← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثمَّ كف ورأي أَن لَا يجِيبه فَأجَاب عَنهُ الفرزدق على رُوِيَ قَوْله (الوافر) (أَنا ابْن العاصمين بني تَمِيم ... إِذا مَا أعظم الْحدثَان نابا) ثمَّ إِن الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ يَا غُلَام بئْسَمَا كسبنا قَومنَا ثمَّ قَامَ من سَاعَته وَقَالَ لأَصْحَابه ركابكم فَلَيْسَ لكم هَا هُنَا مقَام فضحكم جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَلِك بشؤمك وشؤم ابْنك وَسَار إِلَى أَهله فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم سمع عِنْد الْقدوم (فغض الطّرف إِنَّك من نمير) (الْبَيْت) وَأقسم بِاللَّه مَا بلغَهَا إنسي وَإِن لجرير لأشياعا من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وسبوه ابْنه وهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة وَمِمَّنْ وَضعه مَا قيل فِيهِ من الشّعْر حَتَّى أنكر نسبه وَسقط عَن رتبته وعيب بفضيلته بَنو نمير كَانُوا جَمْرَة من جمرات الْعَرَب إِذا سُئِلَ أحدهم مِمَّن الرجل فخم لَفظه وَمد صَوته وَقَالَ من بني نمير إِلَى أَن صنع جرير قصيدته الَّتِي هجا بهَا عبيد بن حُصَيْن الرَّاعِي فسهر لَهَا فطالت ليلته إِلَى أَن قَالَ فغض الطّرف إِنَّك من نمير الْبَيْت فأطفأ سراجه ونام وَقَالَ وَالله قد أخزيتهم آخر الدَّهْر فَلم يرفعوا رَأْسا بعْدهَا إِلَّا نكس بِهَذَا الْبَيْت حَتَّى أَن مولى لباهلة كَانَ يرد سوق الْبَصْرَة ممتارا فَيَصِيح بِهِ بَنو نمير ياجوذاب بالهة فَقص الْخَبَر على موَالِيه وَقد ضجر من ذَلِك فَقَالُوا لَهُ إِذا نبزوك فَقل لَهُم (فغض الطّرف أَنَّك من نمير) (الْبَيْت) وَمر بهم بعد ذَلِك فنبزوه وَأَرَادَ الْبَيْت فنسيه فَقَالَ غمض وَإِلَّا جَاءَك

стр. 72

مَا تكره فكفوا عَنهُ وَلم يعرضُوا لَهُ بعْدهَا وَمَرَّتْ امْرَأَة بِبَعْض مجَالِس بني نمير فأداموا النّظر إِلَيْهَا فَقَالَت قبحكم الله يَا بني نمير مَا قبلتم قَول الله ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ وَلَا قَول الشَّاعِر (فغض الطّرف إِنَّك من نمير) (الْبَيْت) وَهَذِه القصيدة تسميها الْعَرَب الفاضحة وَقيل سَمَّاهَا جرير الدماغة تركت بني نمير بِالْبَصْرَةِ ينتسبون إِلَى عَامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرا إِلَى أَبِيه هربا من ذكر نمير وفرارا مِمَّا وسم بِهِ من الفضيحة والوصمة وَأعلم أَن جمرات الْعَرَب ثَلَاث وهم بَنو نمير بن عَامر بن صعصعة وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو ضبة بن أد فطفئت جمرتان وهما بَنو ضبة لِأَنَّهَا حالفت الربَاب وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب لِأَنَّهَا حالفت مذحجا وَبقيت نمير لم تحالف فَهِيَ على كثرتها ومنعتها وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا قيل لَهُ من أَنْت قَالَ نميري إدلالا بنسبه وافتخارا بمنصبه حَتَّى قَالَ جرير (فغض الطّرف إِنَّك من نمير) (الْبَيْت) وَكَعب وكلاب ابْنا ربيعَة بن عَامر بن صعصعة والتجمير فِي كَلَام الْعَرَب التجميع وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم متوافرون فِي أنفسهم لم يدخلُوا مَعَهم غَيرهم وَفِي الْقَامُوس الْجَمْرَة النَّار المتقدة وَألف فَارس والقبيلة لَا تنضم إِلَى أحد أَو الَّتِي فِيهَا ثَلَاثمِائَة فَارس وجمرات الْعَرَب بَنو ضبة بن أد وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو نمير بن عَامر أَو عبس والْحَارث وضبة لِأَن أمّهم رَأَتْ فِي الْمَنَام أَنه خرج من فرجهَا ثَلَاث جمرات فَتَزَوجهَا كَعْب بن عبد المدان

стр. 73

فَولدت لَهُ الْحَارِث وهم أَشْرَاف الْيمن ثمَّ تزَوجهَا بغيض بن ريث فَولدت لَهُ عبسا وهم فرسَان الْعَرَب ثمَّ تزَوجهَا أد فَولدت لَهُ ضبة فجمرتان فِي مُضر وجمرة فِي الْيمن وَجَرِير ابْن عَطِيَّة بن الخطفى بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَجَرِير من الْأَسْمَاء المنقولة لِأَن الْجَرِير حَبل يكون فِي عنق الدَّابَّة أَو النَّاقة من أَدَم كَذَا فِي أدب الْكَاتِب وَسمي جَرِيرًا لِأَن أمه كَانَت رَأَتْ فِي نومها وَهِي حاملة بِهِ أَنَّهَا تَلد جَرِيرًا فَكَانَ يلتوي على عنق رجل فيخنقه ثمَّ فِي عنق آخر ثمَّ فِي عنق آخر حَتَّى كَاد يقتل عدَّة من النَّاس فَفَزِعت من رؤياها وقصتها على معبر فَقَالَ لَهَا إِن صدقت رُؤْيَاك ولدت ولدا يكون بلَاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا وَكَانَ تَأْوِيل رؤياها أَنه هجا ثَمَانِينَ شَاعِرًا فَغَلَبَهُمْ كلهم إِلَّا الفرزدق وَكَانَت أمه ترقصه وَهُوَ صَغِير وَتقول (الرجز) (قصصت رُؤْيَايَ على ذَاك الرجل ... فَقَالَ لي قولا وليت لم يقل) (لتلدن عضلة من العضل ... ذَا منقق جزل إِذا قَالَ فضل) (مثل الحسام العضب مَا مس فصل ... يعدل ذَا الْميل وَلما يعتدل) (ينهل سما من يعادي ويعل) والخطفى لقب جده واسْمه حُذَيْفَة مصغر حذفة وَهِي الرَّمية بالعصا ولقب بالخطفى لقَوْله (الرجز) (يرفعن بِاللَّيْلِ إِذا مَا أسدفا ... أَعْنَاق جنان وهاما رجفا) (وعنقا بَاقِي الرسيم خطفا)

стр. 74

ويروى خطيفا وَهُوَ السَّرِيع ويكنى جرير أَبَا حزرة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة بِابْن كَانَ لَهُ والحزرة فعلة من حزرت الشَّيْء إِذا خرصته وخمنته والحزرة أَيْضا خِيَار المَال وحموضة اللَّبن قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء وَكَانَ لَهُ عشرَة من الْوَلَد فيهم ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم بِلَال وَكَانَ أفضلهم وأشعرهم وَله عقب مِنْهُم عمَارَة ابْن عقيل بن بِلَال وَمن ولد جرير نوح وَعِكْرِمَة وَكَانَا شاعرين أَيْضا وَكَانَ جرير من فحول شعراء الْإِسْلَام وَكَانَ يشبه بالأعشى مَيْمُون وَكَانَ من أحسن النَّاس تشبيبا قَالَ الْأَصْمَعِي سَمِعت الْحَيّ يتحدثون عَن جرير أَنه قَالَ لَوْلَا مَا شغلني من هَذِه الْكلاب لشببت تشبيبا تحن مِنْهُ الْعَجُوز إِلَى شبابها حنين النَّاقة إِلَى سقبها وَكَانَ من أَشد النَّاس هجاء وَقد أجمع عُلَمَاء الشّعْر على أَن جَرِيرًا والفرزدق والأخطل مقدمون على سَائِر شعراء الْإِسْلَام وَاخْتلفُوا فِي أَيهمْ أفضل وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله (الْكَامِل) (ذهب الفرزدق بالفخار وَإِنَّمَا ... حُلْو الْكَلَام ومره لجرير) (وَلَقَد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه الْمَشْهُور) فَحكم للفرزدق بالفخار وللأخطل بالمدح والهجو ولجرير بِجَمِيعِ فنون الشّعْر قَالَ الْمَدَائِنِي كَانَ جرير أعق النَّاس لِأَبِيهِ وَكَانَ أبنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا فِي الْكَلَام فَقَالَ بِلَال الْكَاذِب من ناك أمه

стр. 75

فَأَقْبَلت عَلَيْهِ وَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك قَالَ جرير فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي وَلما بلغ موت الفرزدق جَرِيرًا قَالَ (الْكَامِل) (هلك الفرزدق بعد مَا جدعته ... لَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا) ثمَّ أطرق طَويلا وَبكى فَقيل لَهُ مَا أبكاك قَالَ بَكَيْت على نَفسِي وَالله إِنِّي لأعْلم أَنِّي عَن قَلِيل لاحقه فَلَقَد كَانَ نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه الآخر ثمَّ أنشأ يرثيه (الطَّوِيل) (فجعنا بحمال الدِّيات ابْن غَالب ... وحامي تَمِيم عرضهَا والبراجم) (بكيناك حدثان الْفِرَاق وَإِنَّمَا ... بكناك إِذْ نابت أُمُور العظائم) (فَلَا حملت بعد ابْن ليلى مهيرة ... وَلَا شدّ أنساع الْمطِي الرواسم) ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ بعد قَلِيل بِالْيَمَامَةِ وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه جرير من الشُّعَرَاء سَبْعَة أحدهم هَذَا وَتُوفِّي فِي سنة عشر وَقيل إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وعمره قد قَارب التسعين وَالثَّانِي جرير الْعجلِيّ وَهُوَ عصري الأول وَقد رد على الفرزدق الثَّالِث جرير بن عبد الله أحد بني عَامر بن عقيل فَارس شَاعِر وَالرَّابِع جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ المتلمس صَاحب طرفَة بن العَبْد وَالْخَامِس جرير بن كُلَيْب ابْن نَوْفَل وَهُوَ إسلامي السَّادِس جرير بن الْغَوْث

стр. 76

أَخُو بني كنَانَة بن الْقَيْن السَّابِع جرير وَهَذَا مصغر وَهُوَ أَبُو مَالك المدلجي وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أنْشدهُ فِي بَاب وُجُوه القوافي وَاسْتشْهدَ بِهِ لما يلْزم من إِثْبَات الْوَاو وَالْيَاء إِذا كَانَتَا قافيتين كَمَا يلْزم إِثْبَات الْقَاف فِي المخترق لِأَنَّهَا حرف الروي (الرجز) (وقاتم الأعماق خاوي المخترقن) على أَن تَنْوِين الترنم قد يلْحق الروي الْمُقَيد فَيخْتَص باسم الغالي تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي جعل تَنْوِين الغالي نوعا من تَنْوِين الترنم لِابْنِ جني فَإِنَّهُ قَالَ فِي سر الصِّنَاعَة الرَّابِع من وُجُوه التَّنْوِين وَهُوَ أَن يلْحق أَوَاخِر القوافي معاقبا لما فِيهِ من الغنة لحرف الْمِيم وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يلْحق متمما للْبِنَاء وَالْآخر أَن يلْحق زِيَادَة بعد اسْتِيفَاء الْبَيْت جَمِيع أَجْزَائِهِ نيفا من آخِره بِمَنْزِلَة الزِّيَادَة الْمُسَمَّاة خزما فِي أَوله ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا زادوا هَذَا التَّنْوِين فِي هَذَا الْموضع وَنَحْوه بعد تَمام الْوَزْن لِأَن من عَادَتهم أَن يلحقوه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْوَزْن نَحْو (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلن) وَقَوله (الْحَمد لله الوهوب المجزلن) فَلَمَّا اعتادوه فِيمَا يكمل وَزنه ألحقوه أَيْضا بِمَا هُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ وَهَذَا معنى

