← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

(الدَّار وَحش والرسوم كَمَا ... رقش فِي ظهر الْأَدِيم قلم)) وَهُوَ أحد من قَالَ شعرًا فلقب بِهِ واسْمه فِيمَا ذكر أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَمْرو. وَقَالَ غَيره: عَوْف بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة الْحصن ابْن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. وَهُوَ أحد المتيمين كَانَ يهوى ابْنه عَمه أَسمَاء بنت عَوْف بن مَالك بن ضبيعة وَيُقَال لَهُ المرقش الْأَكْبَر لِأَنَّهُ عَم المرقش الْأَصْغَر. والمرقش الْأَصْغَر عَم طرفَة بن العَبْد. وَكَانَ للمرقشين مَعًا موقعٌ من بكر بن وَائِل فِي حروبها مَعَ بني تغلب وبأسٌ وشجاعة ونجدة وَتقدم فِي الحروب ونكايةٌ فِي الْعَدو. وَأما ابْن غلفاء بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء فَهُوَ أَوْس بن غلفاء من بني الهجيم بن عَمْرو بن تَمِيم وَهُوَ شَاعِر جاهلي وَهُوَ الْقَائِل: الوافر (أَلا قَالَت أُمَامَة يَوْم غولٍ ... تقطع يَا ابْن غلفاء الحبال) (ذَرِينِي إِنَّمَا خطإي وصوبي ... عَليّ وَإِن مَا أنفقت مَال) يَقُول: إِن الَّذِي أهلكت مالٌ وَلم أتلف عرضا. وَالْمَال يسْتَخْلف. كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة. قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج: مَعْنَاهُ عود شجر يستاك بِهِ. قَالَ جرير:

стр. 3852

الوافر (أتنسى إِذْ تودعنا سليمى ... بِعُود بشامةٍ سقِِي البشام) والحزن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا نون وَمَعْنَاهُ الْموضع الغليظ. وَذكره الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَلم يزدْ فِي نسبه على قَوْله: بشامة بن حزن النَّهْشَلِي نهشل بن دارم. وَلم أر لَهُ تَرْجَمَة وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي تَرْجَمَة الْأَنْسَاب وَالظَّاهِر أَنه إسلامي. وَكَذَا أَبُو مَخْزُوم النَّهْشَلِي كَمَا يظْهر من شرح الْمبرد لأبياته. وَذكر الْآمِدِيّ شَاعِرًا آخر اسْمه بشامة. قَالَ: بشامة بن الغدير والغدير اسْمه عَمْرو بن هِلَال بن سهم بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان. شَاعِر محسن مقدم وَهُوَ خَال زُهَيْر بن أبي سلمى الْمُزنِيّ. وَله أشعارٌ جِيَاد طوال. انْتهى. وَأنْشد بعده) (الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) (وَلَا يجزون من حسنٍ بسوءى ... وَلَا يجزون من غلظٍ بلين) على أَن سوءى مصدر كالرجعى والبشرى وَلَيْسَ مؤنث أَسْوَأ. وَالْبَيْت من أبياتٍ لأبي الغول مَذْكُورَة فِي أَوَائِل الحماسة وَتقدم شرحها فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الأربعمائة. قَالَ شرَّاح الحماسة: وَقد روى سوءى فِي الْبَيْت رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ: إِحْدَاهمَا: بسيءٍ بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا همزَة وَهُوَ

стр. 3853

مخفف سيءٍ بتَشْديد الْيَاء كَمَا يُخَفف هَين ولين فَيكون وَصفا. وَالثَّانيَِة: بسيءٍّ بِكَسْر السِّين وَتَشْديد الْيَاء بِلَا همزَة. والسي: الْمثل. وَمَعْنَاهُ أَنهم يزِيدُونَ فِي الْجَزَاء على قدر الِابْتِدَاء. قَالَ الطبرسي: وَهَذَا لَيْسَ بشيءٍ لِأَنَّهُ إخلالٌ بالمطابقة الَّتِي حسن الْبَيْت بهَا لِأَنَّهُ جعل سَيِّئًا فِي مُقَابلَة حسن واللين فِي مُقَابلَة الغلظ. وَهَذَا من الْمُطَابقَة الصَّحِيحَة لِأَنَّهُ قَابل الِاسْم بِالِاسْمِ والمصدر بِالْمَصْدَرِ. انْتهى. وروى شرَّاح الْمفصل رِوَايَة أُخْرَى وَهِي: بسوءٍ وَهُوَ مصدر أَيْضا كالرواية الأولى. قَالَ ابْن المستوفي: الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ بعض الرِّوَايَات لكنه اخْتَارَهُ لمَكَان حَاجته وضده قَول قريط بن أنيف الْعَنْبَري: الْبَسِيط (يجزون من ظلم أهل الظُّلم مغْفرَة ... وَمن إساءةً أهل السوء إحسانا) وروى ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء الْبَيْت هَكَذَا:. (وَلَا يجزون من خيرٍ بشرٍّ ... وَلَا يجزون من غلظٍ بلين) تَتِمَّة خطأ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل أَبَا نواس فِي قَوْله: الْبَسِيط (كَأَن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حَصْبَاء درٍّ على أرضٍ من الذَّهَب) لكَونه اسْتعْمل صغرى وكبرى نكرَة. وَهَذَا الضَّرْب من الصِّفَات

стр. 3854

لَا يسْتَعْمل إِلَّا مُعَرفا وَإِنَّمَا يجوز التنكير فِي فعلى الَّتِي لَا أفعل لَهَا: نَحْو: حُبْلَى. قَالَ الأندلسي: لم يقل إِنَّه ضَرُورَة لِأَن المولد لَا يسوغ لَا اسْتِعْمَال شيءٍ على خلاف الأَصْل) للضَّرُورَة إِلَّا أَن يرد بِهِ سَماع فَيتَوَقَّف فِيهِ على مَحل السماع وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. وصغرى مَا ورد فِيهِ سَماع وَقد حاولوا لَهُ أجوبة: أَحدهَا: أَن الصُّغْرَى قد غلبت عَلَيْهَا الاسمية كَمَا تقدم فِي قَوْله: فِي سعي دنيا طالما قد مدت قَالَ ابْن يعِيش: والاعتذار عَنهُ: أَنه اسْتَعْملهُ اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء لِكَثْرَة مَا يَجِيء مِنْهُ بِغَيْر مَوْصُوف نَحْو: صَغِيرَة وكبير فَصَارَ كصاحبٍ والأبطح فَاسْتَعْملهُ نكرَة لذَلِك. ثَانِيهَا: أَن فعلى فِيهِ لَيست مؤنث أفعل بل بِمَعْنى فاعلة. كَأَن قَالَ: صَغِيرَة وكبيرة من فقاقعها على حد قَوْله تَعَالَى: وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ. قَالَه ابْن يعِيش أَيْضا. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: رُبمَا اسْتعْمل أفعل التَّفْضِيل الَّذِي لم يرد بِهِ المفاضلة مطابقاً. مَعَ كَونه مُجَردا كَقَوْلِه: وَأَنْتُم مَا أَقَامَ ألائم ... . . الْبَيْت أَي: لئام. فعلى هَذَا تخرج بَيت أبي نواس وَقَول النَّحْوِيين: جملَة صغرى وَجُمْلَة كبرى وَكَذَلِكَ

стр. 3855

قَول العروضيين: فاصلة صغرى وفاصلة كبرى. انْتهى. ثَالِثهَا: قَالَ الأندلسي: قيل إِن من الْمَذْكُورَة زَائِدَة وكبرى مُضَافَة وَحذف مُضَاف الأول كَمَا فِي قَوْله: الْبَسِيط يَا تيم تيم عدي لَكِن حذف من فِي الْوَاجِب لَا يجوز إِلَّا عِنْد الْأَخْفَش. والأجود أَن يُقَال حذف الْمفضل الدَّاخِل عَلَيْهِ من اكْتِفَاء بِذكرِهِ مرّة أَي: كَأَن صغرى من فقاقعها وكبرى مِنْهَا. انْتهى. وَلَا يخفى أَنه كَانَ يجب أَن يَقُول: وَزِيَادَة من فِي الْوَاجِب لَا تجوز إِلَّا عِنْد الْأَخْفَش بدل قَوْله: لَكِن حذف من فِي الْوَاجِب إِلَخ. وَقد رد ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْجَواب فَقَالَ: وَقَول بَعضهم إِن من زَائِدَة وإنهما متضايفان يردهُ أَن الصَّحِيح لَا تقحم من فِي الْإِيجَاب وَلَا من تَعْرِيف الْمَجْرُور. انْتهى. وَالْبَيْت فِي صفة الْخمر. والفقاقع: جمع فقاعة. ويروى: من فواقعها جمع فاقعة ومعناهما النفاخات الَّتِي تكون على وَجه المَاء. وصف الْخمر وَمَا يعلوها من الْحباب فَشبه الْحباب بالدر وَهُوَ اللُّؤْلُؤ الْكَبِير وَالْخمر الَّتِي تَحْتَهُ) بِأَرْض من ذهب.

