Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
فَإِذا كَانَ من الْأَدَب الَّذِي هُوَ الْعجب فَكَأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يعجب مِنْهُ لحسنه لِأَن صَاحبه الرجل الَّذِي يعجب مِنْهُ لفضله.
وَإِذا كَانَ من الْأَدَب الَّذِي هُوَ الدُّعَاء فَكَأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يَدْعُو النَّاس إِلَى المحامد
وَالْفضل فينهاهم عَن المقابح وَالْجهل. وَالْفِعْل مِنْهُ أدبي آدب أدباً من بَاب فَرح فَأَنا أديب.
والمتأدب: الَّذِي قد أَخذ من الْأَدَب بحظ وَهُوَ متفعل من الْأَدَب يُقَال مِنْهُ أدب الرجل يأدب إِذا صَار أديباً مثل كرم إِذا صَار كَرِيمًا. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لسهم بن حَنْظَلَة الغنوي أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل. وَهَذَا مَا أوردهُ:
(إِذا افْتَقَرت نأى وَاشْتَدَّ جَانِبه ... وَإِن رآك غَنِيا لَان واقتربا)
(وَإِن أَتَاك لمَال أَو لتنصره ... أثنى عَلَيْك الَّذِي تهوى وَإِن كذبا)
(مدلى الْقَرَابَة عِنْد النّيل يَطْلُبهُ ... وَهُوَ الْبعيد إِذا نَالَ الَّذِي طلبا)
(حُلْو اللِّسَان بعيد الْقلب مُشْتَمل ... على الْعَدَاوَة لِابْنِ الْعم مَا اصْطَحَبَا)
(الله مخلف مَا أنفقت محتسباً ... إِذا شكرت ومؤتيك الَّذِي كتبا)
...
стр. 4552
(لَا بل سل الله مَا ضنوا عَلَيْك بِهِ ... وَلَا يمن عَلَيْك الله مَا وهبا)
(يَا للرِّجَال لأقوام أجاورهم ... مستقبسين وَلما يقبسوا لهبا)
(يصلونَ نَارِي وأحميها لغَيرهم ... وَلَو أَشَاء لقد كَانُوا لَهَا حطبا)
(من الرِّجَال رجال لَا أعاتبهم ... وَلَا تفزع مِنْهُم هامتي رعْبًا)
(من لَا يزل غَرضا أرمي مقاتله ... لَا يَتَّقِي وَهُوَ مني وَاقِف كثبا))
(وَلَا أسب امْرأ إِلَّا رفعت لَهُ ... عاراً يسب بِهِ الأقوام أَو لقبا)
(قد يعلم النَّاس أَنِّي من خيارهم ... فِي الدَّين دينا وَفِي أحسابهم حسبا)
قَالَ التبريزي فِي شرح إصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكيت: يُرِيد أَنه يقهر النَّاس فيمنعهم مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ وَلَا يمنعونه مَا يُرِيد مِنْهُم لعزته. وَجعله أدباً حسنا. هَذَا تَفْسِير أبي مُحَمَّد.
وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء فِي معنى هَذَا الْبَيْت: كَأَنَّهُ يُنكر على نَفسه أَن يُعْطِيهِ النَّاس وَلَا يعطيهم ويمنعهم. وَهُوَ الصَّوَاب لِأَن مَا قبله يدل عَلَيْهِ. وَذَا: فَاعل حسن. وأدباً تَمْيِيز. وَأَرَادَ حسن فَخفف وَنقل لِأَن
стр. 4553
هَذَا مَذْهَب التَّعَجُّب.
وَقَالَ الصفار: إِن الشَّاعِر أنكر على نَفسه بِأَن النَّاس يعطونه ويمنعهم ثمَّ قَالَ: حسن ذَا أدباً أَي: مَا أحسن هَذَا الْأَدَب على سَبِيل الْإِنْكَار والتهكم.
انْتهى.
وَسَهْم بن حَنْظَلَة: شَاعِر مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. ذكره ابْن حجر فِي قسم الخضرمين من الْإِصَابَة عَن المرزباني.
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: سهم بن حَنْظَلَة بن جأوان بن خويلد أحد بني شبيبة بن غَنِي بن أعصر فَارس مَشْهُور وشاعر محسن وَهُوَ الْقَائِل: الْكَامِل
(كم من عَدو قد رماني كاشح ... ونجوت من أَمر أغر مشهر)
(وحذرت من أَمر فَمر بجانبي ... لم يبكني وَلَقِيت مَا لم أحذر)
(تدني الْفَتى فِي الْغنى للراغبين إِذا ... ليل التَّمام أهم المقتر العزبا)
стр. 4554
(حَتَّى تمول يَوْمًا أَو يُقَال فَتى ... لَاقَى الَّتِي تشعب الأقوام فانشعبا)
انْتهى.
وَقد أَخطَأ فِي هَذَا فَإِن صَاحب القصيدة هُوَ سهم الَّذِي ذكره أَولا والبيتان من تِلْكَ القصيدة وَقد نَسَبهَا إِلَيْهِ أَبُو تَمام وَغَيره. وَقد اشْتبهَ على الْآمِدِيّ فَظن سَهْما اثْنَيْنِ وَأَن صَاحب القصيدة غير سهم الغنوي وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا. وَسَهْم الَّذِي ذكره ثَانِيًا مَجْهُول وَلِهَذَا لم يرفع نسبه لَا إِلَى أَب وَلَا إِلَى جد. وَلم يذكرهُ غير الْآمِدِيّ أحد. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 4555
(حُرُوف الْجَرّ)
أنْشد فِيهَا، وَهُوَ
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز باتت تنوش الْحَوْض نوشاً من علا على أَن علا فِيهِ مَبْنِيّ على الضَّم كَقَوْلِهِم: من عل بِحَذْف الْمُضَاف إِلَيْهِ.
وَبَيَانه مَا قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني نقلا عَن أبي عَليّ: إِن الْألف فِي علا منقلبة عَن الْوَاو لِأَنَّهُ من عَلَوْت وَإِن الْكَلِمَة فِي مَوضِع مَبْنِيّ على الضَّم نَحْو: قبلُ وَبعد لِأَنَّهُ يُرِيد نوشاً من أَعْلَاهُ فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجب بِنَاء الْكَلِمَة على الضَّم نَحْو: قبل وَبعد فَلَمَّا وَقعت الْوَاو مَضْمُومَة وَقبلهَا فَتْحة قلبت ألفا. وَهَذَا مَذْهَب حسن. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة: يجوز أَن يكون علا مُبينًا معرفَة وَيجوز أَن يكون معرباً نكرَة. فَإِن كَانَ مَبْنِيا كَانَت الْألف منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بالضمة. وَإِن كَانَ معرباً كَانَت منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بِالْجَرِّ.
فَإِن قيل: لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا لِأَنَّهُ معرفَة لتقدم الْحَوْض وَالْمعْنَى من علا الْحَوْض. قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: لله الْأَمر من قبلُ وَمن بعدُ فهما نكرتان
وَإِن كَانَ ذكر الْغَلَبَة قد تقدم وَكَانَ مَعْلُوما أَن معنى الْكَلَام من قبل الْغَلَبَة وَمن بعْدهَا. انْتهى.
стр. 4556
فَعلم من هَذَا أَنه لَا يتَعَيَّن بناؤها على ضمة على الْوَاو المنقلبة ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا لقطعه عَن الْإِضَافَة وَنِيَّة مَعْنَاهُ لجَوَاز أَن يكون معرباً بِالْجَرِّ والتنوين المقدرين على الْوَاو المنقلبة وَلَا ينوى الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ وَيكون كَسَائِر الْأَسْمَاء النكرَة كَمَا فِي قِرَاءَة: من قبلُ وَمن بعد بِالْجَرِّ والتنوين.
وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا ذهب لامه من أَبْوَاب التحقير. قَالَ الأعلم: اسْتدلَّ بِهِ على أَن قَوْلهم من عل مَحْذُوف اللَّام وَإِذا صغرته اسْما ردَّتْ لامه فَقيل عَليّ لِأَن أَصله من الْعُلُوّ.
انْتهى.
وكسيبويه أوردهُ ابْن السراج فِي الْأُصُول.
وروى سِيبَوَيْهٍ: وَهِي تنوش الْحَوْض بدل: باتت تنوش.)
قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: النوش: التَّنَاوُل.
قَالَ الشَّاعِر: الرجز
(فَهِيَ تنوش الْحَوْض نوشاً من علا ... نوشاً بِهِ تقطع أجواز الفلا)
ق ال الأعلم: وصف إبِلا وَردت المَاء فِي فلاة من الأَرْض فعافته وتناولته من أَعْلَاهُ وَلم تمعن فِي شربه. انْتهى.
وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: يصف إبِلا تشرب من مَاء الْحَوْض وتتناول مَا فِيهِ من المَاء تناولاً من فَوق تقطع بِهِ أَرضًا بعيدَة وتستغني بِهِ عَن الْمُبَالغَة فِيهِ. والأجواز: جمع جوز بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الْوسط.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شحر أبياته أَيْضا:
стр. 4557
لَا أعلم هَذَا الرجز لمن هُوَ يصف
نَاقَة شربت المَاء من الْحَوْض. وَقد يُمكن أَن يصف أبلاً وَيُرِيد بقوله: بِهِ تقطع أجواز الفلا أَنهم كَانُوا إِذا حاولوا سفرا سقوا إبلهم المَاء على نَحْو مَا يقدرونه من بعد الْمسَافَة وقربها وَكَانُوا يجْعَلُونَ أظماء إبلهم ثلثا وربعاً وخمساً إِلَى الْعشْر وَالْعشر نِهَايَة الأظماء.
