَدّر. وَزعم
стр. 3539
خضرٌ الْموصِلِي فِي
شرح شَوَاهِد التفسرين أَن اللَّام فِي جَوَاب لَو الْمُتَقَدّمَة. وَهُوَ ذهولٌ عَمَّا قبله. والْحَيّ: الْقَبِيلَة. والأوباد: جمع وبد بِفتْحَتَيْنِ قَالَ الْجَوْهَرِي: الوبد بِالتَّحْرِيكِ: شدَّة الْعَيْش وَسُوء الْحَال مصدرٌ يُوصف بِهِ فيستوي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع ثمَّ يجمع فَيُقَال: أوباد كَمَا يُقَال: عدلٌ وعدول على توهم النَّعْت الصَّحِيح. وَأنْشد الْبَيْت.
وَقَالَ ابْن بريٍّ فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح للفارسي: الْوَجْه أَن يكون جمع وبد وَهُوَ السَّيئ الْحَال كفخذ وأفخاذ. انْتهى. والهيجاء: الْحَرْب قَالَ ابْن ولاد فِي الْمَقْصُور والممدود: الهيجاء: تمد وتقصر.
يَا رب هيجا هِيَ خيرٌ من دَعه)
وَقَالَ آخر:
إِذا كَانَت الهيجاء وانشقت الْعَصَا انْتهى.
وَهِي مُؤَنّثَة كَمَا فِي الْبَيْتَيْنِ.
стр. 3540
وَهَذِه الْكَلِمَة مَعَ شهرتها لم يوردها القالي فِي الْمَقْصُور والممدود مَعَ أَنه استقصى النَّوْعَيْنِ فِي كِتَابه.
وثنى الْجمال لِأَنَّهُ جعلهَا صنفين: صنفا لترحلهم يحملون عَلَيْهَا أثقالهم وَصِنْفًا لحربهم يركبونه إِذا جَنبُوا خيلهم. وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي الْفرج: يَوْم الترحل والهيجا. وأوباداً: خبر أصبح إِن كَانَت نَاقِصَة وحالٌ من الْقَوْم إِن كَانَت تَامَّة.
وروى أَبُو الْفرج: لأصبح الْحَيّ أوقاصاً وَهُوَ جمع وقص بِفتْحَتَيْنِ وَقد تسكن الْقَاف: مَا بَين الفريضتين من نصب الزَّكَاة مِمَّا لَا شَيْء فِيهِ. فعلى هَذِه الرِّوَايَة حذف مُضَاف أَي: لأصبح مَال الْحَيّ أوقاصاً أَي: لَا يُوجد عِنْدهم فِي الْعَام الثَّانِي مَا يجب فِيهِ الصَّدَقَة. وعَمْرو بن عداء الْكَلْبِيّ: شاعرٌ إسلامي.
стр. 3541
(بَاب الْمَجْمُوع)
أنْشد فِيهِ
٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
لنا جاملٌ لَا يهدأ اللَّيْل سامره على أَن جاملاً لَيْسَ بِجمع بِدَلِيل عود الضَّمِير عَلَيْهِ من سامره مُفردا.
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف فِي سُورَة الْأَعْرَاف: الأناس اسْم جمع غير مكسر بِدَلِيل عود الضَّمِير الْمُفْرد إِلَيْهِ وتصغيره على لَفظه.
وَالسَّابِق إِلَى هَذَا أَبُو عَليّ قَالَ فِي البغداديات فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا جَازَ تكسيره أَي: اسْم الْجمع كَمَا جَاءَ تحقيره فَمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم: رجل ورجيل قيل لَهُ: لَا يَنْبَغِي أَن يجوز.
وَذَلِكَ أَن هَذَا الِاسْم على بِنَاء الْآحَاد وَالْمرَاد بِهِ الْكَثْرَة فَلَو كسر كَمَا صغر لَكَانَ فِي ذَلِك إجراؤه مجْرى الْآحَاد وإزالته عَمَّا وضع لَهُ من الدّلَالَة على الْكَثْرَة
إِذْ كَانَ يكون فِي ذَلِك مساواته لَهُ من جِهَة الْبناء والتكسير والتحقير والْحَدِيث عَنهُ كالحديث عَن الْآحَاد نَحْو مَا
стр. 3542
لَهُم جاملٌ لَا يهدأ اللَّيْل سامره وَهَذَا كل جهاته أَو عامته فَيجب إِذا صغر أَن لَا يكسر فَيكون بترك تكسيره مُنْفَصِلا مِمَّا يُرَاد بِهِ الْآحَاد دون الْكَثْرَة. انْتهى.
والمصراع من قصيدة للحطيئة هجا بهَا الزبْرِقَان بن بدرٍ الصَّحَابِيّ التَّمِيمِي ومدح فِيهَا ابْن عَمه بغيض بن شماس وفضله عَلَيْهِ.
وَتقدم السَّبَب فِي هَذَا مفصلا فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف. وَالرِّوَايَة ذَوُو جامل بدل: لنا جامل.
وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:
(فدع آل شماس بن لأيٍ فَإِنَّهُم ... مواليك أَو كاثر بهم من تكاثره)
(أتحصر أَقْوَامًا يجودوا بمالهم ... فلولا قبيل الهرمزان تحاصره)
(فَلَا المَال إِن جادوا بِهِ أَنْت مانعٌ ... وَلَا الْعِزّ من بنيانهم أَنْت عاقره)
(فَإِن تَكُ ذَا عزٍّ حديثٍ فَإِنَّهُم ... لَهُم إِرْث مجدٍ لم تخنه زوافره)
(فَإِن تَكُ ذَا شاءٍ كثيرٍ فَإِنَّهُم ... ذَوُو جاملٍ لَا يهدأ اللَّيْل سامره))
стр. 3543
وَقَوله: مواليك أَي: أَبنَاء عمك. والمكاثرة: الْمُفَاخَرَة. أَي: فاخر بهم إِذا لم يكن عنْدك من الْفَخر مَا تفاخر بِهِ.
وَقَوله: أتحصر أَقْوَامًا إِلَخ أَي: أتمنع وتحبس يَقُول: دع هَؤُلَاءِ الَّذين يجودون بمالهم. وَعَلَيْك بالهرمزان فامنعه. أَي: إِنَّك لَا تقدر إِلَّا على الْعَجم. وَلَوْلَا: بِمَعْنى هلا. والهرمزان: كَانَ وَالِي مَدِينَة تستر. فَلَمَّا فتحت جاؤوا بِهِ إِلَى عمر بن الْخطاب.
وَقَوله: فَإِن تَكُ ذَا عزٍّ إِلَخ الحَدِيث: الْحَادِث. يُرِيد أَن عزه حَادث بتوليته النَّبِي ﷺ َ صدقَات بني تَمِيم. وَالْإِرْث: بِالْكَسْرِ: الأَصْل وَالْمجد والشرف.
وزوافره: مواده وروافده يُقَال: هُوَ زافرتهم عِنْد السُّلْطَان أَي: يقوم بأمرهم ويعينهم. وَيُقَال: هُوَ فِي زافرة قومه أَي: فِي عَددهمْ وكثرتهم. وَيُقَال: زوافره: معظمه.
وَقَوله: فَإِن تَكُ ذَا شاءٍ كثيرٍ إِلَخ الشَّاء: جمع شَاة. قَالَ صاب الْمِصْبَاح: الشَّاة من الْغنم يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى فَيُقَال: هَذَا شاةٌ للمذكر وَهَذِه شَاة للْأُنْثَى وشَاة ذكر وشَاة أُنْثَى وتصغيرهما شويهة. وَالْجمع شاءٌ وشاهٌ بِالْهَاءِ رُجُوعا إِلَى الأَصْل كَمَا قيل: شفة وشفاه.
وَيُقَال: أَصْلهَا شاهة مثل عاهة. انْتهى.
والجامل: اسْم جمع بِمَعْنى جمَاعَة الْإِبِل مَعَ رعاتها. والهدء مَهْمُوز الآخر: السّكُون. وَاللَّيْل: ظرف وسامره: فَاعله وَالضَّمِير للجامل. أَي: لَا يسكن وَلَا ينَام الَّذِي يحفظ الْإِبِل وَهُوَ السامر.
يَعْنِي أَن الرُّعَاة يسهرون ليلهم لحفظ إبلهم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: السمر: المسامرة
стр. 3544
وَهُوَ الحَدِيث بِاللَّيْلِ وَقد سمر يسمر فَهُوَ سامر. والسامر أَيْضا: السمار وهم الْقَوْم يسمرون.
انْتهى.