стр. 3856

وَالْبَيْت أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: حسبتهم لؤلؤا منثوراً فِي ضمن حِكَايَة حَكَاهَا عَن الْمَأْمُون أَنه زفت إِلَيْهِ بوران بنت الْحسن بن سهل وَهُوَ على بساطٍ منسوج من ذهب وَقد نثرت عَلَيْهِ نسَاء دارٍ الْخلَافَة اللُّؤْلُؤ فَنظر إِلَيْهِ منثوراً على ذَلِك الْبسَاط فَاسْتحْسن النّظر إِلَيْهِ وَقَالَ: لله در أبي نواس كَأَنَّهُ أبْصر هَذَا حَيْثُ يَقُول: كَأَن صغرى وكبرى من فقاقعها ... ... ... الْبَيْت وَهُوَ من أَبْيَات أَولهَا: (قَامَت تريني وَستر اللَّيْل منسدلٌ ... صبحاً تولد بَين المَاء وَالْعِنَب) (كَأَن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حَصْبَاء درٍّ على أرضٍ من الذَّهَب) (كَأَن تركا صُفُوفا فِي جوانبها ... تَوَاتر الرَّمْي بالنشاب من كثب) (فِي كف ساقيةٍ ناهيك ساقيةً ... فِي حسن قدٍّ وَفِي ظرفٍ وَفِي أدب) وَبعد هَذَا سِتَّة أَبْيَات فِي وصفهَا. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل وأضرب منا بِالسُّيُوفِ القوانسا على أَن القوانس مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف لَا بأضرب. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: القوانس مَنْصُوب عندنَا بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ أضْرب أَي: ضربنا أَو نضرب القوانس. فَلَا يجوز أَن يتَنَاوَلهُ أضْرب هَذِه فِي الْبَيْت لِأَن أفعل هَذِه الَّتِي للْمُبَالَغَة تجْرِي مجْرى فعل التَّعَجُّب. وَأَنت لَا تَقول: مَا أضْرب زيدا عمرا حَتَّى تَقول لعمروٍ وَذَلِكَ لضعف هَذَا الْفِعْل وَقلة تصرفه. فَإِن تجسمت مَا أضْرب زيدا عمرا فَإِنَّمَا نصبت عمرا بِفعل آخر على مَا تقدم. انْتهى. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على الْمفصل: القوانس مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر كَأَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يضْربُونَ. فَقَالَ: نضرب القوانس. انْتهى. وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَي الحزبين أحصى لما لَبِثُوا أمداً. على أَن أمداً مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ أحصى الَّذِي هُوَ أفعل تَفْضِيل كَمَا نصب القوانس بِمَا دلّ عَلَيْهِ أضْرب. وَقَالَ بعض من شرح أَبْيَات الْمفصل: المُرَاد بِالْبَيْتِ أضْرب منا بِالسُّيُوفِ للقوانس فَحذف اللَّام لضَرُورَة الشّعْر. فَمن لابتداء الْغَايَة مُتَعَلق بأضرب تعلق الظّرْف وبالسيوف تعلق الْآلَة وَاللَّام تعلق الْمَفْعُول بِهِ. وَهَذَا التَّقْدِير أولى من الأول لوَجْهَيْنِ: الأول أَن إِضْمَار:

стр. 3857

نضرب يفْسد معنى الْبَيْت إِذْ مُرَاد الشَّاعِر أَنهم ضاربون وَنحن أضْرب مِنْهُم فَيحصل التَّفْضِيل. وَلَو قَالَ: نضرب القوانس لم يكن فِيهِ تَفْضِيل. وَالثَّانِي: أَن أضْرب لَا ينصب الْمَفْعُول بِهِ فَكيف يدل عَلَيْهِ وَالدَّال على عَامل هُوَ الَّذِي يَصح أَن يعْمل فِي معموله. وَإِذا لم يَصح عمله فِيهِ لم يدل عَلَيْهِ. انْتهى. أما الأول فَلِأَن التَّفْضِيل إِنَّمَا يفوت لَو لزم تَقْدِير فعل ناصبٍ للْمَفْعُول إِذْ لَا يكون لاسم التَّفْضِيل تعلق معنوي بذلك الْمَنْصُوب لكنه مَمْنُوع لجَوَاز أَن يكون أضْرب مُتَعَلقا بالقوانس من حَيْثُ الْمَعْنى مَعَ أَن يكون انتصابها بِفعل مُقَدّر. وَإِذن تعلق بِهِ معنى يحصل مُرَاد الشَّاعِر وَهُوَ التَّفْضِيل.) وَقَالَ المُصَنّف فِي أَمَالِيهِ فِي قَوْلنَا مَرَرْت بزيد قَائِما: إِن الْعَامِل فِي زيد فِي اللَّفْظ هُوَ الْبَاء وَمن حَيْثُ الْمَعْنى هُوَ مَرَرْت وَفِي قَائِما بِالْعَكْسِ. يَعْنِي أَن الْفَاعِل فِيهِ من حَيْثُ الْمَعْنى هُوَ الْبَاء وَمن حَيْثُ اللَّفْظ هُوَ مَرَرْت. هَذَا كَلَامه. فَأَقُول: لَا يبعد فِيمَا نَحن فِيهِ أَيْضا أَن يكون نضرب عَاملا لفظا فِي القوانس وَيكون لأضرب تعلقٌ بهَا من حَيْثُ الْمَعْنى فَحِينَئِذٍ يتم مَا ذكرنَا. وَأما الْوَجْه الثَّانِي فَلِأَن الدَّال على عَامل مُقَدّر لَا يلْزم أَن يكون مِمَّا يعْمل عمل ذَلِك الْعَامِل. أَلا ترى أَن الدَّال على الْعَامِل الْمُقدر فِي

стр. 3858

قَوْلنَا: زيد مَرَرْت بِهِ هُوَ مَرَرْت مَعَ أَنه لَا ينصب زيدا. ونظائره كَثِيرَة. فَإِن قلت: مَرَرْت مَعَ الْبَاء يَصح أَن ينصب زيدا فَلذَلِك يدل على الناصب الْمُقدر. قلت: فَكَذَا أضْرب فِيمَا نَحن فِيهِ مَعَ اللَّام الْمقدرَة يَصح أَن تنصب القوانس لأنكم ذهبتم إِلَى أَن القوانس تعلق بأضرب تعلق الْمَضْرُوب بِهِ وَإِذا صَحَّ أَن يكون ناصباً لَهَا مَعَ اللَّام صَحَّ أَن يكون دَالا على عاملها. وَإِذا ثَبت فَسَاد الْوَجْهَيْنِ فَلَا يكون التَّقْدِير الثَّانِي أولى من التَّقْدِير الأول بل الْأَمر بِالْعَكْسِ لِأَن تَقْدِير الْفِعْل أَكثر من تَقْدِير حرف الْجَرّ. وَأَيْضًا التَّفْصِيل الَّذِي ذكره للخوافض الثَّلَاث مخالفٌ لما يفهم من كَلَام الْمُحَقِّقين على مَا لَا يخفى على الأذكياء. انْتهى كَلَام الجاربردي. وَأَقُول: لم يبين الْفساد الَّذِي ادَّعَاهُ على وَجْهَيْن من تَقْدِير اللَّام وَغَايَة مَا أوردهُ تَصْحِيح تَقْدِير الْفِعْل على زَعمه. فَتَأمل وأنصف. وَالله تَعَالَى أعلم. والمصراع من قصيدةٍ للْعَبَّاس بن مرداس الصَّحَابِيّ قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة قبل إِسْلَامه ومطلعها: (لأسماء رسمٌ أصبح الْيَوْم دارساً ... وأقفر إِلَّا رحرحان فراكسا) وَاخْتَارَ مِنْهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة أَرْبَعَة أَبْيَات وَهِي: (فَلم أر مثل الْحَيّ حَيا مصبحاً ... وَلَا مثلنَا يَوْم الْتَقَيْنَا فوارسا) (أكر وأحمى للْحَقِيقَة مِنْهُم ... وأضرب منا بِالسُّيُوفِ القوانسا) (إِذا مَا حملنَا حَملَة نصبوا لنا ... صُدُور المذاكي والرماح المداعسا)

стр. 3859

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب أَيَّام الْعَرَب:) غزت بَنو سليم وَرَئِيسهمْ عَبَّاس بن مرداسٍ مرَادا فَجمع لَهُم عَمْرو بن معديكرب فَالْتَقوا بِتَثْلِيث من أَرض الْيمن بعد تسع وَعشْرين لَيْلَة فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل من كبار مرادٍ سِتَّة وَقتل من بني سليم رجلَانِ وصبر الْفَرِيقَانِ حَتَّى كره كل واحدٍ مِنْهُمَا صَاحبه فَقَالَ عَبَّاس بن مرداس قصيدته الَّتِي على السِّين وَهِي إِحْدَى المنصفات. انْتهى. وَقَوله: فَلم أر مثل الْحَيّ إِلَخ أَرَادَ بالحي المصبح بني زبيد بن مُرَاد. قَالَ المرزوقي: لم أر مغاراً عَلَيْهِ كَالَّذِين صبحناهم وَلَا مغيراً مثلنَا يَوْم لَقِينَاهُمْ فقسم الشَّهَادَة قسم السوَاء بَين أَصْحَابه وأصحابهم وَتَنَاول بالمدح كل فرقة مِنْهُم. وانتصب حَيا مصبحاً على التَّمْيِيز وَكَذَلِكَ فوارساً تَمْيِيز وتبيين وَيجوز أَن يَكُونَا فِي مَوضِع الْحَال. فَإِن قيل: لم قَالَ فوارس والتمييز يُؤْتى بِهِ مُفْرد اللَّفْظ قلت: إِذا لم يتَبَيَّن كَثْرَة الْعدَد وَاخْتِلَاف الْجِنْس من الْمُمَيز يُؤْتى بالتمييز مَجْمُوع اللَّفْظ مَتى أُرِيد التَّنْبِيه على ذَلِك. وعَلى هَذَا قَول الله تَعَالَى: هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا كَأَنَّهُ لما كَانَت أَعْمَالهم مُخْتَلفَة كَثِيرَة نبه على ذَلِك بقوله: أعمالا. وَلَو قَالَ عملا كَانَ السَّامع لَا يبعد فِي وهمه أَن خسرهم كَانَ لجنسٍ وَاحِد من أَجنَاس الْمعْصِيَة أَو لعمل وَاحِد من الْأَعْمَال الذميمة.

