Полный текст (5 658 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
نجوى كَمَا يُقَال: نشدتك الله.
زَاد عَلَيْهِ صَاحب الْعباب: وَقَالَ أَبُو عبيد: عليا مُضر تَقول: قعيدك لتفعلن كَذَا يَعْنِي أَنهم يحلفونه بِأَبِيهِ قَالَ: القعيد: الْأَب.
وَأنكر صَاحب الْقَامُوس كَونهمَا للقسم فَقَالَ: قعيدك الله وقعدك بِالْكَسْرِ استعطاف لَا قسمٌ بِدَلِيل أَنه لم يجِئ جَوَاب الْقسم. وَهَذَا مُخَالف لِلْجُمْهُورِ فَإِن قَوْله لَا تسمعيني جَوَاب لقَوْله
قَالَ صَاحب الْبَسِيط وَيدل على الْقسم قَوْلهم: قعدك الله لَأَفْعَلَنَّ وروى فقعدك بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا. وَالْمَفْعُول الثَّانِي مَحْذُوف أَي: قعدك الله. وَالْكَاف مَكْسُورَة لِأَنَّهُ خطاب مَعَ امْرَأَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه. وَجُمْلَة لَا تنكئي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب كجملة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا يُقَال نكأت القرحة بِالْهَمْز: إِذا قشرتها ونكيت فِي الْعَدو بِلَا همز. والقرح كالجرح وزنا وَمعنى. وَقَوله فييجعا مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد الْفَاء فِي جَوَاب النَّهْي الثَّانِي. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أهل الْحجاز يَقُولُونَ: وجع يوجع ووجل يوجل يقرونَ الْوَاو على حَالهَا إِذا سكنت وَانْفَتح مَا قبلهَا وَهِي أَجود اللُّغَات وَبَعض قيس يَقُول: وَجل ياجل ووجع ياجع وَبَنُو تَمِيم تَقول: وجع ييجع وَهِي شَرّ اللُّغَات لِأَن الْكسر من الْيَاء وَالْيَاء يقوم مقَام كسرتين فكرهوا أَن يكسروا لثقل الْكسر فِيهَا.
وَقَالَ الْفراء: إِنَّمَا كسر ليتفق اللَّفْظ فِيهَا وَاللَّفْظ بأخواتها وَذَلِكَ أَن بعض الْعَرَب يَقُول: أَنا إيجل وَأَنت تيجل وَنحن نيجل فَلَو قَالُوا هُوَ يوجل كَانَت الْيَاء قد خَالَفت أخواتها.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مَشْهُورَة مشروحة فِي المفضليات وَغَيرهَا لمتمم
стр. 492
ابْن نُوَيْرَة الصَّحَابِيّ ﵁ يرثي بهَا أَخَاهُ مَالك بن نُوَيْرَة. وَقبل هَذَا الْبَيْت ثَمَانِيَة أَبْيَات مُتَّصِلَة بِهِ وَهِي:
(تَقول ابْنة الْعمريّ مَالك بَعْدَمَا ... أَرَاك حَدِيثا ناعم البال أفرعا)
ابْنة الْعمريّ: زَوجته. والْحَدِيث: الْقَرِيب. والأفرع: الْكثير شعر الرَّأْس. تَقول لَهُ: مَالك الْيَوْم فَقلت لَهَا: طول الأسى إِذْ سَأَلتنِي ولوعة حزن تتْرك الْوَجْه أسفعا الأسى: الْحزن. وَالتَّاء من سَأَلتنِي مَكْسُورَة. واللوعة: الحرقة. والسفعة بِالضَّمِّ: سَواد يضْرب إِلَى الْحمرَة.
(وفقد بني أم تداعوا فَلم أكن ... خلافهم أَن أستكين وأضرعا)
فقد: مَعْطُوف على طول الأسى. وتداعوا: تفَرقُوا ودعا بَعضهم بَعْضًا. وخلافهم: بعدهمْ وخلفهم. يَقُول: لست وَإِن أصابني حزن بمستكين وَلَا خاضع فيشمت بِهِ الْأَعْدَاء.
(ولكنني أمضي على ذَاك مقدما ... إِذا بعض من يلقى الحروب تكعكعا)
التكعكع: التَّأَخُّر عَن الْحَرْب من الْجُبْن والتهيب.
(وغيرني مَا غال قيسا ومالكاً ... وعمراً وجزءاً بالمشقر ألمعا)
غال: أهلك. وَقيس وَعَمْرو: رجلَانِ من بني يَرْبُوع وجزء: هُوَ بن سعد الريَاحي وَهَؤُلَاء قَتلهمْ الْأسود بن الْمُنْذر يَوْم المشقر. وَيَعْنِي بِمَالك أَخَاهُ. والمشقر بالشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف على زنة اسْم الْمَفْعُول: قصر
стр. 493
بِالْبَحْرَيْنِ وَقيل: مَدِينَة هجر. وَقَوله: ألمعا أَي: ألمع بهم الْمَوْت وَمَعْنَاهُ ذهب بهم وَقَالَ الْكسَائي: أَرَادَ مَعًا فَزَاد أل.
(وَمَا غال نَدْمَانِي يزِيد وليتني ... تمليته بالأهل وَالْمَال أجمعا)
(وَإِنِّي وَإِن هازلتني قد أصابني ... من البث مَا يبكي الحزين المفجعا)
يَقُول: نزل بِي مَا يغلب الصَّبْر والتجلد حَتَّى يحمل صَاحبه على الْبكاء وَأَنا مَعَ ذَلِك أتجلد.
(وَلست إِذا مَا أحدث الدَّهْر نكبة ... ورزءاً بزوار القرائب أخضعا)
يَقُول: إِذا أصابتني مُصِيبَة لم آتٍ قرائبي خاضعاً لَهُم الْحَاجة مني إِلَيْهِم ولكنني أَصْبِر وأعف مَعَ الْفقر.
وَبعده: قعيدك أَن لَا تسمعيني ملامة ... ... . . الْبَيْت)
ومتمم: هُوَ ابْن نُوَيْرَة بن جَمْرَة بِالْجِيم ابْن شَدَّاد ابْن عبيد بن ثَعْلَبَة ابْن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.
وَكَانَ متمم من الصَّحَابَة ﵃. وَأَخُوهُ مَالك يُقَال لَهُ فَارس ذِي الْخمار بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَذُو الْخمار فرسه.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح كَامِل الْمبرد: قَوْلهم فَتى وَلَا كمالك هُوَ مَالك بن نُوَيْرَة سيد بني يَرْبُوع قَتله خَالِد بن الْوَلِيد.
وَرَأَيْت رِسَالَة لأبي رياش أَحْمد بن أبي هَاشم الْقَيْسِي تَتَضَمَّن قصَّة قتل خَالِد بن الْوَلِيد لمَالِك كَانَ مَالك بن نُوَيْرَة قد أسلم قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ َ وَتصدق
стр. 494
وَكَانَ عريف ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع فَقبض النَّبِي ﷺ َ وإبل الصَّدَقَة برحرحان وَهُوَ مَاء دوين بطن نخل فَجمع مَالك جمعا نَحوا من ثَلَاثِينَ فَأَغَارَ عَلَيْهَا فاقتطع مِنْهَا ثَلَاثمِائَة فَلَمَّا قدم بِلَاد بني تَمِيم لامه الْأَقْرَع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم وَضِرَار بن الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم وَبلغ مَالِكًا أَنَّهُمَا يمشيان بِهِ فِي بني تَمِيم فَقَالَ مَالك يعتبهما وَيَدْعُو على مَا بَقِي من إبل الصَّدَقَة:
(أَرَانِي الله بِالنعَم المندى ... ببرقة رحرحان وَقد أَرَانِي)
(أإن قرت عُيُون فاستفيئت ... غَنَائِم قد يجود بهَا بناني)
(حويت جَمِيعهَا بِالسَّيْفِ صَلتا ... وَلم ترْعد يداي وَلَا جناني)
(تمشى يَا ابْن عوذة فِي تَمِيم ... وَصَاحِبك الأقيرع تلحياني)
(ألم أك نَار رابئة تلظى ... فتتقيا أذاي وترهباني)
(فَقل لِابْنِ المذب يغض طرفا ... على قطع المذلة والهوان)
وعوذة: أم ضرار بن الْقَعْقَاع وَهِي معَاذَة بنت ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ. والمذبة: أم الْأَقْرَع بن حَابِس.
فَلَمَّا قَامَ أَبُو بكر وبلغه قَول مَالك بعث إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد وَأمره أَن لَا يَأْتِي النَّاس إِلَّا عِنْد صَلَاة الْغَدَاة فَمن سمع فيهم مُؤذنًا كف عَنْهُم وَمن لم يسمع فيهم مُؤذنًا استحلهم وعزم عَلَيْهِ ليقْتلن مَالِكًا إِن أَخذه. فَأقبل خَالِد بن الْوَلِيد حَتَّى هَبَط جو الْبَعُوضَة وَبِه بَنو يَرْبُوع فَبَاتَ
стр. 495
عِنْدهم وَلَا يخافونه فَمر على بني ريَاح فَوجدَ شَيخا مِنْهُم يُقَال لَهُ مَسْعُود بن وضام يَقُول:)
(وَحجَّة أتبعهَا بِحجَّة ... وهدية أَهْدَيْتهَا للأبطح)
فَمضى عَن ريَاح حَتَّى مر ببني غُدَانَة وَبني ثَعْلَبَة فَلم يسمع فيهم مُؤذنًا فَحمل عَلَيْهِم فثار النَّاس وَلَا يَدْرُونَ مَا بَيتهمْ فَلَمَّا رَأَوْا الفرسان والجيش قَالُوا: من أَنْتُم قَالُوا: نَحن الْمُسلمُونَ. قَالَ مَالك: وَنحن الْمُسلمُونَ فَلم ينْتَه الْمُسلمُونَ لذَلِك وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف وَقتلت غُدَانَة أَشد الْقَتْل وَقتلت ثَعْلَبَة وَأعجل مَالك عَن لبس السِّلَاح وَإِن امْرَأَته ليلى بنت سِنَان بن ربيعَة بن حَنْظَلَة قَامَت دونه عُرْيَانَة وَدخل الْقبَّة وَقَامَت دونه وَلبس مَالك أداته ثمَّ خرج فَنَادَى: يَا آل عبيد.
فَلم يجبهُ أحد غير بني بهآن فَإِنَّهُم صدقُوا مَعَه يومئذٍ وطلعوا من جو الْبَعُوضَة وبلغوا ذَات المذاق
وَهِي أكمة بَينهَا وَبَين الجو ميلان أَو قدر ميل وَنصف ففزعوا من الْقَوْم غير مَالك وَغير بَقِيَّة من ولد حبشِي بن عبيد بن ثَعْلَبَة وَكَانَ عدَّة من أُصِيب مَعَ مَالك خَمْسَة وَأَرْبَعين رجلا من بني بهان.