وترجمة الحطيئة تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل مَعَ الصُّبْح ركبٌ من أحاظة مجفل على أَن ركباً لَيْسَ جمعا بِدَلِيل عود الضَّمِير إِلَيْهِ من صفته بِالْإِفْرَادِ وَلَو كَانَ جمعا لقيل: مجفلون.
والمصراع من لامية الْعَرَب للشنفرى تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قبل بَاب الْمثنى فِي الشَّاهِد السَّابِع)
وَالْخمسين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
الوافر
على أَن نون الْجمع قد تكسر فِي ضَرُورَة الشّعْر كَمَا فِي آخَرين.
وَقد يُمكن أَن تكون كسرة النُّون كسرة إِعْرَاب كَمَا تقدم النَّقْل عَن أبي عَليّ فِي بَاب التَّثْنِيَة.
وَسَيَأْتِي فِي آخر هَذَا الْبَاب فَلَا ضَرُورَة حِينَئِذٍ.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِيمَا سَيَأْتِي: إِذا كسرت النُّون فَلَا يكون مَا قبلهَا إِلَّا الْيَاء.
стр. 3545
وَكَذَلِكَ نَص ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر أَن كسر نون الْجمع لَا يكون إِلَّا فِي حَال النصب والخفض كَمَا أَن فتح نون التَّثْنِيَة لَا يكون إِلَّا كَذَلِك. فلكسرها شَرْطَانِ: أَحدهمَا: الشّعْر وَثَانِيهمَا: الْيَاء.
وَبِهَذَا يعرف سُقُوط قَول ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: إِن الشَّرْط الثَّانِي قد أهمله النحويون وَإِن الشَّرْط الأول أهمله ابْن مَالك فِي منظومته دون التسهيل.
قَالَ ابْن عُصْفُور: وَوجه كسر النُّون تحريكها على أصل التقاء الساكنين. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَيُقَال إِن كسر نون الْجمع لَيْسَ بضرورة وَإِنَّمَا هُوَ لغةٌ لقوم بنى الشَّاعِر كَلَامه على هَذِه اللُّغَة.
وَالْبَيْت آخر أبياتٍ أَرْبَعَة لجرير خَاطب بهَا فضَالة العريني أوردهَا مُحَمَّد بن حبيب فِي المناقضات وَهِي: الوافر
(أتوعدني وَرَاء بني رياحٍ ... كذبت لتقصرن يداك دوني)
(عرينٌ من عرينة لَيْسَ منا ... بَرِئت إِلَى عرينة من عرين)
(عرفنَا جعفراً وَبني عبيدٍ ... وأنكرنا زعانف آخَرين)
وَزَاد الْعَيْنِيّ فِي رِوَايَته بعد هَذَا بَيْتا وَهُوَ:
(قبيلةٌ أَنَاخَ اللؤم فِيهَا ... فَلَيْسَ اللؤم تاركهم لحين)
وَسبب هَذَا على مَا حَكَاهُ مُحَمَّد بن حبيب: أَن جَرِيرًا لما هجا
стр. 3546
غَسَّان السليطي وَهُوَ سليط بن الْحَارِث بن يَرْبُوع. وَكَانَ خَال فضَالة أحد بني عرين بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع قَالَ فضَالة لجريرٍ: أتهجو خَالِي أما وَالله لأَقْتُلَنك فَقَالَ جريرٌ هَذِه الأبيات.)
وَقَوله: أتوعدني إِلَخ الْهمزَة للإنكار ووراء بِمَعْنى خلف. ورياح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا مثناة تحتية هُوَ ريَاح بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَبَنوهُ هم: همام وهرمي وحميري وَزيد وَعبد الله ومنقذ وَجَابِر.
وَقَوله: فَنعم الْوَفْد إِلَخ الْوَفْد: الْجَمَاعَة. والفزع: الْخَوْف. وَإِنَّمَا وَصفه بِالْيَقِينِ لِأَن الْمَدْح إِنَّمَا يكون لمن يغيث عِنْد الْخَوْف الْمُتَيَقن لَا الْخَوْف المتوهم أَو المظنون.
وَقَوله: عرين من عرينة إِلَخ عرين بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء: هُوَ عرين بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره من عرينة. وَهُوَ بِضَم الْعين وَفتح الرَّاء
وَهُوَ بطن من بجيلة من قبائل الْيمن وَهُوَ وبجيلة هِيَ أم عبقر وَهِي بجيلة بنت سعد الْعَشِيرَة وَهِي أم جماعةٍ كل مِنْهُم بطن بهَا يعْرفُونَ. وَجُمْلَة: لَيْسَ منا خبر ثَان أَو مستأنفة. يُرِيد: إِن عريناً قحطاني لَا عدناني وَإِنَّمَا نَفَاهُ عَن نسبه وَجعله قحطانياً نكاية فِي فضَالة فَإِنَّهُ من ولد عرين.
وَقَوله: بَرِئت إِلَى عرينة إِلَخ قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد:
стр. 3547
الأَصْل بَرِئت إِلَيْهِ مِنْهُ فأناب الظاهرين عَن الضميرين لإيضاح المتبرأ مِنْهُ من المتبرأ إِلَيْهِ وَلِأَن إِيقَاع الْبَرَاءَة على صَرِيح اسْم عرين أبلغ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: يُقَال برىء إِلَيْهِ بِمَعْنى برىء لَهُ لِأَن إِلَى تَجِيء مرادفة للام. وَيجوز أَن تكون إِلَى للغاية. وَالْمعْنَى بَرِئت من عرين منتهياً إِلَى عرينة فَيكون إِلَى عرينة حَال. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: عرفنَا جعفراً وَبني أَبِيه أَي: إخْوَته وهم جَعْفَر وجهور وَعبيد. وَكَذَا عرين أخوهم لكنه نَفَاهُ مِنْهُم. وجميعهم أَوْلَاد ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع. وثعلبة هُوَ أَخُو كُلَيْب بن يَرْبُوع. وَجَرِير من أَوْلَاد كُلَيْب فرياح ثَعْلَبَة وكليب إخْوَة. وروى: عرفنَا جعفراً وَبني عبيدٍ وَقَوله وأنكرنا زعانف إِلَخ نَا: فَاعل وزعانف: مَفْعُوله. وَهَذَا تَعْرِيض بفضالة من بني عرين بِأَنَّهُ من الملحقين والأتباع لَا من الصَّرِيح الْخَالِص النّسَب. وزعانف: جمع زعنفة بِكَسْر الزَّاي قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: الزعانف: الأتباع وَاحِدَة زعنفة وَهُوَ من زعانف الثَّوْب: أهدابه الَّتِي تنوس مِنْهُ. وَكَذَلِكَ لئام النَّاس ورذالهم إِنَّمَا هُوَ من أَطْرَاف الْأَدِيم وأخبثه.
وَآخَرين: صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: قوم آخَرين كَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق.
وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.)
стр. 3548
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
الْخَفِيف
(نضر الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طَلْحَة الطلحات)
على أَن السماع والاستعمال فِي نَحْو: طَلْحَة وَهُوَ كل علم مُذَكّر مختوم بِالْهَاءِ جمعه بِالْألف وَالتَّاء وَلم يسمع جمعه بِالْوَاو وَالنُّون.
وَقد بسط ابْن الْأَنْبَارِي الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مسَائِل الْخلاف فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن الِاسْم الَّذِي آخِره تَاء التَّأْنِيث إِذا سمي بِهِ رجلٌ يجوز أَن يجمع بِالْوَاو وَالنُّون نَحْو: طَلْحَة وطلحون. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن كيسَان إِلَّا أَنه يفتح اللَّام فَيَقُول: طلحون بِالْفَتْح كَمَا قَالُوا: أرضون حملا على أرضات. وَاحْتج الْكُوفِيُّونَ بِأَنَّهُ فِي تَقْدِير جمع طلح لِأَن جمع قد تستعمله الْعَرَب على تَقْدِير حذف حرفٍ من الْكَلِمَة قَالَ الشَّاعِر: الرجز وَعقبَة الأعقاب فِي الشَّهْر الْأَصَم
فَكَسرهُ على مَا لَا هَاء فِيهِ. وَإِذا كَانَت الْهَاء فِي تَقْدِير الْإِسْقَاط جَازَ جمعه بِالْوَاو وَالنُّون.
وَيدل لنا أَنا أجمعنا على أَنه لَو سمي رجل بِحَمْرَاء أَو حُبْلَى جمع بِالْوَاو وَالنُّون.