стр. 3860

وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الأمالي: إِن أُرِيد بِالرُّؤْيَةِ الْعلم فَحَيَّا مَنْصُوب بهَا مفعول أول وَمثل: مفعول ثَان. وَإِن أُرِيد رُؤْيَة الْعين فَيحْتَمل أَن يكون حَيا مصبحاً هُوَ الْمَفْعُول وَمثل الْحَيّ صفة قدمت فانتصب على الْحَال. وَيجوز أَن يكون مثل الْحَيّ هُوَ الْمَفْعُول وَحيا مصبحاً إِمَّا عطف بَيَان لقَوْله مثل الْحَيّ وَإِمَّا حالٌ من الْحَيّ كَأَنَّهُ قَالَ: مثل الْحَيّ مصبحاً وأتى بحي للتوطئة للصفة المعنوية كَقَوْلِهِم: جَاءَنِي الرجل الَّذِي تعلم رجلا صَالحا. وَصَحَّ الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُنَا فِي معنى الْمَفْعُول أَي: لم أر مماثلا للحي فِي حَال كَونهم مصبحين. والمضاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ فِي معنى فَاعل أَو مفعول صَحَّ مِنْهُ الْحَال كَغَيْرِهِ. وَيجوز أَن يكون تمييزاً كَقَوْلِك: عِنْدِي مثله تَمرا أَو قمحاً لما فِي مثل من إِبْهَام الذَّات فصح تمييزها كتمييز مَا أشبههَا وكل مَا ذكر فِي ذَلِك فَهُوَ جارٍ فِي قَوْله: مثلنَا فوارساً ففوارساً مثل قَوْله مصبحاً ومثلنا مثل قَوْله: مثل الْحَيّ. انْتهى كَلَام ابْن الْحَاجِب.) وَنَقله الجاربردي فِي تِلْكَ الرسَالَة وَقَالَ: على تَقْدِير أَن يُرَاد بِالرُّؤْيَةِ الْعلم يجوز أَن يَجْعَل مثل الْحَيّ مَفْعُولا أول وَحيا مصبحاً مَفْعُولا ثَانِيًا. فَإِن قلت: لَا يجوز أَن يكون مثل الْحَيّ مَفْعُولا أول لِأَنَّهُ فِي أَفعَال الْقُلُوب حكمه حكم الْمُبْتَدَأ فَيجب أَن يكون معرفَة أَو نكرَة مخصصة بوجهٍ مَا. وَهنا لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمثل كَمَا لَا يتعرف بِالْإِضَافَة فَلَا يتخصص أَيْضا فَلَا يصلح لِأَن يكون مَفْعُولا أول.

стр. 3861

فَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم ذَلِك أَن يُقَال: الْمثل هُنَا إِمَّا تخصص بِالْإِضَافَة أَو لَا بل بَقِي على مَا كَانَ يصلح لِأَن يكون مَفْعُولا أول. أما على التَّقْدِير الأول فَظَاهر وَأما على التَّقْدِير الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ نكرَة وَقد وَقع فِي سِيَاق النَّفْي فَيعم وَلَا شكّ أَنه يَصح الِابْتِدَاء بِهِ فَيصح أَن يكون مَفْعُولا أول. انْتهى. وَقَوله: أكر وأحمى إِلَخ قَالَ المرزوقي: المصراع الأول ينْصَرف إِلَى أعدائه وهم بَنو زبيدٍ وَالثَّانِي: إِلَى عشيرته وَأَصْحَابه. وَالْمرَاد لم أر أحسن كراً وأبلغ حماية للحقائق مِنْهُم وَلَا أضْرب للقوانس بِالسُّيُوفِ منا. وانتصب القوانس من فعلٍ دلّ عَلَيْهِ قَوْله: وأضرب منا. وَلَا يجوز أَن يكون انتصابه عَن أضْرب لِأَن أفعل الَّذِي يتم بِمن لَا يعْمل إِلَّا فِي النكرات كَقَوْلِك: هُوَ أحسن مِنْك وَجها. وأفعل هَذَا يجْرِي مجْرى فعل التَّعَجُّب وَلذَلِك تعدى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِاللَّامِ فَقلت: مَا أضْرب زيدا لعَمْرو. قَالَ الدريدي: القونس هُوَ أَعلَى الْبَيْضَة. وَقَالَ غَيره: قونس الْفرس: مَا بَين أُذُنَيْهِ إِلَى الرَّأْس. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب: قَوْله: أكر وأحمى إِلَخ تَبْيِين لما ادَّعَاهُ فِيمَا تقدم فَيجوز أَن ينْتَصب بِفعل مُقَدّر لَا صفة لما تقدم لِئَلَّا يفصل بَين الصّفة والموصوف بِمَا هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ إِذا جعل تمييزاً. وَيجوز أَن يكون صفة لما تقدم كَأَنَّهَا صفة وَاحِدَة. وَإِذ جعلا غير تَمْيِيز كَأَنَّهُ

стр. 3862

قَالَ: جَاءَنِي زيدٌ وَعَمْرو الْعَاقِل والعالم. وَذَلِكَ جَائِز. فأكر وأحمى صفة لحياً مصبحاً وأضرب منا صفةٌ لفوارساً. انْتهى. وَنَقله الجاربردي فِي تِلْكَ الرسَالَة وَقَالَ: كَلَامه مشعرٌ بِأَنَّهُ على تَقْدِير كَون مَا تقدم على أكر وأحمى تمييزاً لَو جعل أكر وأحمى صفة يلْزم الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بِمَا هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَأما على تَقْدِير كَون الْمُتَقَدّم غير تَمْيِيز لَو جعل أكر وأحمى صفة لَا يلْزم ذَلِك. وَالْفرق مشكلٌ جدا. انْتهى.) وأكر: من كرّ عَلَيْهِ إِذا صال عَلَيْهِ. وأحمى: من الحماية. وَحَقِيقَة الرجل: مَا يحِق عَلَيْهِ حفظه من الْأَهْل وَالْأَوْلَاد وَالْجَار. وَقَوله: إِذا مَا حملنَا حَملَة إِلَخ قَالَ الفرزدق: يرْوى إِذا مَا شددنا شدَّة. يَقُول: إِذا حملنَا عَلَيْهِم ثبتوا فِي وُجُوهنَا ونصبوا صُدُور الْخَيل الْقرح والرماح الْمعدة للدَّفْع. والدعس: الدّفع فِي الأَصْل ثمَّ يسْتَعْمل فِي الطعْن وَشدَّة الْوَطْء وَالْجِمَاع. وَفِي الْمثل: جري المذكيات غلابٌ. وَيُقَال: غلاء. وَيُقَال: فتاء فلانٍ كذكاء فلَان وكتذكية فلَان أَي: حزامته على نُقْصَان سنه كحزامة ذَاك مَعَ استكماله. قَالَ زُهَيْر: الوافر (يفضله إِذا اجتهدا عَلَيْهِ ... تَمام السن مِنْهُ والذكاء) انْتهى. وَقَالَ بعض شرَّاح الحماسة: المذاكي: المسنات من الْخَيل. والمذكي من الْخَيل بِمَنْزِلَة المخلف من الْإِبِل.

стр. 3863

وَقَوله: إِذا الْخَيل جالت قَالَ المرزوقي: أَي إِذا الْخَيل دارت عَن مصروع منا كررنا عَلَيْهِم لنصرع مثل مَا صرعوا منا. وَيجوز أَن يُرِيد: إِذا جالت الْخَيل عَن صريع مِنْهُم لَا يقنعنا ذَلِك فيهم بل نكرها عَلَيْهِم لمثله وَإِن كرهت الْكر لشدَّة الْبَأْس فَلم ترجع إِلَّا كوالح. وَالْعَامِل فِي إِذا الْخَيل: نكرها وَهُوَ جَوَابه. وعوابس حَال وَالْخَيْل فَاعل فعل يفسره مَا بعده. انْتهى. وَقَالَ شارحٌ آخر: جالت: انكشفت. جال الْقَوْم جَوْلَة: انكشفوا ثمَّ كروا. وَلم ترجع الْخَيل إِلَّا عابسةً لما وجدت من مس السِّلَاح. وَقد رد على الْعَبَّاس عَمْرو بن معديكرب وَاعْتذر بِأَن خيلهم لم تكن سماناً وَأَنه لَوْلَا ذَلِك لم تنالوا الَّذِي نلتم فِي قصيدة يَقُول فِيهَا: الطَّوِيل (أعباسٌ لَو كَانَت شياراً جيادنا ... بِتَثْلِيث مَا ناصيت بعدِي الأحامسا) (لدسانكم بِالْخَيْلِ من كل جانبٍ ... كَمَا داس طباخ الْقُدُور الكرادسا) يُقَال: ناصيت الرجل إِذا أخذت بناصيته. والكردوس: كل ملتقى عظمين كالمنكبين والركبتين والوركين. ودسناكم: وطئناكم. انْتهى.) قَالَ الطبرسي فِي شَرحه أَبْيَات الْعَبَّاس من بَاب المنصفات: وَهُوَ

стр. 3864

من بَاب التناصف. وللعرب قصائد قد أنصف قائلوها أعداءهم فِيهَا وَصَدقُوا عَنْهُم وَعَن أنفسهم فِيمَا اصطلوه من حر اللِّقَاء وَفِيمَا وصفوه من أَحْوَالهم فِي إمخاض الإخاء قد سَموهَا المنصفات. ويروى أَن أول من أنصف فِي شعره مهلهل بن ربيعَة حَيْثُ قَالَ: الوافر (كأنا غدْوَة وَبني أَبينَا ... بِجنب عنيزةٍ رحيا مدير) وَمن التناصف فِي الإخاء قَول الْفضل بن الْعَبَّاس ﵄ فِي أبي لَهب: الْبَسِيط (لَا تطمعوا أَن تهينونا ونكرمكم ... وَأَن نكف الْأَذَى عَنْكُم وتؤذونا) انْتهى. وَالْعَبَّاس وَعَمْرو بن معديكرب صحابيان تقدّمت تَرْجَمَة الأول فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر وترجمة الثَّانِي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل (مَرَرْت على وَادي السبَاع وَلَا أرى ... كوادي السبَاع حِين يظلم وَاديا) ...

