Полный текст (5 658 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مُغنِي اللبيب وَهُوَ الْحق أَنه من جدعت الْحمار سجنته قَالَ لِأَن الْحمار إِذا حبس كثر تصويته وَإِذا جعل من الجدع الَّذِي هُوَ قطع الْأذن لم يظْهر لَهُ معنى قَالَ السُّيُوطِيّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَن صَوت الْحمار حَالَة تقطيع أُذُنه أَكثر وأقبح وَكَأَنَّهُ ظن أَن المُرَاد صَوته بعد التجديع وَلَيْسَ كَذَلِك بل المُرَاد وَقت التجديع هَذَا كَلَامه وَفِيه
نظر فَإِنَّهُ قيل لَا يصوت عِنْد قطع أُذُنه أصلا وَقيل إِن الْحمار إِذا كَانَ مَقْطُوع الْأذن يكون صَوته أرفع وَإِنَّمَا كَانَ صَوت الْحمار مستكرها لِأَن أَوله زفير وَآخره شهيق وَهَذِه الْحَالة تنفر مِنْهَا الطباع وَقد ورد تَمْثِيل الصَّوْت الْمُرْتَفع بِصَوْت الْحمار فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ واغضض من صَوْتك إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير أَي أوحش الْأَصْوَات وأقبحها قَالَ القَاضِي وَفِي تَمْثِيل الصَّوْت الْمُرْتَفع بِهِ ثمَّ إِخْرَاجه مخرج الِاسْتِعَارَة مُبَالغَة شَدِيدَة وَقَالَ معِين الدَّين الصفوي شبه الرافعين صوتهم بالحمير من غير أَدَاة التَّشْبِيه مُبَالغَة فِي التنفير وَلما كَانَ صَوته لَا يكَاد يخْتَلف وأصوات سَائِر الْحَيَوَانَات مُخْتَلفَة جدا أفرد وجمعت وَالْحمير بِمَنْزِلَة أَسمَاء الْأَجْنَاس على الْأَصَح وَالظَّاهِر أَن أنكر الْأَصْوَات إِلَخ كَلَام لُقْمَان وَقيل هَذَا من كَلَام الله انْتهى وَهَذَا القَوْل الْأَخير يُنَاسِبه قَول الشَّاعِر إِلَى رَبنَا فَإِن إِلَى بِمَعْنى عِنْد وَقَالَ النَّسَفِيّ وَلَو كَانَ فِي ارْتِفَاع الصَّوْت فَضِيلَة لم يستشنع صَوت الْحمار الَّذِي هُوَ أرفع الْأَصْوَات وَقَوله فَهَلا تمناها الضَّمِير رَاجع إِلَى مَعْهُود فِي الذِّهْن أَي فَهَلا تمنى الْحَرْب حِين كَانَت حُبْلَى بمنايا الرِّجَال
стр. 37
ومقارعة الْأَبْطَال ولاقح من لقحت النَّاقة لقحا من بَاب تَعب فَهِيَ لاقح مُطَاوع ألقح الْفَحْل النَّاقة إلقاحا أحبلها كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله وَذُو النبوان فِي شرح نَوَادِر أبي زيد وَذُو النبوان لم يعرفهُ أَبُو زيد والنبوان بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة اسْم مَاء بِنَجْد لبني أَسد وَقيل لبني السَّيِّد من ضبة كَذَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت الْحَمَوِيّ وَيُقَال لَهُ نبوان أَيْضا بِلَا
لَام قَالَ أَبُو صَخْر الْهُذلِيّ (الْكَامِل)
(وَلها بِذِي نبوان منزله ... قفر سوى الْأَرْوَاح والرهم)
أَي لَهَا بأراضي نبوان منزلَة وَالْمرَاد ب ذِي النبوان هُنَا رجل وَهُوَ إِمَّا صَاحب هَذَا المَاء أَو لِأَنَّهُ دفن فِي ارضها والتصدع التشقق يُقَال صدعته صدعا من بَاب نفع شققته وصدعت الْقَوْم صدعا فتصدعوا فرقتهم فَتَفَرَّقُوا وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْحفر والنبش أَي هلا تمنيت الْحَرْب إِذْ قتلنَا مِنْكُم ذَا النبوان فحفرت لَهُ قبرا وواريته فِيهِ وَأَنت شَدِيد الْحزن عَلَيْهِ وَلم تقدر على الْأَخْذ بثأره وَقَوله يأتك حَيا دارم فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب جزم يَأْتِ فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر أَي إِن تمنيت حربنا يأتك الْحَيَّانِ من دارم دَفعه ودارم أَبُو قبيلتين من تَمِيم وطهية حَيّ من تَمِيم سموا باسم أمّهم وَهِي طهية بنت عبد شمس ابْن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَهِي أم أبي سود وعَوْف بن مَالك بن حَنْظَلَة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا طهوي بِسُكُون الْهَاء وَبَعْضهمْ يفتحها على الْقيَاس وأقرع بِالْقَافِ تَامّ يُقَال ألف أَقرع وَدِرْهَم أَقرع وَمِائَة قرعاء وَقَوله فيستخرج اليربوع ألخ الْفَاء للسَّبَبِيَّة ويستخرج مَنْصُوب بِأَن مضمرة وجوبا وَهُوَ مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَيجوز بِالْبِنَاءِ
стр. 38
للْفَاعِل نِسْبَة إِلَى الْألف واليربوع دويبة تحفر الأَرْض وَالْيَاء زَائِدَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب فعلول سوى صعفوق على مَا فِيهِ وَله جحران أَحدهمَا القاصعاء وَهُوَ الَّذِي يدْخل فِيهِ وَأما قَول الفرزدق يهجو جَرِيرًا (الْكَامِل)
(وَإِذا أخذت بقاصعائك لم تَجِد ... أحدا يعينك غير من يتقصع)
فَمَعْنَاه إِنَّمَا أَنْت فِي ضعفك إِذا قصدت لَك كاولاد اليرابيع لَا يعينك إِلَّا ضَعِيف مثلك وَالْآخر النافقاء وَهُوَ الْجُحر الَّذِي يَكْتُمهُ وَيظْهر غَيره وَهُوَ مَوضِع يرققه فَإِذا أُتِي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق أَي خرج وجمعهما قواصع ونوافق ونافق اليربوع أَخذ فِي نافقائه وَمِنْه الْمُنَافِق شبه باليربوع
لِأَنَّهُ يخرج من الْإِيمَان من غير الْوَجْه الَّذِي دخل فِيهِ وَقيل لِأَنَّهُ يستر كفره فَشبه بِالَّذِي يدْخل النفق وَهُوَ السرب يسْتَتر فِيهِ والجحر يكون للضب واليربوع والحية وَالْجمع جحرة كعنبة وانجحر الضَّب على انفعل أَوَى إِلَى جحرة وَقَوله بالشيحة رُوَاة أَبُو عمر الزَّاهِد وَغَيره تبعا لِابْنِ الْأَعرَابِي ذِي الشيحة وَقَالَ لكل يَرْبُوع شيحة عِنْد جحرة ورد الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الغندجاني على ابْن الْأَعرَابِي وَقَالَ مَا أَكثر مَا يصحف فِي أَبْيَات الْمُتَقَدِّمين وَذَلِكَ أَنه توهم أَن ذَا الشيحة مَوضِع ينْبت الشيح وَإِنَّمَا الصَّحِيح وَمن جحرة بالشيخه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ هِيَ رَملَة بَيْضَاء فِي بِلَاد بني أَسد وحَنْظَلَة وَكَذَا رَوَاهُ الْجرْمِي أَيْضا والشين فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَكْسُورَة وَقَوله اليتقصع رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ عَن الرياشي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال تَقْصَعُ اليربوع دخل فِي قاصعائه فَتكون صفة
стр. 39
للجحر وصلته محذوفة أَي من جحرة الَّذِي يتقصع فِيهِ كَمَا قدره ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل فَيكون صفة اليربوع وَلَا حذف وَرَوَاهُ أَبُو زيد المتقصع بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَقَالَ والمتقصع متفعل من القاصعاء فَيكون صفة اليربوع أَيْضا لَكِن فِيهِ حذف الصِّلَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد رَوَاهُ لنا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب اليتقصع واليجدع قَالَ هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو زيد قَالَ وَالرِّوَايَة الجيدة عِنْده المتقصع والمجدع وَقَالَ لَا يجوز إِدْخَال أل على الْأَفْعَال فَإِن أُرِيد بهَا الَّذِي كَانَ افسد فِي الْعَرَبيَّة وَكَانَ لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي تشذ عَن الْإِجْمَاع والمقاييس وَمعنى الْبَيْت إِنَّكُم إِن حاربتمونا جئناكم بِجَيْش لهام يحيطون بكم فيوسعونكم قتلا وأسرا وَلَا نجاه لكم وَلَو احتلتم بِكُل حِيلَة كاليربوع الَّذِي يَجْعَل النافقاء حِيلَة لخلاصة من الحارش فَإِذا كثر عَلَيْهِ الحارش أخذُوا عَلَيْهِ من نافقائه وقاصعائه فَلَا يبْقى لَهُ مهرب الْبَتَّةَ وروى بعض شرَّاح الشواهد هَذَا الْبَيْت بعد الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين وَلم يزدْ على الثَّلَاثَة وَظن أَن قَوْله يسْتَخْرج اليربوع بِالْبِنَاءِ للمعلوم مَعْطُوف على قَوْله يَقُول الخنى فَقَالَ ووصفة أخيرا بالخديعة وَالْمَكْر ثمَّ أَخذ الشَّاعِر فِي الْفَخر عَلَيْهِ بِمَا فعل قومه فيهم من الْقَتْل والأسر فِي الحروب
السَّابِقَة فَقَالَ وَنحن أَخذنَا ألخ الْخَيْر هُنَا إِمَّا أفعل تَفْضِيل أَي أفضلكم وَإِمَّا مخفف خير بِالتَّشْدِيدِ أَي الْجيد الْفَاضِل ومنكم على التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلق بأخذنا وَقَوله فظل أَي اسْتمرّ فِي أسرنا وَقَوله وأعيا ذُو الفقار هُوَ بِفَتْح الْفَاء قَالَ الصَّاغَانِي هُوَ معشر بن عَمْرو الْهَمدَانِي وَهُوَ فَاعل أعيا من أعيا فِي مَشْيه أَي كل بِمَعْنى لم يقدر على شَيْء وَجُمْلَة يكرع بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول حَال من الْفَاعِل وَمَعْنَاهُ تقطع أكارعه جمع كرَاع بِالضَّمِّ
стр. 40
وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن فَارس من الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب وروى الصَّاغَانِي وأضحى ذُو الفقار يكرع فجملة يكرع إِمَّا خبر أضحى أَو حَال أَيْضا إِن كَانَت تَامَّة وَقَوله وَنحن أَخذنَا قد علمْتُم الخ يَقُول نَحن قد فككنا يسارا الَّذِي أسرتموه من أسركم بِأَمْوَالِنَا فَنحْن نعطي ونضيف من ثروة وَأَنْتُم صعاليك لَا تقدرون على شَيْء من ذَلِك ويسار الأول اسْم رجل وَالثَّانِي بِمَعْنى الْغنى والثروة ونحذي بِضَم النُّون وَسُكُون الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة بِمَعْنى نعطي من الإحذاء وَهُوَ الْإِعْطَاء وننقع بالنُّون وَالْقَاف يُقَال نقع الْجَزُور ينقع بِفتْحَتَيْنِ نقوعا إِذا نحرها للضيافة قَالَ الصَّاغَانِي وَفِي كَلَام الْعَرَب إِذا لقى الرجل مِنْهُم قوما يَقُول ميلوا ينقع لكم أَي يجزر لكم كَأَنَّهُ يَدعُوهُم إِلَى دَعوته والنقيعة الْجَزُور الَّتِي تجزر للضيافة وَفسّر بعض من كتب على نَوَادِر أبي زيد ننقع بقوله نروى وَهَذَا غير مُنَاسِب وَقَالَ الرياشي حفظي ونمنع ومصدره الْمَنْع إِمَّا مُقَابل الْإِعْطَاء وَإِمَّا بِمَعْنى الحياطة والنصرة يُقَال فلَان فِي عز ومنعة بِالتَّحْرِيكِ وَقد تسكن النُّون وَكِلَاهُمَا مُنَاسِب لنحذي قَالَ الصَّاغَانِي وَالْمَانِع من صِفَات الله تَعَالَى لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا مُقَابل الْإِعْطَاء وَالثَّانِي أَنه يمْنَع أهل دينه أَي يحوطهم وَيَنْصُرهُمْ
