← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وَقَالَ الشاطبي عِنْد قَول ابْن مَالك: (وأفعل التَّفْضِيل صله أبدا ... تَقْديرا أَو لفظا بِمن إِن جردا) قَوْله: أبدا فِيهِ تنكيت وتنبيه على أَن الْمُجَرّد لَا يَأْتِي بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل مُجَردا من معنى من) قِيَاسا أصلا خلافًا للمبرد الْقَائِل بِأَنَّهُ جَائِز قِيَاسا فَيجوز عِنْده أَن تَقول: زيد أفضل غير مقصودٍ بِهِ التَّفْضِيل على شيءٍ بل بِمَعْنى فَاضل. وَزعم أَن معنى قَوْلهم فِي الْأَذَان وَغَيره: الله أكبر: الله الْكَبِير لِأَن المفاضلة تَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِي الْمَعْنى الْوَاقِع فِيهِ التَّفْضِيل والمفاضلة فِي الْكِبْرِيَاء هُنَا تَقْتَضِي الْمُشَاركَة إِن قدر فِيهِ من كل شَيْء. ومشاركة الْمَخْلُوق للخالق فِي ذَلِك أَو فِي غَيره من أَوْصَاف الرب محالٌ بل كل كَبِير بِالْإِضَافَة إِلَى كبريائه لَا نِسْبَة لَهُ بل هُوَ كلا شَيْء. وَكَذَلِكَ قَول فِي قَوْله: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ تَقْدِيره معنى: وَهُوَ هينٌ عَلَيْهِ لِأَن جَمِيع المقدورات متساويةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قدرَة الله فَلَا يَصح فِي مَقْدُور مفاضلة الْهون فِيهِ على مقدورٍ آخر. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: هُوَ أعلم بكم إِذْ لَا مُشَاركَة لأحدٍ بَين علمه وَعلم الله تَعَالَى. (إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا ... بَيْتا ... ... ... الْبَيْت) أَي: عزيزة وطويلة. فَهَذِهِ مَوَاضِع لَا يَصح فِيهَا معنى المفاضلة

стр. 3817

فَثَبت أَنَّهَا صِفَات مُجَرّدَة عَن ذَلِك مساويةٌ لسَائِر الصِّفَات. وَمثل ذَلِك كثير. فقاس الْمبرد على ذَلِك مَا فِي مَعْنَاهُ. فالناظم نكت عَلَيْهِ وارتضى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَمن وَافقه وَأَن أفعل التَّفْضِيل لَا يتجرد من معنى من إِذا كَانَ مُجَردا أصلا. وَمَا جَاءَ مِمَّا ظَاهره خلاف ذَلِك فَهُوَ راجعٌ إِلَى تَقْدِير معنى من أَو إِلَى بابٍ آخر. فَأَما المفاضلة فِيمَا يرجع إِلَى الله تَعَالَى فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَة المخلوقين فِي التخاطب وعَلى حسب توهمهم العادي. فَقَوله: الله أكبر معنى ذَلِك أكبر من كل شيءٍ يتَوَهَّم لَهُ كبر أَو على حسب مَا اعتادوه فِي المفاضلة بَين المخلوقين وَإِن كَانَ كبرياء الله تَعَالَى لَا نِسْبَة لَهَا إِلَى كبر الْمَخْلُوق. وَكَذَلِكَ قَوْله: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ. يُرِيد على مَا جرت بِهِ عادتكم أَن إِعَادَة مَا تقدم اختراعه أسهل من اختراعه ابْتِدَاء. وَقَوله: هُوَ أعلم بكم أَي: مِنْكُم حَيْثُ تتوهمون أَن لكم علما وَللَّه تَعَالَى علما أَو على حد مَا تَقولُونَ: هَذَا أعلم من هَذَا. وَهِي طَريقَة الْعَرَب فِي كَلَامهَا وَبهَا نزل الْقُرْآن. خوطبوا بِمُقْتَضى كَلَامهم وَبِمَا يعتادون فِيمَا) بَينهم. وَقد بَين هَذَا سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ. أَلا ترى أَنه حِين تكلم على لَعَلَّ فِي قَوْله تَعَالَى: لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى صرف

стр. 3818

مقتضاها من الطمع إِلَى المخلوقين فَقَالَ: وَالْعلم قد أَتَى من وَرَاء مَا يكون وَلَكِن اذْهَبَا على طمعكما ورجائكما ومبلغكا من الْعلم. قَالَ: وَلَيْسَ لَهما إِلَّا ذَاك مَا لم يعلمَا. وَهَذَا من سِيبَوَيْهٍ غَايَة التَّحْقِيق. وَكَثِيرًا مَا يذكر أَمْثَال هَذَا فِي كِتَابه. وَأما بَيت الفرزدق فَغير خَارج عَن تَقْدِير من فقد رُوِيَ عَن رؤبة بن العجاج أَن رجلا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الجحاف أَخْبرنِي عَن قَول الفرزدق: أطول من كل شَيْء فَقَالَ لَهُ: رويداً إِن الْعَرَب تجتزىء بِهَذَا. قَالَ: وَقَالَ الْمُؤَذّن: الله أكبر فَقَالَ رؤبة: أما تسمع إِلَى قَوْله: الله أكبر اجتزأ بهَا من أَن يَقُول من كل شَيْء. هَذَا مَا قَالَ وَهُوَ ظاهرٌ فِي صِحَة التَّقْدِير وَأَنه مُرَاد الْعَرَب. ثمَّ إِن الَّذِي يدل على أَن المُرَاد معنى من أَن أفعل فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَنَحْوهَا لَا يثنى وَلَا يجمع وَلَا يؤنث وَمَا ذَاك إِلَّا لمَانع تَقْدِير من كَقَوْلِه تَعَالَى: أَصْحَاب الْجنَّة يومئذٍ خيرٌ مُسْتَقرًّا وَقَوله: وَالَّذِي جَاءَ من ذَلِك على الْجمع شَاذ نَحْو مَا أنْشدهُ الْفَارِسِي من قَول الشَّاعِر: إِذا غَابَ عَنْكُم أسود الْعين ... ... ... الْبَيْت أنْشدهُ الْمُؤلف فِي الشَّرْح على أَنه جمع ألأم مُجَردا عَن تَقْدِير من.

стр. 3819

وَحمله الْفَارِسِي على أَنه جمع لئيم كقطيع وأقاطيع وَحَدِيث وَأَحَادِيث وَحذف الزِّيَادَة. انْتهى كَلَام الشاطبي. وَلم يذكر الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ الشَّارِح الْمُحَقق. والتفضيل فِيهِ غير مُرَاد فَإِن أَصْغَر حالٌ من الضَّمِير فِي ألأم وَالْمعْنَى نسبتهم إِلَى أَشد اللؤم فِي حَال صغرهم وَفِي حَال كبرهم والتفضيل لَا وَجه لَهُ إِلَّا بتكلف وَهُوَ أَن يكون التَّقْدِير: أَصْغَر من غَيره وأكبر مِنْهُ. وَهَذَا معنى سخيف. وَيجوز أَن يكون أَصْغَر صفة لألأم للتعميم فَيرجع إِلَى معنى الحالية. وَلَا وَجه لجعله صفة لقوم. فَتَأمل. وألأم مَنْصُوب على الذَّم وَيجوز أَن يكون صفة لقَوْله: نَفرا وَيجوز أَيْضا رَفعه على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: أَنْتُم ألأم قومٍ وَالْقطع للذم أَيْضا. واللؤم بِالْهَمْز: ضد الْكَرم يُقَال: لؤم على وزن كرم فَهُوَ لئيم وَهُوَ الشحيح والدنيء النَّفس والمهين.) وَقَوله: قبحتم هُوَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَتَشْديد الْبَاء. يُقَال: قبحه الله يقبحه بِفَتْح الباءين المخفقتين. أَي: نحاه عَن الْخَيْر. وَفِي التَّنْزِيل: هم من المقبوحين أَي: المبعدين عَن الْفَوْز. وقبحه الله وَنَفَرًا: تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل وَالتَّقْدِير: قبح نفركم يَا آل زيد. والنفر بِفتْحَتَيْنِ: جمَاعَة الرِّجَال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة وَقيل إِلَى سَبْعَة. وَلَا يُقَال: نفر فِيمَا زَاد على الْعشْرَة. قَالَه صَاحب الْمِصْبَاح. وَفِي ذكر النَّفر ذمّ أَيْضا.

стр. 3820

وَالْبَيْت لم أَقف لَهُ على خبر. وَالله أعلم. وأنشده بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل ملوكٌ عظامٌ من ملوكٍ أعاظم على أَن أعاظم بِمَعْنى عِظَام وَهُوَ جمع أعظم بِمَعْنى عَظِيم غير مُرَاد بِهِ التَّفْضِيل. وَلَو كَانَ مرَادا للَزِمَ الْإِفْرَاد والتذكير. وَيَأْتِي فِيهِ مَا نَقله الشاطبي عَن الْفَارِسِي من أَنه جمع عَظِيم مَعَ حذف الزِّيَادَة. والمصراع من أبياتٍ لأعرابيٍّ. وَالرِّوَايَة كَذَا: (توسمته لما رَأَيْت مهابةً ... عَلَيْهِ وَقلت الْمَرْء من آل هَاشم) (فَقُمْت إِلَى عنزٍ بَقِيَّة أعنزٍ ... لأذبحها فعل امرىءٍ غير نادم) (فعوضني عَنْهَا غناي وَلم تكن ... تَسَاوِي عنزي غير خمس دَرَاهِم) (فَقلت لأهلي فِي الْخَلَاء وصبيتي ... أحقاً أرى أم تِلْكَ أَحْلَام نَائِم) (فَقَالُوا جَمِيعًا لَا بل الْحق هَذِه ... تخب بهَا الركْبَان وسط المواسم) (بِخمْس مئينٍ من دَنَانِير عوضت ... من العنز مَا جَادَتْ بِهِ كف حَاتِم) رُوِيَ أَن عبيد الله بن الْعَبَّاس ﵄ خرج مرّة من الْمَدِينَة يُرِيد مُعَاوِيَة فِي الشَّام فأصابته سَمَاء فَنظر إِلَى نويرةٍ عَن يَمِينه فَقَالَ لغلامه: مل بِنَا إِلَيْهَا. فَلَمَّا أتياها إِذا شيخ ذُو هَيْئَة

