Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
شَيْئَيْنِ بِمَعْنى.
وَأما الدهيدهينا فَيُشبه أَن يكون لما حذف حرف اللين الَّذِي كَانَ يجب إثْبَاته شبه ذَلِك بعلامة التَّأْنِيث من حَيْثُ الْحَذف فَجعل الْوَاو وَالنُّون عوضا من ذَلِك كَمَا جعلهَا عوضا من عَلامَة التَّأْنِيث. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة ذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن الْوَاحِد المكبر من هَذَا الْجمع أبنى على وزن أفعل مَفْتُوح الْعين بِوَزْن أعمى ثمَّ حقر أَيْضا فَصَارَ أبين كأعيمٍ ثمَّ جمع بِالْوَاو وَالنُّون)
فَصَارَ أبينون ثمَّ حذفت النُّون للإضافة فَصَارَت أبينوها.
وَذهب الْفراء إِلَى أَنه كسر ابْنا على أفعل مضموم الْعين ككلب وأكلب.
وَيذْهب البغداديون فِي هَذِه المحذوفات إِلَى أَنَّهَا كلهَا سواكن الْعين. فأبين عِنْدهم كأديلٍ كَمَا أَن أبنٍ ذَلِك الْمُقدر عِنْدهم كأدل. وَكَأن سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا عدل إِلَى أَن جعل الْوَاحِد من ذَلِك أفعل اسْما وَاحِدًا مُفردا غير مكسر لأمرين: أَحدهمَا: أَن مذْهبه فِي ابنٍ أَنه فعل بِدلَالَة تكسيرهم إِيَّاهَا على أَفعَال وَلَيْسَ من بَاب فعل أَو فعل.
وَالْآخر: أَنه لَو كَانَ أفعل لَكَانَ لمثال الْقلَّة وَلَو كَانَ لَهُ لقبح جمعه بِالْوَاو وَالنُّون. وَذَلِكَ أَن هَذَا الْجمع موضوعٌ للقلة فَلَا يجمع بَينه
стр. 3572
وَبَين مِثَال الْقلَّة لِئَلَّا يكون ذَلِك كاجتماع شَيْئَيْنِ لِمَعْنى وَاحِد وَذَلِكَ مرفوضٌ فِي كَلَامهم.
وَرَأى مَعَ هَذَا أَنه قد جَاءَ فِي أَسمَاء الجموع المفردة غير المكسرة مَا هُوَ على أفعل مَفْتُوح الْعين وَهُوَ مَا أنْشدهُ أَبُو زيد من قَوْله: الطَّوِيل
(ثمَّ رَآنِي لَا أكونن ذَبِيحَة ... وَقد كثرت بَين الْأَعَمّ المضائض)
كَذَا رَوَاهُ الْأَعَمّ بِفَتْح الْعين وَمثله أثأبة وأثأب وأضحاة وأضحى. وَهَذِه أسماءٌ مُفْردَة غير مكسرة. وَكَذَلِكَ أروى وَله نَظَائِر. واعتصم الْفراء فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقول الشَّاعِر:
(قد رويت إِلَّا دهيدهينا ... قليصاتٍ وأبيكرينا)
وَكَانَ يرْوى: الْأَعَمّ بِضَم الْعين فَهَذَا عِنْده كصكٍّ وأصك وضبٍّ وأضب. وَكَيف تصرفت الْحَال فرواية أبي زيد فِي النُّفُوس بِحَيْثُ لَا ريب.
وَأما قَوْله:
(من يَك لَا سَاءَ فقد سَاءَنِي ... ترك أبينيك إِلَى غير رَاع)
فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْيَاء فِيهِ علم الْجمع كالواو
стр. 3573
فِي قَوْله: أبينوها.
وَالْآخر: أَنه وَاحِد الأبنين على مَا تقدم من الْخلاف فَيكون على قَول صَاحب الْكتاب تحقير ابنى كأعمى وعَلى قِيَاس قَول الْفراء تحقير أبنٍ كأدلٍ فَيكون اللَّام يَاء. انْتهى.
وَاقْتصر ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وأشكل مَا فِي هَذَا الِاسْم وَهُوَ أبنٍ)
قَوْلهم فِي جمع مصغره: أبينون فِي هَذَا الْبَيْت.
لَا يجوز أَن يكون أبينون جمعا لمصغر ابْن لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقيل: بنيون. وَلَا يجوز أَن يكون جمعا لمصغر أبناءٍ لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقيل: أبيناؤون.
وَلَو أَرَادوا هَذَا لاستغنوا بقَوْلهمْ: أبيناءٌ عَن جمعه بِالْوَاو وَالنُّون. وَإِذا بَطل الأول
وَالثَّانِي فَإِن قَوْلهم: أبينون جمعٌ لتصغير اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع وَلكنه كنفرٍ ورهط وَهُوَ مِمَّا قدروه وَلم ومثاله أبنى مَقْصُور بِوَزْن أعشى ثمَّ حقر فَصَارَ إِلَى أبينٍ مثل أعيش ثمَّ جمع فَقيل: أبينون وَأَصله أبينيون فَفعل بِهِ مَا فعل فِي القاضون. انْتهى.
وَبَقِي مذهبٌ خامسٌ نَقله الْخَطِيب التبريزي فِي شرح هَذَا الْبَيْت من الحماسة عَن أبي الْعَلَاء المعري قَالَ: زعم أَبُو الْعَلَاء أَن أبينوها تَصْغِير أبناءٍ.
وَلما ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْجمع عبر بعبارةٍ توهم أَنه جمع أبنى على أفعل ثمَّ صغر كَمَا يُقَال: أعشى وأعيشٍ وَالْجمع أعيشون.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن الْألف الَّتِي فِي أبناءٍ وَبعدهَا الْهمزَة تحذف فَيصير تصغيره كتصغير أفعل.
كَأَن أَبَا الْعَلَاء يُرِيد أَن مكبر هَذَا الْجمع أبنى على وزن أفعل مَفْتُوح الْعين بِوَزْن أعمى ثمَّ حقر فَصَارَ أبينٍ كأعيمٍ ثمَّ جمع بِالْوَاو
стр. 3574
وَالنُّون فَصَارَ أبينون ثمَّ حذفت النُّون للإضافة.
وَكَانَ الأَصْل أَبنَاء على أَفعَال فالهمزة لَام الْكَلِمَة وَهِي منقلبةٌ من وَاو فَلَمَّا حذفت الْألف من أَفعَال رجعت اللَّام إِلَى مَا كَانَت فَصَارَت ألفا فِي آخر الْكَلِمَة فَصَارَ أبنى كأعمى ثمَّ صغر على مَا تقدم.
وَقَالَ: وَيحسن أَن يُقَال: جمع ابْنا على أفعل لِأَن أَصله فعل كَمَا يُقَال: زمنٌ وأزمن ثمَّ صغره وَجمعه.
وَقَالَ قوم: إِنَّمَا أَرَادَ بنيون وَابْن من ذَوَات الْوَاو فنقلها إِلَى أول الِاسْم ثمَّ همزها للضمة كَمَا قَالُوا: وُجُوه وأجوه.
فَقَوله: أبينوها على هَذَا تَصْغِير أبنى مَقْصُورا عِنْد الْبَصرِيين وَهُوَ اسمٌ صِيغ للْجمع كأروى وأضحى فَهُوَ على أفعل بِفَتْح الْعين. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدةٍ عدتهَا أحد عشر بَيْتا لسلمي بن ربيعَة من بني السَّيِّد بن ضبة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي: الْكَامِل)
(حلت تماضر غربَة فاحتلت ... فلجاً وَأهْلك باللوى فالحلة)
(وَكَأن فِي الْعَينَيْنِ حب قرنفلٍ ... أَو سنبلاً كحلت بِهِ فانهلت)
(زعمت تماضر أنني إِمَّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي)
(تربت يداك وَهل رَأَيْت لِقَوْمِهِ ... مثلي على يسري وَحين تعلتي)
(رجلا إِذا مَا النائبات غشينه ... أكفى لمعضلةٍ وَإِن هِيَ جلت)
(ومناخ نازلةٍ كفيت وفارسٍ ... نهلت قناتي من مطاه وعلت)
(وَإِذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب الْقُدُور فملت)
...
стр. 3575
(دارت بأرزاق العفاة مغالقٌ ... بيَدي من قمع العشار الجلة)
(وصفحت عَن ذِي جهلها ورفدتها ... نضحي وَلم تصب الْعَشِيرَة زلتي)
(وكفيت مولَايَ الأحم جريرتي ... وحبست سائمتي على ذِي الْخلَّة)
وَقد روى هَذِه القصيدة القالي فِي أَمَالِيهِ وَأَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد كَمَا نقلناها.
قَوْله: حلت تماضر غربَة إِلَخ قَالَ الإِمَام المرزوقي: تماضر: امْرَأَته وَكَانَت فارقته عاتبةً عَلَيْهِ فِي استهلاكه المَال وتعريضه النَّفس للمعاطب فلحقت بقومها فَأخذ هُوَ يتلهف عَلَيْهَا ويتحسر فِي أَثَرهَا وَأثر أَوْلَاده مِنْهَا.
فَيَقُول: نزلت هَذِه الْمَرْأَة بعيدَة مِنْك فاحتلت فلجاً وَأهْلك نازلون بَين الْمَوْضِعَيْنِ. وَهَذَا الْكَلَام توجعٌ.
وفلج: على طَرِيق الْبَصْرَة. والحلة: مَوضِع من الْحزن بِبِلَاد ضبة. واللوى: رمل مُتَّصِل بِهِ رَقِيق.
وَبَين الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرهَا تبَاعد.
فَإِن قيل: لم قَالَ حلت ثمَّ قَالَ: احتلت قلت: نبه بِالْأولِ أَنَّهَا اخْتَارَتْ الْبعد مِنْهُ والتغرب عَنهُ وَبِالثَّانِي الِاسْتِقْرَار فَكَأَنَّهُ قَالَ: نزلت فِي الغربة فاستوطنت فلجاً. وفلج بِفَتْح اللَّام: بلد وفلج بِسُكُون اللَّام: مَاء. انْتهى.
