Полный текст (5 658 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(الْخَفِيف)
(دمية عِنْد رَاهِب ذِي اجْتِهَاد ... صوروها بِجَانِب الْمِحْرَاب)
وَيَعْنِي ب الدمية الصُّورَة والهباء الْغُبَار الرَّقِيق والقطيفة كسَاء ذُو خمل والأخطل هَذَا هُوَ التغلبي الشَّاعِر الْمَشْهُور من الأراقم واسْمه غياث بن غوث بن الصَّلْت بن طارقة وأنهى نسبته الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف إِلَى تغلب
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب وَسمي الأخطل من الخطل وَهُوَ استرخاء الْأُذُنَيْنِ وَمِنْه قيل لكلاب الصَّيْد خطل قَالَ شَارِحه ابْن السَّيِّد لَا أعلم أحدأ ذكر أَن الأخطل كَانَ طَوِيل الْأُذُنَيْنِ مسترخيهما وَالْمَعْرُوف أَنه لقب الأخطل لبذاءته وسلاطه لِسَانه وَذَلِكَ أَن ابْني جعيل)
(لعمرك إِنَّنِي وَابْني جعيل ... وأمهما لإستار لئيم)
فَقيل إِنَّه لأخطل فَلَزِمَهُ هَذَا اللقب والإسنار مُعرب جهار وَهُوَ أَرْبَعَة من الْعدَد بِالْفَارِسِيَّةِ وَقَالَ بعض الروَاة وَحكى نَحْو ذَلِك أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني
стр. 457
إِن السَّبَب فِي تلقيبه بالأخطل أَن كَعْب بن جعيل كَانَ شَاعِر تغلب فِي وقته وَكَانَ لَا يلم برهط مِنْهُم إِلَّا أكرموه وَأَعْطوهُ فَنزل على رَهْط الأخطل فأكرموه وجمعوا لَهُ غنما وحظروا عَلَيْهَا حَظِيرَة فجَاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها فَخرج كَعْب وَشَتمه واستعان بِقوم من تغلب فجمعوها لَهُ وردوها إِلَى الحظيرة فَارْتَقِبْ الأخطل غفلته ففرقها ثَانِيَة فَغَضب كَعْب وَقَالَ كفوا عني هَذَا الْغُلَام وَإِلَّا هجوتكم فَقَالَ لَهُ الأخطل إِن هجوتنا هجوناك وَكَانَ الأخطل يَوْمئِذٍ يقرزم والقرزمة أَن يَقُول الشّعْر فِي أول أمره قبل أَن يستحكم طبعه وتقوى قريحته فَقَالَ كَعْب وَمن يهجوني فَقَالَ أَنا فَقَالَ كَعْب
(ويل لهَذَا الْوَجْه غب الحمه)
فَقَالَ الأخطل
(فناك كَعْب بن جعيل أمه)
فَقَالَ كَعْب إِن غلامكم هَذَا لأخطل ولج الهجاء بَينهمَا فَقَالَ الأخطل (المتقارب)
(سميت كَعْبًا بشر الْعِظَام ... وَكَانَ أَبوك يُسمى الْجعل)
(وَأَنت مَكَانك من وَائِل ... مَكَان القراد من است الْجمل)
فَفَزعَ كَعْب وَقَالَ وَالله لقد هجوت نَفسِي بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَعلمت أَن ساهجى بهما وَقيل بل قَالَ هجوت نَفسِي بِالْبَيْتِ الأول من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
стр. 458
وَقيل إِن الأخطل اسْمه غويث ويكنى أَبَا مَالك ويلقب دوبلا أَيْضا والدوبل الْحمار الْقصير الذَّنب وَيُقَال إِن جَرِيرًا هُوَ الَّذِي لقبه بذلك بقوله (الطَّوِيل)
(بَكَى دوبل لَا يرقىء الله دمعه ... إِلَّا إِنَّمَا يبكى من الذل دوبل)
وَمَات على نصرانيته وَكَانَ مقدما عِنْد خلفاء بني أُميَّة لمدحه لَهُم وانقطاعه إِلَيْهِم ومدح مُعَاوِيَة وأبنه يزِيد وهجا الْأَنْصَار ﵃ بِسَبَبِهِ فلعنه الله وأخزاه وخذله وَعمر عمرا طَويلا إِلَى أَن ذهب إِلَى النَّار وَبئسَ الْقَرار قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة وَمن الفحول الْمُتَأَخِّرين الأخطل وَبَلغت بِهِ الْحَال فِي الشّعْر إِلَى أَن نادم عبد الْملك بن مَرْوَان واركبه ظهر جرير بن عَطِيَّة الشَّاعِر وَهُوَ مُسلم تَقِيّ وَقيل أمره بذلك عبد الْملك بِسَبَب شعر (فاخره) فِيهِ
بَين يَدَيْهِ وَطول لِسَانه حَتَّى قَالَ مجاهرا لعنة الله عَلَيْهِ لَا يسْتَتر فِي الطعْن على الدَّين وَالِاسْتِخْفَاف بِالْمُسْلِمين (الوافر)
(وَلست بصائم رَمَضَان طَوْعًا ... وَلست بآكل لحم الْأَضَاحِي)
(وَلست بزاجر عنسا بكورا ... إِلَى بطحاء مَكَّة للنجاح)
(وَلست مناديا أبدا بلَيْل ... كَمثل العير حَيّ على الْفَلاح)
(وَلَكِنِّي سأشربها شمولا ... وأسجد عِنْد منبلج الصَّباح)
وَقد رد على جرير أقبح رد وَتَنَاول من أَعْرَاض الْمُسلمين وقبائل الْعَرَب وأشرافهم مَا لَا ينجو من مثله علوي فضلا عَن نَصْرَانِيّ وعد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من لقب الأخطل أَرْبَعَة أحدهم
стр. 459
هَذَا وَالثَّانِي الأخطل الضبعِي كَانَ شَاعِرًا وَادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ يَقُول لمضر صدر النُّبُوَّة وَلنَا عجزها فَأَخذه ابْن هُبَيْرَة فِي دولة الأمويين فَقَالَ أَلَسْت الْقَائِل (الطَّوِيل)
(لنا شطر هَذَا الْأَمر قسمه عَادل ... مَتى جعل الله الرسَالَة ترتبا)
أَي راتبة دائمة فِي وَاحِد قَالَ وَأَنا الْقَائِل (الطَّوِيل)
(وَمن عجب الْأَيَّام أَنَّك حَاكم ... عَليّ وَأَنِّي فِي يَديك أَسِير)
قَالَ أَنْشدني شعرك (فِي الدَّجَّال) قَالَ اغرب وَيلك فَأمر بِهِ فَضربت عُنُقه وَالثَّالِث الأخطل الْمُجَاشِعِي وَهُوَ الأخطل بن غَالب أَخُو الفرزدق وَكَانَ شَاعِرًا وَإِنَّمَا كسفه الفرزدق فَذهب شعره وَالرَّابِع الأخطل بن حَمَّاد بن الأخطل بن ربيعَة بن النمر بن تولب
وَأنْشد بعده
(وَلَو أَن مَا أسعى لأدنى معيشة)
تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ (البيسط)
(قَالَت أُمَامَة لما جِئْت زائرها ... هلا رميت بِبَعْض الأسهم السود)
(لَا در دَرك إِنِّي قد رميتهم ... لَوْلَا حددت وَلَا عذرى لمحدود)
على أَنه رُبمَا دخلت لَوْلَا على الفعلية كَمَا هُنَا أَي لَوْلَا الْحَد وَهُوَ
стр. 460
الحرمان وَهَذَا الْبَيْت يرد مَذْهَب الْفراء الْقَائِل بِأَن مَا بعد لَوْلَا مَرْفُوع بهَا فَلَو كَانَت عاملة للرفع لذكر بعْدهَا هُنَا مَرْفُوع فَوَجَبَ كَونهَا غير عاملة لعدم مَرْفُوع وَهَذَا الَّذِي نسبه الشَّارِح الْمُحَقق إِلَى الْفراء نسبه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف وَابْن الشجري فِي أمالية إِلَى الْكُوفِيّين وَذهب ابْن الْأَنْبَارِي إِلَى صِحَة مَذْهَبهم وَقَالَ الصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ من أَن لَوْلَا نائبة عَن الْفِعْل الَّذِي لَو ظهر لرفع الِاسْم فَإِن التَّقْدِير فِي لَوْلَا زيد لأكرمتك لَو لم يَمْنعنِي زيد من إكرامك لأكرمتك إِلَّا أَنهم حذفوا الْفِعْل تَخْفِيفًا وَزَادُوا لَا على لَو فَصَارَ بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وَأجَاب عَن الْبَيْت بِأَن لَوْلَا هُنَا هِيَ لَو الامتناعية وَلَا مَعهَا بِمَعْنى لم لِأَن لَا مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَة لم مَعَ الْمُسْتَقْبل فَكَأَنَّهُ قَالَ قد رميتهم لَو لم أحد وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا اقتحم الْعقبَة﴾ أَي لم يقتحمها ا. هـ.