وَلَا خلاف أَن مَا فِي آخِره ألف التَّأْنِيث أَشد تمَكنا فِي التَّأْنِيث مِمَّا فِي آخِره تَاء التَّأْنِيث لِأَن ألف التَّأْنِيث صيغت الْكَلِمَة عَلَيْهَا وَلم تخرج الْكَلِمَة من التَّذْكِير إِلَى التَّأْنِيث وتاء
стр. 3549
التَّأْنِيث مَا صيغت الْكَلِمَة عَلَيْهَا وأخرجت الْكَلِمَة من التَّذْكِير إِلَى التَّأْنِيث.
وَلِهَذَا الْمَعْنى قَامَ التَّأْنِيث بِالْألف فِي منع الصّرْف مقَام شَيْئَيْنِ بِخِلَاف التَّأْنِيث بِالتَّاءِ. فَإِذا جَازَ أَن يجمع بِالْوَاو وَالنُّون مَا فِي آخِره ألف التَّأْنِيث وَهِي أوكد من التَّاء فَلِأَن يجوز فِيمَا آخِره التَّاء كَانَ ذَلِك من طَرِيق الأولى.
وَأما ابْن كيسَان فاحتج على ذَلِك بِأَنَّهُ إِنَّمَا جَوَّزنَا جمعه بِالْوَاو وَالنُّون لِأَن التَّاء تسْقط فِي الطلحات فَإِذا سَقَطت وَبَقِي الِاسْم بِلَا تَاء جَازَ جمعه بِالْوَاو وَالنُّون كَقَوْلِهِم: أَرض وأرضون. وكما حركت الْعين فِي أرضون بِالْفَتْح حملا على أرضات فَكَذَلِك حركت الْعين من الطلحون حملا على الطلحات لأَنهم يجمعُونَ مَا كَانَ على فعلة من الْأَسْمَاء دون الصِّفَات على فعلات بِالتَّحْرِيكِ.)
وَقَالَ البصريون: لَا يجوز هَذَا الْجمع. وَالدَّلِيل على امْتِنَاعه أَن نَحْو طَلْحَة فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَالْوَاو وَالنُّون عَلامَة التَّذْكِير فَلَو قُلْنَا إِنَّه يجوز الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون لَأَدَّى إِلَى أَن يجمع فِي اسْم علامتان متضادتان وَذَلِكَ لَا يجوز. وَلِهَذَا إِذا وصفوا الْمُذكر بالمؤنث فَقَالُوا: رجل ربعَة جَمَعُوهُ ربعاتٍ بِلَا خلاف وَلم يَقُولُوا: ربعون.
وَالَّذِي يدل على صِحَة هَذَا الْقيَاس أَنه لم يسمع من الْعَرَب فِي جمع هَذَا الِاسْم إِلَّا بِالْألف وَالتَّاء كَقَوْلِهِم فِي طَلْحَة: طلحات وهبيرة: هبيرات وَلم يسمع عَن أحدٍ من الْعَرَب أَنهم قَالُوا: الطلحون.
فَإِذا كَانَ هَذَا الْجمع
стр. 3550
مدفوعاً من جِهَة الْقيَاس مَعْدُوما من جِهَة النَّقْل وَجب أَن لَا يجوز.
وَأما قَوْلهم إِنَّه فِي التَّقْدِير جمع طلح ففاسد لِأَن الْجمع إِنَّمَا وَقع على جَمِيع حُرُوف الِاسْم وتاء التَّأْنِيث من جملَته فَلم ننزعها عَنهُ قبل الْجمع وَإِن كَانَ اسْما لمذكر لِئَلَّا يكون بِمَنْزِلَة مَا سمي بِهِ وَلَا عَلامَة فِيهِ. فالتاء فِي جمعه مَكَان التَّاء فِي واحده.
وَأما مَا اسْتشْهدُوا بِهِ من قَوْلهم: وَعقبَة الأعقاب فِي الشَّهْر الْأَصَم فَهُوَ مَعَ شذوذه وقلته لَا تعلق لَهُ بِمَا وَقع الْخلاف فِيهِ لِأَن الْجمع التَّصْحِيح لَيْسَ على قِيَاس جمع التكسير ليحمل عَلَيْهِ.
وَأما قَوْلهم: إِنَّا أجمعنا على جمع نَحْو حَمْرَاء وحبلى علمين بِالْوَاو وَالنُّون.
قُلْنَا: إِنَّمَا جَازَ لِأَن ألف التَّأْنِيث يجب قَلبهَا إِلَى بدل لِأَنَّهَا صيغت الْكَلِمَة عَلَيْهَا فتنزلت منزلَة بَعْضهَا فَلم يفْتَقر لعلامة تَأْنِيث الْجمع بِخِلَاف التَّاء فَإِنَّهُ يجب حذفهَا إِلَى غير بدل لِأَنَّهَا مَا صيغت عَلَيْهَا الْكَلِمَة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة اسمٍ ضم إِلَى اسْم فَجعلت عَلامَة تَأْنِيث الْجمع عوضا مِنْهَا.
وَأما قَول ابْن كيسَان: إِن التَّاء تسْقط فِي الطلحات فَإِذا سَقَطت جَازَ الْجمع ففاسد لِأَن التَّاء وَإِن كَانَت محذوفة لفظا إِلَّا أَنَّهَا ثَابِتَة تَقْديرا لأَنهم لما أدخلُوا تَاء التَّأْنِيث فِي الْجمع حذفوا هَذِه التَّاء الَّتِي كَانَت فِي الْوَاحِد لأَنهم كَرهُوا أَن يجمعوا بَين علامتي تَأْنِيث.
وَكَانَ
стр. 3551
حذف الأولى أولى لِأَن فِي الثَّانِيَة زِيَادَة معنى فَإِن الأولى تدل على التَّأْنِيث فَقَط وَالثَّانيَِة تدل على التَّأْنِيث وَالْجمع وَهِي حرف إِعْرَاب فَحذف الأولى بِمَنْزِلَة مَا حذف لالتقاء الساكنين فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ محذوفاً لفظا إِلَّا أَنه ثَابت تَقْديرا.)
وَالَّذِي يدل على فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ من فتح الْعين من الطلحون أَن هَذَا الْجمع يسلم فِيهِ نظم
فَأَما قَوْله: إِن الْعين حركت من أرضون بِالْفَتْح حملا على أرضات. قُلْنَا: لَا نسلم وَإِنَّمَا غير فِيهِ لفظ الْوَاحِد لِأَنَّهُ جمعٌ على خلاف الأَصْل لِأَن الأَصْل فِي هَذَا الْجمع أَن يكون لمن يعقل وَلَكنهُمْ لما جَمَعُوهُ بِالْوَاو وَالنُّون غيروا فِيهِ نظم الْوَاحِد تعويضاً عَن حذف تَاء التَّأْنِيث فِيهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِشَيْء لَا يكون فِي سَائِر أخواته مَعَ أَن هَذَا التعويض تعويض جَوَاز لَا تعويض وجوب.
أَلا ترى أَنهم لَا يَقُولُونَ فِي جمع شمس شمسون وَلَا فِي جمع قدر قدرون فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْجمع فِي أَرض على خلاف الْقيَاس أَدخل فِيهِ ضربٌ من التَّغْيِير فَأَما إِذا جمع من يعقل بِالْوَاو وَالنُّون فَلَا يجوز أَن يَجْعَل بِهَذِهِ المثابة لِأَن جمعه بِحكم الأَصْل فَلَا يجوز أَن يدْخلهُ تَغْيِير.
وَيخرج على هَذَا حذف التَّاء وَفتح الْعين من طلحات. أما حذف التَّاء فَلِأَن التَّاء الثَّانِيَة صَارَت عوضا عَنْهَا لِأَنَّهَا للتأنيث. وَأما أَنْتُم فحذفتم من غير عوض فَبَان الْفرق.
وَأما فتح الْعين فلأجل الْفَصْل بَين الِاسْم وَالصّفة فَإِن مَا كَانَ
стр. 3552
على فعلة من الْأَسْمَاء فَإِنَّهُ يفتح مِنْهُ الْعين نَحْو: جفنان وقصعات. وَمَا كَانَ صفة فَإِنَّهُ لَا يُحَرك مِنْهُ الْعين نَحْو: صعبات.
وَأما جمع التَّصْحِيح فَلَا يدْخلهُ شيءٌ من هَذَا التَّغْيِير. سواءٌ كَانَ اسْما أَو صفة. فَبَان الْفرق بَينهمَا. وَالله أعلم.
انْتهى كَلَام ابْن الْأَنْبَارِي مُخْتَصرا.
وَاعْلَم أَن فتح عين فعلة الاسمي فِي الْجمع واجبٌ وَيجوز تسكينه فِي الضَّرُورَة كَمَا يَأْتِي فِي بَابه.