(تَتِمَّة)
نسب أَبُو زيد فِي نوادره هَذَا الشّعْر لذِي الْخرق الطهوي قَالَ وَهُوَ جاهلي وَمن لقب من الشُّعَرَاء من بني طهية ذَا الْخرق ثَلَاثَة أحدهم خَليفَة
ابْن حمل بن عَامر بن حميري بن وقدان بن سبيع بن عَوْف بن مَالك بن حَنْظَلَة بن طهية ولقب ذَا الْخرق بقوله
стр. 41
(الْبَسِيط)
(مَا بَال أم حُبَيْش لَا تكلمنا ... لما افتقرنا وَقد نثري فننتففق)
(تقطع الطررف دوني وَهِي عابسة ... كَمَا تشاوس فِيك الثائر الحنق)
(لما رَأَتْ إبلي جَاءَت حمولتها ... غرثى عِجَافًا عَلَيْهَا الريش والخرق)
(قَالَت إِلَّا تبتغي مَالا تعيش بِهِ ... عَمَّا تلاقي وَشر العيشة الرمق)
(فيئي إِلَيْك فَإنَّا معشر صَبر ... فِي الجدب لَا خفَّة فِينَا وَلَا ملق)
(إِنَّا إِذا حطمة حتت لنا وَرقا ... نمارس الْعَيْش حَتَّى ينْبت الْوَرق)
الثَّانِي قرط وَيُقَال لَهُ ذُو الْخرق بن قرط أَخُو بني سعيدة بن عَوْف ابْن مَالك بن حَنْظَلَة بن طهية وَهُوَ فَارس أَيْضا الثَّالِث شمير بن عبد الله بن هِلَال بن قرط بن سعيدة كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَلم يذكر هَذَا صَاحب الْعباب وَلم أر من قيد أحد هَذِه الثَّلَاثَة بِكَوْنِهِ جاهليا فَلَا يظْهر أَن هَذَا الشّعْر لمن هُوَ من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَقَالَ الْعَيْنِيّ إِن ذَا الْخرق الطهوي صَاحب الشّعْر اسْمه دِينَار بن هِلَال وَلَا أَدْرِي من أَيْن نَقله وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي أَن اسْمه قرط شَاعِر جاهلي سمي بذلك لقَوْله
(جَاءَت عِجَافًا عَلَيْهَا الريش والخرق)
وَفِيه ثَلَاثَة أُمُور الأول أَن الْآمِدِيّ لم يذكر هَذَا الشّعْر فَكيف ينْسبهُ إِلَى قرط الثَّانِي أَنه لم يُقيد قرطا بِكَوْنِهِ جاهليا الثَّالِث أَن هَذَا الشّعْر
стр. 42
لَيْسَ لقرط وَإِنَّمَا هُوَ لخليفة بن حمل كَمَا تقدم آنِفا وَفِيه أَيْضا أَن الرِّوَايَة غرثى عِجَافًا لَا جَاءَت عِجَافًا بَقِي من يلقب بِذِي الْخرق من الشُّعَرَاء من غير طهيه وهم اثْنَان أَحدهمَا ذُو الْخرق الْيَرْبُوعي أحد بني صبير بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَالثَّانِي ذُو الْخرق بن شُرَيْح بن سيف بن أبان بن دارم وَهَذَا وَالَّذِي قبله من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَمن غير الشُّعَرَاء ذُو الْخرق النُّعْمَان بن رَاشد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن وهب ابْن مرّة كَانَ يعلم نَفسه فِي الْحَرْب بخرق حمر وصفر وَذُو الْخرق أَيْضا فرس عباد بن الْحَارِث بن عدي بن الْأسود كَانَ يُقَاتل عَلَيْهِ يَوْم الْيَمَامَة والخرق جمع خرقَة وَهِي الْقطعَة من الثَّوْب وَالْأسود الغندجاني تَرْجمهُ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الأدباء الْمُسَمّى إرشاد الأريب إِلَى معرفَة الأديب قَالَ هُوَ الْحسن بن أَحْمد أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْمَعْرُوف بالأسود الغندجاني اللّغَوِيّ النسابة وغندجان بلد قَلِيل المَاء لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا أديب أَو حَامِل سلَاح فِي الْقَامُوس غندجان بِالْفَتْح بلد بِفَارِس بمفازة معطشة وَكَانَ الْأسود صَاحب دنيا وثروة وَكَانَ عَارِفًا بأيام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا قيمًا بِمَعْرِِفَة أحوالها وَكَانَ مُسْتَنده فِيمَا يرويهِ عَن مُحَمَّد بن أَحْمد أبي الندى وَكَانَ قد رزق فِي
أَيَّامه سَعَادَة وَذَاكَ أَنه كَانَ فِي كنف الْوَزير الْعَادِل أبي مَنْصُور بهْرَام بن مافنه وَزِير الْملك أبي كالنجار ابْن بهاء الدولة
стр. 43
ابْن بويه صَاحب شيراز وَقد خطب لَهُ بِبَغْدَاد بالسلطنة وَكَانَ الْأسود إِذا صنف لَهُ كتابا جعله باسمه وَكَانَ يفضل عَلَيْهِ إفضالا جما فأثرى من جِهَته وَمَات أَبُو مَنْصُور الْوَزير فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ ياقوت وقرأت فِي بعض تصانيفه أَنه صنفه فِي شهور سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَقُرِئَ عَلَيْهِ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَله من التصانيف فرحة الأديب فِي الرَّد على يُوسُف بن أبي سعيد السيرافي فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَكتاب قيد الأوابد فِي الرَّد على ابْن السيرافي أَيْضا فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق وَكتاب ضَالَّة الأديب فِي الرَّد على ابْن الْأَعرَابِي فِي النَّوَادِر الَّتِي رَوَاهَا ثَعْلَب عَنهُ وَكتاب الرَّد على أبي عَليّ النمري فِي شرح مُشكل أَبْيَات الحماسة وَكتاب نزهة الأديب فِي الرَّد على أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة وَكتاب السل وَالسَّرِقَة وَكتاب الْخَيل مُرَتّب على حُرُوف المعجم وَكتاب فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن وأكثرها عِنْدِي وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (المتقارب)
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
أَوله
(فَلَا مزنة ودقت ودقها)
أوردهُ نظيرا لعرفات فِي كَونهَا مُؤَنّثَة لَا يجوز فِيهَا التَّذْكِير إِلَّا بِتَأْوِيل بعيد وَهُوَ أَن يُرَاد بهما الْمَكَان وَأوردهُ أَيْضا فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث
стр. 44
على أَنه لَا يحذف عَلامَة التَّأْنِيث من الْمسند إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي إِلَّا لضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ من شَوَاهِد الْكتاب وَمُغْنِي اللبيب قَالَ ابْن خلف الشَّاهِد فِيهِ أَنه ذكر أبقل وَهُوَ صفة للْأَرْض ضَرُورَة حملا على معنى الْمَكَان فَأَعَادَ الضَّمِير على الْمَعْنى وَهُوَ قَبِيح وَالصَّحِيح أَنه ترك فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث للضَّرُورَة وَاسْتغْنى عَنهُ مِمَّا علم من تَأْنِيث الأَرْض وَإِلَى هَذَا الْوَجْه أَشَارَ أَبُو عَليّ وَقَالَ غَيره وَإِنَّمَا قبح ذَلِك لاتصال الْفَاعِل الْمُضمر بِفِعْلِهِ فَكَأَنَّهُ كالجزء مِنْهُ حَتَّى لَا يُمكن الْفَصْل بَينهمَا بِمَا يسد مسد عَلامَة التَّأْنِيث وَلَا يخفي مَا فِيهِ وَعند ابْن كيسَان والجوهري أَن الْفِعْل إِذا كَانَ مُسْندًا لضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي لَا يجب إِلْحَاق عَلامَة التَّأْنِيث وَقَول بَعضهم وَهَذَا لَيْسَ بضرورة لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُ أَن يَقُول وَلَا أَرض أبقلت إبقالها بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى مَا قبلهَا وإسقاطها لَيْسَ بجيد لِأَن الصَّحِيح أَن الضَّرُورَة مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ للشاعر عَنهُ فسحة أم لَا وَأجَاب السيرافي بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون هَذَا الشَّاعِر لَيْسَ من لغته تَخْفيف الْهمزَة وَحِينَئِذٍ لَا يُمكنهُ مَا ذكره وَذكر ابْن يسعون أَن بَعضهم رَوَاهُ بِالتَّاءِ بِالنَّقْلِ الْمَذْكُور وَقَالَ ابْن هِشَام فَإِن صحت الرِّوَايَة وَصَحَّ أَن الْقَائِل ذَلِك هُوَ الَّذِي قَالَ وَلَا أَرض أبقل بالتذكير صَحَّ لِابْنِ كيسَان مدعاه وَإِلَّا فقد كَانَت الْعَرَب ينشد بَعضهم بَعْضًا وكل يتَكَلَّم على مُقْتَضى لغته الَّتِي فطر عَلَيْهَا وَمن هُنَا كثرت الرِّوَايَات فِي بعض الأبيات وَزعم جمَاعَة أَنه لَا شَاهد فِيهِ فَقَالَ ابْن القواس فِي شرح ألفية ابْن معطي أَنه روى إبقالها بِالرَّفْع مُسْندًا إِلَى الْمصدر وَيَردهُ أَن إبقالها مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي وَلَا أَرض أبقلت كإبقال هَذِه الأَرْض وَلَو كَانَ كَمَا زعم كَانَ مَعْنَاهُ نفي الإبقال وَهُوَ نقيض مُرَاد الشَّاعِر وَزعم بَعضهم أَن ضمير
стр. 45
أبقل عَائِد على مُذَكّر مَحْذُوف أَي وَلَا مَكَان أَرض فَقَالَ أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف وَقَالَ إبقالها بِاعْتِبَار الْمَذْكُور وَهَذَا فَاسد أَيْضا لِأَن ضمير إبقالها لَيْسَ عَائِدًا على الأَرْض الْمَذْكُورَة هُنَا فتذكير أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن الأَرْض مِمَّا يذكر وَيُؤَنث كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات عِنْدَمَا أنْشد هَذَا الْبَيْت إِن الأَرْض تذكر وتؤنث وَكَذَلِكَ السَّمَاء وَلِهَذَا قَالَ أبقل إبقالها
لَكَانَ وَجها قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ الضَّمِير فِي ودقها وإبقالها رَاجع إِلَى غير المزنة وَالْأَرْض المذكورتين وَلَا يَسْتَقِيم أَن يعود إِلَيْهِمَا لِئَلَّا يصير مخبرا أَنه لَيْسَ مزنة تدق مثل ودق نَفسهَا وَهُوَ فَاسد وَإِن لم تقدر محذوفا كَانَ أفسد إِذْ يصير الْمَعْنى أَنه لَيْسَ مزنة تدق ودق نَفسهَا وَالْأَمر على خِلَافه إِذْ لَا تدق مزنة إِلَّا ودق نَفسهَا فَوَجَبَ أَن يكون التَّقْدِير فَلَا مزنة ودقت ودقا مثل هَذِه المزنة المحذوفة وَزعم الصَّاغَانِي فِي الْعباب أَن الرِّوَايَة وَلَا روض أبقل إباقلها وَهَذَا لَا يصادم نقل سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ ثِقَة والاعتماد عَلَيْهِ أَكثر فَقَوله فَلَا مزنة الخ لَا الأولى نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل الظُّهُور عاملة عمل لَيْسَ أَو ملغاة وَالثَّانيَِة نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل التَّنْصِيص ومزنة اسْم لَا إِن كَانَت عاملة عمل لَيْسَ أَو مُبْتَدأ إِن كَانَت غير عاملة وَصَحَّ الِابْتِدَاء بالنكرة إِمَّا للْعُمُوم وَإِمَّا للوصف وَجُمْلَة ودقت محلهَا نصب خبر لَا أَو رفع خبر الْمُبْتَدَأ أَو نعت ل مزنة وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي مَوْجُودَة أَو معهودة وَجُمْلَة أبقل خبر لَا فَقَط وَلَا يجوز كَونهَا صفة لاسم لَا كَمَا جوزه شرَّاح الشواهد لِأَنَّهُ يجب حِينَئِذٍ تَنْوِين اسْم لَا لكَونه مضارعا للمضاف والمزنة وَاحِدَة المزن السحابة الْبَيْضَاء وَيُقَال المطرة وَالْمعْنَى