ثمَّ إِن خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ: يَا ابْن نُوَيْرَة هَلُمَّ إِلَى الْإِسْلَام قَالَ مَالك: وتعطيني مَاذَا قَالَ: ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَذمَّة أبي بكر وَذمَّة خَالِد بن الْوَلِيد فَأقبل مَالك وَأَعْطَاهُ بيدَيْهِ وعَلى خَالِد تِلْكَ العزمة من أبي بكر. قَالَ: يَا مَالك إِنِّي قَاتلك. قَالَ: لَا تقتلني قَالَ: لَا أَسْتَطِيع غير ذَلِك قَالَ: فأت مَا لَا تَسْتَطِيع إِلَّا إِيَّاه. فقدمه إِلَى النَّاس فتهيبوا قَتله وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: أنقتل رجلا مُسلما غير ضرار ابْن الْأَزْوَر الْأَسدي من بني كوز فَإِنَّهُ قَامَ بقتْله. فَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة يذكر غدره بِمَالك:
стр. 496
(نعم الْقَتِيل إِذا الرِّيَاح تحدبت ... فَوق الكنيف قتيلك بن الْأَزْوَر)
(أدعوته بِاللَّه ثمَّ قتلته ... لَو هُوَ دعَاك بِذِمَّة لم يغدر)
(ولنعم حَشْو الدرْع يَوْم لِقَائِه ... ولنعم مأوى الطارق المتنور)
(لَا يلبس الْفَحْشَاء تَحت ثِيَابه ... صَعب مقادته عفيف المئزر)
فَلَمَّا فرغ خَالِد مِنْهُ أقبل الْمنْهَال بن عصمَة الريَاحي فِي نَاس من بني ريَاح يدفنون قَتْلَى بني ثَعْلَبَة وَبني غُدَانَة وَمَعَ الْمنْهَال بردَان من يمنة. فَكَانُوا إِذا مروا على رجل يعرفونه قَالُوا: كفن هَذَا يَا منهال فيهمَا فَيَقُول: لَا حَتَّى أكفن فيهمَا الجفول مَالِكًا وَهُوَ الْكثير الشّعْر وَكَانَ يلقب بذلك لِكَثْرَة شعره. وَذَلِكَ فِي يَوْم شَدِيد الرّيح فَجعلُوا لَا يقدرُونَ على ذَلِك. ثمَّ رفعت الرّيح شعره
(لعمري وَمَا دهري بتأبين مَالك ... وَلَا جزع مِمَّا أصَاب فأوجع)
)
(لقد كفن الْمنْهَال تَحت رِدَائه ... فَتى غير مبطان العشيات أروعا)
(ألم يَأْتِ أَخْبَار الْمحل سراتنا ... فيغضب مِنْهَا كل من كَانَ موجعا)
الْمحل: رجل من بني ثَعْلَبَة مر بِمَالك مقتولاً فنعاه كَأَنَّهُ شامت فذمه متمم وَأخذ خَالِد بن الْوَلِيد ليلى بنت سِنَان امْرَأَة مَالك وَابْنهَا جَراد بن مَالك فأقدمهما الْمَدِينَة ودخلها وَقد غرز سَهْمَيْنِ فِي عمَامَته فَكَأَن عمر غضب حِين رأى السهمين فَقَامَ فَأتى عليا فَقَالَ: إِن فِي حق الله أَن يُقَاد هَذَا بِمَالك قتل رجلا مُسلما ثمَّ نزا على امْرَأَته كَمَا ينزو الْحمار. ثمَّ قاما فَأتيَا طَلْحَة فتتابعوا على ذَلِك. فَقَالَ أَبُو بكر: سيف سَله الله لَا أكون أول من أغمده أكل أمره إِلَى الله.
стр. 497
فَلَمَّا قَامَ عمر بِالْأَمر وَفد عَلَيْهِ متمم فاستعداه على خَالِد. فَقَالَ: لَا أرد شَيْئا صنعه أَبُو بكر.
فَقَالَ متمم: قد كنت تزْعم أَن لَو كنت مَكَان أبي بكر أقدته بِهِ فَقَالَ عمر: لَو كنت ذَلِك الْيَوْم بمكاني الْيَوْم لفَعَلت وَلَكِنِّي لَا أرد شَيْئا أَمْضَاهُ أَبُو بكر ورد عَلَيْهِ ليلى وَابْنهَا جَراد.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ:
(أَيهَا المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ)
على أَن عمرك الله يسْتَعْمل فِي الْقسم السؤالي وَيكون جَوَابه مَا فِيهِ الطّلب وَهُوَ هُنَا جملَة كَيفَ يَلْتَقِيَانِ فَإِن الِاسْتِفْهَام طلب الْفَهم وَهُوَ هُنَا تعجبي. خلافًا للجوهري فِي هَذَا فَإِنَّهُ زعم أَن عمرك الله هُنَا فِي غير الْقسم.
وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لعمر بن أبي ربيعَة.
والمنكح: اسْم فَاعل من أنكحه أَي: زوجه. واستقل ارْتَفع. والثريا هِيَ بنت عَليّ بن عبد الله بن الْحَارِث بن أُميَّة الْأَصْغَر وهم العبلات.
وَكَانَت الثريا وَأُخْتهَا عَائِشَة أعتقتا الْغَرِيض الْمُغنِي واسْمه عبد الْملك ويكنى أَبَا يزِيد كَذَا قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه: والعبلات هم بَنو أُميَّة الْأَصْغَر بن عبد شمس وَبَنُو عبد شمس: أُميَّة وَعبد أُميَّة وَنَوْفَل أَبنَاء عبد شمس نسبوا إِلَى أمّهم عبلة بنت
стр. 498
عبيد بن جادل بن قيس بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَهِي من البراجم.
وَرَأَيْت فِي كتب اللَّهْو لبن جرادبة أَن كنيته أَبُو زيد وَقَالَ: هُوَ من مولدِي البربر يضْرب الْعود أَخذ الْغناء عَن ابْن سُرَيج ثمَّ حسده فطرده وَكَانَ جميلاً وربته الثريا وعلمته النوح بالمراثي)
على من قَتله يزِيد بن مُعَاوِيَة يَوْم الْحرَّة.
وَقيل إِن الثريا بنت عبد الله بن الْحَارِث بن أُميَّة الْأَصْغَر.
وَذكر الزبير بن بكار أَنَّهَا الثريا بنت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحَارِث ابْن أُميَّة الْأَصْغَر وَأَنَّهَا أُخْت مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِأبي جراب العبلي الَّذِي قَتله دَاوُد بن عَليّ كَذَا فِي الْغرَر والدرر للشريف.
وَأما سُهَيْل: فَهُوَ سُهَيْل بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. وكنيته أَبُو الْأَبْيَض. وَأمه بنت يزِيد بن سَلامَة ذِي فائش الْحِمْيَرِي. تزوج الثريا ونقلها إِلَى
مصر. فَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة يضْرب لَهَا الْمثل بالكوكبين. فَكَانَ يشبب بهَا وَقَالَ فِيهَا أشعاراً. وَكَانَت تصيف فِي الطَّائِف فَكَانَ عمر يَغْدُو بفرسه كل غَدَاة فيسائل الَّذين يحملون الْفَاكِهَة عَن أَخْبَارهَا فَسَأَلَ بَعضهم يَوْمًا فَقَالَ: لَا أعلم خَبرا غير أَنِّي سَمِعت عِنْد رحيلنا صَوتا وصياحاً على امْرَأَة من قُرَيْش اسْمهَا اسْم نجم ذهب عني اسْمه. قَالَ عمر: الثريا قَالَ: نعم وَكَانَ قد بلغه أَنَّهَا عليلة فركض فرسه من أقرب الطَّرِيق حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا
стр. 499
وَهِي تشرف من ثنية فَوَجَدَهَا سليمَة وَمَعَهَا أُخْتهَا فَأَخْبرهَا الْخَبَر فَضَحكت وَقَالَت: أَنا وَالله أَمرتهم لأخبر مَا عنْدك وَلما تزوج عمر هجرته الثريا وغضبت عَلَيْهِ فَقَالَ:
(قَالَ لي صَاحِبي ليعلم مَا بِي: ... أَتُحِبُّ القتول أُخْت الربَاب)
(قلت: وجدي بهَا كوجدك بالما ... ء إِذا مَا منعت برد الشَّرَاب)
ثمَّ تزَوجهَا سُهَيْل الْمَذْكُور وَحملهَا إِلَى مصر وَكَانَ عمر غَائِبا فَلَمَّا بلغه قَالَ: الْخَفِيف
(أَيهَا الطارق الَّذِي قد عناني ... بعد مَا نَام سامر الركْبَان)
(زار من نازح بِغَيْر دَلِيل ... يتخطى إِلَيّ حَتَّى أَتَانِي)
إِلَى أَن قَالَ: أَيهَا المنكح الثريا سهيلا ... . . الْبَيْتَيْنِ وَزعم بَعضهم أَن سهيلا هُوَ ابْن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان. وَالصَّحِيح الأول. ثمَّ
سَار إِلَى الْمَدِينَة وَكتب إِلَيْهَا:
(كتبت إِلَيْك من بلدي ... كتاب مولهٍ كمد)
(كثيب واكف الْعين ... ين بالحسرات مُنْفَرد))
(يؤرقه لهيب الشو ... ق بَين السحر والكبد)
(فَيمسك قلبه بيد ... وَيمْسَح عينه بيد)
فَلَمَّا قرأته بَكت بكاء شَدِيدا ثمَّ تمثلت:
стр. 500
الطَّوِيل
(بنفسي من لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ ... وَمن هُوَ إِن لم يرحم الله ضائع)
وكتبت إِلَيْهِ تَقول:
(فقرطاسه قوهية ورباطه ... بعقدٍ من الْيَاقُوت صافٍ وجوهر)
(وَفِي صَدره: مني إِلَيْك تحيةٌ ... لقد طَال تهيامي بكم وتذكري)
(وعنوانه: من مستهامٍ فُؤَاده ... إِلَى هائمٍ صب من الْحزن مسعر)
رُوِيَ أَن الثريا وعدته لَيْلَة أَن تزوره فَجَاءَت فِي الْوَقْت الَّذِي وعدته فِيهِ فصادفت أَخَاهُ الْحَارِث بن ربيعَة قد طرقه وَأقَام عِنْده وَوجه بِهِ فِي حَاجَة ونام مَكَانَهُ وغطى وَجهه بِثَوْبِهِ فَلم يشْعر إِلَّا وَقد أَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِ تقبله فانتبه وَجعل يَقُول: اغربي عني فلست بالفاسق أخزاكما الله فَانْصَرَفت. وَرجع عمر فَأخْبرهُ الْحَارِث بذلك فاغتنم على مَا فَاتَهُ مِنْهَا وَقَالَ: وَالله لَا تمسك النَّار أبدا وَقد أَلْقَت نَفسهَا عَلَيْك فَقَالَ: عَلَيْك وَعَلَيْهَا لعنة الله.
وَحكم لَهُ بَين الثريا وَسُهيْل تورية لَطِيفَة فَإِن الثريا يحْتَمل الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ الْمَعْنى الْبعيد المورى عَنهُ وَهُوَ المُرَاد وَيحْتَمل ثريا السَّمَاء وَهُوَ الْمَعْنى الْقَرِيب المورى بِهِ. وَسُهيْل يحْتَمل الرجل الْمَذْكُور وَهُوَ الْمَعْنى الْبعيد المورى عَنهُ وَهُوَ المُرَاد وَيحْتَمل النَّجْم الْمَعْرُوف بسهيل. فَتمكن للشاعر أَن ورى بالنجمين عَن الشخصين ليبلغ من الْإِنْكَار على من جمع بَينهمَا مَا أَرَادَ. وَهَذِه أحسن تورية وَقعت فِي شعر الْمُتَقَدِّمين.