стр. 77

قَول الشَّارِح وَإِنَّمَا الْحق بالروي الْمُقَيد تَشْبِيها لَهُ بالمطلق وَزعم ابْن يعِيش أَن فَائِدَة هَذَا التَّنْوِين التطريب والتغني وَجعله ضربا من تَنْوِين الترنم وَزعم أَن تَنْوِين الترنم يُرَاد بِهِ ذَلِك وَهُوَ غلط كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وَقَالَ عبد القاهر فَائِدَته الإيذان بِأَن الْمُتَكَلّم وَاقِف لِأَنَّهُ إِذا أنْشد عجلا والقوافي سَاكِنة صَحِيحَة لم يعلم أَو اصل هُوَ أم وَاقِف وَأنكر هَذَا التَّنْوِين الزّجاج والسيرافي وزعما أَن رؤبة كَانَ يزِيد فِي أَوَاخِر الأبيات إِن فَلَمَّا ضعف صَوته بِالْهَمْزَةِ لسرعة الْإِيرَاد ظن السَّامع أَنه نون وَفِي هَذَا توهيم الروَاة الثِّقَات بِمُجَرَّد الأحتمال وَقَول الشَّارِح فَيفتح مَا قبل النُّون تَشْبِيها لَهَا بالخفيفة أَو يكسر للساكنين كَمَا فِي حِينَئِذٍ قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والأخفش يُسَمِّي هَذَا التَّنْوِين غاليا وَالْحَرَكَة الَّتِي قبل التَّنْوِين غلوا وَهِي الكسرة لِأَنَّهَا الأَصْل فِي التقاء الساكنين كَقَوْلِهِم يَوْمئِذٍ ومه وَزعم ابْن الْحَاجِب أَن الأولى أَن تكون الْحَرَكَة قبل فَتْحة كَمَا فِي نَحْو اضربن وَأَن هَذَا أولى من أَن يُقَاس على يَوْمئِذٍ لِأَن ذَاك لَهُ أصل فِي الْمَعْنى وَهُوَ عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلنَا أَن قِيَاس التَّنْوِين على التَّنْوِين أولى لِاتِّحَاد جنسهما وَلِأَنَّهُمَا يكونَانِ فِي الِاسْم وَالنُّون لَا تكون إِلَّا فِي الْفِعْل ثمَّ إِن فَتحه اضربن للتركيب كَمَا فِي خَمْسَة عشر لَا لالتقاء الساكنين والروي هُوَ الْحَرْف الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ القصيدة مَأْخُوذ من الرواء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وَهُوَ الْحَبل والمقيد السَّاكِن الَّذِي لَيْسَ حرف عِلّة وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة مرجزة مَشْهُورَة لرؤبة بن العجاج وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أول كتاب الشّعْر وَالشعرَاء حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ

стр. 78

كَانَ ثَلَاثَة إخْوَة من بني سعد لم يَأْتُوا الْأَمْصَار ذهب رجزهم يُقَال لَهُم نَذِير ومنيذر وَمُنْذِر يُقَال إِن قصيدة رؤبة الَّتِي أَولهَا وقاتم الأعماق لنذير وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة لَا فَائِدَة فِي إِيرَاد جَمِيعهَا لَكِن فِيهَا بَيت من شَوَاهِد التَّفْسِير وَمُغْنِي اللبيب لَا يَتَّضِح مَعْنَاهُ إِلَّا بشرح الأبيات الَّتِي قبْلَة فَلهَذَا شرحت فَقَوله وقاتم الْوَاو وَاو رب وَهِي عاطفة لَا جَارة وقاتم مجرور بِرَبّ لَا بِالْوَاو على الصَّحِيح وَقد أنْشد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي رب من حُرُوف الْجَرّ أَيْضا على أَن رب محذوفة بعد الْوَاو وَذكر أَنه يجوز حذفهَا فِي الشّعْر بعد الْوَاو وَالْفَاء وبل وَلم أر من قيد حذفهَا فِي الشّعْر وَغَيره وَهَذَا هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَزعم الْكُوفِيُّونَ والمبرد أَن الْجَرّ ب الْوَاو لَا ب رب وَاسْتَدَلُّوا فِي افْتِتَاح القصائد بهَا كَهَذا الْبَيْت وَأجِيب بِجَوَاز الْعَطف على كَلَام تقدم ملفوظ بِهِ لم ينْقل أَو مُقَدّر حكم لَهُ منويا فِي النَّفس بِحكم الْمَنْطُوق بِهِ ورد مَذْهَبهم بِوُجُوه أَيْضا أَحدهَا أَنَّهَا مَعَ ذكر رب عاطفة بِاتِّفَاق فَكَذَلِك مَعَ حذفهَا وَلَا تنقل عَن ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل وَالْأَصْل عَدمه قَالَ ابْن خالويه الْوَاو إِذا كَانَت فِي أَوَائِل القصائد نَحْو وقاتم الأعماق فَإِنَّهَا تدل على رب فَقَط وَلَا تكون للْعَطْف لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم مَا يعْطف عَلَيْهِ بِالْوَاو قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي نقض الهاذور هَذَا شَيْء لم نعلم أحدا مِمَّن حكينا قَوْله فِي ذَلِك ذهب إِلَيْهِ وَلَا قَالَ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي تظناه من الْفَصْل بَين الْأَوَائِل وَغَيرهَا بِشَيْء وَذَلِكَ أَن أَوَائِل القصائد يدْخل عَلَيْهَا حُرُوف الْعَطف على جِهَة الخزم نَحْو مارووا من قَوْله (الرجز) (بل مَا هاج أحزانا وشجوا قد شجا)

стр. 79

وَكَأَنَّهُ جعله عطفا على كَلَام قد كَانُوا يَقُولُونَهُ وقصة خَاضُوا فِيهَا فعطف الشّعْر بِحرف الْعَطف على ذَلِك الْكَلَام الَّذِي كَانُوا فِيهِ الثَّانِي لَو كَانَت الْوَاو عوضا من رب لما جَازَ ظُهُورهَا مَعهَا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يجمع بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ الثَّالِث أَنَّهَا لَو كنت نائبة عَن رب لجامعها وَاو الْعَطف كَمَا تجامعها وَاو الْقسم كَقَوْلِه (الطَّوِيل) (وَوَاللَّه لَوْلَا تمره مَا حببته) الرَّابِع أَن رب تضمر بعد الْفَاء وبل وَلم يقل أحد إنَّهُمَا حرفا جر فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الحكم مَعَ الْوَاو وَقَالَ الشاطبي وَفِي هَذِه الْأَدِلَّة كلهَا نظر وأقربها الرَّابِع إِن ثَبت الِاتِّفَاق من الْفَرِيقَيْنِ على أَن الْفَاء وبل ليستا جارتين عِنْد حذف رب فَإِن الْفرق بَينهمَا وَبَين الْوَاو فِيهِ بعد وَبعد فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة لَا ثَمَرَة لَهَا فِي النَّحْو وَإِنَّمَا الْبَحْث فِيهَا مظهر للمرتكب الأولى فِي ضبط القوانين خَاصَّة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا قَالَه أهل الْبَصْرَة لَهُ وَجه صَحِيح وَمَا قَالَه الْآخرُونَ كَذَلِك وَالله أعلم وقاتم قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شرح ديوَان رؤبة القتمة الغبرة إِلَى الْحمرَة مصدر الأقتم وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب الْقلب والإبدال وَيُقَال أسود قاتم وقاتن بِالْمِيم وَالنُّون وَفعله من بَابي ضرب وَعلم وَهُوَ صفة لموصوف مَحْذُوف أَي رب بلد قاتم والأعماق جمع عمق بِفَتْح الْعين وَضمّهَا

стр. 80

وَهُوَ مَا بعد من أَطْرَاف المفاوز مستعار من عمق الْبِئْر يُقَال عمقت الْبِئْر عمقا من بَاب قرب وعماقة بِالْفَتْح أَيْضا بعد قعرها وتعديته بِالْهَمْزَةِ والتضعيف والخاوي من خوى الْمنزل إِذا خلا والمخترق بِفَتْح الرَّاء مَكَان الاختراق من الْخرق بِالْفَتْح وَأَصله من خرقت الْقَمِيص من بَاب ضرب إِذا قطعته وَقد اسْتعْمل فِي قطع الْمَفَازَة فَقيل خرقت الأَرْض إِذا جبتها ومخترق الرِّيَاح ممرها (مشتبه الْأَعْلَام لماع الخفق) الْأَعْلَام جمع علم وَهِي الْجبَال الَّتِي يَهْتَدِي بهَا يُرِيد أَن أَعْلَام هَذَا الْبَلَد يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فتشتبه عَلَيْك الْهِدَايَة والخفق بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْفَاء مصدر خَفق السراب وخفقت الرَّايَة من بَابي نصر وَضرب خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت وتحريك الْفَاء ضَرُورَة يُرِيد أَنه يلمع فِيهِ السراب ومشتبه ولماع صفتان لقاتم (يكل وَفد الرّيح من حَيْثُ انخرق) يكل مضارع كل من بَاب ضرب كَلَالَة تَعب وأعيا وَيَتَعَدَّى بِالْألف وَرُوِيَ بِضَم الْيَاء مضارع أكله ف الْوَفْد مَفْعُوله وضميره الْمُسْتَتر رَاجع لقاتم وَالْجُمْلَة على الْوَجْهَيْنِ صفة لقاتم إِلَّا أَن الرابط فِي الْوَجْه الأول مَحْذُوف أَي يكل فِيهِ الْوَفْد جمع وَافد من وَفد على الْقَوْم من بَاب وعد وَفْدًا ووفودا بِمَعْنى قدم ووفد الرّيح أَولهَا وَهَذَا مثل وَقَوله حَيْثُ أنخرق أَي حَيْثُ صَار خرقا والخرق الْوَاسِع يُرِيد أتسع فَإِذا اتَّسع الْموضع فترت الرّيح وَإِذا ضَاقَ اشْتَدَّ مرورها فِيهِ ...