стр. 46
هُنَا على الأول انْتهى وَكِلَاهُمَا غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن السحابة الْبَيْضَاء لَا ودق لَهَا وَأما الثَّانِي فَيردهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ والودق الْمَطَر قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل يُقَال ودقت السَّمَاء يَا فَتى تدق ودقا قَالَ تَعَالَى ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وأبقل قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات يُقَال بقل الْمَكَان يبقل بقولا إِذا نبت بقله وأبقل يبقل إبقالا وَهَذَا أَكثر اللغتين وأعرفهما وَأكْثر الْعلمَاء يرد بقل الْمَكَان وَقَالَ بعض الروَاة أبقلت الأَرْض وأبقلها الله وبقل وَجه الْغُلَام إِذا خرج وَجهه وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْعَرَبيَّة أبقل الْمَكَان ثمَّ يَقُولُونَ مَكَان بَاقِل
قَالَ وَلَا نعلمهُمْ يَقُولُونَ بقل الْمَكَان وَمثله قَوْلهم أدرست الأَرْض وَنبت دارس وَلَا يَقُولُونَ غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا أعشب الْبَلَد ثمَّ قَالَ بلد عاشب وَكَذَا قَالَ ابو عُبَيْدَة والأصمعي وتبعهما ابْن السّكيت وَغَيره قَالُوا يُقَال بلد عاشب وَلَا يُقَال إِلَّا أعشب وباقل الرمث وَهُوَ نبت وَقد أبقل ودارس الرمث وَقد أدرس فَيَقُولُونَ فِي النَّعْت على فَاعل وَفِي الْفِعْل على أفعل كَذَا تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَالَ الدينَوَرِي وَتَبعهُ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة وَقد جَاءَ عَن الْعَرَب مَا يرد عَلَيْهِم قَالَ رؤبة (الرجز)
(يملحن من كل غميس مبقل)
وَقَالَ ابْن هرمة
стр. 47
(الطَّوِيل)
(لرعت بصفراء السحالة حرَّة ... لَهَا مرتع بَين النبيطين مبقل)
وَقَالَ آخر
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
فجَاء بِهِ على أبقل يبقل فَهُوَ مبقل وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي (المتقارب)
(على جَانِبي حائر مفرط ... ببرث تبوأنه معشب)
وَقَالَ الدينَوَرِي فِي مَوضِع آخر النَّبَات كُله ثَلَاثَة أَصْنَاف شَيْء بَاقٍ على الشتَاء أَصله وفرعه وَشَيْء آخر يبيد الشتَاء فَرعه وَيبقى أَصله فَيكون نَبَاته فِي أرومته الْبَاقِيَة وَشَيْء ثَالِث يبيد الشتَاء أَصله وفرعه فَيكون نَبَاته من بزره وكل
ذَلِك يتفرق ثَلَاثَة أَصْنَاف آخر فصنف يسمو صعدا على سَاقه مستغنيا بِنَفسِهِ عَن غَيره وصنف يسمو أَيْضا صعدا لَا يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَيحْتَاج إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ ويرتقي فِيهِ وصنف ثَالِث لَا يسمو وَلَكِن يتسطح على الأَرْض فينبت مفترشا فَيُقَال لكل مَا سما بِنَفسِهِ شجر دق أَو جلّ قاوم أَو عجز عَنهُ وَقيل لَهُ شجر لِأَنَّهُ شجر فسما فَكل مَا سمكته ورفعته فقد شجرته وَمَا كَانَ مِنْهُ ينْبت فِي بزره وَلَا ينْبت فِي أرومته فاسمه البقل وكل نابته بقلة فِي أول مَا تنْبت وَلذَلِك قيل لوجه الْغُلَام أول مَا يخرج بقل. وَمَا نبت فِي أرومة وَكَانَ مِمَّا يهْلك فَرعه فاسمه الجنبة لِأَنَّهُ فَارق الَّذِي يبْقى فَرعه وَأَصله وَفَارق البقل الَّذِي يبيد أَصله وفرعه فَكَانَ جنبة بَينهمَا وَمَا تعلق بِالشَّجَرِ فرقى فِيهِ وَعصب بِهِ فَهُوَ فِي طَريقَة الْعصبَة وَمَا افترش وَلم يسم فَهُوَ فِي طَريقَة السطاح وَقد زعم أَبُو عُبَيْدَة أَنه النَّجْم على ان كل مَا طلع من الأَرْض فقد نجم فَهُوَ نجم إِلَى أَن تتبين وجوهه
стр. 48
اهـ وَقَالَ الجواليقي فِي لحن الْعَامَّة يذهب الْعَامَّة إِلَى أَن البقل مَا يَأْكُلهُ النَّاس خَاصَّة دون الْبَهَائِم من النَّبَات الناجم الَّذِي لَا يحْتَاج فِي أكله إِلَى طبخ وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا البقل العشب وَمَا ينْبت الرّبيع مِمَّا تألكه الْبَهَائِم قَالَ الشَّاعِر
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
وَقَالَ آخر الْكَامِل
(قوم إِذا نبت الرّبيع لَهُم ... نَبتَت عداتهم مَعَ البقل)
وَقَالَ زُهَيْر الطَّوِيل)
(رَأَيْت ذَوي الْحَاجَات حول بُيُوتهم ... قطينا لَهُم حَتَّى إِذا أنبت البقل)
يُقَال مِنْهُ بقلت الأَرْض وأبقلت لُغَتَانِ فصيحتان إِذا أنبتت البقل قَالَ أَبُو النَّجْم يصف الْإِبِل (الرجز)
(تبقلت فِي أول التبقل)
وَالْفرق بَين البقل ودق الشّجر أَن البقل إِذا رعي لم يبْق لَهُ سَاق وَالشَّجر يبْقى لَهُ
(تَتِمَّة)
قَالَ شرَّاح شَوَاهِد الْكتاب هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي وَهُوَ أحد الخلعاء الفتاك قد تَبرأ قومه من جرائره وَله حِكَايَة مَعَ امْرِئ الْقَيْس وَسَتَأْتِي فِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله وصف بِهِ أَرضًا مخصبة بِكَثْرَة مَا نزل بهَا من الْغَيْث وَلم يذكرُوا مِمَّا قبله وَلَا مِمَّا بعده شَيْئا وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَوله
стр. 49
(المتقارب)
(وَجَارِيَة من بَنَات الْمُلُوك ... قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا ككرفئة الْغَيْث ذَات الصَّبِي ر ترمي السَّحَاب وَيَرْمِي لَهَا تواعدتها بعد مر النجو م كلفاء تكْثر تهطالها فَلَا مزنة ودقت ودقها الْبَيْت انْتهى وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين فِي شعر الخنساء من قصيدة ترثي بهَا أخاها صخرا أَولهَا المتقارب أَلا مَا لعَيْنِي أَلا مَالهَا لقد أخضل الدمع سربالها
ثمَّ وصفت جَيْشًا فَقَالَت:
(ورجراجة فَوْقهَا بيضها ... عَلَيْهَا المضاعف زفنا لَهَا)
(ككرفئة الْغَيْث ذَات الصبير..... . (الْبَيْت الْمَذْكُور))
وَقَالَ الشارد ديوانها الْأَخْفَش: " الرجراجة ": الكتيبة، كَأَنَّهَا تتحرك وتتمخض من كثرتها. و" المضاعف " من الدروع: الَّتِي تنسج حلقتين حلقتين. و" زفنا لَهَا ": مشينا لَهَا باختيال، وَهِي بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، زاف يزيف زيفاً وزيفاناً: تبختر فِي مشيته. وَشبه الرجراجة فِي كثرتها وحركتها وتمخضها بالكرفئة، وَهِي السحابة الْعَظِيمَة الَّتِي يركب بَعْضهَا على بعض حملا للْمَاء. وَالْحمل - بِالْفَتْح -: مَا كَانَ فِي الْجوف مستكناً. وَالْحمل - بِالْكَسْرِ -: ظَاهر مثل الوقر على الظّهْر. شبه الكرفئة بالناقة يكثر لَحمهَا وشحمها، يُقَال: إِن عَلَيْهَا
стр. 50
لكرافئ من اللَّحْم والشحم. و" يَرْمِي لَهَا " بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول، أَي: يضم إِلَيْهَا حَتَّى يَسْتَوِي ويخلولق. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْكُوفَة وَجمعه كرافئ: قطع من السَّحَاب بَعْضهَا فَوق بعض. والصبير: السَّحَاب الْأَبْيَض. ثمَّ قَالَت تخاطب أخاها:
(وبيض منعت غَدَاة الصَّباح ... وَقد كفت الروع أذيالها)
(وهاجرة حرهَا وَاقد ... جعلت رداءك أظلالها)
(وجامعة الْجمع قد سقتها ... وأعلمت بِالرُّمْحِ أغفالها)
(ورعبوبة من بَنَات الْمُلُوك ... قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا)
" بيض "، تَعْنِي جواري سبين. " كفت ": كشفت. و" الروع ": الْفَزع. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " تكشف للروع أذيالها ". " وَاقد ": شَدِيد الْحر. قد سقتها إِمَّا لتزويج وَإِمَّا لسباء تفكه. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " ومعلمة سقتها قَاعِدا ". معلمة: إبل. قَاعِدا: أَي: قَاعِدا على فرسك. و" الأغفال ": الَّتِي لَا
سمات عَلَيْهَا وَلَا عَلَامَات تَقول أعلمت مِنْهَا مَا كَانَ أغفالا وألرعبوبة الناعمة الرُّخْصَة اللينة قعقعت خلْخَالهَا أَي تزوجت بهَا أَو سبيتها فَهُوَ سلبها
وَلَا يخفى أَن هَذِه الأبيات غير مرتبطة بِبَيْت الشَّاهِد وَلَا مُنَاسبَة لَهَا بِهِ وَالله أعلم
стр. 51
وَقد نسب أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب الأبيات الَّتِي نقلت عَن الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى عَامر الْمَذْكُور
وَقَالَ المظهري فِي شرح الْمفصل كلَاما يشبه كَلَام المبرسمين وهذيان المحمومين وَهُوَ قَوْله قصَّة هَذَا الْبَيْت أَن جَارِيَة هربت من غَارة وَفِي رجلهَا خلخال يَقُول الشَّاعِر إِن هَذِه الْجَارِيَة تعدو ويصوت خلْخَالهَا كصوت الرَّعْد فَلَيْسَ مزنة تمطر مَطَرا مثل السَّحَاب الَّذِي يشبه هَذِه الْجَارِيَة وَلَيْسَ أَرض تخرج النَّبَات مثل أَرض أَصَابَهَا ذَلِك السَّحَاب هَذَا كَلَامه وعامر بن جُوَيْن صَاحب الشَّاهِد هُوَ كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي أَسمَاء المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام هُوَ عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران الطَّائِي أحد بني جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ كَانَ سيدا شَاعِرًا فَارِسًا شريفا وَهُوَ الَّذِي نزل بِهِ أمرؤ الْقَيْس بن حجر وَكَانَ سَبَب قَتله أَن كَلْبا غزت بني جرم فَأسر بشر بن حَارِثَة وهبيرة بن صَخْر الْكَلْبِيّ عَامر بن جُوَيْن وَهُوَ شيخ فَجعلُوا يتدافعونه لكبره فَقَالَ عَامر بن جُوَيْن لَا يكن لعامر بن جُوَيْن الهوان فَقَالُوا لَهُ وَإنَّك لَهو قَالَ نعم فذبحوه ومضوا فَأقبل الْأسود بن عَامر فَلَمَّا رأى أَبَاهُ قَتِيلا تتبعهم فَأخذ مِنْهُم ثَمَانِيَة نفر وَكَانُوا قتلوا عَامِرًا وَقد هبت الصِّبَا فكعمهم وَوضع أَيْديهم فِي جفان فِيهَا مَاء وَجعل كلما هبت الصِّبَا ذبح وَاحِدًا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِم قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ عَامر بن جُوَيْن مِائَتي سنة