وَقَالَ يُوسُف بن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف لأبي عبيد
الْقَاسِم بن سَلام لَوْلَا لَا يَقع بعْدهَا إِلَّا الْأَسْمَاء وَتَكون مُبتَدأَة وتحذف أَخْبَارهَا وجوبا وَتَقَع بعْدهَا أَن الْمَفْتُوحَة الْمُشَدّدَة وَهِي وَاسْمهَا وخبرها فِي تَقْدِير اسْم وَاحِد فَلَمَّا اضْطر الشَّاعِر حذف أَن وَاسْمهَا أَي لَوْلَا أَنِّي حددت يَقُول لَوْلَا أَنِّي حددت لقتلت الْقَوْم وَهَذَا قَبِيح لِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى حذف الْمَوْصُول وإبقاء الصِّلَة وَيجوز أَن يكون شبه لَوْلَا بلو فأولاها الْفِعْل أَو شبه أَن الشَّدِيدَة بِأَن الْخَفِيفَة فَأن الْخَفِيفَة قد تحذف كَقَوْلِه (الطَّوِيل)
(أَلا أيهذا الزاجري أحضر الوغى)
стр. 461
فَلَمَّا استجازوا حذفهَا حذفوا الثَّقِيلَة لِأَنَّهُمَا حرفا مصدر وَهَذَا الشّعْر للجموح أحد بني ظفر بن سليم بن مَنْصُور وبعدهما بيتان آخرَانِ وهما (الْبَسِيط)
(إِذْ هم كَرجل الدبى لَا در دِرْهَم ... يغزون كل طوال الْمَشْي مَمْدُود)
(فَمَا تركت أَبَا بشر وَصَاحبه ... حَتَّى أحَاط صَرِيح الْمَوْت بالجيد)
وروى هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة أَبُو تَمام فِي كِتَابه مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لراشد بن عبد الله السّلمِيّ ونسبها ابْن السيرافي وَابْن الشجري للجموح كَمَا ذكرنَا وَقَالَ ابْن السيرافي كَانَ من خبر الجموح الظفري أَنه بَيت بني لحيان وَبني سهم ابْن هُذَيْل بواد يُقَال لَهُ ذَات البشام وَكَانَ الجموح قد جمع جمعا من بني سليم
وَفِيهِمْ رجل يقودهم مَعَه يكنى بِأبي بشر فتحالف الجموح وَأَبُو بشر على الْمَوْت وَكَانَ فِي كنَانَة الجموح نبل معلمة بسواد حلف ليرمين بهَا جمع قبل رجعته فِي عدوه فَقتل أَبُو بشر وَهزمَ أَصْحَابه وأصابتهم بَنو لحيان تِلْكَ اللَّيْلَة وأعجز الجموح فَقَالَت لَهُ امْرَأَته وَهِي تلومه هلا رميت تِلْكَ النبل الَّتِي كنت آلَيْت لترمين بهَا وأمامه زَوجته وروى لما جِئْت طارقها وروى هلا رميت بباقي الأسهم الْأسود قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وتتخذ السِّهَام من القنا وقلما يرغب فِيهَا أهل الْبَوَادِي لِأَنَّهَا خفاف وَإِن كَانَ مداها أبعد وقداح أهل الْبَوَادِي غِلَاظ ثقال عراض الحدائد فَهِيَ قَوِيَّة إِذا نشبت فِي الصَّيْد
стр. 462
فعضها لم تنكسر وَكَانَت جراحاتها وَاسِعَة لأَنهم أَصْحَاب صيد وحروب وسهام القنا سود الألوان وَإِيَّاهَا عَنى الشَّاعِر بقوله
(هلا رميت بِبَعْض الأسهم السود ا. هـ.
وَقَوله لَا در دَرك أَي فَقلت لَهَا لَا كَانَ فِيك خير وَلَا أتيت بِخَير يَدْعُو عَلَيْهَا وَالْكَاف مَكْسُورَة وحددت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول حرمت ومنعت قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات يُقَال حددته حدا إِذا منعته وَقد حد الرجل عَن الرزق إِذا منع مِنْهُ وَهُوَ مَحْدُود وَأنْشد هَذَا الْبَيْت يَقُول قد رميت وَاجْتَهَدت فِي قِتَالهمْ وَلَكِنِّي حرمت النَّصْر عَلَيْهِم وَلَا يقبل عذر المحروم وروى لَا در كسبك وروى أَبُو تَمام لله دَرك فَيكون دُعَاء لَهَا والعذرى بِضَم الْعين وَالْقصر اسْم بِمَعْنى المعذرة قَالَ فِي الصِّحَاح عذرته فِيمَا صنع أعذره عذرا وعذرا وَالِاسْم المعذرة والعذرى وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَالرجل بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْجِيم الْقطعَة الْعَظِيمَة من الْجَرَاد والدبى بِفَتْح الدَّال وبالموحدة وبالقصر أَصْغَر الْجَرَاد والطوال كغراب (الطَّوِيل)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّمَانُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل)
(وَمَا ليل الْمطِي بنائم)
أَصله
(لقد لمتنا يَا أم غيلَان بالسرى ... ونمت وَمَا ليل الْمطِي بنائم)
стр. 463
على أَن الزَّمَان يسند إِلَيْهِ كثيرا مَا يَقع فِيهِ فَإِن النّوم يَقع فِي اللَّيْل وَقد أسْند إِلَيْهِ مجَازًا عقليا كَقَوْل رؤبة (الرجز)
(فَنَامَ ليلِي وتجلى همي)
فَإِن قلت إِن الشَّاعِر قد نفى النّوم عَن اللَّيْل فَكيف ذَلِك مَعَ قَول الشَّارِح بِأَن النّوم قد أسْند إِلَى اللَّيْل قلت النَّفْي فرع الْإِثْبَات وَقد أوردهُ سِيبَوَيْهٍ على أَن وصف اللَّيْل بِأَنَّهُ غير نَائِم على طَرِيق الاتساع وَاللَّيْل لَا ينَام وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ غير نَائِم لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْحَيَوَان وَكَانَ حَقه بمنوم فِيهِ وَأَرَادَ وَمَا ليل أَصْحَاب الْمطِي فَحذف وَأَرَادَ بأصحاب الْمطِي من يركب ويسافر فَلَا يَنْبَغِي أَن ينَام من أول اللَّيْل إِلَى آخِره وَأم غيلَان قَالَ ابْن خلف هِيَ بنت جرير يَقُول لمتنا فِي تركنَا النّوم واشتغالنا بالسرى والمطي جمع مَطِيَّة وَهِي الرَّاحِلَة الَّتِي يمتطى ظهرهَا أَي يركب والسرى سير اللَّيْل وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يرد بهَا على الفرزدق مطْلعهَا (الطَّوِيل)
(لَا خير فِي مستعجلات الملاوم ... وَلَا فِي حبيب وَصله غير دَائِم)
(تركت الصِّبَا من رهبة أَن يهيجني ... بتوضح رسم الْمنزل المتقادم)
وَقَالَ صَحَابِيّ مَاله قلت حَاجَة ... تهيج صدوع الْقلب بَين الحيازم)
(تَقول لنا سلمى من الْقَوْم أَن رَأَتْ ... وُجُوهًا عتاقا لوحت بالسمائم)
(لقد لمتنا يَا أم غيلَان بالسرى الْبَيْت)
والملاوم جمع ملامة والمستعجلات بِكَسْر الْجِيم والحيازم جمع حيزوم وَهُوَ وسط الصَّدْر وَقَوله من الْقَوْم بالاستفهام وَأَن رَأَتْ بِفَتْح همزَة
стр. 464
أَن ولوحت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مُبَالغَة لاحه السّفر أَي غَيره والسمائم جمع سموم وَهِي الرّيح الحارة مُؤَنّثَة وَقَوله لقد لمتنا إِلَخ أَي قلت لنا وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع
(اسْم مَا وَلَا المشبهين بليس)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (مجزوء الْكَامِل)
(من صد عَن نيرانها ... فَأَنا ابْن قيس لَا براح)
على أَن لَا تعْمل عمل لَيْسَ شذوذا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ أَيْضا على إِجْرَاء لَا مجْرى لَيْسَ فِي بعض اللُّغَات فبراح اسْمهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي لي قَالَ ابْن خلف وَيجوز رفع براح بِالِابْتِدَاءِ على أَن الْأَحْسَن حِينَئِذٍ تَكْرِير لَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ وَقَالَ الْمبرد كَمَا نَقله النّحاس لَا أرى بَأْسا أَن تَقول لَا رجل فِي الدَّار فِي غير ضَرُورَة وَكَذَا لَا زيد فِي الدَّار فِي جَوَاب هَل زيد فِي الدَّار وَقَوله فَأَنا ابْن قيس أَي أَنا الْمَشْهُور فِي النجدة كَمَا سَمِعت وأضاف نَفسه إِلَى جده الْأَعْلَى لشهرته بِهِ وَجُمْلَة لَا براح لي حَال مُؤَكدَة لقَوْله
стр. 465
أَنا ابْن قيس كَأَنَّهُ قَالَ أَنا ابْن قيس ثَابتا فِي الْحَرْب وإتيان الْحَال بعد أَنا ابْن فلَان كثير
كَقَوْلِه (الْبَسِيط)
(أَنا ابْن دارة مَشْهُورا بهَا نسبي)
وَقيل الْجُمْلَة فِي مَحل رفع خبر بعد خبر وَقيل تَقْرِير للجملة الَّتِي قبلهَا وَيجوز نصب ابْن قيس على الِاخْتِصَاص فَيتَعَيَّن جملَة لَا براح لي كَونهَا خَبرا لأَنا وَهُوَ أَفْخَر وأمدح قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي قَوْله (الْبَسِيط)
(إِنَّا بني نهشل لَا ندعي لأَب)
الْفرق بَين أَن تنصب بني نهشل على الِاخْتِصَاص وَبَين أَن ترفع على الخبرية هُوَ أَنه لَو جعله خَبرا لَكَانَ قَصده إِلَى تَعْرِيف نَفسه عِنْد الْمُخَاطب وَكَانَ فعله لذَلِك لَا يَخْلُو عَن خمول فيهم وَجَهل من الْمُخَاطب بشأنهم وَإِذا نصب أَمن من ذَلِك فَقَالَ مفتخرا أَنا أذكر من لَا يخفي شَأْنه لِأَنَّهُ يفعل كَذَا وَكَذَا ا. هـ.