стр. 81

(شأز بِمن عوة جَدب المنطلق) قَالَ أَبُو زيد شئز مَكَاننَا شأزا غلظ وَاشْتَدَّ وَيُقَال قلق وأشأزه أقلقه وَمثله شأس تَصرفا وَمعنى وَهُوَ هُنَا وصف كصعب بِمَعْنى الغليظ والشديد وعوه بِالْعينِ الْمُهْملَة مصدره التعويه بِمَعْنى التَّعْرِيس وَهُوَ النُّزُول فِي آخر اللَّيْل وكل من احْتبسَ فِي مَكَان فقد عوه والجدب بِالْفَتْح نقيض الخصب وَهُوَ هُنَا وصف كَالْأولِ فَإِنَّهُ يُقَال مَكَان جَدب وَأَرْض جدبة وَيُقَال أَيْضا مَكَان جديب وَأَرْض جدوب أَي بَين الجدوبة فيهمَا وشأز وجدب وصفان لقاتم والمنطلق بِفَتْح اللَّام مَحل الانطلاق يَعْنِي أَن هَذَا الْبَلَد شَدِيد على من تلبث فِيهِ غير خصيب على الْمَار والسالك (ناء من التصبيح نأي المغتبق) يَقُول هُوَ بعيد من أَن يصبحه الرَّاكِب فيصطبح فِيهِ أَو يَأْتِيهِ لَيْلًا فيغتبق وَهُوَ وصف لقاتم أَيْضا (تبدو لنا أَعْلَامه بعد الْغَرق) يَعْنِي تظهر جبال بعد أَن تغرق فِي الْآل وَضمير أَعْلَامه لقاتم وَمثله (الطَّوِيل) (ترى قورها يغرقن فِي الْآل مرّة ... وآونة يخْرجن من غامر ضحل) (فِي قطع الْآل وهبوات الدقق) مُتَعَلق بِالْغَرَقِ قبله قَالَ الْأَصْمَعِي قطع الْآل غُدْرَان من الْآل جمع قِطْعَة والآل قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب الْفرق بَين الْآل والسراب أَن الْآل يكون أول النَّهَار وَآخره وَسمي آلا لِأَن الشَّخْص هُوَ الْآل فَلَمَّا رفع الشَّخْص قيل هَذَا آل قد بدا وَتبين أما السراب

стр. 82

فَهُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء ورد عَلَيْهِ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه فَقَالَ إِنْكَار أَن يكون الْآل هُوَ السراب من أعجب شَيْء يسمع بِهِ وَذكر أبياتا تدل على أَن الْآل هُوَ السراب والهبوة الغبرة والدقق بِضَم الدَّال وَفتح الْقَاف الأولى جمع دقة وَهُوَ التُّرَاب الَّذِي كسحته الرّيح من الأَرْض (خَارِجَة أعناقها من معتنق) خَارجه حَال سَبَبِيَّة من الْأَعْلَام وأعناقها فَاعل خَارجه وَالضَّمِير للأعلام والمعتنق مخرج أَعْنَاق الْجبَال من السراب (تنشطته كل مغلاة الوهق) هَذَا جَوَاب رب وَقد غفل عَنهُ الْعَيْنِيّ مَعَ أَنه شرح القصيدة جَمِيعهَا فَقَالَ وَجَوَاب وقاتم الأعماق مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وَرب قاتم الأعماق إِلَخ قد قطعته أَو جبته أَو نَحْو ذَلِك انْتهى وتنشطته تجاوزته بنشاط قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ أَن تمد يَدهَا ثمَّ تسرع ردهَا وَالضَّمِير للقاتم وكل فَاعل والمغلاة من النوق الَّتِي تبعد الخطو وتغلو فِيهِ أَي تفرط والوهق المباراة فِي السّير وَقَالَ اللَّيْث المواهقة الْمُوَاظبَة فِي السّير وَمد الْأَعْنَاق وتواهقت الركاب تسايرت (مضبورة قرواء هرجاب فنق) المضبورة الْمَجْمُوعَة الْخلق المكتنزة والقرواء الطَّوِيلَة القرا بِالْفَتْح وَالْقصر وَهُوَ الظّهْر وَفِي الصِّحَاح وناقة قرواء طَوِيلَة السنام وَيُقَال الشَّدِيدَة الظّهْر بَينه القرا والهرجاب بِالْكَسْرِ وَالْجِيم الطَّوِيلَة الضخمة

стр. 83

من النوق والفنق بِضَم الْفَاء وَالنُّون النَّاقة الْفتية النَّاقة الْفتية وَلَا يُقَال لشَيْء من الذُّكُور فنق وَقيل المنعمة فِي عيشها وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَهِي الْفتية الضخمة وَهَذِه الْكَلِمَات الْأَرْبَع صِفَات للمغلاة (مائرة العضدين مصلات الْعُنُق) مار الشَّيْء يمور مورا تحرّك وَجَاء وَذهب أَي يمور ضبعاها لسعة إبطيها وَلَيْسَت بكنزة فرجعهما سريع والعضدان بِسُكُون الضَّاد مخفف من ضمهَا ويروي الضبعين بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وَهُوَ كالعضدين وزنا وَمعنى والمصلات بِالْكَسْرِ وَمثله الصلته بِالْفَتْح وَهِي الَّتِي انحسر الشّعْر عَن عُنُقهَا والهجينة تكون شعراء الْعُنُق وَقيل هِيَ الَّتِي تنصلت فِي السّير أَي تتقدم (مسودة الأعطاف من وسم الْعرق) مسودة مجرور كالمائرة والمصلات صِفَات للمغلاة يَقُول قد جهدت حَتَّى عرقت وتراكب عَلَيْهَا الْعرق واسود حَتَّى صَار وسما يُقَال وسمه وسما وسمه إِذا أثر فِيهِ بسمة وكي وروى من وشم بِالْمُعْجَمَةِ يُقَال وشم يَده وشما إِذا غرزها بإبرة ثمَّ ذَر عَلَيْهَا النئور وَهُوَ النّيل وَالِاسْم الوشم أَيْضا (إِذا الدَّلِيل استاف أَخْلَاق الطّرق) إِذا هُنَا ظرف وَلَيْسَت شَرْطِيَّة وَالْعَامِل فِيهَا مَا فِي كَأَن من معنى التَّشْبِيه واستاف شم يُقَال ساف يسوف سوفا إِذا شم وَذَلِكَ بِاللَّيْلِ

стр. 84

يشم الدَّلِيل التُّرَاب وأخلاق الطّرق الدارس مِنْهَا الَّتِي قد أخلقت وَاحِدهَا خلق بِفتْحَتَيْنِ شبهها بِالثَّوْبِ الْخلق لِأَن الِاسْتِدْلَال بشم التُّرَاب إِنَّمَا يكون فِي الطّرق الْقَدِيمَة الَّتِي كثر الْمَشْي فِيهَا فيوجد رَائِحَة الأرواث والأبوال (كَأَنَّهَا حقباء بلقاء الزلق) ضمير كَأَنَّهَا للناقة المغلاة والحقباء مؤنث الأحقب وَهُوَ حمَار الْوَحْش سمي بذلك لبياض فِي حقْوَيْهِ شبه النَّاقة بالأتان الوحشية وَهِي فِي الجلادة والسرعة مثلهَا والبلقاء مؤنث الأبلق والزلق عجز الدَّابَّة أَي الْمَكَان الَّذِي تزلق الْيَد عَن كفلها أَبيض وأسود (أَو جادر الليتين مطوي الحنق) فِي الْعباب وجدر ليته إِذا بَقِي فِيهَا جدر بِالتَّحْرِيكِ أَي أثر الكدم والعض وجادر بِمَعْنى ذُو جدر والليت بِالْكَسْرِ صفحة الْعُنُق وهما ليتان يَقُول عضته الفحول فَصَارَ فِي عنقة أثر ومطوي الحنق قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شَرحه يَقُول طوي بالحنق أَي بالضمر يُقَال أحنق إِذا ضمر وإبل محانيق أَي ضوامر وَفِي الصِّحَاح حمَار محنق ضمر من كَثْرَة الضراب شبه النَّاقة الَّتِي سلكت بِهِ هَذَا الْبَلَد الهائل مَمَره فِي الْوَقْت الَّذِي يحار الدَّلِيل فِي الطّرق الْقَدِيمَة الَّتِي لَا علم بهَا وَذَلِكَ آيَة الْهَلَاك بالأتان الوحشية أَو الْحمار الوحشي الموصوفين بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وَإِنَّمَا خصهما بالتشبيه لِكَوْنِهِمَا أجلد الوحوش وأسرع وجادر مَعْطُوف على حقباء (محملح أدرج الطلق) هَذَا وصف للحمار الوحشي والمحملج اسْم مفعول من حملج الْحَبل فتله فَتلا شَدِيدا وأوله مُهْملَة وَآخره مُعْجمَة وأدرج بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَيْضا

стр. 85

بِمَعْنى فتل وطوي وإدراج بِكَسْر الْهمزَة مصدر تشبيهي أَي كإدراج الطلق والطلق بِفتْحَتَيْنِ قيد من جُلُود وصف هَذَا الْحمار بالضمر واكتناز الْخلق وَذَلِكَ أَشد لعَدوه (لوح مِنْهُ بعد بدن وسنق) يُقَال لاحه السّفر ولوحه غَيره وأضمره وَضمير مِنْهُ لجادر الليتين وفاعل لوح قَود ثَمَان فِي الْبَيْت الثَّالِث بعد هَذَا وَمن للتَّبْعِيض وبدن بِضَم فَسُكُون وبضمتين السّمن والاكتناز تَقول مِنْهُ بدن الرجل بِالْفَتْح يبدن بدنا بِالضَّمِّ فيهمَا إِذا ضخم وَكَذَلِكَ بدن بدانة فَهُوَ بادن وَامْرَأَة بادن أَيْضا فِي الصِّحَاح والسنق بِفتْحَتَيْنِ البشم يُقَال شرب الفصيل حَتَّى سنق بِالْكَسْرِ يسنق بِالْفَتْح وَهُوَ كالتخمة قَالَ الْأَصْمَعِي والسنق كَرَاهَة الطَّعَام من كثرته على الْإِنْسَان حَتَّى لَا يشتهيه قيل لأعرابية أترين أحدا لَا يَشْتَهِي الخبيص قَالَت وَمن لَا يشتهيه إِلَّا من سنق مِنْهُ (من طول تعداء الرّبيع فِي الأنق) هَذَا عِلّة للسنق والأنق بِفتْحَتَيْنِ الْإِعْجَاب بالشَّيْء تَقول أنقت بِهِ من بَاب فَرح فَأَنا بِهِ أنق أَي معجب وَقَالَ الْأَصْمَعِي الأنق المنظر المعجب وَمِنْه أنيق يَعْنِي أَنه سنق من طول مَا عدا فِي الرّبيع فِي مَكَان أنيق (تلويحك الضامر يطوى للسبق) تلويحك مصدر تشبيهي مَنْصُوب بلوح الْمَذْكُور قبل وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْفَاعِل والضامر مفعول بِهِ يَقُول كَمَا تلوح أَنْت الْفرس الضامر تُرِيدُ أَن تسابق عَلَيْهِ ويطوى يجوع ويضمر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والسبق بِفتْحَتَيْنِ والسبقة بِالضَّمِّ مثله الْخطر وَالرَّهْن الَّذِي يوضع بَين أهل السباق وَالْجمع أسباق ...

