Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
وَكَعب بن سعد الغنوي شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا ... جهاراً من زُهَيْر أَو أسيد)
على أَنه تتعذر هُنَا تِلْكَ التخريجات الْمُتَقَدّمَة فِي الْبَيْت قبله. فَيتَعَيَّن كَون لَعَلَّ فِيهِ حرف جر وَلَفظ الْجَلالَة مجروراً بِهِ.
وَلَا يَصح أَن يَدعِي أَن الأَصْل لعاً لله وَهُوَ ظَاهر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
وَلَا يُمكن أَن يُقَال تَقْدِيره: لَعَلَّه لله يمكنني بِتَقْدِير ضمير الشَّأْن وجر الْجَلالَة إِمَّا بلام مقدرَة كَمَا قَالَ ابْن عُصْفُور وَإِمَّا بِاللَّامِ المدغمة فِي لَام لَعَلَّ المخففة كَمَا قَالَ أَبُو عَليّ سَوَاء كَانَت لَام لَعَلَّ مَكْسُورَة أم مَفْتُوحَة فِي لَعَلَّ الله فَإِن ذَلِك لَا وَجه لَهُ لَا معنى وَلَا صناعَة.
-
أما الأول فَظَاهر. وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون لله خير ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ لَيْسَ بجملة إِذْ لم يَقع خبر الْمُبْتَدَأ.
فَإِن قلت: قدر لَهُ مُبْتَدأ نَحْو: الْقُدْرَة لله. قُلْنَا: يجب التَّصْرِيح بجزأي الْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا لضمير الشَّأْن وَلَا يجوز حذف أَحدهمَا.
فَإِن قلت: قدره مَعَ مُتَعَلّقه جملَة. قُلْنَا: فَاعله مَجْهُول وَلَا يَصح أَن يكون يمكنني خَبره لِأَنَّهُ يبْقى لله غير مُتَعَلق بِشَيْء إِذا لَا معنى لتَعَلُّقه بِهِ.
стр. 5147
وَالْعجب من أبي عَليّ فِي تجويزه الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْمسَائِل البصرية قَالَ: أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يفتحون اللَّام الَّتِي فِي مَكَان كي.
وَزعم خلف الْأَحْمَر أَنَّهَا لُغَة لبني العنبر. وَقد سَمِعت أَنا ذَلِك من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَن أَصْلهَا الْفَتْح وَكسرت فِي الْإِضَافَة للفصل بَينهَا وَبَين لَام الِابْتِدَاء. وأحفظ فِي كتاب أبي الْحسن:
(تواعدوني ربيعَة كل يَوْم ... لأهلكها وأقتني الدجاجا)
لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ أَبُو عَليّ: يكون هَذَا على إِضْمَار الحَدِيث فِي لَعَلَّ مُخَفّفَة كإضماره فِي إِن وأضمر مُبْتَدأ والظرف فِي مَوضِع الْخَبَر ويمكنني: حَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّ الْقِصَّة الْأَمر لله مُمكنا لي.
وَإِن شِئْت جعلت يمكنني فِي مَوضِع خبر لَعَلَّ وأضمرت الحَدِيث كَأَنَّهُ قيل: لَعَلَّه يمكنني الْأَمر لله أَي: لقُوَّة الله. هَذَا كَلَامه.
وَنَقله ابْن السَّيِّد فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي وَلم يتعقبه بِشَيْء. وَفِيه نظر من وُجُوه:)
أما أَولا: فَلِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة لذكر فتح لَام كي هُنَا فَإِن اللَّام الَّتِي ادَّعَاهَا دَاخِلَة على الِاسْم الصَّرِيح لَا على الْفِعْل.
-
وَأما ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَا يجوز حذف أحد جزأي الْجُمْلَة كَمَا تقدم.
وَأما ثَالِثا: فَلِأَنَّهُ قدر ليمكنني فَاعِلا وَهَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف
стр. 5148
فِيهَا. وَإِن أَرَادَ أَنه تَفْسِير الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يمكنني الْعَائِد إِلَى ضمير الشَّأْن فَفِيهِ أَن شَرط ضمير الشَّأْن أَن لَا يعود إِلَيْهِ ضمير من جملَة خَبره.
وَأما رَابِعا: فَلِأَنَّهُ قدر مُضَافا بعد اللَّام وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ بعد هَذَا: فَإِن قلت فَهَل يجوز فِي لَعَلَّ فِيمَن خفف أَن يدخلهَا على الْفِعْل بِلَا شريطة إِضْمَار الْقِصَّة كَمَا جَازَ ذَلِك فِي إِن إِذا خففت أَن تدخل على الْفِعْل نَحْو: إِن كَاد ليضلنا قلت: يَنْبَغِي عِنْدِي أَن يبعد إِدْخَال لَعَلَّ على الْفِعْل.
أَلا ترى أَن إِن لَا معنى فِيهَا إِلَّا التَّأْكِيد وَمَعَ ذَلِك فقد أعملت مُخَفّفَة فِي الِاسْم وَنصب بهَا.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَت لَعَلَّ أشبه بِالْفِعْلِ للمعنى الَّذِي لَهَا وَجب أَن لَا تكون إِذا خففت إِلَّا على شريطة الْإِضْمَار إِذا أدخلت على الْفِعْل. ويؤكد ذَلِك أَن الْمَفْتُوحَة المخففة.
أَلا ترى أَنَّهَا لَا تخفف إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث. وَكَذَلِكَ كَأَن فِي قَوْله: كَأَن ثدياه حقان على أَن كَأَن إِنَّمَا هِيَ أَن أدخلت الْكَاف عَلَيْهَا. فَإِذا لم تكن إِن إِلَّا على شريطة إِضْمَار فِيهَا وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن قَوْله: لَعَلَّ أبي المغوار وَلَعَلَّ الله يمكنني إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث وَمَا بعده فِي مَوضِع الْخَبَر. هَذَا كَلَامه.
وبناؤه على غير أساس فَإِنَّهُ لم يثبت تَخْفيف لَعَلَّ فِي مَوضِع وَإِنَّمَا كَلَامه هَذَا بِمُجَرَّد توهم تخفيفها. وَالله أعلم.
وَالْبَيْت من قصيدة لخَالِد بن جَعْفَر. وَهَذِه أَبْيَات من أَولهَا
стр. 5149
:
(أريغوني إراغتكم فَإِنِّي ... وحذفة كالشجا تَحت الوريد)
(لَعَلَّ الله يقدرني عَلَيْهَا ... جهاراً من زُهَيْر أَو أسيد)
الإراغة بالراء الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة: الطّلب.
فِي الصِّحَاح: أريغوني إراغتكم أَي: اطلبوني طلبتكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وحذفة بِضَم الْحَاء)
الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء: اسْم فرس الشَّاعِر وَهُوَ جَعْفَر بن خَالِد.
والشجا بِفَتْح الشين وَالْجِيم: مَا ينشب فِي الْحلق من عظم أَو غَيره. شبه نَفسه بالشجا.