стр. 52
ورضاء بِضَم الرَّاء وَالْمدّ قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي كتاب الْأَصْنَام وَقد كَانَت الْعَرَب تسمى بأسماء يعبدونها لَا أدرى أعبدوها للأصنام أم لَا مِنْهَا عبد رِضَاء كَانَ بَيْتا لأبي ربيعَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهدمه المستوغر فِي الْإِسْلَام وَقَالَ (الْكَامِل)
(وَلَقَد شددت على رِضَاء شدَّة ... فتركتها تَلا تنَازع أسحما)
وقمران بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم وَبعدهَا رَاء مُهْملَة وجرم اسْم ثَعْلَبَة حضنته أمة يُقَال لَهَا جرم فَسُمي بهَا وَابْنه الْأسود كَانَ شريفا شَاعِرًا وَقبيصَة بن الْأسود وَفد إِلَى النَّبِي
وَهَذِه نِسْبَة عَامر بن جُوَيْن من الجمهرة عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران بن ثَعْلَبَة بن جيان وَهُوَ جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيء وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي هُوَ أَحْمد بن دَاوُد بن ونند أَخذ عَن الْبَصرِيين والكوفيين وَأكْثر أَخذه عَن ابْن السّكيت وَكَانَ نحويا لغويا مهندسا منجما حاسبا راوية ثِقَة فِيمَا يرويهِ ويحكيه مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَيَّان التوحيدي أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي من نَوَادِر الرِّجَال جمع بَين حِكْمَة الفلاسفة وَبَيَان الْعَرَب لَهُ فِي كل فن سَاق وَقدم وَهَذَا كَلَامه فِي الأنواء يدل على حَظّ وافر من علم النُّجُوم وأسرار الْفلك وَأما كِتَابَة فِي النَّبَات فَكَلَامه فِيهِ فِي عرُوض كَلَام أبدى بدوي وعَلى طباع أفْصح عَرَبِيّ وَلَقَد قيل لي إِن لَهُ فِي الْقُرْآن كتابا يبلغ ثَلَاثَة عشر مجلدا وَمَا رَأَيْته وَإنَّهُ مَا سبق إِلَى ذَلِك النمط مَعَ ورعه وزهده وجلاله قدره وَله من الْكتب كتاب الْبَاءَة كتاب مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة كتاب الشّعْر
стр. 53
وَالشعرَاء كتاب الفصاحة كتاب الأنواء كتاب فِي حِسَاب الدّور كتاب الْبَحْث فِي حِسَاب الْهِنْد كتاب الْجَبْر والمقابلة
كتاب الْبلدَانِ كَبِير كتاب النَّبَات لم يصنف مثله فِي مَعْنَاهُ كتاب الْجمع والتفريق كتاب الْأَخْبَار الطوَال كتاب الْوَصَايَا كتاب نَوَادِر الْجَبْر كتاب إصْلَاح الْمنطق كتاب الْقبْلَة والزوال كتاب الْكُسُوف وَله غير ذَلِك رُوِيَ أَن أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد ورد الدينور زَائِرًا لعيسى بن ماهان فَأول مَا دخل عَلَيْهِ وَقضى سَلامَة قَالَ لَهُ عِيسَى أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهى النَّبِي
عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الشَّاة القليلة اللَّبن مثل اللجبة فَقَالَ هَل من شَاهد قَالَ نعم قَول الراجز الرجز)
(لم يبْق من آل الحميد نسمه ... إِلَّا عنيز لجبة مجثمه)
فَإِذا الْحَاجِب يسْتَأْذن لأبي حنيفَة الدينَوَرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهينَا عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الَّتِي جثمت على ركبهَا وذبحت من خلف قفاها فَقَالَ كَيفَ تَقول وَهَذَا شيخ أهل الْعرَاق يَقُول هِيَ مثل اللجبة وأنشده الشّعْر فَقَالَ أَبُو حنيفَة أَيْمَان الْبيعَة تلْزم أَبَا حنيفَة إِن كَانَ هَذَا التَّفْسِير سَمعه هَذَا الشَّيْخ أَو قَرَأَهُ وَإِن كَانَ الشّعْر إِلَّا لساعته هَذِه فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس صدق الشَّيْخ فإنني أنفت أَن أرد عَلَيْك من الْعرَاق وذكري مَا قد شاع فَأول مَا تَسْأَلنِي عَنهُ لَا أعرفهُ فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْإِقْرَار
وَأنْشد بعده لامرئ الْقَيْس وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَهُوَ من شَوَاهِد
стр. 54
س (الطَّوِيل)
(تنورتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَا ... بِيَثْرِب أدنى دارها نظر عَال)
وَقَالَ الشَّارِح يرْوى بِكَسْر التَّاء بِلَا تَنْوِين وَبَعْضهمْ يفتح التَّاء فِي مثله مَعَ
حذف التَّنْوِين ويروى من أَذْرُعَات كَسَائِر مَا لَا ينْصَرف فعلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ التَّنْوِين للصرف بِلَا خلاف وَالْأَشْهر بَقَاء التَّنْوِين فِي مثله مَعَ العلمية أَقُول أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام تَقْرِير مَا ذهب إِلَيْهِ تبعا للربعي والزمخشري وَإِن خالفهما فِي الدَّلِيل من أَن تَنْوِين جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم تَنْوِين صرف لَا تَنْوِين مُقَابلَة فَإِن حذف التَّنْوِين فِي بعض اللُّغَات مِمَّا سمى بِهَذَا الْجمع دَلِيل على أَن تنوينه قبل التَّسْمِيَة تَنْوِين صرف فاستند أَولا إِلَى تَجْوِيز الْمبرد والزجاج حذف التَّنْوِين مِنْهُ مَعَ العلمية وَثَانِيا إِلَى رِوَايَة منع الصّرْف فِيهِ مَعَ العلمية بِوَجْهَيْنِ سَمَاعي وقياسي فَالْأول نَقله ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة عَن بعض الْعَرَب فَقَالَ وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يشبه التَّاء فِي مسلمات معرفَة بتاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَيُشبه الْألف الَّتِي قبلهَا بالفتحة الَّتِي قبل هَاء التَّأْنِيث فيمنعها حِينَئِذٍ الصّرْف فَيَقُول هَذِه مسلمات مقبلة وعَلى هَذَا بَيت امْرِئ الْقَيْس تنورتها من أَذْرُعَات وَقد أنشدوه من أَذْرُعَات بِالتَّنْوِينِ وَقَالَ الْأَعْشَى (الوافر تخيرها أَخُو عانات شهرا ورجى خَيرهَا عَاما فعاما) وعَلى هَذَا مَا حَكَاهُ س من قَوْلهم هَذِه قرشيات غير منصرفة انْتهى وَالثَّانِي أَن بَعضهم أَي بعض النُّحَاة يفتح التَّاء فِي مثله أَي فِي
стр. 55
مثل أَذْرُعَات مِمَّا سمي بِجمع مؤنث سَالم مَعَ حذف التَّنْوِين أَي يفتح التَّاء ويحذف التَّنْوِين مِنْهُ ويروي ذَلِك الْبَعْض من أَذْرُعَات بِفَتْح التَّاء قِيَاسا على سَائِر مَالا ينْصَرف فعلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَي حذف التَّنْوِين مَعَ كسر التَّاء وَحذف التَّنْوِين مَعَ فتح التَّاء التَّنْوِين للصرف أَي التَّنْوِين الَّذِي كَانَ قبل التَّسْمِيَة فَإِن النُّحَاة اتَّفقُوا على أَن التَّنْوِين الَّذِي يحذف فِيمَا لَا ينْصَرف إِنَّمَا هُوَ تَنْوِين الصّرْف وَأَذْرعَات قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَهِي بلد فِي أَطْرَاف الشَّام يجاور البلقاء وعمان وينسب إِلَيْهِ الْخمر وَقد ذكرتها الْعَرَب فِي أشعارها لِأَنَّهَا لم
تزل من بلادها وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أذرعي ويثرب زَاد الصَّاغَانِي واثرب اسْم مَدِينَة رَسُول الله
ﷺ َ قَالَ ياقوت نقلا عَن الزجاجي سميت مَدِينَة الرَّسُول
ﷺ َ
بذلك لِأَن أول من سكنها عِنْد التَّفَرُّق يثرب بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح
فَلَمَّا نزلها رَسُول الله
سَمَّاهَا طيبَة وطابة كَرَاهِيَة للتثريب وَسميت مَدِينَة الرَّسُول
ﷺ َ لنزوله بهَا ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل إِن يثرب اسْم للناحية الَّتِي مِنْهَا مَدِينَة
وَقَالَ آخَرُونَ بل يثرب نَاحيَة من مَدِينَة الرَّسُول
وَقيل هِيَ مَدِينَة الرَّسُول
قَالَ ابْن عَبَّاس من قَالَ للمدينة يثرب فليستغفر الله ثَلَاثًا إِنَّمَا هِيَ طيبَة وَقَالَ فِي الْمِصْبَاح ثرب عَلَيْهِ من بَاب ضرب عتب وَلَام وبالمضارع بياء الْغَائِب سمي رجل من العمالقة وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَدِينَة سميت باسمه قَالَه السُّهيْلي وَأما يترب بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة بدل الْمُثَلَّثَة فَقَالَ ياقوت هِيَ بِفَتْح الرَّاء قيل
стр. 56
قَرْيَة بِالْيَمَامَةِ عِنْد جبل وشم وَقيل اسْم مَوضِع فِي بِلَاد بني سعد وَقَالَ الْحسن بن أَحْمد الْهَمدَانِي اليمني هِيَ مَدِينَة بحضرموت نزلها كِنْدَة وَإِيَّاهَا عَنى الْأَعْشَى بقوله (الطَّوِيل)
(بسهام يترب أَو سِهَام الْوَادي)
وَيُقَال إِن عرقوبا صَاحب المواعيد كَانَ بهَا ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح أَنه من قدماء يثرب وَأما قَول ابْن عبيد الْأَشْجَعِيّ (الطَّوِيل)
(وعدت وَكَانَ الْخلف مِنْك سجية ... مواعيد عرقوب أَخَاهُ بيترب)
فَهَكَذَا أَجمعُوا على رِوَايَته بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَكَانَ من حَدِيثه أَنه كَانَ رجلا من العماليق يُقَال لَهُ عرقوب فَأَتَاهُ أَخ لَهُ يسْأَله شَيْئا فَقَالَ لَهُ عرقوب إِذا أطلعت النَّخْلَة فلك طلعها فَلَمَّا أَتَاهُ للعدة قَالَ دعها تصير بلحا فَلَمَّا أبلحت قَالَ دعها تصير زهوا ثمَّ حَتَّى تصير بسرا ثمَّ حَتَّى تصير رطبا ثمَّ تَمرا فَلَمَّا أتمرت عمد إِلَيْهَا عرقوب من اللَّيْل فجدها وَلم يُعْطه شَيْئا فَصَارَ مثلا فِي الْخلف والتنور قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل المتنور الَّذِي يلْتَمس مَا يلوح لَهُ من النَّار ورد عَلَيْهِ أَبُو الْوَلِيد الوقشي فِي شَرحه عَلَيْهِ بِأَن المتنور إِنَّمَا هُوَ النَّاظر إِلَى النَّار من بعد أَرَادَ قَصدهَا أَو لم يرد كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس تنورتها من أَذْرُعَات وَلم يرد أَن يَأْتِيهَا كَمَا لم يرد الْقَائِل (الطَّوِيل)