стр. 3865

(أقل بِهِ ركبٌ أَتَوْهُ تئية ... وأخوف إِلَّا مَا وقى الله ساريا) على أَن أفعل فِيهِ من قبيل: مَا رَأَيْت كعين زيدٍ أحسن فِيهَا الْكحل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا أَرَادَ أقل بِهِ الركب تئية مِنْهُم. وَلكنه حذف اسْتِخْفَافًا كَمَا تَقول: أَنْت أفضل وَلَا تَقول من أحد. وَتقول: الله أكبر وَمَعْنَاهُ الله أكبر من كل شَيْء. انْتهى. قَالَ ابْن خلف: حذف مِنْهُم وَبِه اختصاراً لعلم السَّامع. وَالْهَاء فِي بِهِ الأولى ضمير وَاديا وَالْهَاء فِي بِهِ الَّتِي بعد مِنْهُم ضمير وَادي السبَاع. وَقَالَ الجاربردي فِي رِسَالَة ألفها لمسألة الْكحل على عبارَة الكافية: ولوقوع التَّغْيِير الْكثير فِي الْعبارَة الثَّالِثَة من الْحَذف والتقديم وَالتَّأْخِير رُبمَا يتَوَهَّم أَنَّهَا غير جَائِزَة فَلذَلِك احْتَاجَ إِلَى إِيرَاد نظيرٍ لَهَا جَاءَ فِي كَلَام الْعَرَب وَقد أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ قَوْله: مَرَرْت على وَادي السبَاع ... ... ... ... . الْبَيْت والاستشهاد إِنَّمَا يحصل من الْبَيْتَيْنِ بقوله: وَلَا أرى كوادي السبَاع أقل بِهِ ركب أَتَوْهُ تئية فِي وَادي) السبَاع. فأفعل هَا هُنَا وَهُوَ أقل جرى لشيءٍ وَهُوَ فِي الْمَعْنى لمسببٍ هُوَ الركب مفضل بِاعْتِبَار من هُوَ لَهُ وَهُوَ قَوْله بِهِ على نَفسه بِاعْتِبَار وَادي السبَاع. انْتهى. وَقد شرح الشَّارِح الْمُحَقق الْبَيْتَيْنِ بِمَا لم يسْبق بِهِ. وَقَوله: الْوَاو فِي وَلَا أرى اعتراضية هَذَا بِالنّظرِ إِلَى مَا يَأْتِي بعد الْبَيْت الثَّانِي.

стр. 3866

وَجعل الْعَيْنِيّ جملَة: وَلَا أرى حَالية. وَقَوله: وَهُوَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَعْنِي أَن أخوف فِي الْبَيْت مَأْخُوذ من الْفِعْل الْمَبْنِيّ للْمَجْهُول أَي: أَشد مخوفية كَمَا أَخذ أشهر وَأحمد من الْمَبْنِيّ للْمَجْهُول أَي: أَشد مشهورية ومحمودية. وَقَوله: وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز من أقل هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَعَلِيهِ اقْتصر شَارِح اللّبَاب قَالَ: التئية: التَّوَقُّف والتثبت. وتئية تَمْيِيز من قَوْله: أقل أَي: أقل توقفاً. فَأَقل: أفعل من الْقلَّة مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفة لمفعول أرى. وَقَالَ الجاربردي: تئية إِمَّا مصدر على أَصله لِأَن الْإِتْيَان قد يكون تئية أَي: بتوقف وَقد يكون بِغَيْرِهِ. وَإِمَّا مصدرٌ فِي تَأْوِيل الْمُشْتَقّ أَي: متوقفين فَيكون حَالا. وأخوف عطف على أقل أَو على تئية إِن جعلت حَالا. وَإِلَّا مَا وقى الله: استثناءٌ مفرغ أَي: فِي كل وَقت إِلَّا وَقت وقاية الله الساري. انْتهى. ومحصل الْمَعْنى أَن ثُبُوت الركب فِي وَادي السبَاع أقل من ثُبُوته فِي غَيره. وَالشعر لسحيم بن وثيل وَهُوَ شَاعِر عصري الفرزدق وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ. وَادي السبَاع: اسْم مَوضِع بطرِيق الْبَصْرَة. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: وَادي السبَاع جمع سبع بِالْبَصْرَةِ مَعْرُوف وَهُوَ الَّذِي قتل فِيهِ الزبير بن الْعَوام سمي بذلك لِأَن أَسمَاء بنت عمرَان بن الحاف بن قضاعة. وَقَالَ

стр. 3867

الْكَلْبِيّ: هِيَ أَسمَاء بنت دريم بن الْقَيْن بن أهود بن بهراء كَانَت تنزله. وَيُقَال لَهَا أم الأسبع لِأَن وَلَدهَا أَسد وكلب وَالذِّئْب والدب والفهد والسرحان. وَأَقْبل وَائِل بن قاسط فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا رَآهَا امْرَأَة ذَات جمال فطمع فِيهَا ففطنت لَهُ فَقَالَت: لَو هَمَمْت بِي لأتاك أسبعي فَقَالَ: مَا أرى حولك أسبعاً. فدعَتْ بنيها فَأتوا بِالسُّيُوفِ من كل نَاحيَة. فَقَالَ: وَالله وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: وَادي السبَاع جمع سبع. والسبع: يُقَال: على مَا لَهُ نابٌ ويعدو) على النَّاس وَالدَّوَاب فيفترسها مثل الْأسد وَالذِّئْب والنمر والفهد. فَأَما الثَّعْلَب فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ لَهُ نَاب فَإِنَّهُ لَيْسَ بسبعٍ لِأَنَّهُ لَا عدوان لَهُ. وَكَذَلِكَ الضبع. ووادي السبَاع هُوَ الَّذِي قتل فِيهِ الزبير بن الْعَوام بن الْبَصْرَة وَمَكَّة بَينه وَبَين الْبَصْرَة خَمْسَة أَمْيَال. كَذَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة. ووادي السبَاع من نواحي الْكُوفَة سمي بذلك لما أذكرهُ لَك وَهُوَ: أَن أَسمَاء بنت دريم بن الْقَيْن بن أهود بن بهراء كَانَ يُقَال لَهَا: أم الأسبع. وَوَلدهَا بَنو وبرة ابْن تغلب بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة يُقَال لَهُم السبَاع وهم: كلب وَأسد وَالذِّئْب والفهد والثعلب وسرحان. ونزكٌ بِفَتْح النُّون

стр. 3868

وَسُكُون الزَّاي وَهُوَ الْحَرِيش وَيُقَال لَهُ: الكركدن لَهُ قرن وَاحِد يحمل الْفِيل على قرنه على مَا قيل. وجعثم وَهُوَ الضبع. والفزر وَهُوَ الببر: نوع من الضباع دون جرم الفهد إِلَّا أَنه أَشد وأجرأ مِنْهُ. وعنزة وَهِي دابةٌ طَوِيلَة الخطم يعد من رُؤُوس السبَاع يَأْتِي النَّاقة فَيدْخل خطمه فِي حيائها وَيَأْكُل مَا فِي بَطنهَا وَيَأْتِي الْبَعِير فيمتلخ عَيْنَيْهِ. وهر وضبع. والسمع بِالْكَسْرِ وَهُوَ ولد الذِّئْب من الضبع. وديسم وَهُوَ الثَّعْلَب وَقيل: ولد الذِّئْب. ونمس وَهُوَ دويبة فَوق ابْن عرس يَأْكُل اللَّحْم وَهُوَ أسود ملمع ببياض. والعفر: جنس من الببر. وَسيد. والدلدل. والظربان: دويبةٌ مُنْتِنَة الفساء. ووعوع وَهُوَ ابْن آوى الضخم. وَكَانَت تنزل مَعَ أَوْلَادهَا بِهَذَا الْوَادي فَسُمي وَادي السبَاع بِأَوْلَادِهَا. قَالَ ابْن حبيب: مر وَائِل بن قاسط بأسماء هَذِه أم ولد وبرة وَكَانَت امْرَأَة جميلَة وبنوها يرعون حولهَا فهم بهَا فَقَالَت لَهُ: لَعَلَّك أسررت فِي نَفسك مني شَيْئا فَقَالَ: أجل. فَقَالَت: لَئِن لم تَنْتَهِ لأستصرخن عَلَيْك فَقَالَ: وَالله مَا أرى بالوادي أحدا فَقَالَت: لَو دَعَوْت سباعه لمنعتني مِنْك وأعانتني عَلَيْك. فَقَالَ: أَو تفهم السبَاع عَنْك قَالَت: نعم. ثمَّ رفعت صَوتهَا: يَا كلب يَا ذِئْب يَا فَهد يَا دب يَا سرحان يَا أَسد. فجاؤوا يتعادون وَيَقُولُونَ: مَا خبرك يَا أُمَّاهُ قَالَت: ضيفكم هَذَا أَحْسنُوا قراه. وَلم تَرَ أَن تفضح نَفسهَا عِنْد بنيها فذبحوا لَهُ وأطعموه فَقَالَ وَائِل: مَا هَذَا إِلَّا وَادي السبَاع فَسُمي ذَلِك. انْتهى.