стр. 86

(قَود ثَمَان مثل أمراس الأبق) قَود فَاعل لوح الْمُتَقَدّم وَهُوَ جمع قوداء بِمَعْنى الطَّوِيلَة الْعُنُق وَالظّهْر والأمراس جمع مرس وَهُوَ جمع مرسة بِمَعْنى الْحَبل والأبق بِفَتْح الْهمزَة وَالْمُوَحَّدَة القنب وَقيل قشر القنب وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ الْكَتَّان يفتل يَقُول هَذِه الأتن كَأَنَّهَا حبال من شدَّة طيها وَهَذِه الْأَوْصَاف مِمَّا تزيد فِي نشاط الْحمار وجريه فَإِذا كَانَت النَّاقة تشبهه فَلَا شَيْء أسْرع مِنْهَا (فِيهَا خطوط من سَواد وبلق) (كَأَنَّهُ فِي الْجلد توليع البهق) البلق بِفتْحَتَيْنِ والبلقة بِالضَّمِّ مثله وَهُوَ سَواد وَبَيَاض والتوليع استطالة البلق قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا كَانَ فِي الدَّابَّة ضروب من الألوان من غير بلق فَذَلِك التوليع يُقَال برذون مولع والملمع الَّذِي يكون فِي جسده بقع تخَالف سَائِر لَونه فَإِذا كَانَ فِيهِ استطالة فَهُوَ مولع والبهق كَمَا فِي الْمِصْبَاح بَيَاض مُخَالف للون الْجَسَد وَلَيْسَ ببرص وَقَالَ ابْن فَارس سَواد يعتري الْجلد أَو لون يُخَالف لَونه وَفعله من بَاب تَعب وَهُوَ أبهق وَهِي بهقاء وَجُمْلَة فِيهَا خطوط إِمَّا صفة ثَالِثَة لقود وَإِمَّا حَال مِنْهَا والرابط الضَّمِير وَبِه علم سُقُوط مَا نَقله شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضر الْموصِلِي من أَن الضَّمِير رَاجع إِمَّا إِلَى بقرة يصفها كَمَا فِي بعض الْحَوَاشِي أَو إِلَى أَفْرَاس كَمَا قَالَ جمَاعَة أَو إِلَى أتان كَمَا قَالَه ابْن دُرَيْد مَعَ أَنه لم يتَقَدَّم ذكر شَيْء من بقر وأفراس وَالْعجب مِنْهُ أَنه سطر الأرجوزة برمتها وَلم يتَأَمَّل مرجع الضَّمِير وَقَوله من سَواد وبلق بَيَان لِلْخُطُوطِ يُرِيد أَن بعض الخطوط من سَواد بحت وَبَعضهَا من سَواد يخالطه بَيَاض فالتقابل بَين سوادين وَجُمْلَة كَأَنَّهُ فِي الْجلد إِلَخ صفة لِلْخُطُوطِ

стр. 87

أَو للسواد والبلق والرابط الضَّمِير بتأويله باسم الْإِشَارَة وَاسم الْإِشَارَة مؤول بالمذكور وَنَحْوه وَإِنَّمَا لم يؤول بالمذكور ابْتِدَاء لِأَن التَّأْوِيل قد كثر فِي اسْم الْإِشَارَة كَمَا نقلوا عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ لرؤبة إِن كنت أردْت الخطوط فَقل كَأَنَّهَا وَإِن أردْت السوَاد والبلق فَقل كَأَنَّهُمَا فَقَالَ رؤبة أردْت كَأَن ذَلِك وَيلك وَتَأْويل اسْم الْإِشَارَة بالمذكور إِذا خَالف الْمشَار إِلَيْهِ جعله عُلَمَاء التَّفْسِير والعربية قانونا يرجع إِلَيْهِ عِنْد الِاحْتِيَاج وَخَرجُوا عَلَيْهِ آيَات مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِمَا عصوا﴾ بإفراد اسْم الْإِشَارَة مَعَ أَن الْمشَار إِلَيْهِ شَيْئَانِ الْكفْر وَالْقَتْل وَأورد هَذَا الْبَيْت نظيرا لَهُ وَزعم ابْن جني فِي الْمُحْتَسب أَنه لَو قَالَ قَائِل إِن الْهَاء فِي كَأَنَّهُ عَائِدَة على البلق وَحده لَكَانَ مصيبا لِأَن فِي البلق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من تشبيهه بالبهق فَلَا ضَرُورَة إِلَى إِدْخَال السوَاد مَعَه انْتهى وَفِيه أَن الْمُحدث عَنهُ هُوَ الخطوط وَهِي المشبهة بالبهق فإمَّا أَن يرجع الضَّمِير إِلَى الْمُبين الَّذِي هُوَ الْمُحدث عَنهُ أَو إِلَى الْبَيَان بِتَمَامِهِ وَأما إرجاعه إِلَى بعض الْبَيَان فَيلْزم تَشْبِيه بعضه دون بعض وَهَذَا لَيْسَ بمقصود بل المُرَاد تَشْبِيه الخطوط الَّتِي بَعْضهَا من سَواد بحت وَبَعضهَا من سَواد فِيهِ بَيَاض أَيْضا فَتَأمل وروى الْأَصْمَعِي كَأَنَّهَا أَيْضا بضمير الْمُؤَنَّث وَعَلَيْهَا فَلَا إِشْكَال وَفِي هَذِه الأرجوزة بَيت وَهُوَ (لواحق الأقراب فِيهَا كالمقق) أوردهُ الشَّارِح فِي حرف الْكَاف من حُرُوف الْجَرّ على أَن الْكَاف فِيهِ زَائِدَة ونشرحه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ورؤبة هُوَ أَبُو الجحاف بن العجاج عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر من بني مَالك بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم هُوَ وَأَبوهُ شاعران كل مِنْهُمَا لَهُ

стр. 88

ديوَان رجز وهما مجيدان فِيهِ عارفان باللغة وحشيها وغريبها وَهُوَ أَكثر شعرًا من أَبِيه وأفصح مِنْهُ رُوِيَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ أَنا أشعر مِنْك لِأَنِّي شَاعِر وَابْن شَاعِر وَأَنت شَاعِر فَقَط وَقيل ليونس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس قَالَ العجاج ورؤبة فَقيل لَهُ لم نعن الرجاز قَالَ هما أشعر أهل القصيد وَإِنَّمَا الشّعْر كَلَام فأجوده أشعره قَالَ ابْن عون مَا شبهت لهجة الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَّا بلهجة رؤبة وَحكي عَن يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ أَنه قَالَ كنت عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فَجَاءَهُ شبيل بن عزْرَة الضبعِي فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرو وَألقى إِلَيْهِ لبدة بغلته فَجَلَسَ إِلَيْهَا ثمَّ أقبل عَلَيْهِ يحدثه فَقَالَ شبيل يَا أَبَا عَمْرو سَأَلت رؤبتكم عَن اشتقاق اسْمه فَمَا عرفه قَالَ يُونُس فَلم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقلت لَعَلَّك تظن أَن معد بن عدنان أفْصح مِنْهُ وَمن أَبِيه أفتعرف أَنْت مَا الرؤبة وكررها خمْسا فَلم يحر جَوَابا وَقَامَ مغضبا فَقَالَ لي أَبُو عَمْرو هَذَا رجل شرِيف يزور مَجْلِسنَا وَيَقْضِي حقوقنا وَقد أَسَأْت بِمَا فعلت مِمَّا واجهته بِهِ فَقلت لم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقَالَ أوقد سلكت على تَقْوِيم النَّاس وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ قدم الْبَصْرَة راجز من رجاز الْعَرَب فَجَلَسَ إِلَى حَلقَة فِيهَا الشُّعَرَاء وَجعل يَقُول أَنا أرجز الْعَرَب أَنا الَّذِي أَقُول

стр. 89

(الرجز) (مَرْوَان يُعْطي وَسَعِيد يمْنَع ... مَرْوَان نبع وَسَعِيد خروع) وَالله أَنا أرجز من العجاج فليت الْبَصْرَة جمعت بيني وَبَينه ورؤبة والعجاج حَاضرا الْمجْلس فَقَالَ رؤبة لِأَبِيهِ قد أنصفك الرجل فَقُمْ إِلَيْهِ فَأقبل عَلَيْهِ وَقَالَ هأنا العجاج وزحف إِلَيْهِ قَالَ أَي العجاجين أَنْت قَالَ مَا خلتك تَعْنِي غَيْرِي أَنا عبد الله الطَّوِيل وَكَانَ يعرف بذلك فَقَالَ مَا عنيتك وَمَا قصدتك قَالَ كَيفَ وَقد هَتَفت باسمي وتمنيت أَن تَلقانِي قَالَ أَو مَا فِي الدُّنْيَا عجاج سواك قَالَ فَهَذَا ابْني رؤبة قَالَ اللَّهُمَّ غفرا إِنَّمَا مرادي غيركما فَضَحِك النَّاس وكفا عَنهُ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه الشّعْر وَالشعرَاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة دخلت على رؤبة وَهُوَ يجيل جرذانا فِي النَّار فَقلت أتأكلها قَالَ نعم إِنَّهَا خير من دجاجكم الَّتِي تَأْكُل الْعذرَة إِنَّهَا تَأْكُل الْبر وَالتَّمْر وَكَانَ رؤبة مُقيما بِالْبَصْرَةِ وَلحق الدولة العباسية كَبِيرا ومدح الْمَنْصُور وَأَبا مُسلم وَلما ظهر بهَا إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن عَليّ ﵁ وَخرج على الْمَنْصُور خَافَ على نَفسه من الْفِتْنَة فَخرج إِلَى الْبَادِيَة فَمَاتَ بهَا فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة كَذَا قيل وَهَذَا يُخَالف مَا رُوِيَ عَن يَعْقُوب قَالَ لقِيت الْخَلِيل بن أَحْمد يَوْمًا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ لي يَا أَبَا عبد الله دفنا الشّعْر واللغة والفصاحة الْيَوْم فَقلت لَهُ وَكَيف ذَاك فَقَالَ هَذَا حِين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج

стр. 90

وَله أر لَهُ فِي ديوانه من غير الرجز إِلَّا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (الْخَفِيف) (أَيهَا الشامت الْمُعير بالشيب ... أقلن بالشباب افتخارا) (قد لبست الشَّبَاب غضا طريا ... فَوجدت الشَّبَاب ثوبا معارا) وبيتين آخَرين وهما (الوافر) (إِذا مَا الْمَوْت أقبل قبل قوم ... أكب الْحَظ وانتقص العديد) (أرانا لَا يفِيق الْمَوْت عَنَّا ... كَأَن الْمَوْت إيانا يكيد) وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه رؤبة ثَلَاثَة أحدهم هَذَا وَالثَّانِي رؤبة بن العجاج بن شدقم الْبَاهِلِيّ وَهُوَ وَأَبوهُ شاعران وكنية هَذَا أَبُو بيهس وَمن شعره (الرجز) (قَالَت لنا وَقَوْلها أحزان ... ذرْوَة وَالْقَوْل لَهُ بَيَان) (يَا أبتا أرقني القذان ... فالنوم لَا تطعمه العينان) (من وخز برغوث لَهُ أَسْنَان ... وللبعوض فَوْقه دندان الدندنة الْكَلَام الَّذِي لَا يفهم والقذان جمع قذذ وَهُوَ البرغوث وَالثَّالِث رؤبة بن عَمْرو بن ظهير الثَّعْلَبِيّ أحد بني ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض (تَتِمَّة) رؤبة اسْم مَنْقُول إِمَّا من رؤبة بِالْهَمْز وَهِي قِطْعَة ترأب بهَا الشَّيْء أَي تشده بهَا قَالَ صَاحب أدب الْكَاتِب فِي بَاب مَا يُغير من أَسمَاء النَّاس