(وأشرف بالقور اليفاع لعلني ... أرى نَار ليلى أَو يراني بصيرها)
стр. 57
وَالنَّظَر إِلَى نارها إِنَّمَا هُوَ بِنَظَر قلبه تشوقا إِلَيْهَا كَمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي هَذَا تحزن وتظنن مِنْهُ لَيْسَ أَنه رأى بِعَيْنِه شَيْئا إِنَّمَا أَرَادَ رُؤْيَة الْقلب
وَمثله قَول الآخر (الطَّوِيل)
(أَلَيْسَ بَصيرًا من رأى وَهُوَ قَاعد ... بِمَكَّة أهل الشَّام يختبزونا)
وَقَالَ الْأَعْشَى (الوافر) أريت الْقَوْم نارك لم أغمض ... بواقصة ومشربنا زرود)
(فَلم أر موقدا مِنْهَا وَلَكِن ... لأية نظرة زهر الْوقُود)
وَجوز أَرْبَاب البديع فِي الإغراق من الْمُبَالغَة أَن يكون نظرا بِالْعينِ حَقِيقَة قَالُوا لَا يمْتَنع عقلا أَن يرى من أَذْرُعَات من الشَّام نَار أحبته وَكَانَت بِيَثْرِب مَدِينَة النَّبِي
على بعد هَذِه الْمسَافَة على تَقْدِير اسْتِوَاء الأَرْض وَأَن لَا يكون ثمَّ حَائِل من جبل أَو غَيره مَعَ عظم جرم النَّار وَإِن كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا عَادَة وَجُمْلَة تنورتها استئنافية وَأدنى دارها مُبْتَدأ وَنظر عالي خبْرَة بِتَقْدِير مُضَاف قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَلَا يجوز أَن يكون نظر خبر أدنى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهِ لِأَن أدنى أفعل تَفْضِيل وأفعل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعض لَهُ فَوَجَبَ أَن يكون بعض الدَّار وَبَعض الدَّار لَا يكون النّظر فإمَّا أَن يحذف الْمُضَاف من النّظر أَي أدنى دارها ذُو نظر وَإِمَّا أَن يحذف من الأول أَي نظر أدنى دارها نظر عالي ليَكُون الثَّانِي الأول فِي الْمِصْبَاح علا علوا من بَاب قعد ارْتَفع فَهُوَ عَال يُرِيد أَن أقرب مَكَان من دارها
стр. 58
بعيد فَكيف بهَا ودونها نظر عَال والجملتان الاسميتان حَال من ضمير الْمُؤَنَّث فِي تنورتها وَجَاءَت الثَّانِيَة بِلَا وَاو كَقَوْلِه (السَّرِيع)
(وَالله يبقيك لنا سالما ... برداك تَعْظِيم وتبجيل)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لامرئ الْقَيْس عدتهَا سِتَّة وَخَمْسُونَ بَيْتا وَهِي من عُيُون شعره وأكثرها وَقعت شَوَاهِد فِي كتب المؤلفين هُنَا وَفِي مُغنِي اللبيب وَفِي كتب النَّحْو والمعاني فَيَنْبَغِي شرحها تتميما للفائدة وَإِن شرحت هُنَا بأجمعها طَال الْكَلَام فلنوزعها مَعَ الأبيات الَّتِي ذكرت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مُتَفَرِّقَة فَنَذْكُر هُنَا من أول القصيدة إِلَى الْبَيْت الَّذِي شرحناه
(الا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)
(وَهل يعمن إِلَّا سعيد مخلد ... قَلِيل الهموم مَا يبيت بأوجال)
قَوْله عَم صباحا هَذِه الْكَلِمَة تَحِيَّة عِنْد الْعَرَب يُقَال عَم صباحا وَعم مسَاء وَعم ظلاما والصباح من نصف اللَّيْل الثَّانِي إِلَى الزَّوَال والمساء من الزَّوَال إِلَى نصف اللَّيْل الأول قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب يُقَال وَعم يعم كوعد يعد وومق يمق وَذهب قوم إِلَى أَن يعم مَحْذُوف من ينعم وأجازوا عَم صباحا بِفَتْح الْعين وَكسرهَا كَمَا يُقَال أنعم صباحا وأنعم زَعَمُوا أَن
بعض الْعَرَب أنْشد
(إِلَّا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
بِفَتْح الْعين وَحكى يُونُس أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سُئِلَ عَن قَول عنترة (الْكَامِل)
(وَعمي صباحا دَار عبلة واسلمي)
فَقَالَ هُوَ من نعم الْمَطَر إِذا كثر وَنعم الْبَحْر إِذا كثر زبده كَأَنَّهُ
стр. 59
يَدْعُو لَهَا بالسقيا وَكَثْرَة الْخَيْر وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء إِنَّمَا هُوَ دُعَاء بالنعيم والأهل وَهُوَ الْمَعْرُوف وَمَا حَكَاهُ يُونُس نَادِر غَرِيب وَلم يذكر صَاحب الصِّحَاح مَادَّة وَعم قَالَ وَقَوْلهمْ عَم صباحا كَأَنَّهُ مَحْذُوف من نعم ينعم بِالْكَسْرِ وَزعم ابْن مَالك فِي التسهيل أَن عَم فعل أَمر غير متصرف قَالَ أَبُو حَيَّان لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعم بل هُوَ فعل متصرف وَقد حكى يُونُس وعمت الدَّار أَعم أَي قلت لَهَا انعمي قَالَ الْأَصْمَعِي عَم فِي كَلَام الْعَرَب أَكثر من انْعمْ وَقد روى أَلا انْعمْ صباحا الخ وَنعم الشَّيْء نعومة صَار نَاعِمًا لينًا من بَاب كرم وحذر وَحسب وَيُقَال انْعمْ صباحك أَيْضا من النعومة وصباحا ظرف أَو تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل والطلل مَا شخص من آثَار الدَّار والرسم مُطلق الْأَثر والبالي من بلي الثَّوْب من بَاب تَعب بلَى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وبلاء بِالْفَتْح وَالْمدّ خلق أَو من بلي الْمَيِّت أفنته الأَرْض وَقَوله وَهل يعمن هُوَ اسْتِفْهَام إنكاري اسْتشْهد بِهِ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن من يسْتَعْمل فِي غير الْعُقَلَاء وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ لَا فِي لَفظه فَقَالَ الْأَصْمَعِي اللَّفْظ على مَذْهَب أَنْت يَا طلل قد تفرق أهلك وذهبوا فَكيف تنعم بعدهمْ أَو الْمَعْنى كَيفَ أنعم أَنا فَكَأَنَّهُ يَعْنِي أهل الطلل وَالْعصر بِضَمَّتَيْنِ لُغَة فِي الْعَصْر وَهُوَ الدَّهْر والخالي الْمَاضِي قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير﴾ وَقَوله وَهل يعمن إِلَّا سعيد إِلَخ قَالَ العسكري المخلد الطَّوِيل الْعُمر الرخي البال ومخلد إِذا لم يشب وَقيل المخلد المقرط والقرط الخلدة وَرَوَاهُ بَعضهم
(وَهل ينعمن إِلَّا خلي مخلد)
وَقَالَ يَعْنِي غُلَاما حَدثا خليا من الْعِشْق والأوجال جمع وَجل وَهُوَ الْخَوْف وَفعله من بَاب تَعب
стр. 60
(وَهل يعمن من كَانَ أحدث عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال)
قَالَ العسكري نقلا عَن الْأَصْمَعِي وَابْن السّكيت يَقُول كَيفَ ينعم من كَانَ أقرب عَهده بالرفاهية ثَلَاثِينَ شهرا من ثَلَاثَة أَحْوَال على أَن فِي بِمَعْنى من ثمَّ قَالَا وَقد تكون بِمَعْنى مَعَ قَالَ ابْن السَّيِّد وَكَونهَا بِمَعْنى مَعَ أشبه من كَونهَا بِمَعْنى من وَرَوَاهُ الطوسي أَو ثَلَاثَة أَحْوَال وكل من فسره ذهب إِلَى أَن الْأَحْوَال هُنَا السنون جمع حول وَالْقَوْل فِيهِ عِنْدِي أَن الْأَحْوَال هُنَا جمع حَال لَا جمع حول وَإِنَّمَا أَرَادَ كَيفَ ينعم من كَانَ أقرب عَهده بالنعيم ثَلَاثِينَ شهرا وَقد تعاقبت عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَحْوَال وَهِي اخْتِلَاف الرِّيَاح عَلَيْهِ وملازمة الأمطار لَهُ والقدم المغير لرسومه فَتكون فِي هُنَا هِيَ الَّتِي تقع بِمَعْنى وَاو الْحَال فِي نَحْو قَوْلك مرت عَلَيْهِ ثَلَاثَة أشهر فِي نعيم أَي وَهَذِه حَاله
(ديار لسلمى عافيات بِذِي الْخَال ... الح عَلَيْهَا كل أسحم هطال)
عافيات من عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفوا وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ درس وَذُو الْخَال قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع جبل مِمَّا يَلِي نجدا وَقيل مَوضِع وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَلم يذكرهُ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ والأسحم الْأسود أَرَادَ بِهِ السَّحَاب لِكَثْرَة مَائه وَهَذَا الْبَيْت مصرع وديار مُبْتَدأ ولسلمى وَصفه وعافيات خَبره وبذي الْخَال حَال من ضمير عافيات وَجُمْلَة ألح خبر بعد خبر ... وتحسب سلمى لَا تزَال كعهدنا ... بوادي الخزامى أَو على رَأس أَو عَال)
стр. 61
والعهد الْحَال وَالْعلم يُقَال هُوَ قريب الْعَهْد بِكَذَا أَي قريب الْعلم وَالْحَال والخزامى بِالضَّمِّ وَالْقصر خيري الْبر ووادي الخزامى وَرَأس
أوعال موضعان ويروى ذَات أوعال قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع هِيَ هضبة فِيهَا بِئْر وَقيل هِيَ جبل بَين علمين فِي نجد والأوعال جمع وعل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
أَي إِن سلمى تظن أَنَّهَا تبقى على الْحَالة الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا فِي ذَيْنك المكانين
(وتحسب سلمى لَا تزَال ترى طلا ... من الْوَحْش أَو بيضًا بميثاء محلال)
سلمى فَاعل تحسب وَالْمَفْعُول الأول من ترى مَحْذُوف أَي نَفسهَا جملَة ترى خبر لَا تزَال وَهَذَا الْإِعْرَاب جَار فِي السَّابِق على هَذَا التَّرْتِيب والرؤية علمية وطلا مفعولها الثَّانِي والطلا بِالْفَتْح ولد الظبية وَمن الْوَحْش صفة طلا وبيضا مَعْطُوف على طلا أَرَادَ بيض النعام فِي الْبيَاض والملاسة والنعومة والميثاء قَالَ فِي الْعباب هُوَ بِالْفَتْح الأَرْض السهلة وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف هُوَ بِفَتْح الْمِيم طَرِيق للْمَاء عَظِيم مُرْتَفع من الْوَادي فَإِذا كَانَ صَغِيرا فَهِيَ شُعْبَة وَهُوَ نَحْو من ثلث الْوَادي أَو أقل فَإِذا كَانَ أَكثر من ذَلِك فَهُوَ تلعة فَإِذا كَانَ مثل نصف الْوَادي أَو ثُلثَيْهِ فَهُوَ ميثاء والميث مَا لِأَن وَسَهل من الأَرْض وَرُوِيَ الميثاء بِالْكَسْرِ وَهِي الأَرْض اللينة وَرُوِيَ الميتاء بِالْكَسْرِ وبالتاء الْمُثَنَّاة فَوق وَهُوَ الطَّرِيق المأتي أَي المسلوك والمحلال بِالْكَسْرِ من حللت إِذا نزلت بِهِ قَالَ الصَّاغَانِي وَأَرْض محلال إِذا أَكثر الْقَوْم النُّزُول فِيهَا وَكَذَلِكَ رَوْضَة محلال وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ الْعَيْنِيّ أَي تحسبها ظَبْيَة لَا تزَال تنظر إِلَى وَلَدهَا وتحسبها بيض نعام وَقَالَ بعض شرَّاح
стр. 62
القصيدة أَي بالبادية حَيْثُ يكون بيض النعام أَو ولد الْوَحْش ا. هـ.