وَمِنْه قَول البحتري: المتقارب
(وَكَيف يسوغ لكم جَحده ... وطلحتكم بعض طلحاته)
خلافًا لأبي الْعَلَاء المعري فِي شَرحه فَإِنَّهُ زعم أَنه غير ضَرُورَة.
وَقَوله: طَلْحَة الطلحات رُوِيَ بِالْجَرِّ وَالنّصب.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: حكى الْكسَائي وَالْفراء عَن الْعَرَب هَذَا الْبَيْت بخفض طَلْحَة على تَكْرِير الْأَعْظَم أَي: أعظم طَلْحَة الطلحات.
وَمَا اخْتلفُوا فِي جَوَاز نصب طَلْحَة بِالرَّدِّ على الْأَعْظَم وَالْحمل على إعرابها. انْتهى.
وَجعل ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر الْجَرّ من الضَّرُورَة. قَالَ: وَمِنْه حذف الْمُضَاف من غير أَن يُقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه نَحْو قَوْله:)
بسجستان طَلْحَة الطلحات فِي رِوَايَة من خفض طَلْحَة يُرِيد أعظم طَلْحَة الطلحات فَحذف
стр. 3553
الْمُضَاف الَّذِي هُوَ أعظم لدلَالَة أعظم الْمُتَقَدّم الذّكر عَلَيْهِ. وَلم يقم الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ طَلْحَة مقَامه بل أبقاه على خفضه.
انْتهى.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح: وَالْأَشْبَه عِنْدِي أَن تخفضه بِإِضَافَة سجستان إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أميرها. انْتهى.
وَقَول ابْن حَيَّان: نصب طَلْحَة بِالرَّدِّ على الْأَعْظَم يَعْنِي الْبَدَلِيَّة.
وَزعم بَعضهم أَنه بدل كل من بعض. وَزَاد هَذَا الْقسم فِي الأبدال. وَالصَّحِيح أَنه بدل كل من كل بِجعْل أعظم من قبيل ذكر الْبَعْض وَإِرَادَة الْكل بِدَلِيل الْمَعْنى.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي أَبْيَات الْمعَانِي: من نصب طَلْحَة فعلى إِضْمَار أَعنِي لِأَنَّهُ نبه عَلَيْهِ بِضَرْب من الْمَدْح لما تقدم من الترحم عَلَيْهِ.
وَذهب آخَرُونَ فِي نَصبه إِلَى حذف حرف الْجَرّ كَأَنَّهُ أَرَادَ رحم الله أعظماً دفنوها لطلْحَة فَلَمَّا حذف الْجَار نصب. وَقد دفع قومٌ النصب وأنشدوه بِالْجَرِّ
على تَقْدِير مُضَاف كَأَنَّهُ فِي التَّقْدِير: أعظم طَلْحَة الطلحات ثمَّ حذف الثَّانِي لدلَالَة الأول عَلَيْهِ. وَهَذَا شاذٌّ يقل فِي كَلَامهم حذف الْجَار مَعَ بَقَاء عمله. انْتهى.
وَطَلْحَة الطلحات هُوَ أحد الأجواد الْمَشْهُورين فِي الْإِسْلَام واسْمه طَلْحَة بن عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ. وأضيف إِلَى الطلحات لِأَنَّهُ فاق فِي الْجُود خَمْسَة أجواد اسْم كل واحدٍ مِنْهُم طَلْحَة وهم طَلْحَة الْخَيْر
стр. 3554
وَطَلْحَة الْفَيَّاض وَطَلْحَة الْجُود وَطَلْحَة الدَّرَاهِم وَطَلْحَة الندى.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الوطواط فِي كتاب الْغرَر والخصائص الْوَاضِحَة: قيل سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ أجودهم وَقيل لِأَنَّهُ وهب فِي عامٍ واحدٍ ألف جَارِيَة فَكَانَت كل جَارِيَة مِنْهُنَّ إِذا ولدت غُلَاما تسميه طَلْحَة على اسْم سَيِّدهَا.
وَذكر الطلحات الْخَمْسَة وهم طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ وَهُوَ طَلْحَة الْفَيَّاض وَطَلْحَة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ أَيْضا وَهُوَ طَلْحَة الْجُود.
وَطَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف الزُّهْرِيّ أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهُوَ طَلْحَة الندى. وَطَلْحَة بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ طَلْحَة الْخَيْر.)
وَطَلْحَة بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق وَيُسمى طَلْحَة الدَّرَاهِم. وَطَلْحَة ابْن عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ وَهُوَ سادسهم الْمَشْهُور بطلحة الطلحات. انْتهى.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح: سمي طَلْحَة الطلحات بِسَبَب أمه وَهِي صَفِيَّة بنت الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة وأخوها طَلْحَة بن الْحَارِث فقد تكنفه الطلحات كَمَا ترى ففصل بِهَذِهِ الْإِضَافَة من غَيره من الطلحات. وَكَانُوا سِتَّة. انْتهى.
стр. 3555
وَكَانَ وَالِي سجستان وَبهَا مَاتَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله:
(يَا طلح أكْرم من مَشى ... حسباً وَأَعْطَاهُ لتالد)
(مِنْك الْعَطاء فَأعْطِنِي ... وَعلي حمدك فِي الْمشَاهد)
فَحكمه فَقَالَ: فرسك الْورْد وقصرك بزرنج وغلامك الخباز وَعشرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ طَلْحَة: أفٍّ لَك لم تَسْأَلنِي على قدري وَإِنَّمَا سَأَلتنِي على قدرك وَقدر قبيلتك باهلة وَالله لَو سَأَلتنِي كل فرسٍ وقصرٍ وغلامٍ لي لأعطيتك ثمَّ أَمر لَهُ بِمَا سَأَلَ وَقَالَ: وَالله مَا رَأَيْت مَسْأَلَة مُحكم ألأم مِنْهَا.
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: سجستان: ناحيةٌ كَبِيرَة وَولَايَة وَاسِعَة. ذهب بَعضهم إِلَى أَن سجستان اسمٌ للناحية وَأَن اسْم مدينتها زرنج بِتَقْدِيم
الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة وَبَينهَا وَبَين هراة عشرَة أَيَّام ثَمَانُون فرسخاً وَهِي جنوبي هراة. وأرضها كلهَا رَملَة سبخَة والرياح فِيهَا لَا تسكن أبدا. وَلَا تزَال شَدِيدَة تدير رحيهم وطحنهم كُله على تِلْكَ الرحي. وَهِي من الإقليم الثَّالِث وفيهَا نخلٌ كثير وتمر.
стр. 3556
ونضر بِمَعْنى حسن. وَالْمَشْهُور: رحم الله أعظماً.
وَالْبَيْت أول قصيدةٍ عدتهَا أَرْبَعَة عشر بَيْتا لقيس الرقيات رثى بهَا طَلْحَة الطلحات وَبعده:
(كَانَ لَا يحرم الْخَلِيل وَلَا يع ... تل بالبخل طيب العذرات)
فِي الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي قَالَ الْأَصْمَعِي: الْعذرَة: فنَاء الدَّار. والعذرات: أفنية الدّور. وَكَانُوا فِيمَا مضى يطرحون النَّجَاسَات فِي أفنية دُورهمْ فسموها باسم الْموضع وَكَذَلِكَ الْغَائِط هُوَ عِنْد الْعَرَب مَا اطْمَأَن من الأَرْض وَكَانُوا فِيمَا مضى إِذا أَرَادَ الرجل قَضَاء حَاجته طلب الْموضع المطمئن من الأَرْض فَكثر هَذَا حَتَّى سموا الْحَدث باسم الْموضع.)
وَكَذَلِكَ الكنيف فِي كَلَام الْعَرَب: الحظيرة الَّتِي تعْمل لِلْإِبِلِ فتكنفها من الْبرد فسموا مَا حظروه وجعلوه موضعا للْحَدَث بذلك الِاسْم تَشْبِيها بِهِ. انْتهى.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة قيس الرقيات فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده: الوافر
(فَمَا وجدت بَنَات ابْني نزارٍ ... حلائل أسودين وأحمرينا)
стр. 3557
. على أَن ابْن كيسَان اسْتدلَّ بِهَذَا الْبَيْت على جَوَاز جمع أَحْمَر وأسود بِالْوَاو وَالنُّون وَهُوَ عِنْد غَيره شَاذ.
وَالْبَيْت قد تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وقائلةٍ خولان فانكح فَتَاتهمْ على أَن فانكح عِنْد الْأَخْفَش خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ خولان وَالْفَاء زَائِدَة فِي الْخَبَر وَعند سِيبَوَيْهٍ غير زَائِدَة وَالْأَصْل عِنْده: هَذِه خولان فانكح فَتَاتهمْ.