стр. 501
وَفِي شرح بديعية العميان لِابْنِ جَابر: لَا يُقَال إِن التورية فِي الثريا مرشحة بقوله شامية إِذْ لَيست من لَوَازِم المورى بِهِ وَلَا مبينَة إِذْ لَيست من لَوَازِم المورى إِذْ الْمَرْأَة شامية الدَّار والنجم أَيْضا شَامي فاشتركا فِي ذَلِك وَلَا يكون الترشيح والتبيين إِلَّا بِلَازِم خاصي. وَكَذَلِكَ التورية فِي سُهَيْل لَا يُقَال إِنَّهَا مرشحة وَلَا مبينَة بيمانٍ إِذْ هُوَ صفة مُشْتَركَة بَينهمَا لن سهيلاً الَّذِي هُوَ رجل يمَان كسهيل الَّذِي هُوَ النَّجْم. وَسبب هذَيْن: أَن سهيلاً الْمَذْكُور تزوج الثريا الْمَذْكُورَة وَكَانَ بَينهمَا بون بعيد فِي الْخلق: كَانَت الثريا مَشْهُورَة فِي زمانها بالْحسنِ وَالْجمال وَكَانَ سُهَيْل قَبِيح المنظر وَهَذَا مُرَاده بقوله: عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ أَي: كَيفَ يَلْتَقِيَانِ مَعَ تفَاوت مَا بَينهمَا فِي)
الْحسن والقبح انْتهى.
وَعمر: هُوَ عمر بن عبد الله سَمَّاهُ بِهِ رَسُول الله ﷺ َ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُسمى بحيرا بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْمُهْملَة ابْن أبي ربيعَة واسْمه حُذَيْفَة وَكَانَ يلقب بِذِي الرمحين ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم المَخْزُومِي.
ويكنى عمر أَبَا الْخطاب. وَأَبُو جهل بن هِشَام بن الْمُغيرَة ابْن عَم أَبِيه. وَأم عمر بن الْخطاب حنتمة بنت هِشَام بن الْمُغيرَة بنت عَم أَبِيه. وَإِخْوَته عبد الله
وَعبد الرَّحْمَن والْحَارث بَنو عبد الله.
стр. 502
وَكَانَ عبد الرَّحْمَن أَخُوهُ تزوج أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق بعد طَلْحَة وَولدت لَهُ. وأعقب وَلم يكن فِي قُرَيْش أشعر من عمر. وَهُوَ كثير الْغَزل والنوادر والمجون يُقَال: من أَرَادَ رقة الْغَزل فَعَلَيهِ بِشعر عمر بن أبي ربيعَة.
ولد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا عمر بن الْخطاب ﵁ فَسُمي باسمه.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَ عمر فَاسِقًا يتَعَرَّض لِنسَاء الْحَاج ويشبب بِهن. فنفاه عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى دهلك. ثمَّ غزا فِي الْبَحْر فأحرقت السَّفِينَة الَّتِي كَانَ فِيهَا فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمن كَانَ مَعَه.
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ أَنه نظر فِي الطّواف امْرَأَة شريفة فكلمها فَلم تجبه فَقَالَ:
(الرّيح تسحب أذيالاً وتنشرها ... يَا لَيْتَني كنت مِمَّن تسحب الرّيح)
فِي أَبْيَات. فَلَمَّا بلغتهَا جزعت جزعاً شَدِيدا. فَقيل لَهَا: اذكريه لزوجك واشكيه. قَالَت: وَالله مَا أشكوه إِلَّا لله اللَّهُمَّ إِن كَانَ نوه باسمي ظَالِما فاجعله طَعَاما للريح.
فَعدا يَوْمًا على فرس فَهبت ريح فَنزل فاستتر بشجرة فعصفت الرّيح فخدشه غُصْن مِنْهَا فَمَاتَ على ذَلِك.
وَكَانَ ذَلِك سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَقد قَارب السّبْعين أَو جاوزها. وَقيل عَاشَ ثَمَانِينَ سنة.
وترجمته فِي الأغاني طَوِيلَة.
стр. 503
فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السّبْعين فِي بَاب الْمُبْتَدَأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْكَامِل
(عجب لتِلْك قَضِيَّة وإقامتي ... فِيكُم على تِلْكَ الْقَضِيَّة أعجب)
على أَنهم يرفعون بعض المصادر المنصوبة بعد حذف عاملها لزِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الدَّوَام. بَين الشَّارِح وَجه رَفعه على الْخَيْرِيَّة.
وَكَذَلِكَ أوردهُ سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهُ على إضمارٍ مُبْتَدأ أَي: أَمْرِي عجب. وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ بن خلف: يجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ نكرَة لوُقُوعه موقع الْمَنْصُوب ويتضمن من الْوُقُوع موقع الْفِعْل مَا يتَضَمَّن الْمَنْصُوب فيستغنى عَن الْخَبَر لِأَنَّهُ كالفعل وَالْفَاعِل فَكَأَنَّهُ قَالَ: أعجب لتِلْك الْقَضِيَّة. أَو خَبره لتِلْك.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود فِي المصادر المنصوبة: إِذا رفعت جعلت مُبْتَدأ وَجعل متعلقها خَبرا مثل الْحَمد لله وَالسَّلَام عَلَيْك لتَكون فِي معنى الأَصْل أَعنِي الْجُمْلَة الفعلية لَا تزيد عَلَيْهَا إِلَّا بِالدّلَالَةِ على الثَّبَات وَقد يَجْعَل غير متعلقها خَبرا كَقَوْلِه تَعَالَى: فصبرٌ جميلٌ أَي: أحسن من غَيره.
وَقَضِيَّة مَنْصُوب على التَّمْيِيز للنوع الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِتِلْكَ وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال قَالَ أَبُو عَليّ: كَأَنَّهُ قَالَ:
اعجبوا لتِلْك الفعلة
стр. 504
قَضِيَّة. وَقَضِيَّة هُنَا بِمَعْنى مقضية. وروى: عجبا بِالنّصب على أَنه مصدر نَائِب عَن أعجب.
وَاعْلَم أَن الشَّارِح الْمُحَقق حقق هُنَا أَن الْمصدر الْمَنْصُوب بعد حذف عَامله يُفِيد الدَّوَام وَإِذا رفع وَجعل خَبرا أَفَادَ زِيَادَة وَهِي الْمُبَالغَة فِي الدَّوَام.
وَهَذَا مُنَاقض لكَلَامه فِي بَاب الْمُبْتَدَأ فِي سلامٌ عَلَيْك من أَن النصب بعد حذف الْفِعْل يدل على الْحُدُوث فَعدل إِلَى الرّفْع للدلالة على الدَّوَام قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: الْحق مَا قَالَه الرضي فِي بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق بِخِلَاف مَا قَالَه فِي الْمُبْتَدَأ فَإِنَّهُ غير مرضِي.
أَقُول: لَو عكس الْقَضِيَّة لَكَانَ أظهر فَإِنَّهُ مَعَ النصب الصَّرِيح كَيفَ يُفِيد الدَّوَام مَعَ أَن الْجُمْلَة فعلية والتزام الْحَذف لَا يُنَافِيهِ كَمَا فِي الظَّرْفِيَّة الْوَاقِعَة خَبرا إِذا قدر الْمُتَعَلّق فعلا مَعَ أَن الْجُمْلَة إسمية وَمَعَ هَذَا فَلم يجعلوها للدوام الثبوتي فَإِن ادّعى أَن الْعَامِل مضارع أَو اسْم فَاعل وَأَن كلا مِنْهُمَا مَحْمُول على الِاسْتِمْرَار التجددي لَا الدوامي ورد عَلَيْهِ أَن هَذَا يحصل مَعَ الذّكر)
فتخصيص الْحَذف بِهِ مِمَّا لَا دَاعِيَة إِلَيْهِ مَعَ أَن هَذَا لَيْسَ مرَادا لَهُ بل مُرَاده حُصُول الِاسْتِمْرَار الثبوتي مَعَ النصب. وَكَلَام الشَّارِح هُنَا مُخَالف لكَلَام عُلَمَاء الْمعَانِي قَالَ السَّيِّد فِي شرح الْمِفْتَاح: إِن الِاسْم كعالم مثلا يدل على ثُبُوت الْعلم لمن حكم بِهِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ تعرض لاقترانه بزمانٍ وحدوثه فِيهِ وَلَا لدوامه. نعم لما كَانَ اسْم الْفَاعِل جَارِيا على الْفِعْل جَازَ أَن يقْصد بِهِ الْحُدُوث بمعونة الْقَرَائِن كَمَا فِي ضائق وَيجوز أَن يقْصد بِهِ الدَّوَام أَيْضا فِي مقَام الْمَدْح وَالْمُبَالغَة وَكَذَا حكم اسْم الْمَفْعُول وَأما الصّفة المشبهة فَلَا يقْصد بهَا إِلَّا مُجَرّد الثُّبُوت وضعا أَو الدَّوَام
стр. 505
باقتضاء الْمقَام.
وَالْجُمْلَة الاسمية إِذا كَانَ خَبَرهَا اسْما فقد يقْصد بهَا الدَّوَام والاستمرار الثبوتي بمعونة الْقَرَائِن وَإِذا كَانَ خَبَرهَا مضارعاً فقد يُفِيد استمراراً تجددياً وَهَذِه الإفادة أَيْضا بمعونة الْقَرَائِن كَمَا فِي: الله يستهزئ بهم لَكِن هَذَا الِاسْتِمْرَار التجددي مُسْتَفَاد من الْمُضَارع فِي الْحَقِيقَة وَفَائِدَة الْجُمْلَة الإسمية هَا هُنَا تقَوِّي الحكم فَلَيْسَ كل جملَة إسمية مفيدة للدوام فَإِن قَوْلك: زيد قَامَ يُفِيد تجدّد الْقيام.
فَقَوْل الشَّارِح هُنَا إِنَّمَا وَجب حذف الْفِعْل لِأَن الْمَقْصُود من مثل هَذَا الْحصْر أَو التكرير وصف الشَّيْء بدوام حُصُول الْفِعْل مِنْهُ ولزومه لَهُ وَوضع الْفِعْل على الْحُدُوث والتجدد مشكلٌ لِأَنَّهُ هُنَا جملَة إسمية خَبَرهَا فعل مضارع أَو اسْم فَاعل دلّ على الْحُدُوث لعمله فَهِيَ للاستمرار التجددي لَا الدوامي وحينئذٍ لَا فرق بَين ذكر الْعَامِل وحذفه لِأَن التَّقْدِير: مَا زيد إِلَّا يسير سيراً وَزيد يسير سيراً فَكيف جعل الْغَرَض من هَذَا الْحصْر أَو التكرير وصف الشَّيْء بدوام حُصُول الْفِعْل مِنْهُ ولزومه لَهُ مَعَ أَن الْجُمْلَة اسمية خَبَرهَا مضارع فَإِن أُجِيب: بِأَن الْجُمْلَة إِنَّمَا أفادت مَعَ الْحصْر أَو التكرير الدَّوَام الثبوتي للُزُوم حذف الْعَامِل ورد عَلَيْهِ الْجُمْلَة الاسمية الَّتِي خَبَرهَا ظرفية إِذا قدر الْمُتَعَلّق فِيهَا فعلا فَإِنَّهَا لَا تفِيد الدَّوَام الثبوتي مَعَ لُزُوم حذف الْعَامِل.