وَكَانُوا رُبمَا احتاجوا فِي الفلاة إِلَى المَاء وَلَا مَاء عِنْدهم فينحرون الْإِبِل ويستخرجون مَا فِي أجوافها من المَاء ويشربونه وَهُوَ معنى قَول زيد الْخَيل الطَّائِي: الوافر
(نصول بِكُل أَبيض مشرفي ... على اللائي بقى فِيهِنَّ مَاء)
(عَشِيَّة نؤثر الغرباء فِينَا ... فَلَا هم هالكون وَلَا رواء)
انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعلم قَائِلهَا وَالله أعلم.
وأنشده صَاحب الصِّحَاح فِي نوش وَفِي علا. وَقَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ: هَذَا الرجز لغيلان بن حُرَيْث الربعِي. وَلم أَقف على خبر لغيلان. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة
)
(لمن الديار بقنة الْحجر ... أقوين من حجج وَمن دهر)
على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا اسْتِعْمَال من الابتدائية فِي الزَّمَان أَيْضا
стр. 4558
كَمَا فِي الْبَيْت. وَسلم الشَّارِح الْمُحَقق هَذِه الدَّعْوَى مِنْهُم وَطعن فِي الدَّلِيل قَالَ: الإقواء لم يبتدأ من الْحجَج بل الْمَعْنى من أجل مُرُور حجج وَشهر. فَمن فِيهِ تعليلية لَا ابتدائية.
اعْلَم أَن مَحل النزاع بَين أهل البلدين إِنَّمَا هُوَ فِي وُرُود من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان فَأهل الْكُوفَة يثبتونه وَأهل الْبَصْرَة يمنعونه.
وَأما وُرُودهَا لابتداء الْغَايَة فِي الْمَكَان والأحداث والأشخاص فَلَا خلاف فِيهَا عِنْدهمَا.
وَاسْتدلَّ أهل الْكُوفَة لوُرُود من فِي ابْتِدَاء الْغَايَة فِي الزَّمَان بقوله تَعَالَى: لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم أَحَق أَن تقوم فِيهِ. وَأول يَوْم من الزَّمَان. وَقَوله تَعَالَى: إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة وبالبيت الْمَذْكُور.
وَأجَاب البصريون عَن الْآيَة الأولى بِأَن فِيهَا مُضَافا محذوفاً وَالتَّقْدِير: من تأسيس أول يَوْم.
فمجرور من حدث لَا زمَان.
وَضَعفه أَبُو الْبَقَاء بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. ورد عَلَيْهِ السمين بِأَنَّهُم إِنَّمَا منعُوا من كَون من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان وَلَيْسَ فِي كَلَامهم أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي ابْتِدَاء الْغَايَة فِي الْمَكَان. وَهَذَا رد ورد الشَّارِح الْمُحَقق دَلِيل الْكُوفِيّين بِأَنَّهُ لَيْسَ التأسيس حَدثا ممتداً وَلَا أصلا للمعنى
الممتد وَإِنَّمَا هُوَ حدث وَاقع فِيمَا بعد من فَتكون ظرفية كَمَا فِي الْآيَة الثَّانِيَة.
فَهُوَ يوافقهم فِي مَجِيء من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان تبعا للمبرد وَابْن
стр. 4559
درسْتوَيْه وَلِهَذَا لم يؤول كَمَا أول البصريون فِي الْآيَة. وَأَجَابُوا عَن الْآيَة الثَّانِيَة بِأَن من فِيهِ ظرفية وَإِلَيْهِ ذهب الشَّارِح أَيْضا.
وَأَجَابُوا عَن الْبَيْت بِمَا أجابوا بِهِ فِي الْآيَة الأولى بِأَن فِيهِ مصدرا محذوفاً أَي: من مر حججٍ فَيكون مجرورها حَدثا لَا زَمَانا.
وَأجَاب الشَّارِح الْمُحَقق بِأَن من فِيهِ تعليلية مَعَ تَقْدِير الْمُضَاف لَا ابتدائية. وَهُوَ الْحق فَإِن عِلّة إقواء الديار مُرُور الدهور عَلَيْهَا لابتداء مرورها.
وَأجَاب بَعضهم بِأَن من هُنَا على مَذْهَب الْأَخْفَش زَائِدَة وَالْأَصْل أقوين حجَجًا ودهراً. نَقله ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف. فَيكون مَنْصُوبًا على الظَّرْفِيَّة. وأهون من هَذَا ادِّعَاء من ظرفية)
كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ. وَلم أر من قَوْله.
وَأجَاب بَعضهم بِأَن الرِّوَايَة: مذ حجج ومذ دهر وَأنكر الأولى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. فَإِن الْبَيْت الْوَاحِد يَأْتِي على رِوَايَات شَتَّى وَكلهَا صَحِيحَة إِذا كَانَ رواتها ثِقَات.
قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: قَوْله: قَالَ الْأَصْمَعِي: أقوين مذ حجج ومذ دهر. وَمن روى: من حجج. قَالَ: مَعْنَاهُ من مر حجج وَمن مر دهر.
قَالَ الزّجاج: قَوْله تَعَالَى: من أول يَوْم دخلت من فِي الزَّمَان وَالْأَصْل مذ ومنذ. هَذَا أَكثر الِاسْتِعْمَال فِي الزَّمَان. وَمن جَائِز دُخُولهَا لِأَنَّهَا أصل فِي ابْتِدَاء الْغَايَة وَفِي التَّبْعِيض. انْتهى.
стр. 4560
-
وَقَوله: لمن الديار الظّرْف خبر مقدم والديار: مُبْتَدأ مُؤخر. وَهَذَا الِاسْتِفْهَام تعجب من شدَّة خرابها حَتَّى كَأَنَّهَا لَا تعرف وَلَا يعرف سكانها وأصحابها.
وَبَعض المصنفين حرفه فَفتح اللَّام وَكسر الْمِيم وَقَالَ إِن من فِي الْبَيْت شَاهد لدُخُول من الجارة على الْمَكَان. وَهَذَا مِمَّا يتعجب مِنْهُ.
والقنة بِضَم الْقَاف وَتَشْديد النُّون: أَعلَى الْجَبَل. والقلة بِاللَّامِ مَوضِع النُّون مثله. وَالْحجر بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة: منَازِل ثَمُود بِنَاحِيَة الشَّام عِنْد وَادي الْقرى.
قَالَ صعوداء فِي شرح ديوَان زُهَيْر: قَالَ أَبُو عَمْرو: لَا أعرف إِلَّا حجر ثَمُود وَلَا أَدْرِي أَرَادَهُ بِعَيْنِه أم لَا وَأما حجر بِفَتْح الْمُهْملَة فَهِيَ الْيَمَامَة وَلَكِن لَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام فَلذَلِك أنكرها أَبُو عَمْرو. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ غَيره. قَالَ ابْن السَّيِّد: هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ هُنَا وَقد أَوله جمَاعَة على زِيَادَة آل.
يَا لَيْت أم الْعُمر كَانَت صَاحِبي أَرَادَ: أم عَمْرو.
وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل
وجدت الْوَلِيد بن اليزيد مُبَارَكًا
стр. 4561
أَرَادَ: الْوَلِيد بن يزِيد. هَذَا مَا قَالُوا. وَالصَّوَاب دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ. قَالَ عَاصِم: الْحجر بِالْفَتْح: مَدِينَة الْيَمَامَة وَالْحجر بِالْكَسْرِ: حجر ثَمُود. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحجر بِالْفَتْح: قَصَبَة الْيَمَامَة يذكر وَيُؤَنث ويؤيدهما الْبَيْت الْمُتَقَدّم وَبَيت النَّابِغَة: الطَّوِيل)
(وهم قتلوا الطَّائِي بِالْحجرِ عنْوَة ... أَخا جَابر واستنكحوا أم جَابر)
وَالْبَاء فِي قَوْله: بقنة ظرفية مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَالْعَامِل فِيهِ الِاسْتِقْرَار الْمَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لمن الديار كائنة بقنة الْحجر.
وأقوين: أقفرن يُقَال: أقوت الدَّار إِذا خلت من سكانها وأقفرت. وَالنُّون ضمير الديار وَجُمْلَة: أقوين حَال من ذَلِك الضَّمِير أَيْضا.
والحجج بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجَّة بِكَسْرِهَا أَيْضا وَهِي السّنة. والدهر: الْأَبَد الْمَمْدُود. وروى بدله: وَمن شهر وَأَرَادَ من شهور فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع اكْتِفَاء بِهِ.
قَالَ اللَّخْمِيّ: وَمن رَوَاهُ مذ حجج كَانَت مذ: حرف جر وَالْعَامِل فِيهَا أقوين وَهِي بِمَنْزِلَة فِي لِأَن الْمَعْنى أقوين فِي حجج.