والمصراع صدرٌ وعجزه: وأكرومة الْحَيَّيْنِ خلوٌ كَمَا هيا وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسبْعين من بَاب الْمُبْتَدَأ.
وخولان: حيٌّ من أَحيَاء الْيمن.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 3558
الرجز إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع على أَن إِلْغَاء الشَّرْط الْمُتَوَسّط بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر ضَرُورَة فَإِن جملَة تصرع خبر إِن وَالْجُمْلَة دَلِيل جَزَاء الشَّرْط وَجُمْلَة الشَّرْط معترضةٌ بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الجوازم:
(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أَقرع ... إِنِّي أَخُوك فانظرن مَا تصنع)
(إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع ... إِنِّي أَنا الدَّاعِي نزاراً فَاسْمَعُوا)
(فِي باذخٍ من عز مجدٍ يفرع ... بِهِ يضر قادرٌ وينفع)
(وأدفع الضيم غَدا وَأَمْنَع ... عزٌّ أَلد شامخٌ لَا يقمع)
(يتبعهُ النَّاس وَلَا يستتبع ... هَل هُوَ إِلَّا ذنبٌ وأكرع)
(وزمعٌ مؤتشب مجمع ... وحسبٌ وغلٌ وأنفٌ أجدع)
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: كَانَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ تنافر هُوَ وخَالِد ابْن أَرْطَاة الْكَلْبِيّ إِلَى الْأَقْرَع بن حَابِس وَكَانَ عَالم الْعَرَب فِي زَمَانه.
والمنافرة: المحاكمة من النَّفر لِأَن الْعَرَب كَانُوا إِذا تنَازع وتفاخر الرّجلَانِ مِنْهُم وَادّعى كل واحدٍ أَنه أعز من صَاحبه تحاكما إِلَى عَالم فَمن فضل مِنْهُمَا قدم نفره عَلَيْهِ أَي: فضل نفره على نفره.
стр. 3559
فَقَالَ الْأَقْرَع: مَا عنْدك يَا خَالِد فَقَالَ: ننزل البراح ونطعن بِالرِّمَاحِ وَنحن فتيَان الصياح.
فَقَالَ: مَا عنْدك يَا جرير فَقَالَ: نَحن أهل الذَّهَب الْأَصْفَر والأحمر المعتصر نخيف وَلَا نَخَاف ونطعم وَلَا نستطعم. وَنحن حيٌّ لقاحٌ نطعم مَا هبت الرِّيَاح. نطعم الدَّهْر ونصوم الشَّهْر وَنحن فَقَالَ الْأَقْرَع: وَاللات والعزى لَو نافرت قَيْصر ملك الرّوم وكسرى عَظِيم الْفرس والنعمان ملك الْعَرَب لنفرت عَلَيْهِم.
وروى: لنصرت عَلَيْهِم.
فَقَالَ عَمْرو بن خثارم البَجلِيّ هَذِه الأرجوزة فِي تِلْكَ المنافرة.
وَقَوله: يَا أَقرع بن حَابِس هُوَ من الصَّحَابَة ﵃ وَكَانَت هَذِه المنافرة فِي الْجَاهِلِيَّة)
قبل إِسْلَامه. والصرع: الْهَلَاك.
ونزار هُوَ أَبُو قَبيلَة وَهُوَ نزار بن معد بن عدنان.
والباذخ: العالي يُقَال: جبلٌ باذخ بمعجمتين. وَالْمجد: العظمة والشرف. ويفرع: أَي: يَعْلُو كل عزٍّ ومجد. يُقَال: فرعت قومِي أَي: علوتهم بالشرف وَنَحْوه. وَهُوَ بِالْفَاءِ ومهملتين.
стр. 3560
والألد: الأشد. وَلَده يلده: غَلبه فِي الْخُصُومَة. والشامخ: الْمُرْتَفع. ويقمع أَي: يقهر ويذل يُقَال: قمعه بِالْقَافِ وَالْمِيم فانقمع.
وَقَوله: هَل هُوَ الضَّمِير لخَالِد بن أَرْطَاة الْكَلْبِيّ والأكرع: جمع كرَاع بِالضَّمِّ وَهُوَ مستدق السَّاق استعاره لأسفل النَّاس كالذنب.
والزمع بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم هُوَ رذال النَّاس. يُقَال: هُوَ من زمع النَّاس. أَي: مآخيرهم.
والوغل بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْمُعْجَمَة. قَالَ فِي الصِّحَاح: والوغل: النذل من الرِّجَال. وأجدع بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة: مَقْطُوع الْأنف.
وَقَوله: ننزل البراح بِفَتْح الْمُوَحدَة والحاء الْمُهْملَة: الْمَكَان الَّذِي لَا ستْرَة فِيهِ من شجر وَغَيره وَهُوَ منزل الكرماء.
وَقَوله: والأحمر المعتصر هُوَ الْخمر.
وَقَوله: حيٌّ لقاح بِفَتْح اللَّام بعْدهَا قَاف قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال: حيٌّ لقاح للَّذين لَا يدينون للملوك أَو لم يصبهم فِي الْجَاهِلِيَّة سباء.
وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ صَحَابِيّ وَكَانَ جميلاً. قَالَ عمر ﵁: هُوَ يُوسُف هَذِه الْأمة. وَقدمه عمر فِي حروب الْعرَاق على جَمِيع بجيلة وَكَانَ لَهُم أثرٌ عَظِيم فِي فتح الْقَادِسِيَّة.
ثمَّ سكن جريرٌ الْكُوفَة وأرسله عَليّ ﵁ رَسُولا إِلَى مُعَاوِيَة ثمَّ اعتزل الْفَرِيقَيْنِ وَسكن قرقيساء حَتَّى مَاتَ سنة إِحْدَى وَقيل أَربع وَخمسين.
وَفِي الصَّحِيح أَنه ﷺ َ بَعثه إِلَى ذِي الخلصة فَهَدمهَا.
стр. 3561
وَفِيه قَالَ: مَا حجبني رَسُول الله ﷺ َ مُنْذُ أسلمت وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسم.
كَذَا فِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر.
والأقرع بن حَابِس صحابيٌّ. قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: هُوَ الْأَقْرَع ابْن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان التَّمِيمِي الْمُجَاشِعِي الدَّارمِيّ.)
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَفد على النَّبِي ﷺ َ وَشهد فتح مَكَّة وحنيناً والطائف وَهُوَ من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم. وَقد حسن إِسْلَامه.
وَقَالَ الزبير فِي النّسَب: كَانَ الْأَقْرَع حكما فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِيه يَقُول جرير وَقيل غَيره لما تنافر إِلَيْهِ وَهُوَ والفرافصة أَو خَالِد بن أَرْطَاة:
(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع ... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع)
قَالَ ابْن دُرَيْد: اسْم الْأَقْرَع بن حَابِس فراس وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَقْرَع لقرع كَانَ بِرَأْسِهِ. وَكَانَ شريفاً فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام.
وروى ابْن شاهين أَنه لما أصَاب عُيَيْنَة بن حصن بني العنبر قدم وفدهم. فَذكر الْقِصَّة وفيهَا: فَكلم الْأَقْرَع بن حَابِس رَسُول الله ﷺ َ فِي السَّبي. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قبل قدوم السَّبي.
وَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق يفخر بِعَمِّهِ الْأَقْرَع: الطَّوِيل
(وَعند رَسُول الله قَامَ ابْن حابسٍ ... بخطة سوارٍ إِلَى الْمجد حَازِم)
стр. 3562
وَأما عَمْرو بن خثارم البَجلِيّ فَهُوَ جاهلي وَالله أعلم.
هَذَا على وَجه الِاخْتِصَار وَأما على وَجه الْبسط فَهُوَ مَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب قَالَ: أمْلى علينا أَبُو الندى قَالَ: كَانَ سَبَب المنافرة بَين جرير بن عبد الله البَجلِيّ وَبَين خَالِد بن أَرْطَاة بن خشين بن شبث الْكَلْبِيّ أَن كَلْبا أَصَابَت فِي الْجَاهِلِيَّة رجلا من بجيلة يُقَال لَهُ: مَالك بن عتبَة من بني عَادِية بن عَامر بن قداد فوافوا بِهِ عكاظ.