فَإِن أُجِيب: بِأَن الدَّال على الدَّوَام الثبوتي إِنَّمَا هُوَ الْحصْر أَو التكرير لَا الْجُمْلَة الإسمية الَّتِي قدر خَبَرهَا فعلا كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله بعد ذَلِك لم يكن
стр. 506
فِيهِ معنى الْحصْر الْمُفِيد للدوام ورد عَلَيْهِ أَن كَلَامهم مُطلق لم يُقيد بِهَذَا الْقَيْد.
وَقَول الشَّارِح: وَإِن كَانَ يسْتَعْمل الْمُضَارع فِي بعض الْمَوَاضِع للدوام لَا يَخْلُو عَن بحث فَإِن ظَاهره)
أَن الدَّوَام الَّذِي يفِيدهُ الْمُضَارع ثبوتي لَا تجددي إِلَّا أَن يُقَال: مُرَاده مُطلق الدَّوَام وَإِن كَانَ مُخْتَلفا وَهَذَا لَا يُنَاسب أول كَلَامه. وَقَوله: وَذَلِكَ لمشابهته لاسم الْفَاعِل إِن حمل اسْم الْفَاعِل على الْعَامِل فدوامه تجددي لَا ثبوتي وَإِن حمل على غير الْعَامِل فَهُوَ يُفِيد الِاسْتِمْرَار الدوامي لَا التجددي بِالْقَرِينَةِ وَالْحمل عَلَيْهِ لَا يُنَاسب لِأَن الْمُضَارع لَا يُفِيد ذَلِك بل يُفِيد الِاسْتِمْرَار التجددي.
وَقَوله: فَلَمَّا كَانَ المُرَاد التَّنْصِيص على الدَّوَام واللزوم لم يسْتَعْمل الْعَامِل أصلا يُرِيد أَنه قد علم أَن الدَّال للدوام عِنْده هُوَ الْحصْر أَو التكرير فالتزم حذف مَا دلَالَته تنَافِي ذَلِك وَهُوَ الْعَامِل لِأَنَّهُ: إِمَّا فعل وَهُوَ مَوْضُوع للتجدد واستعماله فِي الدَّوَام إِذا كَانَ مضارعاً لَيْسَ وضيعاً بل بالقرائن فَنَظَرْنَا إِلَى أصل الْوَضع والتزمنا حذفه وَفِيه أَن الْمَحْذُوف كَالثَّابِتِ كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَامهم فِي مُتَعَلق الظّرْف الْوَاقِع خَبرا إِذا قدر بِالْفِعْلِ.
وَقَوله: أَو اسْم فَاعل وَهُوَ مَعَ الْعَمَل كالفعل أَي: للتجدد فَلَا يُفِيد الِاسْتِمْرَار وضعا وَإِن اسْتعْمل فِيهِ بمعونة الْقَرَائِن وَفِيه أَيْضا أَن الْمَحْذُوف كَالثَّابِتِ
وَعَمله إِنَّمَا يُنَافِي حمله على الِاسْتِمْرَار الثبوتي إِذا كَانَ عَاملا فِي الْمَفْعُول بِهِ أما عمله فِي الظّرْف أَو فِي الْمَفْعُول الْمُطلق كَمَا هُنَا فَلَا يُنَافِي إفادته للدوام الثبوتي وَأما إِذا عمل فِي الْمَفْعُول بِهِ فَإِنَّهُ يُفِيد الِاسْتِمْرَار التجددي.
وَبَيت الشَّاهِد من أَبْيَات سَبْعَة أَولهَا:
(ياجند أَخْبرنِي وَلست بمخبري ... وأخوك ناصحك الَّذِي لَا يكذب)
...
стр. 507
(هَل فِي الْقَضِيَّة أَن إِذا استغنيتم ... وأمنتم فَأَنا الْبعيد الأجنب)
(وَإِذا تكون كريهة أدعى لَهَا ... وَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب)
(ولجنب سهل الْبِلَاد وعذبها ... ولي الملاح وخبتهن المجدب)
عجب لتِلْك قَضِيَّة وإقامتي ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت
(هَذَا وجدكم الصغار بِعَيْنِه ... لَا أم لي إِن كَانَ ذَاك وَلَا أَب)
وَهَذَا الشّعْر لضمرة بن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم شَاعِر جاهلي. وَيُقَال: إِن ضَمرَة كَانَ اسْمه شقة فَسَماهُ النُّعْمَان ضَمرَة بن ضَمرَة. وَكَانَ يبر أمه ويخدمها وَكَانَت مَعَ ذَلِك تُؤثر أَخا لَهُ يُقَال لَهُ جُنْدُب فَقَالَ هَذَا الشّعْر. هَكَذَا رَوَاهُ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل. وَرَوَاهُ بَعضهم: يَا ضمر أَخْبرنِي وَقَالَ: إِن قَائِله ضَمرَة. وَهُوَ خطأ. وَنسبه أَبُو رياش)
لهمام بن مرّة أخي جساس بن مرّة قَاتل كُلَيْب. وَزعم ابْن الْأَعرَابِي: أَنه قيل قبل الْإِسْلَام بِخَمْسِمِائَة سنة. وَفِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: أَنه لبَعض مذْحج وَقَالَ السيرافي: هُوَ لزراقة الْبَاهِلِيّ.
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ لهني بن أَحْمَر من بني الْحَارِث ابْن مرّة بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة جاهلي. وأنشدوا لَهُ: يَا ضمر أَخْبرنِي.
وهني: مصغر هن وَأَصله هنيو فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت فِي الْيَاء لسبقها بِالسُّكُونِ.
وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي عَن أبي الندي: أَنه لعَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ وأنشدوا لَهُ:
стр. 508
قَالَ: أكتبنا أَبُو الندى قَالَ: بَينا طَيئ جَالس ذَات يَوْم مَعَ وَلَده بالجبلين: أجأ وسلمى إِذْ أقبل رجلٌ من بقايا جديس ممتد الْخلق كَاد يسد الْأُفق طولا ويفرعهم باعا وَإِذا هُوَ الْأسود بن عفار الجديسي وَكَانَ نجا من حسان تبع يَوْم الْيَمَامَة فلحق بالجبلين فَقَالَ لِطَيِّئٍ: من أدخلكم بلادي وأورثكم عَن آبَائِي اخْرُجُوا عَنْهَا وَإِلَّا اضربوا بَيْننَا وَبَيْنكُم وقتا نقتتل فِيهِ فأينا غلب اسْتحق الْبَلَد فاتعدا لوقتٍ فَقَالَ طَيئ لجندب بن خَارِجَة بن سعد بن فطْرَة بن طَيئ وَأمه جديلة بنت سبيع بن عَمْرو من حمير وَبهَا يعْرفُونَ وهم جديلة طَيء وَكَانَ طَيئ لَهَا مؤثراً فَقَالَ لجندب: قَاتل عَن مكرمتك. فَقَالَت أمه آللَّهُ لتتركن بنيك ولتعرضن ابْني للْقَتْل فَقَالَ طَيئ: وَيحك إِنَّمَا خصصته بذلك. فَأَبت. فَقَالَ طَيئ لعَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ: عَلَيْك يَا عَمْرو الرجل فقاتله.
قَالَ عَمْرو: لَا أفعل. وَقَالَ هَذِه الأبيات وَهُوَ أول من قَالَ الشّعْر فِي طَيئ بعد طَيئ. فَقَالَ طَيئ: يابني إِنَّهَا أكْرم دارٍ فِي الْعَرَب. فَقَالَ عَمْرو: لن أفعل إِلَّا على شَرط أَن لَا يكون لبني جديلة فِي
الجبلين نصيب. فَقَالَ لَهُ طَيئ: لَك شرطك. فَأقبل الْأسود بن عفار
стр. 509
وَمَعَهُ قَوس من حَدِيد ونشاب من حَدِيد فَقَالَ: يَا عَمْرو إِن شِئْت صارعتك وَإِن شِئْت ناضلتك. وَإِلَّا سايفتك.
فَقَالَ عَمْرو: الصراع أحب إِلَيّ فاكسر قوسك لأكسرها أَيْضا ونصطرع.
وَكَانَت مَعَ عَمْرو بن الْغَوْث قوسٌ مَوْصُولَة بزرافين إِذا شَاءَ شدها وَإِذا شَاءَ خلعها فَأَهوى بهَا عَمْرو فانفتحت الزرافين وَاعْترض الْأسود بقوسه ونشابه فَكَسرهَا فَلَمَّا رأى عَمْرو ذَلِك أَخذ قوسه فركبها وأوترها وناداه: يَا أسود اسْتَعِنْ بقوسك فالرمي أحب إِلَيّ. فَقَالَ الْأسود: خدعتني. فَقَالَ عَمْرو: الْحَرْب خدعة فَصَارَت مثلا. فَرَمَاهُ عَمْرو ففلق قلبه وخلص الجبلان لِطَيِّئٍ فنزلهما بَنو الْغَوْث وَنزلت جديلة السهل مِنْهُمَا.
وروى أَمن السوية أَي: من الْعدْل. والأجنب بِالْجِيم وَالنُّون: الْغَرِيب والبعيد وروى الأخيب)
أَي: الخائب. وأشجتكم من الشجى وَهُوَ الْحزن وَفعله فِي بَاب تَعب وأشجاه أحزنه. والحيس بِفَتْح الْمُهْملَة: لبن وأقط وَسمن وتمر يصنع مِنْهُ طَعَام. والملاح بِكَسْر الْمِيم: جمع مليح يُقَال قليب مليح أَي: مَاؤُهُ ملح. والخبت بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة: المطمئن من الأَرْض فِيهِ رمل.
والمجدب اسْم فَاعل من الجدب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمُهْملَة: نقيض الخصب بِكَسْر الْمُعْجَمَة.
وَقَوله: هَذَا وجدكم الصغار بِعَيْنِه ... . الْبَيْت
стр. 510
هُوَ من شَوَاهِد س وَغَيره. وَالشَّاهِد فِيهِ رفع الِاسْم الثَّانِي مَعَ فتح الأول. وَذَلِكَ إِمَّا على إِلْغَاء الثَّانِيَة وَرفع تَالِيهَا بالْعَطْف على مَحل الأولى مَعَ اسْمهَا وعَلى هَذَا فخبرهما وَاحِد وَإِمَّا على تَقْدِير لَا الثَّانِيَة معتداً بهَا عاملةً عمل لَيْسَ فَيكون لكل من الأولى وَالثَّانيَِة خبر يَخُصهَا لِأَن خبر الأولى مَرْفُوع وَخبر الثَّانِيَة مَنْصُوب. وَهَذَا مُبْتَدأ وَخَبره الصغار بِفَتْح الصَّاد بِمَعْنى الذل. وَقَوله وجدكم جملَة قسمية مُعْتَرضَة بَين المبتدا وَالْخَبَر.