وَالْبَيْت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بهَا هرم بن سِنَان بن أبي حَارِثَة
المري عدتهَا تِسْعَة عشر بَيْتا وَبعده: الْكَامِل
(لعب الرِّيَاح بهَا وَغَيرهَا ... بعدِي سوافي المور والقطر)
(قفر بمندفع النحائت من ... ضفوي أولات الضال والسدر)
(دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم ... خير الكهول وسد الْحَضَر)
стр. 4562
. والسوافي: جمع ساف اسْم فَاعل من سفت الرّيح التُّرَاب تسفيه سفياً إِذا ذرته. والمور بِالضَّمِّ: الْغُبَار بِالرِّيحِ. والقطر: الْمَطَر.
قَالَ صعوداء فِي شَرحه: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ للقطر سواف وَلكنه أشركه فِي الْجَرّ. انْتهى.
وَلَيْسَ هَذَا من الْجَرّ على الْجوَار لِأَنَّهُ لَا يكون فِي النسق. وَوَجهه أَن الرِّيَاح السوافي تذري التُّرَاب من الأَرْض وتنزل الْمَطَر من السَّحَاب.
وَقَوله: قفر أَي: تِلْكَ الديار قفر. والمندفع بِفَتْح الْفَاء. النحائت بِفَتْح النُّون بعْدهَا حاء مُهْملَة وَآخره مثناة فوقية قَالَ صعوداء: هِيَ آبار.
ومندفعها: مندفع مياهها ولعلها أَوديَة. والآبار تَفْسِير أبي عَمْرو. قَالَ: وَيُقَال: مَوضِع فِيهِ آبار.
والضفوان بالضاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء: الجانبان الْوَاحِد ضفاً كقفا.
وَأولَات الضال والسدر: مَوَاضِع فِيهَا سدر. والضال هُوَ السدر الْبري. وَقَوله: دع ذَا وعد ... إِلَخ قَالَ صعوداء:)
عد القَوْل: اصرفه إِلَيْهِ. والحضر جمع واحده حَاضر مثل صحب وَصَاحب. انْتهى.
والحاضر: الْحَيّ الْعَظِيم. والحاضر: خلاف البادي.
والأبيات الثَّلَاثَة الأول قد نَسَبهَا نقاد الشّعْر إِلَى حَمَّاد الراوية وَقَالُوا: أول القصيدة إِنَّمَا هُوَ: دع ذَا وعد القَوْل ... ... ... ... . الْبَيْت روى الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني عَن جمَاعَة أَنهم كَانُوا فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي بعيساباد وَقد اجْتمع فِيهَا الْعلمَاء بأيام الْعَرَب
стр. 4563
وآدابها وَأَشْعَارهَا ولغاتها إِذْ خرج بعض أَصْحَاب الْحَاجِب فَدَعَا بالمفضل الضَّبِّيّ الراوية فَدخل فَمَكثَ مَلِيًّا.
ثمَّ خرج ذَلِك الرجل بِعَيْنِه فَدَعَا بحماد الراوية فَمَكثَ مَلِيًّا ثمَّ خرج وَمَعَهُ حَمَّاد والمفضل جَمِيعًا وَقد بَان فِي وَجه حَمَّاد الانكسار وَالْغَم وَفِي وَجه الْمفضل السرُور والنشاط ثمَّ خرج الْخَادِم مَعَهُمَا فَقَالَ: يَا معشر من حضر من أهل الْعلم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعلمكم أَنه قد وصل حماداً الشَّاعِر بِعشْرين ألف دِرْهَم لجودة شعره وأبطل رِوَايَته لزيادته فِي أشعار النَّاس مَا لَيْسَ مِنْهَا وَوصل الْمفضل بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم لصدقه وَصِحَّة رِوَايَته.
فَمن أَرَادَ أَن يسمع شعرًا جيدا مُحدثا فليسمع من حَمَّاد وَمن أَرَادَ رِوَايَة صَحِيحَة فليأخذها عَن الْمفضل.
فسألنا عَن السَّبَب فَأخْبرنَا أَن الْمهْدي قَالَ للمضل لما دَعَا بِهِ وَحده: إِنِّي رَأَيْت زُهَيْر بن أبي سلمى افْتتح قصيدته بِأَن قَالَ: دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم
وَلم يتَقَدَّم قبل ذَلِك قَول فَمَا الَّذِي أَمر نَفسه بِتَرْكِهِ فَقَالَ لَهُ الْمفضل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت فِي هَذَا شَيْئا إِلَّا أَنِّي توهمته كَانَ يفكر فِي قَول يَقُوله أَو يروي فِي أَن يَقُول شعرًا قَالَ: عد إِلَى مدح هرم وَقَالَ: دع ذَا أَو كَانَ مفكراً فِي شَيْء من شَأْنه فَتَركه وَقَالَ: دع ذَا أَي: دع مَا أَنْت فِيهِ من الْفِكر وعد القَوْل فِي هرم.
ثمَّ دَعَا بحماد فَسَأَلَهُ عَن مثل مَا سَأَلَ عَنهُ الْمفضل فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا قَالَ زُهَيْر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَكيف قَالَ فأنشده:
стр. 4564
الأبيات الثَّلَاثَة.)
دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ: فَأَطْرَقَ امهدي سَاعَة ثمَّ أقبل على حَمَّاد فَقَالَ: قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك خبر لَا بُد من استحلافك عَلَيْهِ. ثمَّ استحلفه بأيمان الْبيعَة ليصدقنه عَمَّا يسْأَل عَنهُ. فَحلف حَمَّاد لَهُ فَلَمَّا توثق مِنْهُ قَالَ لَهُ: اصدقني عَن حَال هَذِه الأبيات وَمن أضافها إِلَى زُهَيْر.
فَأقر لَهُ حِينَئِذٍ أَنه قَالَهَا. فَأمر فِيهِ وَفِي الْمفضل بِمَا أَمر بِهِ من شهر أَمرهمَا وكشفه. انْتهى.
وَحَمَّاد قد تَرْجمهُ صَاحب الأغاني فَلَا بَأْس بإيراد شَيْء من أخباره فَإِنَّهُ كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا ولكونه صَاحب الْبَيْت الشَّاهِد اسْتحق أَن نترجمه. وَهُوَ مِمَّن يَصح الاستشهاد بِكَلَامِهِ.
قَالَ: هُوَ حَمَّاد بن ميسرَة فِيمَا ذكره الْهَيْثَم بن عدي. وَكَانَ صَاحبه وراويته وَأعلم النَّاس بِهِ.
وَزعم أَنه مولى بني شَيبَان. وَكَانَ من أعلم النَّاس بأيام
الْعَرَب وأخبارها وَأَشْعَارهَا وأنسابها ولغاتها وَكَانَت مُلُوك بني أُميَّة تقدمه وتؤثره وتسني بره.
وَقَالَ لَهُ الْوَلِيد بن يزِيد: بِمَا استحققت هَذَا اللقب فَقيل لَك: حَمَّاد الراوية قَالَ: لِأَنِّي أروي لكل شَاعِر يعرفهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو سمع بِهِ ثمَّ أروي لأكْثر مِنْهُم مِمَّن لَا تعرف بأنك لَا تعرفهم وَلَا سَمِعت بهم ثمَّ لَا أنْشد شعرًا لقديم
стр. 4565
أَو مُحدث إِلَّا ميزت الْقَدِيم مِنْهُ من الْمُحدث.
قَالَ: إِن هَذَا لعلم وَأَبِيك كثير فكم مِقْدَار مَا تحفظ من الشّعْر قَالَ: كثير وَلَكِنِّي أنْشدك على أَي حرف شِئْت من حُرُوف المعجم مائَة قصيدة كَبِيرَة سوى المقطعات من شعر الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ: سأمتحنك. وَأمره الْوَلِيد بالإنشاد.
فأنشده حَتَّى ضجر الْوَلِيد ثمَّ وكل بِهِ من استحلفه أَن يصدقهُ عَنهُ ويستوفي عَلَيْهِ. فأنشده ألفي قصيدة وَتِسْعمِائَة قصيدة للجاهليين وَأخْبر الْوَلِيد بذلك فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم.
وروى أَحْمد بن عبيد عَن حَمَّاد أَنه قَالَ: كَانَ انْقِطَاع إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فَكَانَ هِشَام يجفوني لذَلِك فَلَمَّا مَاتَ يزِيد وأفضت الْخلَافَة إِلَى هِشَام جفاني وَمَكَثت فِي بَيْتِي سنة لَا أخرج إِلَّا لمن أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي أمنت وَخرجت فَصليت الْجُمُعَة ثمَّ جَلَست عِنْد بَاب الْفِيل فَإِذا شرطيان قد وَقفا عَليّ فَقَالَا لي: يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا مَا كنت أحذر: فصرت إِلَيْهِ فَرمى كتابا إِلَيّ فِيهِ: من
عبد الله هِشَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر أما بعد فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من)
يَأْتِيك بِهِ غير مروع وادفع إِلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار وجملاً مهرياً يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَى دمشق.