ومقربة: مفعول: أريغوني. والمقرب من الْخَيل على اسْم الْمَفْعُول من الإقراب والتقريب: الَّذِي يدنى وَيكرم وَالْأُنْثَى مقربة وَلَا تتْرك أَن ترود.
قَالَ ابْن دُرَيْد: إِنَّمَا يفعل ذَلِك بالإناث لِئَلَّا يقرعها فَحل لئيم. والإلحاف التغطية. والجليد: الصقيع يُرِيد: فِي شدَّة الْبرد.
وَزُهَيْر هُوَ ابْن جذيمة بن رَوَاحَة الْعَبْسِي. وَأسيد هُوَ أَخُو زُهَيْر وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين. وَضمير عَلَيْهَا رَاجع إِلَى مقربة.
وَسبب الشّعْر هُوَ مَا رَوَاهُ صَاحب الأغاني وَالسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ قَالَا: إِن هوَازن لَا ترى زُهَيْر بن جذيمة إِلَّا رَبًّا وهوازن يَوْمئِذٍ لَا خير فِيهَا وَلم
تكْثر
стр. 5150
عَامر بن صعصعة بعد فهم أذلّ من يَد فِي رحم إِنَّمَا هم رعاء الشَّاء فِي الْجبَال وَكَانَ زُهَيْر يعشرهم فَكَانَ إِذا كَانَ سوق فَجَاءَت عَجُوز من هوَازن بِسمن فِي نحي واعتذرت إِلَيْهِ وَشَكتْ السنين الَّتِي تَتَابَعَت على النَّاس فذاقه فَلم يرض طعمه فَدَفعهَا بقوس كَانَت فِي يَده فَسَقَطت فبدت عورتها فَغضِبت من ذَلِك هوَازن وحقدته إِلَى مَا كَانَ فِي صدرها من الغيظ وَكَانَت قد كثرت عَامر.
فآلى خَالِد بن جَعْفَر فَقَالَ: وَالله لأجعلن ذراعي وَرَاء عُنُقه حَتَّى أقتل أَو أقتل. وَفِي ذَلِك قَالَ هَذَا الشّعْر.
وَاتفقَ نزُول زُهَيْر بِالْقربِ من أَرض بني عَامر وَكَانَت تماضر بنت عَمْرو بن الشريد امْرَأَة زُهَيْر بن جذيمة وَأم وَلَده فَمر بِهِ أَخُوهَا الْحَارِث بن عَمْرو فَقَالَ زُهَيْر لِبَنِيهِ: إِن الْحمار طَلِيعَة عَلَيْكُم فَأَوْثقُوهُ. فَقَالَت أُخْته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه ثمَّ حلبوا لَهُ وطباً من لبن وَأخذُوا مِنْهُ يَمِينا أَن لَا يخبر عَنْهُم فَخرج حَتَّى أَتَى بني عَامر فَأخْبرهُم فَركب خَالِد بن جَعْفَر وحندج
стр. 5151
بن الْبكاء وَمُعَاوِيَة بن عبَادَة
وَثَلَاثَة من فوارس بني عَامر وَاقْتَصُّوا فَرَأَوْا إبل بني جذيمة فنزلوا عَن الْخَيل فَقَالَت النِّسَاء: إِنَّا لنرى غابة رماح بمَكَان كُنَّا نرى بِهِ شَيْئا. ثمَّ جَاءَت الرعاء فخبرت بهم وأتى أسيد أَخَاهُ زهيراً فَأخْبرهُ بالْخبر وَقَالَ: قد رَأَتْ راعيتي خيل بني عَامر ورماحها.
فَقَالَ زُهَيْر: كل أزب نفور فَذَهَبت مثلا. وَكَانَ أسيد كثير الشّعْر. قَالَ: فَتحمل عَامَّة بني رَوَاحَة وَحلف زُهَيْر لَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يصبح. وَتحمل من كَانَ مَعَه غير ابنيه: وَرْقَاء)
والْحَارث. فَلم يشْعر إِلَّا وَالْخَيْل أحاطت بِهِ. قَالَ زُهَيْر وظنهم أهل الْيمن: يَا أسيد مَا هَؤُلَاءِ قَالَ: هم الْقَوْم الَّذين تغْضب فِي شَأْنهمْ مُنْذُ اللَّيْلَة.
قَالَ: وَركب أسيد فرسه وَنَجَا ووثب زُهَيْر على فرسه القعساء وَكَانَت متمردة فَلحقه خَالِد رَاكِبًا فرسه حذفة وَهُوَ يَقُول: لَا نجوت إِن نجا زُهَيْر فاعتنق خَالِد زهيراً وخرا عَن فرسيهما وَوَقع خَالِد فَوق زُهَيْر واستغاث ببنيه فَأقبل إِلَيْهِ وَرْقَاء بن زُهَيْر فَضرب خَالِدا ثَلَاث ضربات فَلم يغن شَيْئا وَكَانَ على خَالِد دِرْعَانِ. ثمَّ ضرب جندج رَأس زُهَيْر فَقتله.
وَفِي ذَلِك يَقُول وَرْقَاء بن زُهَيْر:
(رَأَيْت زهيراً تَحت كلكل خَالِد ... فَأَقْبَلت أسعى كالعجول أبادر)
(إِلَى بطلين ينهضان كِلَاهُمَا ... يُريدَان نصل السَّيْف وَالسيف داثر)
стр. 5152
(فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب خَالِدا ... ويستره مني الْحَدِيد الْمظَاهر)
(فيا لَيْت أَنِّي قبل ضَرْبَة خَالِد ... وَيَوْم زُهَيْر لم تلدني تماضر)
وخَالِد فَارس شَاعِر جاهلي وَهُوَ ابْن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر ابْن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(فَلَو كنت ضبياً عرفت قَرَابَتي ... وَلَكِن زنجي عَظِيم المشافر)
على أَنه لَا يجوز حذف أَسمَاء هَذِه الْحُرُوف غير ضمير الشَّأْن إِلَّا فِي الشّعْر على قلَّة وَضعف كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَالتَّقْدِير: وَلَكِنَّك زنجي.
فِي الْأُصُول لِابْنِ السراج قَالَ سِيبَوَيْهٍ: النصب أَكثر فِي كَلَام الْعَرَب كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن زنجياً عَظِيم المشافر لَا يعرف قَرَابَتي وَلكنه أضمر هَذَا.
قَالَ: وَالنّصب أَجود لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ الْإِضْمَار لخفف ولجعل الْمُضمر مُبْتَدأ كَقَوْلِك: مَا أَنْت صَالحا وَلَكِن طالح. انْتهى.
стр. 5153
-
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع زنجي على الْخَبَر وَحذف اسْم لَكِن ضَرُورَة. وَالتَّقْدِير: لكنك زنجي. وَالنّصب أَقيس. انْتهى.
وَتَقْيِيد الشَّارِح الْمُحَقق حذف الِاسْم بِالضَّرُورَةِ أَجود من إِطْلَاق ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي قَوْله:)
وَقد يحذف اسْمهَا. وَإِن كَانَت قد تفِيد الْقلَّة.