وَهَذَا لَا يخفى مَا فِيهِ
(ليَالِي سلمى إِذْ تريك منصبا ... وجيدا كجيد الريم لَيْسَ بمعطال)
ليَالِي مَنْصُوب بِتَقْدِير اذكر وَنَحْوه وَإِذ بدل من ليَالِي ومنصبا قَالَ العسكري من رَوَاهُ بالنُّون أَرَادَ ثغرها والمنصب المستوى من الأَرْض المتسق وَمن روى مقصبا بِالْقَافِ أَرَادَ شعرهَا قصبته جعلته ذوائب وَشعر مقصب أَي قصابة قصابه وَقَالَ الْأَصْمَعِي قصبه قَصَبَة وَقَالَ غَيره
قصيبة وقصائب انْتهى وَفِي الصِّحَاح الذوائب المقصبة تلوى ليا حَتَّى تترجل وَلَا تضفر واحدتها قصيبة وقصابة بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد والمعطال الْمَرْأَة الَّتِي خلا جيدها من القلائد وَالْفِعْل من بَاب قتل وعطلا بِالتَّحْرِيكِ وعطولا بِالضَّمِّ
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَأَن لَا يشْهد اللَّهْو أمثالي)
بسباسة امْرَأَة من بني أَسد وَكبر شاخ يُقَال كبر الصَّبِي وَغَيره من بَاب تَعب مكبرا كمسجد وكبرا كعنب وشهده بِالْكَسْرِ يشهده بِالْفَتْح شُهُودًا حَضَره وَاللَّهْو مصدر لهوت بالشَّيْء إِذا لعبت بِهِ قَالَ فِي الصِّحَاح وَقد يكنى باللهو عَن الْجِمَاع وَقَوله تَعَالَى (لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا قَالُوا) أمْرَأَة وَيُقَال ولدا
(بلَى رب يَوْم قد لهوت وَلَيْلَة ... بآنسة كَأَنَّهَا خطّ تِمْثَال)
بلَى حرف إِيجَاب يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إثْبَاته وَأثبت بِهِ هُنَا الشُّهُود الْمَنْفِيّ فِي الْبَيْت السَّابِق وَرَوَاهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب فيارب يَوْم إِلَخ
стр. 63
وَأوردهُ شَاهدا على وُرُود رب للتكثير وَجُمْلَة قد لهوت صفة يَوْم والعائد مَحْذُوف أَي فِيهِ وَصفَة لَيْلَة مَعَ الْعَائِد مَحْذُوف أَي لهوت فِيهَا وَلَا يجوز أَن يكون الْوَصْف لَهما والآنسة الْمَرْأَة الَّتِي تأنس بحديثك والخط الْكِتَابَة قَالَ فِي الْعباب يُقَال خطة فلَان كَمَا يُقَال كتبه وَأنْشد هَذَا الْبَيْت واقل فِي مَادَّة مثل والتمثال الصُّورَة وَالْجمع التماثيل وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا هَذِه التماثيل﴾ أَي الْأَصْنَام وَقَوله تَعَالَى ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل﴾ وَهِي صور الْأَنْبِيَاء ﵈ وَكَانَ التَّصْوِير مُبَاحا فِي ذَلِك الْوَقْت
(يضيء الْفراش وَجههَا لضجيعها ... كمصباح زَيْت فِي قناديل ذبال)
الْفراش مفعول مقدم ووجهها الْفَاعِل والمصباح السراج والذبال بِضَم الذَّال وَتَشْديد الْمُوَحدَة جمع ذبالة وَهِي الفتيلة لُغَة فِي الذبال
بتَخْفِيف الْبَاء ويروى فِي قناديل آبال جمع أبيل كشريف وأشراف وَهُوَ الراهب قَالَ عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ (الرمل)
(إِنَّنِي وَالله فاقبل حلفتي ... بأبيل كلما صلى جأر)
وفِي بِمَعْنى مَعَ
(كَأَن على لباتها جمر مصطل ... أصَاب غضى جزلا وكف بأجذال)
(وهبت لَهُ ريح بمختلف الصوى ... صبا وَشمَالًا فِي منَازِل قفال)
اللبة المنحر وَمَوْضِع القلادة من الصَّدْر وَالْمرَاد هُنَا هُوَ الثَّانِي والمصطلى اسْم فَاعل من اصطلى بالنَّار وَصلى بهَا وصليها من بَاب تَعب وجد حرهَا وَجُمْلَة أصَاب غضى صفة لمصطل والغضى شجر خَشَبَة من أَصْلَب الْخشب وَلِهَذَا يكون فِي فحمه صلابة وَأصَاب وجد والجزل الغليظ وجزل الْحَطب بِالضَّمِّ إِذا عظم وَغلظ فَهُوَ جزل وكف بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من كَفَفْت الثَّوْب أَي خطت حَاشِيَته وَهِي الْخياطَة الثَّانِيَة أَرَادَ جعل
стр. 64
حول الْجَمْر أجزال وَهِي أصُول الْحَطب الْعِظَام جمع جذل بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة والمختلف بِفَتْح اللَّام مَوضِع الِاخْتِلَاف أَي التَّرَدُّد وَهُوَ أَن تذْهب ريح وتجيء ريح والصوى جمع صوة كقوى جمع قُوَّة والصوة قَالَ فِي الصِّحَاح هِيَ مُخْتَلف الرّيح وَأنْشد هَذَا الْبَيْت والصوة أَيْضا حجر يكون عَلامَة فِي الطَّرِيق وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا خلافًا لبَعْضهِم والقفال جمع قافل كعباد وعابد والقافل الرَّاجِع من سَفَره وَفعله من بَاب قعد وَيكون القفول فِي الْمُبْتَدِئ للسَّفر تفاؤلا بِالرُّجُوعِ بَالغ فِي سخونة هَذِه الْمَرْأَة فِي الشتَاء حَيْثُ وصف الْحلِيّ الَّذِي على لباتها بِمَا ذكر فِي الْبَيْتَيْنِ وَهَذَا مدح فِي النِّسَاء كَمَا إِذا بردت فِي الصَّيف قَالَ الْأَعْشَى (المتقارب)
(وتسخن لَيْلَة لَا يَسْتَطِيع ... نباحا بهَا الْكَلْب إِلَّا هريرا) ( ...