فأخذتها وركبته وسرت حَتَّى وافيت بَاب هِشَام فاستأذنت فَأذن لي فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار مفروشة بالرخام وَبَين كل رخامتين قضيب ذهب وحيطانها كَذَلِك وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء وَعَلِيهِ ثِيَاب خَز حمر وَقد تضمخ بالمسك والعنبر وَبَين يَدَيْهِ مسك مبثوث فِي أواني الذَّهَب
стр. 4566
يقلبه بِيَدِهِ فتفوح روائحه. فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام واستدناني فدنوت حَتَّى قبلت رجله فَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهَا حلقتان فيهمَا لؤلؤتان توقدان فَقَالَ لي: كَيفَ أَنْت يَا حَمَّاد وَكَيف حالك قلت: بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: أَدْرِي فِيمَا بعثت إِلَيْك قلت: لَا. قَالَ: بعثت إِلَيْك لبيت خطر ببالي لم أدر من قَالَه قلت: وَمَا هُوَ قَالَ: الْخَفِيف
(فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق ... قلت: هَذَا يَقُوله عدي بن زيد فِي قصيدة لَهُ. قَالَ: أنشدنيها. فأنشدتها:
(بكر العاذلون فِي فلق الصب ... ح يَقُولُونَ لي: أَلا تستفيق)
(ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الل ... هـ وَالْقلب عنْدكُمْ موهوق)
(لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل عِنْدِي ... أعدو يلومني أم صديق)
(زانها حسنها وَفرع عميم ... وأثيث صلت الجبين أنيق)
(فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يمنها إبريق)
стр. 4567
)
(قَدمته على عقار كعين ال ... ديك صفى سلافها الراووق)
(ثمَّ كَانَ المزاج مَاء غمام ... غير مَا آجن وَلَا مطروق)
قَالَ: فطرب وَقَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا حَمَّاد سلني حوائجك. فَقلت: كائنة مَا كَانَت قَالَ: نعم. قلت: إِحْدَى الجاريتين. قَالَ: هما جَمِيعًا بِمَا عَلَيْهِمَا وَمَا لَهما لَك.
فوهبهما لَهُ وأنزله فِي دَاره ثمَّ نَقله من غَد إِلَى منزل أعده لَهُ فانتقل إِلَيْهِ فَوجدَ فِيهِ الجاريتين وَمَا لَهما وكل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة فوصل إِلَيْهِ مِنْهُ مائَة ألف دِرْهَم.
وَرُوِيَ أَيْضا بِسَنَدِهِ أَن جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَالْمَعْرُوف بِابْن الكردية كَانَ يستخف مُطِيع بن أياس وَيُحِبهُ وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ وَله مِنْهُ منزلَة حَسَنَة. فَذكر مُطِيع حماداً وَكَانَ)
صديقه وَكَانَ مطرحاً مجفواً فِي أيامهم فَقَالَ لَهُ: ائتنا بِهِ لنراه.
فَأتى مُطِيع حماداً فَأعلمهُ بذلك وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَمَعَهُ فَقَالَ لَهُ حَمَّاد: دَعْنِي فَإِن دَوْلَتِي كَانَت مَعَ بني أُميَّة وَمَا لي مَعَ هَؤُلَاءِ خير. فَأبى مُطِيع إِلَّا الذّهاب بِهِ فاستعار حَمَّاد سواداً وسيفاً ثمَّ أَتَاهُ فَمضى بِهِ إِلَى جَعْفَر فَلَمَّا دخل سلم عَلَيْهِ وَأثْنى عَلَيْهِ فَرد ﵇ وَأمره بِالْجُلُوسِ ثمَّ قَالَ لَهُ جَعْفَر: أَنْشدني لجرير. قَالَ حَمَّاد: فوَاللَّه لقد سلخ شعر جرير كُله من قلبِي إِلَّا قَوْله:
(بَان الخليط برامتين فودعوا ... أَو كلما اعتزموا لبين تجزع
стр. 4568
)
فَانْدفع ينشده إِيَّاهَا حَتَّى قَالَ: الْكَامِل
(وَتقول بوزع قد دببت على الْعَصَا ... هلا هزئت بغيرنا يَا بوزع)
قَالَ حَمَّاد: فَقَالَ: لي جَعْفَر: أعد هَذَا الْبَيْت. فأعدته. فَقَالَ: بوزع أيش هُوَ قلت: اسْم امْرَأَة. فَقَالَ: هُوَ بَرِيء من الله وَرَسُوله وَنفي من الْعَبَّاس إِن كَانَت بوزع إِلَّا غولاً من الغيلان تَرَكتنِي وَالله يَا هَذَا لَا أَنَام اللَّيْل من فزع بوزع يَا غلْمَان قَفاهُ قَالَ: فصغت حَتَّى لم أدر أَيْن أَنا.
ثمَّ قَالَ: جروا بِرجلِهِ. فجروا برجلي حَتَّى أخرجت من بَين يَدَيْهِ مسحوباً فنخرق السوَاد وانكسر جفن السَّيْف وَلَقِيت شرا عَظِيما. وَكَانَ أشر من ذَلِك غرامتي ثمن السوَاد وجفن السَّيْف.
وَكتب حَمَّاد إِلَى بعض الرؤساء الْأَشْرَاف: الْخَفِيف
(إِن لي حَاجَة فرأيك فِيهَا ... لَك نَفسِي فدى من الأوصاب)
(وَهِي لَيست مِمَّا يبلغهَا غي ... ري وَلَا يستطيعها فِي كتاب)
(غير إِنِّي أقولها حِين ألقا ... ك رويداً أسرها فِي حجاب)
(إِنَّنِي عاشق لجبتك الدكن ... اء عشقاً قد حَال دون الشَّرَاب)
(فاكسنيها فدتك نَفسِي وَأَهلي ... أتباهى بهَا على الْأَصْحَاب)
(وَلَك الله وَالْأَمَانَة أَن أج ... علها عمرها أَمِير ثِيَابِي)
стр. 4569
فَبعث بهَا إِلَيْهِ.
قَالَ ابْن النطاح: كَانَ حَمَّاد فِي أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص
فَنقبَ لَيْلَة على رجل وَأخذ مَاله فَكَانَ فِيهِ جُزْء من أشعار الْأَنْصَار فقرأه حَمَّاد فاستحلاه وَحفظه ثمَّ)
طلب الْأَدَب وَالشعر وَأَيَّام الْعَرَب ولغاتها بعد ذَلِك وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ فَبلغ فِي الْعلم مَا بلغ.
وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: سَمِعت الْمفضل الضَّبِّيّ يَقُول: قد سلط على الشّعْر حَمَّاد الراوية فأفسده. فَقلت لَهُ: وَكَيف أيخطئ فِي رِوَايَته أم يلحن فَقَالَ: ليته كَانَ ذَلِك فَإِن أهل الْعلم يردون من أَخطَأ إِلَى الصَّوَاب وَلكنه رجل عَالم بلغات الْعَرَب وَأَشْعَارهَا ومذاهب الشُّعَرَاء ومعانيها فَلَا يزَال يَقُول الشّعْر يشبه بِهِ مَذْهَب رجل ويدخله فِي شعره وَيحمل ذَلِك عَنهُ فِي الْآفَاق فيختلط بأشعار القدماء وَلَا يتَمَيَّز الصَّحِيح مِنْهَا إِلَّا عِنْد عَالم ناقد وَأَيْنَ ذَاك.
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ أَن الطرماح قَالَ: أنشدت حماداً الراوية فِي مَسْجِد الْكُوفَة وَكَانَ أذكى بَان الخليط بسحرة فتبددوا وَهِي سِتُّونَ بَيْتا فَسكت سَاعَة وَلَا أَدْرِي مَا يُرِيد ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: هَذِه لَك قلت: نعم. قَالَ: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك. ثمَّ ردهَا عَليّ كلهَا وَزِيَادَة عشْرين بَيْتا زَاد فِيهَا فِي وقته فَقلت لَهُ: وَيحك إِن هَذَا شعر قلته مُنْذُ أَيَّام مَا اطلع عَلَيْهِ أحد.
فَقَالَ: قد وَالله قلت هَذَا الشّعْر مُنْذُ عشْرين سنة وَإِلَّا فعلي وَعلي. فَقلت: لله عَليّ حجَّة أحجها حافياً رَاجِلا إِن
стр. 4570
جالستك بعْدهَا أبدا فَأخذ فبضة من حَصى
الْمَسْجِد ثمَّ قَالَ: عَليّ لله بِكُل حَصَاة مائَة حجَّة إِن كنت أُبَالِي. فَقلت لَهُ: أَنْت رجل ماجن وَالْكَلَام مَعَك ضائع. ثمَّ انصرفت.
وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَة نفر يُقَال لَهُم الْحَمَّادُونَ: حَمَّاد عجرد وَحَمَّاد الراوية وَحَمَّاد بن الزبْرِقَان يتنادمون على الشَّرَاب ويتناشدون الْأَشْعَار ويتعاشرون معاشرة جميلَة وَكَانُوا كَأَنَّهُمْ نفس وَاحِدَة وَكَانُوا يرْمونَ بالزندقة جَمِيعًا.
وَقد هجاه أَبُو الغول الطهوي بقوله: الْكَامِل
(نعم الْفَتى لَو كَانَ يعرف ربه ... أَو حِين وَقت صلَاته حَمَّاد)
(ضمت مشافره الشُّمُول فأنفه ... مثل الْقدوم يسنها الْحداد)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالسبْعين بعد السبعمائة)
стр. 4571
الطَّوِيل
(فليت لنا من مَاء زَمْزَم شربة ... مبردة باتت على طهيان)
على أَن من قد تَأتي للبدل. أَي: فليت لنا شربة بدل مَاء زَمْزَم.