стр. 3869

(الْفِعْل الْمَاضِي) أنْشد فِيهِ (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الستمائة) الْبَسِيط وَالله لَا عذبتهم بعْدهَا سقر على أَن الْمَاضِي النَّفْي بِلَا فِي جَوَاب الْقسم ينْصَرف إِلَى الِاسْتِقْبَال كَمَا فِي الْبَيْت. وَهُوَ عجز وصدره: حسب المحبين فِي الدُّنْيَا عَذَابهمْ وَالْبَيْت من قصيدةٍ للمؤمل بن أميل الْمحَاربي قَالَهَا فِي امرأةٍ كَانَ يهواها من أهل الْحيرَة يُقَال لَهَا: هِنْد وَهِي قصيدة مَشْهُورَة. وَمِنْهَا: (شف المؤمل يَوْم الْحيرَة النّظر ... لَيْت المؤمل لم يخلق لَهُ بصر) وَمِنْهَا: روى الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني عَن عَليّ بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ قَالَ: رأى المؤمل فِي نَومه قَائِلا يَقُول: أَنْت المتألي على الله أَنه لَا يعذب المحبين حَيْثُ تَقول: (يَكْفِي المحبين فِي الدُّنْيَا عَذَابهمْ ... وَالله لَا عذبتهم بعْدهَا سقر) فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: كذبت يَا عَدو الله ثمَّ أَدخل إصبعيه فِي عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل: شف المؤمل يَوْم الْحيرَة النّظر ... ... ... . . الْبَيْت

стр. 3870

هَذَا مَا تمنيت فانتبه فَزعًا فَإِذا هُوَ قد عمي. وَرُوِيَ بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن مُصعب الزبيرِي أَنه قَالَ: أنْشد الْمهْدي: قتلت شَاعِر هَذَا الْحَيّ من مضرٍ ... ... ... . الْبَيْت فَضَحِك وَقَالَ: لَو علمنَا أَنَّهَا فعلت لما رَضِينَا ولغضبنا لَهُ وأنكرنا. انْتهى. وشفه: بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء بِمَعْنى أرقه وأهزله ونقصه. والمتألي بِمَعْنى الْحَالِف: اسْم فَاعل من تألى من الألية وَهِي الْيَمين. وَيُقَال مِنْهَا آل إِيلَاء وائتلى أَيْضا: افتعل من الألية.) والمؤمل: ابْن أميل بن أسيد الْمحَاربي. والمؤمل بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَالثَّانِي: بِالتَّصْغِيرِ وَكِلَاهُمَا مأخوذان من الأمل وَالثَّالِث: بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة. وَهَذِه تَرْجَمته من الأغاني قَالَ: هُوَ المؤمل بن أميل بن أسيد الْمحَاربي من محَارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر. شاعرٌ كوفيٌّ من مخضرمي شعراء الدولتين الأموية والعباسية. وَكَانَت شهرته فِي العباسية أَكثر لِأَنَّهُ كَانَ من الْجند المرتزقة مَعَهم وَمن يخصهم ويخدمهم من أَوْلِيَائِهِمْ. وَانْقطع إِلَى الْمهْدي فِي حَيَاة أَبِيه وَبعده. وَهُوَ صَالح الْمَذْهَب فِي شعره لَيْسَ من المبرزين الفحول وَلَا المرذولين. وَفِي شعره لين. وَله طبعٌ صَالح. وَرُوِيَ عَنهُ بالسند أَنه قَالَ: قدمت على الْمهْدي وَهُوَ بِالريِّ وَهُوَ إِذْ ذَاك ولي عهد فامتدحته بأبياتٍ فَأمر لي بِعشْرين ألف دِرْهَم فَكتب

стр. 3871

بذلك صَاحب الْبَرِيد إِلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَهُوَ بِمَدِينَة السَّلَام يُخبرهُ أَن الْأَمِير الْمهْدي أَمر لشاعر بِعشْرين ألف دِرْهَم فَكتب إِلَيْهِ يعذله ويلومه وَيَقُول لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَك أَن تعطيه بعد أَن يُقيم ببابك سنة أَرْبَعَة أُلَّاف دِرْهَم. وَكتب إِلَى كَاتب الْمهْدي أَن يُوَجه إِلَيْهِ بالشاعر. فَطلب فَلم يقدر عَلَيْهِ وَكتب إِلَى أبي جَعْفَر: إِنَّه قد توجه إِلَى مَدِينَة السَّلَام. فأجلس قائداً من قواده على جسر النهروان وَأمره أَن يتصفح النَّاس رجلا رجلا. فَجعل لَا تمر بِهِ قافلة إِلَّا تصفح من فِيهَا حَتَّى مرت الْقَافِلَة الَّتِي فِيهَا المؤمل فتصفحهم فَلَمَّا سَأَلَهُ من أَنْت قَالَ: أَنا المؤمل بن أميل الْمحَاربي الشَّاعِر أحد زوار الْأَمِير الْمهْدي. فَقَالَ: إياك طلبت. قَالَ المؤمل: فكاد قلبِي ينصدع خوفًا من أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. فَقبض عَليّ وأسلمني إِلَى الرّبيع فَأَدْخلنِي إِلَى أبي جَعْفَر وَقَالَ لَهُ: هَذَا الشَّاعِر الَّذِي أَخذ من الْمهْدي عشْرين ألف دِرْهَم قد ظفرنا بِهِ. فَقَالَ: أدخلوه إِلَيّ. فأدخلت عَلَيْهِ فَسلمت تَسْلِيم مذعور مروع فَرد عَليّ السَّلَام وَقَالَ: لَيْسَ لَك هَا هُنَا إِلَّا خيرٌ أَنْت المؤمل بن أميل. قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: أتيت غُلَاما غراً كَرِيمًا فخدعته فانخدع. قلت: نعم أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أتيت غُلَاما غراً كَرِيمًا فخدعته فانخدع. قَالَ: فَكَأَن ذَلِك أعجبه فَقَالَ: أَنْشدني مَا قلت لَهُ. فَأَنْشَدته:

стр. 3872

الوافر) (هُوَ الْمهْدي إِلَّا أَن فِيهِ ... مشابهةً من الْقَمَر الْمُنِير) (تشابه ذَا وَذَا فهما إِذا مَا ... أنارا مشكلان على الْبَصِير) (فَهَذَا فِي الظلام سراج ليلٍ ... وَهَذَا فِي النَّهَار ضِيَاء نور) (وَلَكِن فضل الرَّحْمَن هَذَا ... على ذَا بالمنابر والسرير) (وبالملك الْعَزِيز فَذا أميرٌ ... وماذا بالأمير وَلَا الْوَزير) (فيا ابْن خَليفَة الله الْمُصَفّى ... بِهِ تعلو مفاخرة الفخور) (لَئِن فت الْمُلُوك وَقد توافوا ... إِلَيْك من السهولة والوعور) (لقد سبق الْمُلُوك أَبوك حَتَّى ... بقوا من بَين كابٍ أَو حسير) (وَجئْت مُصَليا تجْرِي حثيثاً ... وَمَا بك حِين تجْرِي من فتور) (فَقَالَ النَّاس: مَا هَذَانِ إِلَّا ... كَمَا بَين الخليق إِلَى الجدير) (لَئِن سبق الْكَبِير فَأهل سبقٍ ... لَهُ فضل الْكَبِير على الصَّغِير) (وَإِن بلغ الصَّغِير مدى كبيرٍ ... فقد خلق الصَّغِير من الْكَبِير) فَقَالَ: وَالله لقد أَحْسَنت وَلَكِن هَذَا لَا يُسَاوِي عشْرين ألف دِرْهَم فَأَيْنَ المَال هَا هُوَ هَذَا. قَالَ: يَا ربيع امْضِ مَعَه فأعطه أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَخذ مِنْهُ الْبَاقِي. قَالَ المؤمل: فَخرج معي الرّبيع فحط ثقلي وَوزن لي من المَال أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَأخذ الْبَاقِي. فَلَمَّا ولي الْمهْدي الْخلَافَة ولى ابْن ثَوْبَان الْمَظَالِم فَكَانَ يجلس للنَّاس بالرصافة فَإِذا مَلأ كساءه رِقَاعًا رَفعهَا إِلَى الْمهْدي فَرفعت إِلَيْهِ رقعةٌ فَلَمَّا دخل بهَا

стр. 3873

ابْن ثَوْبَان جعل الْمهْدي ينظر فِي الرّقاع حَتَّى إِذا وصل إِلَى رقعتي ضحك. فَقَالَ لَهُ ابْن ثَوْبَان: أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رَأَيْتُك ضحِكت من شيءٍ من هَذِه الرّقاع إِلَّا من هَذِه الرقعة. فَقَالَ: هَذِه رقْعَة أعرف سَببهَا ردوا إِلَيْهِ عشْرين ألف دِرْهَم. فردوها إِلَيّ وانصرفت. وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن أبي مُحَمَّد اليزيدي عَن المؤمل بن أميل قَالَ: صرت إِلَى الْمهْدي بجرجان فمدحته بِقَوْلِي: المتقارب (تعز ودع عَنْك سلمى وسر ... حثيثاً على سائرات البغال) (وكل جوادٍ لَهُ ميعةٌ ... يخب بسرجك بعد الكلال)) (إِلَى الشَّمْس شمس بني هاشمٍ ... وَمَا الشَّمْس كالبدر أَو كالهلال) (ويضحكه أَن يدون السُّؤَال ... ويتلف من ضحكه كل مَال) فاستحسنها الْمهْدي وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وشاع الشّعْر وَكَانَ فِي عسكره رجلٌ يعرف بِأبي الهوسات يُغني فغنى فِي الشّعْر لرفقائه وَبلغ ذَلِك الْمهْدي فَبعث إِلَيْهِ سرا فَدخل عَلَيْهِ فغناه فَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم أُخْرَى وَكتب بذلك صَاحب الْبَرِيد إِلَى الْمَنْصُور. ثمَّ ذكر بَاقِي الْخَبَر نَحْو مَا تقدم قبله وَزَاد فِيهِ أَن الْمَنْصُور قَالَ لَهُ: جِئْت إِلَى غُلَام غرٍّ فخدعته حَتَّى أَعْطَاك من مَال الله عشْرين ألف دِرْهَم لشعرٍ قلته فِيهِ غير جيد وأعطاك من رَقِيق الْمُسلمين مَالا يملكهُ وأعطاك من الكراع والأثاث مَا أسرف فِيهِ يَا ربيع خُذ مِنْهُ ثَمَانِيَة عشر ألف دِرْهَم وأعطه أَلفَيْنِ وَلَا تعرض لشيءٍ من الأثاث وَالدَّوَاب وَالرَّقِيق فَفِي ذَلِك غناهُ. فَأخذت مني وَالله بخواتمها. فَلَمَّا ولي الْمهْدي