(وتبرد برد رِدَاء الْعَرُوس ... بالصيف رقرقت فِيهِ العبيرا)
(كذبت لقد أصبي على الْمَرْء عرسه ... وامنع عرسي أَن يزن بهَا الْخَالِي)
صرح بتكذيب بسباسة حَيْثُ زعمت أَنه لَا يلهو بِالنسَاء فَقَالَ إِنِّي أشوق النِّسَاء إِلَيّ مَعَ وجود أَزوَاجهنَّ وَلَا أدع أحدا يتهم بامرأتي لِأَنَّهَا لَا تميل إِلَى أحد مَعَ وجودي لِأَنِّي محبب عِنْد النِّسَاء وأصبي مضارع أصبيت الْمَرْأَة بِمَعْنى شوقتها وجعلتها ذَات صبوة وَهِي الشوق والعرس بِالْكَسْرِ الزَّوْجَة ويزن يتهم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال أزننته بِشَيْء اتهمته بِهِ وَهُوَ يزن بِكَذَا وأزنة بِالْأَمر إِذا اتهمه بِهِ والخالي قَالَ فِي الصِّحَاح قَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ من الرِّجَال الَّذِي لَا زَوْجَة لَهُ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
(وَمثلك بَيْضَاء الْعَوَارِض طفلة ... لعوب تنسيني إِذا قُمْت سربالي)
стр. 65
الْوَاو وَاو رب وَهُوَ خطاب لبسباسة فِي الْقَامُوس الْعَارِض والعارضة صفحة الخد وصفحتا الْعُنُق وجانبا الْوَجْه والعارضة أَيْضا مَا يستقبلك من الشَّيْء وَمن الْوَجْه مَا يَبْدُو عِنْد الضحك والطفلة بِفَتْح الطَّاء الناعمة الْبدن والطفل الناعم واللعوب الْحَسَنَة الدل وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر وأنسانية الله ونسانيه تنسية بِمَعْنى وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي عَن أبي عُبَيْدَة لعوب تناساني إِذا قُمْت سربالي قَالَ وَمَعْنَاهُ تنسيني والسربال الْقَمِيص
(لَطِيفَة طي الكشح غير مفاضة ... إِذا انفتلت مرتجة غير متفال) لطف لطفا ولطافة ككرم صغر ودق وَهُوَ لطيف والكشح بِالْفَتْح مَا بَين الخاصرة إِلَى الضلع الْخلف وطي الكشح هُنَا جدلها وفتلها يُرِيد أَنَّهَا مجدولة الكشح جدلا لطيفا فَإِن هيف الكشح والخصر ممدوح والمفاضة من النِّسَاء الضخمة الْبَطن وَهَذَا ذمّ فِيهِنَّ وَمن الدروع الواسعة وهما من الْفَيْض وانفتلت انصرفت ومرتجة من الارتجاج وَهُوَ التحرك وَالِاضْطِرَاب أَرَادَ عظم كفلها وَهِي خبر تكون محذوفة والمتفال بِالْكَسْرِ من تفل بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة
وَالْفَاء قَالَ فِي الْعباب التفل بِالتَّحْرِيكِ مصدر قَوْلك تفل الرجل بِالْكَسْرِ إِذا ترك الطّيب فَهُوَ تفل وأمرأة تفلة وَفِي الحَدِيث لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله وليخرجن إِذا خرجن تفلات أَي تاركات للطيب وَامْرَأَة متفال إِذا كَانَت كَذَلِك وأتفله غَيره وَمِنْه حَدِيث عَليّ ﵁ لرجل رَآهُ نَائِما فِي الشَّمْس قُم عَنْهَا فَإِنَّهَا تَتْفُل الرّيح وتبلي الثَّوْب وَتظهر الدَّاء الدفين وصفهَا بِثَلَاثَة أُمُور بهضم الخصر وضخامة الكفل وَالطّيب
(إِذا مَا الضجيع ابتزها من ثِيَابهَا ... تميل عَلَيْهِ هونة غير معطال)
стр. 66
ابتزها نزع بزها أَي ثِيَابهَا وَأَرَادَ مُطلق النزع وَالسَّلب والهونة بِالْفَتْح وَالضَّم المتئدة والهون السكينَة وَالْوَقار والمعطال تقدم تَفْسِيره ويروي مجبال قَالَ الْأَصْمَعِي مَعْنَاهُ هِيَ الغليظة
(كدعص النقا يمشي الوليدان فَوْقه ... بِمَا احتسبا من لين مس وتسهال)
الدعص بِالْكَسْرِ قِطْعَة من الرمل مستديرة والنقا الْكَثِيب من الرمل أَرَادَ تَشْبِيه عجزها بالدعص لعظمه حَتَّى أَن وَلدين يمكنهما أَن يلعبا فَوْقه من غير ضَرَر عَلَيْهِمَا للينه وسهولته والوليدان الصّبيان وأحتسب أكتفى والتسهال السهولة
(إِذا مَا أستحمت كَانَ فيض حميمها ... على متنتيها كالجمان لَدَى الْحَال)
استحمت اغْتَسَلت بالحميم وَهُوَ المَاء الْحَار ومتنتا الظّهْر مكتنفا الصلب عَن يَمِين وشمال من عصب وَلحم والمفرد متن ومتنة والجمان بِالضَّمِّ اللُّؤْلُؤ وَالْحَال وسط الظّهْر وَمن الْفرس مَوضِع اللبد أَرَادَ أَن المَاء الَّذِي ينْفَصل من ظهرهَا عِنْد الِاغْتِسَال يشبه اللُّؤْلُؤ المتناثر
تنورتها من أَذْرُعَات (الْبَيْت) الضَّمِير رَاجع إِلَى بسباسة وَقد شرح الْبَيْت
(نظرت إِلَيْهَا والنجوم كَأَنَّهَا ... مصابيح رُهْبَان تشب لقفال)
ضمير إِلَيْهَا رَاجع إِلَى النَّار الْمَفْهُوم من تنورتها وَجُمْلَة والنجوم إِلَخ حَال من الْفَاعِل وَجُمْلَة تشب حَال من ضمير النَّار قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة
стр. 67
وَمن أَبْيَات الْمُبَالغَة قَول امْرِئ الْقَيْس يصف نَارا وَإِن كَانَ فِيهِ إغراق نظرت إِلَيْهَا والنجوم الْبَيْت يَقُول نظرت إِلَى نَار هَذِه الْمَرْأَة تشب لقفال والنجوم كَأَنَّهَا مصابيح رُهْبَان وَقد قَالَ تنورتها من أَذْرُعَات الْبَيْت وَبَين المكانين بعد أَيَّام وَإِنَّمَا يرجع الْقفال من الْغَزْو والغارات وَجه الصَّباح فَإِذا رَآهَا من مسيرَة أَيَّام وَجه الصَّباح وَقد خمد سناها وكل موقدها فَكيف كَانَت أول اللَّيْل وَشبه النُّجُوم بمصابيح الرهبان لِأَنَّهَا فِي السحر يضعف نورها كَمَا يضعف نور المصابيح الموقدة لَيْلهَا أجمع لَا سِيمَا مصابيح الرهبان لأَنهم يكلون من سهر اللَّيْل فَرُبمَا نعسوا فِي ذَلِك الْوَقْت
وَقَالَ بَعضهم وَمن التَّشْبِيه الصَّادِق هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ شبه النُّجُوم بمصابيح رُهْبَان لفرط ضيائها وتعهد الرهبان لمصابيحهم وقيامهم عَلَيْهَا لتزهر إِلَى الصُّبْح فَكَذَلِك النُّجُوم زاهرة طول اللَّيْل وتتضاءل إِلَى الصُّبْح كتضاؤل المصابيح لَهُ وَقَالَ تشب لقفال لِأَن أَحيَاء الْعَرَب بالبادية إِذا قفلت إِلَى موَاضعهَا الَّتِي تأوي إِلَيْهَا من مصيف إِلَى مشتى إِلَى مربع أوقدت لَهَا نيران على قدر كَثْرَة منازلها وقلتها ليهتدوا بهَا فَشبه النُّجُوم ومواقعها من السَّمَاء بتفرق تِلْكَ النيرَان واجتماعها من مَكَان بعد مَكَان على حسب منَازِل الْقفال بالنيران الموقدة لَهُم وَقد طَال الْكَلَام هُنَا وَلم يمكننا أَن نترجم امرا الْقَيْس ونترجمه إِن شَاءَ الله فِي الشَّاهِد الثَّانِي من شَوَاهِد شعره
(أَقسَام التَّنْوِين)
وَأنْشد بعده وَفِي آخر الشَّرْح فِي التَّنْوِين وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع (الوافر)
(أقلي اللوم عاذل والعتابن ... وَقَوْلِي إِن أصبت لقد اصابن)
стр. 68
على أَن تَنْوِين الترنم يلْحق الْفِعْل والمعرف بِاللَّامِ وَقد اجْتمعَا فِي هَذَا الْبَيْت وَالْفِعْل سَوَاء كَانَ مَاضِيا كَمَا ذكر أَو مضارعا كَقَوْلِه (الرجز)
(داينت أروى والديون تقضين)
وَقد لحقت الْمُضمر أَيْضا كَقَوْلِه
(يَا أبتا علك أَو عساكن)
قَالَ الشَّارِح وَلم يسمع دُخُولهَا على الْحَرْف وَلَا يمْتَنع ذَلِك فِي الْقيَاس أَقُول قد سمع فِي الْحَرْف أَيْضا كَمَا مثل لَهُ شرَّاح الألفية بقول النَّابِغَة (الْكَامِل)
(أفد الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما تزل برحالنا وَكَأن قدن)
ولحاق هَذَا التَّنْوِين لما ذكر إِنَّمَا هُوَ عِنْد بني تَمِيم كَمَا قَالَ الشَّارِح وَعند قيس أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وأقلي فعل أَمر مُسْند إِلَى ضمير العاذلة يُقَال أقللته وقللته بِمَعْنى جعلته قَلِيلا بتعدية قل بِالْهَمْزَةِ والتضعيف وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بِمُرَاد بل الْمَقْصُود اتركي اللوم فَإِن الْقلَّة يعبر بهَا عَن الْعَدَم كَمَا هُوَ مستفيض واللوم مفعول أقلي وَهُوَ مصدر لَام يلوم وَمَعْنَاهُ العذل والتوبيخ وعاذل منادى مَحْذُوف مِنْهُ حرف
النداء ومرخم عاذلة من عذل يعذل من بَابي ضرب وَقتل بِمَعْنى لَام والعتاب مَعْطُوف على اللوم مصدر عَاتب معاتبة وعتابا قَالَ الْخَلِيل العتاب مُخَاطبَة الإدلال ومذاكرة الموجدة أَي الْغَضَب وَهَذَا لَيْسَ بمقصود إِذْ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنى لَا يكون إِلَّا بَين متحابين وَإِنَّمَا المُرَاد مصدر
стр. 69
عتب عَلَيْهِ عتبا من بَابي ضرب وَقتل بِمَعْنى لامه فِي تسخط وَقَوله قولي فعل أَمر أَيْضا مَعْطُوف على أقلي وَقَوله لقد أصابن مقول القَوْل وَجُمْلَة إِن أصبت مُعْتَرضَة بَينهمَا وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف وجوبا يفسره جملَة القَوْل وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة طَوِيلَة عدد أبياتها مائَة وَتِسْعَة لجرير يهجو عبيد الرَّاعِي النميري والفرزدق وَسبب هجوه إيَّاهُمَا على مَا حكى فِي شرح المناقضات أَن عَرَادَة النميري كَانَ نديما للفرزدق فَقدم الرَّاعِي الْبَصْرَة فَقدم عَرَادَة طَعَاما وَشَرَابًا فَدَعَا الرَّاعِي فَلَمَّا أخذت الكاس مِنْهُمَا قَالَ عراده لِلرَّاعِي يَا أَبَا جندل قل شعرًا تفضل الفرزدق على جرير فَلم يزل يزين لَهُ ذَلِك حَتَّى قَالَ (الْكَامِل)
(يَا صَاحِبي دنا الْأَصِيل فسيرا ... غلب الفرزدق فِي الهجاء جَرِيرًا)
فغدا بِهِ عَرَادَة على الفرزدق فأنشده إِيَّاه وَكَانَ عبيد الرَّاعِي شَاعِر مُضر وَذَا سنّهَا فَحسب جرير أَنه مغلب الفرزدق عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ يَا أَبَا جندل إِنِّي أَتَيْتُك بِخَبَر أَتَانِي إِنِّي وَابْن عمي هَذَا يَعْنِي الفرزدق نستب صباحا وَمَسَاء وَمَا عَلَيْك غَلَبَة المغلوب وَلَا عَلَيْك غَلَبَة الْغَالِب فإمَّا أَن تدعني وصاحبي وَإِمَّا أَن تغلبني عَلَيْهِ لانقطاعي إِلَى قيس وحطي فِي حبلهم فَقَالَ لَهُ الرَّاعِي صدقت لَا أبعدك من خير ميعادك المربد فصحبه جرير فَبَيْنَمَا هما يسْتَخْرج كل مِنْهُمَا مقَالَة صَاحبه رآهما جندل بن عبيد فَأقبل يرْكض على فرس لَهُ فَضرب بغلة أَبِيه الرَّاعِي وَقَالَ مَالك يراك النَّاس وَاقِفًا على كلب بني كُلَيْب فَصَرفهُ عَنهُ فَقَالَ جرير أما وَالله
стр. 70