وَزعم الْخفاف فِي شرح الْجمل أَنه يجوز حذف أَسمَاء هَذِه الْحُرُوف فِي فصيح الْكَلَام إِذا كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: أَي: فليتك. إِلَّا إِن كَانَت ضمير شَأْن فَلَا يجوز حذفه إِلَّا فِي الشّعْر. وَرُوِيَ أَيْضا: وَلَكِن زنجياً بِالنّصب وَالْخَبَر مَحْذُوف. وَتَقْدِيره عِنْد سِيبَوَيْهٍ: لَا يعرف قَرَابَتي.
وَقَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: زنجياً غليظ المشافر تشبه فأضمر الْخَبَر. هَذَا نَقله وَهُوَ خلاف الْوَاقِع مَعَ أَن هَذَا التَّقْدِير يَقْتَضِي أَن ونجياً مفعول تشبه لَا اسْم لَكِن. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ الْفراء: غليظ المشافر تَابع سد مسد الْخَبَر. وَقَالَ الْكسَائي: وَلَكِن بك زنجياً أَي: يشبهك.
انْتهى.
والمشافر: جمع مشفر بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْفَاء وَهُوَ شفة الْبَعِير واستعير هُنَا لشفة الْإِنْسَان لما قصد من بشاعة الْخلقَة.
стр. 5154
-
وَالْبَيْت للفرزدق فِي هجو رجل من ضبة نَفَاهُ عَن ضبة وَنسبه إِلَى الزنج. وَأما الْقَرَابَة الَّتِي بَينه وَبَينه فَهِيَ أَن الفرزدق من تَمِيم بن مر بن أد بن طانجة وضبة هُوَ ابْن أد بن طانجة.
وَاعْلَم أَن قافية الْبَيْت اشتهرت كَذَا عِنْد النَّحْوِيين وَصَوَابه: وَلَكِن زنجياً غلاظاً مشافره وَهُوَ من قصيدة هجا بهَا أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ. وَبعده:
(متت لَهُ بالرحم بيني وَبَينه ... فَأَلْفَيْته مني بَعيدا أواصره)
(فَسَوف يرى النوبي مَا اكتدحت لَهُ ... يَدَاهُ إِذا مَا الشّعْر عنت نوافره)
(ستلقي عَلَيْك الخنفساء إِذا فست ... عَلَيْك من الشّعْر الَّذِي أَنْت حاذره)
(وَتَأْتِي ابْن زب الخنفساء قصيدة ... تكون لَهُ مني عذَابا يباشره)
وَالسَّبَب فِي هَذَا مَا حَكَاهُ صَاحب الأغاني أَن الفرزدق هجا خَالِدا الْقَسرِي وَذكر الْمُبَارك: النَّهر الَّذِي حفره بواسط فَبَلغهُ ذَلِك فَكتب خَالِد إِلَى مَالك بن الْمُنْذر: أَن احْبِسْ الفرزدق فَإِنَّهُ هجا نهر أَمِير الْمُؤمنِينَ بقوله:
(أهلكت مَال الله فِي غير حَقه ... على النَّهر المشووم غير الْمُبَارك)
стр. 5155
فَأرْسل مَالك إِلَى أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ فَقَالَ: ائْتِنِي بالفرزدق. فَلم يزل يعْمل فِيهِ حَتَّى أَخذه)
-
فَلَمَّا قيل لمَالِك: هَذَا الفرزدق انتفخ وريده غَضبا فَلَمَّا أَدخل عَلَيْهِ قَالَ:
(أَقُول لنَفْسي حِين غصت بريقها ... أَلا لَيْت شعري مَا لَهَا عِنْد مَالك)
(لَهَا عِنْده أَن يرجع الله روحه ... إِلَيْهَا وتنجو من عَظِيم المهالك)
فسكن مَالك وَأمر بِهِ إِلَى السجْن فهجا أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ بِتِلْكَ القصيدة ثمَّ مدح خَالِد بن عبد الله وَمَالك بن الْمُنْذر فَلَمَّا لم يَنْفَعهُ مدحهما مدح هشاماً وَاعْتذر إِلَيْهِ:
(ألكني إِلَى راعي الْبَريَّة وَالَّذِي ... لَهُ الْعدْل فِي الأَرْض العريضة نورا)
(أينطقها غَيْرِي وأرمى بجرمها ... وَكَيف ألوم الدَّهْر أَن يتغيرا)
(لَئِن صبرت نَفسِي لقد أمرت بِهِ ... وَخير عباد الله من كَانَ أصبرا)
(وَكنت ابْن أحذار وَلَو كنت خَائفًا ... لَكُنْت من العصماء فِي الطود أحذرا)
(وَلَكِن أَتَوْنِي آمنا لَا أَخَافهُم ... نَهَارا وَكَانَ الله مَا شَاءَ قدرا)
стр. 5156
ثمَّ إِنَّه مدحه بقصيدة وأشخص بهَا ابْنه إِلَى هِشَام فأعانته القيسية وَقَالُوا: كلما ظهر شَاعِر أَو سيد وثب عَلَيْهِ خَالِد وَكَانَ كتب الفرزدق أبياتاً إِلَى سعيد بن الْوَلِيد بن الأبرش يكلم لَهُ هشاماً وَهِي:
(إِلَى الأبرش الْكَلْبِيّ أسديت حَاجَتي ... تواكلها حَيا تَمِيم وَوَائِل)
(على حِين أَن زلت بِي النَّعْل زلَّة ... وأخلف ظَنِّي كل حاف وناعل)
(فدونكما يَا ابْن الْوَلِيد فَقُمْ بهَا ... قيام امْرِئ فِي قومه غير خامل)
فَكلم هشاماً فَكتب بِتَخْلِيَتِهِ. انْتهى بِاخْتِصَار.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده:
(إِن من لَام فِي بني أُخْت حسا ... ن ألمه وأعصه فِي الخطوب)
(إِن من يدْخل الْكَنِيسَة يَوْمًا ... يلق فِيهَا جآذراً وظباء)
على أَن ضمير الشَّأْن يجوز حذفه فِي الشّعْر كثيرا بِخِلَاف حذف اسْم هَذِه الْحُرُوف فَإِنَّهُ وَإِن اخْتصَّ حذفه فِي الشّعْر لكنه بِضعْف وَقلة وَذَلِكَ كَمَا
стр. 5157
فِي الْبَيْتَيْنِ.
وَالتَّقْدِير: إِنَّه من لَام وَإنَّهُ من يدْخل الْكَنِيسَة. وَمن فيهمَا اسْم شَرط جازم وَالْجُمْلَة خبر ضمير الشَّأْن فيهمَا.)