стр. 91

إِن رؤبة بن العجاج بِالْهَمْز لَا غير وَهَذَا الْحصْر بَاطِل لِأَن المهموز فِي مثله يجوز تَخْفيف همزَة بِلَا خلاف وَقد نقض قَوْله هَذَا بِمَا ذكره فِي أَوَائِل الْكتاب فِي بَاب المسمين بِالصِّفَاتِ وَغَيرهَا فَيجوز أَن يكون مهموزا وَغير مَهْمُوز فَإِنَّهُ قَالَ روبة اللَّبن خميرة تلقي فِيهِ من الحامض ليروب وروبة اللَّيْل سَاعَة مِنْهُ وَيُقَال فلَان لَا يقوم بروبة أَهله أَي بِمَا أسندوا إِلَيْهِ من حوائجهم غير مَهْمُوز ورؤبة بِالْهَمْز قِطْعَة ترأب بهَا الشَّيْء وَإِنَّمَا سمي رؤبة بِوَاحِدَة من هَذِه فَذكر لغير المهموز ثَلَاثَة معَان وَبَقِي لَهُ معَان آخر رَابِعهَا روبة الْفرس وَهِي طرقه فِي جمامة خَامِسهَا يُقَال أَرض روبة أَي كَرِيمَة سادسها شجر الزعرور سابعها روبة الرجل عقله ثامنها الفترة والكسل من كَثْرَة شرب اللَّبن تاسعها اللَّبن الَّذِي فِيهِ زبدة وَالَّذِي نزع زبده فَهُوَ من الأضداد وَله معَان آخر قَالَ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قيل سمي روبة لِأَنَّهُ ولد نصف اللَّيْل وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس (الْبَسِيط) (ياما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر) أوردهُ على أَن التصغير فِي فعل التَّعَجُّب رَاجع إِلَى الْمَفْعُول المتعجب مِنْهُ أَي هن مليحات والتصغير للشفقة وأنشده فِي بَاب التَّعَجُّب أَيْضا على

стр. 92

أَن الْكُوفِيّين غير الْكسَائي زَعَمُوا اسميته وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهَا بتصغيره فِي نَحْو الْبَيْت وَهَذَا جَوَاب س قَالَ الشاطبي وَعلل ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهُم أَرَادوا تَصْغِير الْمَوْصُوف بالملاحة كَأَنَّك قلت مليح لكِنهمْ عدلوا عَن ذَلِك وهم يعنون الأول وَمن عَادَتهم أَن يلفظوا بالشَّيْء وهم يُرِيدُونَ شَيْئا آخر وَقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي فِي كِتَابه الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف جَمِيع أَدِلَّة الْكُوفِيّين مَعَ أجوبة الْبَصرِيين عَنْهَا فَقَالَ وَمن جملَة أدلتهم أَنهم استدلوا على أسميته بِالتَّصْغِيرِ وَأجَاب عَنهُ بِثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن التصغير فِي هَذَا الْفِعْل لَيْسَ على حد التصغير فِي الْأَسْمَاء فَإِنَّهُ على اخْتِلَاف ضروبه من التحقير والتقليل والتقريب والتحزن والتعطف كَقَوْلِه أصيحابي أصيحابي والتعظيم كَقَوْلِه (الطَّوِيل) (دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل) والتمدح كَقَوْلِه (أَنا جذيلها المحكك) فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الِاسْم لفظا وَمعنى والتصغير اللَّاحِق فعل التَّعَجُّب إِنَّمَا يتَنَاوَلهُ لفظا لَا معنى من حَيْثُ كَانَ مُتَوَجها إِلَى الْمصدر وَإِنَّمَا رفضوا ذكر الْمصدر هَاهُنَا لِأَن الْفِعْل إِذا أزيل عَن التَّصَرُّف لَا يُؤَكد بِذكر الْمصدر لِأَنَّهُ خرج عَن مَذْهَب الْأَفْعَال فَلَمَّا رفضوا الْمصدر وأثروا تصغيره صغروا الْفِعْل لفظا ووجهوا التصغير إِلَى الْمصدر وَجَاز تَصْغِير الْمصدر بتصغير فعله لِأَن الْفِعْل يقوم فِي الذّكر مقَام مصدره لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ وَلِهَذَا يعود الضَّمِير إِلَى الْمصدر بِذكر فعله وَإِن لم يجر

стр. 93

لَهُ ذكر فَكَمَا يجوز عود الضَّمِير إِلَى الْمصدر وَإِن لم يجر لَهُ ذكر اسْتغْنَاء بِذكر فعله فَكَذَلِك يجوز أَن يتَوَجَّه التصغير اللَّاحِق لفظ الْفِعْل إِلَى مصدره وَإِن لم يجر لَهُ ذكر وَنَظِيره إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْفِعْل نَحْو هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الْمَقْصُود بِالْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل مصدره من حَيْثُ كَانَ ذكر الْفِعْل يقوم مقَام ذكر مصدره فَكَمَا أَن هَذِه الْإِضَافَة لفظية لَا اعْتِدَاد بهَا فَكَذَلِك التصغير لَفْظِي لَا اعْتِدَاد بِهِ الْوَجْه الثَّانِي إِنَّمَا دخله التصغير حملا على بَاب أفعل التَّفْضِيل لاشتراك اللَّفْظَيْنِ فِي التَّفْضِيل وَالْمُبَالغَة إِلَّا ترى أَنَّك تَقول مَا أحسن زيدا لمن بلغ الْغَايَة فِي الْحسن كَمَا تَقول زيد أحسن الْقَوْم فتجمع بَينه وَبينهمْ فِي أصل الْحسن وتفضله عَلَيْهِم وَالثَّالِث إِنَّمَا دخله التصغير لِأَنَّهُ ألزم طَريقَة وَاحِدَة فَأشبه بذلك الْأَسْمَاء فدخله بعض أَحْكَامهَا وَحمل الشَّيْء على الشَّيْء فِي بعض أَحْكَامه لَا يُخرجهُ عَن أَصله أَلا ترى أَن اسْم الْفَاعِل مَحْمُول على الْفِعْل فِي الْعَمَل وَلم يخرج بذلك عَن كَونه اسْما وَكَذَلِكَ الْمُضَارع مَحْمُول على الِاسْم فِي الْإِعْرَاب وَلم يخرج بذلك عَن كَونه فعلا ا. هـ. ويَا حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف أَي يَا صَاحِبي وَنَحْوه والملاحة الْبَهْجَة وَحسن المنظر وَفعله ملح الشَّيْء بِالضَّمِّ ملاحة وملح الرجل وَغَيره ملحا من بَاب تَعب اشتدت زرقته وَهُوَ الَّذِي يضْرب إِلَى الْبيَاض فَهُوَ أَمْلَح وَهِي ملحاء وَالِاسْم الملحة كغرفة والغزلان جمع غزال وَهُوَ ولد الظبية قَالَ أَبُو حَاتِم الظبي أول مَا يُولد هُوَ طلا ثمَّ هُوَ غزال وَالْأُنْثَى غزالة فَإِذا قوي وتحرك فَهُوَ شادن فَإِذا بلغ شهرا فَهُوَ شصر بِمُعْجَمَة ومهملة مفتوحتين فَإِذا بلغ سِتَّة أشهر أَو سَبْعَة فَهُوَ جداية بِفَتْح الْجِيم للذّكر وَالْأُنْثَى وَهُوَ خشف أَيْضا والرشأ الفتي من الظباء فَإِذا أثنى فَهُوَ ظَبْي

стр. 94

وَلَا يزَال ثنيا حَتَّى يَمُوت وَالْأُنْثَى ثنية وظبية والثني الَّذِي يلقِي ثنيته أَي سنة من ذَوَات الظلْف والحافر فِي السّنة الثَّالِثَة يُقَال أثنى فَهُوَ ثني فعيل بِمَعْنى فَاعل وشدن ماضي شدن الغزال بِالْفَتْح يشدن بِالضَّمِّ شدونا قوي وطلع قرناه وَاسْتغْنى عَن أمه وَرُبمَا قَالُوا شدن الْمهْر وأشدنت الظبية فَهِيَ مشدن إِذا شدن وَلَدهَا النُّون الثَّانِيَة ضمير الغزلان وَجُمْلَة شدن صفة غزلان وَلنَا وَمن متعلقان بشدن وَقَوله (من هؤليائكن) هُوَ مصغر هَؤُلَاءِ شذوذا وَأَصله أَولا بِالْمدِّ وَالْقصر وَهَا للتّنْبِيه وَهُوَ اسْم إِشَارَة يشار بِهِ إِلَى جمع سَوَاء كَانَ مذكرا أَو مؤنثا عَاقِلا أم غير عَاقل وَالْكَاف حرف خطاب وَالنُّون حرف أَيْضا لجمع الْإِنَاث وَقد اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة على دُخُول هَا التَّنْبِيه وعَلى تصغيره شذوذا وَقد رَوَاهُ الْجَوْهَرِي (من هؤلياء بَين الضال والسمر) وَقَالَ وَلم يصغروا من الْفِعْل غير هَذَا وَغير قَوْلهم مَا احيسنه والضال صفة اسْم الْإِشَارَة أَو عطف بَيَان والضال السدر الْبري جمع ضَالَّة وَلِهَذَا صَحَّ إتباعه لاسم الْإِشَارَة إِلَى الْجمع وألفه منقلبة من الْيَاء والسدر شجر النبق الْوَاحِدَة سِدْرَة وَمَا نبت مِنْهُ على شطوط الْأَنْهَار فَهُوَ العبري نِسْبَة إِلَى العبر بِالضَّمِّ وَهُوَ شط النَّهر وجانبه والسمر بِفَتْح السِّين وَضم الْمِيم جمع سَمُرَة وَهُوَ شجر الطلح والطلح نوع من العضاه وَهُوَ شجر عِظَام والعضاه بِكَسْر الْعين جمع عضاهة وَهُوَ كل شجر عَظِيم وَله شوك

стр. 95

وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات ذكرهَا هِشَام فِي شرح شواهده وَهِي (الْبَسِيط) (حوراء لَو نظرت يَوْمًا إِلَى حجر ... لأثرت سقما فِي ذَلِك الْحجر) (يزْدَاد توريد خديها إِذا لحظت ... كَمَا يزِيد نَبَات الأَرْض بالمطر) (فالورد وجنتها وَالْخمر ريقتها ... وضوء بهجتها أضوا من الْقَمَر) (يامنء رأى الْخمر فِي غير الكروم وَمن ... هَذَا رأى نبت ورد فِي سوى الشّجر) (كَادَت ترف عَلَيْهَا الطير من طرب ... لما تغنت بتغريد على وتر) (بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا ... ليلاي مِنْكُن أم ليلى من الْبشر) (ياما أميلح غزلانا شدن لنا الْبَيْت) وروى العباسي فِي معاهد التَّنْصِيص عَن بَعضهم أَنه من أَبْيَات لبَعض الْأَعْرَاب وَذكرهَا فِي الدمية للباخرزي أَنه أول أَبْيَات ثَلَاثَة لبدوي اسْمه كَامِل الثَّقَفِيّ ثَانِيهَا بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا الْبَيْت وَثَالِثهَا (إنسانة الْحَيّ أم أدمانة السمر ... بِالنَّهْي رقصها لحن من الْوتر) وَقَالَ الْعَيْنِيّ إِنَّه من قصيدة للعرجي وَمِنْهَا بِاللَّه يَا ظبيات القاع الْبَيْت وَهَذَا الْبَيْت قد رُوِيَ للمجنون وَلِذِي الرمة وللحسين بن عبد الله وَالله أعلم