فَمر العادي بِابْن عمٍّ لَهُ يُقَال لَهُ: الْقَاسِم بن عقيل بن أبي عَمْرو بن كَعْب بن عريج بن الْحُوَيْرِث بن عبد الله بن مَالك بن هِلَال بن عَادِية بن عَامر بن قداد يَأْكُل تَمرا فَتَنَاول من ذَلِك التَّمْر شَيْئا ليتحرم بِهِ فَجَذَبَهُ الْكَلْبِيّ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِم: إِنَّه رجلٌ من عشيرتي فَقَالَ: لَو كَانَت لَهُ عشيرةٌ منعته فَانْطَلق الْقَاسِم إِلَى بني عَمه بني زيد بن الْغَوْث فاستتبعهم
فَقَالُوا: نَحن منقطعون فِي الْعَرَب وَلَيْسَت لنا جمَاعَة نقوى بهَا. فَانْطَلق إِلَى أحمس فاستتبعهم.
فَقَالُوا: كلما طارت وبرة من بني زيد فِي أَيدي الْعَرَب أردنَا أَن نتبعها
стр. 3563
فَانْطَلق عِنْد ذَلِك إِلَى)
جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَكَلمهُ فَكَانَ الْقَاسِم يَقُول: إِن أول يَوْم أريت فِيهِ الثِّيَاب المصبغة والقباب الْحمر الْيَوْم الَّذِي جِئْت فِيهِ جَرِيرًا فِي قسر وَكَانَ سيد بني مَالك بن سعد بن زيد بن قسر وهم بَنو أَبِيه.
فَدَعَاهُمْ فِي انتزاع العادي من كلب فتبعوه فَخرج يمشي بهم حَتَّى هجم على منَازِل كلبٍ بعكاظ فَانْتزع مِنْهُم مَالك بن عتبَة العادي وَقَامَت كلبٌ دونه فَقَالَ جرير: زعمتم أَن قومه لَا يمنعونه. فَقَالَت كلب: إِن رجالنا خلوفٌ.
فَقَالَ جرير: لَو كَانُوا لم يدفعوا عَنْكُم شَيْئا. فَقَالُوا: كَأَنَّك تستطيل على قضاعة إِن شِئْت قايسناكم الْمجد وزعيم قضاعة يَوْمئِذٍ خَالِد بن أَرْطَاة بن خشين بن شبث. قَالَ: ميعادنا من قابلٍ سوق عكاظ.
فَجمعت كلبٌ وجمعت قسرٌ ووافوا عكاظ من قَابل وَصَاحب أَمر كلب خَالِد بن أَرْطَاة فحكموا الْأَقْرَع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع حكمه جَمِيع الْحَيَّيْنِ وَوَضَعُوا الرهون على يَدي عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس فِي أشرافٍ من قُرَيْش.
وَكَانَ فِي الرَّهْن من قسرٍ: الأصرم بن عَوْف بن عويف بن مَالك بن ذبيان بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن يشْكر بن عَليّ بن مَالك بن سعد بن نَذِير بن قسر.
وَمن أحمس: حَازِم بن أبي حَازِم وصخر بن العلبة. وَمن بني زيد بن الْغَوْث ابْن أَنْمَار رجلٌ.
ثمَّ قَامَ خَالِد بن أَرْطَاة فَقَالَ لجرير: مَا تجْعَل قَالَ: الْخطر فِي يدك. قَالَ: ألف نَاقَة حَمْرَاء فِي ألف نَاقَة حَمْرَاء.
فَقَالَ جرير: ألف قينة عذراء فِي ألف قينة عذراء وَإِن شِئْت فألف أُوقِيَّة صفراء لِأَلف أُوقِيَّة صفراء.
قَالَ: من لي بِالْوَفَاءِ قَالَ: كفيلك اللات والعزى
стр. 3564
وإسافٌ ونائلة وشمس ويعوق وَذُو الخلصة ونسر فَمن عَلَيْك بِالْوَفَاءِ قَالَ: ودٌّ وَمَنَاة وفلس ورضا.
قَالَ جرير: لَك بِالْوَفَاءِ سَبْعُونَ غُلَاما معماً مخولاً يوضعون على أَيدي الْأَكفاء من أهل الله.
فوضعوا الرَّهْن من بجيلة وَمن كلب على أَيدي من سمينا من قُرَيْش وحكموا الْأَقْرَع بن حَابِس وَكَانَ عَالم الْعَرَب فِي زَمَانه.
فَقَالَ الْأَقْرَع: مَا عنْدك يَا خَالِد فَقَالَ: ننزل البراح ونطعن بِالرِّمَاحِ وَنحن فتيَان الصَّباح)
فَقَالَ الْأَقْرَع: مَا عنْدك يَا جرير قَالَ: نَحن أهل الذَّهَب الْأَصْفَر والأحمر المعتصر نخيف وَلَا نَخَاف ونطعم وَلَا نستطعم. وَنحن حيٌّ لقاح نطعم مَا هبت الرِّيَاح نطعم الشَّهْر ونضمن الدَّهْر وَنحن مُلُوك القسر فَقَالَ الْأَقْرَع: وَاللات والعزى لَو فاخرت قَيْصر ملك الرّوم وكسرى عَظِيم فَارس والنعمان ملك الْعَرَب لنفرتك عَلَيْهِم وَأَقْبل نعيم بن حجبة النمري وَقد كَانَت قسرٌ وَلدته بفرسٍ إِلَى جرير فَرَكبهُ جرير من قبل وحشيه فَقيل: لم
يحسن أَن يركب الْفرس فَقَالَ جرير: الْخَيل ميامن وَإِنَّا لَا نركبها إِلَّا من وجوهها.
وَقد كَانَ نَادَى عَمْرو بن خثارم أحد بني جشم بن عَامر بن قداد فَقَالَ:
стр. 3565
الرجز
(لَا يغلب الْيَوْم فَتى والاكما ... يَا ابْني نزارٍ انصرا أخاكما)
(إِن أبي وجدته أَبَاكُمَا ... وَلم أجد لي نسبا سواكما)
(غيث ربيعٍ سبط نداكما ... حَتَّى يحل النَّاس فِي مرعاكما)
(أَنْتُم سرُور عين من رآكما ... قد ملئت فَمَا ترى سواكما)
(قد فَازَ يَوْم الْفَخر من دعاكما ... وَلَا يعد أحدٌ حصاكما)
(وَإِن بنوا لم يدركوا بناكما ... مجداً بناه لَكمَا أَبَاكُمَا)
(ذَاك وَمن ينصره مثلاكما ... يَوْمًا إِذا مَا سعرت ناراكما)
وَقَالَ أَيْضا: الرجز
(يَا لنزار قد نمى فِي الأخشب ... دَعْوَة داعٍ دَعْوَة المثوب)
(يَا لنزار ثمَّ فاسعي واركبي ... يَا لنزار لَيْسَ عَنْكُم مذهبي)
(يَا لنزار إِنَّنِي لم أكذب ... أحسابكم أخطرتها وحسبي)
(وَمن تَكُونُوا عزه لَا يغلب ... ينمي إِلَى عزٍّ هجانٍ مُصعب)
كَأَنَّهُ فِي البرج عِنْد الْكَوْكَب وَقَالَ أَيْضا: الرجز
(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أَقرع ... إِنِّي أَخُوك فانظرن مَا تصنع)
...
стр. 3566
(إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع ... إِنِّي أَنا الدَّاعِي نزاراً فَاسْمَعُوا)
(لي باذخٌ من عزه ومفزع ... بِهِ يضر قادرٌ وينفع))
(وأدفع الضيم غَدا وَأَمْنَع ... عزٌّ أَلد شامخٌ لَا يقمع)
(يتبعهُ النَّاس وَلَا يستتبع ... هَل هُوَ إِلَّا ذنبٌ وأكرع)
(وزمعٌ مؤتشبٌ مجمع ... وحسبٌ وغلٌ وأنفٌ أجدع)
وَقَالَ أَيْضا:
(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أَقرع ... إِنَّك إِن تصرع أَخَاك تصرع)
(إِنِّي أَنا الدَّاعِي نزاراً فاسمع ... فِي باذخٍ من عزه ومفزع)
(قُم قَائِما ثمت قل فِي الْمجمع ... للمرء أرطاةٍ أيا ابْن الأفدع)
فنفره الْأَقْرَع بمضر وَرَبِيعَة ولولاهم نفر الْكَلْبِيّ.
وَكَانَت الْقَرَابَة بَين بجيلة وَولد نزار: أَن إراش بن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان خرج حَاجا فَتزَوج سَلامَة بنت أَنْمَار بن نزار وَأقَام مَعهَا فِي الدَّار بغور تهَامَة فأولدها أَنْمَار ابْن إراشٍ ورجالاً.