-
وَتقدم الْكَلَام على الْبَيْت الأول فِي الشَّاهِد السَّابِع بعد الأربعمائة وعَلى الْبَيْت الثَّانِي فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(كَأَن على عرنينه وجبينه ... أَقَامَ شُعَاع الشَّمْس أَو طلع الْبَدْر)
على أَن حذف ضمير الشَّأْن فِي غير الشّعْر يجوز بقلة إِن لم يل هَذِه الأحرف فعل صَرِيح كَمَا فِي الْبَيْت. وَمثله فِي الْكَلَام جَائِز بقلة نَحْو: إِن بك زيد مَأْخُوذ.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: وَمِنْه حذف ضمير الشَّأْن أَو الْقِصَّة إِذا كَانَ اسْما لإن
(فَلَا تَشْتُم الْمولى وتبلغ أذاته ... فَإِن بِهِ تثأى الْأُمُور وترأب)
يُرِيد: فَإِنَّهُ تثأى الْأُمُور. وَقَول الآخر: كَأَن على عرنينه وجبينه ... ... ... ... الْبَيْت
стр. 5158
يُرِيد: كَأَنَّهُ على عرنينه. وَقَول الآخر:
إِن من يدْخل الْكَنِيسَة يُرِيد: إِنَّه من يدْخل الْكَنِيسَة. وَلَا يجوز أَن يكون من اسْم إِن لِأَنَّهَا اسْم شَرط وَأَسْمَاء الشَّرْط لَا يتقدمها عَامل إِلَّا الْخَافِض بِشَرْط أَن يكون مَعْمُولا لفعل الشَّرْط نَحْو قَوْلك: بِمن تمرر أمرر. وَمثل ذَلِك قَول الْأَعْشَى:
(إِن من لَام فِي بني بنت حسا ... ن ... ... ... ... ... . الْبَيْت)
يُرِيد: إِنَّه من لَام.
وَقَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت:
(وَلَكِن من لَا يلق امْرأ ينوبه ... بعدته ينزل بِهِ وَهُوَ أعزل)
يُرِيد: وَلكنه من. وَمن ذَلِك قَول جميل:
(أَلا لَيْت أَيَّام الصفاء جَدِيد ... ودهر تولى بابثين يعود)
فِي رِوَايَة من رفع الْأَيَّام يُرِيد: ليتها أَيَّام فَحذف هَذَا الضَّمِير يحسن فِي الشّعْر وَلَا يقبح فِي الْكَلَام إِلَّا أَن يُؤَدِّي حذفه إِلَى أَن تكون إِن وَأَخَوَاتهَا دَاخِلَة على فعل فَإِنَّهُ إِذْ ذَاك يقبح فِي الْكَلَام وَالشعر لِأَنَّهَا حُرُوف طالبة للأسماء فاستقبحوا لذَلِك مباشرتها للأفعال.)
وَإِنَّمَا قبح حذفه فِي الْكَلَام وَإِن لم يؤد الْحَذف إِلَى مُبَاشرَة إِن وَأَخَوَاتهَا للأفعال لِأَنَّهُ مُفَسّر بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بعده فَأَشْبَهت الْجُمْلَة الْوَاقِعَة صفة فِي نَحْو قَوْلك: رَأَيْت رجلا
يُحِبهُ عَمْرو فِي أَن كل وَاحِدَة من الجملتين مفسره لما قبلهَا.
وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها فَكَذَلِك أَيْضا يقبح حذف ضمير الشَّأْن والقصة وإبقاء الْجُمْلَة المفسرة لَهُ. وَأَيْضًا يسْتَعْمل فِي مَوضِع التَّعْظِيم والحذف مُنَاقض لذَلِك.
وَأما قَول الرَّاعِي: ...
стр. 5159
(فَلَو أَن حق الْيَوْم مِنْكُم إِقَامَة ... وَإِن كَانَ سرح قد مضى فتسرعا)
وَقَول الآخر:
(فليت دفعت الْهم عني سَاعَة ... فبتنا على مَا خيلت ناعمي بَال)
فَيحْتَمل أَن يكون الْمَحْذُوف مِنْهَا ضمير الشَّأْن فَيكون التَّقْدِير: فَلَو أَنه حق الْيَوْم مِنْكُم إِقَامَة وفليته دفعت وَيكون البيتان إِذْ ذَاك من قبيل مَا يقبح فِي الْكَلَام وَالشعر لما يلْزم فِي الْبَيْت الأول وَيحْتَمل أَن يكون الْمَحْذُوف ضمير الْمُخَاطب فَيكون التَّقْدِير: فَلَو أَنكُمْ حق مِنْكُم وليتك دفعت الْهم. وَحملهَا على هَذَا الْوَجْه أولى لِأَنَّهُ لَا يلْزم فِيهِ من الْقبْح مَا يلْزم فِي الْوَجْه الأول. انْتهى كَلَام ابْن عُصْفُور.
والعرنين بِالْكَسْرِ قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: هُوَ من كل شَيْء: أَوله وَمِنْه عرنين الْأنف لأوله وَهُوَ مَا تَحت مُجْتَمع الحاجبين وَهُوَ مَوضِع الشمم وهم شم العرانين. وَقد يُطلق الْعرنِين على الْأنف.
-
وَقَالَ أَيْضا: الجبين نَاحيَة الْجَبْهَة من محاذاة النزعة إِلَى الصدغ وهما جبينان عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها. قَالَه الْأَزْهَرِي وَابْن فَارس وَغَيرهمَا. فَتكون الْجَبْهَة بَين الجبينين. والجبهة: مَوضِع السُّجُود بَين الجبينين.
وَلم أَقف على قَائِل الْبَيْت وَلم أره إِلَّا فِي كتاب الضرائر وَهُوَ أحسن من قَول عويف القوافي أابْن عنقاء الْفَزارِيّ: ...
стр. 5160
(كَأَن الثريا علقت فِي جَبينه ... وَفِي خَدّه الشعرى وَفِي انفه الْقَمَر)
وَمن قَول خَارِجَة بن فليح المللي:
(كَأَن على عرنينه وجبينه ... شعاعين لاحا من سماك وفرقد)
وَقد اتفقَا فِي المصراع الأول وَلم أدر السَّابِق مِنْهُمَا. وَبعده:)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(إِن محلا وَإِن مرتحلا ... وَإِن فِي السّفر إِذْ مضوا مهلا)
على أَنه إِذا علم الْخَبَر جَازَ حذفه سَوَاء كَانَ الِاسْم نكرَة أم معرفَة وَسَوَاء كررت إِن أم لَا.
فَالْأول كَمَا فِي المصراع الأول من الْبَيْت وَالتَّقْدِير إِن لنا محلا فِي الدُّنْيَا مَا عِشْنَا وَإِن لنا مرتحلا إِلَى الْآخِرَة.
стр. 5161
وَالثَّانِي: مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ قبل إنشاد ذَلِك الْبَيْت قَالَ: وَيَقُول الرجل للرجل هَل لكم أحد إِن النَّاس ألب عَلَيْكُم فَيَقُول: إِن زيدا وَإِن عمرا أَي: إِن لنا. انْتهى.
وَفِيه رد على الْكُوفِيّين فِي اشتراطهم تنكير الِاسْم.