стр. 96

ثمَّ رَأَيْت الصَّاغَانِي قَالَ فِي الْعباب يَقُولُونَ مَا أميلح زيدا وَلم يصغروا من الْفِعْل غَيره وَغير قَوْلهم مَا أحيسنه قَالَ الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن العريني (بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا الْبَيْت) (بَانَتْ لنا بعيون من براقعها ... مَمْلُوءَة مقل الغزلان وَالْبَقر) ياما أميلح غزلان ضدن لنا ا. هـ. والأدمانة قَالَ الْجَوْهَرِي والأدم من الظباء بيض تعلوهن جدد فِيهِنَّ غبرة تسكن الْجبَال يُقَال ظَبْيَة أدماء وَقد جَاءَ فِي شعر ذِي الرمة أدمانة قَالَ (الْبَسِيط) (أَقُول للركب لما عارضت أصلا ... أدمانة لم تربيها الأجاليد وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي وَالنَّهْي بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْهَاء الغدير فِي لُغَة نجد) وَغَيرهم يَقُول بِالْفَتْح كَذَا فِي الصِّحَاح وَقَالَ السخاوي فِي شرح الْمفصل والنحاة ينشدون ياما أميلح غزلانا الْبَيْت ظنا مِنْهُم أَنه شعر قديم وَإِنَّمَا هُوَ لعَلي بن مُحَمَّد العريني وَهُوَ مُتَأَخّر وَكَانَ يروم التَّشَبُّه بطريقة الْعَرَب فِي الشّعْر وَله مدح فِي عَليّ بن عِيسَى وَزِير المقتدر وَقتل المقتدر فِي شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَنسبه قوم من النُّحَاة إِلَى مَجْنُون بني عَامر وأنشدوا مَعَه بِاللَّه يَا ظبيات القاع الْبَيْت وَالصَّحِيح مَا قَدمته ا. هـ. والعرجي اسْمه عبد الله وَهُوَ أموي وَإِنَّمَا لقب العرجي لِأَنَّهُ كَانَ يسكن العرج قَالَ فِي الصِّحَاح وَالْعَرج منزل بطرِيق مَكَّة وَإِلَيْهِ

стр. 97

ينْسب العرجي الشَّاعِر وَلم يكن لَهُ نباهة فِي أَهله مَاتَ فِي حبس مُحَمَّد بن هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي وَهُوَ خَال هِشَام بن عبد الْملك وَكَانَ واليا بِمَكَّة بعد ضرب كثير وتشهير فِي الْأَسْوَاق لِأَنَّهُ شَبَّبَ بِأُمِّهِ ليفضحه لَا لمحبة كَانَت بَينه وَبَينهَا وَقَالَت فِي حَبسه قصيدته الَّتِي مِنْهَا (الوافر) (كَأَنِّي لم أكن فيهم وَسِيطًا ... وَلم تَكُ نسبتي من آل عَمْرو) (أضاعوني وَأي فتي أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر) وَكَانَ من الفرسان الْمَعْدُودين مَعَ مسلمة بن عبد الْملك بِأَرْض الرّوم وترجمته مَعَ أَحْوَاله مفصلة فِي الأغاني والمعاهد (المعرب والمبني) وَأنْشد فِي بَاب المعرب وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ الْبَيْت السَّابِع (تكتبان فِي الطَّرِيق لَام ألف) على أَن مَقْصُود الشَّاعِر اللَّام والهمزة لَا صُورَة لَا فَيكون مَعْنَاهُ أَنه تَارَة يمشي مُسْتَقِيمًا فتخط رِجْلَاهُ خطا شَبِيها ب الْألف وَتارَة يمشي معوجا فتخط رِجْلَاهُ خطا شَبِيها ب اللَّام وَعَلِيهِ فَالظَّاهِر أَن يَقُول لاما والفا وَوَجهه أَنه حذف التَّنْوِين من الأول من بَاب الْوَصْل بنيه الْوَقْف وَحذف العاطف ووقف على الثَّانِي على لُغَة ربيعَة وَلَيْسَ فِي وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة ضَرُورَة وَوجه هَذَا الْبَيْت ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة بِوَجْهَيْنِ آخَرين فَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ كَأَنَّهُمَا تخطان حُرُوف المعجم لَا يُرِيد بَعْضهَا دون بعض وَقد يُمكن أَنه أَرَادَ بقوله لَام ألف شكل لَا فَإِنَّهُ تَلقاهُ من أَفْوَاه الْعَامَّة لِأَن الْخط لَيْسَ لَهُ تعلق بالعرب وَلَا عَنْهُم يُؤْخَذ وَقَول من لَا خبْرَة لَهُ بحروف

стр. 98

المعجم كالمعلمين لَام ألف خطأ وصواب النُّطْق بِهِ لَا فَإِنَّهُ اسْم الْألف اللينة الَّتِي تكون قبل الْيَاء فِي آخر حُرُوف المعجم وَفِيمَا قَالَه نظر من وَجْهَيْن الأول قَالَ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي نِسْبَة الْعَرَبِيّ الفصيح إِلَى أَنه اعْتمد فِي النُّطْق على الْعَامَّة أَمر بعيد لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَقَوله لِأَن الْخط لَا تعلق لَهُ بالفصاحة سَاقِط لِأَن مَا صدر عَنهُ لفظ لَا خطّ. الثَّانِي أَن قَوْله لَام ألف خطأ مَمْنُوع فَإِنَّهُ قد ورد فِي الشّعْر أنْشد أَبُو زيد فِي نوادره لراجز يصف جنديا وَقيل غرابا (الرجز) (يخط لَام الف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) وَسَيَأْتِي شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد هَذَا وَأما مَا أوردهُ أَبُو بكر الشنواني فِي جَوَاب أسئلة السُّيُوطِيّ السَّبع بقوله قَالَ روى أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ ﵁ أَنه قَالَ سَالَتْ رَسُول الله فَقلت يَا رَسُول الله كل نَبِي يُرْسل بِمَ يُرْسل قَالَ بِكِتَاب منزل قلت يَا رَسُول الله أَي كتاب أنزلهُ الله على آدم قَالَ كتاب المعجم ألف با تا ثا إِلَى آخرهَا قلت يَا رَسُول الله كم حرفا قَالَ تِسْعَة وَعِشْرُونَ قلت يَا رَسُول الله عددت ثَمَانِيَة وَعشْرين فَغَضب رَسُول الله حَتَّى احْمَرَّتْ عَيناهُ ثمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَر وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا مَا أنزل الله على آدم إِلَّا تِسْعَة وَعشْرين حرفا قلت أَلَيْسَ فِيهَا ألف وَلَام فَقَالَ لَام ألف حرف وَاحِد قَالَ أنزلهُ الله تَعَالَى على آدم فِي صحيفَة وَاحِدَة وَمَعَهُ سَبْعُونَ ألف ملك من خَالف لَام ألف فقد كفر بِمَا أنزل عَليّ من لم يعد لَام ألف فَهُوَ بَرِيء مني وَأَنا بَرِيء مِنْهُ وَمن لم يُؤمن

стр. 99

بالحروف وَهِي تِسْعَة وَعِشْرُونَ لَا يخرج من النَّار أبدا ا. هـ. فَهُوَ مَوْضُوع قَالَ ابْن عراق سُئِلَ عَنهُ ابْن تَيْمِية فَقَالَ لَا أصل لَهُ ولوائح الْوَضع عَلَيْهِ ظَاهِرَة وَلَا سِيمَا فِي آخِره فَهُوَ كذب قطعا ا. هـ. ؟ وعَلى هَذَا فَالْفرق بَين لَا وَبَين لَام ألف أَن لَا اسْم الْألف اللينة وَلَام ألف اسْم لَا لِأَنَّهَا على صُورَة اللَّام والهمزة إِذا كتبَتَا مَعًا وَعلم مِمَّا تقدم أَن بَيت الشَّاهِد إِنَّمَا هُوَ بِإِضَافَة لَام إِلَى ألف بِكَوْن أصل لَام ألف مركبا مزجيا فأعرب بِإِضَافَة أحد الجزءين إِلَى الآخر على أحد الْوُجُوه لَا كَمَا زَعمه الشَّارِح وَتَبعهُ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي ثمَّ قَالَ ابْن جني وَإِنَّمَا لم يجز أَن تفرد الْألف اللينة من اللَّام وتقام بِنَفسِهَا كَمَا أقيم سَائِر حُرُوف المعجم سواهَا بأنفسها من قبل أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا سَاكِنة تَابِعَة للفتحة والساكن لَا يُمكن ابتداؤه فدعمت بِاللَّامِ ليَقَع الِابْتِدَاء بهَا وَيُؤَيّد هَذَا أَن وَاضع حُرُوف المعجم إِنَّمَا رسمها منثورة غير منظومة فَلَو كَانَ غَرَضه فِي لَا إِن يرينا كَيْفيَّة تركب اللَّام مَعَ الْألف للزمه أَيْضا أَن يرينا كَيفَ تركب الْجِيم مَعَ الطَّاء وَالْقَاف مَعَ التَّاء وَغير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده وَإِنَّمَا غَرَضه التَّوَصُّل إِلَى النُّطْق بِالْألف فدعم بِاللَّامِ ليمكن الِابْتِدَاء بِهِ فَإِن قيل مَا بالهم دعموه بِاللَّامِ دون سَائِر الْحُرُوف أُجِيب بِأَنَّهُم خصوا اللَّام من قبل إِنَّهُم لما احتاجوا لسكون لَام التَّعْرِيف إِلَى حرف يَقع الِابْتِدَاء بِهِ قبلهَا أَتَوا بِالْهَمْزَةِ فَقَالُوا الْغُلَام فَكَمَا أدخلُوا الْألف قبل اللَّام كَذَلِك أدخلُوا اللَّام قبل الْألف ليَكُون ذَلِك ضربا من التقارض ا. هـ. وَاعْترض عَلَيْهِ الدماميني بِأَن الَّذِي توصل بِهِ إِلَى النُّطْق بلام التَّعْرِيف

стр. 100

هُوَ الْهمزَة لَا الْألف وَالَّذِي توصل بِاللَّامِ إِلَى النُّطْق بِهِ هُوَ الْألف الهوائي لَا الْهمزَة فَلَا تقارض ا. هـ. وَفِيه أَنَّهُمَا أَخَوان يُبدل كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر فتبدل الْهمزَة ألفا فِي نَحْو رَأس وتبدل الْألف همزَة فِي نَحْو دأبة وشأبة وحبلأ فِي الْوَقْف وَفِي هَذَا الْقدر من الِاشْتِرَاك يتَحَقَّق التقارض وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ على أَنه ألْقى حَرَكَة ألف على مِيم لَام وَكَذَلِكَ أوردهُ الشَّارِح فِي شرح الشافية أَيْضا فِي بَاب التقاء الساكنين على أَنه نقل حَرَكَة همزَة ألف إِلَى مِيم لَام كَمَا نقلت حَرَكَة همزَة أَرْبَعَة إِلَى الْهَاء فِي قَوْلك ثَلَاثَة أَرْبَعَة إِذا صلت ثَلَاثَة بِمَا بعْدهَا وَهَذَا الْبَيْت ثَالِث أَبْيَات ثَلَاثَة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وَهِي (الرجز) (خرجت من عِنْد زِيَاد كالخرف ... تخط رجلاي بِخَط مُخْتَلف) (تكتبان فِي الطَّرِيق لَام ألف) قَالَ المرزباني فِي الموشح وَهُوَ طَبَقَات الشُّعَرَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أَخْبرنِي الصولي قَالَ حَدثنَا الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بن سَلام لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وَكَانَ لَهُ صديق يسْقِيه الشَّرَاب فَيَنْصَرِف من عِنْده ثملا (أخرج من عِنْد زِيَاد كالخرف الأبيات) قَالَ الصولي وَقد عيب أَبُو النَّجْم بِهَذَا فَقيل لَوْلَا أَنه كَانَ يكْتب مَا عرف صُورَة لَام ألف وعناقها لَهَا ا. هـ. وَقد عرفت مَا فِيهِ وَرُوِيَ أَيْضا ...