والبراح بِفَتْح الْمُوَحدَة مصدر برح الشَّيْء براحا من بَاب تَعب إِذا زَالَ من مَكَانَهُ وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مَذْكُورَة فِي الحماسة هِيَ خَمْسَة عشر بَيْتا لسعد بن مَالك وأولها (مجزوء الْكَامِل)
(يَا بؤس للحرب الَّتِي ... وضعت أراهط فاستراحوا)
стр. 466
وَهُوَ من أَبْيَات مُغنِي اللبيب أوردهُ على أَن الأَصْل يَا بؤس الْحَرْب فأقحمت اللَّام بَين المتضايفين تَقْوِيَة للاختصاص ثمَّ قَالَ وَهل انجرار مَا بعْدهَا بهَا أَو بالمضاف قَولَانِ أرجحهما الأول لِأَن الْجَار أقرب وَلِأَنَّهُ لَا يعلق وَفِي أمالي ابْن الشجري قَالَ الْمبرد من قَالَ يَا بؤسا لزيد جعل النداء بِمَعْنى الدُّعَاء على الْمَذْكُور وَمثله يَا بؤس للحرب الْبَيْت كَأَنَّهُ دُعَاء على الْحَرْب وَأَرَادَ يَا بؤس الْحَرْب فَزَاد اللَّام وَيجوز عِنْدِي أَن يكون من قبيل الشبيه بالمضاف نَحْو لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلم أر من جوزه فِيهِ وَيجوز أَن يكون المنادى محذوفا وبؤس مَنْصُوبًا على الذَّم وَاللَّام مقحمة أَو حذف التَّنْوِين للضَّرُورَة أَي يَا قوم أَذمّ شدَّة الْحَرْب وَمعنى وضعت أراهط حطتهم واسقطتهم فَلم يكن لَهُم ذكر شرف فِي هَذِه الْحَرْب فاستراحوا من مكابدتها كالنساء وَفِيه حذف مُضَاف أَي وضعت ذكر أراهط وَهُوَ جمع أرهط جمع رَهْط وَهُوَ النَّفر من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة وَقد جَاءَ أرهط مُسْتَعْملا قَالَ رؤبة (الرجز)
(وَهُوَ الذَّلِيل نَفرا فِي أرهطه)
وَزعم أَكثر النَّحْوِيين أَن أراهط جمع رَهْط على خلاف الْقيَاس وروى بِرَفْع أراهط فالمفعول مَحْذُوف أَي وَضَعتهَا أراهط وَالْأول أنسب فَإِن هَذَا الشّعْر قَالَه سعد فِي حَرْب البسوس حِين هَاجَتْ الْحَرْب بَين بكر وتغلب لقتل كُلَيْب
وَاعْتَزل الْحَارِث بن عباد وَقَالَ هَذَا أَمر لَا نَاقَة لي فِيهِ وَلَا جمل فَعرض سعد فِي هَذَا الشّعْر بقعود الْحَارِث بن عباد عَن الْحَرْب
стр. 467
كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة أَن الْوَضع هُنَا مَعْنَاهُ الإهلاك وَذَلِكَ لعدم وُقُوفه على منشأ هَذَا الشّعْر وَبعد هَذَا الْبَيْت
(وَالْحَرب لَا يبْقى لجا ... حمها التخيل والمراح)
(إِلَّا الْفَتى الصبار فِي النجدات وَالْفرس الوقاح)
وهما من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهما على أَن الْفَتى وَمَا بعده بدل من التخيل والمراح على الاتساع وَالْمجَاز وَلذَلِك أوردهما الشَّارِح أَيْضا فِي بَاب الْمُسْتَثْنى وَذَلِكَ أَنه أستثناء مُنْقَطع كَقَوْلِك مَا فِيهَا أحد إِلَّا حمَار فَرفع على لُغَة بني تَمِيم وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَدَل لَيْسَ بدل بعض كَمَا هُوَ شَأْنه وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ على الاتساع وَالْمجَاز ثمَّ أَقُول هَذَا بِنَاء على الظَّاهِر وَإِن اعْتبر حذف مُضَاف أَي ذُو التخيل فالاستثناء مُتَّصِل ويختار فِيهِ الْإِبْدَال والجاحم بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة الْمَكَان الشَّديد الْحر من جحمت النَّار فَهِيَ جاحمة إِذا اضطرمت وَمِنْه الْجَحِيم والتخيل التكبر من الْخُيَلَاء يَقُول إِنَّهَا تزيل نخوة المنخو وَذَلِكَ أَن أولي الْغناء يتكرمون عَن الْخُيَلَاء ويختال المتشبع فَإِذا جرب فَلم يحمد افتضح وَسقط والمراح بِكَسْر الْمِيم النشاط أَي إِنَّهَا تكف حِدة البطر النشيط وَهَذَا تَعْرِيض بِالْحَارِثِ بن عباد بِأَنَّهُ صَاحب خُيَلَاء ومراح والصبار مُبَالغَة صابر والنجدة الشدَّة والبأس فِي الْحَرْب والوقاح بِفَتْح الْوَاو الْفرس الَّذِي حَافره صلب شَدِيد وَمِنْه الوقاحة
стр. 468
وَقَالَ بعدهمَا بِأَبْيَات
(بئس الخلائف بَعدنَا ... أَوْلَاد يشْكر واللقاح)
(من صد عَن نيرانها الْبَيْت)
(الْمَوْت غايتنا فَلَا ... قصر وَلَا عَنهُ جماح)
... وكأنما ورد الْمنية ... عندنَا مَاء وَرَاح)
وَهَذَا آخر القصيدة أَي إِذا ذَهَبْنَا وَبقيت يشْكر وحنيفة فبئس الخلائف هم منا لَا يحْمُونَ حريما وَلَا يأبون ضيما وَكَانَت حنيفَة تلقب اللقَاح لأَنهم لم يدينوا لملك يُقَال حَيّ لقاح بِفَتْح اللَّام إِذا لم يكن فِي طَاعَة ملك وَقَالَ بعض شرَّاح الحماسة إِنَّه بِكَسْر اللَّام جمع لقحة أَي إِذا خلفنا من لَا دفاع بِهِ من الرِّجَال وَالْأَمْوَال فبئس الخلائف بَعدنَا جعل أَوْلَاد يشْكر كاللقاح وَهِي الْإِبِل الَّتِي بهَا لبن فِي احتياجها إِلَى من يذب عَنْهَا وَهَذَا لَيْسَ بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا مُرَاده ذمّ الْحَيَّيْنِ لقعودهما عَن بكر فِي حربهم وَالْقصر بِسُكُون الصَّاد الْحَبْس والجماح بِكَسْر الْجِيم مصدر جمح إِذا انفلت وهرب يُرِيد لَا يُمكن حبس نفس عَن الْمَوْت وَلَا مهرب عَنهُ والورد الْوُرُود وَهُوَ دُخُول المَاء وَقيل حُضُوره وَإِن لم تدخله وَهَذِه القصيدة قَالَهَا سعد يعرض بِالْحَارِثِ بن عباد لقعودة عَن الْحَرْب وَذَلِكَ أَن جساسا الْبكْرِيّ لما قتل كليبا التغلبي هَاجَتْ الْحَرْب بَين بكر وتغلب ابْني وَائِل وَهِي حَرْب البسوس واعنزلهما الْحَارِث بن عباد عَن هَذِه الْحَرْب قعرض بِهِ سعد كَمَا قُلْنَا قَالَ أَبُو رياش فِي شرح الحماسة كَانَ الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس
стр. 469
ابْن ثَعْلَبَة من حكام ربيعَة وفرسانها الْمَعْدُودين وَكَانَ اعتزل حَرْب بني وَائِل وَتَنَحَّى بأَهْله وَولده وَولد إخْوَته وأقاربه وَحل وتر قوسه وَنزع سِنَان رمحه وَلم يزل مُعْتَزِلا حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر وقائعهم خرج ابْن أَخِيه بجير بن عَمْرو بن عباد فِي أثر إبل لَهُ ندت يطْلبهَا فَعرض لَهُ مهلهل فِي جمَاعَة يطْلبُونَ غرَّة بكر بن وَائِل فَقَالَ لمهلهل امْرُؤ الْقَيْس بن أبان بن كَعْب بن زُهَيْر بن جشم وَكَانَ من أَشْرَاف بني تغلب وَكَانَ
على مقدمتهم زَمَانا طَويلا لَا تفعل فو الله لَئِن قتلته ليقْتلن بِهِ مِنْكُم كَبْش لَا يسْأَل عَن خَاله من هُوَ وَإِيَّاك أَن تحقر الْبَغي فَإِن عاقبته وخيمة وَقد اعْتَزَلنَا عَمه وَأَبوهُ وَأهل بَيته وَقَومه فَأبى مهلهل إِلَّا قَتله فطعنه بِالرُّمْحِ وَقَتله وَقَالَ بؤ بشسع نعل كُلَيْب يُقَال أبأت فلَانا بفلان فباء بِهِ إِذا قتلته بِهِ وَلَا يكَاد يسْتَعْمل هَذَا إِلَّا وَالثَّانِي كُفْء للْأولِ فَبلغ فعل مهلهل عَم بجير وَكَانَ من أحلم أهل زَمَانه وأشدهم بَأْسا فَقَالَ الْحَارِث نعم الْقَتِيل قَتِيل أصلح بَين أبني وَائِل فَقيل لَهُ إِنَّمَا قتل بشسع نعل كُلَيْب فَلم يقبل ذَلِك وَأرْسل الْحَارِث إِلَى مهلهل إِن كنت قتلت بجيرا بكليب وانقطعت الْحَرْب بَيْنكُم وَبَين إخْوَانكُمْ فقد طابت نَفسِي بذلك فَأرْسل إِلَيْهِ مهلهل إِنَّمَا قتلته بشسع نعل كُلَيْب فَغَضب الْحَارِث ودعا بفرسه وَكَانَت تسمى النعامة فجز ناصيتها وهلب ذنبها وَهُوَ أول من فعل ذَلِك بِالْخَيْلِ وَقَالَ
(قربا مربط النعامة مني ... لقحت حَرْب وَائِل عَن حِيَال)
(لَا بجير أغْنى قَتِيلا وَلَا رَهْط ... كُلَيْب تزاجروا عَن ضلال)
...
стр. 470
(لم أكن من جناتها علم ... الله وَإِنِّي لجمرها الْيَوْم صالي)
(قربا مربط النعامة مني ... إِن قتل الْغُلَام بالشسع غالي)
ولقحت حملت والحيال أَن يضْرب الْفَحْل النَّاقة فَلَا تحمل وَهَذَا مثل ضربه لِأَن النَّاقة إِذا حَالَتْ وضربها الْفَحْل كَانَ أسْرع للقاحها وَإِنَّمَا يعظم أَمر الْحَرْب لما تولد مِنْهَا من الْأُمُور الَّتِي لم تكن تحتسب ثمَّ ارتحل الْحَارِث مَعَ قومه حَتَّى نزل مَعَ جمَاعَة بكر بن وَائِل وَعَلَيْهِم يَوْمئِذٍ
الْحَارِث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة فَقَالَ الْحَارِث بن عباد لَهُ إِن الْقَوْم مستقلون قَوْمك وَذَلِكَ زادهم جَرَاءَة عَلَيْكُم فَقَاتلهُمْ بِالنسَاء قَالَ لَهُ الْحَارِث بن همام وَكَيف قتال النِّسَاء قَالَ قلد كل امْرَأَة إدواة من مَاء وأعطها هراوة وَاجعَل جمعهن من وَرَائِكُمْ فَإِن ذَلِكُم يزِيد كم اجْتِهَادًا وَعَلمُوا بعلامات يعرفنها فَإِذا مرت امْرَأَة على صريع مِنْكُم عَرفته بعلامته فسقته من المَاء ونعشته وَإِذا مرت على رجل من غَيْركُمْ ضَربته بالهرواة فَقتلته وَأَتَتْ عَلَيْهِ فأطاعوه وحلقت بَنو بكر يؤمئذ رؤوسها استبسالا للْمَوْت وَجعلُوا ذَلِك عَلامَة بَينهم وَبَين نِسَائِهِم واقتتل الفرسان قتالا شَدِيدا وانهزمت بَنو تغلب وَلَحِقت بالظعن بَقِيَّة يَوْمهَا وليلتها واتبعهم سرعَان بكر بن وَائِل وتخلف الْحَارِث بن عباد فَقَالَ لسعد بن مَالك الْقَائِل
(يَا بؤس للحرب الَّتِي ... وضعت أراهط فاستراحوا)
стр. 471
أَترَانِي مِمَّن وَضعته قَالَ لَا وَلَكِن لَا مخبأ لعطر بعد عروس وَمَعْنَاهُ إِن لم تنصر قَوْمك الْآن فَلَنْ تدخر نصرك وَسعد هُوَ سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف كَانَ سعد هَذَا أحد سَادَات بكر بن وَائِل وفرسانها فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ شَاعِرًا وَله أشعار جِيَاد فِي كتاب بني قيس بن ثَعْلَبَة قَالَ وشاعر آخر اسْمه سعد بن مَالك بن الأقيصر القريعي أحد بني قريع بن سلامان بن مفرج وَكَانَ فَارِسًا شَاعِرًا
آخر الْجُزْء الأول وَالْحَمْد لله وَحده
стр. 472
(المنصوبات)
٣ - (الْمَفْعُول الْمُطلق)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد: الْبَسِيط
(هَذَا سراقَة لِلْقُرْآنِ يدرسه ... والمرء عِنْد الرشا إِن يلقها ذيب)
على أَن الضَّمِير فِي يدرسه رَاجع إِلَى مَضْمُون يدرس أَي: يدرس الدَّرْس فَيكون رَاجعا للمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا لم يجز عوده لِلْقُرْآنِ لِئَلَّا يلْزم تعدِي الْعَامِل إِلَى الضَّمِير وَظَاهره مَعًا.