стр. 3576
وَقَالَ الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي شرح الحماسة: هَذِه الْمَرْأَة فارقته إِمَّا بِطَلَاق وَإِمَّا مغاضبة فأسف عَلَيْهَا.
والحلة بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا: موضعٌ حزن وصخورٌ بِبِلَاد ضبة. واللوى هُنَا: موضعٌ بِعَيْنِه.)
والغربة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الأَرْض الْبَعِيدَة. وفلج بِالْفَتْح والسكون: وادٍ بطرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة ببطنه منَازِل للْحَاج وَبَينه وَبَين فلج زَعَمُوا مسيرَة عشرٍ. انْتهى.
وَقَالَ التبريزي: قَوْله غربَة أَي: دَار بعيدَة. والحلة: موضعٌ فِي بِلَاد بني ضبة. وَقَالُوا: هِيَ حزنٌ بِبِلَاد ضبة. انْتهى.
وتماضر من أَسمَاء النِّسَاء. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: التَّاء فِي تماضر عندنَا فاءٌ وَإِنَّمَا لم يصرف عندنَا هَذَا الِاسْم لما فِيهِ من التَّعْرِيف والتأنيث لَا لِأَنَّهُ بِوَزْن تفَاعل فتماضر إِذا كقراقر وعذافر. وَكَذَا الْقيَاس فِي تَاء جمل ترامز. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن تماضر تفَاعل وَالتَّاء زَائِدَة لَا أصلٌ إِذْ هُوَ من مُضر. وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو الْعَلَاء المعري فِي شرح ديوَان البحتري قَالَ: تماضر بِضَم التَّاء وَكسر الضَّاد وَهُوَ مَنْقُول من فعل مضارع كَمَا سميت الْمَرْأَة تكْتم وتكنى.
وَكَانَ فِي النُّسْخَة أَي من ديوَان البحتري قَالَ:
стр. 3577
تماضر بِفَتْح التَّاء وَضم الضَّاد. وَهَذَا غلط وَذكر ابْن السراج عَن قومٍ من النَّحْوِيين أَنهم جعلُوا تماضر فِي الْأَبْنِيَة الَّتِي أغفلها سِيبَوَيْهٍ. وَهَذَا وهم لِأَن تماضر تفَاعل من قَوْلك: ماضرت تماضر. فإمَّا أَن يكون
مأخوذاً من اللَّبن الماضر وَهُوَ الحامض وَقيل: الْأَبْيَض فَكَأَنَّهُ من ماضرت الرجل إِذا سقيته وسقاك اللَّبن. وَإِمَّا أَن يكون من مُضر كَأَنَّهُ من ماضرته إِذا ناسبته إِلَى مُضر. انْتهى.
وَقد تبعه تِلْمِيذه الْخَطِيب التبريزي هُنَا وَقَالَ: تماضر من أَسمَاء النِّسَاء. وَقد ذكرهَا بعض النَّاس فِيمَا أغفله سِيبَوَيْهٍ من الْأَبْنِيَة. وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن تماضر مُسَمَّاة بِالْفِعْلِ الْمُضَارع الَّذِي هُوَ مَأْخُوذ من اللَّبن الماضر وَهُوَ الحامض أَو من قَوْلهم: عَيْش مُضر أَي: ناعم وَقيل: المضر: الْأَبْيَض. انْتهى.
وَقَوله: وَكَأن فِي الْعَينَيْنِ إِلَخ قَالَ المرزوقي: يَقُول: ألفت الْبكاء لتباعدها فجادت العينان بإسالة دمعهما غزيراً متحلباً مِنْهُمَا فَكَأَن فِي عَيْني أحد هذَيْن المهيجين الحالبين للعيون.
وَقَوله: كحلت إخبارٌ عَن إِحْدَى الْعَينَيْنِ وساغ ذَلِك لما فِي الْعلم من أَن حالتيهما لَا تفترقان وَمَتى اجْتمع شَيْئَانِ فِي أَمر لَا يفترقان فِيهِ اجتزىء بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر. انْتهى.
стр. 3578
والقرنفل والسنبل من أخلاط الْأَدْوِيَة الَّتِي تحرق الْعين وتسيل الدُّمُوع. وانهل واستهل إِذا سَالَ.)
وَقَوله: زعمت تماضر أنني إِلَخ قَالَ المرزوقي فِي زعمت: يتَرَدَّد بَين الشَّك وَالْيَقِين. وَهَا هُنَا يُرِيد بن الظَّن. وأنني مَعَ معموليها نَائِب عَن مفعوليه.
يَقُول: ظنت هَذِه الْمَرْأَة أَنه إِن نزل بِي حَادث قَضَاء الله تَعَالَى سد مَكَاني ورم مَا يتشعث من حَالهَا بزوالي أبناؤها الأصاغر.
وَيُرِيد بِهَذَا الْكَلَام التَّوَصُّل إِلَى الْإِبَانَة عَن مَحَله وَأَنه لَا يُغني غناءه من النَّاس إِلَّا الْقَلِيل. يُقَال: سد فلانٌ مسد فلَان وسد خلته وناب مَنَابه وشغل مَكَانَهُ بِمَعْنى وَاحِد.
فَإِن قيل: كَيفَ سَاغَ أَن يَقُول يسدد خلتي وَإِذا مَاتَ لم تكن لَهُ خلةٌ قلت: أضافها إِلَى نَفسه لما كَانَ يسدها أَيَّام حَيَاته فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخلَّة الَّتِي كنت أسدها. وَهَذَا من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى الشَّيْء على الْمُعْتَاد فيهمَا.
وَمثله قَوْلهم: شهَاب الْقَذْف فأضيف الشهَاب إِلَى الْقَذْف لما كَانَ من رمي الرَّامِي. ووجوه الإضافات واسعةٌ كَثِيرَة وَكَذَلِكَ متعلقاتها. انْتهى.
وَقَالَ الْأسود: أرته الِاسْتِغْنَاء عَنهُ بأطفالها. وَهَذَا يدل على أَنَّهَا غاضبةٌ وَهِي فِي حباله.
والخلة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الفرجة والثلمة الَّتِي يَتْرُكهَا بِمَوْتِهِ. والخلة: الضعْف والوهن والخلة: الْفقر.
والخليل: الْفَقِير والخلة: الْخصْلَة.
стр. 3579
قَالَ المرزوقي فِي ترب: يسْتَعْمل فِي الْفقر والخيبة لَا غير. وأترب يسْتَعْمل فِي الْغنى والفقر جَمِيعًا فَإِذا أُرِيد بِهِ الْغنى فَالْمَعْنى صَار لَهُ من المَال بِعَدَد التُّرَاب وَإِذا أُرِيد بِهِ الْفقر فَالْمَعْنى: صَار فِي التُّرَاب كَمَا يُقَال: أسهل إِذا صَار فِي السهل.
وَقد يجوز أَن يكون مثل أقل وَالْمعْنَى صَار مَالك قَلِيلا من المَال.
وَقَوله: حِين تعلتي: الْمَعْنى: وَحين اعتمدت على إِقَامَة الْعلَّة لحُصُول الْفقر.
وعَلى هَذَا قَوْله: الطَّوِيل
قَلِيل ادخار الزَّاد إِلَّا تعلةً أَي: قدر مَا يُقَام بِهِ الْعلَّة. أقبل عَلَيْهَا يوبخها ويخطىء رأيها ويكذب ظَنّهَا ويقبح اخْتِيَارهَا فِي إفاتة نَفسهَا الْحَظ مِنْهُ وَيَدْعُو عَلَيْهَا بالفقر والخيبة فِي الرَّجَاء فَقَالَ: صَار فِي يدك التُّرَاب وَهل رَأَيْت لِقَوْمِهِ من يماثلني فِي حالتي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء حَتَّى تعلقي مثل رجائك فِي بغيري إِذا أخليت مَكَاني. انْتهى.)
وَقَالَ الْأسود: أَي: خَابَ رجاؤك حِين تعدلين بِي أطفالاً وَقد رَأَيْت الرِّجَال أعياهم مَكَاني.
وتربت يداك مَعْنَاهُ صَار فِي يدك التُّرَاب أَي: لَك الخيبة مِمَّا أملت. وَهِي كلمةٌ تقال للمخطىء وَجه الْقَصْد.
وَقَالَ التبريزي: التعلة من عللت كَأَنَّهُ أَرَادَ حِين أفتقر فأحتاج إِلَى الْعِلَل أَي: الْحجَج أَو إِلَى أَن أعلل
стр. 3580
نَفسِي كَمَا يُعلل العليل.
قَالَ ابْن جني: قَوْله: وَحين تعلتي مَعْطُوف على مَوضِع قَوْله: يسري أَي: على وَقت يسري وَحين تعلتي.
ومثلي يحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن يكون مفعول رَأَيْت فينتصب رجلا فِي الْبَيْت بعده على التَّمْيِيز كَقَوْلِك: لي مثله عبدا أَي: من العبيد فَيكون تَقْدِيره: مثلي من الرِّجَال الَّذين إِذا غشوا كفوا.
وَالْآخر: أَن يكون أَرَادَ هَل رَأَيْت رجلا مثلي فَلَمَّا قدم مثلي وَهُوَ وصفٌ نكرَة نَصبه على الْحَال مِنْهَا.
وَاللَّام فِي قَوْله: لِقَوْمِهِ مُتَعَلقَة بِنَفس رَأَيْت كَقَوْلِك: رَأَيْت لبني فلَان نعما وعبيداً.
وَإِن جعلت مثلي مفعول رَأَيْت كَانَت الْهَاء فِي قومه لَهُ. وَإِن جعلته حَالا مُقَدّمَة فالهاء لرجل.
وَقَوله: رجلا إِذا مَا النائبات إِلَخ قَالَ المرزوقي: رجلا بدل من مثلي كَأَنَّهُ قَالَ: هَل رَأَيْت لِقَوْمِهِ رجلا أكفى للشدائد وَإِن عظمت عِنْد طروق النوائب وغشيان الْحَوَادِث مني فَحذف مني لِأَن المُرَاد مَفْهُوم.