وَالثَّالِث: نَحْو مَا تقدم من الْبَيْت وحكاية سِيبَوَيْهٍ.
وَالرَّابِع: هُوَ كَقَوْل سِيبَوَيْهٍ: وَتقول إِن غَيرهَا إبِلا وَشاء كَأَنَّهُ قَالَ: إِن لنا غَيرهَا إبِلا وَشاء وَعِنْدنَا غَيرهَا إبِلا وَشاء. فَالَّذِي تضمر هَذَا النَّحْو وَشبهه. وانتصب الْإِبِل وَالشَّاء كانتصاب وَفِيه رد على الْفراء فَإِنَّهُ ذهب إِلَى أَنه لَا يجوز حذف الْخَبَر إِلَّا مَعَ تَكْرِير إِن سَوَاء كَانَ الِاسْم معرفَة أم نكرَة.
-
وَيرد عَلَيْهِ وعَلى الْكُوفِيّين قَول الشَّاعِر: أَو أَن الأكارم نَهْشَلَا ... ... ... ... ... الْبَيْت الْآتِي فَإِن خبر أَن الْمَفْتُوحَة مَحْذُوف تَقْدِيره: تفضلوا بِدلَالَة مَا قبله وَاسْمهَا معرفَة وَهِي غير مكررة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يرد عَلَيْهِم الحَدِيث وَأثر عمر المسطوران فَإِن اسْم إِن فيهمَا معرفَة وَهُوَ اسْم الْإِشَارَة مَعَ عدم تكَرر إِن فيهمَا.
стр. 5162
قَالَ ابْن يعِيش: وَكَانَ الْفراء يذهب إِلَى أَنه: إِنَّمَا يحذف مثل هَذَا إِذا كررت إِن ليعلم أَن أَحدهمَا مُخَالف عِنْد من يَظُنّهُ غير مُخَالف.
وَحكي أَن أَعْرَابِيًا قيل لَهُ: الزبابة: الْفَأْرَة قَالَ: إِن الزبابة والفأرة. وَمَعْنَاهُ إِن هَذِه مُخَالفَة لهَذِهِ. وَالْخلاف الَّذِي بَين الاسمين يدل على الْخَبَر وَهُوَ غير مرضِي عِنْد أَصْحَابنَا فَإِنَّهُ مَرْدُود)
فِي الْوَاحِد الَّذِي لَا مُخَالف مَعَه.
قَالَ الأخطل: وَقَالُوا: إِن غَيرهَا إبِلا وَشاء. فَقَوْلهم: غَيرهَا اسْم إِن وَاخْبَرْ مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ: إِن لنا غَيرهَا وانتصب إبِلا وَشاء على التَّمْيِيز. وَيجوز أَن يكون: إبِلا اسْم إِن وَغَيرهَا حَال. وَلَا يحسن أَن يكون عطف بَيَان لِأَن عطف الْبَيَان لَا يكون إِلَّا فِي المعارف.
فَأَما مَا حُكيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ لقرشي وَقد مت إِلَيْهِ بِقرَابَة: إِن ذَلِك. ثمَّ ذكر حَاجته فَقَالَ: لَعَلَّ ذَاك. فَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: إِن ذَلِك مُصدق وَلَعَلَّ مطلوبك حَاصِل.
-
وَإِنَّمَا سَاغَ حذف الْخَبَر هُنَا وَإِن لم يكن ظرفا لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ كَمَا يحذف خبر الْمُبْتَدَأ عِنْد الدّلَالَة عَلَيْهِ نَحْو قَوْلك: من الْقَائِم فَيُقَال: زيد أَي: زيد الْقَائِم.
والجيد أَن يقدر الْمَحْذُوف ظرفا نَحْو: إِن لَك ذَلِك أَي: حق الْقَرَابَة وَلَعَلَّ لَك ذَلِك وَالْمعْنَى وَاحِد إِلَّا أَنه من جِهَة اللَّفْظ صَار على منهاج الْقيَاس. انْتهى كَلَامه.
стр. 5163
وَقَالَ قبل هَذَا: اعْلَم أَن أَخْبَار هَذِه الْحُرُوف إِذا كَانَت ظرفا أَو جاراً ومجروراً فَإِنَّهُ يجوز حذفهَا وَالسُّكُوت على أسمائها وَذَلِكَ لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا والاتساع فِيهَا إِلَى أَن قَالَ: وَلم يَأْتِ ذَلِك إِلَّا فِيمَا كَانَ الْخَبَر فِيهِ ظرفا أَو جاراً ومجروراً. انْتهى.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِن الْخَبَر فِي الْآيَة مَحْذُوف تَقْدِيره: هَلَكُوا قدره الزَّمَخْشَرِيّ بِدلَالَة جَوَاب الشَّرْط عَلَيْهِ أَي: نذيقهم من عَذَاب أَلِيم فَإِن الْآيَة هِيَ إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والباد وَمن يرد فِيهِ بإلحاد بظُلْم نذقه من عَذَاب أَلِيم وَهِي آيَة سُورَة الْحَج.
وَالْعجب من ابْن هِشَام فَإِنَّهُ قَالَ فِي حذف الْخَبَر من بحث المحذوفات من أَوَاخِر الْبَاب الْخَامِس بعد أَن أورد الْبَيْت: وَقد مر الْبَحْث فِي إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وإِن الَّذين كفرُوا بِالذكر لما جَاءَهُم مُسْتَوفى مَعَ أَن الْآيَة الأولى لم يمر لَهَا ذكر وَلَا وَقع لَهُ عَنْهَا بحث فِي الْمُغنِي لَا مُسْتَوفى وَلَا غير مُسْتَوفى.
وَأما الْآيَة الثَّانِيَة وَهِي آيَة حم فصلت فقد مر مِنْهُ الْبَحْث عَنهُ مفصلا مُسْتَوفى فِي الْمِثَال الأول من أَمْثِلَة الْجِهَة الرَّابِعَة.
-
وَقَوله: إِن محلا ... إِلَخ الْمحل والمرتحل: مصدران ميميان بِمَعْنى الْحُلُول والارتحال أَو اسْما زمَان)
أَي وَقت حُلُول وَوقت ارتحال. والحلول بِالْمَكَانِ: النُّزُول
стр. 5164
بِهِ. والارتحال عَنهُ: الِانْتِقَال عَنهُ.
وبالأول فَسرهَا صَاحب التَّلْخِيص. أَي: إِن لنا فِي الدُّنْيَا حلولاً وَإِن لنا عَنْهَا ارتحالاً.
قَالَ السعد: حذف الْمسند وَهُوَ هُنَا ظرف قطعا لقصد الِاخْتِصَار والعدول إِلَى أقوى الدَّلِيلَيْنِ أَعنِي الْعقل مَعَ اتِّبَاع الِاسْتِعْمَال لاطراد الْحَذف فِي نَحْو: إِن مَالا وَإِن ولدا وَإِن زيدا وَإِن عمرا. وَقد وضع سِيبَوَيْهٍ لهَذَا بَابا فَقَالَ: هَذَا بَاب إِن مَالا وَإِن ولدا.