قَالَ اللَّخْمِيّ: وَالْجد هُنَا: أَبُو الْأَب: وَالْجد أَيْضا: البخت والسعد وَالْعَظَمَة. ويروى: هَذَا لعمركم.
وَقَوله بِعَيْنِه: تَأْكِيد للصغار وزيدت الْبَاء كَمَا يُقَال جَاءَ زيد بِعَيْنِه وَقيل: حَال مُؤَكدَة أَي: هَذَا الصغار حَقًا.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: وبعينه حَال من الصغار وَالْعَامِل فِيهِ مَا فِي هَا من معنى التَّنْبِيه أَو مَا فِي ذَا من معنى الْإِشَارَة. وَذَاكَ: فَاعل كَانَ إِذْ هِيَ تَامَّة وَيجوز أَن تكون نَاقِصَة وخبرها مَحْذُوف أَي: إِن كَانَ ذَاك مَرِيضا ولابد على الْوَجْه الأول من حذف مُضَاف أَي: إِن كَانَ رِضَاء ذَاك ليَصِح الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِنَّمَا اشْترط أَنه لَا يرضى بذلك الْخَسْف الَّذِي يطْلب مِنْهُ وَجُمْلَة الشَّرْط مُعْتَرضَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وسد مَا قبل الشَّرْط مسد الْجَواب أَي: إِن كَانَ ذَلِك انتفيت من أُمِّي وَأبي. والمشار إِلَيْهِ باسم الْإِشَارَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْفِعْل الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ فِيهَا ازدهاف أَيّمَا ازدهاف
стр. 511
على انه نصب أَيّمَا على الْمصدر أَو الْحَال مَعَ أَنه لم يذكر صَاحب الِاسْم وَلَا الْمَوْصُوف وَهُوَ فِي غَايَة الضعْف وَالْوَجْه الإتباع فِي مثله وَهُوَ رَفعه صفة لازدهاف لكنه حمله على الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذْ قَالَ فِيهَا ازدهاف فَكَأَنَّهُ قَالَ: تزدهف أَيّمَا ازدهاف.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَإِن قلت: لَهُ صَوت أَيّمَا صَوت أَو مثل صَوت الْحمار أَو لَهُ صوتٌ صَوتا حسنا جَازَ زعم ذَلِك الْخَلِيل. وَيُقَوِّي ذَلِك أَن يُونُس وَعِيسَى زعما أَن رؤبة كَانَ ينشد هَذَا الْبَيْت نصبا.
وَزعم الْجرْمِي أَن نَصبه على إِضْمَار تزدهف قَالَ: وَلَا يجوز نَصبه بازدهاف لِأَن الْمصدر لَا يعْمل فِي الْمصدر. وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة تزيد على ثَمَانِينَ بَيْتا لرؤية ابْن العجاج يُعَاتب بهَا أَبَاهُ مِنْهَا:
(إِنَّك لم تنصف أَبَا الجحاف ... وَكَانَ يرضى مِنْك بالإنصاف)
(وَهُوَ عَلَيْك وَاسع العطاف ... غاديك بالنفع وَأَنت جافي)
(عَنهُ وَلَا يخفى الَّذِي تجافي ... كَيفَ تلومه على الإلطاف)
(وَأَنت لَو ملكت بِالْإِتْلَافِ ... شبت لَهُ شوباً من الذعاف)
(والدهر إِن الدَّهْر ذُو ازدلاف ... بِالْمَرْءِ ذُو عطفٍ وَذُو انصراف)
إِلَى أَن قَالَ: وَإِن تشكيت من الإسخاف لم أر عطفا من أَب عطاف
(فليت حظي من جداك الضافي ... والنفع أَن تتركني كفاف)
(لَيست قوى حبلي بالضعاف ... لَوْلَا توقي على الإشراف)
...
стр. 512
(أقحمني فِي النفنف النفناف ... فِي مثل مهوى هوة الوصاف)
(قَوْلك أقوالاً مَعَ التحلاف ... فِيهِ ازدهاف أَيّمَا ازدهاف)
وَالله بَين الْقلب والأضعاف أَبُو الجحاف بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة: كنية رؤبة. والعطاف بِكَسْر الْعين: الرِّدَاء مَأْخُوذ من الْعَطف وَهُوَ الْميل والمحبة. وغاديك: من الغدوة وَهُوَ من أول النَّهَار إِلَى الزَّوَال يُقَال)
غَدا عَلَيْهِ غدواً وغدواً بِالضَّمِّ: إِذا بكر وغاداه: باكره. والجفو: الِارْتفَاع والتباعد ونقيض الْوَصْل. والإلطاف
بِكَسْر الْهمزَة: السّير يُقَال ألطفه بِكَذَا أَي: بره. وملكت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَتَشْديد اللَّام. والشوب: الْخَلْط والمزج. والذعاف بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة: السم وَقيل سم ساعةٍ. والقراف بِكَسْر الْقَاف: المقاربة. وَضمير هُوَ للإتلاف أَي: إتلافي مقرب للأعداء إِلَيْك.
والازدلاف: الاقتراب فِي الحَدِيث ازدلفوا إِلَى الله بِرَكْعَتَيْنِ أَي: تقربُوا وأصل الزلفة الْمنزلَة والحظوة.
وَقَوله بِالْمَرْءِ مُتَعَلق بالازدلاف والعطف: الإقبال. والانصراف: الإدبار. والإسخاف بِكَسْر الْهمزَة وَبعد السِّين الْمُهْملَة خاء مُعْجمَة: رقة الْعَيْش. وسخفة الْجُوع بِالْفَتْح: رقته وهزاله والعطف: الشَّفَقَة والعطاف مُبَالغَة عاطف والجدى بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر: الجدوى وهما الْعَطِيَّة والضافي بِالْمُعْجَمَةِ: الْكثير من ضفا المَال: إِذا كثر أَو بِمَعْنى السابغ يُقَال ثوب ضاف من ضفا الشَّيْء يضفو ضفواً.
وَقَوله: والنفع بِالْجَرِّ عطفا على جداك وروى بدله وَالْفضل.
وَقَوله: أَن تتركني كفاف خبر لَيست. أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن فعال بِنَاؤُه على الْكسر مَشْهُور فِي المعارف كحذام لشبهه بنزال وَقد جَاءَ فِي غير المعارف وَمِنْه هَذَا وَالْأَصْل كافا فَهُوَ حَال أَو ترك كفاف فمصدر.
وَقَول الصاغاتي فِي الْعباب: كفاف فِي هَذَا الْبَيْت هُوَ من قَوْلهم دَعْنِي كفاف أَي: كف
стр. 513
عني وأكف عَنْك أَي: ننجو رَأْسا بِرَأْس وَعَلِيهِ فَهُوَ اسْم فعل قد جَاءَ على بَابه. والقوى جمع قُوَّة وَهِي إِحْدَى طاقات الْحَبل. والضعاف: جمع ضَعِيف. والتوقي: التخوف وَأَصله جعل النَّفس فِي وقاية مِمَّا يخَاف. والوقاية: فرط الصيانة وَقيل حفظ الشَّيْء مِمَّا يُؤْذِيه ويضره. والإشراف بِكَسْر الْهمزَة: النَّفَقَة كَذَا فِي الْعباب أَي: أَنِّي جلد غير عَاجز عَن الِاكْتِسَاب لَوْلَا أَنِّي ملازم على خدمتك وحالف على تعظيمك. وأقحمني: أدخلني يُقَال قحم فلَان بِنَفسِهِ فِي كَذَا: إِذا دخل فِيهِ من روية وفاعله هُوَ قَوْلك الْآتِي.
والنفنف: بنونين كجعفر: المهوى بَين جبلين وصقع الْجَبَل الَّذِي كَأَنَّهُ جِدَار مَبْنِيّ مستوٍ والنفناف بِمَعْنَاهُ جعل وَصفا لَهُ بِمَعْنى الصعب والشديد.
وَقَوله فِي مثل مهوى بدل من قَوْله فِي النفنف. والمهوى وَمثله المهواة بِمَعْنى الْمسْقط: اسْم مَكَان من هوى بِالْفَتْح يهوي بِالْكَسْرِ هوياً بِضَم الْهَاء وَكسر الْوَاو وَتَشْديد الْيَاء وَيُقَال لما بَين الجبلين)
وَنَحْوه أَيْضا مهوى والهوة بِضَم الْهَاء وَتَشْديد الْوَاو: الوهدة العميقة. والوصاف بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة: رجل من سَادَات الْعَرَب اسْمه مَالك بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن ضبيعة بن عجل بن لجيم وَسمي الوصاف لحَدِيث لَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: هوة الوصاف فِي شعر رؤبة. دحل بالحزن لبني الوصاف من بني عجل وهوة الوصاف مثل فِي الْعَرَب يستعملونه فِي الدُّعَاء على الْإِنْسَان يُقَال كَبه الله فِي هوة ابْن الوصاف: وقولك فَاعل أقحمني. وأقوالا: جمع قَول بِمَعْنى الْمَقُول. والتحلاف بِفَتْح التَّاء: مصدر بِمَعْنى الْحلف يَقُول: إِن أقوالك الكاذبة الْمُؤَكّدَة بالأيمان الْبَاطِلَة غرتني حَتَّى أوقعتني بالشدائد والمهالك. وَقَوله: فِيهِ أَي فِي قَوْلك أَو فِي
стр. 514
فِي الْعباب: وازدهفه: استخفه وَفِيه ازدهاف أَي: استعجال وتقحم زَاد فِي الْقَامُوس: وتزيد فِي الْكَلَام يُرِيد أَن كَلَامه يستخف الْعُقُول. وَأي هَذِه الدَّالَّة على معنى الْكَمَال وَإِذا وَقعت بعد النكرَة كَانَت صفة لَهَا وَبعد الْمعرفَة كَانَت حَالا مِنْهَا لَكِنَّهَا نصبت هُنَا على المصدرية وَيجوز رَفعهَا على الوصفية وَمَا زَائِدَة. وَالله مُبْتَدأ والظرف خَبره. والأضعاف أَعْضَاء الْجَسَد جمع ضعف بِالْكَسْرِ أَي: إِن الله عَالم بِمَا فِي الضمائر وَلَا يخفى عَلَيْهِ مَا تضمره لي.
وَالسَّبَب فِي عتاب رؤبة أَبَاهُ: مَا رَوَاهُ الْأَصْمَعِي قَالَ: قَالَ رؤبة: خرجت مَعَ أبي نُرِيد سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَلَمَّا سرنا بعض الطَّرِيق قَالَ لي: أَبوك راجز
وَأَنت مفحم. قلت: أفأقول قَالَ: نعم. فَقلت أرجوزة. فَلَمَّا سَمعهَا قَالَ لي: اسْكُتْ فض الله فَاك.