стр. 3821

رثَّة فَقَالَ لَهُ: أنخ انْزِلْ حييت وَدخل إِلَى منزله فَقَالَ لامْرَأَته: هيئي شَاتك أَقْْضِي بهَا ذمام هَذَا الرجل فقد توسمت فِيهِ الْخَيْر فَإِن يكن من مُضر فَهُوَ من بني عبد الْمطلب وَإِن يكن من الْيمن فَهُوَ من بني آكل المرار.) فَقَالَت لَهُ: قد عرفت حَال صبيتي وَأَن معيشهم مِنْهَا وأخاف الْمَوْت عَلَيْهِم إِن فقدوها. فَقَالَ: مَوْتهمْ أحب إِلَيّ من اللؤم. ثمَّ قبض على الشَّاة فَأخذ الشَّفْرَة وَأنْشد: الرجز (قريبتي لَا توقظي بنيه ... إِن يوقظوا ينسحبوا عَلَيْهِ) ثمَّ ذَبحهَا وكشط جلدهَا وقطعها أَربَاعًا وقذفها فِي الْقدر حَتَّى إِذا اسْتَوَت اثرد فِي جفنةٍ فعشاهم ثمَّ غداهم فَأَرَادَ عبيد الله الرحيل: فَقَالَ لغلامه: ارْمِ للشَّيْخ مَا مَعَك من نَفَقَة. فَقَالَ: ذبح لَك الشَّاة فكافأته بِمثل عشرَة أَمْثَالهَا وَهُوَ لَا يعرفك فَقَالَ: وَيحك إِن هَذَا لم يكن يملك من الدُّنْيَا غير هَذِه الشَّاة فجاد لنا بهَا وَإِن كَانَ لَا يعرفنا فَأَنا أعرف نَفسِي ارْمِ بهَا إِلَيْهِ. فَرَمَاهَا إِلَيْهِ فَكَانَت خَمْسمِائَة دِينَار. فارتحل عبيد الله فَأتى مُعَاوِيَة فَقضى حَاجته ثمَّ أقبل رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا قرب من ذَلِك الشَّيْخ قَالَ لغلامه: مل بِنَا إِلَيْهِ ننظره فِي أَي حَالَة هُوَ فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ فَإِذا برجلٍ سري عِنْده دخانٌ عالٍ ورماد كثير وإبل وغنم ففرح بذلك وَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: انْزِلْ بالرحب وَالسعَة. وَقَالَ: أتعرفني فَقَالَ: لَا وَالله فَمن أَنْت فَقَالَ: أَنا نزيلك لَيْلَة كَذَا وَكَذَا. فَقَامَ إِلَيْهِ فَقبل رَأسه وَيَديه وَرجلَيْهِ وَقَالَ: قد قلت أبياتاً أتسمعها مني

стр. 3822

فَقَالَ: هَات. فَأَنْشد هَذِه الأبيات فَضَحِك عبيد الله وَقَالَ: أَعطيتنَا أَكثر مِمَّا أخذت منا يَا غُلَام أعْطه مثلهَا فبلغت فعلته مُعَاوِيَة فَقَالَ: لله در عبيد الله من أَي بيضةٍ خرج وَفِي أَي عش درج وَهِي لعمري من فعلاته وَقَوله: توسمته بِمَعْنى تفرسته من التوسم يُقَال: توسمت فِيهِ الْخَيْر أَي: طلبت سمته. وَقَوله: وَإِلَّا فَمن آل المرار أَي: إِن لم يكن من آل هَاشم فَهُوَ من آل المرار على حذف مُضَاف أَي: آل آكل المرار وهم مُلُوك الْيمن. قَالَ صَاحب الْقَامُوس: والمرار بِالضَّمِّ: شجرٌ من أفضل العشب وأضخمه إِذا أَكلته الْإِبِل قلصت مشافرها فبدت أسنانها وَلذَلِك قيل لجد امرىء الْقَيْس: آكل المرار لكشرٍ كَانَ بِهِ. وَقَالَ الشريف الجواني: إِن فِي آكل المرار خلافًا هَل هُوَ الْحَارِث بن عَمْرو بن حجر بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع أم هُوَ حجر بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة) وَإِن الْحَارِث إِنَّمَا سمي آكل المرار لِأَن عَمْرو بن الهبولة الغساني أغار عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَارِث غَائِبا فغنم وسبى وَكَانَ فِيمَن سبى أم أناسٍ بنت عَوْف بن محلم الشَّيْبَانِيّ امْرَأَة الْحَارِث فَقَالَت لعَمْرو بن الهبولة فِي مسيره: لكَأَنِّي برجلٍ أدلم أسود كَأَن مشافره مشافر بعيرٍ آكل المرار قد أَخذ برقبتك تَعْنِي الْحَارِث. فَسُمي آكل المرار. والمرار كغراب: شجر مرٌّ إِذا أكلت مِنْهَا الْإِبِل تقلصت مشافرها. ثمَّ تبعه الْحَارِث فِي بكر بن وَائِل فَلحقه فَقتله واستنفذ امْرَأَته وَمَا كَانَ أصَاب.

стр. 3823

وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي كتاب الِاشْتِقَاق: إِن آكل المرار الْحَارِث جد امرىء الْقَيْس الشَّاعِر ابْن وَقَوله: ملوكٌ عظامٌ إِلَخ بتنوين مُلُوك وَعِظَام: وَصفه وَكَذَلِكَ مَا بعده. وَقَوله: فعوضني إِلَخ فَاعله ضمير الْمَرْء من آل هَاشم المُرَاد بِهِ عبيد الله ابْن عَبَّاس. وغناي الْمَفْعُول الثَّانِي لعوض. والغنى: ضد الْفقر وَضمير عَنْهَا للعنز. وَقَوله: تَسَاوِي بِضَم الْيَاء للضَّرُورَة أوردهُ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَقَالَ: أجْرى حرف الْعلَّة مجْرى الْحَرْف الصَّحِيح فأظهر الضمة عَلَيْهِ. وَكَذَا أوردهُ الْمرَادِي فِي شرح الألفية. وَقَوله: فَقلت لأهلي إِلَخ الْخَلَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الفضاء. وصبية: جمع صبي أَي: قلت لزوجتي وأولادي. وَقَوله: أحقاً أرى إِلَخ يَقُول: من شدَّة سروري بِالدَّنَانِيرِ دهشت فَقلت لَهُم مستفهماً: أما أرَاهُ حَقًا أم تِلْكَ الدَّنَانِير أضغاث أَحْلَام. وَقَوله: تخب بهَا أَي: بذكرها أَي: بِذكر الدَّنَانِير. وتخب تسرع من الخبب وَهُوَ ضربٌ من الْعَدو وَفعله من بَاب نصر وركبان جمع رَاكب. والمواسم: جمع موسم الْحَج. وَقَوله: بِخمْس مئين إِلَخ هُوَ بدلٌ من قَوْلهَا بهَا. ومئين بِالْكَسْرِ والتنوين لُغَة أَو ضَرُورَة جمع مائَة. وعوضت: جعلت عوضا من العنز.

стр. 3824

وَقَوله: مَا جَادَتْ إِلَخ. مَا: نَافِيَة أَي: لم تَجِد كف حَاتِم بِهَذَا الْجُود. وَيحْتَمل أَن تكون مَا مَوْصُولَة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ مَا جَادَتْ بِهِ كف حَاتِم. المُرَاد بِهِ عبيد الله بن الْعَبَّاس بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ أَخُو عبد الله بن الْعَبَّاس ﵃ حبر هَذِه الْأمة.) وَالْأول مشهورٌ بالجود معدودٌ من الأجواد وَالثَّانِي مَشْهُور بِالْعلمِ وَإِن كَانَا فِي الْعلم والجود مشتركين. وَقد أورد ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد بعض مَا يتَعَلَّق بجود عبيد الله. مِنْهَا: أَنه أول من فطر جِيرَانه فِي رَمَضَان وَأول من وضع الموائد على الطّرق وَأول من حَيا على طَعَامه وَأول من أنهبه. وَمن جوده: أَنه أَتَاهُ وَهُوَ بِفنَاء دَاره فَقَامَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْن عَبَّاس إِن لي عنْدك يدا وَقد احتجت إِلَيْهَا. فَصَعدَ فِيهِ بَصَره وَصَوَّبَهُ فَلم يعرفهُ ثمَّ قَالَ لَهُ: مَا يدك عندنَا قَالَ: رَأَيْتُك وَاقِفًا بِبَاب زَمْزَم وغلامك يمتح لَك من مَائِهَا وَالشَّمْس قد صهرتك فظلتك بِطرف كسائي حَتَّى شربت. قَالَ: إِنِّي لأذكر ذَلِك وَإنَّهُ يتَرَدَّد بَين خاطري وفكري. ثمَّ قَالَ لقيمه: مَا عنْدك قَالَ: مِائَتَا دِينَار وَعشرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: ادفعها إِلَيْهِ وَمَا أَرَاهَا قَالَ لَهُ الرجل: وَالله لَو لم يكن لإسماعيل ولدٌ غَيْرك لَكَانَ فِيهِ مَا كَفاهُ فَكيف