والمعضلة: الداهية الشَّدِيدَة. يُقَال: أعضل الْأَمر إِذا اشْتَدَّ. ويروى: لمضلعة وَهِي الَّتِي تضم الأضلاع بالزفرات وتنفس الصعداء حَتَّى تكَاد تحطمها.
وَقَوله: ومناخٍ نازلةٍ إِلَخ. قَالَ المرزوقي: أَخذ يعدد مَا كَانَت كِفَايَته مقسومةً فِيهِ ومصروفةً إِلَيْهِ. ومناخ: مصدر أنخت.
وكفيت يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَقد حذفهما كَأَنَّهُ قَالَ: كفيته الْعَشِيرَة.
يَقُول: رب نازلةٍ أناخت أَنا دفعت شَرها وكفيت قومِي الاهتمام بهَا وَرب فارسٍ سقيت رُمْحِي من دم ظَهره الْعِلَل بعد النهل. وَخص الظّهْر ليعلم أَنه أدبر عَنهُ وَولى.
стр. 3581
وَقَوله: وَإِذا العذارى بالدخان إِلَخ. قَالَ المرزوقي: أقبل يعدد الْخِصَال الْمَجْمُوعَة فِيهِ من الْخَيْر بعد)
أَن نبه على أَنه لَا يقوم مقَامه أحد فَكيف من طمعت فِي نيابته عَنهُ.
يَقُول: وَإِذا أبكار النِّسَاء صبرت على دُخان النَّار حَتَّى صَار كالقناع لوجهها لتأثير الْبرد فِيهَا وَلم تصبر لإدراك الْقُدُور بعد تهيئتها ونصبها فشوت فِي الْملَّة قدر مَا تعلل بِهِ نَفسهَا من اللَّحْم لتمكن الْحَاجة والضر مِنْهَا ولإجداب الزَّمَان واشتداد السّنة على أَهلهَا أَحْسَنت.
وَجَوَاب إِذا فِي الْبَيْت بعده. وَخص العذارى بِالذكر لفرط حيائهن ولتصونهن عَن كثيرٍ مِمَّا يتبذل فِيهِ غَيْرهنَّ. وَجعل نصب الْقُدُور مفعول استعجلت على الْمجَاز وَالسعَة. وَيجوز أَن يكون وَقَالَ الْأسود: ويروى: تلفعت. واللفاع: الملحفة. والقناع: المقنعة. أَي: غشين الدُّخان حَتَّى صَار لَهُنَّ كاللفاع أَو القناع من شدَّة الْبرد. واستعجلت نصب الْقُدُور فملت أَي: أَلْقَت اللَّحْم فِي الْملَّة جوعا وضراً لم تصبر إِلَى إِدْرَاك الْقدر.
قَالَ التبريزي: وعَلى هَذَا يكون وملت بِالْوَاو وَغير أبي تَمام يرويهِ:
стр. 3582
الْكَامِل واستبطأت نصب الْقُدُور فملت وَقَالَ ابْن جني: ملت هُنَا من مِلَّة النَّار لَا من الملالة أَي: بادرت للضَّرُورَة الْخبز قبل الْقدر.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الْبَيْضَاوِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَهُم فيهم أَزوَاج مطهرة وَاسْتشْهدَ بِهِ على جَوَاز جمع الصّفة وإفرادها فِي مطهرة. وَقَرَأَ زيد بن عَليّ: مطهراتٌ وهما لُغَتَانِ فصيحتان.
وَقَوله: دارت بأرزاق العفاة إِلَخ هُوَ جمع عافٍ وَهُوَ كل طَالب رزق من النَّاس وَغَيرهم.
ومغالقٌ: فَاعل دارت وَهِي قداح الميسر جمع مغلق ومغلاق بكسرهما مَأْخُوذ من غلق الرَّهْن لِأَنَّهُ من فَازَ سَهْمه غلق نصِيبه فَذهب بِهِ غير مُنَازع فِيهِ. قَالَه الْأسود.
وَقَالَ المرزوقي: وَإِنَّمَا سميت القداح مغالق لِأَن الجزر تغلق عِنْدهَا وتهلك بهَا. والقمع بِفتْحَتَيْنِ: قطع السنام الْوَاحِدَة قمعة.
والعشار: جمع عشراء وَهِي النَّاقة الَّتِي قد أَتَى عَلَيْهَا من حملهَا عشرَة أشهر وتستصحب والجلة بِكَسْر الْجِيم: المسان الْوَاحِدَة جليلة. وَمِنْه: مَا لَهُ دقيقةٌ وَلَا جليلة أَي: شَاة وَلَا نَاقَة.
قَالَ المرزوقي: قَوْله أرزاق العفاة كلامٌ شرِيف يَقُول: وَإِذا صَار الزَّمَان كَذَا دارت القداح فِي الميسر بيَدي لإِقَامَة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق المسان الْكِبَار الْحَوَامِل الَّتِي قرب عهدها بِوَضْع الْحمل. وكل ذَلِك يضن بِهِ ويتنافس فِيهِ.
стр. 3583
وَقَالَ الْأسود: قَوْله بيَدي فِيهِ قَولَانِ:)
أَحدهمَا: أَن ذَوَات الْأَنْصِبَاء من القداح سَبْعَة وَعدد الأيسار سَبْعَة فَإِذا نقص مِنْهُم واحدٌ أَخذ أحد السِّتَّة قدحه وَأخرج من ثمن الْجَزُور نصِيبه ثمَّ جعل إِحْدَى يَدَيْهِ ضاربةً بقدح نَفسه وَالْأُخْرَى بقدح صَاحبه.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك التمدح بِأَنَّهُ يضْرب بقدحين لَا أَنه يفرد لهَذَا يدا وَلِهَذَا أُخْرَى.
وإياه أَرَادَ متمم بن نُوَيْرَة بقوله: الطَّوِيل
(بمثنى الأيادي ثمَّ لم تلف مَالِكًا ... من الْقَوْم ذَا قاذورةٍ متزبعا)
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ: يقرع بَين إبِله أَيهَا ينْحَر فَقَالَ: بيَدي ليعلم أَنه لم يرد مقارعة إِنْسَان غَيره.
انْتهى.
وَقَالَ بَعضهم: فِي الْبَيْت مبالغات: ثَانِيهَا: جمع الرزق والعافي.
ثَالِثهَا: الدّلَالَة على أَنه غَارِم لَا فائز.
رَابِعهَا: قَوْله يَدي بالتثنية.
خَامِسهَا: إِيثَار السنام الَّذِي هُوَ أطيب مَا فِي الْإِبِل.
سادسها: العشار وَهِي أنفس الْإِبِل عِنْد الْعَرَب.
سابعها: قمعها وتعريفها.
ثامنها: أَن العفاة مَا لَهُم موئل غَيره. وَفِيه غير ذَلِك.
وَقَوله: وَلَقَد رأبت ثأى الْعَشِيرَة إِلَخ. قَالَ الْأسود: رأبت رأباً: أصلحت.
والثأى كالعصا: الصدع.
وَقد ثأى الخرز إِذا انخرمت خرزتان فصارتا وَاحِدَة أَي: مَا كَانَ بَينهَا من نائرة أطفأت أَو جِنَايَة
стр. 3584
غرمت وكفيت جَانبهَا اللتيا وَالَّتِي وهما من أَسمَاء الدَّوَاهِي واللتيا أَصْغَر من الَّتِي وَهِي فِي الأَصْل تصغيرها ثمَّ هما من الْأَسْمَاء الموصولة وحذفت صلتها.
وَذَلِكَ فِي عظم الْأَمر وشدته كَأَنَّهُ قَالَ: كفيته الَّتِي عظمت شدتها وَتَنَاهَتْ بليتها. وَكَأَنَّهُ يُرِيد باللتيا صغَار المغارم. أَي: غرمها فِي مَاله. وبالتي عظامها كَالدَّمِ يعقله عَن الْقَاتِل وَنَحْوه.
وَقَالَ المرزوقي: يَقُول: وكما ظهر غنائي فِي تِلْكَ الْأَبْوَاب فَلَقَد سعيت فِي إصْلَاح ذَات الْبَين من الْعَشِيرَة وكفيت من جنى مِنْهَا الْجِنَايَة الصَّغِيرَة والكبيرة بِالْمَالِ وَالنَّفس والجاه والعز.)
وَقَوله: جانيها إِن فتحت الْيَاء كَانَ وَاحِدًا وَإِن أدّى معنى الْجمع. وَإِن سكنت الْيَاء جَازَ أَن يكون جمعا سالما وَأَن يكون وَاحِدًا حذف فتحتها.
وَقَالَ ابْن جني: بَينهَا مُتَعَلق بِنَفس الثأى أَي: أصلحت الْفساد بَينهَا. وَالْهَاء فِي جانيها ضمير الْعَشِيرَة أَي: كفيت جاني الْعَشِيرَة الداهية الَّتِي جناها على نَفسه.
وَلَا يجوز أَن يكون هَا ضمير اللتيا أَي: جاني الداهية وَذَلِكَ أَن الْجَانِي هُوَ الْمَفْعُول الأول وَهُوَ مقدم فِي مَوْضِعه.
فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِهِ ضمير الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَقَدَّم ضمير الشَّيْء عَلَيْهِ إِذا كَانَ رتبته أَن يكون بعده فَأَما أَن يتَقَدَّم ضمير الشَّيْء عَلَيْهِ مُتَعَلقا بِمَا رتبته التَّقْدِيم على صَاحب الضَّمِير فَذَلِك تَقْدِيم الضَّمِير على مظهره لفظا وَمعنى وَهَذَا عندنَا غير جَائِز الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا المتجوز من ذَلِك أَن يتَقَدَّم الضَّمِير على مظهره لفظا على أَن يكون مُتَأَخِّرًا عَنهُ معنى.
стр. 3585
فَأَما تقدمه عَلَيْهِ لفظا وَمعنى فَلَا.