قَالَ عبد القاهر: لَو أسقطت إِن لم يحسن الْحَذف أَو لم يجز لِأَنَّهَا الحاضنة لَهُ والمتكلفة بِشَأْنِهِ والمترجمة عَنهُ. وَفِيه أَيْضا ضيق الْمقَام والمحافظة على الشّعْر. انْتهى.
وَقَوله: أقوى الدَّلِيلَيْنِ ... إِلَخ أَشَارَ إِلَى أَن قرينَة الْحَذف فِي الْبَيْت حَالية بِخِلَاف مَا قبله من الْأَمْثِلَة فَإِن مقالتها لفظية.
قَالَ ابْن يعِيش: قَوْلهم: إِن مَالا وَإِن ولدا وَإِن عددا كَأَنَّهُ وَقع فِي جَوَاب: ألهم مَال وَولد وَعدد فَقيل: ذَلِك أَي: إِن لَهُم مَالا وَإِن لَهُم ولدا. وَلم يحْتَج إِلَى إِظْهَاره لتقدم السُّؤَال عَنهُ.
وَقَول السعد: وَقد وضع سِيبَوَيْهٍ لهَذَا بَابا فَقَالَ: هَذَا بَاب إِن مَالا أَقُول: لَيست تَرْجَمَة الْبَاب مَا ذكره وَإِنَّمَا هِيَ: هَذَا بَاب مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت فِي هَذِه الأحرف الْخَمْسَة لإضمارك مَا يكون مُسْتَقرًّا لَهَا وموضعاً لَو أظهرته.
وَلَيْسَ هَذَا الْمُضمر بِنَفس الْمظهر. وَذَلِكَ إِن مَالا وَإِن ولدا وَإِن عددا أَي: إِن لَهُم مَالا إِلَى آخر مَا ذكره.
-
وَتَقْدِير الْخَبَر مقدما فِي الْبَيْت وَغَيره إِنَّمَا هُوَ الأولى وَلَيْسَ بِوَاجِب لتنكير الِاسْم لِأَن الْإِخْبَار عَن النكرَة فِي بَاب إِن جَائِز كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَتَبعهُ الشَّارِح هُنَا.
وَكَأن ابْن الملا لم يمر بِهِ هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ فِي شرح الْمُغنِي: وَإِنَّمَا جعل التَّقْدِير إِن لنا حلولاً دون إِن حلولاً لنا مَعَ أَنه الأَصْل لما أَن هَذَا الْخَبَر لَو ذكر
стр. 5165
لَكَانَ وَاجِب التَّقْدِيم لكَون الِاسْم نكرَة وكل مُقَدّر صناعَة إِنَّمَا قدر فِي الْموضع الَّذِي يَلِيق بِهِ. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: وَإِن فِي السّفر: هُوَ جمع سَافر قَالَ صَاحب الصِّحَاح: سفرت أَسْفر سفوراً: خرجت إِلَى السّفر فَأَنا سَافر وَقوم سفر مثل صَاحب وَصَحب وسفار مثل رَاكب وركاب.
وَالسّفر بِفتْحَتَيْنِ: قطع الْمسَافَة. انْتهى.
وَإِلَيْهِ ذهب السعد فَقَالَ: السّفر: جمع سَافر. قَالَ: وَالسّفر: الرفاق قد توغلوا فِي الْمُضِيّ لَا)
رُجُوع لَهُم. وَنحن على إثرهم عَن قريب.
وَقد غفل صَاحب الْقَامُوس عَن كَلَام الصِّحَاح فَقَالَ: السافر: الْمُسَافِر وَلَا فعل لَهُ. وَتَبعهُ ابْن الملا فَقَالَ: السّفر اسْم مُفْرد وضع لِمَعْنى الْجمع عِنْد سِيبَوَيْهٍ بِدَلِيل تصغيره على لَفظه فَهُوَ اسْم جمع لسافر بِمَعْنى مُسَافر لَا فعل لَهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب الْقَامُوس أَو جمع مكسر لَهُ عِنْد الْأَخْفَش.
وَهَذَا الْخلاف جَار فِي كل مَا يَجِيء من تركيبه اسْم يَقع على الْوَاحِد كصاحب من صحب وراكب من ركب بِخِلَاف نَحْو غنم ورهط فَإِنَّهُ اسْم جمع اتِّفَاقًا. والسافر: الْخَارِج إِلَى السّفر.
وَالسّفر: الخارجون إِلَيْهِ. هَذَا كَلَامه.
وَإِنَّمَا قدر الشَّارِح الْمُحَقق مُضَافا قبل السّفر تبعا لِابْنِ يعِيش ليَصِح الْحمل فَإِن الظّرْف خبر عَن قَوْله: مهلا بِفتْحَتَيْنِ.
قَالَ ابْن يعِيش: يَقُول: فِي رحيل من رَحل وَمضى مهل أَي: لَا يرجع. والمهل: السَّبق. انْتهى.
стр. 5166
-
ومجيئه بهَا الْمَعْنى مَعْرُوف. قَالَ السكرِي فِي شرح ديوَان الأخطل عِنْد قَوْله فِي عبد الله بن مُعَاوِيَة:
(قرم تمهل فِي أُميَّة لم يكن ... فِيهَا بِذِي أبن وَلَا خوار)
الْمهل: السَّبق والتقدم. والأبن: العوج وَالْعقد تكون فِي الْعود. والخوار: الضَّعِيف.
وَلم يذكر هَذَا الْمَعْنى فِي الصِّحَاح وَلَا فِي الْقَامُوس إِلَّا أَنه فِيهِ: الْمهل: التَّقَدُّم بِالْخَيرِ. وَأَرَادَ بِالسَّبقِ والفوت عدم الرُّجُوع.
وسبقهما الأعلم قَالَ: أَرَادَ بِالسَّفرِ من رَحل من الدُّنْيَا. فَيَقُول: فِي رحيل من رَحل وَمضى مهل أَي: لَا يرجع. انْتهى.
وَذهب ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ إِلَى أَن الْمهل فِيهِ بِمَعْنى الْإِمْهَال والتأني. قَالَ: مَعْنَاهُ أَنهم يَقُولُونَ إِن لنا محلا فغي الدُّنْيَا وارتحالاً بِالْمَوْتِ وَإِن فِي مُضِيّ من قبلنَا يَعْنِي: موت من يَمُوت مهلة لنا.
لأَنا نبقى بعدهمْ وَهُوَ معنى الْإِمْهَال.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: أَي إِن لنا حلولاً فِي الدُّنْيَا وارتحالاً عَنْهَا إِلَى الْآخِرَة وَإِن فِي الْجَمَاعَة الَّذين مَاتُوا قبلنَا إمهالاً لنا لأَنهم مضوا قبلنَا وَبَقينَا بعدهمْ.
قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ فِيمَا كتبه على الْمُغنِي: فِيهِ تَنْبِيه على أَن الْمهل هُوَ الْإِمْهَال الْمُتَعَدِّي بِمَعْنى)
الإنظار.