стр. 3825

وَقد ولد سيد الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّدًا ﷺ َ ثمَّ شفع بأبيك وَبِك. وَمن جوده أَيْضا: أَن مُعَاوِيَة حبس عَن الْحُسَيْن بن عَليّ صلَاته حَتَّى ضَاقَتْ حَاله عَلَيْهِ فَقيل: لَو وجهت إِلَى ابْن عمك عبيد الله فَإِنَّهُ قدم بِنَحْوِ ألف ألف دِرْهَم. فَقَالَ الْحُسَيْن: وَأَيْنَ تقع ألف ألفٍ من عبيد الله فوَاللَّه لَهو أَجود من الرّيح إِذا عصفت وأسخى من الْبَحْر إِذا زخر. ثمَّ وَجه إِلَيْهِ مَعَ رَسُوله بكتابٍ ذكر فِيهِ حبس مُعَاوِيَة عِنْد صلَاته وضيق حَاله وَأَنه يحْتَاج إِلَى مائَة ألف دِرْهَم. فَلَمَّا قَرَأَ عبيد الله كِتَابه وَكَانَ من أرق النَّاس قلباً انهملت عَيناهُ ثمَّ قَالَ: وَيلك يَا مُعَاوِيَة مَا اجترحت يداك من الْإِثْم حِين أَصبَحت لين المهاد رفيع الْعِمَاد وَالْحُسَيْن يشكو ضيق الْحَال وَكَثْرَة الْعِيَال ثمَّ قَالَ لقهرمانه: احْمِلْ إِلَى الْحُسَيْن نصف مَا أملكهُ من فضَّة وَذهب وثوبٍ ودابة وَأخْبرهُ أَنِّي شاطرته مَالِي فَإِن أقنعه ذَلِك وَإِلَّا فَارْجِع واحمل إِلَيْهِ الشّطْر الآخر. فَقَالَ لَهُ الْقيم: فَهَذِهِ الْمُؤَن الَّتِي عَلَيْك من أَيْن تقوم بهَا قَالَ: إِذا بلغنَا ذَلِك دللتك على أمرٍ يُقيم فَلَمَّا أَتَى الرَّسُول برسالته إِلَى الْحُسَيْن قَالَ: إِنَّا لله حملت وَالله على ابْن عمي وَمَا حسبته يَتَّسِع) لنا بِهَذَا كُله. فَأخذ الشّطْر من مَاله. وَهُوَ أول من فعل ذَلِك فِي الْإِسْلَام. وَمن جوده: أَن مُعَاوِيَة أهْدى إِلَيْهِ وَهُوَ عِنْده بِالشَّام من هَدَايَا النيروز حللاً كَثِيرَة ومسكاً وآنيةً من ذهبٍ وَفِضة ووجهها مَعَ حَاجِبه فَلَمَّا وَضعهَا بَين يَدَيْهِ نظر إِلَى الْحَاجِب وَهُوَ ينظر إِلَيْهَا فَقَالَ: هَل فِي

стр. 3826

نَفسك مِنْهَا شيءٌ فَقَالَ: نعم وَالله إِن فِي نَفسِي مِنْهَا مَا كَانَ فِي نفس يَعْقُوب من يُوسُف ﵉ فَضَحِك عبيد الله وَقَالَ: فشأنك بهَا فَهِيَ لَك. قَالَ: جعلت فدَاك أَخَاف أَن يبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فيجد عَليّ. قَالَ: فاختمها بخاتمك وارفعها إِلَى الخازن فَإِذا حَان خروجنا حملهَا إِلَيْك لَيْلًا. فَقَالَ الْحَاجِب: وَالله لهَذِهِ الْحِيلَة فِي الْكَرم أَكثر من الْكَرم ولوددت أَنِّي لَا أَمُوت حَتَّى أَرَاك مَكَانَهُ يَعْنِي مُعَاوِيَة فَظن عبيد الله أَنَّهَا مكيدة مِنْهُ. قَالَ: دع عَنْك هَذَا الْكَلَام فَإنَّا قومٌ نفي بِمَا وعدنا وَلَا ننقض مَا أكدنا. وَمن جوده أَيْضا: أَنه أَتَاهُ سائلٌ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَقَالَ لَهُ: تصدق فَإِنِّي نبئت أَن عبيد الله بن الْعَبَّاس أعْطى سَائِلًا ألف دِرْهَم وَاعْتذر إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: وَأَيْنَ أَنا من عبيد الله قَالَ: أَيْن أَنْت مِنْهُ فِي الْحسب أم كَثْرَة المَال قَالَ: فيهمَا. قَالَ: أما الْحسب فِي الرجل فمروءته وَفعله وَإِذا شِئْت فعلت وَإِذا فعلت كنت حسيباً. فَأعْطَاهُ ألفي دِرْهَم وَاعْتذر إِلَيْهِ من ضيق الْحَال فَقَالَ لَهُ السَّائِل: إِن لم تكن عبيد الله بن عَبَّاس فَأَنت خيرٌ مِنْهُ وَإِن كنته فَأَنت الْيَوْم خيرٌ مِنْك أمس فَأعْطَاهُ ألفا أُخْرَى فَقَالَ السَّائِل: هَذِه هزة كريم حسيبٍ وَالله لقد نقرت حَبَّة قلبِي فأفرغتها فِي قَلْبك فَمَا أَخْطَأت إِلَّا باعتراض الشد من جوانحي. وَمن جوده أَيْضا: أَنه جَاءَهُ رجلٌ من الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا ابْن عَم رَسُول الله ولد لي فِي هَذِه اللَّيْلَة مولودٌ وَإِنِّي سميته بِاسْمِك تبركاً مني بِهِ وَإِن أمه مَاتَت. فَقَالَ عبيد الله: بَارك الله لَك فِي الْهِبَة وأجزل لَك

стр. 3827

الْأجر على الْمُصِيبَة. ثمَّ دَعَا بوكيله فَقَالَ: انْطلق السَّاعَة فاشتر للمولود جَارِيَة تحضنه وادفع إِلَيْهِ مِائَتي دينارٍ للنَّفَقَة على تَرْبِيَته. ثمَّ قَالَ للْأَنْصَارِيِّ: عد إِلَيْنَا بعد أَيَّام فَإنَّك جئتنا وَفِي الْعَيْش يبس وَفِي المَال قلَّة قَالَ الْأنْصَارِيّ: لَو سبقت حاتماً بيومٍ وَاحِد مَا ذكرته الْعَرَب أبدا وَلكنه سَبَقَك فصرت لَهُ) تالياً وَأَنا أشهد أَن عفوك أَكثر من مجهوده وطل كرمك أَكثر من وابله. هَذَا مَا اخترناه من العقد وَفِيه كِفَايَة وقصدنا بتسطيره الثَّوَاب وَإِن كَانَ أطلنا بِهِ الْكتاب. (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل (لعمرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) على أَن أول بني على الضَّم لحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَنِيَّة مَعْنَاهُ. وَالْأَصْل: أول أَوْقَات عدوها. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: إِنَّمَا بنيت أول هُنَا لِأَن الْإِضَافَة مردةٌ فِيهَا فَلَمَّا اقتطعت مِنْهَا وَهِي مُرَادة فِيهَا بنيت كقبل وَبعد فَكَأَنَّهُ قَالَ: تعدو الْمنية أول الْوَقْت. وَأَصلهَا قبل الْإِضَافَة أَن

стр. 3828

تكون مَعهَا من ليتم بهَا قبل الظَّرْفِيَّة صفة فَتكون كقديم وَحَدِيث لم تنقل عَن الْوَصْف إِلَّا إِلَى الظَّرْفِيَّة. فَإِذا صَحَّ فِيهَا مَذْهَب الصّفة فَلَا بُد فِيهَا من معنى من قبل الْإِضَافَة فَإِذا تصورت صفة قبل ذَلِك أمكن حِينَئِذٍ نقلهَا إِلَى الظّرْف كَسَائِر مَا نقل إِلَى الظروف من الصِّفَات نَحْو قديم وَحَدِيث وملي وطويل. وأوجل مِمَّا جَاءَ على الصِّفَات على أفعل لَا فعلاء لَهُ. أَلا تراهم لَا يَقُولُونَ وجلاء استغنوا عَنْهَا بوجلة. اه. وظنه الْعَيْنِيّ فعلا مضارعاً فَقَالَ: قَوْله: لأوجل أَي: لأخاف من وَجل يوجل. والمصراع الثَّانِي فِي مَحل نصب على أَنه سادٌّ مسد مفعولي درى مُعَلّق عَن الْعَمَل فِي لَفظه بِسَبَب الِاسْتِفْهَام وعَلى مُتَعَلقَة بتعدو. وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ فِي قَوْله: مفعول أَدْرِي مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا أَدْرِي مَا يفعل بِنَا أَو مَا يكون وَنَحْو ذَلِك. وَلم يتَعَرَّض لجملة على أَيّنَا تعدو إِلَخ. وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة من عدا عَلَيْهِ يعدو عدوا بِمَعْنى ظلم وَتجَاوز الْحَد. وَرُوِيَ بالغين الْمُعْجَمَة من غَدا غدواً أَي: ذهب غدْوَة وَهِي مَا بَين صَلَاة الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. هَذَا أَصله ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي الذّهاب والانطلاق أَي وقتٍ كَانَ. والمنية: الْمَوْت. وَأول: ظرفٌ مَبْنِيّ وموضعه النصب بتعدو وَجُمْلَة: وَإِنِّي لأوجل جملَة مُعْتَرضَة بَين أَدْرِي وَبَين الساد عَن مفعوليها. وأوجل مَعْنَاهُ خَائِف. وَالْمعْنَى:

стр. 3829

أقسم ببقائك مَا أعلم أَيّنَا يكون الْمُقدم فِي عَدو الْمَوْت عَلَيْهِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ الآخر:) الطَّوِيل (فَأكْرم أَخَاك الدَّهْر مَا دمتما مَعًا ... كفى بالممات فرقة وتنائيا) وَالْبَيْت مطلع قصيدةٍ لِمَعْنٍ بن أوسٍ الْمُزنِيّ أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. وَنحن نقتصر عَلَيْهِ. قَالَ شراحها: وَسبب هَذَا الشّعْر أَنه كَانَ لِمَعْنٍ بن أَوْس صديقٌ وَكَانَ معنٌ متزوجاً بأخته فاتفق أَنه طَلقهَا وَتزَوج بِأُخْرَى فَحلف صديقه أَن لَا يكلمهُ أبدا. فَقَالَ معن هَذِه القصيدة يستعطف بهَا قلبه ويسترقه لَهُ. وفيهَا مَا يدل على الْقِصَّة وَهُوَ قَوْله: (فَلَا تغضبن أَن تستعار ظعينةٌ ... وَترسل أُخْرَى كل ذَلِك يفعل) والأبيات الَّتِي أوردهَا أَبُو تَمام بعد المطلع هِيَ هَذِه: (وَإِنِّي أَخُوك الدَّائِم الْعَهْد لم أحل ... إِن ابزاك خصمٌ أَو نبا بك منزل) (أُحَارب من حَارَبت من ذِي عداوةٍ ... وأحبس مَالِي إِن غرمت فأعقل) (كَأَنَّك تشفي مِنْك دَاء مساءتي ... وسخطي وَمَا فِي ريثتي مَا تعجل) (وَإِن سؤتني يَوْمًا صبرت إِلَى غدٍ ... ليعقب يَوْمًا مِنْك آخر مقبل) ...