-
وطيهان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَالْهَاء والمثناة التَّحْتِيَّة: جبل. وَرَوَاهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: باتت على الْهِمْيَان وَقَالَ: هَكَذَا الرِّوَايَة والنحاة يَرْوُونَهُ: على طهيان. والهميان: قَوَائِم من صَخْر شاخصة فِي بِلَاد غطفان.
وأنشده فِي مَادَّة برد قَالَ: وَبَردت المَاء تبريداً وَلَا يُقَال: أبردته إِلَّا فِي لُغَة رَدِيئَة. وَنسب الْبَيْت إِلَى الْأَحْوَال الْكِنْدِيّ. وَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ الروَاة فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الْبَيْت آخر قصيدة ليعلى الْأَزْدِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
(لَا تنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط ... كالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل)
على أَنه لَو صَحَّ قَول المُصَنّف فِي تَوْجِيه كَلَام الْعَرَب: قد كَانَ من مطر بِأَن أَصله: قد كَانَ شَيْء من مطر فَحذف الْفَاعِل الْمَوْصُوف بالظرف لجَاز أَن تكون الْكَاف فِي هَذَا الْبَيْت حرف جر وَيكون الْفَاعِل
стр. 4572
محذوفاً وَقد أقيم الظّرْف مقَامه فَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِالْبَيْتِ على أَن الْكَاف اسْم مَعَ أَنَّهَا اسْم وجوبا فِي الْبَيْت.
وَقد رد ابْن السراج فِي الْأُصُول مَا ذكره المُصَنّف قَالَ: فِي الْكَلَام والأشعار مَا يُوجب للكاف أَنَّهَا اسْم.
-
قَالَ الْأَعْمَش: أتنتهون وَلَا ينْهَى ذَوي شطط ... ... ... ... ... الْبَيْت فالكاف هِيَ الفاعلة. فَإِن قَالَ الْقَائِل: إِنَّمَا هِيَ نعت لمَحْذُوف أَرَادَ شَيْء كالطعن وَهِي حرف. قيل لَهُ: إِنَّمَا يخلف الِاسْم وَيقوم مقَامه مَا كَانَ اسْما مثله نَحْو: جَاءَنِي عَاقل ومررت بظريف. وَلَيْسَ بالْحسنِ إِلَّا فِيمَا يشكل من النعوت وَلَو كَانَ غير الِاسْم يخلفها لصلح أَن تَقول: جَاءَنِي يقوم وَكلمت يضْرب تُرِيدُ إنْسَانا ورجلاً وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَلِكَ يلزمك أَن تَقول: جَاءَنِي)
فِي الدَّار تُرِيدُ: رجل فِي الدَّار. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون تقدم بَعْضهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع والثلاثني بعد الستمائة.
وَقَبله: الْبَسِيط
(إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إِلَيْهِ الباقر الغيل)
(لَئِن قتلتم عميداً لم يكن صدداً ... لَنَقْتُلَنَّ مثله مِنْكُم فنمتثل)
(وَإِن منيت بِنَا عَن غب معركة ... لَا تلفنا عَن دِمَاء الْقَوْم ننتفل)
(لَا تنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط ... كالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل)
(حَتَّى يظل عميد الْقَوْم مرتفقاً ... يدْفع بِالرَّاحِ عَنهُ نسْوَة عجل
)
(أَصَابَهُ هندواني فأقصده ... أوذابل من رماح الْخط معتدل)
стр. 4573
قَوْله: إِنِّي لعمر الَّذِي ... إِلَخ اللَّام للتوكيد وعَمر بِالْفَتْح مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف يقدر بعد تَمام الْبَيْت تَقْدِيره قسمي. وَعمر مُضَاف إِلَى الَّذِي بِتَقْدِير مَوْصُوف أَي: لعمر الله الَّذِي. وَمعنى لعمر الله: أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه.
وَالْبَيْت الَّذِي بعده جَوَاب الْقسم وَالْقسم وَجَوَابه خبر إِنِّي. وحطت بِالْحَاء الْمُهْملَة بِمَعْنى اعتمدت. ومناسمها فَاعله والمناسم: جمع منسم كمجلس وَهُوَ طرف خف الْإِبِل. وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث ضمير الْإِبِل وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لِأَن المناسم تدل عَلَيْهَا.
والعائد إِلَى الَّذِي مَحْذُوف تَقْدِيره إِلَيْهِ أَي: إِلَى بَيته وَيدل عَلَيْهِ مَا بعده. وتخدي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة أَي: تسير سيراً شَدِيدا وفاعله ضمير المناسم فِيهِ وَالْجُمْلَة حَال من المناسم. وَإسْنَاد الخدي إِلَى المناسم مجَاز عَقْلِي وَفِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لِلْإِبِلِ.
وروى أَبُو عُبَيْدَة: لَهُ بدل تخدي فالعائد حِينَئِذٍ مَذْكُور.
وَقَوله: وسيق عطف على حطت أَي: وَعمر الَّذِي سيق إِلَيْهِ. والباقر نَائِب فَاعل سيق وَهُوَ اسْم جمع مَعْنَاهُ جمَاعَة الْبَقر.
والغيل بِضَمَّتَيْنِ: جمع غيل بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بِمَعْنى الْكثير.
يُرِيد: إِنِّي أقسم بِاللَّه الَّذِي تسرع الْإِبِل إِلَى بَيته ويساق إِلَيْهِ الْهَدْي.
والخطيب التبريزي لم يَأْتِ فِي شرح هَذَا الْبَيْت بِشَيْء مَعَ أَنه اخْتلفت الروَاة فِيهِ وَخطأ الْعلمَاء بَعضهم بَعْضًا فِيهِ.)
وَقد روى أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي أول كِتَابه: التَّنْبِيهَات على
أغلاط الروَاة. مَا وَقع للأئمة الْأَعْلَام من الردود وتخطئة بَعضهم بَعْضًا فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ:
стр. 4574
وَنقل إِلَيْنَا من غير وَجه أَن أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: روى أَبُو عُبَيْدَة بَيت الْأَعْشَى: وسيق إِلَيْهِ الباقر العَثلُ أَي: بِعَين مُهْملَة وثاء مُثَلّثَة مفتوحتين فَأرْسلت إِلَيْهِ: صحفت إِنَّمَا هُوَ الغيل أَي: وروى عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: الغيل: السمان من قَوْلهم: ساعد غيلٌ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يروي هَذَا الْبَيْت.
(إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إِلَيْهِ الباقر العثل)
وَحكى ابْن قُتَيْبَة أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَنهُ فَقَالَ: لم أسمع بالعثل إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْت. وَلم يفسره. قَالَ: وَسَأَلت أَبَا عُبَيْدَة عَنهُ فَقَالَ: العثل: الْكثير.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وخبرنا غَيره أَن الْأَصْمَعِي كَانَ يروي: وجد عَلَيْهَا النافر الْعجل يُرِيد: النفار من منى. والنافر لَفظه لفظ وَاحِد وَهُوَ معنى جمع. وَقد اخْتلف عَنهُ فِي الْعجل فَقَالَ بعض: العُجُل بِضَم الْعين وَقَالَ بعض العِجِل أَي: فتح فَكسر وَجعله وَصفا لوَاحِد.
قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة: حطت مناسمها بِالْحَاء غير مُعْجمَة وَقَالَ: يَعْنِي حطاطها فِي السّير وَهُوَ الِاعْتِمَاد. وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِي: خطت مناسمها بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: شقَّتْ التُّرَاب.
-
وَأنْشد للنابعة: الْكَامِل فَمَا خططت غباري أَي: شققته. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حطت خطأ.
стр. 4575
فَانْظُر إِلَى اخْتلَافهمْ فِي هَذَا الْبَيْت. ورد بَعضهم على بعض ومراسلة أبي عَمْرو أَبَا عُبَيْدَة فِيهِ.
وَقد أصَاب أَبُو عَمْرو فِي الغيل وصحف أَبُو عُبَيْدَة لِأَن لتفسيري أبي عَمْرو وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ معروفين وَتَفْسِير أبي عُبَيْدَة غير مسموع من غَيره وَلَا مَعْرُوف.
وَلَا تلتفتن إِلَى قَول ابْن دُرَيْد: نعم عَثلٌ وعثِلٌ: كثير وَلَا إِلَى قَوْله: العَثَل: الغلظ والفخامة عَثِلَ يَعثَل عَثلاً. وكل كثير عَثَل. فَكل هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة.
وَأصَاب أَبُو عُبَيْدَة فِي حطت لِأَنَّهُ وَجه صَحِيح وَأَخْطَأ الْأَصْمَعِي فِي قَوْله: حطت بِالْمُهْمَلَةِ)
خطأ. وَلِأَن تكون مُعْتَمدَة فِي سَيرهَا بمناسمها خير من أَن تكون خاطة. والحظ بِالْمُهْمَلَةِ: الِاعْتِمَاد يُقَال: حَطَّ يحُطُّ حطَّاً إِذا اعْتمد. وَلما لم يعرفهُ الْأَصْمَعِي رده.
قَالَ عَمْرو بن الْأَهْتَم: الطَّوِيل
(ذَرِينِي فَإِن الشَّيْخ يَا أم هَيْثَم ... لصالح أَخْلَاق الرِّجَال سروق)
(ذَرِينِي وحطي فِي هواي فإنني ... على الْحسب الزاكي الرفيع شفيق
)
وَمن هَذَا أَخذ: حط الْأَدِيم وَهُوَ صقله ودلكه وَذَاكَ لِأَن صاقله
стр. 4576
يعْتَمد عَلَيْهِ. يُقَال: حطه يحطه حطاً فَهُوَ أَدِيم محطوط. والخشبة الَّتِي يصقل عَلَيْهَا يُقَال لَهَا: المحط.