أَلا ترى: لَا تَقول ضرب غلامها هنداً. وَلَكِن تَقول: ضربت غلامها هِنْد. فَكَذَلِك لَا يكون هَا كَمَا لَا تجيز أَعْطَيْت مَالِكه درهما وَلَا كسوت صَاحبهَا جُبَّة وَلَكِن تَقول: أَعْطَيْت درهمه زيدا وكسوت ثَوْبه عمرا.
وَقد يجوز مَعَ هَذَا كُله أَن تكون هَا من جانيها ضميراً للتيا على حد مَا يُجِيزهُ من: أعطي الدِّرْهَم زيدا وَأدْخل الْقَبْر عمرا على الْقلب.
وعَلى هَذَا أَجَازُوا: مَرَرْت بالمكسوته جبةٌ وَلَقِيت المعطاه درهمٌ. فَكَأَن اللتيا وَالَّتِي على هَذَا هِيَ المكفية جانيها كَمَا أَن الْجُبَّة هِيَ المكسوة زيدا فَهُوَ على قَوْلك: كفيت اللتيا جانيها.
فاعرفه. انْتهى ولنفاسته سقناه برمتِهِ.
وَقَوله: وصفحت عَن ذِي جهلها إِلَخ قَالَ الْأسود: أكمل مكرمَة صَلَاح ذَات الْبَين بِمَا أردفه من الإغضاء على مَا بدر من جاهلها. أَي: من جهل مِنْهُم عَليّ صفحت عَنهُ وَلم أَجْهَل عَلَيْهِ.
وَقَوله: تضحي أَرَادَ تضحي وتمسي فَاكْتفى بِذكر أَحدهمَا من الآخر. وَوجه آخر: خص الْغَدَاة بِالذكر لِأَن جناة الشَّرّ يتوخون بِهِ ظلام اللَّيْل إِرَادَة أَن يخفى ذَلِك. انْتهى.
وَقد صحف هَذِه الْكَلِمَة وحرفها وَإِنَّمَا هِيَ نصحي بالصَّاد الْمُهْملَة. قَالَ المرزوقي: يصف نَفسه بالحلم مَعَهم وَمَعَ سفهائهم يَقُول: عَفَوْت عَن
стр. 3586
جاهلها فَلم أؤاخذه بِمَا يدر مِنْهُ من هفوة أَو)
زلَّة ثمَّ بذلت نصحي لعشيرتي بِمِقْدَار جهدي وَلم أجر عَلَيْهِ جريرتي.
وَقَوله: وَلم تصب الْعَشِيرَة زلتي أَي: إِن زل وَلَا عصمَة كفى نَفسه وَلم يشْتَد عَلَيْهِ الْأَمر فيفتقر إِلَى من يَكْفِيهِ أَو يُعينهُ.
وَقَوله: وكفيت مولَايَ الأحم إِلَخ قَالَ الْأسود: الأحم بِالْمُهْمَلَةِ هُوَ الْأَخَص الْأَدْنَى من الْحَمِيم.
وَهُوَ تفسيرٌ لقَوْله: وَلم تصب الْعَشِيرَة زلتي وتأكيدٌ للإكمال.
يَقُول: إِن جررت جريرةً أغنيت فِيهَا نَفسِي عَن ابْن عمي الْأَدْنَى فضلا عَن الْأَبْعَد وحبست سائمتي يُرِيد السوام وَهُوَ المَال الرَّاعِي.
وَقد سامت الْمَاشِيَة: دخل بَعْضهَا فِي بعض فِي الرَّعْي. وَهَذَا إغراقٌ بعد التَّأْكِيد أَي: حبستها عَن المرعى على ذِي الْخلَّة بِالْفَتْح أَي: الْفقر ليختار مِنْهَا على عينه كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
يُخَيّر مِنْهَا فِي البوازل وَالسُّدُس انْتهى.
قَالَ ابْن جني: اعْلَم أَن هَذَا الشَّاعِر لزم اللَّام قبل هَذِه التَّاء فِي هَذِه الأبيات وَلَيْسَت بواجبةٍ من حَيْثُ كَانَ الروي إِنَّمَا هُوَ التَّاء.
وَوجه ذَلِك فِيمَا ذهب إِلَيْهِ قطرب: أَن هَذِه التَّاء فِي الْفِعْل نظيرة الْهَاء فِي الِاسْم. فَكَمَا يلْزم مَا قبلهَا فِي نَحْو: قَائِمَة وسائمة فَكَذَلِك الْتزم مَا قبلهَا فِي
стр. 3587
نَحْو: ضنت وحنت. نعم وَقد يلْتَزم الشَّاعِر المدل مَا لَا يجب عَلَيْهِ ثِقَة بِنَفسِهِ وشجاعةً فِي لَفظه. وَقد ذكرت من هَذَا الطرز فِي كتاب المعرب مَا يتَجَاوَز قدر الْكِفَايَة.
وسلمي بن ربيعَة رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: بِضَم السِّين وَتَشْديد الْيَاء التَّحْتِيَّة قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج: هُوَ اسمٌ مرتجل.
وَثَانِيهمَا: سلمى بِفَتْح السِّين وَالْقصر قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: وَقع فِي نُسْخَتي من نَوَادِر أبي زيد بِهَذَا الضَّبْط وحفظي بِالْوَجْهِ الأول.
وَالسَّيِّد بِكَسْر السِّين قَالَ ابْن جني: السَّيِّد: الذِّئْب وَالْأُنْثَى سيدانة بِزِيَادَة الْألف وَالنُّون.
وضبة أَيْضا: اسْم مَنْقُول من ضبة الْحَدِيد وَمن أُنْثَى الضَّب وَنَحْوه.
وسلمي شاعرٌ جاهلي وَهَذِه نسبته من جمهرة ابْن الْكَلْبِيّ: سلمي بن ربيعَة بن زبان بِفَتْح الزَّاي وَتَشْديد الْمُوَحدَة ابْن عَامر بن ثَعْلَبَة بن ذِئْب بن السَّيِّد ابْن مَالك بن بكر بن سعد بن ضبة)
بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد ابْن عدنان.
وَمن ولد سلمي فِي الْإِسْلَام: يعلى بن عَامر بن سَالم بن أبي سلمي بن ربيعَة كَانَ على خراج الرّيّ وهمذان.
وَمن وَلَده أَيْضا: الْمفضل الراوية بن مُحَمَّد بن يعلى بن عَامر بن سَالم الْمَذْكُور.
стр. 3588
٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز
(قد شربت إِلَّا الدهيدهينا ... قليصاتٍ وأبيكرينا)
على أَن جمع مصغر دهداه وَجمع مصغر بكر على مَا فِي الْبَيْت. شاذٌّ.
أنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الرجز وَقَالَ: والدهداه: حَاشِيَة الْإِبِل فَكَأَنَّهُ حقر دهاده فَرده إِلَى الْوَاحِد وَهُوَ دهداه وَأدْخل الْيَاء وَالنُّون كَمَا تدخل فِي أَرضين وسنين وَذَلِكَ حَيْثُ اضْطر فِي الْكَلَام إِلَى أَن يدْخل يَاء التصغير.
وَأما أبيكرينا فَإِنَّهُ جمع الأبكر وَلكنه أَدخل الْيَاء وَالنُّون كَمَا أدخلها على الدهيدهين. انْتهى.
وَقد تقدم عَن أبي عَليّ فِي الْبَيْت قبله مَا يتَعَلَّق بِهِ.
وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: وَأما أبيكرين فقد يُمكن على قَول سِيبَوَيْهٍ أَن يُقَال إِن وَاحِدهَا أبكر بِفَتْح الْعين فِي هَذَا الْموضع.
أَلا ترى أَنَّك لم تسمع الْعين فِي هَذَا الْبَيْت مَفْتُوحَة وَلَا مَضْمُومَة. فَإِن قلت: فقد سَمِعت فِي غير هَذَا الْموضع أبكر بِضَم الْعين قيل: أجل قد سمع هَذَا بِضَم عينه وَغير مُنكر أَن يكون الْخُرُوج أَلا تراهم قَالُوا: رجل وَرِجَال فكسروه ثمَّ قَالُوا رجلة فصاغوا للْجمع اسْما مُفردا. وَكَذَلِكَ الْجمال والأجمال هَذَا مَعَ قَوْلهم الجامل.
فَكَذَلِك لَا يُنكر أَن
стр. 3589
يكون أبكر بِضَم الْعين جمعا مكسراً أَو يكون وَاحِد أبيكرين المكبر أبكر بِفَتْح الْعين وَإِن لم يسمع مكبراً لَكِن يدل عَلَيْهِ مَا انحرف عِنْد سِيبَوَيْهٍ من اعْتِقَاد جمع أَمريْن لِمَعْنى وَاحِد. وَهَذَا واضحٌ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يُقَال فِي قَول الآخر: الرجز
(أَشْكُو إِلَى مولَايَ من مولاتي ... ترْبط بالحبل أكيرعاتي)
وَذَلِكَ أَن الْألف وَالتَّاء موضوعان للقلة وضع الْوَاو وَالنُّون لَهَا. فَلَا يحسن أَن يكون الْوَاحِد)
المكبر من أكيرعات أكرعة وَلَا أكرعاً بِضَم الْعين لِأَنَّهُمَا مِثَالا قلَّة. فعلى قِيَاس قَوْله فِي أبينون مَا يجب أَن يُقَال فِي الْوَاحِد المكبر من أكيرعات إِنَّه أكرع. على وزن أفعل بِفَتْح الْعين الْأَعْمَى والأروى. انْتهى.
وَقَالَ فِي سر الصِّنَاعَة أَيْضا عِنْد سرد مَا جمع بِالْوَاو وَالنُّون من كل مؤنث معنوي كأرض أَو مؤنث بِالتَّاءِ مَحْذُوف اللَّام كثبة مَا نَصه: فَإِن قلت: فَمَا بالهم قَالُوا: فَجمعُوا تَصْغِير دهداهٍ وَهُوَ الْحَاشِيَة من الْإِبِل وأبيكراً وَهُوَ جمع بكر بِالْوَاو وَالنُّون وليسا من جنس مَا ذكرت
стр. 3590
فَالْجَوَاب: أَن أبكراً جمع بكر وكل جمع فتأنيثه سائغٌ مُسْتَمر لِأَنَّهُ جماعةٌ فِي الْمَعْنى.