لأثقلن رواحلك ثمَّ أقبل إِلَى منزلَة فَقَالَ للحسين رِوَايَته زد فِي دهن سراجك اللَّيْلَة وأعدد لوحا ودواة ثمَّ أقبل على هجاء بني نمير فَلم يزل يملي
حَتَّى ورد عَلَيْهِ قَوْله (الوافر)
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
فَقَالَ حَسبك أطفئ سراجك ونم فرغت مِنْهُ ثمَّ إِن جَرِيرًا أتم هَذِه بعد وَكَانَ يسميها الدامغة أَو الدماغة وَكَانَ يُسمى هَذِه القافية المنصورة لِأَنَّهُ قَالَ قصائد فِيهَا كُلهنَّ أَجَاد فِيهَا وَبعد أَن أتمهَا أَدخل طرف ثَوْبه بَين رجلَيْهِ ثمَّ هدر فَقَالَ أخزيت ابْن يَرْبُوع حَتَّى إِذا أصبح غَدا وَرَأى الرَّاعِي فِي سوق الْإِبِل فَأَتَاهُ وأنشده إِيَّاهَا حَتَّى وصل إِلَى قَوْله
(أجندل مَا تَقول بَنو نمير ... إِذا مَا الأير فِي أست أَبِيك غابا)
فَقَالَ الرَّاعِي شرا وَالله تَقول
(عَلَوْت عَلَيْك ذرْوَة خندفي ... ترى من دونهَا رتبا صعابا)
(لنا حَوْض النَّبِي وساقياه ... وَمن ورث النُّبُوَّة والكتابا)
(إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيم ... حسبت النَّاس كلهم غضابا)
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) فَقَالَ الرَّاعِي وَهُوَ يُرِيد نقضهَا
(أَتَانِي أَن جحش بني كُلَيْب ... تعرض حول دجلة ثمَّ هابا)
(فَأولى أَن يظل الْبَحْر يطفو ... بِحَيْثُ يُنَازع المَاء السحابا)
(أَتَاك الْبَحْر يضْرب جانبيه ... أغر ترى لجريته حبابا)
стр. 71
ثمَّ كف ورأي أَن لَا يجِيبه فَأجَاب عَنهُ الفرزدق على رُوِيَ قَوْله (الوافر)
(أَنا ابْن العاصمين بني تَمِيم ... إِذا مَا أعظم الْحدثَان نابا)
ثمَّ إِن الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ يَا غُلَام بئْسَمَا كسبنا قَومنَا ثمَّ قَامَ من سَاعَته وَقَالَ لأَصْحَابه ركابكم فَلَيْسَ لكم هَا هُنَا مقَام فضحكم جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَلِك بشؤمك وشؤم ابْنك وَسَار إِلَى أَهله فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم سمع عِنْد الْقدوم
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَأقسم بِاللَّه مَا بلغَهَا إنسي وَإِن لجرير لأشياعا من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وسبوه ابْنه وهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة وَمِمَّنْ وَضعه مَا قيل فِيهِ من الشّعْر حَتَّى أنكر نسبه وَسقط عَن رتبته وعيب بفضيلته بَنو نمير كَانُوا جَمْرَة من جمرات الْعَرَب إِذا سُئِلَ أحدهم مِمَّن الرجل فخم لَفظه وَمد صَوته وَقَالَ من بني نمير إِلَى أَن صنع جرير قصيدته الَّتِي هجا بهَا عبيد بن حُصَيْن الرَّاعِي فسهر لَهَا فطالت ليلته إِلَى أَن قَالَ فغض الطّرف إِنَّك من نمير الْبَيْت فأطفأ سراجه ونام وَقَالَ وَالله قد أخزيتهم آخر الدَّهْر فَلم يرفعوا رَأْسا بعْدهَا إِلَّا نكس بِهَذَا الْبَيْت حَتَّى أَن مولى لباهلة كَانَ يرد سوق الْبَصْرَة ممتارا فَيَصِيح بِهِ بَنو نمير ياجوذاب بالهة فَقص الْخَبَر على موَالِيه وَقد ضجر من ذَلِك فَقَالُوا لَهُ إِذا نبزوك فَقل لَهُم
(فغض الطّرف أَنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَمر بهم بعد ذَلِك فنبزوه وَأَرَادَ الْبَيْت فنسيه فَقَالَ غمض وَإِلَّا جَاءَك
стр. 72
مَا تكره فكفوا عَنهُ وَلم يعرضُوا لَهُ بعْدهَا وَمَرَّتْ امْرَأَة بِبَعْض مجَالِس بني نمير فأداموا النّظر إِلَيْهَا فَقَالَت قبحكم الله يَا بني نمير مَا قبلتم قَول الله ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ وَلَا قَول الشَّاعِر
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت)
وَهَذِه القصيدة تسميها الْعَرَب الفاضحة وَقيل سَمَّاهَا جرير الدماغة تركت بني نمير بِالْبَصْرَةِ ينتسبون إِلَى عَامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرا إِلَى أَبِيه هربا من ذكر نمير وفرارا مِمَّا وسم بِهِ من الفضيحة والوصمة وَأعلم أَن جمرات الْعَرَب ثَلَاث وهم بَنو نمير بن عَامر بن صعصعة وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو ضبة بن أد فطفئت جمرتان وهما بَنو ضبة لِأَنَّهَا حالفت الربَاب وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب لِأَنَّهَا حالفت مذحجا وَبقيت نمير لم تحالف فَهِيَ على كثرتها ومنعتها وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا قيل لَهُ من أَنْت قَالَ نميري إدلالا بنسبه وافتخارا بمنصبه حَتَّى قَالَ جرير
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَكَعب وكلاب ابْنا ربيعَة بن عَامر بن صعصعة والتجمير فِي كَلَام الْعَرَب التجميع وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم متوافرون فِي أنفسهم لم يدخلُوا مَعَهم غَيرهم وَفِي الْقَامُوس الْجَمْرَة النَّار المتقدة وَألف فَارس والقبيلة لَا تنضم إِلَى أحد أَو الَّتِي فِيهَا ثَلَاثمِائَة فَارس وجمرات الْعَرَب بَنو ضبة بن أد وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو نمير بن عَامر أَو عبس والْحَارث وضبة لِأَن أمّهم رَأَتْ فِي الْمَنَام أَنه خرج من فرجهَا ثَلَاث جمرات فَتَزَوجهَا كَعْب بن عبد المدان
стр. 73
فَولدت لَهُ الْحَارِث وهم أَشْرَاف الْيمن ثمَّ تزَوجهَا بغيض بن ريث فَولدت لَهُ عبسا وهم فرسَان الْعَرَب ثمَّ تزَوجهَا أد فَولدت لَهُ ضبة فجمرتان فِي مُضر وجمرة فِي الْيمن وَجَرِير ابْن عَطِيَّة بن الخطفى بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَجَرِير من الْأَسْمَاء المنقولة لِأَن الْجَرِير حَبل يكون فِي عنق الدَّابَّة أَو النَّاقة من أَدَم كَذَا فِي أدب الْكَاتِب وَسمي جَرِيرًا لِأَن أمه كَانَت رَأَتْ فِي نومها وَهِي حاملة بِهِ أَنَّهَا تَلد جَرِيرًا فَكَانَ يلتوي على عنق رجل فيخنقه ثمَّ فِي عنق آخر ثمَّ فِي عنق آخر حَتَّى كَاد يقتل عدَّة من النَّاس فَفَزِعت من رؤياها وقصتها على معبر فَقَالَ لَهَا إِن صدقت رُؤْيَاك ولدت
ولدا يكون بلَاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا وَكَانَ تَأْوِيل رؤياها أَنه هجا ثَمَانِينَ شَاعِرًا فَغَلَبَهُمْ كلهم إِلَّا الفرزدق وَكَانَت أمه ترقصه وَهُوَ صَغِير وَتقول (الرجز)
(قصصت رُؤْيَايَ على ذَاك الرجل ... فَقَالَ لي قولا وليت لم يقل)
(لتلدن عضلة من العضل ... ذَا منقق جزل إِذا قَالَ فضل)
(مثل الحسام العضب مَا مس فصل ... يعدل ذَا الْميل وَلما يعتدل)
(ينهل سما من يعادي ويعل)
والخطفى لقب جده واسْمه حُذَيْفَة مصغر حذفة وَهِي الرَّمية بالعصا ولقب بالخطفى لقَوْله (الرجز)
(يرفعن بِاللَّيْلِ إِذا مَا أسدفا ... أَعْنَاق جنان وهاما رجفا)
(وعنقا بَاقِي الرسيم خطفا)
стр. 74
ويروى خطيفا وَهُوَ السَّرِيع ويكنى جرير أَبَا حزرة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة بِابْن كَانَ لَهُ والحزرة فعلة من حزرت الشَّيْء إِذا خرصته وخمنته والحزرة أَيْضا خِيَار المَال وحموضة اللَّبن قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء وَكَانَ لَهُ عشرَة من الْوَلَد فيهم ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم بِلَال وَكَانَ أفضلهم وأشعرهم وَله عقب مِنْهُم عمَارَة ابْن عقيل بن بِلَال وَمن ولد جرير نوح وَعِكْرِمَة وَكَانَا شاعرين أَيْضا وَكَانَ
جرير من فحول شعراء الْإِسْلَام وَكَانَ يشبه بالأعشى مَيْمُون وَكَانَ من أحسن النَّاس تشبيبا قَالَ الْأَصْمَعِي سَمِعت الْحَيّ يتحدثون عَن جرير أَنه قَالَ لَوْلَا مَا شغلني من هَذِه الْكلاب لشببت تشبيبا تحن مِنْهُ الْعَجُوز إِلَى شبابها حنين النَّاقة إِلَى سقبها وَكَانَ من أَشد النَّاس هجاء وَقد أجمع عُلَمَاء الشّعْر على أَن جَرِيرًا والفرزدق والأخطل مقدمون على سَائِر شعراء الْإِسْلَام وَاخْتلفُوا فِي أَيهمْ أفضل وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله (الْكَامِل)
(ذهب الفرزدق بالفخار وَإِنَّمَا ... حُلْو الْكَلَام ومره لجرير)
(وَلَقَد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه الْمَشْهُور)
فَحكم للفرزدق بالفخار وللأخطل بالمدح والهجو ولجرير بِجَمِيعِ فنون الشّعْر قَالَ الْمَدَائِنِي كَانَ جرير أعق النَّاس لِأَبِيهِ وَكَانَ أبنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا فِي الْكَلَام فَقَالَ بِلَال الْكَاذِب من ناك أمه
стр. 75
فَأَقْبَلت عَلَيْهِ وَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك قَالَ جرير فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي وَلما بلغ موت الفرزدق جَرِيرًا قَالَ (الْكَامِل)
(هلك الفرزدق بعد مَا جدعته ... لَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا)
ثمَّ أطرق طَويلا وَبكى فَقيل لَهُ مَا أبكاك قَالَ بَكَيْت على نَفسِي وَالله إِنِّي لأعْلم أَنِّي عَن قَلِيل لاحقه فَلَقَد كَانَ نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه الآخر ثمَّ أنشأ يرثيه (الطَّوِيل)
(فجعنا بحمال الدِّيات ابْن غَالب ... وحامي تَمِيم عرضهَا والبراجم)
(بكيناك حدثان الْفِرَاق وَإِنَّمَا ... بكناك إِذْ نابت أُمُور العظائم)
(فَلَا حملت بعد ابْن ليلى مهيرة ... وَلَا شدّ أنساع الْمطِي الرواسم)
ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ بعد قَلِيل بِالْيَمَامَةِ وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه جرير من الشُّعَرَاء سَبْعَة أحدهم هَذَا وَتُوفِّي فِي سنة عشر وَقيل إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وعمره قد قَارب التسعين وَالثَّانِي جرير الْعجلِيّ وَهُوَ عصري الأول وَقد رد على الفرزدق الثَّالِث جرير بن عبد الله أحد بني عَامر بن عقيل فَارس شَاعِر وَالرَّابِع جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ المتلمس صَاحب طرفَة بن العَبْد وَالْخَامِس جرير بن كُلَيْب ابْن نَوْفَل وَهُوَ إسلامي السَّادِس جرير بن الْغَوْث
следующие страницы →