فَلَمَّا توفّي إراش وَقع بَين أَنْمَار بن إراش وَإِخْوَته اختلافٌ فِي الْقِسْمَة فَتنحّى عَن إخْوَته وَأقَام إخْوَته فِي الدَّار مَعَ أخوالهم. وَتزَوج أَنْمَار بن إراش بهند
стр. 3567
بنت مَالك ابْن غافق بن الشَّاهِد فَولدت أقيل وَهُوَ خثعم ثمَّ توفيت.
فَتزَوج بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة فَولدت لَهُ عبقر فَسَمتْهُ باسم جدها وَهُوَ سعد ولقب بعبقر لِأَنَّهُ ولد على جبل يُقَال لَهُ: عبقر. وَولدت أَيْضا الْغَوْث ووادعة وصهيبة وَخُزَيْمَة وأشهل وشهلاء وسنية وطريفاً وفهماً وجدعة والْحَارث. انْتهى مَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي.
وَظهر أَنَّهُمَا أرجوزتان على قافية الْعين أولاهما مَرْفُوعَة وَالثَّانيَِة مجرورة.
وَالشَّاهِد إِنَّمَا يَتَأَتَّى على الأولى.
وَقد روى أَيْضا: بِالْجمعِ يُرِيد الْأَقْرَع وَقَومه. وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِيهِ كالرجز الثَّانِي.
وَأنْشد بعده: المنسرح
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف)
على أَنه تحذف نون الْجمع للضَّرُورَة كَمَا هُنَا وَالْأَصْل: الحافظون عَورَة الْعَشِيرَة.)
وَهَذَا على رِوَايَة نصب عَورَة. أما على رِوَايَة خفضها فالنون حذفت للإضافة.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
стр. 3568
والوكف بِفَتْح الْوَاو وَالْكَاف وروى بدله: نطف بِفَتْح النُّون والطاء الْمُهْملَة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْعَيْب.
وَأنْشد بعده: الرجز وحاتم الطَّائِي وهاب المئي على أَنه حذف تَنْوِين حَاتِم لالتقاء الساكنين والمئي أَصله المئين حذفت النُّون لضَرُورَة الشّعْر كحذف التَّنْوِين.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده الْكَامِل
(زعمت تماضر أنني إِمَّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي)
على أَن جمع أبينوها شَاذ كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.
وَمُلَخَّصه: أَنه إِمَّا جمع أبينٍ مصغر أبنى كأعمى.
وَأما جمع أبين مصغر أبنٍ بِفَتْح الْهمزَة وَهُوَ جمع ابْن بِكَسْرِهَا.
وَإِمَّا جمع أبينٍ مصغر ابْن بِجعْل همزَة الْوَصْل قطعا.
وَإِمَّا مصغر بنيين على غير قِيَاس. فَهَذِهِ أَقْوَال أَرْبَعَة.
стр. 3569
قَالَ أَبُو عَليّ فِي بَاب من الْجمع بِالْوَاو وَالنُّون من كتاب الشّعْر: قَالَ الشَّاعِر: السَّرِيع
(إِن يَك لَا سَاءَ فقد سَاءَنِي ... ترك أبينيك إِلَى غير رَاع)
لَا يَخْلُو قَوْلهم أبينون فِي تحقير أَبنَاء من أَن يكون مَقْصُورا من أَفعَال أَو يكون تحقير أفعل أَو يكون اسْما صِيغ فِي التحقير.
وَلَا يجوز أَن يكون مَقْصُورا من أَفعَال لِأَن أفعالاً لم يقصر فِي موضعٍ غير هَذَا فَلَا يَسْتَقِيم أَن يدعى فِيهِ شَيْء وَلَا نَظِير لَهُ وَقد خُولِفَ فِيهِ. وَلم يجىء فِي شَيْء كَمَا جَاءَ أَسد وَأسد وَنَحْوه.
فَإِن قلت: أوليس قد قَالُوا: صبيٌّ وصبية وَغُلَام وغلمة وَقَالُوا فِي التصغير: أصيببة وأغيلمة)
وأفعلة من فعلة كأفعل من أَفعَال فِي أَن كل واحدٍ جمع أدنى الْعدَد جَاءَ التَّكْبِير على أَحدهمَا وَوَقع التحقير على الآخر. وَكَذَلِكَ أبينون وَإِلَى هَذَا يذهب بعض البغداديين.
فَالْجَوَاب: لَا يَسْتَقِيم أَن يكون هَذَا على أفعل وَإِن كَانَ مَا ذكرت من أدنى الْعدَد يقوم مقَام الآخر لدُخُول الْوَاو وَالنُّون وهما فِي أَنه للعدد الْقَلِيل مثل الْبناء الْمَبْنِيّ لَهُ فَلَا يَسْتَقِيم إِذْ لم ينْقل لحاق الْوَاو وَالنُّون لَهُ كَمَا لَا يجْتَمع الحرفان لِمَعْنى وَاحِد فِي الْكَلِمَة.
أَلا ترى أَنَّك إِذا جمعت
стр. 3570
اسْما فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث بِالْألف وَالتَّاء أزلتها بالحذف أَو الْقلب.
فَكَمَا أزلت الْعَلامَة فَلم تجمع بَينهمَا كَذَلِك لَا يَسْتَقِيم أَن تجمع بَين الْوَاو وَالنُّون وَبَين بِنَاء أدنى الْعدَد لِاجْتِمَاع شَيْئَيْنِ لِمَعْنى وَاحِد فِي الْكَلِمَة.
فَإِذا لم يستقم ذَلِك علمت أَنه صِيغ فِي التحقير كَمَا قَالَ كَأَنَّك حقرت أبنى مثل أعمى.
فَإِن قلت فَمن أَبْيَات الْكتاب: الرجز
(قد شربت إِلَّا دهيدهينا ... قليصاتٍ وأبيكرينا)
فَالْقَوْل فِي ذَلِك أَنه ضَرُورَة.
وَكَأن الَّذِي استهواه أَن أفعل جمعٌ من أبنية الجموع القليلة وَقد جَاءَ ضَرْبَان مِنْهُ بِالتَّاءِ فَهُوَ أفعلة وفعلة فَلَمَّا وافقتها أفعل فِي الْقلَّة وَكَانَ تَأْنِيث الْجمع قَائِما فِيهِ قدر أَن التَّاء فِيهِ تلْزم فَقدر فِيهَا التَّأْنِيث كَمَا جَاءَ فِي البناءين الآخرين.
فَلَمَّا لم تثبت عوض مِنْهَا كَمَا عوض من الْعَلامَة الَّتِي يَنْبَغِي أَن تثبت فِيهَا فَقَالَ أبيكرين كَمَا قيل أرضون. فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تَجْتَمِع علامتان لِمَعْنى.
أَلا ترى أَن الْيَاء كَأَنَّهَا عوض من عَلامَة التَّأْنِيث كَمَا أَنَّهَا فِي أَرضين كَذَلِك. وَأما أبينون فَإِذا لم تكن فِيهِ ضَرُورَة وَكَانَ التصغير قد يصاغ فِيهِ الْأَسْمَاء الَّتِي لَا تكون فِي التَّكْبِير نَحْو: عشيشة وأنيسان كَذَلِك تحمل أبنى على هَذَا النَّحْو دون أفعل فَيلْزم فِيهِ اجْتِمَاع
стр. 3571
شَيْئَيْنِ بِمَعْنى.
وَأما الدهيدهينا فَيُشبه أَن يكون لما حذف حرف اللين الَّذِي كَانَ يجب إثْبَاته شبه ذَلِك بعلامة التَّأْنِيث من حَيْثُ الْحَذف فَجعل الْوَاو وَالنُّون عوضا من ذَلِك كَمَا جعلهَا عوضا من عَلامَة التَّأْنِيث. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة ذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن الْوَاحِد المكبر من هَذَا الْجمع أبنى على وزن أفعل مَفْتُوح الْعين بِوَزْن أعمى ثمَّ حقر أَيْضا فَصَارَ أبين كأعيمٍ ثمَّ جمع بِالْوَاو وَالنُّون)
فَصَارَ أبينون ثمَّ حذفت النُّون للإضافة فَصَارَت أبينوها.
وَذهب الْفراء إِلَى أَنه كسر ابْنا على أفعل مضموم الْعين ككلب وأكلب.
وَيذْهب البغداديون فِي هَذِه المحذوفات إِلَى أَنَّهَا كلهَا سواكن الْعين. فأبين عِنْدهم كأديلٍ كَمَا أَن أبنٍ ذَلِك الْمُقدر عِنْدهم كأدل. وَكَأن سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا عدل إِلَى أَن جعل الْوَاحِد من ذَلِك أفعل اسْما وَاحِدًا مُفردا غير مكسر لأمرين: أَحدهمَا: أَن مذْهبه فِي ابنٍ أَنه فعل بِدلَالَة تكسيرهم إِيَّاهَا على أَفعَال وَلَيْسَ من بَاب فعل أَو فعل.