فَلَمَّا وصلنا إِلَى سُلَيْمَان أنْشدهُ أرجوزتي فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قلت لَهُ: أتسكتني وتنشده أرجوزتي فَقَالَ: اسْكُتْ وَيلك فَإنَّك أرجز النَّاس. فَالْتمست مِنْهُ أَن يعطيني نَصِيبا مِمَّا أَخذه بشعري فَأبى فنابذته فَقَالَ:
(لطالما أجْرى أَبُو الجحاف ... لهيئة بعيدَة الْأَطْرَاف)
(يَأْتِي على الأهلين والألاف ... سرهفته مَا شِئْت من سرهاف)
(حَتَّى إِذا مَا آض ذَا أعراف ... كالكودن المشدود بالإكاف)
стр. 515
فأجبته بِهَذِهِ الأرجوزة.
وَفِي كتاب مَنَاقِب الشبَّان وتقديمهم على ذَوي الْأَسْنَان كَانَ رؤبة يرْعَى إبل أَبِيه حَتَّى بلغ وَهُوَ لَا يقْرض الشّعْر فَتزَوج أَبوهُ امْرَأَة تسمى عقرب فَعَادَت رؤبة وَكَانَت تقسم إبِله على أَوْلَادهَا الصغار فَقَالَ رؤبة: مَا هم بِأَحَق مني لَهَا إِنِّي لأقاتل عَنْهَا السنين وأنتجع بهَا الْغَيْث. فَقَالَت)
عقرب للعجاج أسمع هَذَا وَأَنت حَيّ فَكيف بِنَا بعْدك فَخرج فزبرة وَصَاح بِهِ وَقَالَ لَهُ: اتبع إبلك ثمَّ قَالَ: الرجز
(لطالما أجْرى أَبُو الجحاف ... فِي فرقة طَوِيلَة التَّجَافِي)
(لما رَآنِي أرعشت أطرافي ... استعجل الدَّهْر وَفِيه كَافِي)
يخترم الإلف مَعَ الألاف فِي أَبْيَات. فأنشده رؤبة يجِيبه: الرجز
(إِنَّك لم تنصف أَبَا الجحاف ... وَكَانَ يرضى مِنْك بالإنصاف)
وَهُوَ عَلَيْك دَائِم التعطاف هَكَذَا روى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي.
وَقَوله: لطالما أجْرى أَبُو الجحاف أجْرى: أرسل جَريا بِفَتْح الْجِيم
стр. 516
وَتَشْديد الْيَاء وَهُوَ الرَّسُول والأجير وَالْوَكِيل ومفعوله مَحْذُوف أَي أجراني يَقُول طالما استخدمني فِي صغره. والهيئة: التهيؤ يُقَال هَاء لِلْأَمْرِ يهاء ويهيء: إِذا أَخذ لَهُ هَيئته كتهيأ لَهُ وهيأه تهيئة: أصلحه. والألاف بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام: جمع ألف كعمال جمع عَامل. والسرهفة: نعْمَة الْغذَاء بِفَتْح النُّون يُقَال سرهفت الصَّبِي وسرعفته: إِذا أَحْسَنت غذاءه والسرهاف بِالْكَسْرِ.
وروى: سرعفته مَا شِئْت من سرعاف وآض بِمَعْنى صَار. والأعراف: جمع عرف الْفرس. والكودن: الْفرس الهجين والبرذون والبغل.
والإكاف: البرذعة. وَهَذِه صِفَات ذمّ لَهُ يُرِيد أَنه رباه حَتَّى صَار رجلا ذَا لحية. وصراف: اسْم فعل أَمر بِمَعْنى اصرف.
وَقَوله فِي الْوَجْه الثَّانِي: استعجل الدَّهْر وَفِيه كَافِي كَقَوْل الآخر: تعين عَليّ الدَّهْر والدهر مكتف
وَقَول كسْرَى: إِذا أدبر الدَّهْر عَن قوم كفى عدوهم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ)
الشَّاهِد التِّسْعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
стр. 517
الْكَامِل
(إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل)
على أَن قسما تَأْكِيد للحاصل من الْكَلَام السَّابِق بِسَبَب إِن وَاللَّام يَعْنِي أَن قسما تأكيدٌ لما فِي قَوْله: وإنني مَعَ الصدود لأميل إِلَيْك: من معنى الْقسم لما فِيهِ من التَّحْقِيق والتأكيد من إِن وَلَام التَّأْكِيد فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمْلَة مِنْهُمَا تَحْقِيق وَالْقسم أَيْضا تَحْقِيق صَار كَأَنَّهُ قَالَ: أقسم قسما.
وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ أَنه جعل قسما تَأْكِيدًا لقَوْله: وإنني إِلَيْك لأميل وَقَوله وإنني إِلَيْك لأميل جَوَاب قسم فَجعل قسما تَأْكِيدًا لما هُوَ قسم.
وروى أَبُو الْحسن: أَصبَحت أمنحك كَأَنَّهُ قَالَ: أَصبَحت أمنحك الصدود وَوَاللَّه إِنِّي إِلَيْك لأميل. وهم يحذفون الْيَمين وهم يريدونها ويبقون جوابها.
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول أَن الْجُمْلَة لَيست جَوَاب قسم مَحْذُوف. وَالثَّانِي: أَن الْمُؤَكّد لَا يحذف.
وَجعل ابْن السراج فِي الْأُصُول التوكيد من جِهَة الِاعْتِرَاض فَقَالَ: قَوْله قسما اعْتِرَاض وَجُمْلَة هَذَا الَّذِي يَجِيء مُعْتَرضًا إِنَّمَا يكون تَأْكِيد للشَّيْء أَو لدفعه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الصّفة فِي الْفَائِدَة يُوضح عَن الشَّيْء ويؤكده.
وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: انتصاب قسمٍ لَا يَخْلُو أَن يكون بِمَا
تقدم من قَوْله إِنِّي لأمنحك الصدود أَو من جملَة إِنَّنِي إِلَيْك لأميل. وَلَا يجوز الأول من حَيْثُ كَانَ فِي ذَلِك الحكم لجَوَاز الْفَصْل بَين اسْم إِن وخبرها بمعمول جملَة أُخْرَى أَجْنَبِي عَنْهَا فَثَبت بذلك أَنه من الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَأَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ قَوْله: وإنني إِلَيْك لأميل أَي: أقسم
стр. 518
قسما وأضمر هَذَا الْفِعْل وَإِنَّمَا سبق الْجُزْء الأول من الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَهُوَ اسْم إِن وَهَذَا وَاضح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ يمدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز الْأمَوِي. وأولها:
(يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزل ... حذر العدا وَبِه الْفُؤَاد مُوكل)
إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... ... ... ... ... الْبَيْت
(وَلَقَد نزلت من الْفُؤَاد بمنزل ... مَا كَانَ غَيْرك وَالْأَمَانَة ينزل)
(وَلَقَد شَكَوْت إِلَيْك بعض صبابتي ... وَلما كتمت من الصبابة أطول))
(هَل عيشنا بك فِي زَمَانك رَاجع ... فَلَقَد تفحش بعْدك المتعلل)
(فصددت عَنْك وَمَا صددت لبغضة ... أخْشَى مقَالَة كاشح لَا يغْفل)
(وَلَئِن صددت لأَنْت لَوْلَا رقبتي ... أشهى من اللائي أَزور وَأدْخل)
(وتجنبي بَيت الحبيب أحبه ... أرضي البغيض بِهِ حَدِيث معضل)
وَقَالَ فِي آخرهَا يُخَاطب عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀:
(وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْ ... مذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل)
(وَأرى الْمَدِينَة حِين كنت أميرها ... أَمن البريء بهَا ونام الأعزل)
وَهَذَا آخر القصيدة.
стр. 519
وعاتكة هِيَ بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَت مِمَّن يشبب بهَا من النِّسَاء.
وَقَوله: أتعزل بِالْعينِ الْمُهْملَة أَي: أتجنبه وأكون عَنهُ بمعزل. وَقَوله: وَبِه الْفُؤَاد مُوكل من وكلته بِأَمْر كَذَا: فوضته إِلَيْهِ. وَقَوله: إِنِّي لأمنحك الصدود ... إِلَخ يُرِيد أَنه يظْهر هجر هَذَا الْبَيْت وَمن فِيهِ وَهُوَ محب لَهُم خوفًا من أعدائه. وَالْوَاو فِي قَوْله: وَالْأَمَانَة وَاو الْقسم. وتفحش: من فحش الشَّيْء فحشا مثل قبح قبحاً وزنا وَمعنى. والمتعلل اسْم مفعول من تعلل بالشَّيْء: إِذا تلهى بِهِ وَعلله بالشَّيْء إِذا ألهاه بِهِ كَمَا يُعلل الصَّبِي بِشَيْء من الطَّعَام عَن اللَّبن يُقَال فلَان يُعلل نَفسه بتعلة. وَجُمْلَة قَوْله: أخْشَى مقَالَة كاشح اسْتِئْنَاف بياني. ويغفل من بَاب نصر ينصر.
وَقَوله: وَلَو أَن مَا عَالَجت ... إِلَخ ضمير فُؤَاده عَائِد للكاشح وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب وَهُوَ بِنَقْل فَتْحة الْألف إِلَى وَاو لَو وَمَا: موصوله اسْم أَن وعالجت صلَة والعائد مَحْذُوف أَي: بِهِ وَجُمْلَة استلين بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر لِأَن والجندل نَائِب الْفَاعِل وللان جَوَاب لَو وفاعله ضمير الجندل وقسا: عطف على الصِّلَة بِالْفَاءِ وَهُوَ خَال عَن الرَّبْط لِأَن ضَمِيره عَائِد إِلَى الْفُؤَاد وَلما كَانَ فِي الْفَاء معنى السَّبَبِيَّة اكْتفى من الجملتين بضمير وَاحِد وَهُوَ الْمَجْرُور الْمَحْذُوف وحذفت بِهِ الأولى من الصِّلَة اكْتِفَاء ب بِهِ الثَّانِيَة وَهُوَ مَحل الشَّاهِد فِي الْمُغنِي.
стр. 520
وَقَوله: لَوْلَا رقبتي هُوَ بِكَسْر الرَّاء اسْم من المراقبة بِمَعْنى الْخَوْف.
وَالْبَيْت الأول قد عرض بِهِ بعض الْمَدَنِيين لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ المدايني: لما حج الْمَنْصُور قَالَ للربيع: أبغني فَتى من أهل الْمَدِينَة أديباً ظريفاً عَالما بقديم ديارها ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومِي وَأُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهَا. فالتمس لَهُ الرّبيع فَتى أعلم النَّاس بِالْمَدِينَةِ وأفهمهم بظريف الْأَخْبَار وشريف الْأَشْعَار فَعجب بِهِ
الْمَنْصُور وَكَانَ يسايره أحسن مسايرة ويحاضره)
أزين محاضرة وَلَا يبتدئه بخطاب إِلَّا على وَجه الْجَواب فَإِذا سَأَلَهُ أَتَى بأوضح دلَالَة وأفصح مقَالَة. فأعجب بِهِ الْمَنْصُور غَايَة الْإِعْجَاب وَقَالَ للربيع: ادْفَعْ إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَ الْفَتى مملقاً مُضْطَرّا فتشاغل الرّبيع عَن الْقَضَاء واضطرته الْحَاجة إِلَى الِاقْتِضَاء وَقيل قَالَ لَهُ الرّبيع: لَا بُد من معاودته وَإِن أَحْبَبْت دفعت إِلَيْك سلفا من عِنْدِي حَتَّى أعاوده فِيمَا أَمر لَك.