وَكَأَنَّهُ قد كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون فِي أبكر وأكلب وأعبد هَاء. فَيكون تقديرها أكلبة وأبكرة وأعبدة كَمَا قَالُوا فِي غير هَذَا: فحالةٌ: جمع فَحل وذكارة: جمع ذكر.
فَكَمَا جَازَ أَن تَأتي الْهَاء فِي هَذِه الْمَجْمُوع كَذَلِك جَازَ أَيْضا أَن تقدر فِي أبكر الْهَاء فَيصير كَأَنَّهُ أبكرة.
وَقد جَاءَت الْهَاء فِي أفعلٍ نَفسهَا.
قَالَ: الطَّوِيل
(بأجريةٍ بقعٍ عِظَام رؤوسها ... لَهُنَّ إِذا حركن فِي الْبَطن أزمل)
فَهَذَا جمع جرو. وأجريةً أفعلة. فَألْحق الْهَاء فِي أفعل.
ويدلك على أَنه أَرَادَ أفعل قَول الآخر: مجزوء الْكَامِل
(وتجر مجريةٌ لَهَا ... لحمي إِلَى أجرٍ حواشب)
وَجَاز أَن تجمع فعلا على أفعل وأفعلة وأفعل لفعلٍ مَفْتُوحَة الْفَاء من حَيْثُ كَانَ فعل وَفعل ثلاثيين سَاكِني الْعَينَيْنِ وَقد اعتقبا أَيْضا على الْمَعْنى الْوَاحِد نَحْو: حج وَحج وفص وفصٍّ ونفط ونفط.
وَإِذا ثَبت أَن أفعل من أَمْثِلَة الجموع وَيجوز فِي الِاسْتِعْمَال وَالْقِيَاس تأنيثه. لم يُنكر أَن يعْتَقد فِي أَن أبكراً قد كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون فِيهَا هَاء تَأْنِيث الْجَمَاعَة فَصَارَ إِذن جمعهم إِيَّاهَا بِالْوَاو وَالنُّون فِي قَوْله: أبيكرونا إِنَّمَا هُوَ عوض من الْهَاء الْمقدرَة فِي أبكر فَجرى ذَلِك مجْرى أَرض فِي جمعهم)
إِيَّاهَا بِالْوَاو وَالنُّون فِي قَوْلهم: أرضون.
стр. 3591
فَأَما دهيدهينا فَإِن واحده دهداه وَهُوَ الْقطعَة من حَاشِيَة الْإِبِل فَهُوَ نَظِير الصرمة والهجمة فَكَأَن الْهَاء فِيهَا لتأنيث الْفرْقَة والقطعة كَمَا أَن الْهَاء فِي عصبَة وَطَائِفَة لتأنيث الْجَمَاعَة فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي التَّقْدِير: دهداهة فَلَمَّا حذفت الْهَاء فَصَارَ دهداهاً جمع تصغيره بِالْوَاو وَالنُّون تعويضاً من الْهَاء الْمقدرَة.
قَالَ أَبُو عَليّ: وَحسن أَيْضا جمعه بِالْوَاو وَالنُّون أَنه قد حذفت ألف دهداه فِي التحقير وَلَو جَاءَ على أَصله لقيل: دهيديه بِوَزْن صلصال وصليصيلٍ فواحد دهيدهينا إِنَّمَا هُوَ دهيده وَقد حذفت الْألف من مكبره فَكَانَ ذَلِك أَيْضا مسهلاً للواو وَالنُّون وداعياً إِلَى التعويض بهما. انْتهى كَلَامه.
وَإِلَيْهِ ذهب يُوسُف بن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف قَالَ: أبيكرينا جمع أبيكر وأبيكر تَصْغِير أبكر وأبكر جمع بكر وَهُوَ فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة
الشَّاب فِي النَّاس. وَهَذِه الْعَلامَة لَا تكون إِلَّا لجمع الْمُذكر الْعَاقِل فِي الْكَلَام وَرُبمَا أدخلها الشَّاعِر إِذا احْتَاجَ. وَتدْخل على كثير من الْأَسْمَاء النواقص.
والبيتان من رجز أوردهُ أَبُو عبيدٍ الْقَاسِم بن سَلام فِي الْغَرِيب المُصَنّف قَالَ الْحَاشِيَة صغَار الْإِبِل والدهداه مثل ذَلِك.
قَالَ الراجز:
стр. 3592
الرجز
(يَا وهب فابدأ ببني أَبينَا ... ثمت ثن ببني أخينا)
(وجيرة الْبَيْت المجاورينا ... قد رويت إِلَّا الدهيدهينا)
(إِلَّا ثَلَاثِينَ وأربعينا ... قليصاتٍ وأبيكرينا)
قَالَ ابْن السيرافي: نصب الدهيدهينا على الِاسْتِثْنَاء.
وَقَوله: إِلَّا ثَلَاثِينَ بدلٌ من الدهيدهينا. وقليصات بدل من ثَلَاثِينَ. انْتهى.
وَجعله قليصات بَدَلا من الْبَدَل جَائِز مَشْهُور وَلم يَجعله بَدَلا من الدهيدهينا لِأَنَّهُ لم يعرف تعدد الْبَدَل فِي غير بدل البداء كَمَا قَالَه أَبُو حَيَّان وَابْن هِشَام فِي بحث إِذْ من الْمُغنِي.
أَحْمد رَبِّي الله خير مَالك فَجعل خير بَدَلا من الْجَلالَة لَا من الرب قَالَ: وَأما دَعْوَى الدماميني الْجَوَاز أخذا من كَلَام ابْن)
الْحَاجِب فِي الأمالي فاشتباه لِأَن ابْن الْحَاجِب قَالَ فِي الْكَلَام على آيَة غَافِر: الْأَحْسَن أَن ذِي الطول بدل ثَان من الْمُبدل الأول. فَقَالَ الدماميني: فِيهِ دَلِيل بينٌ على جَوَاز تعدد الْمُبدل مِنْهُ.
انْتهى.
وَابْن الْحَاجِب لم يقل من الْمُبدل مِنْهُ بل قَالَ من الْمُبدل يَعْنِي الْبَدَل. انْتهى.
стр. 3593
وَقَوله: يَا وهب هُوَ اسْم راعٍ يسْقِي الْإِبِل. وأبينا وأخينا كِلَاهُمَا جمع أَب وَأَخ. وقليصات بِكَسْر الْيَاء الْمُشَدّدَة جمع مصغر قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة.
وَقد روى بدل شربت: رويت ونهلت.
وَهَذَا الرجز مَعَ كَثْرَة الاستشهاد بِهِ لم يعرف قَائِله. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
الطَّوِيل على أَن أَهلا وَإِن كَانَ غير علم لمذكر عَاقل وَلَا صفة لَهُ لكنه جمعه هَذَا الْجمع لتنزيله هَذِه الوحوش الثَّلَاثَة منزلَة الْأَهْل الْحَقِيقِيّ. وَكَذَلِكَ مَا بعده وَهُوَ:
(هم الْأَهْل لَا مستودع السِّرّ ذائعٌ ... لديهم وَلَا الْجَانِي بِمَا جر يخذل)
وقبلهما:
(لعمرك مَا بِالْأَرْضِ ضيقٌ على امرىءٍ ... سرى رَاغِبًا أَو رَاهِبًا وَهُوَ يعقل)
والأبيات من قصيدة الشنفرى الْمَشْهُورَة بلامية الْعَرَب وَقد تقدم شرح أبياتٍ مِنْهَا.
وَقَوله: لعمرك إِلَخ اللَّام لَام الِابْتِدَاء للتَّأْكِيد. وعمرك بِفَتْح الْعين مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى الْكَاف وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قسمي. والعمر: بِضَم الْعين وَفتحهَا: مُدَّة الْحَيَاة خص المفتوح الْقسم.
وَقَوله: مَا بِالْأَرْضِ
стр. 3594
مَا: نَافِيَة وبالأرض: خبر مقدم. وضيق: مبتدأٌ مُؤخر وَالْجُمْلَة جَوَاب الْقسم.
وَجُمْلَة: سرى إِلَخ صفة لامرىء. وراغباً: حَال من ضمير سرى وَجُمْلَة: وَهُوَ يعقل حَال ثَانِيَة.
يَعْنِي: أَن من فَارق أَهله وسافر رَغْبَة فِي أَمر يَطْلُبهُ أَو خوفًا من شَيْء يجتنبه يرى سَعَة فِي حَاله إِن كَانَ مِمَّن يعقل فَإِنَّهُ يدبر نَفسه بعقله وَلَا يضيع فِي الغربة.
وَقَوله: ولي دونكم أهلون إِلَخ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب خَاطب بِهِ أَهله.)
وأهلون: مُبْتَدأ ودونكم: ظرف كَانَ فِي الأَصْل صفة لأهلون فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ.
وَدون هُنَا: بِمَعْنى غير ولي: خبر مقدم لأهلون.
وَقَوله: سيدٌ عملس خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هم سيد وأرقط وعرفاء. يَقُول: اتَّخذت هَذِه الوحوش أَهلا بَدَلا مِنْكُم لِأَنَّهَا تحميني من الْأَعْدَاء وَلَا تخذلني فِي حَالَة الضّيق.
وَهَذَا تعريضٌ بعشيرته فِي أَنهم لَا حماية لَهُم كهذه الْحَيَوَانَات وَلَا غيرَة لَهُم على من جاورهم فضلا عَن الْحَمِيم الْقَرِيب مثل هَذِه الوحوش.
وَالسَّيِّد بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: مُشْتَرك بَين الْأسد وَالذِّئْب وَمرَاده الثَّانِي وَلِهَذَا عينه بِالْوَصْفِ.