(كَأَن محطاً فِي يَدي حارثية ... صناع علت مني بِهِ الْجلد من عل)
شبه برْقَان بدنه لماء الشَّبَاب وترارته بالأديم المصقول. انْتهى مَا أرده أَبُو الْقَاسِم.
وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: وَقد رووا بَيْتا من شعر الْأَعْشَى على عشرَة أوجه وَهُوَ: إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... ... ... ... ... الْبَيْت وَذكرت الْأَوْجه ليعلم قدر عنايتهم بِالْعلمِ وَصرف اهتمامهم إِلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَصْمَعِي: إِنِّي لعمر الَّذِي خطت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَرِوَايَة عسل عَنهُ بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: خطت يَعْنِي أَنَّهَا تشق التُّرَاب. قَالَ: وَمثله قَول النَّابِغَة:
(أعلمت يَوْم عكاظ حِين لقيتني ... تَحت العجاج فَمَا خططت غباري)
أَي: قصرت عَنهُ أَن تُدْرِكهُ. قَالَ: وَلَا يكون حطت لِأَن الحطاط
стр. 4577
الِاعْتِمَاد فِي الزِّمَام. وَرَوَاهَا أَبُو عَمْرو: حطت بِالْحَاء وَقَالَ: هُوَ أَن يعْتَمد فِي أحد شقيه. وَرَوَاهُ: تخدي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: الباقر العيل بِعَين غير مُعْجمَة بعْدهَا بَاء تحتهَا نقطتان.
-
وَفِي رِوَايَة الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي: الباقر العثل بِعَين وثاء فَوْقهَا ثَلَاث نقط وَفَسرهُ فَقَالَ: العثل والعنج وَاحِد وَهُوَ الْجَمَاعَة.
وَفِي رِوَايَة عسل: حطت بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة وَقَالَ: مَعْنَاهُ أسرعت. قَالَ: والعثل الْكَبِير الثقيل: يُقَال: انْكَسَرت يَده ثمَّ عثلت تثعل أَي: ثقلت عَلَيْهِ. هَذِه رِوَايَة الْأَصْمَعِي. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة: حطت بِالْحَاء وَهُوَ الِاعْتِمَاد فِي أحد شقيها إِذا سَارَتْ.
وروى: العثل وَقَالَ: هِيَ القطيع وَالْجَمَاعَات يُقَال: ذَلِك فِي النَّاس وَالْإِبِل. وَكَذَلِكَ العثج وَلم يعرف الغيل.)
وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الغيل بغين مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَفَسرهُ بالكثير وَقَالَ: يُقَال: مَاء غيل إِذا كَانَ كثيرا. والغيل أَيْضا السمان. يُقَال: ساعد غيل إِذا كَانَ ممتلئاً رياً.
قَالَ: وروى أَبُو عُبَيْدَة: العثل بالثاء منقوطة بِثَلَاث فَأرْسلت إِلَيْهِ: أَن قد صحفت إِنَّمَا هُوَ الغيل.
وروى بَعضهم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الرِّوَايَة: وجد عَلَيْهَا النافر الْعجل بِالْجِيم. والنافر بالنُّون وَالْفَاء. أَي: خطت مناسمها تخدي ذَاهِبَة ثمَّ جدت عَلَيْهَا النفار من منى حَيْثُ نفروا.
وَقَالَ أَبُو الْحباب: قلت لَهُ: إِنَّمَا قَالَ النافر وَهُوَ وَاحِد ثمَّ قَالَ الْعجل فَقَالَ: كَقَوْلِك: يَا أَيهَا الرجل وكلكم ذَلِك الرجل. وَكَثِيرًا مَا يَجِيء الْوَاحِد فِي معنى الْجَمِيع.
стр. 4578
وَرَوَاهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام عَن أَصْحَابه خطت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: يَعْنِي أَنَّهَا تشق التُّرَاب. قَالَ: فَمَا خططت غباري
يَعْنِي مَا شققته أَي: قصرت عَنهُ وَلم تُدْرِكهُ. وروى بَعضهم حطت مناسمها تحدى بحاء مُهْملَة بَدَلا من تخدي.
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْبَيْت وَكم تَعب من الروَاة وَالْعُلَمَاء وَاحْتَمَلُوهُ لطلب الْفَائِدَة فِيهِ. انْتهى كَلَام العسكري.
وَقَوله: لَئِن قتلتم ... إِلَخ اللَّام هِيَ الموطئة للقسم. وَقَوله: لَنَقْتُلَنَّ جَوَاب الْقسم وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم.
وَقَوله: وَإِن منيت بِنَا ... . إِلَخ يَأْتِي إِن شَاءَ الله شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد التسْعمائَة فِي حُرُوف الشَّرْط. وَالْخطاب ليزِيد بن مسْهر الشَّيْبَانِيّ فَإِنَّهُ كَانَ أغوى بني سيار فِي أَن يقتلُوا سيداً من رَهْط الْأَعْشَى على مَا تقدم سَببه هُنَاكَ.
والعميد: السَّيِّد الَّذِي يعمد أَي: يقْصد. والصدد بقتحتين: المقارب.
وَقَوله: فنمتثل أَي: نقْتل الأمثل. وأماثل الْقَوْم: خيارهم. يَقُول: وَالله إِن قتلتم منا دون السَّيِّد لنقتل أمثلكم.
وَقَوله: لَا تنتهون ... إِلَخ أَي: لَا تنزجرون.
وَقَوله: وَلنْ ينْهَى ... إِلَخ الْبَيْت: جملَة مُعْتَرضَة بَين لَا تنتهون وَبَين مُتَعَلّقه وَهُوَ حَتَّى يظل)
الْبَيْت الْآتِي. وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الْجُمْلَة حَالية. وعذره أَنه لم ينشد الْبَيْت الَّذِي
стр. 4579
بعده.
ويروى: أتنتهون بالاستفهام الإنكاري وَلنْ ينْهَى بِفَتْح الْهَاء وَذَوي مفعول مقدم. يُقَال: ينهاه أَي: يزجره ويمنعه.
والشطط بِفتْحَتَيْنِ: الْجور وَالظُّلم. فِي الْمِصْبَاح: شط فلَان فِي حكمه شطوطاً وشططاً: جَار وظلم. وشط فِي القَوْل شططاً وشطوطاً: أغْلظ فِيهِ. وشط فِي السّوم: أفرط. والجميع من بَابي ضرب وَقتل.
وَالْكَاف من قَوْله كالطعن اسْم فَاعل ينْهَى والطعن مُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ
مصدر طعنه بِالرُّمْحِ طَعنا من بَاب قتل.
وَيهْلك بِكَسْر اللَّام من بَاب ضرب. وَجُمْلَة: يهْلك ... إِلَخ صفة لِلطَّعْنِ لِأَن اللَّام فِيهِ للْجِنْس. والفتل بِضَمَّتَيْنِ: جمع فَتِيلَة أَرَادَ فَتِيلَة الْجراحَة.
وَالْمعْنَى: لَا ينْهَى أَصْحَاب الْجور مثل طعن جائف أَي: نَافِذ إِلَى الْجوف يغيب فِيهِ الزَّيْت والفتل. يُرِيد أَنه لَا يمْنَع الجائرين من الْجور إِلَّا الْقَتْل.
وَقَوله: حَتَّى يظل ... إِلَخ حَتَّى جَارة بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بقوله: لَا تنتهون. ويظل بِمَعْنى يسْتَمر والمرتفق: الطَّالِب الرِّفْق والإعانة. والراح: جمع رَاحَة الْيَد. والعجل بِضَمَّتَيْنِ جمع عجول وَهِي الثكلى.
يَقُول: حَتَّى يظل سيد الْحَيّ تدفع عَنهُ النِّسَاء بأكفهن لِئَلَّا يقتل لِأَن من يدْفع عَنهُ من الرِّجَال قتل.
وَقيل الْمَعْنى: يدفعن لِئَلَّا يُوطأ بعد الْقَتْل. وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: أَصَابَهُ هندواني أَي: سيف مَنْسُوب إِلَى الْهِنْد.
وأقصده: قَتله مَكَانَهُ. وذابل هُوَ الرمْح. والخط بِالْفَتْح: مَوضِع بِالْيَمَامَةِ تنْسب إِلَيْهِ الرماح وَهِي لَا تنْبت بالخط إِنَّمَا هُوَ سَاحل للسفن الَّتِي تحمل القنا إِلَيْهِ وتعمل بِهِ.
стр. 4580
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(وَأَنت الَّتِي جببت شغباً إِلَى بدا ... إِلَيّ وأوطاني بِلَاد سواهُمَا)
على أَن إِلَى الأولى فِيهِ للانتهاء أَي: مُضَافا إِلَى بدا. وَذكر الْمُتَعَلّق لإِفَادَة أَن إِلَى مَعَ مجرورها وَاقعَة موقع الْحَال من شغب ولإفادة أَن الْغَايَة دَاخل فِي المغيا.
وَزعم الْكُوفِيُّونَ أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنى مَعَ وَهُوَ خلاف الأَصْل من غير ضَرُورَة تلجئ إِلَيْهِ.