стр. 3874

دخلت عَلَيْهِ فِي المتظلمين فَلَمَّا رَآنِي ضحك وَقَالَ: مظلمةٌ أعرفهَا وَلَا أحتاج إِلَى بينةٍ عَلَيْهَا. وَجعل يضْحك وَأمر بِالْمَالِ فَرد عَلَيْهِ بِعَيْنِه وَزَادَنِي فِيهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم. انْتهى. وَمن شعره: الطَّوِيل (حلمت بكم فِي نومتي فغضبتم ... وَلَا ذَنْب لي إِن كنت فِي النّوم أحلم) (سأطرد عني النّوم كَيْلا أَرَاكُم ... إِذا مَا أَتَانِي النّوم وَالنَّاس نوم) (تصارمني وَالله يعلم أنني ... أبر بهَا من والديها وأرحم) (وَقد زَعَمُوا لي أَنَّهَا نذرت دمي ... وَمَا لي بِحَمْد الله لحمٌ وَلَا دم) (بَرى حبها لحمي وَلم يبْق لي دَمًا ... وَإِن زَعَمُوا أَنِّي صحيحٌ مُسلم) (فَلم أر مثل الْحبّ صَحَّ سقيمه ... وَلَا مثل من لَا يعرف الْحبّ يسقم) (ستقتل جلدا بَالِيًا فَوق أعظمٍ ... وَلَيْسَ يُبَالِي الْقَتْل جلدٌ وَأعظم)

стр. 3875

روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى حُذَيْفَة بن مُحَمَّد الطَّائِي قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: رَأَيْت المؤمل شَيخا كَبِيرا نحيفاً أعمى فَقلت لَهُ لقد صدقت فِي قَوْلك: وَقد زَعَمُوا لي أَنَّهَا نذرت دمي ... ... ... الْبَيْت) فَقَالَ: نعم فديتك لَا أَقُول إِلَّا حَقًا

стр. 3876

(الْفِعْل الْمُضَارع) أنْشد فِيهِ (الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) الرجز (أَبيت أسرِي وتبيتي تدلكي ... جِلْدك بالعنبر والمسك الذكي) على أَن النُّون من الْأَفْعَال الْخَمْسَة قد ينْدر حذفهَا لَا للأشياء الْمَذْكُورَة نظماً ونثراً. وَالْأَصْل تبيتين تدلكين. قَالَ ابْن جني فِي بَاب مَا يرد عَن الْعَرَبِيّ مُخَالفا لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور من كتاب الخصائص: سَأَلت أَبَا عَليّ ﵀ عَن قَوْله: (أَبيت أسرِي وتبيتي تدلكي ... وَجهك بالعنبر والمسك الذكي) فخضنا فِيهِ وَاسْتقر الْأَمر فِيهِ على أَنه حذف النُّون من تبيتين كَمَا حذف الْحَرَكَة للضَّرُورَة فِي قَوْله: السَّرِيع فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ كَذَا وجهته مَعَه فَقَالَ لي: فَكيف تصنع بقوله: تدلكي قلت: نجعله بَدَلا من تبيتي أَو حَالا فنحذف النُّون كَمَا حذفهَا من الأول فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فاطمأن الْأَمر على هَذَا. وَقد يجوز أَن يكون تبيتي فِي مَوضِع النصب بإضمار أَن فِي غير الْجَواب كَمَا جَاءَ بَيت الْأَعْشَى: الطَّوِيل (لنا هضبةٌ لَا ينزل الذل وَسطهَا ... ويأوي إِلَيْهَا المستجير فيعصما)

стр. 3877

انْتهى. وَأوردهُ ابْن عُصْفُور أَيْضا فِي كتاب الضرائر قَالَ: وَمِنْه حذف النُّون الَّذِي هُوَ عَلامَة للرفع فِي الْفِعْل الْمُضَارع لغير ناصبٍ وَلَا جازم تَشْبِيها لَهَا بالضمة من حَيْثُ كَانَتَا علامتي رفع نَحْو قَول أَيمن بن خريم: المتقارب (وَإِذ يغصبوا النَّاس أَمْوَالهم ... إِذا ملكوهم وَلم يغصبوا) وَقَول الآخر:) أَبيت أسرِي ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَول الآخر أنْشدهُ الْفَارِسِي: الرجز (وَالْأَرْض أورثت بني آداما ... مَا يغرسوها شَجرا أَيَّامًا) أَلا ترى أَن النُّون قد حذفت من يغصبون وتبيتين وتدلكين ويغرسون لغير ناصب وَلَا جازم كَمَا فعل بالحركة فِي أشْرب من قَوْله: فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ وَلَا يحفظ شيءٌ من ذَلِك فِي الْكَلَام إِلَّا مَا جَاءَ فِي حَدِيث خرجه مُسلم فِي قَتْلَى بدر حِين قَامَ عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ َ فناداهم ... ... الحَدِيث. فَسمع عمر قَول النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يسمعوا وَأَنِّي يجيبوا وَقد جيفوا فَحذف النُّون من يسمعُونَ ويجيبون. انْتهى.

стр. 3878

وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف على قَائِله: وَقَوله: أَبيت أسرِي إِلَخ أَبيت: مضارع بَات بيتوتة ومبيتاً ومباتاً وَمَعْنَاهُ اخْتِصَاص الْفِعْل بِاللَّيْلِ كَمَا اخْتصَّ الْفِعْل فِي ظلّ بِالنَّهَارِ. فَإِذا قلت: بَات يسري فَمَعْنَاه فعل السرى بِاللَّيْلِ وَلَا يكون إِلَّا مَعَ سهر اللَّيْل. وأسري: مضارع سريت اللَّيْل وسريت بِهِ سرياً وَالِاسْم السَّرَايَة إِذا قطعته بالسير. وَجُمْلَة: أسرى خبر بَات. وتدلكي: دلكت الشَّيْء دلكا من بَاب قتل إِذا مرسته بِيَدِك. ودلكت النَّعْل بِالْأَرْضِ: وروى: وَجهك بدل جِلْدك. والذكي: الشَّديد الرَّائِحَة. قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَصْرِيّ فِي كتاب أغلاط الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: يسْتَعْمل الذكاء أَيْضا فِي حِدة الرَّائِحَة فَيُقَال: مسكٌ ذكيٌّ بَين الذكاء. وَيسْتَعْمل أَيْضا فِيمَا أنتن فَيُقَال مِنْهُمَا: رَائِحَة ذكية وَقد ذكت الرَّائِحَة تذكو ذكواً وذكاءً وَهِي فِي الطّيب أشهر وهم لَهَا أَكثر اسْتِعْمَالا. انْتهى. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) الْكَامِل كجواريٍ يلعبن بالصحراء على أَن ظُهُور الْجَرّ والتنوين على الْيَاء ضَرُورَة. وَقَالَ فِي شرح الشافية: وقومٌ من الْعَرَب يجرونَ الْيَاء وَالْوَاو مجْرى

стр. 3879

الْحَرْف الصَّحِيح فِي الِاخْتِيَار فيحركون يَاء الرَّامِي رفعا وجراً وياء يَرْمِي رفعا وَكَذَا وَاو يَغْزُو رفعا. وَأنْشد هَذِه الأبيات وَغَيرهَا. وَالْمَشْهُور مَا هُنَا. إِحْدَاهمَا: إِثْبَات الْيَاء وتحريكها وَكَانَ حَقه أَن يحذفها فَيَقُول: كجوارٍ. وَالثَّانيَِة: أَنه صرف مَا لَا ينْصَرف وَكَانَ الْوَجْه لما أثبت الْيَاء إِجْرَاء لَهَا مجْرى الْحَرْف الصَّحِيح أَن يمْنَع الصّرْف فَيَقُول كجواري. انْتهى. وَهَذَا المصراع عجزٌ وصدره: مَا إِن رَأَيْت وَلَا أرى فِي مدتي وَإِن: زَائِدَة مُؤَكدَة لما النافية وَجُمْلَة: وَلَا أرى فِي مدتي أَي: فِي عمري مُعْتَرضَة بَين أرى البصرية وَبَين مفعولها وَهُوَ الْكَاف من قَوْله: كجوارٍ فَإِنَّهَا اسميةٌ وَلَا يَصح جعلهَا حرفية فَإِن التَّقْدِير حِينَئِذٍ: مَا رَأَيْت نسَاء كجواري. وَحذف الْمَوْصُوف من مثل هَذَا لَا ينطبق عَلَيْهِ ضابطه فَإِن الصّفة إِذا كَانَت جاراً ومجروراً فَلَا بُد لجَوَاز حذف الْمَوْصُوف أَن يكون بَعْضًا من مجرور بِمن أَو فِي كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف. ومفعول لَا أرى مَحْذُوف أَي: مِثْلهنَّ. والجواري: جمع جَارِيَة وَهِي الشَّابَّة. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الْجَارِيَة السَّفِينَة سميت بذلك لجريها فِي الْبَحْر وَمِنْه قيل للْأمة جَارِيَة على التَّشْبِيه لجريها مستسخرة فِي أشغال مواليها. وَالْأَصْل فِيهَا الشَّابَّة لخفتها. ثمَّ توسعوا حَتَّى سموا كل أمةٍ جَارِيَة وَإِن كَانَت عجوزاً لَا تقدر على السَّعْي تَسْمِيَة بِمَا كَانَت

стр. 3880

وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَالْعَامِل فِي فِي وَالْكَاف على الِاخْتِلَاف فِي تَوْجِيه العاملين رَأَيْت الْوَاقِع دون أرى المتوقع. وَإِن جَازَ إِعْمَال كل واحدٍ مِنْهُمَا على الْخلاف فِيهِ لَكِن الأولى مَا ذكرته لوُجُود الرُّؤْيَة متحققة مَعَ إِعْمَال الأول وَعدمهَا متوهمة مَعَ إِعْمَال الثَّانِي. وَيُقَوِّي ذَلِك زِيَادَة إِن مَعَ مَا. وَمَوْضِع الْكَاف نصب وَكَذَا مَوضِع فِي أَيْضا. هَذَا كَلَامه.) وَالْبَيْت مَعَ كَثْرَة تداوله فِي كتب النَّحْو واللغة لم أَقف على قَائِله. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) الطَّوِيل أَبى الله أَن أسموا بِأم وَلَا أَب على أَن النصب على الْوَاو يقدر كثيرا لأجل الضَّرُورَة. وَأوردهُ أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْمُجَاشِعِي الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة وَقَالَ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك للشاعر لِأَن الحركات مستثقلة فِي حُرُوف الْمَدّ واللين فَلَمَّا جَازَ إسكانها فِي الِاسْم فِي مَوضِع الْجَرّ وَالرَّفْع أجري عَلَيْهِ فِي مَوضِع النصب أَيْضا لما أَخْبَرتك بِهِ. انْتهى. وَأوردهُ ابْن عُصْفُور أَيْضا فِي كتاب الضرائر وَقَالَ: حذف الفتحة من آخر أسمو إِجْرَاء للنصب مجْرى الرّفْع.