стр. 101

أَقبلت من عِنْد زِيَاد إِلَخ) والخرف صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من بَاب تَعب فسد عقله لكبره وَخط على الأَرْض خطا أعلم عَلامَة وَخط بِيَدِهِ خطا كتب وَكتب يُقَال بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل والتثقيل هُنَا لتكثير الْفِعْل وَأَبُو النَّجْم هُوَ الْفضل بن قدامَة بن عبيد الله بن عبد الله بن الْحَارِث ابْن عَبدة بن الْحَارِث بن الياس بن العوف بن ربيعَة بن مَالك بن عجل بن لجيم بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل وَهُوَ أحد رجاز الْإِسْلَام الْمُتَقَدِّمين فِي الطَّبَقَة الأولى قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء هُوَ أبلغ من العجاج فِي النَّعْت قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء كَانَ أَبُو النَّجْم ينزل سوق الْكُوفَة وراجز العجاج فَخرج إِلَيْهِ العجاج على نَاقَة لَهُ كوماء وَعَلِيهِ ثِيَاب حسان وَخرج أَبُو النَّجْم على جمل مهنوء وَعَلِيهِ عباءة فَأَنْشد العجاج (الرجز) (قد جبر الدَّين الْإِلَه فجبر) وَأنْشد أَبُو النَّجْم (تذكر الْقلب وجهلا مَا ذكر) حَتَّى بلغ قَوْله (إِنِّي وكل شَاعِر من الْبشر ... شَيْطَانه أنثي وشيطاني ذكر) (فَمَا رَآنِي شَاعِر إِلَّا استتر ... فعل نُجُوم اللَّيْل عاين الْقَمَر) فَبينا هُوَ ينشد إِذْ وثب جمله على نَاقَة العجاج فَضَحِك النَّاس وَانْصَرفُوا يَقُولُونَ (شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر)

стр. 102

وَقَالَ لَهُ هِشَام بن عبد الْملك يَوْمًا يَا أَبَا النَّجْم حَدثنِي قَالَ عني أَو عَن غَيْرِي قَالَ بل عَنْك قَالَ إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل أبول فَخرج مني صَوت فتشددت ثمَّ عدت فَخرج مني صَوت آخر فأويت إِلَى فِرَاشِي فَقلت يَا أم الْخِيَار هَل سَمِعت شَيْئا قَالَت لَا وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا فَضَحِك هِشَام وَأحسن إِلَيْهِ بصلَة وَله مَعَه نَوَادِر ومضحكات مَذْكُورَة فِي الأغاني وَغَيرهَا وسنورد لَهُ إِن شَاءَ الله مِنْهَا إِذا ورد شَاهد من شعره وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن (الطَّوِيل) (تداعين باسم الشيب فِي متثلم) على أَن اسْم الصَّوْت إِنَّمَا أعرب فِي هَذَا للتركيب وَإِن كَانَ بِنَاؤُه أَصْلِيًّا يُرِيد أَن أَسمَاء الْأَصْوَات إِذا ركبت جَازَ إعرابها اعْتِبَارا بالتركيب الْعَارِض بِشَرْط إِرَادَة اللَّفْظ لَا الْمَعْنى كَمَا يجوز إِعْرَاب الْحُرُوف إِذا قصد ألفاظها وَالْإِعْرَاب مَعَ اللَّام أَكثر من الْبناء لكَونه عَلامَة الِاسْم الَّذِي أَصله الْإِعْرَاب لَكِنَّهَا لَا توجبه بِدَلِيل الْآن وَالَّذِي والخمسة عشر كَذَا فَصله الشَّارِح فِي بَاب الصَّوْت وَعجز هَذَا المصراع (جوانبه من بصرة وَسَلام) وَهُوَ من قصيدة لذِي الرمة يمدح بهَا إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَقبل بَيت الشَّاهِد

стр. 103

(الطَّوِيل) (وَكم عسفت من منهل متخطأ ... أفل وَأقوى فالجمام طوامي) (إِذا مَا وردنا لم نصادف بجوفه ... سوى واردات من قطا وحمام) (إِذا ساقيانا أفرغا فِي إزائه ... على قلص بالمقفرات حيام) (تداعين باسم الشيب الْبَيْت) يصف قطعه القفار على إبِله والعسف الْأَخْذ على غير هدى وَالضَّمِير الْمُسْتَتر رَاجع إِلَى الْإِبِل العيس والمنهل المورد وَهُوَ عين مَاء ترده الْإِبِل والمنهل المتخطأ الَّذِي تخطأه النَّاس فَلم ينزلوه وأفل بِالْفَاءِ فعل مَاض بِمَعْنى لم يصبهُ مطر وَهُوَ مَعَ ضميرَة صفة لمنهل وَهَذَا سَبَب كَون النَّاس لم ينزلُوا فِيهِ يُقَال أَرض فل بِالْكَسْرِ لَا نَبَات فِيهَا لعدم الْمَطَر وَأقوى بِمَعْنى خلا يُقَال أقوت الدَّار وقويت أَيْضا أَي خلت والجمام بِكَسْر الْجِيم جمع جمة بضَمهَا وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي اجْتمع فِيهِ مَاؤُهُ وطوامي مَمْلُوءَة جمع طام اسْم فَاعل من طما المَاء يطمو طموا كسمو إِذا ارْتَفع وملأ النَّهر وساقيانا تَثْنِيَة سَاق وَهُوَ من يَسْتَقِي المَاء من الْبِئْر والإزاء بِكَسْر الْهمزَة وَالزَّاي مُعْجمَة مصب المَاء فِي الْحَوْض قَالَ أَبُو زيد هُوَ صَخْرَة وَمَا جعلت وقاية على مصب المَاء حِين يفرغ المَاء وَيُقَال أزيت الْحَوْض تأزية وآزيته بِالْمدِّ إزاء وعَلى قلص مُتَعَلق بأفرغا والقلص بِضَمَّتَيْنِ جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة والحيام بِكَسْر الْمُهْملَة جمع حوم والحوم بِالْفَتْح القطيع الضخم من الْإِبِل وب المقفرات صفة لقلص من أقفرت الدَّار إِذا خلت وتداعين دَعَا بعض القلص بَعْضًا وروى تنادين من النداء وَالْجُمْلَة جَوَاب إِذا والشيب بِالْكَسْرِ حِكَايَة أصوات مشافر الْإِبِل عِنْد الشّرْب وَالصَّوْت شيب شيب جعل هَذَا الصَّوْت مِمَّا يدعوهن

стр. 104

إِلَى الشّرْب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْإِضَافَة الْكَلَام على إِضَافَة اسْم إِلَى الشيب والمتثلم المتكسر والمتهدم أَرَادَ فِي حَوْض متثلم فَحذف الْمَوْصُوف لدلَالَة مصب الْحَوْض عَلَيْهِ يُقَال ثلمته من بَاب ضرب كَسرته فانثلم وتثلم وَالْبَصْرَة بِفَتْح الْبَاء حِجَارَة رخوة فِيهَا بَيَاض وَبِه سميت الْبَصْرَة وَالسَّلَام بِكَسْر الْمُهْملَة جمع سَلمَة بِفَتْحِهَا وَكسر اللَّام وَهِي الْحِجَارَة وَذُو الرمة هُوَ غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ ابْن عقبَة من بني صَعب بن مَالك بن عدي بن عبد مَنَاة ويكنى أَبَا الْحَارِث وَسمي ذَا الرمة بقوله (لم يبْق فِيهَا أَبَد الأبيد ... غير ثَلَاث ماثلات سود) (وَغير مرضوخ الْقَفَا موتود ... أَشْعَث بَاقِي رمة التَّقْلِيد) والرمة بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم قِطْعَة من الْحَبل الْخلق وَيجوز كسرهَا وَقَالَ ثَعْلَب إِن مية لقبته بذلك وَذَلِكَ أَنه مر بخبائها قبل أَن يشبب بهَا فرآها فَأَعْجَبتهُ فَأحب الْكَلَام مَعهَا فخرق دلوه وَأَقْبل إِلَيْهَا وَقَالَ يَا فتاة أخرزي لي هَذَا الدَّلْو فَقَالَت إِنَّنِي خرقاء والخرقاء الَّتِي لَا تحسن عملا فَخَجِلَ غيلَان وَوضع دلوه على عُنُقه وَهِي مشدودة بِقِطْعَة حَبل بَال وَولى رَاجعا فَعلمت مية مَا أَرَادَ فَقَالَت يَا ذَا الرمة انْصَرف فَانْصَرف فَقَالَت لَهُ إِن كنت أَنا خرقاء فَإِن أمتِي صناع فاجلس حَتَّى تخرز دلوك ثمَّ دعت أمتها قَالَت أخرزي لَهُ هَذَا الدَّلْو وَكَانَ ذُو الرمة يُسَمِّي مية خرقاء لقولها إِنَّنِي خرقاء وَغلب عَلَيْهِ ذُو الرمة لقولها يَا ذَا الرمة ا. هـ.

стр. 105

وَهَذَا خلاف مَا نَقله ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء أَن مية بنت فلَان ابْن طلبة ابْن قيس وَهِي غير الخرقاء فَإِن الخرقاء من بني الْبكاء بن عَامر وَكَانَ سَبَب تشبيبه بهَا أَنه مر فِي بعض أسفارة بِبَعْض الْبَوَادِي وَإِذا خرقاء خَارجه من خباء لَهَا فَنظر إِلَيْهَا فَوَقَعت فِي قلبه فخرق إداوته ودنا مِنْهَا وَقَالَ إِنِّي رجل على ظهر سفر وَقد تخرقت إدواتي فأصلحيها يستطعم بذلك كَلَامهَا فَقَالَت وَالله إِنِّي مَا أحسن الْعَمَل وَإِنِّي لخرقاء والخرقاء الَّتِي لَا تعْمل بِيَدِهَا شَيْئا لكرامتها على أَهلهَا فشبب بهَا وسماها خرقاء وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَحول سمي ذَا الرمة لِأَنَّهُ خشِي عَلَيْهِ الْعين وَهُوَ غُلَام فَأتي بِهِ إِلَى شيخ من الْحَيّ وصنع لَهُ معَاذَة وشدت فِي عضده بِحَبل وَالْمَشْهُور القَوْل الأول قَالَ حَمَّاد الراوية امْرُؤ الْقَيْس أحسن الْجَاهِلِيَّة تَشْبِيها وَذُو الرمة أحسن الْإِسْلَام تَشْبِيها وَمَا أخر الْقَوْم ذكره إِلَّا لحداثة سنه وَأَنَّهُمْ حسدوه وَكَانَ الفرزدق وَجَرِير يحسدانه على شعره ولقيه جرير فَقَالَ هَل لَك فِي المهاجاة قَالَ لَا قَالَ كَأَنَّك هبتني قَالَ لَا وَالله وَلَكِن حَرمك قد هتكهن السّفل وَمَا أرى فِي نسوتك مترقعا قَالَ أَبُو الْمطرف لم يكن أحد من الْقَوْم فِي زَمَانه أبلغ مِنْهُ وَلَا أحسن جَوَابا وَلَقَد عَارضه رجل بسوق الْإِبِل فِي الْبَصْرَة يهزأ بِهِ فَقَالَ يَا أَعْرَابِي أَتَشهد بِمَا لَا ترى قَالَ نعم أشهد بِأَن أَبَاك ناك أمك