стр. 3830

(وَإِنِّي على أَشْيَاء مِنْك تريبني ... قَدِيما لذُو صفحٍ على ذَاك مُجمل) (ستقطع فِي الدُّنْيَا إِذا مَا قطعتني ... يَمِينك فَانْظُر أَي كفٍّ تبدل) (وَفِي النَّاس إِن رثت حبالك واصلٌ ... وَفِي الأَرْض عَن دَار القلى متحول) (إِذا أَنْت لم تنصف أَخَاك وجدته ... على طرف الهجران إِن كَانَ يعقل) (ويركب حد السَّيْف من أَن تضيمه ... إِذا لم يكن عَن شفرة السَّيْف مزحل) (قلبت لَهُ ظهر الْمِجَن وَلم أَدَم ... على ذَاك إِلَّا ريثما أتحول) (إِذا انصرفت نَفسِي عَن الشَّيْء لم تكد ... إِلَيْهِ بوجهٍ آخر الدَّهْر تقبل) وَقَوله: وَإِنِّي أَخُوك إِلَخ. يَقُول: إِنِّي أَخُوك الَّذِي يَدُوم عَهده وَلَا يَزُول وَلَا يحول إِن أبزاك خصم أَي: غلبك وقهرك. يُقَال: بزوت الْخصم بزواً وأبزيته إبزاءً بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي. وَيجوز أَن يكون أبزاك من بزِي يبزى بزًى فَهُوَ أَبْزَى وَهُوَ دُخُول الظّهْر وَخُرُوج الْبَطن.

стр. 3831

وَيكون الْمَعْنى: إِن حملك خصم من الثّقل مَا يبزى لَهُ ظهرك فَلَا تطِيق الثَّبَات تَحْتَهُ والنهوض بِهِ.) وَقَوله: أُحَارب من حَارَبت إِلَخ هَذَا تَفْسِير دوَام عَهده أَي: تجدني ذاباً عَنْك وَإِن أَصَابَك غرم حبست مَالِي عَلَيْك. وأعقل عَنْك يُقَال: علقت عَنهُ إِذا غرمت مَا لزمَه فِي دِيَته. وعقلته إِذا أَعْطَيْت دِيَته. وَيجوز أَن يكون معنى فأعقل: أَشدّهَا بعقلها بفنائك لتدفعها فِي غرامتك. وَالْمَال إِذا أطلق يُرَاد بِهِ الْإِبِل. وَقَوله: كَأَنَّك تشفي إِلَخ يُرِيد: إساءتك إِلَيّ وسخطك عَليّ فأضافهما إِلَى الْمَفْعُول. وَالْمعْنَى: إِنَّك تستمر فِي إساءتك إِلَيّ حَتَّى كَأَن بك دَاء ذَاك شفاؤه. والريثة: ضد العجلة. يَقُول: لَيْسَ فِي أناتي وتركي مكافأتك مَا يجب أَن يتعجل عَليّ بِمَا يسوؤني. وَقَوله: وَإِن سؤتني يَوْمًا إِلَخ أَي: إِن فعلت مَا يسوؤني تجاوزت إِلَى غدٍ ليجيء يومٌ آخر مقبلٌ مِنْك بيومٍ يسرني. وَقَوله: ستقطع فِي الدُّنْيَا إِلَخ يَقُول: أَنا لَك بِمَنْزِلَة يدك الْيُمْنَى فَإِذا قطعتني فَإِنَّمَا تقطع يَمِينك. وَقَوله: وَفِي النَّاس إِن رثت إِلَخ يَقُول: إِذا انْقَطَعت حبالٌ الود بيني وَبَيْنك فَفِي النَّاس واصلٌ غَيْرك. وَإِذا نبا بِي جوارك فَفِي جَوَانِب الأَرْض متحولٌ عَن دَار البغض. وَقَوله: إِذا أَنْت لم تنصف إِلَخ أَي: إِذا لم تنصف أَخَاك وَلم توفه حُقُوق إخائه وجدته هاجراً لَك مستبدلاً بك إِن كَانَ لَهُ عقل ثمَّ لَا يُبَالِي أَن يركب من الْأُمُور مَا يقطعهُ تقطيع السَّيْف ويؤثر فِيهِ تَأْثِيره مَخَافَة أَن يُصِيبهُ ضيمٌ مَتى لم يجد عَن ركُوبه معدلاً.

стр. 3832

وَقَوله: من أَن أَي: بَدَلا من أَن. وشفرة السَّيْف بِالْفَتْح: حَده. ومزحل بالزاي والحاء الْمُهْملَة: مصدر زحل عَن مَكَانَهُ إِذا تنحى عَنهُ وتباعد. وَقَوله: وَكنت إِذا مَا صاحبٌ إِلَخ رام ظنتي بِالْكَسْرِ: عرضني لاتهام عقده والارتياب بوده بِأَن عد إحساني إِلَيْهِ إساءة. وَمَعْنَاهُ: رام إِيقَاع التُّهْمَة عَليّ. وَقَوله: قلبت لَهُ ظهر إِلَخ أَي: اتخذته عدوا وقلبت لَهُ ظهر الترس متقياً مِنْهُ وَلم أَدَم على الْحَال الْمَذْكُورَة مَعَه إِلَّا قدر مَا أتحول وبطء مَا أتنقل. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: دخل عبد الله بن الزبير يَوْمًا على مُعَاوِيَة فَقَالَ: اسْمَع أبياتاً قلتهَا. وَكَانَ واجداً عَلَيْهِ. فَقَالَ) مُعَاوِيَة: هَات. فأنشده: الطَّوِيل (إِذا أَنْت لم تنصف أَخَاك وجدته ... على طرف الهجران إِن كَانَ يعقل) مَعَ الْبَيْت الَّذِي بعده. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: قد شَعرت بَعدنَا يَا أَبَا بكر ثمَّ لم ينشب مُعَاوِيَة أَن دخل عَلَيْهِ معن بن أوسٍ الْمُزنِيّ فَقَالَ: أقلت بَعدنَا شَيْئا فَقَالَ: نعم. فأنشده: (لعمرك مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأوجل ... على أَيّنَا تعدو الْمنية أول) حَتَّى صَار إِلَى الأبيات الَّتِي أنشدها ابْن الزبير فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا بكر أما ذكرت آنِفا أَن هَذَا الشّعْر لَك قَالَ أصلحت الْمعَانِي وَهُوَ ألف الشّعْر وَهُوَ بعد ظئري فَمَا قَالَ من شَيْء فَهُوَ لي. وَكَانَ عبد الله مسترضعاً فِي مزينة. انْتهى.

стр. 3833

والظئر بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة سَاكِنة: الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة تحضن ولد غَيرهَا. وَيُقَال للرجل الحاضن ظئر أَيْضا. وَهَذَا هُوَ مُرَاد ابْن الزبير. وَقَالَ الحصري فِي زهر الْآدَاب بعد إِيرَاد هَذِه الْحِكَايَة: أَرَادَ ابْن الزبير معاتبة مُعَاوِيَة بِشعر معن وَلَيْسَ ادعاؤه على حقيقةٍ مِنْهُ. وَهَذَانِ البيتان قد أوردهما صَاحب تَلْخِيص الْمِفْتَاح فِي السرقات الشعرية. وترجمة معن بن أَوْس الْمُزنِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ بعد الْخَمْسمِائَةِ. وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَلَا ناعبٍ إِلَّا ببينٍ غرابها هُوَ عجزٌ وصدره: مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرةً على أَن ناعباً عطفٌ بِالْجَرِّ على مصلحين الْمَنْصُوب على خبر لَيْسُوا لتوهم الْبَاء فَإِنَّهَا تزاد فِي خبر لَيْسَ. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.

стр. 3834

ومشائيم: جمع مشؤوم من شئم عَلَيْهِم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مشؤوم إِذا صَار شؤماً. يَقُول: لَا يصلحون أَمر الْعَشِيرَة إِذا فسد مَا بَينهم وَلَا يأتمرون بخيرٍ فغرابهم لَا ينعب إِلَّا) بالتشتيت والفراق. وَهَذَا مثلٌ للتطير مِنْهُم والتشاؤم بهم. والنعيب: صَوت الْغُرَاب وَمد عُنُقه عِنْد ذَلِك. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الرجز فِي سعي دنيا طالما قد مدت على أَن دنيا قد جردت من اللَّام وَالْإِضَافَة لكَونهَا بِمَعْنى العاجلة. يُرِيد أَن الاسمية غلبت عَلَيْهَا لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا وَلِهَذَا لم تجر على مَوْصُوف غَالِبا كَمَا غلبت الاسمية على نَحْو الأجرع والأبطح. قَالَ ابْن يعِيش: الْقيَاس فِي دنيا أَن يكون بالأف وَاللَّام لِأَنَّهُ صفة فِي الأَصْل على أَنه فعلى ومذكره الْأَدْنَى مثل الْأَكْبَر والكبرى. وَهُوَ من دَنَوْت فقلبت الْوَاو فِي الْأَدْنَى ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَذَلِكَ بعد أَن قلبت يَاء لوقوعها رَابِعَة. وَقد تقدم أَن الْألف وَاللَّام تلْزم هَذِه الصّفة إِلَّا أَنهم استعملوا دنيا اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فَلَا يكادون يذكرُونَ مَعَه الْمَوْصُوف وَلذَلِك قلبوا اللَّام مِنْهُ يَاء لضربٍ من التعادل والعوض كَأَنَّهُمْ أَرَادوا بذلك الْفرق بَين الِاسْم وَالصّفة فَلَمَّا غلب عَلَيْهَا حكم