стр. 5167
وَلم أر فِي كتب اللُّغَة مهلته مهلا بِالْفَتْح: أنظرته. وَلَكِن مهل مهلا بِالْفَتْح: ضد عجل. وأمهلته: أنظرته.
وَفِي الحَدِيث: إِذا سِرْتُمْ إِلَى الْعَدو فمهلاً مهلا وَإِذا وَقعت الْعين على الْعين
فمهلاً مهلا.
فالأولان بِالسُّكُونِ بِمَعْنى التأني والآخران بِالْفَتْح بِمَعْنى التَّقَدُّم. أَي: إِذا سِرْتُمْ فتأنوا وَإِذا لَقِيتُم فاحملوا. انْتهى.
وَنقل ابْن الملا عَن أبي عُبَيْدَة انه قَالَ: الْمَعْنى: إِن منا مُقيما وَإِن منا مُسَافِرًا وَإِن فِي السّفر إِذا مضوا مهلا أَي: ذَهَابًا لَا يرجعُونَ بعده وَيجوز أَن يكون مهلا بِمَعْنى عِبْرَة. يُرِيد: إِن فِيمَن مَاتَ عِبْرَة للأحياء. وَإِذ هُنَا: ظرف عَامله مَا بعده.
وَظَاهر كَلَام ابْن الْحَاجِب السَّابِق أَنَّهَا بدل من قَوْله: فِي السّفر. وَقيل: هِيَ للتَّعْلِيل هُنَا. وَهل هَذِه حرف بِمَنْزِلَة لَام الْعلَّة أَو ظرف وَالتَّعْلِيل مُسْتَفَاد من قُوَّة الْكَلَام لَا من اللَّفْظ قَولَانِ.
وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ: وَإِن فِي السّفر مَا مضى مهلا وَعَلَيْهَا يكون السّفر مُفردا وَصفا كصعب بِمَعْنى الْمُسَافِر. قَالَ فِي الْقَامُوس: يُقَال: رجل سفر.
وَرُوِيَ فِي كِتَابه أَيْضا:
стр. 5168
وَإِن فِي السّفر مَا مضى مثلا قَالَ الأعلم: أَي: فِيمَن مضى مثل لمن بَقِي أَي: سيفنى كَمَا فني هَذَا. وَالْبَيْت مطلع قصيدة للأعشى مَيْمُون مدح بهَا سَلامَة ذَا فائش الْحِمْيَرِي. وَبعده:
(اسْتَأْثر الله بِالْوَفَاءِ وبال ... عدل وَولى الْمَلَامَة الرجلا)
إِلَى أَن قَالَ:
(أصبح ذُو فائش سَلامَة ذُو التف ... ضال هشاً فُؤَاده جذلا)
(أَبْلَج لَا يرهب الهزال وَلَا ... ينْقض عهدا وَلَا يخون إِلَّا)
(يَا خير من يركب الْمطِي وَلَا ... يشرب كأساً بكف من بخلا)
(قلدتك الشّعْر يَا سَلامَة ذَا ال ... تفضال وَالشعر حَيْثُمَا جعلا)
(وَالشعر يسْتَنْزل الْكَرِيم كَمَا اس ... تنزل رعد السحابة السبلا))
روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى سماك بن حَرْب أَن الْأَعْشَى قَالَ: أتيت سَلامَة ذَا فائش وأطلت الْمقَام بِبَابِهِ حَتَّى وصلت إِلَيْهِ بعد مُدَّة وأنشدته هَذِه القصيدة قَالَ: صدقت الشّعْر حَيْثُمَا جعل. وَأمر لي بِمِائَة من الْإِبِل وكساني حللاً وَأَعْطَانِي كرشاً مدبوغة مَمْلُوءَة عنبراً فبعتها بِالْحيرَةِ بثلثمائة نَاقَة حَمْرَاء.
стр. 5169
-
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب. واستأثر الله بِكَذَا أَي: اخْتصَّ بِهِ.
وانشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(خلا أَن حَيا من قُرَيْش تفضلوا ... على النَّاس أَو أَن الأكارم نَهْشَلَا)
على أَن هَذَا الْبَيْت يرد على الْكُوفِيّين فِي اشتراطهم لحذف الْخَبَر تنكير الِاسْم وعَلى الْفراء فِي اشْتِرَاطه تَكْرِير أَن فَإِنَّهُ حذف خبر أَن الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الثَّانِيَة وبدلالة مَا قبله تَقْدِيره: تفضلوا.
وَاسْمهَا معرفَة وَهِي غير مكررة. وَأما أَن الأولى الْمَفْتُوحَة الْهمزَة أَيْضا فخبرها مَذْكُور.
وَقَول الشَّارِح: وَقَالَ الشَّاعِر مَعْطُوف على قَوْله: رُوِيَ أَن الْمُهَاجِرين قَالُوا: يَا رَسُول الله. . إِلَخ.
إِن محلا وَإِن مرتحلا
стр. 5170
وأصحابنا
يجيزون حذف خبر إِن مَعَ الْمعرفَة والكوفيون يأبون حذف خَبَرهَا إِلَّا مَعَ النكرَة.
فَأَما احتجاج أبي الْعَبَّاس عَلَيْهِم بقوله:
(خلا أَن حَيا من قُرَيْش تفضلوا ... على النَّاس أَو أَن الأكارم نَهْشَلَا)
أَي: وَأَن الأكارم نَهْشَلَا فضلوا. فقد قَالَ أَبُو عَليّ: هَذَا لَا يلْزمهُم لِأَن لَهُم أَن يَقُولُوا: إِنَّمَا منعنَا حذف خبر الْمعرفَة مَعَ إِن الْمَكْسُورَة فَأَما مَعَ أَن الْمَفْتُوحَة فَلَا نمنعه.
قَالَ: وَوجه فصلهم فِيهِ بَين الْمَكْسُورَة والمفتوحة أَن الْمَكْسُورَة حذف خَبَرهَا كَمَا حذف خبر نقيضها وَهُوَ قَوْلهم: لَا بَأْس وَلَا شكّ أَي: عَلَيْك وَفِيه. فَكَمَا أَن لَا تخْتَص بالنكرات فَكَذَلِك إِنَّمَا يشبهها نقيضها فِي حذف الْخَبَر مَعَ النكرَة أَيْضا. انْتهى.
وَقد أجْرى الْخلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين وَلم يجر للفراء ذكرا وَأفَاد أَن أَو بِمَعْنى الْوَاو وخلا من أدوات الِاسْتِثْنَاء وَأَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَفْتُوحَة.
والحي: الْقَبِيلَة. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بتنكيره بني هَاشم. وَمن قُرَيْش صفة لحي. وتفضلوا: خبر أَن.)
وَمَعْنَاهُ: رجحوا على النَّاس بِالْفَضْلِ والمزية. والأكارم: جمع أكْرم.