وَاسْتشْهدَ بِهِ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل على أَن ضمير الْمصدر قد يَجِيء مرَادا بِهِ التَّأْكِيد وَأَن ذَلِك لايختص بِالْمَصْدَرِ الظَّاهِر على الصَّحِيح.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ على أَن تَقْدِيره عِنْده: والمرء عِنْد الرشا ذئبٌ إِن يلقها.
وَتَقْدِيره عِنْد الْمبرد: إِن يلقها فَهُوَ ذِئْب.
وَهَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يقف على قَائِلهَا أحد. قَالَ الأعلم: هجا هَذَا الشَّاعِر)
رجلا من الْقُرَّاء نسب إِلَيْهِ الرِّيَاء. وَقبُول الرشا. والحرص عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ أوردهُ ابْن السراج فِي الْأُصُول
стр. 473
وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: أَن هَذَا الْبَيْت من الْمَدْح لَا من الهجاء وَظن أَن سراقَة هُوَ سراقَة بن جعْشم الصَّحَابِيّ مَعَ أَنه فِي الْبَيْت غير مَعْلُوم من هُوَ فِيهِ تحريفات ثَلَاثَة: الأول: أَن الرشا بِضَم الرَّاء وَالْقصر: جمع رشوة فَقَالَ: هُوَ بِكَسْر الرَّاء مَعَ الْمَدّ: الْحَبل وقصره للضَّرُورَة وأنثه على معنى الْآلَة. وَكَلَامه هَذَا على حد: زِنَاهُ وَحده.
وَالثَّانِي: أَن قَوْله يلقها بِفَتْح الْيَاء من اللقي وَهُوَ ضَبطه بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء.
وَالثَّالِث: أَن قَوْله ذيب بِكَسْر الذَّال وبالهمزة المبدلة يَاء وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَهُوَ صحفه ذَنبا بِفَتْح الذَّال وَالنُّون وَقَالَ: قَوْله عِنْد الرشا مُتَعَلق بذنب لما فِيهِ من معنى التَّأَخُّر.
وَالْمعْنَى: إِن يلق إِنْسَان الرشا فَهُوَ مُتَأَخّر عِنْد إلقائها يُرِيد أَن سراقَة درس الْقُرْآن فَتقدم والمرء مُتَأَخّر عِنْد اشْتِغَاله بِمَا لَا يهم كمن امتهن نَفسه فِي السَّقْي وإلقاء الأرشية فِي الْآبَار.
هَذَا كَلَامه وَتَبعهُ فِيهِ الشمني فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد
стр. 474
: الرجز.
دَار لسعدى إذه من هواكا
على أَن الْمصدر بِمَعْنى اسْم الْمَفْعُول أَي: من مهويك.
وَبِهَذَا الْمَعْنى أوردهُ أَيْضا فِي بَاب الْمصدر فَإِن الْهوى بِالْقصرِ مصدر هويته من بَاب تَعب: إِذا وأنشده أَيْضا فِي بَاب الضَّمِير على أَن الْيَاء قد تحذف ضَرُورَة من هِيَ إِذْ أَصله إِذْ هِيَ من هواكا. وَلِهَذَا الْوَجْه أوردهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ الأعلم: سكن الْيَاء أَولا ضَرُورَة ثمَّ حذفهَا ضَرُورَة أُخْرَى بعد الإسكان تَشْبِيها لَهَا بعد سكونها بِالْيَاءِ اللاحقة فِي ضمير الْغَائِب إِذا سكن مَا قبله وَالْوَاو اللاحقة لَهُ فِي هَذِه الْحَال نَحْو عَلَيْهِ ولديه وَمِنْه وَعنهُ.
وَمثله للنحاس قَالَ: وَالَّذِي أحفظه عَن ابْن كيسَان: أَن هَذَا على مَذْهَب من قَالَ: هِيَ جالسة.
بِإِسْكَان الْيَاء. وَهَذَا قَول حسن.
وَهَذِه الْيَاء من سنخ الْكَلِمَة وحذفها أقبح من حذف الْيَاء فِي قَوْله: الطَّوِيل سأجعل عَيْنَيْهِ لنَفسِهِ مقنعا لِأَن الْيَاء الَّتِي تتبع الْهَاء فِي نَفسه لَيست من بنية الضَّمِير.
قَالَ الْمبرد: حذف الْيَاء من قَوْله: لنَفسِهِ لِأَنَّهَا زَائِدَة زيدت لخفاء الْهَاء وَكَذَلِكَ الْوَاو وَأَنَّك)
تقف بِغَيْر يَاء وَلَا وَاو فَلَمَّا اضْطر حذفهما فِي الْوَصْل كَمَا
يحذفان فِي الْوَقْف وَدلّ عَلَيْهِمَا مَا بَقِي من حَرَكَة كل وَاحِد مِنْهُمَا.
стр. 475
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: حذف الْيَاء لِأَن الِاسْم إِنَّمَا هُوَ الْهَاء فَرده إِلَى أَصله وحرف اللين اللَّاحِق لَهَا زَائِد.
وَقَوله دَار لسعدى خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه وَقدره ابْن خلف: فِي دَار أَو هُوَ دَار. وَإِذ عَامله الظّرْف قبله.
قَالَ الأعلم: وصف دَارا خلت من سعدى: هَذِه الْمَرْأَة وَبعد عهدها بهَا فتغيرت بعْدهَا وَذكر أَنَّهَا كَانَت لَهَا دَارا ومستقراً إِذْ كَانَت مُقِيمَة بهَا فَكَانَ يهواها بإقامتها فِيهَا.
وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا من الأبيات الْخمسين الَّتِي لم يعلم قَائِلهَا وَلَا يعرف لَهُ ضميمة وَرَأَيْت فِي هَل تعرف الدَّار على تبراكا بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَهُوَ مَوضِع. قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: تبراك بِكَسْر التَّاء: مَوضِع فِي ديار بني فقعس.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ إِذا الدَّاعِي المثوب قَالَ يالا وصدره: فخيرٌ نَحن عِنْد الْبَأْس مِنْكُم
على أَن اللَّام خلطت ب يَا أَرَادَ أَنه خلطت لَام الاستغاثة الجارة ب يَا حرف النداء وجعلتا كالكلمة الْوَاحِدَة وحكيتا كَمَا تحكى الْأَصْوَات وَصَارَ الْمَجْمُوع شعاراً للاستغاثة.
стр. 476
قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: وَقَوله يالا أَرَادَ يَا لبني فلَان يُرِيد حِكَايَة الصَّارِخ المستغيث. وَهَذَا مَذْهَب أبي عَليّ أَيْضا وَأَتْبَاعه وَالْأَصْل عِنْدهم يَا لبني فلَان أَو يَا لفُلَان فَحذف مَا بعد لَام الاستغاثة كَمَا يُقَال: أَلا تا فَيُقَال: أَلا فا يُرِيدُونَ: أَلا تَفعلُوا وَألا فافعلوا. وَهَذَا أحد مَذَاهِب ثَلَاثَة فِيهِ.
ثَانِيهَا: أَن المنادى والمنفي بِلَا محذوفان أَي: يَا قوم لَا تغدوا. ذكره ابْن مَالك فِي شرح التسهيل وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
ثالثهما: أَنه بَقِيَّة يَا آل فلَان وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين قَالُوا فِي يَا لزيد: أَصله يَا آل زيد فحذفت همزَة آل للتَّخْفِيف وَإِحْدَى الْأَلفَيْنِ لالتقاء الساكنين وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت وَقَالُوا: لَو كَانَت اللَّام جَارة لما جَازَ الِاقْتِصَار عَلَيْهَا. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ يُقَال ذَلِك فِيمَا لَا آل لَهُ نَحْو: يَا لله وَيَا للدواهي وَنَحْوهمَا.
وَأجَاب ابْن جني فِي الخصائص عَن دليلهم بقوله: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ تَعْلِيق حرف الْجَرّ قلت لما خلط ب يَا صَار كالجزء مِنْهَا وَلذَلِك شبه أَبُو عَليّ أَلفه الَّتِي قبل اللَّام بِأَلف بابٍ ودارٍ فَحكم عَلَيْهَا بالانقلاب وَحسن الْحَال أَيْضا شيٌ آخر: وَهُوَ تشبث اللَّام الجارة بِأَلف الْإِطْلَاق فَصَارَت كَأَنَّهَا معاقبة للمجرورة أَلا ترى أَنَّك لَو أظهرت ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ وَقلت: يَا لبني فلَان لم يجز إِلْحَاق الْألف هُنَا فِي منابها عَمَّا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون بمكانها مجْرى ألف الْإِطْلَاق فِي منابها عَن تَاء التَّأْنِيث فِي نَحْو قَوْله:
стр. 477
(ولاعب بالْعَشي بني بنيه ... كَفعل الهر يحترش العظايا)
وَكَذَلِكَ نابت وَاو الْإِطْلَاق فِي قَوْله: الطَّوِيل فِيمَن رفع كلا عَن الضَّمِير الَّذِي يُرَاد فِي عَارِف. وكما نَاب التَّنْوِين فِي نَحْو يومئذٍ.)