стр. 3835

الْأَسْمَاء أجروها مجْرى الْأَسْمَاء. وَكَانَت الْألف وَاللَّام لَا تلْزم الْأَسْمَاء فاستعملوها بِغَيْر ألف وَلَام كَسَائِر الْأَسْمَاء. انْتهى. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّمَا صَنَعُوا كيد ساحرٍ من سُورَة طه. قَالَ: إِن تنكير سَاحر مَعَ كَونه مَعْلُوما معينا لأجل تنكير الْمُضَاف وَهُوَ كيد كَمَا نكر الشَّاعِر دنيا لأجل تنكير سعي. وَالْمرَاد كيدٌ سحريٌّ وسعيٌ دنيويٌّ. وَلَو عرف السحر وَالدُّنْيَا لصار الكيد وَالسَّعْي معرفتين وَالْمرَاد تنكيرهما إِذْ الْغَرَض كيدٌ مَا وسعيٌ مَا. وَقَالَ أَبُو حَيَّان: الْبَيْت محمولٌ الضَّرُورَة إِذْ دنيا تَأْنِيث الْأَدْنَى لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْألف وَاللَّام أَو بِالْإِضَافَة. وَأما قَول عمر: إِنِّي لأكْره أَن أرى الرجل فَارغًا لَا فِي عمل دنيا وَلَا فِي عمل آخِرَة فَيحْتَمل أَن يكون من تَحْرِيف الروَاة. انْتهى.) وَلَا يخفى أَنه ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح: فَإِن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا. وَلم يقل غَيره إِن وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول المثلم بن ريَاح المري: الْكَامِل (إِنِّي مقسم مَا ملكت فجاعلٌ ... أجرا لآخرةٍ وَدُنْيا تَنْفَع) قد اسْتعْملت الْعَرَب فِي غير هَذَا دنيا نكرَة كَمَا ترى قَالَ العجاج:

стр. 3836

فِي سعي دنيا طالما قد مدت وروى ابْن الْأَعرَابِي دنيا بِالصرْفِ وَقَالَ أَيْضا فِي ذَلِك: إِنَّهُم شبهوها بفعلل فنونوها. وَهَذَا نادرٌ غَرِيب وَلم نعلم شَيْئا مِمَّا فِي آخِره ألف التَّأْنِيث مُفردا مصروفاً غير هَذَا الْحَرْف. وَلَو قَالَ قَائِل إِن دنيا هَذِه المصروفة تكون مُلْحقَة فِي قَول أبي الْحسن بجخدبٍ وكالألف فِي بهماةٍ لم أر بَأْسا. فَإِن قلت: فَلَو كَانَت ألف دنيا للإلحاق لوَجَبَ فِيهَا دنواً. وَذَلِكَ أَن اللَّام فِي نَحْو هَذَا إِذا كَانَت واواً فَإِنَّهَا إِنَّمَا تبدل يَاء فِي فعلى الَّتِي ألفها للتأنيث. وَجَاءَت هَذِه للإلحاق فَالْجَوَاب: أَن هَذَا النَّحْو لما غلب عَلَيْهِ مِثَال فعلى الَّتِي ألفها للتأنيث. وَجَاءَت هَذِه للإلحاق أجروها على الْمُعْتَاد من الْقلب فِيهَا. وَأَيْضًا فَإِن ألف الْإِلْحَاق قد تجْرِي مجْرى ألف التَّأْنِيث. أَلا ترَاهَا زَائِدَة مثلهَا وَذَات معنى مثلهَا. نعم وَإِذا جعلت مَا فِيهِ ألف الْإِلْحَاق علما لم فَإِن قلت: فأجز أَيْضا أَن يكون دنيا فعلل كسودد قيل: يمْنَع من هَذَا أَن حرف الْإِلْحَاق من حَيْثُ ذكرنَا أشبه بِحرف التَّأْنِيث من لَام الْفِعْل فَإِذا كَانَ إِنَّمَا لتشبيه الملحق بِحرف التَّأْنِيث على ضعف وَضرب من التَّأْوِيل لم يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى تَشْبِيه الْأَصْلِيّ بِحرف التَّأْنِيث لإفراط تباعدهما. فَلَو كَانَت دنيا على هَذَا فعللاً لكَانَتْ دنوا. وَلَو قَالَ قَائِل:

стр. 3837

إِن دنيا فِيمَن صرف فعيل بِمَنْزِلَة عليب لَكَانَ لَهُ وجهٌ من التصريف وَلكنه يبْقى عَلَيْهِ شَيْئَانِ: أَحدهمَا: قلَّة عيب فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. وَالْآخر: أَن دنيا تَأْنِيث الْأَدْنَى. وَهَذَا أَشد شيءٍ تبايناً من حَدِيث فعيل وفعلل وَهُوَ أَيْضا أحد مَا يضعف كَونهَا ألف إِلْحَاق. فاعرف ذَلِك. انْتهى. وَالْبَيْت من الرجز للعجاج: أَوله: (الْحَمد لله الَّذِي اسْتَقَلت ... بِإِذْنِهِ السَّمَاء واطمأنت)) (بِإِذْنِهِ الأَرْض فَمَا تعنت ... وحى لَهَا الْقَرار فاستقرت) (وشدها بالراسيات الثبت ... والجاعل الْغَيْث غياث المسنت) (وَالْجَامِع النَّاس ليَوْم الموقت ... بعد الْمَمَات وَهُوَ محيي الْمَوْت) (يَوْم ترى النُّفُوس مَا أعدت ... من نزلٍ إِذا الْأُمُور غبت) قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَالصُّغْرَى: أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْفضل الرياشي عَن الْأَصْمَعِي عَن عبد الله بن رؤبة بن العجاج عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: أنشدت أَبَا هُرَيْرَة قصيدتي الَّتِي أَولهَا: الْحَمد لله الَّذِي اسْتَقَلت حَتَّى أتيت على آخرهَا فَقَالَ: أشهد إِنَّك لمُؤْمِن. انْتهى.

стр. 3838

وَقَوله: اسْتَقَلت أَي: ارْتَفَعت. وَالسَّمَاء فَاعله. واطمأنت أَي: سكنت وَالْأَرْض فَاعله. وتعنت بالنُّون: تعبت. فِي الصِّحَاح: وعني بِالْكَسْرِ عناءً أَي: تَعب وَنصب وعنيته تعنية فتعنى. وَالْوَحي: الْإِشَارَة والإلهام. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَالْكَلَام الْخَفي وكل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك. يُقَال: وحيت إِلَيْهِ الْكَلَام وأوحيت وَهُوَ أَن تكَلمه بِكَلَام تخفيه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. والراسيات هِيَ الْجبَال الثوابت والرواسخ. والثبت: جمع ثَابت. والغيث: الْمَطَر. وَفِي الْمِصْبَاح: أغاثه: أَعَانَهُ وَنَصره. وأغاثنا الله بالمطر وَالِاسْم الغياث. والمسنت: اسْم فَاعل من أَسِنَت الْقَوْم أَي: أجدبوا وَأَصله من السّنة وَهُوَ الْقَحْط. وَالْمَوْت: جمع مائت. وأعدت أَي: هيأت وَجَعَلته عدَّة. وَمن نزل بِالضَّمِّ بيانٌ لما. والنزل: مَا يهيأ للنزيل أَي: الضَّيْف. وغبت بالغين الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة أَي: بلغت غبها وعاقبتها. وَفِي الصِّحَاح: وَقد غبت الْأُمُور إِذا صَارَت إِلَى أواخرها. وَفِي سعي مُتَعَلق بغبت. ومدت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: امتدت وتطاولت. وَأَدت بتَشْديد الدَّال. يُقَال: أدَّت فلَانا داهية تؤده أداً بِالْفَتْح من الإد والإدة بِكَسْر أَولهمَا وَهِي الداهية وَالْأَمر الفظيع. وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.

стр. 3839

وَأنْشد بعده) (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الْبَسِيط (وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمةٍ ... يَوْمًا سراة كرام النَّاس فادعينا) على أَن الجلى قد تجرد من اللَّام وَالْإِضَافَة لكَونهَا بِمَعْنى الخطة الْعَظِيمَة. والخطة بِالضَّمِّ: الشَّأْن وَالْحَالة والخصلة فَتكون الجلى إسماً للشأن وَالْحَال كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل. الْجيد أَن تكون مصدرا كالرجعى بِمَعْنى الرُّجُوع والبشرى بِمَعْنى الْبشَارَة. وَلَيْسَ بتأنيث الْأَجَل على حد الْأَكْبَر والكبرى لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مصدرا جَازَ تَعْرِيفه وتنكيره. وَإِلَى هَذَا ذهب الحريري فِي درة الغواص قَالَ: وَأما طُوبَى فِي قَوْلهم: طُوبَى لَك. وجلى فِي قَول بشامة النَّهْشَلِي: وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمة ... ... ... . . الْبَيْت فَإِنَّهُمَا مصدران كالرجعى وفعلى المصدرية لَا يلْزم تَعْرِيفهَا. وَالْبَيْت وَقع فِي شعرين: أَحدهمَا للمرقش الْأَكْبَر رَوَاهُ الْمفضل بن مُحَمَّد الضَّبِّيّ لَهُ وَكَذَلِكَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره وَأَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه على شرح الحماسة للنمري وَهُوَ: (يَا دَار أجوارنا قومِي فحيينا ... وَإِن سقيت كرام النَّاس فاسقينا) ...