وَمن الْغَرِيب قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إِنَّهَا بِمَعْنى الْفَاء. قَالَ: إِذْ الْمَعْنى شغباً فَبَدَا وهما موضعان.
وَيدل على إِرَادَة التَّرْتِيب قَوْله بعده: الطَّوِيل
(حللت بِهَذَا حلَّة ثمَّ حلَّة ... بِهَذَا فطاب الواديان كِلَاهُمَا)
وَهَذَا الْمَعْنى غَرِيب لِأَنِّي لم أر من ذكره. اه.
وَقد رد عَلَيْهِ شَارِحه الدماميني بِأَن من حق النُّحَاة أَن لَا يذكروه مستندين إِلَى هَذَا الدَّلِيل فَإنَّا لَا نسلم إِرَادَة التَّرْتِيب فِي الْبَيْت الأول لاحْتِمَال أَن يكون إِلَى فِيهِ للمعية كَمَا قَالَه جمَاعَة كَثِيرَة ومتعلقة بِمَحْذُوف إِن لم نقل بذلك أَي: مَعَ
بدا أَو مضموماً إِلَى بدا.
وَالْبَيْت الثَّانِي
стр. 4581
لَا يدل على إِرَادَة التَّرْتِيب فِي الأول إِذْ حلولها بِأحد المكانين بعد حلولها بِالْآخرِ لَا يَقْتَضِي أَن الْمَكَان الأول حبب إِلَيْهِ أَولا بسب حلولها فِيهِ وَأَن الثَّانِي حبب إِلَيْهِ بعد ذَلِك لحلولها بِهِ إِذْ من الْجَائِز أَن يكون حب المكانين حصل لَهُ فِي آن وَاحِد بعد حلولها فيهمَا على ثمَّ وَلَو سلم دلَالَة الْبَيْت الثَّانِي على التَّرْتِيب فِي الأول لم يدل على دَعْوَاهُ لِأَن التَّرْتِيب الْوَاقِع فِي الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ ب ثمَّ لَا بِالْفَاءِ. وَفِي بعض النّسخ: حلَّة بعد حلَّة. اه.
وَأما إِلَى الثَّانِيَة فقد شرحها الشَّارِح الْمُحَقق بعد أسطر.
والبيتان فِي الحماسة ونسبهما لكثير عزة. وَالرِّوَايَة فِيهَا كَذَا:
(وحلت بِهَذَا حلَّة ثمَّ أَصبَحت ... بِهَذَا فطاب ... ... ... إِلَخ)
قَالَ المرزوقي: خاطبها فِي الْبَيْت معتداً عَلَيْهَا بِأَنَّهُ كَمَا آثرها على أَهله وعشيرته آثر بلادها على بِلَاده فَذكر طرفِي محالها فَقَالَ: أحب لَك وفيك شغباً إِلَى بدا وبلادي بِلَاد غَيرهمَا.
ثمَّ أخبر عَنْهَا فِي الْبَيْت الثَّانِي فَقَالَ: نزلت بِهَذَا يُشِير إِلَى شغب نزلة ثمَّ أَصبَحت ببدا ففاح)
الواديان وتضوعا برياها.
وَمثله قَوْله الآخر: المنسرح
(اسْتوْدعت نشرها الرياض فَمَا ... تزداد طيبا إِلَّا على الْقدَم)
وَفِي بعض نسخ الحماسة بَيت بَينهمَا وَهُوَ:
(إِذا ذرفت عَيْنَايَ أعتل بالقذى ... وَعزة لَو يدْرِي الطَّبِيب قذاهما
стр. 4582
)
أَي: عزة سَبَب قذاهما. وشغب بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين. وبداً بِفَتْح الْمُوَحدَة قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: هما من بِلَاد عذرة يُرِيد أَنَّهُمَا من بِلَاد الْيمن.
ويناسبه مَا نَقله أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم بعد قَوْله: شغب: قَرْيَة الزُّهْرِيّ الْفَقِيه: عَن ابْن أبي أويس قَالَ: خرج عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي نَحْو الْيمن وَمَعَهُ ابْنه فَنزلَا على غدائهما فَقَالَ عبد الله بن السَّائِب: الطَّوِيل
(فَلَمَّا علوا شغباً تبينت أَنه ... تقطع من أهل الْحجاز علائقي)
فَقَالَ ابْنه: الطَّوِيل
(فَلَا زلن حسرى ظلعاً لم حملننا ... الى بلد ناء قَلِيل الأصادق)
فَقَالَ أَبوهُ: أمك طَالِق إِن تغدينا أَو تعشينا إِلَّا على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
وَلكنه قَالَ: شغب قد تقدم ذكره وتحديده فِي رسم بدا. وَالَّذِي قَالَه فِي بدا: أَنه مَوضِع بَين طَرِيق مصر وَالشَّام.
قَالَ كثير: وَأَنت الَّتِي حببت شغباً إِلَى بدا ... ... ... ... ... . الْبَيْت وشغب: منهل بَين طَرِيق مصر وَالشَّام أَيْضا.
قَالَ جميل:
стр. 4583
الطَّوِيل وَقد ورد بدا فِي شعر زِيَادَة بن زيد ممدوداً فَلَا أَدْرِي أمده ضَرُورَة أم فِيهِ لُغَتَانِ. قَالَ: الطَّوِيل
(
وهم أطْلقُوا أسرى بداء وأدركوا ... نسَاء ابْن هِنْد حِين تهدى لقيصرا)
هَذَا مَا ذكره. وَهُوَ لَا يُنَاسب شعر ابْن السَّائِب وَلَا شعر جميل فَإِنَّهُ عُذْري.
وَلم يزدْ ابْن ولاد والقالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهما على قَوْلهمَا: بدا: اسْم مَوضِع مَقْصُور)
يكْتب بِالْألف. يُقَال: بَين شغب وبدا. وَأنْشد الْبَيْت الشَّاهِد. وَالله أعلم.
وترجمة كثير عزة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(فَلَا تتركني بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب)
على أَنه قيل إِلَى فِيهِ بِمَعْنى فِي وَالْوَجْه أَن تكون على أَصْلهَا للانتهاء لِأَن قَوْله: مَطْلِي بِهِ القار مَعْنَاهُ مكره مبغض. وَهُوَ يتَعَدَّى بإلى.
وَهَذَا تَوْجِيه ابْن عُصْفُور قَالَ فِي كتاب الضرائر: إِنَّمَا وَقعت فِيهِ إِلَى موقع فِي لِأَنَّهُ إِذا كن بِمَنْزِلَة الْبَعِير الأجرب المطلي الَّذِي يخَاف
стр. 4584
عدواه فيطرد عَن الْإِبِل إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَينهَا كَانَ مبغضاً إِلَى النَّاس فعومل مَطْلِي كَذَلِك مُعَاملَة مبغض.
-
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: هُوَ على تضمين مَطْلِي معنى مبغض. وَلَو صَحَّ مَجِيء إِلَى بِمَعْنى فِي لجَاز زيد إِلَى الْكُوفَة. اه.
وَقَالَ بَعضهم: إِلَى مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي: مَطْلِي بالقار مُضَافا إِلَى النَّاس فَحذف وقلب الْكَلَام. وَلَا يخفى سماجته.
والوعيد: التهديد. والقار هُنَا: القطران. وَإِنَّمَا شبه نَفسه بالبعير الأجرب المطلي بالقطران لِأَن النَّاس يطردونه إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَين إبلهم لِئَلَّا يعرها بالقطران ويعديها بدائه.
والقار نَائِب فَاعل مَطْلِي وَبِه مُتَعَلق بمطلي. وَالْأَصْل مَطْلِي بالقار فمرفوع مَطْلِي هُوَ الْمُسْتَتر لكنه قلب. وَقيل: رُوِيَ: القار بِالْجَرِّ على أَنه بدل من ضمير بِهِ فَلَا قلب.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ فِي شَيْء اتهمَ بِهِ عِنْده فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك الشَّام بني جَفْنَة الغسانيين كَمَا تقدم بَيَانه فِي تَرْجَمته وَاعْتذر إِلَيْهِ بعدة قصائد فِي انضمامه إِلَى بني جَفْنَة والتبري مِمَّا رمي بِهِ أَوله: الطَّوِيل إِلَى أَن قَالَ:
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مطلب)
...
стр. 4585
(لَئِن كنت قد بلغت عني جِنَايَة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب))
(وَلَكِنِّي كنت امْرأ لي جَانب ... من الأَرْض فِيهِ مستراد وَمذهب)
(مُلُوك وإخوان إِذا مَا أتيتهم ... أحكم فِي أَمْوَالهم وَأقرب)
(كفعلك فِي قوم أَرَاك اصطنعتهم ... فَلم ترهم فِي شكر ذَلِك أذنبوا)
(فَلَا تتركني بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب
)
(ألم تَرَ أَن الله أَعْطَاك سُورَة ... ترى كل ملك دونهَا يتذبذب)
(فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب)
(فلست بمستبق أَخا لَا تلمه ... على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
(فَإِن أك مَظْلُوما فعبد ظلمته ... وَإِن تَكُ غضباناً فمثلك يعتب)
وَقَوله: أَبيت اللَّعْن جملَة دعائية اعْتِرَاض بهَا بَين الْفِعْل وفاعله يخاطبون الْمُلُوك بهَا تَحِيَّة.