стр. 3881

والمصراع من أَرْبَعَة أبياتٍ لعدو الله عَامر بن الطُّفَيْل على مَا فِي ديوانه. وَكَانَت كنيته فِي السّلم أَبُو عَليّ وَفِي الْحَرْب أَبُو عقيل وَهِي: (وَمَا سودتني عامرٌ عَن وراثةٍ ... أَبى الله أَن أسمو بِأم وَلَا أَب) (وَلَا شرفتني كنيةٌ عربيةٌ ... وَلَا خَالَفت نَفسِي مَكَارِم منصبي) (ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رَمَاهَا بمنكب) (وأتركها تسمو إِلَى كل غايةٍ ... وتفخر حييّ مشرق بعد مغرب) قَالَ جَامع ديوانه: أَرَادَ تغلب حَيّ الْمشرق وَحي الْمغرب. وَقَوله: وَمَا سودتني عَامر أَي: جَعَلتني سيد قَبيلَة بني عَامر بِالْإِرْثِ عَن آبَائِهِم بل سدتهم بأفعالي. وَقَوله: أَبى الله إِلَخ أَبى لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: بِمَعْنى كره وَهُوَ المُرَاد هُنَا. وَالثَّانِي: بِمَعْنى امْتنع. وَأَن أسمو مَفْعُوله. والسمو: الْعُلُوّ. وَهَذَا المصراع أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْبَاب الثَّامِن من الْمُغنِي قَالَ فِي الْقَاعِدَة الأولى: قد يعْطى إِلَى أَن قَالَ مِنْهَا: الْعَطف ب وَلَا بعد الْإِيجَاب فِي نَحْو قَوْله: أَبى الله أَن أسمو بأمٍّ وَلَا أَب) لما كَانَ مَعْنَاهُ قَالَ الله لي: لَا تسمو بأمٍّ وَلَا أَب. انْتهى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الإباء: شدَّة الِامْتِنَاع وَأَن أسمو مَفْعُوله وَالتَّقْدِير: أَبى الله سموي وسيادتي بأمٍّ وَلَا أَب. وَقَوله: وَلَا أَب عطفٌ على قَوْله: بأمٍّ. وَزَاد كلمة لَا تَأْكِيدًا للنَّفْي. هَذَا كَلَامه فَتَأَمّله. وَأوردهُ جَامع ديوانه كَذَا:

стр. 3882

أَبى الله أَن أسمو بأمي وَالْأَب فَلَا شَاهد فِيهِ على مَا ذكره ابْن هِشَام. وَاللَّام فِي الْأَب عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي: بأمي وَأبي. وَأورد المصراع أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي الْكَامِل فِي أَبْيَات ثَلَاثَة كَذَا: (إِنِّي وَإِن كنت ابْن فَارس عامرٍ ... وَفِي السِّرّ مِنْهَا والصريح الْمُهَذّب) (فَمَا سودتني عامرٌ عَن وراثةٍ ... أَبى الله أَن أسمو بأمٍّ وَلَا أَب) (ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رَمَاهَا بمقنب) (تَقول ابْنة الْعمريّ مَا لَك بَعْدَمَا ... أَرَاك صَحِيحا كالسليم المعذب) (فَقلت لَهَا: همي الَّذِي تعلمينه ... من الثأر فِي حييّ زبيدٍ وأرحب) (إِن اغزو زبيداً أغز قوما أعزةً ... مركبهم فِي الْحَيّ خير مركب) (وَإِن أغز حييّ خثعمٍ فدماؤهم ... شفاءٌ وَخير الثأر للمتأوب) (فَمَا أدْرك الأوتار مثل محققٍ ... بأجرد طاوٍ كالعسيب المشذب) (وأسمر خطي وأبيض باترٍ ... وزغفٍ دلاصٍ كالغدير المثوب) (سلَاح امرىءٍ قد يعلم النَّاس أَنه ... طلوبٌ لثارات الرِّجَال مطلب) فَإِنِّي وَإِن كنت ... ... ... ... ... ... . إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة. قَالَ الْأَخْفَش: السَّلِيم: الملدوغ وَقيل لَهُ: سليمٌ تفاؤلاً لَهُ بالسلامة. وزبيد وأرحب: قبيلتان من الْيمن. والثأر: مَا يكون لَك عِنْد من أصَاب حميمك من الترة. والمتأوب: الَّذِي يَأْتِيك لطلب ثَأْره عنْدك

стр. 3883

يُقَال: آب يؤوب إِذا رَجَعَ. والتأوب فِي غير هَذَا: السّير بِالنَّهَارِ بِلَا توقف. والأوتار والأحقاد واحدهما وتر وحقد. والأجرد: الْفرس المتحسر الشّعْر والضامر أَيْضا.) والعسيب: السعفة. والمشذب: الَّذِي قد أَخذ مَا عَلَيْهِ من العقد والسلاء والخوص. وَمِنْه قيل وخطيٌّ: رمحٌ نسب إِلَى الْخط وَهِي جَزِيرَة بِالْبَحْرَيْنِ يُقَال: إِنَّهَا تنْبت الرماح. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: لَيست بهَا رماح وَلَكِن سفينة كَانَت وَقعت إِلَيْهَا فِيهَا رماحٌ وأرفئت بهَا فِي بعض السنين الْمُتَقَدّمَة فَقيل لتِلْك الرماح الخطية ثمَّ عَم كل رمح هَذَا النّسَب إِلَى الْيَوْم. والزغف: الدروع الرقيقة الدقيقة النسج. والمثوب: الَّذِي تصفقه الرِّيَاح فَيذْهب وَيَجِيء. وَهُوَ من ثاب يثوب. إِذا رَجَعَ. وَإِنَّمَا سمي الغدير غديراً لِأَن السَّيْل غَادَرَهُ أَي: تَركه. اه. وَقد أورد الْعَيْنِيّ رِوَايَة الْأَخْفَش وَفسّر جَمِيع الأبيات وَقَالَ: الأوتار جمع وتر بِالْكَسْرِ: الْجِنَايَة. والطاوي: ضامر الْبَطن. والأسمر: الرمْح. والأبيض: السَّيْف. والباتر: الْقَاطِع. والزغف بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: جمع زغف بِفتْحَتَيْنِ وَهِي الدرْع الواسعة. ومنكب بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْكَاف: أعوان الْعرْفَان وَقيل: رَأس العرفاء

стр. 3884

من النكابة وَهِي العرافة والنقابة. وروى بدله: بمنقب بِكَسْر الْمِيم وَفتح النُّون: جمَاعَة الْخَيل والفرسان. انْتهى المُرَاد مِنْهُ. وترجمة عَامر بن الطُّفَيْل تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده الرجز (كَأَن أَيْدِيهنَّ بالقاع القرق ... أَيدي جوارٍ يتعاطين الْوَرق) على أَن تسكين الْيَاء من أَيْدِيهنَّ ضَرُورَة وَالْقِيَاس فتحهَا. قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة الْحسن: أَو يعْفُو الَّذِي. سَاكِنة اللَّام: وَسُكُون الْوَاو من الْمُضَارع فِي مَوضِع النصب قَلِيل وَسُكُون الْيَاء فِيهِ أَكثر. وأصل السّكُون فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ للألف لِأَنَّهَا لَا تحرّك أبدا ثمَّ شبهت الْيَاء بِالْألف لقربها مِنْهَا فجَاء عَنْهُم مجيئاً كالمستمر نَحْو قَوْله: الرجز (كَأَن أَيْدِيهنَّ بالموماة ... أَيدي جوارٍ بتن ناعمات) وَقَالَ الآخر: كَأَن أَيْديهم بالقاع القرق وَقَالَ الآخر: الْبَسِيط) يَا دَار هندٍ عفت إِلَّا أثافيها

стр. 3885

وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يذهب إِلَى أَن إسكان هَذِه الْيَاء فِي مَوضِع النصب من أحسن الضرورات وَذَلِكَ لِأَن الْألف ساكنةٌ فِي الْأَحْوَال كلهَا فَكَذَلِك جعلت هَذِه ثمَّ شبهت الْوَاو فِي (إِذا شِئْت أَن تلهو بِبَعْض حَدِيثهَا ... رفعن وأنزلن القطين المولدا) وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل أَبى الله أَن أسمو بأمٍّ وَلَا أَب فعلى ذَاك يَنْبَغِي أَن تحمل قِرَاءَة الْحسن: أَو يعْفُو الَّذِي فَقَالَ ابْن مُجَاهِد: وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْوَقْف. فَأَما فِي الْوَصْل فَلَا يكون. وَقد ذكرنَا مَا فِيهِ. وعَلى كل حَال فالفتح أعرف. اه وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: قَالَ الْمبرد: هَذَا من أحسن الضرورات لأَنهم ألْحقُوا حَالَة بحالتين يَعْنِي أَنهم جعلُوا الْمَنْصُوب كالمجرور وَالْمَرْفُوع مَعَ أَن السّكُون أخف الحركات. وَلذَلِك اعْترضُوا على إسكان الْيَاء فِي ذَوَات الْيَاء من المركبات نَحْو معديكرب وقالي قلا. اه. والبيتان من الرجز نسبهما ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة إِلَى رؤبة بن العجاج وَلم أرهما فِي ديوانه. وَضمير أَيْدِيهنَّ لِلْإِبِلِ. والقاع هُوَ الْمَكَان المستوي. والقرق بِفَتْح الْقَاف الأولى وَكسر الرَّاء: الأملس. وَجوَار بِفَتْح الْجِيم: جمع جَارِيَة.