فأبقى ذَلِك حَتَّى إِذا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي قَالَ عِنْد مُنْصَرفه مبتدئاً: وَهَذِه الدَّار يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزل ثمَّ سكت فَأنْكر الْمَنْصُور هَذَا من حَاله وفكر فيأمره فَعرض الشّعْر على نَفسه فَإِذا فِيهِ.
(وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْ ... مذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل)
فَقَالَ للربيع: أدفعت للرجل مَا أمرنَا لَهُ بِهِ قَالَ: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فليدفع إِلَيْهِ مضاعفاً.
стр. 521
وَهَذَا أحسن إفهام من الْفَتى وَأحسن فهم من الْمَنْصُور. وَلم يسمع فِي التَّعْرِيض بألطف مِنْهُ.
وَلقَوْل الْأَحْوَص سَبَب ذكره عبد الله بن عُبَيْدَة بن عمار بن يَاسر قَالَ: خرجت أَنا والأحوص بن مُحَمَّد مَعَ عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِلَى الْحَج فَلَمَّا كُنَّا بِقديد قُلْنَا لعبد الله بن الْحسن: لَو أرْسلت إِلَى سُلَيْمَان بن أبي دباكل الْخُزَاعِيّ فأتشدنا نمن رَقِيق شعره فَأرْسل إِلَيْهِ. فأنشدنا قصيدة لَهُ يَقُول فِيهَا:
(يَا بَيت خنساء الَّذِي أتجنب ... ذهب الزَّمَان وحبها لَا يذهب)
(أَصبَحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأجنب)
(مَالِي أحن إِلَى جمالك قربت ... وأصد عَنْك وَأَنت مني أقرب)
(لله دَرك هَل لديك معول ... لمتيم أم هَل لودك مطلب)
(فَلَقَد رَأَيْتُك قبل ذَاك وإنني ... لموكل بهواك لَو يتَجَنَّب)
(تبْكي الْحَمَامَة شجوها فيهيجني ... وَيروح عَازِب همي المتأوب)
(وتهب سَارِيَة الرِّيَاح من أَرْضكُم ... فَأرى الْبِلَاد بهَا تطل وتجنب)
...
стр. 522
(وَأرى السمية باسمكم فيزيدني ... شوقاً إِلَيْك سميك المتغرب)
(وَأرى الصّديق يودكم فأوده ... إِن كَانَ ينْسب مِنْك أَو يتنسب)
(وأخالق الواشين فِيك تجملاً ... وهم عَليّ ذَوُو ضغائن دؤب)
(ثمَّ اتخذتهم عَليّ وليجةً ... حَتَّى غضِبت وَمثل ذَاك يغْضب))
فَلَمَّا كَانَ من قَابل حج أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز فَلَمَّا مر بِالْمَدِينَةِ دخل عَلَيْهِ الْأَحْوَص بن مُحَمَّد فاستصحبه فَفعل.
فَلَمَّا خرج الْأَحْوَص قَالَ لَهُ بعض من عِنْده: مَا تُرِيدُ بِنَفْسِك تقدم الشَّام بالأحوص وفيهَا من ينفسك من بني أَبِيك وَهُوَ من السَّفه على مَا علمت فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بكر من الْحَج دخل عَلَيْهِ الْأَحْوَص متنجزاً مَا وعده من الصُّحْبَة. فَدَعَا لَهُ بِمِائَة دِينَار وأثواب وَقَالَ: يَا خَال إِنِّي نظرت فِيمَا ضمنت لَك من الصَّحَابَة فَكرِهت أَن أهجم بك على أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ الْأَحْوَص: لَا حَاجَة لي بعطيتك وَلَكِنِّي سبعت عنْدك.
ثمَّ خرج فَأرْسل عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْأَحْوَص وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أعطَاهُ مائَة دِينَار وكساه ثيابًا ثمَّ قَالَ: يَا خَال هَب لي عرض أخي. قَالَ:
هُوَ لَك ثمَّ خرج الْأَحْوَص وَهُوَ يَقُول فِي عرُوض قصيدة سُلَيْمَان الْمَذْكُورَة يمدح عمر بن عبد الْعَزِيز:
(يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزل ... حذر العدا وَبِه الْفُؤَاد مُوكل)
стр. 523
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله:
(فسموت عَن أَخْلَاقهم فتركتهم ... لنداك إِن الحازم المتَوَكل)
(ووعدتني فِي حَاجَتي فصدقتني ... ووفيت إِذْ كذبُوا الحَدِيث وبدلواد)
(وَلَقَد بدأت أُرِيد ود معاشر ... وعدوا مواعد أخلفت إِذْ حصلوا)
(حَتَّى إِذا مَا صَنَعُوا إِلَيْك برحلة ... عجلى وعندك مِنْهُم المتحول)
(وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْ ... مذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل)
فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز: مَا أَرَاك أعفيتني مِمَّا استعفيتك والأحوص وَإِن أغار على قصيدة سُلَيْمَان فقد أربى عَلَيْهِ فِي الْإِحْسَان وَكَانَ كَمَا قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان وَقد أنْشد لِابْنِ المعتز قصيدته فِي مناقضة ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي الَّتِي أَولهَا:
(دعوا الْأسد تكنس غاباتها ... وَلَا تدْخلُوا بَين أنيابها)
وَقَالَ: أَخذه من قَول بعض العباسيين الْمُتَقَدِّمين: وَلكنه أَخذه ساجاً ورده عاجا. وغل قطيفة ورد ديباجا.
والمذق بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: من يخلط بِكَلَامِهِ كذبا من مذقت اللَّبن والشارب من بَاب قتل: إِذا مزجته وخلطته.)
وعاتكة بنت يزِيد الْمَذْكُورَة هِيَ زَوْجَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ
стр. 524
شَدِيد الْمحبَّة لَهَا فغاضبته فِي بعض الْأُمُور وسدت الْبَاب الَّذِي بَينهَا وَبَينه فساءه ذَلِك وتعاظمه وشكاه إِلَى من يأنس بِهِ من خاصته فَقَالَ لَهُ عمر بن بِلَال الْأَسدي:
إِن أَنا أرضيتها لَك حَتَّى ترْضى فَمَا الثَّوَاب قَالَ: حكمك. فَأتى إِلَى بَابهَا وَقد مزق ثَوْبه وسوده فَاسْتَأْذن عَلَيْهَا وَقَالَ: الْأَمر الَّذِي أتيت فِيهِ عَظِيم فَأدْخل لوقته فَرمى بِنَفسِهِ وَبكى. فَقَالَت: مَا لَك يَا عَم قَالَ: لي ولدان هما من المبرة وَالْإِحْسَان إِلَيّ فِي غَايَة وَقد عدا أَحدهمَا على أَخِيه فَقتله وفجعني بِهِ فاحتسبته وَقلت: يبْقى لي ولد أَتَسَلَّى بِهِ فَأَخذه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ: لَا بُد من الْقود وَإِلَّا فَالنَّاس يجترئون على الْقَتْل وَهُوَ قَاتله إِلَّا أَن يغيثني الله بك فتحت الْبَاب وَدخلت على عبد الْملك وَأَكَبَّتْ على الْبسَاط تقبله وَتقول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد تعلم فضل عمر بن بِلَال وَقد عزمت على فَقتل ابْنه فشفعني فِيهِ. قَالَ عبد الْملك: مَا كنت بِالَّذِي أفعل: فَأَقْبَلت فِي الضراعة والخضوع حَتَّى وعدها الْعَفو عَنهُ وَصلح مَا بَينهمَا ووفى لعمر بِمَا وعده بِهِ.
كل هَذَا من كتاب الْجَوَاهِر فِي الْملح والنوادر تأليف أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الْمَعْرُوف بالحصري صَاحب زهر الْآدَاب. وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ قَول أبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ َ:
стр. 525
(إِذن لاتبعناه على كل حَالَة ... من الدَّهْر جدا غير قَول التهازل)
على أَن الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره يكون فِي الْحَقِيقَة مؤكداُ لنَفسِهِ لِأَنَّهُ إِمَّا مَعَ صَرِيح القَوْل كَقَوْلِه تَعَالَى: ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق أَو مَا هُوَ فِي معنى القَوْل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت فَإِن قَوْله جدا مصدر مُؤَكد لما يحْتَمل غَيره فَإِن قَوْله اتبعناه يحْتَمل أَن يكون قَالَه على سَبِيل الْجد وَهُوَ الْمَفْهُوم من اللَّفْظ وَأَن يكون قَالَه على طَرِيق الْهزْل وَهُوَ احْتِمَال عَقْلِي. فأكد الْمَعْنى الأول بِمَا هُوَ فِي معنى القَوْل لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: قولا جدا والقرينة عَلَيْهِ مَا بعده فَإِن قَول التهازل يُقَابل قَول الْجد فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: قَول جد بِالْإِضَافَة ليناسب مَا بعده فَيكون لما حذف
الْمُضَاف أعرب الْمُضَاف إِلَيْهِ بإعرابه.
وَغير بِالنّصب صفة لقَوْله جدا وَلَا تضر الْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة فَإِنَّهَا متمكنة فِي الْإِبْهَام لَا وَزعم ابْن السراج أَن غيرا إِذا وَقعت بَين ضدين كَمَا هُنَا اكْتسبت التَّعْرِيف من الْإِضَافَة. وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل وَإِن زعم أَنَّهَا فِي مثل هَذَا بدل يردهُ أَن غيراً وضعت للوصف وَالْبدل بِالْوَصْفِ ضَعِيف. والتهازل بِمَعْنى الْهزْل فَإِن تفَاعل قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل كتوانيت بِمَعْنى ونيت لكنه أبلغ من الْمُجَرّد. وَقَوله: إِذن لاتبعناه جَوَاب قسم فِي بَيت قبله وَهُوَ:
(فو الله لَوْلَا أَن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا فِي الْقَبَائِل)
وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي اتبعناه رَاجع للنَّبِي ﷺ َ. وروى لَكنا اتبعناه. والسبة بِضَم السِّين يُقَال صَار عَلَيْهِ هَذَا الْأَمر سبة
стр. 526
أَي: عاراً يسب بِهِ. وتجر: بِفَتْح الْجِيم مضارع جر من جر عَلَيْهِم جريرة أَي: جنى عَلَيْهِم جِنَايَة. وَفِي بِمَعْنى بَين.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة تزيد على مائَة بَيت لأبي طَالب عاذ فِيهَا بحرم مَكَّة وبمكانه مِنْهَا وتودد فِيهَا إِلَى أَشْرَاف قومه وَأخْبر قُريْشًا أَنه غير مُسلم مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ َ لأحد أبدا حَتَّى يهْلك دونه ومدحه فِيهَا أَيْضا. وَقَالَهَا فِي الشّعب لما اعتزل مَعَ بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب قُريْشًا.
وَسبب دُخُوله الشّعب: أَن كفار قُرَيْش اتّفق رَأْيهمْ على قتل رَسُول الله ﷺ َ)
وَقَالُوا: قد أفسد أبناءنا وَنِسَاءَنَا. فَقَالُوا لِقَوْمِهِ: خُذُوا منا دِيَة مضاعفة ويقتله رجل من غير قُرَيْش وتريحوننا وتريحون أَنفسكُم فَأبى بَنو هَاشم من ذَلِك وظاهرهم بَنو عبد الْمطلب.