وَمَعْنَاهُ أَبيت أَن تفعل شَيْئا تلعن بِهِ.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن بِهِ.
وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة مُلُوك لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان. وَكَانَت مَنَازِلهمْ الشَّام.
وَتلك: إِشَارَة إِلَى الْمَلَامَة المفهومة من لمتني إِذْ الْمَعْنى: أَتَتْنِي ملامتك إيَّايَ. وأهتم أصير ذَا هم.
وأنصب: مضارع نصب كفرح أَي: أتعب وأعيا.
وَقَوله: حَلَفت قسم وَجَوَابه: لَئِن كنت وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض.
والريبة: الشَّك وَجُمْلَة: وَلَيْسَ وَرَاء الله ... إِلَخ جملَة مُؤَكدَة لمضمون
стр. 4586
مَا قبلهَا فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وَرَاء الله مطلب لأحد لم يحلف بأعظم مِنْهُ فَكيف يحلف بِهِ كَاذِبًا.
-
وَهَذَا الْبَيْت وَمَا بعده من الأبيات الْأَرْبَعَة اسْتشْهد بِهِ أهل البديع على النَّوْع الْمُسَمّى عِنْدهم بِالْمذهبِ الكلامي وَهُوَ إِيرَاد حجَّة للمطلوب على طَريقَة أهل الْكَلَام.
وَالْجِنَايَة: الذَّنب. والوشي: النمام. وغشه: لم يخلص لَهُ النصح. ولي جَانب من الأَرْض صفة امْرأ وَفِيه إِعَادَة الضَّمِير الرابط ضمير تكلم. وَأَرَادَ بالجانب أَرض الشَّام.
والمستراد: مَوضِع يتَرَدَّد فِيهِ لطلب الرزق. وملوك وإخوان: بدل من مستراد وَمذهب أَو بِتَقْدِير: فِيهِ مُلُوك وإخوان. وَمعنى أحكم: أتصرف فِي أَمْوَالهم كَيفَ أَشَاء.
وَقَوله: كفعلك ... إِلَخ قَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد كَمَا فعلت أَنْت بِقوم قربتهم وأكرمتهم فتركوا)
وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْمنزلَة الرفيعة والشرف. وبالبيت اسْتشْهد الْبَيْضَاوِيّ لِمَعْنى السُّورَة. وَملك بِسُكُون اللَّام: لُغَة فِي كسرهَا. ويتذبذب: يضطرب.
وَقَوله: فَإنَّك شمس قَالَ الْمبرد: هَذَا من أعجب التَّشْبِيه.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله تَسْلِيَة النُّعْمَان عَمَّا حصل عِنْده من
стр. 4587
مدحه آل جَفْنَة ثمَّ كرّ معتذراً عَن زلته فَقَالَ: وَلست بمستبق أَخا إِلَخ يَقُول: أَي الرِّجَال يكون مبراً من الْعُيُوب فَإِن قطعت إخوانك بذنب لم يبْق لَك أَخ. وتلمه: تصلحه وَتصْلح مَا تشعث من أمره وَفَسَد.
وَالْبَيْت اسْتشْهد بِهِ عُلَمَاء الْبَيَان للتذييل وَهُوَ تعقيب الْكَلَام بجملة تشْتَمل على مَعْنَاهُ للتوكيد.
وَقَوله: فَإِن أك مَظْلُوما أَي: باستمرار غضبك عَليّ. جعل غَضَبه ظلما
لَهُ لِأَنَّهُ عَن غير مُوجب. فَأَنت إِنَّمَا ظلمت عبدا من عبيدك وَلَيْسَ لأحد اعْتِرَاض فِيهِ.
وَقَوله: وَإِن تَكُ غضباناً ... إِلَخ رُوِيَ أَيْضا: وَإِن تَكُ ذَا عتبى فمثلك يعتب بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يرجع لَهُ إِلَى مَا يحب. وَيُقَال: لَك العتبى أَي: الرُّجُوع إِلَى مَا تحب. وَقيل: يعتب بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل أَي: يُعْطي العتبى يُقَال: أعتبه إِذا أعطَاهُ الرِّضَا وَهُوَ العتبى.
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني ... الى ذرْوَة الْبَيْت الْكَرِيم المصمد)
على أَن إِلَى فِيهِ على أَصْلهَا وَهِي مَعَ مجرورها حَال من الْيَاء فِي تلاقني مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: تلاقني منتسباً إِلَى ذرْوَة الْبَيْت ... إِلَخ.
وَلَيْسَت هُنَا بِمَعْنى فِي كَمَا قيل حَكَاهُ ابْن السراج قَالَ فِي الْأُصُول: وَقَالُوا فِي قَول طرفَة:
стр. 4588
وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني إِلَخ إِن إِلَى بِمَعْنى فِي.
-
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ قَول الزوزني شَارِح المعلقات فِي شرح هَذَا الْبَيْت يَقُول: وَإِن اجْتمع الْحَيّ للافتخار تلاقني أَنْتَهِي إِلَى ذرْوَة الْبَيْت الشريف أَي: إِلَى أَعلَى الشّرف. يُرِيد أَنه أوفاهم حظاً من الْحسب وَأَعْلَاهُمْ سَهْما من النّسَب.
وَقَوله: تلاقني إِلَى يُرِيد: أعتزي إِلَى ذرْوَة فَحذف الْفِعْل لدلَالَة الْحَرْف عَلَيْهِ. اه.
وَكَذَا فِي شرح أدب الْكَاتِب لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي قَالَ: قيل مَعْنَاهُ فِي ذرْوَة. وَهَذَا لَا يلْزم لِأَنَّهُ يُمكن أَن يُرِيد آوياً إِلَى ذرْوَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء فَلَا حجَّة فِيهِ.
وَقَالَ الأعلم الشنتمري فِي شرح الْمُعَلقَة: يَقُول: إِذا التقى الْحَيّ الْجَمِيع بعد افتراقهم وجدتني فِي مَوضِع الشّرف مِنْهُم وعلو الْمنزلَة.
وَقَوله: إِلَى ذرْوَة أَي: فِي ذرْوَة الْبَيْت. وذروة كل شَيْء: أَعْلَاهُ. والمصمد: الَّذِي يصمد إِلَيْهِ النَّاس لشرفه ويلجؤون إِلَيْهِ فِي حوائجهم. والصمد: الْقَصْد. اه.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي شرح ديوَان طرفَة أَي: إِذا التقى الْحَيّ الْجَمِيع الَّذين كَانُوا مُتَفَرّقين وجدتني فِي الشّرف.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس والخطيب التبريزي: يُرِيد: وَإِن يلتق
стр. 4589
الْحَيّ للمفاخرة وَذكر الْمَعَالِي تجدني مَعَهم.
قَالَ أَبُو الْحسن: معنى إِلَى ذرْوَة أَي: مَعَ ذرْوَة وَهُوَ تَمْثِيل. وَإِنَّمَا يُرِيد بِالْبَيْتِ هَاهُنَا الْأَشْرَاف الَّذين يقصدون فشبههم هَاهُنَا بِالْبَيْتِ الرفيع. اه.
)
فَهَذَا معنى ثَالِث لإلى فِي الْبَيْت.
وَهُوَ من معلقَة طرفَة بن العَبْد. وَقَبله: الطَّوِيل
(فَإِن تبغني فِي حَلقَة الْقَوْم تلقني ... وَإِن تقتنصني فِي الحوانيت تصطد)
(مَتى تأتني أصبحك كأساً روية ... وَإِن كنت عَنْهَا ذَا غنى فاغن وازدد)
وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(نداماي بيض كَالنُّجُومِ وقينة ... تروح علينا بني برد ومجسد)
(رحيب قطاب الجيب مِنْهَا رَفِيقَة ... بجس الندامى بضة المتجرد)
قَوْله: وَلست بحلال التلاع ... إِلَخ تقدم شَرحه مَعَ الَّذِي بعده فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين بعد الستمائة.
وَكَذَلِكَ تقدم شرح قَوْله: نداماي
стр. 4590
بيض مَعَ الْبَيْت الَّذِي بعده فِي الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الثلثمائة وَفِي الشَّاهِد الَّذِي بعد الثَّانِي عشر والستمائة.
وَقَوله: مَتى تأتني أصبحك ... إِلَخ فِي الصِّحَاح: الصبوح: الشّرْب بِالْغَدَاةِ
وَهُوَ خلاف الغبوق. تَقول: صبحته صبحاً. اه.
يَقُول: أسقك صَبُوحًا. وَالرِّوَايَة: المروية. والكأس: الْخمر فِي الْإِنَاء وَهِي الْإِنَاء أَيْضا إِذا كَانَ فِيهِ خمر. وَمعنى فاغن وازدد: فاغن بِمَا عنْدك أَي: استغن بِهِ وازدد غنى.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
(ألْقى الصَّحِيفَة كي يُخَفف رَحْله ... والزاد حَتَّى نَعله أَلْقَاهَا)
تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة من بَاب الِاشْتِغَال.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(
وأكفيه مَا يخْشَى وأعطيه سؤله ... وألحقه بالقوم حتاه لَاحق)
على أَن الْمبرد زعم أَن حَتَّى هُنَا جرت الضَّمِير. وَلَيْسَ كَذَلِك
следующие страницы →