وَكَذَلِكَ فعل بأرقط وعرفاء.
والعملس بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْمِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة الْقوي على السّير السَّرِيع.
وأرقط: مَا فِيهِ نقط بياضٍ وَسَوَاد مُشْتَرك بَين حيوانات مِنْهَا النمر والحية. وَأَرَادَ الأول وَلِهَذَا وَصفه بزهلول بِضَم الزَّاي وَهُوَ الأملس وَقيل: الْخَفِيف وَهُوَ من أَوْصَاف النمر.
والعرفاء: مؤنث الْأَعْرَاف. قَالَ صَاحب الْعباب: يُقَال للضبع عرفاء لِكَثْرَة شعر رقبَتهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح القصيدة: العرفاء: الضبع الَّتِي
стр. 3595
تكون طَوِيلَة الْعرف لَيست هَا هُنَا بنعت وَلكنهَا فِي الأَصْل نعت فغلب فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء غير النعوت حَتَّى إِنَّه يُقَال: جاءتكم العرفاء فيفهم من هَذَا القَوْل أَن الضبع جَاءَت. وجيأل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا همزَة مَفْتُوحَة بدل من عرفاء.
قَالَ صَاحب الْعباب: جيأل على وزن فيعل: اسمٌ للضبع وَهِي معرفَة بِلَا ألف وَلَام. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: هم الْأَهْل إِلَخ لما نزل هَذِه الوحوش منزلَة الْأَهْل ذكرهم بضمير الْعُقَلَاء وَعرف الْخَبَر لإِفَادَة الْحصْر أَي: هم الْأَهْل لَا غَيرهم.
وَبَين وَجهه بقوله: لَا مستودع السِّرّ إِلَخ يَعْنِي: أَن السِّرّ الْمُسْتَوْدع عِنْدهم غير ذائع بل مصون.
وَلَا الْجَانِي بِمَا جر يخذل عِنْدهم بل يحمي. والجاني: الَّذِي فعل جِنَايَة من قتل أَو نهب وَنَحْوهمَا. وجر أَي فعل جريرة بِفَتْح الْجِيم وَهِي
التبعة والذنب. ويخذل: يتْرك نَصره يُقَال: خذلته وخذلت عَنهُ من بَاب قتل وَالِاسْم الخذلان إِذا تركت نَصره وإعانته وتأخرت عَنهُ.)
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الشنفرى وَهُوَ شاعرٌ لصٌّ جاهلي فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: الوافر تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب.
стр. 3596
وَأَرَادَ بالذوين مُلُوك الْيمن. كذي نواسٍ وَذي رعين وَذي أصبح.
وَهُوَ عجزٌ وصدره: فَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم والمشار إِلَيْهِ بذلك هُوَ الهجو.
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
الطَّوِيل
(ذراني من نجدٍ فَإِن سنينه ... لعبن بِنَا شيباً وشيبننا مردا)
على أَن نون الْجمع الَّذِي جَاءَ على خلاف الْقيَاس قد يَجْعَل معتقب الْإِعْرَاب أَي: مَحل تعاقبه. أَي: تجْرِي عَلَيْهَا الحركات وَاحِدًا بعد واحدٍ وَلَا تحذف للإضافة كَمَا فِي قَوْله: سنينه.
فالنون لما جرى عَلَيْهَا الْإِعْرَاب لم تحذف مَعَ إِضَافَة الْكَلِمَة إِلَى ضمير نجد.
وَفِي كَلَامه شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَنه غير خاصٍّ بِالضَّرُورَةِ.
وَالْأول موافقٌ لكَلَام أبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر دون الثَّانِي. قَالَ فِي بَاب مَا جعلت فِيهِ النُّون الْمَفْتُوحَة اللاحقة بعد الْوَاو وَالْيَاء فِي الْجمع حرف إِعْرَاب بعد أَن أنْشد جَمِيع الأبيات الْآتِيَة.
اعْلَم أَن هَذِه النُّون إِذا جعلت حرف الْإِعْرَاب صَارَت ثَابِتَة فِي الْكَلِمَة فَلم تحذف فِي الْإِضَافَة كَمَا لَا تحذف نون فرسن ورعشن
стр. 3597
وَنَحْوه وَإِن كَانَت زَائِدَة وَيكون حرف اللين قبلهَا الْيَاء وَلَا يكون الْوَاو لِأَن الْوَاو تدل على إِعْرَاب بِعَيْنِه فَلم يجز ثباتها من حَيْثُ لم يجز ثبات إعرابين فِي الْكَلِمَة.
فَأَما من أجَاز ثبات الْوَاو فِي هَذَا الضَّرْب من الْجمع وَزعم أَن ذَلِك يجوز فِيهِ قِيَاسا على قَوْلهم: زيتون فَقَوله: بعيد من جِهَة الْقيَاس مَعَ أَنا لَا نعلمهُ جَاءَ فِي شَيْء مِنْهُم.
وَذَلِكَ أَن هَذِه الْوَاو لم تكن قطّ إعراباً كَمَا فِي مُسلمُونَ. وعَلى مَا ذهب إِلَيْهِ جَاءَ التَّنْزِيل: فِي)
عليين. انْتهى.
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ ظَاهر كَلَام الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين.
قَالَ: العضون فِي كَلَام الْعَرَب: السحر. وَيُقَال: عضوه أَي: فرقوه كَمَا تعضى الشَّاة وَالْجَزُور وَوَاحِد العضون عضة ورفعها عضون ونصبها وخفضها عضين.
وَمن الْعَرَب من يَجْعَلهَا بِالْيَاءِ على كل حالٍ ويعرب نونها فَيُقَال هَذِه عضينك ومررت بعضينك وسنينك.
وَهِي كثيرةٌ فِي أَسد وَتَمِيم وعامر أَنْشدني بَعضهم من بني عَامر: ذراني من نجدٍ فَإِن سنينه ... ... ... ... الْبَيْت ثمَّ قَالَ بعد أَبْيَات مثلهَا: وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي هَذَا المنقوص الَّذِي كَانَ على ثَلَاثَة أحرف فنقصت لامه فَلَمَّا جَمَعُوهُ بالنُّون وتوهموا أَنه فعول إِذْ جَاءَت الْوَاو وَهِي وَاو جمع فَوَقَعت فِي موقع النَّاقِص فتوهموا أَنَّهَا الْوَاو الْأَصْلِيَّة وَأَن الْحَرْف على فعول.
أَلا ترى أَنهم لَا يَقُولُونَ ذَلِك
стр. 3598
فِي الصَّالِحين وَالْمُسْلِمين وَمَا أشبهه. وَمَا كَانَ من حرف نقص من أَوله مثل زنة ودية ولدة فَإِنَّهُ لَا يُقَاس على هَذَا. فَمَا كَانَ مِنْهُ مؤنثاً أَو مذكراً فاجره على التَّمام مثل الصَّالِحين. انْتهى كَلَامه.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَمِنْهُم من جعل النُّون فِي جمع سنة حرف الْإِعْرَاب وألزمها صأالياء وَأثبت النُّون فِي الْإِضَافَة. ورفعها وخفضها ونونها تَشْبِيها لَهَا بنُون غسلين فَقَالُوا: أَقمت عِنْده سنيناً وَعَجِبت من سِنِين زيد وأعجبتني سنينك. وَأنْشد الْبَيْت.
وَهَذَا مُخَالف لصنيع ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة فَإِنَّهُ خصّه بِالضَّرُورَةِ وَجوزهُ فِي الْجمع الْحَقِيقِيّ.
وَتَبعهُ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر قَالَ: وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الْإِعْرَاب فِي النُّون من جمع الْمُذكر السَّالِم.
وَذَلِكَ كُله لَا يحفظ إِلَّا فِي الشّعْر نَحْو قَول الفرزدق: الْبَسِيط
(مَا سد حيٌّ وَلَا ميت مسدهما ... إِلَّا الخلائف من بعد النَّبِيين)
وَقَوله: الْبَسِيط
(وَإِن أتم ثمانيناً رَأَيْت لَهُ ... شخصا ضئيلاً وكل السّمع وَالْبَصَر))
وَقَوله: الوافر
(وَأَن لنا أَبَا حسنٍ عليا ... أبٌ برٌّ وَنحن لَهُ بَنِينَ)
стр. 3599
وَقَوله: الوافر وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء مني ... ... . . الْبَيْت وَوجه ذَلِك إِجْرَاء جمع السَّلامَة وَمَا يجْرِي مجْرَاه مجْرى الْمُفْرد وَلذَلِك ثبتَتْ النُّون فِي حَال الْإِضَافَة كَقَوْلِه: الْكَامِل
(وَلَقَد ولدت بَنِينَ صدقٍ سادةً ... ولأنت بعد الله كنت السيدا)
وَقَول الآخر: الوافر وَقَوله: ذراني من نجدٍ فَإِن سنينه ... ... ... . . الْبَيْت انْتهى.
وَمن إِعْرَاب الْجمع بالحركة قَول الشَّاعِر: الْخَفِيف
(رب حيٍّ عرندس ذِي طلالٍ ... لَا يزالون ضاربين القباب)
فضاربين منصوبٌ بالفتحة على أَنه خبر يزالون وَهُوَ مُضَاف للقباب. والحي: الْقَبِيلَة.
والعرندس كسفرجل: الشَّديد. والطلال بِفَتْح الْمُهْملَة: الْحَالة الْحَسَنَة والهيئة الجميلة.
стр. 3600
وَمثله قَول الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: وَقد يَجْعَل إِعْرَاب مَا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون فِي النُّون وَأكْثر مَا يَجِيء ذَلِك فِي الشّعْر وَيلْزم الْيَاء إِذْ ذَلِك قَالُوا: أَتَت عَلَيْهِ سِنِين.
وَقَالَ الشَّاعِر: دَعَاني من نجدٍ فَإِن سنينه ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَالَ سحيم: وماذا تَدْرِي الشُّعَرَاء مني ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى.