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من الخصائص: وسألني أَبُو عَليّ عَن ألف يَا من قَوْله يَا لَا فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: أمنقلبة هِيَ قلت: لَا لِأَنَّهَا فِي حرف فَقَالَ: بل هِيَ منقلبة فاستدللته على ذَلِك فاعتصم بِأَنَّهَا قد خلطت بِاللَّامِ بعْدهَا ووقفت عَلَيْهَا فَصَارَت اللَّام كَأَنَّهَا جُزْء مِنْهَا فَصَارَت يال بِمَنْزِلَة قَالَ وَالْألف فِي مَوضِع الْعين وَهِي مَجْهُولَة فَيَنْبَغِي أَن يحكم بالانقلاب عَن الْوَاو.
وَهَذَا أجمل مَا قَالَه وَللَّه هُوَ وَعَلِيهِ رَحمته فَمَا كَانَ أقوى قِيَاسه وَأَشد بِهَذَا الْعلم اللَّطِيف الشريف أنسه وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مخلوقاً لَهُ وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد أَقَامَ على هَذِه الطَّرِيقَة مَعَ جلة أَصْحَابهَا وأعيان شيوخها سبعين سنة زائحةً علله سَاقِطَة مِنْهُ كلفه لَا يعتاقه عَنهُ ولد وَلَا يُعَارضهُ فِيهِ متجر وَلَا يسوم بِهِ
مطلباً وَلَا يخْدم بِهِ رَئِيسا إِلَّا بِأخرَة وَقد حط
стр. 478
من أثقاله وَألقى عَصا ترحاله: ثمَّ إِنِّي لَا أَقُول إِلَّا حَقًا إِنِّي لأعجب من نَفسِي فِي وقتي هَذَا كَيفَ تطوع لي بِمَسْأَلَة أم كَيفَ تطمح بِي إِلَى انتزاع عِلّة مَعَ مَا الْحَال عَلَيْهِ من علق الْوَقْت وأشجانه وتذاؤبه وخلج أشطانه وَلَوْلَا مساورة الْفِكر واكتداده لَكُنْت عَن هَذَا الشَّأْن بمعزل وبأمر سواهُ على شغل.
وَللَّه دره فَكَأَنَّمَا رمى عَن قوسي وَتكلم عَن نَفسِي. وَالله المشكور فِي كل حَال وَهُوَ غَنِي وَقَوله: فخيرٌ نَحن عِنْد الْبَأْس مِنْكُم قد تكلم النَّاس على إعرابه قَدِيما وحديثاً لاسيما أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فَإِنَّهُ تكلم عَلَيْهِ فِي أَكثر كتبه. قَالَ: فِي التَّذْكِرَة القصيرة: سَأَلت عَن هَذَا الْبَيْت ابْن الْخياط والمعمري فَلم يجيبا إِلَّا بعد مُدَّة قَالَا: لَا يَخْلُو من أَن يكون نَحن ارْتَفع بِخَبَر أَو بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خيرٌ الْخَبَر أَو يكون تَأْكِيدًا للضمير الَّذِي فِي خير والمبتدأ مَحْذُوف أَي: نَحن خير لَا جَائِز أَن يرْتَفع بِخَير لِأَن خيرا لَا يرفع الْمظهر الْبَتَّةَ وَلَا مُبْتَدأ للُزُوم الْفَصْل بالأجنبي بَين أفعل وَبَين من وَهُوَ غير جَائِز فَثَبت أَن نَحن تَأْكِيد للضمير فِي خير.
وَقد أجمل كَلَامه هُنَا وفصله فِي الْمسَائِل المشكلة الْمَعْرُوفَة بالبغداديات. وَبعد أَن منع كَون نَحن مُبْتَدأ وَخير خَبرا قَالَ: عِنْدِي فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن يكون قَوْله خير خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: نَحن خير عِنْد الْبَأْس مِنْكُم
стр. 479
فَنحْن على هَذَا فِي الْبَيْت لَيْسَ بمبتدأ لكنه تَأْكِيد لما فِي خير من ضمير الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف وَحسن هَذَا التَّأْكِيد لِأَنَّهُ حذف الْمُبْتَدَأ من اللَّفْظ وَلم يَقع الْفَصْل بِشَيْء أَجْنَبِي بل بِمَا هُوَ مِنْهُ
وَقد وَقع الْفَصْل بالفاعل بَين الصِّلَة وموصولها فِي نَحْو قَوْلهم: مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ فِي عشر ذِي الْحجَّة وَكَانَ ذَلِك حسنا سائغاً. فَإِذا سَاغَ كَانَ)
التَّأْكِيد أسوغ لِأَنَّهُ قد يحسن حَيْثُ لَا يحسن غَيره من الْأَسْمَاء.
وَقَالَ فِي الْإِيضَاح الشعري فِي هَذَا الْوَجْه بعد أَن قَالَ: وَنحن الظَّاهِر تَأْكِيد للضمير الَّذِي فِي خير على الْمَعْنى: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون على لفظ الْغَيْبَة وَلَكِن جَاءَ بِهِ على الأَصْل نَحْو نَحن فعلنَا ويدلك على أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يَجِيء على لفظ الْغَيْبَة: أَن أَبَا عُثْمَان قَالَ: فِي الْإِخْبَار عَن الضَّمِير الَّذِي فِي منطلق من قَوْله: أَنْت منطلق إِذا أخْبرت عَن الضَّمِير الَّذِي فِي منطلق من قَوْلك أَنْت منطلق لم يجز لِأَنَّك تجْعَل مَكَانَهُ ضميراً يرجع إِلَى الَّذِي وَلَا يرجع إِلَى الْمُخَاطب فَيصير الْمُخَاطب مُبْتَدأ لَيْسَ فِي خَبره مَا يرجع إِلَيْهِ.
فَهَذَا من قَوْله يدل على أَن الضَّمِير وَإِن كَانَ للمخاطب فِي أَنْت منطلق فَهُوَ على لفظ الْغَيْبَة وَلَوْلَا ذَلِك لم يصلح أَن يرجع إِلَى الَّذِي. على أَن هَذَا من كَلَامهم مثل أَنْتُم تذهبون وَاسم الْفَاعِل أشبه بالمضارع مِنْهُ بالماضي فَلذَلِك جعله مثله وَلم يَجعله مثل الْمَاضِي فِي أَنْتُم فَعلْتُمْ.
ثمَّ قَالَ فِي البغداديات: القَوْل الثَّانِي: أَن يَجْعَل خير صفة مُقَدّمَة يقدر ارْتِفَاع نَحن بِهِ كَمَا يُجِيز أَبُو الْحسن فِي: قَائِم الزيدان أَن ارْتِفَاع الزيدان بقائم. فَلَا يَقع على هَذَا أَيْضا فصلٌ بِشَيْء يكره وَلَا يجوز لِأَن نَحن على هَذَا مُرْتَفع بِخَبَر. إِلَّا أَن ذَا قَبِيح لِأَن خيرا وبابه لَا يعْمل عمل الْفِعْل إِذا جرى
стр. 480
على موصوفه وإعماله فِي الظَّاهِر مُبْتَدأ غير جارٍ على شَيْء أقبح وَأَشد امتناعاً.
وَالْوَجْه الأول حسن سَائِغ.
قَالَ فِي الْإِيضَاح: فَإِذا جَازَ ذَلِك فِيمَا ذَكرْنَاهُ أَي: الْوَجْه الأول لم يكن فِيمَا حمل أَبُو الْحسن عَلَيْهِ الْبَيْت من الظَّاهِر دلَالَة على إجَازَة نَحْو: الْخَلِيفَة أحب إِلَيْهِ يحيى من جَعْفَر حَتَّى يَقُول: الْخَلِيفَة يحيى أحب إِلَيْهِ من جَعْفَر أَو أحب إِلَيْهِ من جَعْفَر يحيى على مَا أجَازه سِيبَوَيْهٍ فِي: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فِي عينه الْكحل مِنْهُ فِي عين زيد فَلَا يفصل بَينهمَا بِمَا هُوَ أَجْنَبِي مِنْهُمَا.
ثمَّ قَالَ فِي البغداديات: فَإِن قَالَ قَائِل: أَيجوزُ أَن يكون فخيرٌ خَبرا مقدما لما
بعده وَهُوَ نَحن وَيكون مِنْكُم غير صلَة وَلكنهَا ظرف كَقَوْلِه: وَلست بِالْأَكْثَرِ مِنْهُم حَصى وَتَقْدِيره: وَلست بِالْأَكْثَرِ فيهم لَا على حد: هُوَ أفضل من زيد أَلا ترى أَن الْألف وَاللَّام تعاقب من هُنَا فَالْجَوَاب: أَنه بعيد وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيد: نَحن خير مِنْكُم وَأَن الْفَزع إِلَيْنَا والاستغاثة)
بِنَا نسد مَا لَا تسدون ونمنع من الثغور مَالا تمْنَعُونَ. أَلا ترى أَن مَا بعد هَذَا الْبَيْت:
(وَلم تثق الْعَوَاتِق من غيور ... بغيرته وخلين الحجالا)
وَقَوله: عِنْد الْبَأْس الْعَامِل فِيهِ خير وَلَا يجوز أَن يكون مُتَعَلقا بالمبتدأ الْمَحْذُوف على أَلا يكون التَّقْدِير: فَنحْن خير عِنْد الْبَأْس مِنْكُم يُرِيد: نَحن
стр. 481
عِنْد الْبَأْس خير مِنْكُم لِأَنَّك إِن نزلته هَذَا التَّنْزِيل فصلت بَين الصِّلَة والموصول بِمَا هُوَ أَجْنَبِي مِنْهُمَا ومتعلق بِغَيْرِهِمَا وَإِذا قدرت اتِّصَاله بِخَير والْبَأْس بِالْمُوَحَّدَةِ لَا بالنُّون وَهُوَ الشدَّة وَالْقُوَّة. والداعي من دَعَوْت زيدا: إِذا ناديته وَطلبت إقباله. والمثوب اسْم فَاعل من ثوب قَالَ أَبُو زيد: هُوَ الَّذِي يَدْعُو النَّاس يستنصرهم وَالْأَصْل فِيهِ: أَن المستغيث إِذا كَانَ بَعيدا يتعرى ويلوح بِثَوْبِهِ رَافعا صَوته ليرى فيغاث.