стр. 106

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء مرّة ختم الشّعْر بِذِي الرمة وَالرجز برؤبة وَقَالَ أُخْرَى كَمَا فِي الموشح للمرزباني شعر ذِي الرمة نقط عروس تضمحل عَن قَلِيل وأبعار ظباء لَهَا مشم فِي أول شمها ثمَّ تعود إِلَى أَرْوَاح البعر وَإِنَّمَا وضع مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحسن الهجاء والمدح قَالَ الْمبرد معنى قَوْله نقط عروس أَنَّهَا تبقى أول يَوْم ثمَّ تذْهب وبعر الظباء إِذا شممته من سَاعَته وجدت فِيهِ كرائحة الْمسك فَإِذا غب ذهب ذَلِك مِنْهُ وَقد أسْند هَذَا التَّعْبِير فِي حَقه إِلَى جمَاعَة مِنْهُم الفرزدق وَجَرِير قَالَ الْأَصْمَعِي إِن شعر ذِي الرمة حُلْو أول مَا تسمعه فَإِذا كثر إنشاده ضعف وَلم يكن لَهُ حسن لِأَن أبعار الظباء أول مَا تشم تُوجد لَهَا رائحه مَا أكلت من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطّيب الرّيح فَإِذا أدمت شمه ذهبت تِلْكَ الرَّائِحَة ونقط الْعَرُوس إِذا غسلتها ذهبت وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وقف ذُو الرمة فِي سوق الْإِبِل ينشد شعره الَّذِي يذكر فِيهِ نَاقَته صيدح فَوقف عَلَيْهِ الفرزدق فَقَالَ كَيفَ ترى مَا تسمع يَا أَبَا فراس قَالَ مَا أحسن مَا تَقول قَالَ فَمَالِي لَا أذكر مَعَ الفحول قَالَ قصر بك عَن غاياتهم بكاؤك فِي الدمن ونعتك الأبعار والعطن وَمَات بالبادية وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ أَنا ابْن نصف الْهَرم أَي ابْن الْأَرْبَعين وَقَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ كنت أنزل على بعض الْأَعْرَاب إِذا حججْت فَقَالَ لي يَوْمًا هَل لَك فِي خرقاء صَاحِبَة ذِي الرمة قلت بلَى فتوجهنا نريدها

стр. 107

فَعدل بِي عَن الطَّرِيق بِقدر ميل فَإِذا أَبْيَات فقرع بَابا مِنْهَا فَخرجت إِلَيْنَا امْرَأَة حسانة بهَا قُوَّة فتحدثا طَويلا فَقَالَت أحججت قبل هَذِه قلت بلَى قَالَت فَمَا مَنعك من زيارتي أما علمت أَنِّي منسك من مَنَاسِك الْحَج قلت وَكَيف ذَلِك قَالَت أما سَمِعت قَول ذِي الرمة (الوافر) (تَمام الْحَج لَا تقف المطايا ... على خرقاء وَاضِعَة اللثام) وَفِي الأغاني عَن ابْن قُتَيْبَة أَن مية جعلت لله عَلَيْهَا أَن تنحر بَدَنَة يَوْم ترَاهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ رجلا دميما أسود وَكَانَت من أجمل النَّاس فَقَالَت وأسوءتاه واضيعة بدنتاه فَقَالَ ذُو الرمة (الطَّوِيل) (على وَجه مي مسحة من ملاحة ... وَتَحْت الثِّيَاب الشين لَو كَانَ باديا) قَالَ فَكشفت ثوبها عَن بدنهَا وَقَالَت أشينا ترى لَا أم لَك فَقَالَ (الم تَرَ أَن المَاء يخْبث طعمه ... وَإِن كَانَ لون المَاء أَبيض صافيا) فَقَالَت أما مَا تَحت الثِّيَاب فقد رَأَيْته وَعلمت أَن لَا شين فِيهِ وَلم يبْق إِلَّا أَن أَقُول لَك هَلُمَّ حَتَّى تذوق مَا وَرَاءه وَالله لَا ذقت ذَلِك أبدا فَقَالَ (فيا ضَيْعَة الشّعْر الَّذِي لج وانقضى ... بمي وَلم أملك ضلال فؤاديا) قَالَ ثمَّ صلح الْأَمر بَينهمَا بعد ذَلِك فَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من حبها ثمَّ قَالَ صَاحب الأغاني أَن مية كَانَت لَهَا بنت عَم قَالَت على لِسَان ذِي الرمة ...

стр. 108

(على وَجه مي مسحة من ملاحة) الأبيات فَكَانَ ذُو الرمة إِذا ذكر ذَلِك لَهُ يتمعض مِنْهُ وَيحلف أَنه مَا قَالَه قطّ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع (الوافر) (إِذا اجْتَمعُوا على ألف وواو ... وياء هاج بَينهم جِدَال) على أَن أَسمَاء حُرُوف المعجم تعرب إِذا ركبت وَإِن كَانَ بناؤها أَصْلِيًّا قيل حَيْثُ كَانَت معربة لأجل التَّرْكِيب علم أَنَّهَا قبل التَّرْكِيب غير معربة وَهَذَا حكم جَمِيع الْأَسْمَاء سَوَاء قُلْنَا إِنَّهَا قبل التَّرْكِيب مَوْقُوفَة أم مَبْنِيَّة فَمَا الْفرق بَينهَا وَبَين سَائِر الْأَسْمَاء أَقُول الْفرق أَن أَسمَاء حُرُوف الهجاء إِنَّمَا وضعت لسردها مُفْردَة للتعليم لَا لِأَن تكون مركبة مَعَ عَامل فالتركيب فِيهَا عَارض بِخِلَاف سَائِر الْأَسْمَاء فَإِنَّهَا إِنَّمَا وضعت للتركيب وسردها منثورة أَمر عَارض ثمَّ رَأَيْت الشَّارِح الْمُحَقق قد ذكر مَا قلته فِي مَوَاضِع أخر من شَرحه فَقَالَ إِن أَسمَاء حُرُوف المعجم لم تُوضَع إِلَّا لتستعمل مُفْرَدَات لتعليم الصّبيان وَمن يجْرِي مجراهم مَوْقُوفا عَلَيْهِم فَإِذا اسْتعْملت مركبة مَعَ عاملها فقد خرجت عَن حَالهَا الْمَوْضُوعَة لَهَا وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة حَيْثُ قَالَ أعلم أَن هَذِه الْحُرُوف مَا دَامَت حُرُوف هجاء فَإِنَّهَا سواكن الْأَوَاخِر فِي الدرج وَالْوَقْف لِأَنَّهَا أصوات بِمَنْزِلَة صه ومه فَإِن وَقعت موقع الْأَسْمَاء أعربت

стр. 109

وَأَرَادَ الشَّارِح بإعرابها عِنْد التَّرْكِيب وجوب إعرابها كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي مَوضِع آخر فَقَالَ إِذا أردْت إِعْرَاب أَسمَاء حُرُوف المعجم الكائنة على حرفين ضعفت الْألف وقلبتها همزَة وَلَا تجوز الْحِكَايَة فِي أَسمَاء حُرُوف المعجم مَعَ التَّرْكِيب مَعَ عاملها وَأغْرب السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع وَشَرحه فَقَالَ وَأَسْمَاء الْحُرُوف ألف با تا ثا إِلَى آخرهَا وقف إِلَّا مَعَ عَامل فالأجود حِينَئِذٍ فِيهَا الْإِعْرَاب وَمد الْمَقْصُور مِنْهَا وَيجوز فِيهَا الْحِكَايَة كهيئتها بِلَا عَامل وَيجوز ترك الْمَدّ بِأَن يعرب مَقْصُورا منونا كَمَا إِذا تعاطفت فَإِن الأجود فِيهَا الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَإِن لم يكن عَامل انْتهى فجوز مَعَ الْعَامِل الْحِكَايَة وَالْقصر كَمَا إِذا لم تكن مَعَ عَامل وَجوز أَيْضا إعرابها مَعَ الْقصر وَجوز فِي التعاطف مَعَ عدم الْعَامِل الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَأما الأول فَصرحَ بِمَنْعه ابْن جني وَالشَّارِح وَأما الثَّانِي فَمَنعه ابْن جني أَيْضا فَقَالَ فَأَما مَا كَانَ من نَحْو با تا فَإنَّك مَتى أعربته لزمك أَن تمده وَذَلِكَ أَنه على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا حرف؟ لين والتنوين يدْرك الْكَلِمَة فتحذف الْألف لالتقاء الساكنين فيلزمك أَن تَقول بن وتن يَا فَتى فَيبقى الِاسْم على حرف وَاحِد فَإِن ابتدأته وَجب أَن يكون متحركا وَإِن وقفت عَلَيْهِ وَجب أَن يكون سَاكِنا وَهَذَا ظَاهر الاستحالة فَأَما مَا روى شربت مَا يُرِيد مَاء فحكاية شَاذَّة لَا نَظِير لَهَا وَلَا يسوغ قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك زِدْت على ألف با تا ألفا أُخْرَى كَمَا رَأَيْت الْعَرَب فعلت حِين أعربت لوا فَقَالُوا (الْخَفِيف) (إِن لوا وَإِن ليتا عناء)

стр. 110

وَأما قَول الشَّاعِر (بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) إِنَّمَا أَرَادَ وَالرَّاء ممدودة فَلم يُمكنهُ ذَلِك لِئَلَّا يكسر الْوَزْن فَحذف الْهمزَة من الرَّاء وَجَاء بذلك على قِرَاءَة أبي عَمْرو وتحقيقه الأولى من الهمزتين إِذا التقتا من كَلِمَتَيْنِ وكانتا جَمِيعًا متفقتي الحركتين نَحْو فقد جَاءَ أشراطها وَشاء أنشره وَكَذَلِكَ كَانَ أصل هَذَا وَالزَّاي وَالرَّاء أَيّمَا تهليل فَلَمَّا اتّفقت الحركتان حذف الأولى من الهمزتين وَأما الثَّالِث فَلَا وَجه للإعراب وَالْمدّ جَمِيعًا مَعَ عدم الْعَامِل وأظن أَن السُّيُوطِيّ لخص كَلَامه من الارتشاف لأبي حَيَّان وَأَصله من الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَتَبعهُ أَبُو عَليّ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهُ أَيْضا حرفا بِحرف فَقَالَا وَمَا كَانَ من حُرُوف الهجاء على حرفين فالعرب تمده وتقصره فَيَقُولُونَ بَاء وتاء وَمِنْهُم من يقصر فَيَقُول با وتا وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول با وتا قَالَ يزِيد بن الحكم يذكر النَّحْوِيين (إِذا أجتمعوا على ألف وواو ... وياء الْبَيْت) وَالزَّاي فِيهَا خَمْسَة أوجه من الْعَرَب من يمدها فَيَقُول زاء فَاعْلَم وَمِنْهُم من يَقُول زَاي وَمِنْهُم من يَقُول هَذِه زا فيقصرها وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول زا وَمِنْهُم من يَقُول زِيّ فيشدد وَأنْشد الْفراء (بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) انْتهى فَأَنت تراهما كَيفَ أطلقا وَلم يفصلا وَهُوَ مُخَالف لكَلَام النَّاس وَمُرَاد الشَّارِح بالتركيب أَن تقع مَعَ عَامل نَحْو أول الْجِيم جِيم وأوسط السِّين يَاء وكتبت يَاء حَسَنَة وَكَذَلِكَ الْعَطف فَيُقَال مَا هجاء بكر فَنَقُول
следующие страницы →