стр. 3840

(وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمةٍ ... يَوْمًا سراة خِيَار النَّاس فادعينا) (شعثٌ مقادمنا نهبى مراجلنا ... نأسو بِأَمْوَالِنَا آثَار أَيْدِينَا) (المطعمون إِذا هبت شآميةٌ ... وَخير نادٍ رَآهُ النَّاس نادينا) قَوْله: يَا دَار أجوارنا إِلَخ قَالَ فِي الْعباب: الْجَار يجمع على جيران وجيرة وأجوار. وَأنْشد اللَّيْث: وروى: يَا ذَات أجوارنا رُوِيَ أَيْضا: بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: سَأَلت أَبَا الندى عَن هَذِه الرِّوَايَة قَالَ: هَذِه روايةٌ ضَعِيفَة فَإِن بيض) المفارق قرع ومرجل الحائك يغلي كَمَا يغلي مرجل الْملك. قَالَ: وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة الأولى وَمَعْنَاهَا إننا أَصْحَاب حروب وقرًى. انْتهى. وَالشعر الثَّانِي لبشامة بن حزنٍ النَّهْشَلِي رَوَاهُ الْمبرد فِي الْكَامِل وَأَبُو تَمام فِي الحماسة وَهُوَ: (إِنَّا محيوك يَا سلمى فحيينا ... وَإِن سقيت كرام النَّاس فاسقينا) (وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى ومكرمةٍ ... يَوْمًا سراة كرام النَّاس فادعينا) (إِنَّا بني نهشلٍ لَا ندعي لأبٍ ... عَنهُ وَلَا هُوَ بالأبناء يشرينا) (إِن تبتدر غايةٌ يَوْمًا لمكرمةٍ ... تلق السوابق منا والمصلينا) (وَلَيْسَ يهْلك منا سيدٌ أبدا ... إِلَّا افتلينا غُلَاما سيداً فِينَا)

стр. 3841

. (نكفيه إِن نَحن متْنا أَن يسب بِنَا ... وَهُوَ إِذا ذكر الْآبَاء يكفينا) (بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بِأَمْوَالِنَا آثَار أَيْدِينَا) (إِنَّا لمن معشرٍ أفنى أوائلهم ... قَول الكماة أَلا أَيْن المحامونا) (لَو كَانَ فِي الْألف منا واحدٌ فدعوا ... من فارسٌ خالهم إِيَّاه يعنونا) (إِذا الكماة تنحوا أَن يصيبهم ... حد الظبات وصلناها بِأَيْدِينَا) (وَلَا تراهم وَإِن جلت مصيبتهم ... مَعَ البكاة على من مَاتَ يبكونا) (ونركب الكره أَحْيَانًا فيفرجه ... عَنَّا الْحفاظ وأسيافٌ تواتينا) قَوْله: إِنَّا محيوك يَا سلمى إِلَخ قَالَ التبريزي: أَي إِنَّا مُسلمُونَ عَلَيْك أيتها الْمَرْأَة فقابلينا بِمثلِهِ وَإِن سقيت الْكِرَام فأجرينا مجراهم فَإنَّا مِنْهُم. وَالْأَصْل فِي التَّحِيَّة أَن يُقَال عِنْد اللِّقَاء حياك الله ثمَّ اسْتعْمل فِي غَيره من الدُّعَاء. وَقيل فِي سقيت مَعْنَاهُ: إِن دَعَوْت لأماثل النَّاس بالسقيا فادعي لنا أَيْضا. وَالْأَشْهر فِي الدُّعَاء أَن يُقَال فِيهِ سقيت فلَانا بِالتَّشْدِيدِ وَالْحجّة بِالتَّخْفِيفِ قَول أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ: المتقارب سقيت بِهِ دارها إِذْ دنت وَقَوله: وَإِن دَعَوْت إِلَى جلى إِلَخ جلى: فعلى أجراها مجْرى الْأَسْمَاء وَيُرَاد بهَا جليلة كَمَا يُرَاد بأفعل فَاعل وفعيل. يَقُول: إِن أشدت بِذكر

стр. 3842

خِيَار النَّاس بجليلةٍ نابت أَو مكرمةٍ عرضت فأشيدي بذكرنا أَيْضا. وَلِهَذَا الْكَلَام ظَاهره استعطاف لَهَا وَالْقَصْد بِهِ التَّوَصُّل إِلَى بَيَان شرفه واستحقاقه مَا يسْتَحقّهُ) الْأَشْرَاف. وَلَا سقِِي ثمَّ وَلَا تَحِيَّة. قَالَه التبريزي. والمكرمة بِفَتْح الْمِيم وَضم الرَّاء: اسْم من الْكَرم. وَفعل الْخَيْر مكرمَة أَي: سَبَب للكرم أَو التكريم. قَالَه صَاحب الْمِصْبَاح. والسراة بِالْفَتْح: اسمٌ مُفْرد بِمَعْنى الرئيس وَقيل اسْم جمع وَقيل جمع سري وَهُوَ الشريف. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مشروحاً فِي الشَّاهِد السّبْعين بعد الأربعمائة. وَلم يتَكَلَّم ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة على هَذَا الْبَيْت إِلَّا من جِهَة القافية. قَالَ: يرْوى: فادعينا بإشمام الضَّم فِي كسرة الْعين. ويروى بإخلاص الكسرة. فَأَما من أخْلص الكسرة فَلَا سُؤال فِي إنشاده من جِهَة الردف. وَأما من رَوَاهُ بإشمام الضَّم فَفِيهِ السُّؤَال. وَذَلِكَ أَن الْحَرَكَة قبل الردف وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا: الحذو لم تأت عَنْهُم مشمةً وَلَا مشوبة وَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحركات مخلصة الْبَتَّةَ. وَلم يذكر الْخَلِيل وَلَا أَبُو الْحسن وَلَا أَبُو عَمْرو وَلَا أحد من أَصْحَابنَا حَال هَذِه الْحَرَكَة المشوبة كَيفَ اجتماعها مَعَ غَيرهَا. فَدلَّ ذَاك على أَن الْحَرَكَة فِي نَحْو هَذَا يَنْبَغِي أَن تكون مخلصة. وَمذهب سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا النَّحْو مثل: ادعِي واغزي الإمالة وإشمام الكسرة شَيْئا من الضمة. وَلم يسْتَثْن ردفاً من غَيره. وَوجه

стр. 3843

جَوَاز هَذِه الْحَرَكَة المشوبة مَعَ الكسرة والضمة الصريحتين: أَن مَا فِيهَا من الإشمام لَا يعْتد بِهِ وَلَا ينظر إِلَى قدره وَإِنَّمَا هُوَ كإمالة الفتحة إِلَى الكسرة فِي نَحْو: سَالم وحاتم. وَأَنت تجيزهما فِي شعر وَاحِد مَعَ قادم وغانم وَلَا تحفل بِمَا بَين الحركتين بل إِذا جَازَ سَالم مَعَ قادم وَسلَاح مَعَ صباح وقنا مَعَ فَتى كَانَ اجْتِمَاع ادعينا مَعَ يشرينا وَنَحْو ذَلِك أسهل وأسوغ. وَإِنَّمَا كَانَ أسهل من قبل أَن الفتحة إِذا نحي بهَا قبل الْألف نَحْو الكسرة انتحيت أَيْضا بِالْألف بعْدهَا نَحْو الْيَاء لَا بُد من ذَلِك من حَيْثُ كَانَت الْألف ناشئة عَن الْحَرَكَة قبلهَا على احتذاء وموازنة اتِّبَاع. فَإِذا أملت الفتحة وَالْألف فهناك عملان فِي الْحَرَكَة والحرف جَمِيعًا كَمَا ترى. وَأما الْيَاء فِي ادعينا وَقيل وَبيع فَإِنَّهَا وَإِن شيبت الْحَرَكَة قبلهَا خَالِصَة الْبَتَّةَ وَغير مشوبة شوب مَا قبلهَا وَجَاز ذَلِك فِيهَا من حَيْثُ كَانَت الطَّاقَة حاملة وَالْقُدْرَة ناهضةً بالنطق بِالْيَاءِ الساكنة بعد الضمة الناصعة فَكيف بهَا بعد الكسرة الَّتِي إِنَّمَا اعتلت بِأَن انتحي بهَا نَحْو الضمة. وَالْعَمَل فِي ذَلِك خلس خفيٌّ.) وَأما الْألف الْخَالِصَة فَلَيْسَ فِي الطوق أَن ينْطق بهَا بعد غير الفتحة الْخَالِصَة فَفِي سَالم إِذن فَإِذا جَازَ اجْتِمَاع مَا فِيهِ تغييران نَحْو سَالم وَسلَاح مَعَ قادم وصباح كَانَ اجْتِمَاع مَا فِيهِ تَغْيِير واحدٌ مَعَ مَا لَا تَغْيِير فِيهِ نَحْو: قيل واغزي وادعي مَعَ قيل وَبيع وحيينا واسقينا أحجى بِالْجَوَازِ فاعرف ذَلِك. وَإِذا جَازَ اجْتِمَاع هَذَا الْخلاف فِي المجرى وَهُوَ أغْلظ حُرْمَة وأمس مذمة من

стр. 3844

الحذو أَعنِي اجْتِمَاع فَتى مَعَ عتا والروي التَّاء كَانَ ذَلِك فِي الحذو أسهل. وأخف وأدون. وَقد كَانَ يجب أَن نودع هَذَا الْموضع كتَابنَا فِي تَفْسِير قوافي أبي الْحسن لامتزاجه بِهِ ومماسته إِيَّاه لكنه لم يحضرنا حينئذٍ والخاطر أجول مِمَّا نَذْهَب إِلَيْهِ وَأَشد ارتكاضاً وذهاباً فِي جِهَات النّظر من أَن يقف بك على انتهائه أَو يمطيك ذرْوَة أجواله وأقصائه. انْتهى. وَقَوله: إِنَّا بني نهشل إِلَخ قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: من قَالَ: إِنَّا بَنو نهشل فقد خبرك وَجعل بَنو خبر إِن. وَمن قَالَ: بني فَإِنَّمَا جعل الْخَبَر إِن تبتدر غَايَة إِلَخ. وَنصب بني على فعلٍ مضمرٍ للاختصاص وَهُوَ أمدح. وَأكْثر الْعَرَب ينشد: الْبَسِيط (إِنَّا بني منقر قومٌ ذَوُو حسبٍ ... فِينَا سراة بني سعدٍ وناديها) وَكتب أَبُو الْوَلِيد الوقشي فِيمَا كتبه على الْكَامِل بعد بَيت إِنَّا بني منقر إِلَخ هَذَا وَإِن وَافق الأول بوجهٍ فَإِنَّهُ يُخَالِفهُ بوجهٍ أخص مِنْهُ وأليق بِهِ فِي قانون النَّحْو لِأَن هَذَا نصب على الْمَدْح وَالْأول نصب على الِاخْتِصَاص والمسمى مضارع النداء. أَلا ترى أَنه يرفع هُنَا مَا يرفع فِي النداء كَقَوْلِهِم: الله اغْفِر لنا أيتها الْعِصَابَة. اه. وَقَالَ التبريزي: بني نصب على الِاخْتِصَاص والمدح وَخبر إِن لَا ندعي وَلَو رفع وَقَالَ بَنو كَانَ خَبرا وَلَا ندعي فِي مَوضِع الْحَال.