ووثق مِنْهُ وَبِه: اطْمَأَن إِلَيْهِ وَقَوي قلبه. وَجُمْلَة لم تثق معطوفة على مَدْخُول إِذا وَكَذَلِكَ جملَة خلين الحجالا والْعَوَاتِق: جمع عاتق وَهِي الَّتِي خرجت عَن خدمَة أَبَوَيْهَا وَعَن أَن يملكهَا الزَّوْج. والغيور: من غَار الرجل على حريمه يغار من بَاب تَعب غيرَة بِالْفَتْح فَهُوَ غيور وغيران وَهِي غيور أَيْضا وغيرى. وخلين متعدي خلا الْمنزل من أَهله يَخْلُو خلوا وخلاء فَهُوَ خالٍ. وصحفه بَعضهم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالبناء للْمَجْهُول على أَنه من التحلية وَهُوَ التزيين. والحجال بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيت كالقبة يستر بالثياب وَيكون لَهُ أزرار كبار كَذَا فِي النِّهَايَة.
وَزَاد فِي الْقَامُوس أَنه للعروس: وَأَخْطَأ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: هُوَ جمع حجل بِمَعْنى الخلخال وَهَذَا لَا يُنَاسب الْمقَام مَعَ أَنه لَا يجمع على حجال وَإِنَّمَا يجمع على حجول وأحجال. يُرِيد أَنَّهُنَّ فِي يَوْم فزع أَو غَارة لَا يثقن بِأَن يحميهن الْأزْوَاج والآباء وَالإِخْوَة فَنحْن عِنْدهن أوثق مِنْكُم.
стр. 482
وَهَذَانِ البيتان نسبهما أَبُو زيد فِي نوادره لزهير بن مَسْعُود الضَّبِّيّ.
الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ وَهُوَ من أَبْيَات س:
(عمرتك الله إِلَّا مَا ذكرت لنا ... هَل كنت جارتنا أَيَّام ذِي سلم)
على أَن قَوْلهم عمرك الله لَهُ فعل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت وعمرتك بتَشْديد الْمِيم وَضم التَّاء وَكسر الْكَاف.
وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بِهِ سِيبَوَيْهٍ على أَن عمرك وضع بَدَلا من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ فَلَزِمَهُ النصب بِذكر الْفِعْل مُجَردا فِي الْبَيْت.
قَالَ الأعلم وَتَبعهُ بن خلف معنى عمرتك الله ذكرتك الله وَأَصله من عمَارَة الْموضع فَكَأَنَّهُ جعل تذكيره عمَارَة لِقَلْبِهِ فعمرك الله مصدر عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَتَقْدِيره أَن معنى عمرك عمرتك الله أَي: سَأَلت الله عمرك وَإِذا وضح أَن عمرك بِمَعْنى عمرتك وَجب أَن يكون مصدرا.
وَقد ثَبت أَنهم يَقُولُونَ: عمرك الله وعمرتك الله بِمَعْنى فَيكون اسْم الله مَنْصُوبًا بعمرك على قَول. وَفِيه معنى السُّؤَال. وَقيل مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر أَي: سَأَلت الله عمرك أَي بَقَاءَك.
وَالْفرق بَينه وَبَين قَول سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ بِمَعْنى سَأَلت الله تَعَالَى بَقَاءَك: أَن عمرك على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ بِمَعْنى عمرتك الْمُلْتَزم حذفه وَهُوَ الناصب لَهُ وَاسم الله الْمَفْعُول الثَّانِي وعَلى القَوْل
стр. 483
وروى الشَّارِح عَن الْأَخْفَش إجَازَة رفع الْجَلالَة على أَنه فَاعل. وَنسبه أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف إِلَى ابْن الْأَعرَابِي.
وروى عَن الْأَخْفَش: أَن أَصله عِنْده بتعميرك الله حذف زَوَائِد الْمصدر وَالْفِعْل وَالْبَاء فانتصب مَا كَانَ مجروراً بهَا. وَيدل لما قَالَه الْأَخْفَش وَأَنه لَيْسَ مَنْصُوبًا على إِضْمَار فعل إِدْخَال بَاء الْجَرّ عَلَيْهِ قَالَ: بعمرك هَل رَأَيْت لَهَا سميا قَالَ أَبُو حَيَّان: وَالَّذِي يكون بعد نشدتك الله وعمرتك الله أحد سِتَّة أَشْيَاء: اسْتِفْهَام وَأمر وَنهي وَأَن وَإِلَّا وَلما بِمَعْنى إِلَّا كَقَوْلِه: عمرتك الله إِلَّا مَا ذكرت لنا وَإِذا كَانَ إِلَّا أَو مَا فِي مَعْنَاهَا فالفعل قبلهَا فِي صُورَة الْمُوجب وَهُوَ منفي فِي الْمَعْنى وَالْمعْنَى مَا أَسأَلك إِلَّا كَذَا فالمثبت لفظا منفي معنى ليتأتى التفريغ.)
قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: فَإِن قلت: تَأْوِيل الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ بِدُونِ سابك لَيْسَ قِيَاسا فَيلْزم الشذوذ كتسمع بالمعيدي أَي سماعك وادعاء الشذوذ هُنَا غير متأت لَا طراد مثل هَذَا التَّرْكِيب وفصاحته قلت: لَا نسلم أَن التَّأْوِيل بِدُونِ حرف مصدر شَاذ مُطلقًا وَإِنَّمَا يكون شاذاً إِذا لم يطرد فِي بابٍ أما إِذا طرد فِي
بَاب وَاسْتمرّ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يكون شاذاً كالجملة الَّتِي يُضَاف إِلَيْهَا اسْم الزَّمَان مثلا نَحْو: جئْتُك حِين ركب الْأَمِير أَي حِين ركُوبه.
وَضبط أَبُو عَليّ الْفَارِسِي كَمَا نقل ابْن خلف عَنهُ أَن أَلا فِي هَذَا الْبَيْت بِفَتْح الْهمزَة فَيكون أَصله هلا.
نقل صَاحب التَّلْخِيص عَن الْكسَائي:
стр. 484
أَن هلا وأَلا بقلب الْهَاء همزَة وَلَوْلَا ولوما للتنديم فِي الْمَاضِي وللتحضيض فِي الْمُسْتَقْبل فَالْأول نَحْو: هلا أكرمت زيدا على معنى ليتك أكرمته قصدا إِلَى جعله نَادِما على ترك الْإِكْرَام وَالثَّانِي نَحْو: هلا تقوم على معنى ليتك تقوم قصدا إِلَى حثه على الْقيام. وَمَعَ هَذَا فَلَا يَخْلُو من ضرب من التوبيخ واللوم على مَا كَانَ يجب أَن يَفْعَله الْمُخَاطب قبل أَن يطْلب مِنْهُ. ومَا زَائِدَة. وَهَذِه الْجُمْلَة جَوَاب عمرتك الله. وَهُوَ قسم سُؤَالِي. وَجُمْلَة هَل كنت جارتنا فِي مَوضِع الْمَفْعُول لذكرت مُعَلّق عَنهُ بالاستفهام وَالْأَصْل هلا ذكرت لنا جَوَاب هَذَا السُّؤَال وَجُمْلَة عمرتك الله إِلَى آخر الْبَيْت فِي مَحل نصب على أَنَّهَا مقولة لقَوْله فِي الْبَيْت السَّابِق وَهُوَ:
(إِذْ كدت أنكر من سلمى فَقلت لَهَا ... لما الْتَقَيْنَا وَمَا بالعهد من قدم)
وَذُو سلم: مَوضِع عِنْد جبل قريب من الْمَدِينَة المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
والبيتان من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ بَيْتا آخر مثل هَذَا الْبَيْت لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ وَهُوَ:
(عمرتك الله الْجَلِيل فإنني ... ألوي عَلَيْك لَو أَن لبك يَهْتَدِي)
ألوي عَلَيْك: أعطف عَلَيْك.
وَقَوله: لَو أَن لبك يَهْتَدِي أَي: لَو أَن قَلْبك يقبل النَّصِيحَة عبر عَنهُ باللب لِأَنَّهُ مَحَله. وَجَوَاب الْقسم السؤالي فِي بَيت بعده وَهُوَ:
(هَل لامني من صَاحب صاحبته ... من حاسرٍ أَو دارعٍ أَو مرتدي)
стр. 485
وَاعْلَم أَن عمرتك الله فِي الْبَيْتَيْنِ بتَشْديد الْمِيم كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ الْمَنْقُول فِي كَلَام)
الشَّارِح وَهُوَ قَوْله: وَالْأَصْل عِنْد سِيبَوَيْهٍ: عمرتك الله تعميراً. وَمثله فِي الْعباب للصاغاني: وَقَوْلهمْ عمرتك الله أَي: سَأَلت الله تعميرك. وَأنْشد الْبَيْت الأول ثمَّ قَالَ: وَقَالَ جلّ ذكره: أَو لم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر.
وَيجوز عِنْدِي أَن يكون قَوْلهم عمرك الله مصدرا لفعل ثلاثي وَهُوَ: فلَان يعمره من بَاب نصر أَي: يعبده بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَنَحْوهمَا وَفُلَان عمار أَي: كثير الصَّلَاة وَالصَّوْم فَيكون مَنْصُوبًا على نزع الْبَاء القسمية ومضافاً إِلَى فَاعله أَي: بعبادتك الله. وَلم أر من شَرحه على هَذَا الْوَجْه. والْأَحْوَص من الحوص بمهملتين وَهُوَ ضيق فِي مُؤخر الْعين وَقيل: فِي أحد الْعَينَيْنِ. وَهُوَ الْأَحْوَص بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَاصِم بن ثَابت يُسمى حمي الدبر أَي: محميها كَانَ رَسُول الله ﷺ َ بَعثه فِي بعث فَقتله الْمُشْركُونَ وَأَرَادُوا أَن يصلبوه ويمثلوا بِهِ فحمته الدبر وَهِي النَّحْل فَلم يقدروا عَلَيْهِ.
والأحوص مقدم عِنْد أهل الْحجاز وَأكْثر الروَاة لَولَا أَفعاله الدنيئة لِأَنَّهُ أسمحهم طبعا وأسلسهم كلَاما وأصحهم معنى ولشعره رونق وحلاوة وعذوبة أَلْفَاظ لَيست لأحد. وَهُوَ محسن فِي الْغَزل وَالْفَخْر والمدح. وَكَانَ يشبب بنساء أَشْرَاف الْمَدِينَة ويشيع ذَلِك فِي النَّاس فنهي فَلم ينْتَه.