قَالَ شَارِحه ابْن يعِيش: اعْلَم أَن من الْعَرَب من يَجْعَل إِعْرَاب هَذَا الْجمع فِي النُّون بِشَرْط أَن يلْحقهُ نقصٌ كسنين.
وَالشَّيْخ قد أطلق هُنَا وَالْحق مَا ذكرته. انْتهى.)
وَالْبَيْت من قصيدة للصمة بن عبد الله الْقشيرِي وَبعده: الطَّوِيل
(لحا الله نجداً كَيفَ يتْرك ذَا الندى ... بَخِيلًا وحر النَّاس تحسبه عبدا)
(على أَن نجداً قد كساني حلَّة ... إِذا مَا رَآنِي جاهلٌ ظنني عبدا)
(سواداً وأخلاقاً من الصُّوف بَعْدَمَا ... أَرَانِي بنجدٍ نَاعِمًا لابساً بردا)
(على أَنه قد كَانَ للعين قُرَّة ... وللبيض والفتيان منزله حمدا)
(سقى الله نجداً من ربيعٍ وصيفٍ ... وجودٍ وتسكابٍ سقى مزنه نجدا)
стр. 3601
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَكَانَ من خَبره أَي: الصمَّة أَنه خطب ابْنة عَمه فاشتط عَمه فِي الْمهْر عَلَيْهِ وبخل عَلَيْهِ أَبوهُ بالجمال فزوجت من غَيره فَغَضب من عَمه وَأَبِيهِ وَخرج إِلَى طبرستان وَهِي مقرّ الديلم فَأَقَامَ بهَا مُدَّة حَيَاته إِلَى أَن مَاتَ فِيهَا. فَلهَذَا تَارَة يحن إِلَى نجد وَتارَة يذمه. انْتهى.
وَقَوله: ذراني من نجد ويروى أَيْضا: دَعَاني من نجد وهما بِمَعْنى أَي: اتركاني من ذكر نجدٍ.
ونجد من بِلَاد الْعَرَب وَهُوَ خلاف الْغَوْر والغور هُوَ
تهَامَة. وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. وَهُوَ مُذَكّر. كَذَا فِي الصِّحَاح.
والسنين: جمع سنة وَهِي هُنَا إِمَّا بِمَعْنى الْعَام وَإِمَّا بِمَعْنى الْقَحْط. وَيُقَال: أَرض بني فلَان سنة إِذا كَانَت مُجْدِبَة.
وشيباً حَال من نَا فِي بِنَا وَهُوَ بِالْكَسْرِ جمع أشيب وَهُوَ الَّذِي ابيض شعره. ومردا: حالٌ أَيْضا من نَا فِي شيبننا وَهُوَ جمع أَمْرَد وَهُوَ الَّذِي لَا شعر بعارضيه.
وَقَوله: لحا الله نجداً إِلَخ فِي الصِّحَاح لحاه الله أَي: قبحه ولعنه. والندى: الْجُود.
وروى بدله: الْغنى وحر: مَعْطُوف على ذَا الندى وَجُمْلَة: تحسبه فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي.
وَهَذَا الْبَيْت تعريضٌ بِأَبِيهِ وَعَمه.
وَنقل ابْن المستوفي عَن ثَعْلَب أَن المُرَاد من هَذَا الْبَيْت أَن عَيْش نجدٍ عيشٌ شَدِيد لَا بُد أَن يقوم بِالْمَالِ فِيهِ وَإِلَّا ضَاعَ.
وَنقل عَن ابْن الْأَعرَابِي أَيْضا أَنه ذمّ نجداً لشتائه وقيظه. وَهَذَا إِنَّمَا يَصح مَعَ قطع النّظر عَن
стр. 3602
سَبَب الشّعْر. وَنقل أَيْضا عَن أبي زيد الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين وَأَنه قَالَ: ذمّ نجداً لشدَّة شتائه وقيظه.)
وَلم أر فِي ديوَان أبي زيد إِلَّا الْبَيْت الشَّاهِد غير مشروح بِهَذَا الشَّرْح وَنَقله أَبُو عَليّ عَن أبي زيد فِي التَّذْكِرَة القصرية ثمَّ قَالَ: قَالَ ابْن الهيصم هَذَا الشَّيْخ الْكُوفِي الَّذِي يجلس إِلَى أبي حَاتِم قَالَ: أَنْشدني أعرابيٌّ بِالشَّام هَذَا الْبَيْت وَقَبله بَيْتا آخر وَهُوَ:
(لحا الله نجداً كَيفَ يتْرك ذَا الْغنى ... فَقِيرا وحر الْقَوْم تحسبه عبدا)
وَهَذَا إنشاد طريف. وَسمعت أَيْضا هَذَا الْبَيْت بقصر ابْن هُبَيْرَة من أَعْرَابِي. انْتهى.
وَكَأَنَّهُ لم يقف على هَذِه القصيدة وَلَا على شَيْء من خَبَرهَا.
وَقَوله: على أَن نجداً إِلَخ على هُنَا للاستدراك والإضراب وَكَذَلِكَ على الْآتِيَة. يُرِيد أَنه لما تغرب وَفَارق نجداً افْتقر وَلبس الثِّيَاب الْأَخْلَاق السود من الصُّوف. وناعماً: متنعماً مترفهاً.
وَقَوله: وللبيض والفتيان الْجَار وَالْمَجْرُور خبر مقدم ومنزله: مُبْتَدأ مُؤخر وَهُوَ مُضَاف لضمير نجد.
وَالْبيض: النِّسَاء الحسان. والفتيان: جمع الْفَتى وَهُوَ الشَّاب. وَالْحَمْد هُنَا بِمَعْنى الْمَحْمُود. وَهَذَا تشوق مِنْهُ إِلَى وَطنه وتحزن على مُفَارقَته مِنْهُ.
ثمَّ دَعَا لَهُ على طَريقَة
стр. 3603
الْعَرَب بقوله: سقى الله نجداً وَقَوله: من ربيع أَي: من مطر ربيع وجود مَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم: الْمَطَر الغزير. والمزن: السَّحَاب.
والصمة شاعرٌ إسلامي فِي الدولة المروانية وَهُوَ بدوي ولجده مرّة بن هُبَيْرَة صُحْبَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ.
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وعَلى نسبه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وَذكره الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف فَقَالَ: هُوَ الصمَّة بن عبد الله إِلَى آخر نسبه ثمَّ أورد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من شعره وَأورد صمتين من الشُّعَرَاء لبني جشم: أَحدهمَا: صمة الْأَكْبَر وَهُوَ مَالك بن الْحَارِث.
وَثَانِيهمَا: صمة الْأَصْغَر وَهُوَ مُعَاوِيَة بن الْحَارِث أَخُو مَالك بن الْحَارِث الصمَّة الْأَكْبَر. وَهَذَا الْأَصْغَر هُوَ أَبُو دُرَيْد بن الصمَّة وَكِلَاهُمَا شاعرٌ فارسٌ جاهلي.
والصمة بِالْكَسْرِ للصاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم.
وَقد أورد ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره الْبَيْت الشَّاهِد فَقَط وَنسبه إِلَى محجن بن مُزَاحم الغنوي.
وَالله أعلم.)
وَأنْشد بعده
٣ - (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ)
(وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء مني ... وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين)
لما تقدم قبله من أَنه مُعرب بالحركة على النُّون.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْد قَول الفرزدق:
стр. 3604
المنسرح
(إِنِّي لباكٍ على ابْني يوسفٍ جزعاً ... وَمثل فقدهما للدّين يبكيني)
(مَا سد حيٌّ وَلَا ميتٌ مسدهما ... إِلَّا الخلائف من بعد النَّبِيين)
وابنا يُوسُف هما مُحَمَّد أَخُو الْحجَّاج السفاك وَمُحَمّد ابْنه فَإِنَّهُ جَاءَهُ نعي أَخِيه يَوْم مَاتَ ابْنه.
قَالَ: أما قَوْله: من بعد النبين فخفض هَذِه النُّون وَهِي نون الْجمع وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِأَنَّهُ جعل الْإِعْرَاب فِيهَا لَا فِيمَا قبلهَا وَجعل هَذَا الْجمع كَسَائِر الْجمع نَحْو: أفلس ومساجد وكلاب فَإِن إِعْرَاب هَذَا كإعراب الْوَاحِد.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْجمع يكون على أبنيةٍ شَتَّى وَإِنَّمَا يلْحق مِنْهُ منهاج التَّثْنِيَة مَا كَانَ على حد التَّثْنِيَة لَا يكسر الْوَاحِد عَن بنائِهِ وَإِلَّا فَلَا فَإِن الْجمع كالواحد لاخْتِلَاف مَعَانِيه كَمَا تخْتَلف مَعَاني الْوَاحِد والتثنية لَيست كَذَلِك لِأَنَّهَا ضرب وَاحِد لَا يكون اثْنَان أَكثر من اثْنَيْنِ عددا كَمَا يكون الْجمع أَكثر من الْجمع.
فمما جَاءَ على هَذَا الْمَذْهَب قَوْلهم: هَذِه سنينٌ فَاعْلَم وَهَذِه عشرينٌ فَاعْلَم.
(إِنِّي أبيٌّ أبيٌّ ذُو محافظةٍ ... وَابْن أبيٍّ أبيٍّ من أبيين)
(وَأَنْتُم معشر زيدٌ على مائةٍ ... فَأَجْمعُوا كيدكم كلا فكيدوني)
وَقَالَ سحيم بن وثيل:
стр. 3605
(وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء مني ... وَقد جَاوَزت رَأس الْأَرْبَعين)
(أَخُو خمسين مجتمعٌ أشدي ... ونجذني مداورة الشؤون)
وَفِي كتاب الله : إِلَّا من غسلين. فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن غسلين وَاحِد.
فَجَوَابه أَن كل مَا كَانَ على بِنَاء الْجمع من الْوَاحِد فإعرابه إِعْرَاب الْجمع. أَلا ترى أَن عشْرين لَيْسَ لَهَا واحدٌ من لَفظهَا فإعرابها كإعراب مُسلمين وواحدهم مُسلم. وَكَذَلِكَ جَمِيع الْإِعْرَاب.