стр. 3845

وَالْفرق بَين أَن يكون اختصاصاً وَبَين أَن يكون خَبرا صراحاً: هُوَ أَنه لَو جعله خَبرا لَكَانَ قَصده إِلَى تَعْرِيف نَفسه عِنْد الْمُخَاطب وَكَانَ لَا يَخْلُو فعله لذَلِك من خمولٍ فيهم أَو جهل بشأنهم. فَإِذا جعل اختصاصاً فقد أَمن من الْأَمريْنِ جَمِيعًا. وَإِنَّمَا قلت خَبرا صراحاً لِأَن لفظ الْخَبَر قد يستعار لِمَعْنى الِاخْتِصَاص لكنه يسْتَدلّ على المُرَاد مِنْهُ بقرائنه.) وعَلى هَذَا قَوْله: الرجز أَنا أَبُو النَّجْم وشعري شعري وَقَوله: لَا ندعي لأبٍ عَنهُ ندعي: نفتعل وَعنهُ تعلق بِهِ. يُقَال: ادّعى فلانٌ فِي بني فلَان إِذا انتسب إِلَيْهِم. وَادّعى عَنْهُم إِذا عدل بنسبه عَنْهُم. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: رغبت فِي كَذَا ورغبت وَقَوله: لأبٍ أَي: من أجل أَب. وَمَعْنَاهُ إِنَّا لَا نرغب عَن أَبينَا فننتسب إِلَى غَيره وَهُوَ لَا يرغب عَنَّا قد رَضِي كلٌّ منا بِصَاحِبِهِ. وَقَوله: يشرينا قَالَ الْمبرد: يُرِيد يبيعنا. يُقَال شراه يشريه إِذا بَاعه. فَهَذِهِ اللُّغَة الْمَعْرُوفَة قَالَ الله : وشروه بثمنٍ بخس وَيكون شريت فِي معنى اشْتريت وَهُوَ من الأضداد. وَقَوله: إِن تبتدر غايةٌ إِلَخ يُقَال: بادرت مَكَان كَذَا وَكَذَا وَإِلَى مَكَان كَذَا وَكَذَلِكَ ابتدرنا الْغَايَة وَإِلَى الْغَايَة. وَقَوله: لمكرمة أَي: لِاكْتِسَابِ مكرمَة. وَيجوز أَن تكون اللَّام مضيفة للغاية إِلَى المكرمة كَأَنَّهُ يُرِيد

стр. 3846

تسابقهم إِلَى أقصاها. وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَلِّين وَلم يقل الْمُصَليَات مَعَ السوابق لِأَن قَصده إِلَى الْآدَمِيّين وَإِن كَانَ استعارهما من صِفَات الْخَيل. وَيجوز أَن يكون أخرج السَّابِق لانقطاعه عَن الْمَوْصُوف فِي أَكثر الْأَحْوَال. ولنيابته عَن المجلي وَهُوَ اسْم الأول من خيل الحلبة إِلَى بَاب الْأَسْمَاء فَجَمعه على السوابق كَمَا يُقَال كَاهِل وكواهل وغارب وغوارب. وَالْمُصَلي: الَّذِي يَتْلُو السَّابِق فَيكون رَأسه عِنْد صلاه. والصلوان: العظمان الناتئان من جَانِبي الْعَجز. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ الْعظم الَّذِي فِيهِ مغرز عجب الذَّنب. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: هما عرقان فِي مَوضِع الردف. وَأَسْمَاء خيل الحلبة عشرَة لأَنهم كَانُوا يرسلونها عشرَة عشرَة. وَسمي كل وَاحِد مِنْهَا باسمٍ. فَالْأول: المجلي وَالثَّانِي: الْمُصَلِّي وَالثَّالِث: الْمسلي وَالرَّابِع: التَّالِي وَالْخَامِس: المرتاح وَالسَّادِس: العاطف وَالسَّابِع: المؤمل وَالثَّامِن: الحظي وَالتَّاسِع: اللطيم والعاشر: السّكيت بِالتَّصْغِيرِ وَيُقَال: سكيت بِالتَّشْدِيدِ. وَقَوله: إِلَّا افتلينا الافتلاء: الافتطام وَالْأَخْذ عَن الْأُم وَمِنْه الفلو. قَالَ الْمبرد: مَأْخُوذ من قَوْلهم) فلوت الفلو يَا فَتى إِذا أَخَذته عَن أمه. وَأخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول أبي الطمحان: الطَّوِيل إِذا مَاتَ منا سيدٌ قَامَ صَاحبه وَقَوله: إِنَّا لنرخص إِلَخ قَالَ الْمبرد: أَخذه من قَول الْهَمدَانِي

стр. 3847

وَهُوَ الأجدع أَبُو مَسْرُوق بن الأجدع الْفَقِيه: الطَّوِيل (لقد علمت نسوان هَمدَان أنني ... لَهُنَّ غَدَاة الروع غير خذول) (وأبذل فِي الهيجاء وَجْهي وإنني ... لَهُ فِي سوى الهيجاء غير بذول) وَمن الْقِتَال الْكلابِي حَيْثُ يَقُول: الوافر (نعرض للسيوف إِذا الْتَقَيْنَا ... نفوساً لَا تعرض للسباب) وَقَوله: وَلَو نسام بهَا أَي: نحمل على أَن نسام بهَا. وَيُقَال: سَام بسلعته كَذَا وأسمته أَنا أَي: حَملته على أَن يسام. وَيحْتَمل أَن يكون من سمته خسفاً. وأغلينا الْألف للإطلاق وَالنُّون ضمير الْأَنْفس وَمعنى أغلين وجدت غَالِيَة. وَقَوله: بيضٌ مفارقنا إِلَخ قَالَ التبريزي: ويروى: بيضٌ معارفنا وَهِي الْوُجُوه وَالْمرَاد بِهِ نقاء الْعرض وَانْتِفَاء الذَّم جمع معرفٍ بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا سمي الْوَجْه بِهِ لِأَن معرفَة الْأَجْسَام وتمييزها بِهِ. وَالْأَشْهر: مفارقنا. وَالْمرَاد ابْيَضَّتْ مفارقنا من كَثْرَة مَا نقاسي الشدائد كَمَا يُقَال أمرٌ يشيب الذوائب. وتغلي مراجلنا أَي: حروبنا كَقَوْل الآخر:

стр. 3848

الطَّوِيل (تَفُور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عَنَّا إِذا حميها غلا) وَيجوز: ابْيَضَّتْ مفارقنا من كَثْرَة اسْتِعْمَال الطّيب كَقَوْل الآخر: الطَّوِيل جلا الأذفر الأحوى من الْمسك فرقه فَقَوله: تغلي مراجلنا أَي: قدورنا للضيافة. وَيجوز أَن يُرِيد: مشينا مشيب الْكِرَام لَا مشيب اللئام كَقَوْلِه: الطَّوِيل فالمراجل: قدور الضِّيَافَة. وَقَوله: نأسو بِأَمْوَالِنَا يُرِيد ترفعهم عَن الْقود وَدفع أطماع النَّاس عَن مقاصتهم. والأسو: المداواة أَي: نقْتل وندي. وَقَوله: لَو كَانَ فِي الْألف إِلَخ قَالَ الْمبرد: أَخذه من قَول طرفَة: الطَّوِيل (إِذا الْقَوْم قَالُوا من فَتى خلت أنني ... عنيت فَلم أكسل وَلم أتبلد)) وَمن قَول متمم:

стр. 3849

الطَّوِيل (إِذا الْقَوْم قَالُوا من فَتى لعظيمةٍ ... فَمَا كلهم يَدعِي وَلكنه الْفَتى) وَقَوله: إِذا الكماة تنحوا إِلَخ قَالَ الْمبرد: الظبة: الْحَد بِعَيْنِه يُقَال: أَصَابَته ظبة السَّيْف وظبة النصل. وَأَرَادَ بالنصل هُنَا مَوضِع الضَّرْب وَأخذ هَذَا من قَول كَعْب بن مَالك: الْكَامِل (نصل السيوف إِذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إِذا لم تلْحق) وَقَوله: وَلَا تراهم وَإِن جلت إِلَخ يَعْنِي أَنهم لَا يموتون إِلَّا بِالْقَتْلِ فقد صَار لَهُم عَادَة وَإِن كل من يُولد مِنْهُم يكون سيدا فَلَا يجزعون على من مَاتَ مِنْهُم. وَقَوله: ونركب الكرة إِلَخ يكشفه. وَقَوله: أسياف تواتينا يجوز أَن يكون كَقَوْلِه: الطَّوِيل فحالفنا السيوف على الدَّهْر وَيجوز أَن يكون أَرَادَ بِالسُّيُوفِ رجَالًا كَأَنَّهُمْ السيوف مضاء. وَالْأول أولى. قَالَه التبريزي. وَهَذِه الأبيات قد اخْتلف فِي قَائِلهَا وَالصَّحِيح أَنَّهَا لبشامة بن حزن النَّهْشَلِي. وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ فِي كِتَابه المؤتلف والمختلف

стр. 3850

ونسبها الْمبرد فِي الْكَامِل لأبي مَخْزُوم النَّهْشَلِي. وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل: هَذِه الأبيات لبسامة بن حزن النَّهْشَلِي. وَقَالَ السكرِي: هُوَ بشامة بن حري. وَالْأول قَول أبي رياش. وَيُقَال: بشامة بن جُزْء. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ لحجر بن خَالِد بن مَحْمُود الْقَيْسِي. وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَنَّهَا لِابْنِ غلفاء التَّمِيمِي. انْتهى. أَقُول: الَّذِي قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء أَن الأبيات لنهشل بن حري. وَقَالَ النمري: هِيَ لرجل من بني قيس ثَعْلَبَة. قَالَ أَبُو أَحْمد الْأَعرَابِي: لم يفرق النمري بَين بني نهشل الَّذين هم مضربة. وَبَين بني قيس ثَعْلَبَة الَّذين هم ربيعَة فلزهما فِي قرن. وَالْبَيْت الَّذِي فبه إِنَّا بني نهشل لبشامة بن حزن النَّهْشَلِي. والأبيات الْأُخَر الْأَرْبَعَة للمرقش الْأَكْبَر وَهُوَ عَمْرو بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة. انْتهى. وَتَقَدَّمت الأبيات الْأَرْبَعَة أَولا. قَالَ التبريزي: من قَالَ إِن الشّعْر للقيسي روى: إِنَّا بني مَالك.