стр. 486
فشكي إِلَى عَامل سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَسُئِلَ الْكِتَابَة فِيهِ إِلَيْهِ فَفعل فَكتب سُلَيْمَان يَأْمُرهُ أَن يضْربهُ
مائَة ويقيمه على البلس للنَّاس ثمَّ يسيره إِلَى دهلك فَفعل بِهِ ذَلِك. والبلس بِضَمَّتَيْنِ: جمع بلاس بِكَسْر الْمُوَحدَة وَهِي غَرَائِر كبار من مسوح يَجْعَل فِيهَا التِّبْن يشهر عَلَيْهَا من ينكل بِهِ وينادى عَلَيْهِ. وَمن دُعَائِهِمْ أرانيك الله على البلس وَكَانَ الْأَحْوَص يَقُول: وَهُوَ يُطَاف بِهِ:
(مَا من مُصِيبَة نكبة أمنى بهَا ... إِلَّا تعظمني وترفع شأني)
(إِنِّي إِذا خَفِي اللئام رَأَيْتنِي ... كَالشَّمْسِ لَا تخفى بِكُل مَكَان)
(أَصبَحت للْأَنْصَار فِيمَا نابهم ... خلفا وَفِي الشُّعَرَاء من حسان)
وَأقَام الْأَحْوَص منفياً بدهلك إِلَى أَن ولي عمر بن عبد الْعَزِيز فَكتب إِلَيْهِ الْأَحْوَص يَسْتَأْذِنهُ فِي الْقدوم وَسَأَلَهُ الْأَنْصَار أَيْضا أَن يقدمهُ إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُم: من الْقَائِل:
(فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أَرَاهَا فجاءةً ... فأبهت حَتَّى لَا أكاد أُجِيب)
قَالُوا: الْأَحْوَص قَالَ: فَمن الَّذِي يَقُول:)
(أدور وَلَوْلَا أَن أرى أم جَعْفَر ... بأبياتكم مَا درت حَيْثُ أدور)
стр. 487
قَالُوا: الْأَحْوَص قَالَ: فَمن الَّذِي يَقُول:
(سَيبقى لَهَا فِي مُضْمر الْقلب والحشا ... سريرة حب يَوْم تبلى السرائر)
قَالُوا: الْأَحْوَص. قَالَ: فَمن الَّذِي يَقُول:
(الله بيني وَبَين قيمها ... يفر مني بهَا وأتبع)
قَالُوا: الْأَحْوَص. قَالَ: لَا جرم مَا رَددته مَا كَانَ لي سُلْطَان قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ سَبَب نفي الْأَحْوَص أَن شُهُودًا شهدُوا عَلَيْهِ أَنه قَالَ: لَا أُبَالِي أَي الثَّلَاثَة أكون ناكحاً أَو منكوحاً أَو زَانيا. وَكَانَ مَشْهُورا بالأبنة وانضاف إِلَى ذَلِك أَنه دخل يَوْمًا على سكينَة بنت الْحُسَيْن ﵄ فَأذن الْمُؤَذّن فَلَمَّا قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ فخرت سكينَة برَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ الْأَحْوَص:
(فخرت وانتمت فَقلت: ذَرِينِي ... لَيْسَ جهل أَتَيْته ببديع)
(فَأَنا ابْن الَّذِي حمت لَحْمه الدب ... ر قَتِيلا للحيان يَوْم رجيع)
(غسلت خَالِي الْمَلَائِكَة الْأَب ... رار مَيتا طُوبَى لَهُ من صريع)
وَكَانَ وَفد الْأَحْوَص على الْوَلِيد بن عبد الْملك ممتدحاً لَهُ فأنزله منزلا وَأمر
стр. 488
بمطبخةٍ تمال عَلَيْهِ.
وَكَانَ قد نزل على الْوَلِيد شُعَيْب بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ الْأَحْوَص يُرَاوِد وصفاء للوليد خبازين يريدهم أَن يَفْعَلُوا بِهِ الْفَاحِشَة وَكَانَ شُعَيْب قد غضب على مولى لَهُ ونحاه فَلَمَّا خَافَ الْأَحْوَص أَن يفتضح بمراودته الغلمان اندس لمولى شُعَيْب بذلك فَقَالَ: ادخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ فاذكر لَهُ أَن شعيباً راودك عَن نَفسك. فَفعل الْمولى فَالْتَفت الْوَلِيد إِلَى شُعَيْب فَقَالَ: مَا يَقُول هَذَا فَقَالَ: لكَلَامه نبأ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاشدد بِهِ يدك يصدقك. فَشد عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمرنِي الْأَحْوَص بذلك. فَقَالَ قيم الخبازين: إِن الْأَحْوَص يُرَاوِد غلمانك عَن أنفسهم. فَأرْسل بِهِ الْوَلِيد إِلَى ابْن حزم وَالِي الْمَدِينَة وَأمره أَن يجلده مائَة وَيصب على رَأسه زيتاً ويقيمه على البلس فَفعل بِهِ كَمَا ذكرنَا.
وَلم يزل الْأَحْوَص بدهلك حَتَّى مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَتَوَلَّى يزِيد بن عبد الْملك. فَبينا يزِيد وَجَارِيَة ذَات يَوْم تغنيه بعض شعر الْأَحْوَص فَقَالَ لَهَا: من يَقُول هَذَا الشّعْر قَالَت: لَا أَدْرِي)
فَأرْسل إِلَى ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَسَأَلَهُ فَأخْبرهُ أَن قَائِله الْأَحْوَص. قَالَ: وَمَا فعل قَالَ: طَال حَبسه بدهلك. فَأمر بتخلية سَبيله ووهب لَهُ أَرْبَعمِائَة دِينَار.
وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: أَن الْأَحْوَص كَانَت لَهُ جَارِيَة تسمى بشرة وَكَانَت تحبه ويحبها. فَقدم بهَا دمشق فحذرته الْمَوْت وبكت فَقَالَ الْأَحْوَص: ...
стр. 489
(مَا لجديد الْمَوْت يابشر لذةٌ ... وكل جديدٍ تستلذ طرائفه)
ثمَّ مَاتَ فَجَزِعت عَلَيْهِ جزعاً شَدِيدا وَلم تزل تبْكي عَلَيْهِ وتندبه حَتَّى شهقت شهقةً وَمَاتَتْ. ودفنت إِلَى جنبه.
تَتِمَّة لم يذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه أحوص غير هَذَا.
وَذكر الْأَحْوَص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: هُوَ زيد بن عَمْرو بن قيس الْيَرْبُوعي التَّمِيمِي وَهُوَ شاعرٌ فَارس. وَأورد لَهُ شعرًا جيدا يفتخر بِهِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
(قعيدك أَن لَا تسمعيني ملامة ... وَلَا تنكئي قرح الْفُؤَاد فييجعا)
على أَن قعيدك الله وعمرك الله أَكثر مَا يستعملان فِي الْقسم السؤالي فَيكون جوابهما مَا فِيهِ الطّلب كالأمر وَالنَّهْي. وَأَن هُنَا زَائِدَة.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَيَجِيء بعد قعد وقعيدك الِاسْتِفْهَام وَأَن وَلم يقيدها بِكَوْنِهَا زَائِدَة أَو مَصْدَرِيَّة أَو غَيرهمَا. وَمِثَال الِاسْتِفْهَام قَالَ الْأَزْهَرِي: قَالَت قريبَة الأعرابية:
(قعيدك عمر الله يَا ابْنة مَالك ... ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب)
وَلم أسمع بَيْتا جمع فِيهِ بَين الْعُمر والقعيد إِلَّا هَذَا. انْتهى.
стр. 490
وَبَقِي على أبي حَيَّان أَن يَقُول: وَالسَّلَام. روى أَبُو عبيد قعيدك لتفعلن وَلَا النافية كَمَا يَأْتِي فِي كَلَام الْجَوْهَرِي.
قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: وقعدك الله عِنْد سِيبَوَيْهٍ مثل عمرك الله يَجعله بِمَعْنى فعل مُقَدّر مَعْنَاهُ: سَأَلته أَن يكون حفيظك وَإِن لم يتَكَلَّم بِهِ. كَأَنَّهُ قيل حفظتك الله من قَوْله تَعَالَى: عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد أَي: حَافظ.
ووضح ذَلِك فِي عمرك الله لاستعمال فعله. وَإِذا تحقق أَن معنى قعدك الله معنى الْفِعْل الْمُقدر الْمَذْكُور وضح أَيْضا أَن قعيدك الله بِمَعْنَاهُ وَفِيه أَيْضا معنى)
السُّؤَال كعمرك الله.
وَقَالَ ابْن خلف: يُرِيد سِيبَوَيْهٍ بقوله: فقعدك الله يجْرِي على هَذَا المجرى أَن فعل المصادر قد يتْرك وَيكون بِمَنْزِلَة مَا اسْتعْمل الْفِعْل فِيهِ فقعدك بِمَنْزِلَة قَوْلك: وصفك الله بالثبات وَأَنه لَا يَزُول.
يُرِيد سَأَلتك بوصفك الله بالثبات ثمَّ حذف الْفِعْل وَالْبَاء. وَلَا يسْتَعْمل فِيهِ الْفِعْل وَلَا الْبَاء وَهُوَ مصدر لَا يتَصَرَّف أَي: لَا يسْتَعْمل فِي غير هَذَا الْموضع من الْكَلَام وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مُضَافا.
انْتهى.
وَقَالَ أَبُو اسحاق إِبْرَاهِيم النجيرمي فِي كتاب أَيْمَان الْعَرَب: معنى قعدك الله وقعيدك الله: أخصب الله بلادك حَتَّى تكون مُقيما فِيهَا قَاعِدا غير منتجع.
وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقَوْلهمْ: قعيدك لَا آتِيك وقعيدك الله لَا آتِيك وقعدك الله وقعدك الله بِالْفَتْح وَالْكَسْر: يَمِين للْعَرَب. وَهِي مصَادر اسْتعْملت مَنْصُوبَة بِفعل مُضْمر وَالْمعْنَى: بصاحبك الَّذِي هُوَ صَاحب كل
стр. 491
نجوى كَمَا يُقَال: نشدتك الله.
زَاد عَلَيْهِ صَاحب الْعباب: وَقَالَ أَبُو عبيد: عليا مُضر تَقول: قعيدك لتفعلن كَذَا يَعْنِي أَنهم يحلفونه بِأَبِيهِ قَالَ: القعيد: الْأَب.