وَيَقُولُونَ: هَذِه فلسطون يَا فَتى وَرَأَيْت فلسطين يَا فَتى وَهَذَا القَوْل الأجود. وَكَذَلِكَ: يبرين)
وَفِي الرّفْع: يبرون يَا فَتى. وكل مَا أشبه هَذَا فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ تَقول: هَذِه قنسرون وَرَأَيْت قنسرين.
والأجود فِي هَذَا الْبَيْت: المتقارب
(وشاهدنا الجل والياسمو ... ن والمسمعات بقصابها)
وَفِي الْقُرْآن مَا يصدق ذَلِك قَول الله : كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين. وَمَا أَدْرَاك مَا عليون. انْتهى.
فَأَما قَول سحيم بن وثيل: وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين.
فَلَيْسَتْ النُّون حرف إِعْرَاب وَلَا الكسرة فِيهَا عَلامَة جر الِاسْم
стр. 3606
وَإِنَّمَا هِيَ حَرَكَة التقاء الساكنين وهما الْيَاء وَالنُّون وَكسرت على أصل حَرَكَة التقاء الساكنين وَلم يفتح كَمَا يفتح نون الْجمع لِأَن الشَّاعِر اضْطر إِلَى ذَلِك لِئَلَّا تخْتَلف حَرَكَة الروي فِي سَائِر الأبيات.
ويدلك على أَن الْحَرَكَة الَّتِي هِيَ الكسرة لَيست جراً قَول الشَّاعِر: وَابْن أبيٍّ أبيٍّ من أبيين فأبيون جمع أبي مثل ظريفون من ظريف.
فَكَمَا لَا شكّ أَن كسر نون أبيين إِنَّمَا هِيَ لالتقاء الساكنين لِأَنَّهُ جمع تَصْحِيح فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن تكون كسرة نون الْأَرْبَعين.
وَكَذَلِكَ قَول الفرزدق: إِلَّا الخلائف من بعد النَّبِيين وَهَذَا أَيْضا جمع نَبِي على الصِّحَّة لَا محَالة فكسرة نون الْجمع فِي هَذِه الْأَشْيَاء ضَرُورَة وأجريت فِي ذَلِك مجْرى نون التَّثْنِيَة. انْتهى.
(أَقُول لما أرى كَعْبًا ولحيته ... لَا بَارك الله فِي بضعٍ وَسِتِّينَ)
(من السنين تملاها بِلَا حسب ... وَلَا حياءٍ وَلَا عقلٍ وَلَا دين)
قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاس يذهب فِي قَول سحيم: وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين إِلَى أَن أخرجه على أصل التقاء الساكنين وَهُوَ الكسرة ضَرُورَة.
ويؤكد ذَلِك هَا هُنَا أَيْضا قَوْله بعده من السنين فجَاء بِمن المرادة فِي
стр. 3607
جَمِيع التفاسير من أحد)
عشر إِلَى تِسْعَة وَتِسْعين.
أَلا ترى أَن أصل حَرَكَة عشْرين درهما إِنَّمَا هُوَ عشرُون من الدَّرَاهِم فمجيئه بالتمييز على أَصله يؤنسك بِأَن كسر نون السنين من قبلهَا هُوَ أَيْضا خروجٌ فِيهَا عَن الأَصْل غير أَن النُّون فِي السنين الثَّانِيَة مَفْتُوح على الِاسْتِعْمَال وَلم يضْطَر إِلَى كسرهَا كَمَا يضْطَر فِي القافية قبلهَا. انْتهى.
وَأَرَادَ بِأبي الْعَبَّاس الْمبرد وَقد نقلنا كَلَامه وَلَيْسَ فِيهِ مَا نَقله عَنهُ وَكَلَامه بعده غير وَاضح.
انْتهى أَيْضا فَتَأَمّله.
وسحيم بن وثيل شاعرٌ إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب مَعَ شرح عدَّة أبياتٍ من هَذِه القصيدة.
(عذرت البزل إِن هِيَ خاطرتني ... فَمَا بالي وبال ابْني لبون)
البزل: جمع بازل وَهُوَ المسن من الْإِبِل. وضربه مثلا. يَقُول: عذرت المسان من الشُّعَرَاء إِذا تعرضوا لي وهاجوني فَكيف بغلامين حديثين يَعْنِي الأبيرد
والأخوص وَكَانَا تعرضا لَهُ.
стр. 3608
وَقَوله: وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء إِلَخ يدْرِي بِالدَّال الْمُهْملَة يُقَال: ادراه يدريه إِذا ختله وخدعه.
يَقُول: كَيفَ يطْمع الشُّعَرَاء فِي خديعتي وَقد جَاوَزت أَرْبَعِينَ سنة وقاربت الْخمسين وَقد اجْتمع أشدي وجربت وَعرفت الخديعة وَالْمَكْر فَلَا يتم عَليّ شيءٌ.
والشؤون: جمع شَأْن. ومداورتها: التقلب فِيهَا وَالتَّصَرُّف.
ونجذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي أحكم يُقَال: رجل منجذٌ إِذا كَانَ قد جرب الْأُمُور ونجذته الْأُمُور إِذا أحكمته كَمَا يُقَال: حنكته التجارب.
والناجذ: آخر الأضراس وَيُقَال لَهُ: ضرس الْحلم. وَمن ذَلِك قَوْلهم: ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه.
واجتماع الأشد عبارةٌ عَن كَمَال القوى وَتَمام الْعقل.
وَأنْشد بعده الوافر غراث الوشح صامتة البرين لما تقدم قبله من أَنه مُعرب بالحركة على النُّون.
وَهُوَ جمع برة بِضَم الْبَاء قَالَ فِي الصِّحَاح: كل حلقةٍ من سوار وقرط وخلخال وَمَا أشبههَا)
برة.
قَالَ: الوافر وقعقعن الخلاخل والبرينا والبرة أَيْضا: حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي أحد جَانِبي المنخرين. قَالَ: وَرُبمَا كَانَت الْبرة من شعر فَهِيَ الخزامة.
стр. 3609
قَالَ أَبُو عَليّ: أصل الْبرة بروة لِأَنَّهَا جمعت على بَرى مثل قَرْيَة وقرًى وَيجمع براتٍ وبرين.
انْتهى.
وَالصَّوَاب أَن أَصْلهَا بروة بِضَم الْبَاء لَا بِفَتْحِهَا نَحْو: غرفَة وغرف وخصلةٍ وخصل.
وَهَذَا المصراع عجزٌ وصدره: حسان مَوَاضِع النقب الأعالي وَقد أوردهُ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر مَعَ أبياتٍ أخر على طرز البرين من قصيدة هَذَا الْبَيْت وَغَيرهَا ثمَّ قَالَ: وَقد ذكر هَذَا الضَّرْب من الْجمع حَتَّى لَو جعل قِيَاسا مستمراً كَانَ مذهبا.
انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للطرماح عدتهَا سَبْعُونَ بَيْتا كلهَا غزلٌ ونسيب.
وَقَبله:
(ظعائن كنت أعهدهن قدماً ... وَهن لَدَى الْأَمَانَة غير خون)
وَبعده:
(طوالٌ مثل أَعْنَاق الهوادي ... نواعم بَين أبكار وَعون)
والظعائن: جَمِيع ظَعِينَة وَهِي الْمَرْأَة مَا دَامَت فِي الهودج. والعهد: الْحِفْظ بالبال. وقدماً بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال قدماً كَانَ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ اسْم من الْقدَم جعل اسْما من أَسمَاء الزَّمَان.
وخون: جمع خَائِنَة. وَجُمْلَة: وَهن لَدَى الْأَمَانَة إِلَخ حَال من مفعول أعهدهن.
стр. 3610
وَقَوله: حسان مَوَاضِع إِلَخ جمع امْرَأَة حَسَنَة بِمَعْنى حسناء. والنقب بِضَم فَفتح: جمع نقبة بِسُكُون الثَّانِي هُوَ اللَّوْن وَالْوَجْه. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَأَرَادَ بالأعالي مَا يظْهر للشمس من الْوَجْه والعنق وأطرافه فَإِنَّهَا مَعَ ظُهُورهَا للشمس والهواء)
وَالْحر وَالْبرد إِذْ كَانَت فِي غَايَة الْحسن والصفاء وَنِهَايَة اللطف فغيرها يكون أحسن.
وغراث: جمع غرثان بِمَعْنى الجوعان وَأَرَادَ لَازمه وَهُوَ الهزيل اللَّازِم من الْجُوع.
والوشح بِالضَّمِّ: جمع وشاح بِالْكَسْرِ وَالضَّم وَهُوَ شيءٌ ينسج عريضاً من أَدِيم ويرصع بالجواهر وتشده الْمَرْأَة بَين عاتقيها وكشحيها.
قَالَ فِي الصِّحَاح: وَامْرَأَة غرثى الوشاح أَي: دقيقة الخصر لَا يمْلَأ وشاحها فَكَأَنَّهُ غرثان.
وصامته أَي: ساكتة. وسكوت الْبرة كِنَايَة عَن امتلاء سَاقيهَا لَحْمًا بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّك ليسمع لَهُ صَوت. والبرة هُنَا: الخلخال.
وَقَوله: طوال مثل إِلَخ هُوَ جمع طَوِيل وطويلة.
والمثل: الشّبَه. أَرَادَ تَشْبِيه أعناقهن بأعناق الظباء.
وَرَوَاهُ الْمولى خسرو فِي حَاشِيَته على الْبَيْضَاوِيّ بِفَتْح الْمِيم والشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام على إِضَافَة طوال إِلَيْهِ. قَالَ: والمشل: مفعل من شللت الثَّوْب أَي: خطته وَالْمرَاد بِهِ مَا يستر الْأَعْنَاق. هَذَا كَلَامه.
وَتَبعهُ خضرٌ الْموصِلِي فِي شرح شَوَاهِد
следующие страницы →