стр. 3851

(الدَّار وَحش والرسوم كَمَا ... رقش فِي ظهر الْأَدِيم قلم)) وَهُوَ أحد من قَالَ شعرًا فلقب بِهِ واسْمه فِيمَا ذكر أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَمْرو. وَقَالَ غَيره: عَوْف بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة الْحصن ابْن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. وَهُوَ أحد المتيمين كَانَ يهوى ابْنه عَمه أَسمَاء بنت عَوْف بن مَالك بن ضبيعة وَيُقَال لَهُ المرقش الْأَكْبَر لِأَنَّهُ عَم المرقش الْأَصْغَر. والمرقش الْأَصْغَر عَم طرفَة بن العَبْد. وَكَانَ للمرقشين مَعًا موقعٌ من بكر بن وَائِل فِي حروبها مَعَ بني تغلب وبأسٌ وشجاعة ونجدة وَتقدم فِي الحروب ونكايةٌ فِي الْعَدو. وَأما ابْن غلفاء بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء فَهُوَ أَوْس بن غلفاء من بني الهجيم بن عَمْرو بن تَمِيم وَهُوَ شَاعِر جاهلي وَهُوَ الْقَائِل: الوافر (أَلا قَالَت أُمَامَة يَوْم غولٍ ... تقطع يَا ابْن غلفاء الحبال) (ذَرِينِي إِنَّمَا خطإي وصوبي ... عَليّ وَإِن مَا أنفقت مَال) يَقُول: إِن الَّذِي أهلكت مالٌ وَلم أتلف عرضا. وَالْمَال يسْتَخْلف. كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة. قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج: مَعْنَاهُ عود شجر يستاك بِهِ. قَالَ جرير:

стр. 3852

الوافر (أتنسى إِذْ تودعنا سليمى ... بِعُود بشامةٍ سقِِي البشام) والحزن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا نون وَمَعْنَاهُ الْموضع الغليظ. وَذكره الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَلم يزدْ فِي نسبه على قَوْله: بشامة بن حزن النَّهْشَلِي نهشل بن دارم. وَلم أر لَهُ تَرْجَمَة وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي تَرْجَمَة الْأَنْسَاب وَالظَّاهِر أَنه إسلامي. وَكَذَا أَبُو مَخْزُوم النَّهْشَلِي كَمَا يظْهر من شرح الْمبرد لأبياته. وَذكر الْآمِدِيّ شَاعِرًا آخر اسْمه بشامة. قَالَ: بشامة بن الغدير والغدير اسْمه عَمْرو بن هِلَال بن سهم بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان. شَاعِر محسن مقدم وَهُوَ خَال زُهَيْر بن أبي سلمى الْمُزنِيّ. وَله أشعارٌ جِيَاد طوال. انْتهى. وَأنْشد بعده) (الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) (وَلَا يجزون من حسنٍ بسوءى ... وَلَا يجزون من غلظٍ بلين) على أَن سوءى مصدر كالرجعى والبشرى وَلَيْسَ مؤنث أَسْوَأ. وَالْبَيْت من أبياتٍ لأبي الغول مَذْكُورَة فِي أَوَائِل الحماسة وَتقدم شرحها فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الأربعمائة. قَالَ شرَّاح الحماسة: وَقد روى سوءى فِي الْبَيْت رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ: إِحْدَاهمَا: بسيءٍ بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا همزَة وَهُوَ

стр. 3853

مخفف سيءٍ بتَشْديد الْيَاء كَمَا يُخَفف هَين ولين فَيكون وَصفا. وَالثَّانيَِة: بسيءٍّ بِكَسْر السِّين وَتَشْديد الْيَاء بِلَا همزَة. والسي: الْمثل. وَمَعْنَاهُ أَنهم يزِيدُونَ فِي الْجَزَاء على قدر الِابْتِدَاء. قَالَ الطبرسي: وَهَذَا لَيْسَ بشيءٍ لِأَنَّهُ إخلالٌ بالمطابقة الَّتِي حسن الْبَيْت بهَا لِأَنَّهُ جعل سَيِّئًا فِي مُقَابلَة حسن واللين فِي مُقَابلَة الغلظ. وَهَذَا من الْمُطَابقَة الصَّحِيحَة لِأَنَّهُ قَابل الِاسْم بِالِاسْمِ والمصدر بِالْمَصْدَرِ. انْتهى. وروى شرَّاح الْمفصل رِوَايَة أُخْرَى وَهِي: بسوءٍ وَهُوَ مصدر أَيْضا كالرواية الأولى. قَالَ ابْن المستوفي: الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ بعض الرِّوَايَات لكنه اخْتَارَهُ لمَكَان حَاجته وضده قَول قريط بن أنيف الْعَنْبَري: الْبَسِيط (يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساءةً أهل السوء إحسانا) وروى ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء الْبَيْت هَكَذَا:. (وَلَا يجزون من خيرٍ بشرٍّ ... وَلَا يجزون من غلظٍ بلين) تَتِمَّة خطأ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل أَبَا نواس فِي قَوْله: الْبَسِيط (كَأَن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حَصْبَاء درٍّ على أرضٍ من الذَّهَب) لكَونه اسْتعْمل صغرى وكبرى نكرَة. وَهَذَا الضَّرْب من الصِّفَات

стр. 3854

لَا يسْتَعْمل إِلَّا مُعَرفا وَإِنَّمَا يجوز التنكير فِي فعلى الَّتِي لَا أفعل لَهَا: نَحْو: حُبْلَى. قَالَ الأندلسي: لم يقل إِنَّه ضَرُورَة لِأَن المولد لَا يسوغ لَا اسْتِعْمَال شيءٍ على خلاف الأَصْل) للضَّرُورَة إِلَّا أَن يرد بِهِ سَماع فَيتَوَقَّف فِيهِ على مَحل السماع وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. وصغرى مَا ورد فِيهِ سَماع وَقد حاولوا لَهُ أجوبة: أَحدهَا: أَن الصُّغْرَى قد غلبت عَلَيْهَا الاسمية كَمَا تقدم فِي قَوْله: فِي سعي دنيا طالما قد مدت قَالَ ابْن يعِيش: والاعتذار عَنهُ: أَنه اسْتَعْملهُ اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء لِكَثْرَة مَا يَجِيء مِنْهُ بِغَيْر مَوْصُوف نَحْو: صَغِيرَة وكبير فَصَارَ كصاحبٍ والأبطح فَاسْتَعْملهُ نكرَة لذَلِك. ثَانِيهَا: أَن فعلى فِيهِ لَيست مؤنث أفعل بل بِمَعْنى فاعلة. كَأَن قَالَ: صَغِيرَة وكبيرة من فقاقعها على حد قَوْله تَعَالَى: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ. قَالَه ابْن يعِيش أَيْضا. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: رُبمَا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل الَّذِي لم يرد بِهِ المفاضلة مطابقاً. مَعَ كَونه مُجَردا كَقَوْلِه: وَأَنْتُم مَا أَقَامَ ألائم ... . . الْبَيْت أَي: لئام. فعلى هَذَا تخرج بَيت أبي نواس وَقَول النَّحْوِيين: جملَة صغرى وَجُمْلَة كبرى وَكَذَلِكَ

стр. 3855

قَول العروضيين: فاصلة صغرى وفاصلة كبرى. انْتهى. ثَالِثهَا: قَالَ الأندلسي: قيل إِن من الْمَذْكُورَة زَائِدَة وكبرى مُضَافَة وَحذف مُضَاف الأول كَمَا فِي قَوْله: الْبَسِيط يَا تيم تيم عدي لَكِن حذف من فِي الْوَاجِب لَا يجوز إِلَّا عِنْد الْأَخْفَش. والأجود أَن يُقَال حذف الْمفضل الدَّاخِل عَلَيْهِ من اكْتِفَاء بِذكرِهِ مرّة أَي: كَأَن صغرى من فقاقعها وكبرى مِنْهَا. انْتهى. وَلَا يخفى أَنه كَانَ يجب أَن يَقُول: وَزِيَادَة من فِي الْوَاجِب لَا تجوز إِلَّا عِنْد الْأَخْفَش بدل قَوْله: لَكِن حذف من فِي الْوَاجِب إِلَخ. وَقد رد ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْجَواب فَقَالَ: وَقَول بَعضهم إِن من زَائِدَة وإنهما متضايفان يردهُ أَن الصَّحِيح لَا تقحم من فِي الْإِيجَاب وَلَا من تَعْرِيف الْمَجْرُور. انْتهى. وَالْبَيْت فِي صفة الْخمر. والفقاقع: جمع فقاعة. ويروى: من فواقعها جمع فاقعة ومعناهما النفاخات الَّتِي تكون على وَجه المَاء. وصف الْخمر وَمَا يعلوها من الْحباب فَشبه الْحباب بالدر وَهُوَ اللُّؤْلُؤ الْكَبِير وَالْخمر الَّتِي تَحْتَهُ) بِأَرْض من ذهب.
следующие страницы →