وَالْآخر: أَنه لَو كَانَ أفعل لَكَانَ لمثال الْقلَّة وَلَو كَانَ لَهُ لقبح جمعه بِالْوَاو وَالنُّون. وَذَلِكَ أَن هَذَا الْجمع موضوعٌ للقلة فَلَا يجمع بَينه
стр. 3572
وَبَين مِثَال الْقلَّة لِئَلَّا يكون ذَلِك كاجتماع شَيْئَيْنِ لِمَعْنى وَاحِد وَذَلِكَ مرفوضٌ فِي كَلَامهم.
وَرَأى مَعَ هَذَا أَنه قد جَاءَ فِي أَسمَاء الجموع المفردة غير المكسرة مَا هُوَ على أفعل مَفْتُوح الْعين وَهُوَ مَا أنْشدهُ أَبُو زيد من قَوْله: الطَّوِيل
(ثمَّ رَآنِي لَا أكونن ذَبِيحَة ... وَقد كثرت بَين الْأَعَمّ المضائض)
كَذَا رَوَاهُ الْأَعَمّ بِفَتْح الْعين وَمثله أثأبة وأثأب وأضحاة وأضحى. وَهَذِه أسماءٌ مُفْردَة غير مكسرة. وَكَذَلِكَ أروى وَله نَظَائِر. واعتصم الْفراء فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقول الشَّاعِر:
(قد رويت إِلَّا دهيدهينا ... قليصاتٍ وأبيكرينا)
وَكَانَ يرْوى: الْأَعَمّ بِضَم الْعين فَهَذَا عِنْده كصكٍّ وأصك وضبٍّ وأضب. وَكَيف تصرفت الْحَال فرواية أبي زيد فِي النُّفُوس بِحَيْثُ لَا ريب.
وَأما قَوْله:
(من يَك لَا سَاءَ فقد سَاءَنِي ... ترك أبينيك إِلَى غير رَاع)
فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْيَاء فِيهِ علم الْجمع كالواو
стр. 3573
فِي قَوْله: أبينوها.
وَالْآخر: أَنه وَاحِد الأبنين على مَا تقدم من الْخلاف فَيكون على قَول صَاحب الْكتاب تحقير ابنى كأعمى وعَلى قِيَاس قَول الْفراء تحقير أبنٍ كأدلٍ فَيكون اللَّام يَاء. انْتهى.
وَاقْتصر ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وأشكل مَا فِي هَذَا الِاسْم وَهُوَ أبنٍ)
قَوْلهم فِي جمع مصغره: أبينون فِي هَذَا الْبَيْت.
لَا يجوز أَن يكون أبينون جمعا لمصغر ابْن لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقيل: بنيون. وَلَا يجوز أَن يكون جمعا لمصغر أبناءٍ لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقيل: أبيناؤون.
وَلَو أَرَادوا هَذَا لاستغنوا بقَوْلهمْ: أبيناءٌ عَن جمعه بِالْوَاو وَالنُّون. وَإِذا بَطل الأول
وَالثَّانِي فَإِن قَوْلهم: أبينون جمعٌ لتصغير اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع وَلكنه كنفرٍ ورهط وَهُوَ مِمَّا قدروه وَلم ومثاله أبنى مَقْصُور بِوَزْن أعشى ثمَّ حقر فَصَارَ إِلَى أبينٍ مثل أعيش ثمَّ جمع فَقيل: أبينون وَأَصله أبينيون فَفعل بِهِ مَا فعل فِي القاضون. انْتهى.
وَبَقِي مذهبٌ خامسٌ نَقله الْخَطِيب التبريزي فِي شرح هَذَا الْبَيْت من الحماسة عَن أبي الْعَلَاء المعري قَالَ: زعم أَبُو الْعَلَاء أَن أبينوها تَصْغِير أبناءٍ.
وَلما ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْجمع عبر بعبارةٍ توهم أَنه جمع أبنى على أفعل ثمَّ صغر كَمَا يُقَال: أعشى وأعيشٍ وَالْجمع أعيشون.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الْألف الَّتِي فِي أبناءٍ وَبعدهَا الْهمزَة تحذف فَيصير تصغيره كتصغير أفعل.
كَأَن أَبَا الْعَلَاء يُرِيد أَن مكبر هَذَا الْجمع أبنى على وزن أفعل مَفْتُوح الْعين بِوَزْن أعمى ثمَّ حقر فَصَارَ أبينٍ كأعيمٍ ثمَّ جمع بِالْوَاو
стр. 3574
وَالنُّون فَصَارَ أبينون ثمَّ حذفت النُّون للإضافة.
وَكَانَ الأَصْل أَبنَاء على أَفعَال فالهمزة لَام الْكَلِمَة وَهِي منقلبةٌ من وَاو فَلَمَّا حذفت الْألف من أَفعَال رجعت اللَّام إِلَى مَا كَانَت فَصَارَت ألفا فِي آخر الْكَلِمَة فَصَارَ أبنى كأعمى ثمَّ صغر على مَا تقدم.
وَقَالَ: وَيحسن أَن يُقَال: جمع ابْنا على أفعل لِأَن أَصله فعل كَمَا يُقَال: زمنٌ وأزمن ثمَّ صغره وَجمعه.
وَقَالَ قوم: إِنَّمَا أَرَادَ بنيون وَابْن من ذَوَات الْوَاو فنقلها إِلَى أول الِاسْم ثمَّ همزها للضمة كَمَا قَالُوا: وُجُوه وأجوه.
فَقَوله: أبينوها على هَذَا تَصْغِير أبنى مَقْصُورا عِنْد الْبَصرِيين وَهُوَ اسمٌ صِيغ للْجمع كأروى وأضحى فَهُوَ على أفعل بِفَتْح الْعين. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ عدتهَا أحد عشر بَيْتا لسلمي بن ربيعَة من بني السَّيِّد بن ضبة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي: الْكَامِل)
(حلت تماضر غربَة فاحتلت ... فلجاً وَأهْلك باللوى فالحلة)
(وَكَأن فِي الْعَينَيْنِ حب قرنفلٍ ... أَو سنبلاً كحلت بِهِ فانهلت)
(زعمت تماضر أنني إِمَّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي)
(تربت يداك وَهل رَأَيْت لِقَوْمِهِ ... مثلي على يسري وَحين تعلتي)
(رجلا إِذا مَا النائبات غشينه ... أكفى لمعضلةٍ وَإِن هِيَ جلت)
(ومناخ نازلةٍ كفيت وفارسٍ ... نهلت قناتي من مطاه وعلت)
(وَإِذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب الْقُدُور فملت)
...
стр. 3575
(دارت بأرزاق العفاة مغالقٌ ... بيَدي من قمع العشار الجلة)
(وصفحت عَن ذِي جهلها ورفدتها ... نضحي وَلم تصب الْعَشِيرَة زلتي)
(وكفيت مولَايَ الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذِي الْخلَّة)
وَقد روى هَذِه القصيدة القالي فِي أَمَالِيهِ وَأَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد كَمَا نقلناها.
قَوْله: حلت تماضر غربَة إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي: تماضر: امْرَأَته وَكَانَت فارقته عاتبةً عَلَيْهِ فِي استهلاكه المَال وتعريضه النَّفس للمعاطب فلحقت بقومها فَأخذ هُوَ يتلهف عَلَيْهَا ويتحسر فِي أَثَرهَا وَأثر أَوْلَاده مِنْهَا.
فَيَقُول: نزلت هَذِه الْمَرْأَة بعيدَة مِنْك فاحتلت فلجاً وَأهْلك نازلون بَين الْمَوْضِعَيْنِ. وَهَذَا الْكَلَام توجعٌ.
وفلج: على طَرِيق الْبَصْرَة. والحلة: مَوضِع من الْحزن بِبِلَاد ضبة. واللوى: رمل مُتَّصِل بِهِ رَقِيق.
وَبَين الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرهَا تبَاعد.
فَإِن قيل: لم قَالَ حلت ثمَّ قَالَ: احتلت قلت: نبه بِالْأولِ أَنَّهَا اخْتَارَتْ الْبعد مِنْهُ والتغرب عَنهُ وَبِالثَّانِي الِاسْتِقْرَار فَكَأَنَّهُ قَالَ: نزلت فِي الغربة فاستوطنت فلجاً. وفلج بِفَتْح اللَّام: بلد وفلج بِسُكُون اللَّام: مَاء. انْتهى.
следующие страницы →