وَأنكر صَاحب الْقَامُوس كَونهمَا للقسم فَقَالَ: قعيدك الله وقعدك بِالْكَسْرِ استعطاف لَا قسمٌ بِدَلِيل أَنه لم يجِئ جَوَاب الْقسم. وَهَذَا مُخَالف لِلْجُمْهُورِ فَإِن قَوْله لَا تسمعيني جَوَاب لقَوْله
قَالَ صَاحب الْبَسِيط وَيدل على الْقسم قَوْلهم: قعدك الله لَأَفْعَلَنَّ وروى فقعدك بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا. وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَي: قعدك الله. وَالْكَاف مَكْسُورَة لِأَنَّهُ خطاب مَعَ امْرَأَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه. وَجُمْلَة لَا تنكئي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب كجملة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا يُقَال نكأت القرحة بِالْهَمْز: إِذا قشرتها ونكيت فِي الْعَدو بِلَا همز. والقرح كالجرح وزنا وَمعنى. وَقَوله فييجعا مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد الْفَاء فِي جَوَاب النَّهْي الثَّانِي. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: وجع يوجع ووجل يوجل يقرونَ الْوَاو على حَالهَا إِذا سكنت وَانْفَتح مَا قبلهَا وَهِي أَجود اللُّغَات وَبَعض قيس يَقُول: وَجل ياجل ووجع ياجع وَبَنُو تَمِيم تَقول: وجع ييجع وَهِي شَرّ اللُّغَات لِأَن الْكسر من الْيَاء وَالْيَاء يقوم مقَام كسرتين فكرهوا أَن يكسروا لثقل الْكسر فِيهَا.
وَقَالَ الْفراء: إِنَّمَا كسر ليتفق اللَّفْظ فِيهَا وَاللَّفْظ بأخواتها وَذَلِكَ أَن بعض الْعَرَب يَقُول: أَنا إيجل وَأَنت تيجل وَنحن نيجل فَلَو قَالُوا هُوَ يوجل كَانَت الْيَاء قد خَالَفت أخواتها.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مَشْهُورَة مشروحة فِي المفضليات وَغَيرهَا لمتمم
стр. 492
ابْن نُوَيْرَة الصَّحَابِيّ ﵁ يرثي بهَا أَخَاهُ مَالك بن نُوَيْرَة. وَقبل هَذَا الْبَيْت ثَمَانِيَة أَبْيَات مُتَّصِلَة بِهِ وَهِي:
(تَقول ابْنة الْعمريّ مَالك بَعْدَمَا ... أَرَاك حَدِيثا ناعم البال أفرعا)
ابْنة الْعمريّ: زَوجته. والْحَدِيث: الْقَرِيب. والأفرع: الْكثير شعر الرَّأْس. تَقول لَهُ: مَالك الْيَوْم فَقلت لَهَا: طول الأسى إِذْ سَأَلتنِي ولوعة حزن تتْرك الْوَجْه أسفعا الأسى: الْحزن. وَالتَّاء من سَأَلتنِي مَكْسُورَة. واللوعة: الحرقة. والسفعة بِالضَّمِّ: سَواد يضْرب إِلَى الْحمرَة.
(وفقد بني أم تداعوا فَلم أكن ... خلافهم أَن أستكين وأضرعا)
فقد: مَعْطُوف على طول الأسى. وتداعوا: تفَرقُوا ودعا بَعضهم بَعْضًا. وخلافهم: بعدهمْ وخلفهم. يَقُول: لست وَإِن أصابني حزن بمستكين وَلَا خاضع فيشمت بِهِ الْأَعْدَاء.
(ولكنني أمضي على ذَاك مقدما ... إِذا بعض من يلقى الحروب تكعكعا)
التكعكع: التَّأَخُّر عَن الْحَرْب من الْجُبْن والتهيب.
(وغيرني مَا غال قيسا ومالكاً ... وعمراً وجزءاً بالمشقر ألمعا)
غال: أهلك. وَقيس وَعَمْرو: رجلَانِ من بني يَرْبُوع وجزء: هُوَ بن سعد الريَاحي وَهَؤُلَاء قَتلهمْ الْأسود بن الْمُنْذر يَوْم المشقر. وَيَعْنِي بِمَالك أَخَاهُ. والمشقر بالشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف على زنة اسْم الْمَفْعُول: قصر
стр. 493
بِالْبَحْرَيْنِ وَقيل: مَدِينَة هجر. وَقَوله: ألمعا أَي: ألمع بهم الْمَوْت وَمَعْنَاهُ ذهب بهم وَقَالَ الْكسَائي: أَرَادَ مَعًا فَزَاد أل.
(وَمَا غال نَدْمَانِي يزِيد وليتني ... تمليته بالأهل وَالْمَال أجمعا)
(وَإِنِّي وَإِن هازلتني قد أصابني ... من البث مَا يبكي الحزين المفجعا)
يَقُول: نزل بِي مَا يغلب الصَّبْر والتجلد حَتَّى يحمل صَاحبه على الْبكاء وَأَنا مَعَ ذَلِك أتجلد.
(وَلست إِذا مَا أحدث الدَّهْر نكبة ... ورزءاً بزوار القرائب أخضعا)
يَقُول: إِذا أصابتني مُصِيبَة لم آتٍ قرائبي خاضعاً لَهُم الْحَاجة مني إِلَيْهِم ولكنني أَصْبِر وأعف مَعَ الْفقر.
وَبعده: قعيدك أَن لَا تسمعيني ملامة ... ... . . الْبَيْت)
ومتمم: هُوَ ابْن نُوَيْرَة بن جَمْرَة بِالْجِيم ابْن شَدَّاد ابْن عبيد بن ثَعْلَبَة ابْن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.
وَكَانَ متمم من الصَّحَابَة ﵃. وَأَخُوهُ مَالك يُقَال لَهُ فَارس ذِي الْخمار بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَذُو الْخمار فرسه.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح كَامِل الْمبرد: قَوْلهم فَتى وَلَا كمالك هُوَ مَالك بن نُوَيْرَة سيد بني يَرْبُوع قَتله خَالِد بن الْوَلِيد.
وَرَأَيْت رِسَالَة لأبي رياش أَحْمد بن أبي هَاشم الْقَيْسِي تَتَضَمَّن قصَّة قتل خَالِد بن الْوَلِيد لمَالِك كَانَ مَالك بن نُوَيْرَة قد أسلم قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ َ وَتصدق
стр. 494
وَكَانَ عريف ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع فَقبض النَّبِي ﷺ َ وإبل الصَّدَقَة برحرحان وَهُوَ مَاء دوين بطن نخل فَجمع مَالك جمعا نَحوا من ثَلَاثِينَ فَأَغَارَ عَلَيْهَا فاقتطع مِنْهَا ثَلَاثمِائَة فَلَمَّا قدم بِلَاد بني تَمِيم لامه الْأَقْرَع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم وَضِرَار بن الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم وَبلغ مَالِكًا أَنَّهُمَا يمشيان بِهِ فِي بني تَمِيم فَقَالَ مَالك يعتبهما وَيَدْعُو على مَا بَقِي من إبل الصَّدَقَة:
(أَرَانِي الله بِالنعَم المندى ... ببرقة رحرحان وَقد أَرَانِي)
(أإن قرت عُيُون فاستفيئت ... غَنَائِم قد يجود بهَا بناني)
(حويت جَمِيعهَا بِالسَّيْفِ صَلتا ... وَلم ترْعد يداي وَلَا جناني)
(تمشى يَا ابْن عوذة فِي تَمِيم ... وَصَاحِبك الأقيرع تلحياني)
(ألم أك نَار رابئة تلظى ... فتتقيا أذاي وترهباني)
(فَقل لِابْنِ المذب يغض طرفا ... على قطع المذلة والهوان)
وعوذة: أم ضرار بن الْقَعْقَاع وَهِي معَاذَة بنت ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ. والمذبة: أم الْأَقْرَع بن حَابِس.
فَلَمَّا قَامَ أَبُو بكر وبلغه قَول مَالك بعث إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن لَا يَأْتِي النَّاس إِلَّا عِنْد صَلَاة الْغَدَاة فَمن سمع فيهم مُؤذنًا كف عَنْهُم وَمن لم يسمع فيهم مُؤذنًا استحلهم وعزم عَلَيْهِ ليقْتلن مَالِكًا إِن أَخذه. فَأقبل خَالِد بن الْوَلِيد حَتَّى هَبَط جو الْبَعُوضَة وَبِه بَنو يَرْبُوع فَبَاتَ
стр. 495
عِنْدهم وَلَا يخافونه فَمر على بني ريَاح فَوجدَ شَيخا مِنْهُم يُقَال لَهُ مَسْعُود بن وضام يَقُول:)
(وَحجَّة أتبعهَا بِحجَّة ... وهدية أَهْدَيْتهَا للأبطح)
فَمضى عَن ريَاح حَتَّى مر ببني غُدَانَة وَبني ثَعْلَبَة فَلم يسمع فيهم مُؤذنًا فَحمل عَلَيْهِم فثار النَّاس وَلَا يَدْرُونَ مَا بَيتهمْ فَلَمَّا رَأَوْا الفرسان والجيش قَالُوا: من أَنْتُم قَالُوا: نَحن الْمُسلمُونَ. قَالَ مَالك: وَنحن الْمُسلمُونَ فَلم ينْتَه الْمُسلمُونَ لذَلِك وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف وَقتلت غُدَانَة أَشد الْقَتْل وَقتلت ثَعْلَبَة وَأعجل مَالك عَن لبس السِّلَاح وَإِن امْرَأَته ليلى بنت سِنَان بن ربيعَة بن حَنْظَلَة قَامَت دونه عُرْيَانَة وَدخل الْقبَّة وَقَامَت دونه وَلبس مَالك أداته ثمَّ خرج فَنَادَى: يَا آل عبيد.
فَلم يجبهُ أحد غير بني بهآن فَإِنَّهُم صدقُوا مَعَه يومئذٍ وطلعوا من جو الْبَعُوضَة وبلغوا ذَات المذاق
وَهِي أكمة بَينهَا وَبَين الجو ميلان أَو قدر ميل وَنصف ففزعوا من الْقَوْم غير مَالك وَغير بَقِيَّة من ولد حبشِي بن عبيد بن ثَعْلَبَة وَكَانَ عدَّة من أُصِيب مَعَ مَالك خَمْسَة وَأَرْبَعين رجلا من بني بهان.
ثمَّ إِن خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ: يَا ابْن نُوَيْرَة هَلُمَّ إِلَى الْإِسْلَام قَالَ مَالك: وتعطيني مَاذَا قَالَ: ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَذمَّة أبي بكر وَذمَّة خَالِد بن الْوَلِيد فَأقبل مَالك وَأَعْطَاهُ بيدَيْهِ وعَلى خَالِد تِلْكَ العزمة من أبي بكر. قَالَ: يَا مَالك إِنِّي قَاتلك. قَالَ: لَا تقتلني قَالَ: لَا أَسْتَطِيع غير ذَلِك قَالَ: فأت مَا لَا تَسْتَطِيع إِلَّا إِيَّاه. فقدمه إِلَى النَّاس فتهيبوا قَتله وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: أنقتل رجلا مُسلما غير ضرار ابْن الْأَزْوَر الْأَسدي من بني كوز فَإِنَّهُ قَامَ بقتْله. فَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة يذكر غدره بِمَالك:
следующие страницы →