فَاجْتمع الْمُشْركُونَ من قُرَيْش على منابذتهم وإخراجهم من مَكَّة إِلَى الشّعب.
فَلَمَّا دخلُوا الشّعب أَمر رَسُول الله ﷺ َ من كَانَ بِمَكَّة من الْمُؤمنِينَ أَن يخرجُوا إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَكَانَت متجراً لقريش وَكَانَ يثني على النَّجَاشِيّ بِأَنَّهُ لَا يظلم عِنْده أحد.
فَانْطَلق عَامَّة من آمن بِاللَّه وَرَسُوله إِلَى الْحَبَشَة وَدخل بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب الشّعب مؤمنهم وكافرهم: فالمؤمن دينا وَالْكَافِر حمية. فَلَمَّا عرفت قُرَيْش أَن رَسُول الله ﷺ َ قد مَنعه قومه أَجمعُوا على أَن لَا يبايعوهم وَلَا يدخلُوا إِلَيْهِم شَيْئا من الرِّفْق وَقَطعُوا عَنْهُم الْأَسْوَاق وَلم يتْركُوا
стр. 527
طَعَاما وَلَا إدَامًا إِلَّا بَادرُوا إِلَيْهِ واشتروه وَلَا يناكحوهم وَلَا يقبلُوا مِنْهُم صلحا أبدا وَلَا تأخذهم بهم رأفة حَتَّى يسلمُوا رَسُول الله ﷺ َ للْقَتْل وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وعلقوها فِي الْكَعْبَة وتمادوا على الْعَمَل بِمَا فِيهَا من ذَلِك ثَلَاث سِنِين.
فَاشْتَدَّ الْبلَاء على بني هَاشم وَمن مَعَهم فَأَجْمعُوا على نقض مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْغدر والبراءة وَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ لأبي طَالب: يَا عَم إِن رَبِّي قد سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش فلحستها إِلَّا مَا كَانَ اسْما لله فأبقته. قَالَ: أربك أخْبرك بِهَذَا قَالَ: نعم قَالَ: فو الله مَا يدْخل عَلَيْك أحد ثمَّ خرج إِلَى قُرَيْش فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش إِن ابْن أخي أَخْبرنِي وَلم يكذبنِي أَن هَذِه الصَّحِيفَة الَّتِي فِي أَيْدِيكُم قد بعث الله عَلَيْهَا دَابَّة فلحست مَا فِيهَا فَإِن كَانَ كَمَا يَقُول فأفيقوا فَلَا وَالله لَا نسلمه حَتَّى نموت وَإِن كَانَ يَقُول بَاطِلا دفعناه إِلَيْكُم.
فَقَالُوا: قد رَضِينَا. ففتحوا الصَّحِيفَة فوجدوها كَمَا أخبر بِهِ ﷺ َ وَقَالُوا: هَذَا سحر ابْن أَخِيك وَزَادَهُمْ ذَلِك بغياً وعدواناً. فَقَالَ أَبُو طَالب: يَا معشر قُرَيْش علام نحصر ونحبس وَقد بَان الْأَمر وَتبين أَنكُمْ أهل الظُّلم والقطيعة ثمَّ دخل هُوَ وَأَصْحَابه بَين أَسْتَار الْكَعْبَة وَقَالَ: اللَّهُمَّ انصرنا على من ظلمنَا وَقطع أرحامنا واستحل مَا يحرم عَلَيْهِ منا. ثمَّ انْصَرف إِلَى الشّعب وَقَالَ هَذِه القصيدة.
قَالَ ابْن كثير: هِيَ قصيدة بليغة جدا لَا يَسْتَطِيع أَن يَقُولهَا إِلَّا من نسبت إِلَيْهِ وَهِي أفحل من المعلقات السَّبع وأبلغ فِي تأدية الْمَعْنى.
وَقد أَحْبَبْت أَن أوردهَا هُنَا منتخبة مشروحةً بشرح يُوفي الْمَعْنى محبَّة فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ)
وَسلم وَهِي هَذِه:
стр. 528
(خليلي مَا أُذُنِي لأوّل عاذل ... بصغواء فِي حق وَلَا عِنْد بَاطِل)
بصغواء: خبر مَا النافية وَهِي حجازية وَلذَا زيدت الْبَاء. والصغو: الْميل. وأصغيت إِلَى فلَان: إِذا ملت بسمعك نَحوه. ولأول عاذل: مُتَعَلق بصغواء. وَفِي حق مُتَعَلق بعاذل أَي: لَا أميل بأذني لأوّل عاذل فِي الْحق وَإِنَّمَا قيد العاذل بِالْأولِ لِأَنَّهُ إِذا لم يقبل عذل العاذل الأول فَمن بَاب أولى أَن لَا يقبل عذل العاذل الثَّانِي فَإِن النَّفس إِذا كَانَت خَالِيَة الذِّهْن فَفِي الْغَالِب أَن يسْتَقرّ فِيهَا أول مَا يرد عَلَيْهَا.
(خليلي إِن الرَّأْي لَيْسَ بشركةٍ ... وَلَا نهنه عِنْد الْأُمُور البلابل)
أَرَادَ أَن الرَّأْي الْجيد يكون بمشاركة الْعُقَلَاء فَإِن لم يتشاركوا: بِأَن كَانُوا متباغضين لم ينْتج شَيْئا والرأي مَا لم يتخمر فِي الْعُقُول كَانَ فطيرا. والنهنه بنونين وهائين كجعفر: المضيء والنير الشفاف الَّذِي يظْهر الْأَشْيَاء على جليتها وَأَصله الثَّوْب الرَّقِيق النسج وَمن شَأْنه أَن لَا يمْنَع النّظر إِلَى مَا وَرَاءه وَهُوَ مَعْطُوف على شركَة.
والبلابل: إِمَّا جمع بلبلة بِفَتْح البائين أَو جمع بلبال بفتحمها وهما بِمَعْنى الْهم ووساوس الصَّدْر كزلازل جمع زَلْزَلَة وزلزال بِالْفَتْح وَهُوَ إِمَّا على حذف مُضَاف أَي: ذَات البلابل أَو إِنَّهَا بدل من الْأُمُور.
(وَلما رَأَيْت الْقَوْم لَا ود عِنْدهم ... وَقد قطعُوا كل العرى والوسائل)
стр. 529
أَرَادَ بالقوم كفار قُرَيْش. والعرا: جمع عُرْوَة وَهِي مَعْرُوفَة وَأَرَادَ بهَا هُنَا مَا يتَمَسَّك بِهِ من
(وَقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وَقد طاوعوا أَمر الْعَدو المزايل)
صارحونا: كاشفونا بالعداوة صَرِيحًا والصراحة وَإِن كَانَت لَا زمة لَكِنَّهَا لما نقلت إِلَى بَاب المفاعلة تعدت. والمزايل: اسْم فَاعل من زايله مزايلة وزيلاً: فَارقه وباينه وَإِنَّمَا يكون الْعَدو مفارقاً إِذا صرح بالعداوة فَلَا تمكن الْعشْرَة. وَمن قَالَ: المزايل: المعالج وظنه من المزاولة لم يصب.
(وَقد حالفوا قوما علينا أظنةً ... يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل)
حالفوا قوما: مثل صارحونا فِي أَنه كَانَ لَازِما وتعدى إِلَى الْمَفْعُول بنقله إِلَى بَاب المفاعلة.
والتحالف: التعاهد والتعاقد على أَن يكون الْأَمر وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية وَبَينهمَا حلف أَي:)
عهد والحليف: الْمعَاهد. وعلينا مُتَعَلق بحالفوا. والأظنة جمع ظنين وَهُوَ الرجل الْمُتَّهم والظنة بِالْكَسْرِ التُّهْمَة وَالْجمع الظنن. يُقَال مِنْهُ أطنه وَأَظنهُ: بِالطَّاءِ والظاء إِذا اتهمه.
قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: أفعلة قياسٌ فِي كل اسْم مُذَكّر رباعي فِيهِ مُدَّة ثَالِثَة فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْصَاف مُعْتَبرَة فَإِن كَانَ صفة لم يجمع قِيَاسا على أفعلة فَإِن جَاءَ عَلَيْهِ فمحفوظ لَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالُوا فِي شحيح. أشحة وَفِي ظنين: أظنة. قَالَ تَعَالَى: أشحة عَلَيْكُم وَقَالَ أَبُو طَالب. . وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
الصَّبْر: الْحَبْس. والسمراء: الْقَنَاة. والسمحة: اللدنة اللينة الَّتِي
تسمح بالهز والانعطاف.
والأبيض: السَّيْف. والعضب: الْقَاطِع. والمقاول: جمع
стр. 530
مقول بِكَسْر الْمِيم: الرئيس وَهُوَ دون الْملك كَذَا فِي الْمِصْبَاح عَن ابْن الْأَنْبَارِي.
وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: أَرَادَ بالمقاول آباءه شبههم بالملوك وَلم يَكُونُوا ملوكاً وَلَا كَانَ فيهم ملك بِدَلِيل حَدِيث أبي سُفْيَان حِين قَالَ لَهُ هِرقل: هَل كَانَ فِي آبَائِهِ من ملك فَقَالَ: لَا.
وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا السَّيْف من هبات الْمُلُوك لِأَبِيهِ فقد وهب ابْن ذِي يزن لعبد الْمطلب هباتٍ جزيلةً حِين وَفد عَلَيْهِ مَعَ قُرَيْش يهنئونه بظفره بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ بعد مولد رَسُول الله ﷺ َ بعامين.
(وأحضرت عِنْد الْبَيْت رهطي وإخوتي ... وَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل)
الوصائل: ثِيَاب مخططة يَمَانِية كَانَ الْبَيْت يكسى بهَا.
(قيَاما مَعًا مُسْتَقْبلين رتاجه ... لَدَى حَيْثُ يقْضى حلفه كل نافل)
الرتاج: الْبَاب الْعَظِيم وَهُوَ مفعول مُسْتَقْبلين. والنافل: فَاعل من النَّافِلَة وَهُوَ التَّطَوُّع.
(أعوذ بِرَبّ النَّاس من كل طاعنٍ ... علينا بسوءٍ أَو ملحٍ بباطل)
(وَمن كاشحٍ يسْعَى لنا بمعيبة ... وَمن ملحقٍ فِي الدَّين مَا لم نحاول)
ملح: اسْم فَاعل من ألح على الشَّيْء: إِذا أقبل عَلَيْهِ مواظباً. والمعيبة: الْعَيْب والنقيصة.
ونحاول نُرِيد.
(وثورٍ وَمن أرسى ثبيراً مَكَانَهُ ... وراقٍ لبرٍ فِي حراء ونازل)
وثورٍ: مَعْطُوف على رب النَّاس. وَهُوَ وثبير وحراء. جبال بِمَكَّة. وَالْبر: خلاف الْإِثْم. وَهُوَ رِوَايَة ابْن اسحاق وَغَيره وروى ابْن هِشَام:
следующие страницы →