стр. 3886

ويتعاطين أَي: يناول بَعضهنَّ بَعْضًا. وَالْوَرق: الدَّرَاهِم. وَفِي التَّنْزِيل: فَابْعَثُوا أحدكُم بورقكم هَذِه. كَذَا فِي أمالي ابْن الشجري. وَقَالَ الشريف المرتضى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ: القرق: الخشن الَّذِي فِيهِ الْحَصَى. وَشبه وَقَالَ آخَرُونَ: القرق هُنَا المستوى من الأَرْض الْوَاسِع. وَإِنَّمَا خص بِالْوَصْفِ لِأَن أَيدي الْإِبِل إِذا أسرعت فِي المستوي فَهُوَ أَحْمد لَهَا وَإِذا أَبْطَأت فِي غَيره فَهُوَ أجهد لَهَا. تَتِمَّة أورد الشَّارِح الْمُحَقق بعد هَذَا الشّعْر الْمثل الْمَشْهُور: أعْط الْقوس باريها وَقَالَ: قد يقدر نصب الْيَاء فِي السعَة أَيْضا. وَذكر الْمثل فَإِن باريها مفعول أعْط وَهُوَ سَاكن الْيَاء. وَهُوَ فِي هَذَا تابعٌ للزمخشري فِي الْمفصل. قَالَ الميداني فِي أَمْثَاله: أَي اسْتَعِنْ على عَمَلك بِأَهْل الْمعرفَة والحذق فِيهِ. وينشد: الْبَسِيط) (يَا باري الْقوس برياً لست تحسنها ... لَا تفسدنها وَأعْطِ الْقوس باريها) قَالَ شَارِح أبياته ابْن المستوفي: قرأته على شَيخنَا أبي الْحرم مكي بن رَيَّان فِي الْأَمْثَال لأبي الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد الميداني: أعْط الْقوس باريها بِفَتْح وَكَانَ فِي الأَصْل: لَيْسَ يُحسنهُ فأصلحه وَجعله

стр. 3887

برياً لست تحسنها وَهُوَ كَذَلِك فِي نسخ كتاب الميداني. وَلَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيّ إِنَّمَا أَرَادَ بِالْمثلِ آخر هَذَا الْبَيْت الْمَذْكُور فَأوردهُ على مَا قَالَه الشَّاعِر لَا على مَا ورد من الْمثل فِي النثر فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمحل ضَرُورَة. (يَا باري الْقوس برياً لَيْسَ يصلحه ... لَا تظلم الْقوس واعط الْقوس باريها) وَالْأول أصح. وَيجوز أَن يسكن يَاء باريها وَإِن كَانَ مثلا بِرَأْسِهِ على مَا تقدم تَعْلِيله. اه. وَالْمَشْهُور تسكين يائه. وَقد أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله وَقَالَ: قيل إِن الرِّوَايَة عَن الْعَرَب: باريها بِسُكُون الْيَاء لَا غير. يضْرب فِي وجوب تَفْوِيض الْأَمر إِلَى من يُحسنهُ ويتمهر فِيهِ. انْتهى. وَأنْشد بعده (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الستمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد س: السَّرِيع (فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ ... إِثْمًا من الله وَلَا واغل) على أَنه يقدر فِي الضَّرُورَة رفع الْحَرْف الصَّحِيح كَمَا فِي أشْرب فَإِن الْبَاء حرفٌ صَحِيح وَقد حذف الضمة مِنْهُ للضَّرُورَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يسكن بَعضهم فِي الشّعْر ويشم وَذَلِكَ قَول امرىء الْقَيْس:

стр. 3888

فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: اعْتِرَاض أبي الْعَبَّاس الْمبرد هُنَا على الْكتاب إِنَّمَا هُوَ على الْعَرَب لَا على صَاحب الْكتاب لِأَنَّهُ حَكَاهُ كَمَا سَمعه وَلَا يُمكن فِي الْوَزْن أَيْضا غَيره. وَقَول أبي الْعَبَّاس: إِنَّمَا الرِّوَايَة: فاليوم فَاشْرَبْ فَكَأَنَّهُ قَالَ لسيبويه: كذبت على الْعَرَب وَلم تسمع مَا حكيته عَنْهُم. وَإِذا بلغ الْأَمر هَذَا الْحَد من السَّرف فقد سَقَطت كلفة القَوْل مَعَه. وَكَذَلِكَ إِنْكَاره عَلَيْهِ أَيْضا قَول الشَّاعِر: السَّرِيع وَقد بدا هنك من المئزر) فَقَالَ: إِنَّمَا الرِّوَايَة: وَقد بدا ذَاك من المئزر وَمَا أطيب الْعرس لَوْلَا النَّفَقَة. وَلَو كَانَ إِلَى النَّاس تخير مَا يحْتَملهُ الْموضع لَكَانَ الرجل أقوم من الْجَمَاعَة بِهِ وأوصل إِلَى المُرَاد مِنْهُ. اه. وَوَقع فِي نسخ الْكَامِل للمبرد: فاليوم أسْقى غير مستحقبٍ فَلَا شَاهد فِيهِ على هَذَا. وَرَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره كَرِوَايَة الْمبرد:

стр. 3889

فاليوم فَاشْرَبْ. قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نوادره: الرِّوَايَة الجيدة فاليوم فَاشْرَبْ وَالْيَوْم أسْقى. وَأما رِوَايَة من روى فاليوم أشْرب فَلَا يجوز عندنَا إِلَّا على ضَرُورَة قبيحة وَإِن كَانَ جماعةٌ من رُؤَسَاء النَّحْوِيين قد أَجَازُوا. اه. وَهُوَ فِي هَذَا تابعٌ للمبرد. وَأوردهُ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر مَعَ أبياتٍ مثله وَقَالَ: وَمن الضَّرُورَة حذف علامتي الْإِعْرَاب: الضمة والكسرة من الْحَرْف الصَّحِيح تَخْفِيفًا أجراءً للوصل مجْرى الْوَقْف أَو تَشْبِيها للضمة بالضمة من عضد وللكسرة بالكسرة من فَخذ وإبل نَحْو قَول امرىء الْقَيْس فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ إِلَى أَن قَالَ: وَأنكر الْمبرد والزجاج التسكين فِي جَمِيع ذَلِك لما فِيهِ من إذهاب حَرَكَة الْإِعْرَاب وَهِي لِمَعْنى ورويا مَوضِع فاليوم أشْرب: فاليوم فَاشْرَبْ. وَالصَّحِيح أَن ذَلِك جائزٌ سَمَاعا وَقِيَاسًا. أما الْقيَاس فَإِن النَّحْوِيين اتَّفقُوا على جَوَاز ذهَاب حَرَكَة الْإِعْرَاب للإدغام لَا يُخَالف فِي ذَلِك أحدٌ مِنْهُم. وَقد قَرَأت الْقُرَّاء: مَا لَك لَا تأمنا بِالْإِدْغَامِ وَخط فِي الْمُصحف بنُون وَاحِدَة فَلم يُنكر ذَلِك وَأما السماع فثبوت التَّخْفِيف فِي الأبيات الَّتِي تقدّمت وروايتهما

стр. 3890

بعض تِلْكَ الأبيات على خلاف التَّخْفِيف لَا يقْدَح فِي رِوَايَة غَيرهمَا. وَأَيْضًا فَإِن ابْن محَارب قَرَأَ: وبعولتهن أَحَق بردهن بِإِسْكَان التَّاء. وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحسن: وَمَا) يعدهم الشَّيْطَان. بِإِسْكَان الدَّال. وَقَرَأَ أَيْضا مسلمة ومحارب: وَإِذ يَعدكُم بِإِسْكَان الدَّال. وَكَأن الَّذِي حسن مَجِيء هَذَا التَّخْفِيف فِي حَال السعَة شدَّة اتِّصَال الضَّمِير بِمَا قبل من حَيْثُ كَانَ غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَصَارَ التَّخْفِيف لذَلِك كَأَنَّهُ قد وَقع فِي كلمة وَاحِدَة. وَالتَّخْفِيف الْوَاقِع فِي الْكَلِمَة نَحْو: عضد فِي عضد سائغٌ فِي حَال السعَة لِأَنَّهُ لغةٌ لقبائل ربيعَة بِخِلَاف مَا شبه بِهِ من الْمفصل فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر. فَإِن كَانَت الضمة والكسرة اللَّتَان فِي آخر الْكَلِمَة علامتي بِنَاء اتّفق النحويون على جَوَاز حذفهما فِي الشّعْر تَخْفِيفًا. انْتهى مَا أردنَا مِنْهُ. وَمَا نَقله عَن الزّجاج مذكورٌ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: فتوبوا إِلَى بارئكم من سُورَة الْبَقَرَة قَالَ: وَالِاخْتِيَار مَا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو أَنه قَرَأَ: إِلَى بارئكم بِإِسْكَان الْهمزَة. وَهَذَا رَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ باختلاس الْكسر وأحسب أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة مَا روى سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ أضبط لما رُوِيَ عَن أبي عَمْرو. وَالْإِعْرَاب أشبه بالرواية عَن أبي عَمْرو وَلِأَن حذف الْكسر فِي مثل هَذَا وَحذف الضَّم إِنَّمَا يَأْتِي باضطرارٍ من الشّعْر. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ وَزعم أَنه مِمَّا يجوز فِي الشّعْر خَاصَّة:
следующие страницы →