ونهشلاً: بدل من الأكارم. ونهشل هُوَ أَبُو قَبيلَة وَهُوَ نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن وَالْبَيْت نسبه ابْن يعِيش إِلَى الأخطل. وَله فِي ديوانه قصيدة على هَذَا الْوَزْن والروي وَلم أَجِدهُ فِيهَا. وَالله أعلم.
стр. 5171
وَكَذَا نسبه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ إِلَى الأخطل وَقَالَ: أَرَادَ: أَو أَن الأكارم
نَهْشَلَا تفضلوا على النَّاس. وَالْبَيْت آخر القصيدة. هَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(لَيْت شعري مُسَافر بن أبي عَم ... رو وليت يَقُولهَا المحزون)
على أَن الِاسْتِفْهَام بعد لَيْت شعري قد يحذف كَمَا فِي الْبَيْت وَتَقْدِيره: لَيْت شعري أتجتمع أم لَا.
وَهُوَ فِي هَذَا تَابع لِابْنِ الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل وَهُوَ مَبْنِيّ على رِوَايَة صَاحب الأغاني والسهيلي لهَذَا الشّعْر فَإِنَّهُمَا رويا بعده:
(بورك الْمَيِّت الْغَرِيب كَمَا بو ... رك غُصْن الريحان وَالزَّيْتُون)
(أَي شَيْء دهاك أم غال مرآ ... ك وَهل أقدمت عَلَيْك الْمنون)
стр. 5172
فَهَذَا هُوَ الِاسْتِفْهَام الَّذِي يَأْتِي بعد لَيْت شعري فَلَا حذف فِيهِ. غَايَته أَنه
فصل بَينهمَا باعتراض بجملتين: إِحْدَاهمَا: مُسَافر بن أبي عَمْرو.
وَالثَّانيَِة: وليت يَقُولهَا المحزون. وكأنهما لم يقفا عَلَيْهِ.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: ومسافر منادى يَعْنِي أَنه مَبْنِيّ على الضَّم. وَيجوز فَتحه لوصفه بِابْن لِأَن ابْنا مُضَاف إِلَى مَا هُوَ كَالْعلمِ لشهرته بِهِ.
قَالَ النّحاس: مُسَافر: نِدَاء وَهُوَ مضموم فِيمَا قرأته على أبي إِسْحَاق. وَقد قيل: إِنَّه مَفْتُوح كَمَا تَقول: يَا زيد بن عبد الله. انْتهى.
وَمرَاده الرَّد على الأعلم الشنتمري. من وَجْهَيْن فَإِنَّهُ قَالَ: نصب مُسَافر على معنى شعري خبر)
مُسَافر أَي: لَيْتَني أعلم خَبره فَحذف الْخَبَر الْمَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ وَأقَام مُسَافر مقَامه. وَيجوز رَفعه على خبر لَيْت. انْتهى.
ولغفلته عَن كَونه منادى توهم الْفَتْح أَنه مفعول شعري على حذف مُضَاف. وَفِيه غَفلَة أُخْرَى عَن أَن مفعول شعري هُنَا إِنَّمَا يكون جملَة اسْتِفْهَام وتوهم الضَّم أَنه خبر لَيْت. وَفِيه غَفلَة وَقَول الشَّارِح: وَهَذَا الِاسْتِفْهَام مفعول شعري. . إِلَخ هَذَا التَّحْقِيق لِابْنِ جني كَمَا يَأْتِي.
وَقَوله أَيْضا: وَقَالَ المُصَنّف: الِاسْتِفْهَام قَائِم مقَام الْخَبَر هَذَا القَوْل لَيْسَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَابع.
قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل وَغَيره: وَذهب الْمبرد والزجاج إِلَى أَن جملَة الِاسْتِفْهَام هِيَ الْخَبَر وموضعها رفع وشعري ملغى. ورد بِأَن الطّلب لَا يكون خَبرا لليت وَبِأَن الْجُمْلَة لَا رابط فِيهَا. وَنسبه فِي الإفصاح إِلَى سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وتحقيقه أَن شعري بِمَعْنى مشعوري فالجملة نفس الْمُبْتَدَأ فَلَا يحْتَاج إِلَى رابط. انْتهى.
стр. 5173
قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل بعد نقل هَذَا: قلت: يَنْبَغِي أَن يكون أصل التَّقْدِير: لَيْت مشعوري جَوَاب هَل قَامَ زيد فالجملة مُرَاد بهَا لَفظهَا أَي: جَوَاب هَذَا اللَّفْظ ثمَّ حذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. وَالْمعْنَى: لَيْت معلومي
قيام زيد أَو عدم قِيَامه لِأَن أحد هذَيْن الْأَمريْنِ جَوَاب الِاسْتِفْهَام فَلَو لم يعْتَبر هَذَا الْحَذف لم يستقم ظَاهرا. انْتهى.
وَقَوله أَيْضا: وَقَالَ ابْن يعِيش الِاسْتِفْهَام سَاد مسد الْخَبَر هَذَا أَيْضا لَيْسَ لِابْنِ يعِيش وَإِنَّمَا هُوَ لغيره.
قَالَ ابْن جني عِنْد قَول الحماسي:
(لَيْت شعري ضلةً ... أَي شَيْء قَتلك)
وَذَلِكَ أَن قَوْله: أَي شَيْء قَتلك جملَة استفهامية مَنْصُوبَة الْموضع بشعري الَّذِي هُوَ مصدر شَعرت.
تَقول: شَعرت بِهِ شَعْرَة فَهِيَ فعلة كالدرية والفطنة غير أَن الْهَاء حذفت مَعَ الْإِضَافَة كَقَوْلِهِم: هُوَ أَبُو عذرها وَإِنَّمَا هِيَ الْعذرَة. قَالَ:
(دِمَاؤُهُمْ لَيْسَ لَهَا طَالب ... مطلولة مثل دم العذره)
فَهُوَ كَقَوْلِك: لَيْتَني أشعر أَي شَيْء قَتلك كَقَوْلِك: قد علمت أَي شَيْء قَتلك وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: لَيْت شعري أَي شَيْء قَتلك وَاقع أَو كَائِن أَو نَحْو ذَلِك. فَحذف الْخَبَر وَصَارَ طول)
الْكَلَام بمعمول شعري بَدَلا فِي اللَّفْظ مِنْهُ وساداً بِطُولِهِ مسده. وانتصب صلَة بِمَا دلّ عَلَيْهِ لَيْت شعري.
أَلا ترى أَنه إِذا
стр. 5174
تمنى علم الشَّيْء فقد اعْترف بضلاله عَنهُ. وَالتَّقْدِير: ضللت عَن
معرفَة قَاتلك ضلة. انْتهى.
فَصَاحب هَذَا القَوْل اعْترف بِحَذْف الْخَبَر لطول الْكَلَام بجملة الِاسْتِفْهَام وَجُمْلَة الِاسْتِفْهَام نائبة عَن الْخَبَر فورد عَلَيْهِ مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق.
فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا مثل ضربي زيدا قَائِما فَإِن الْحَال سدت مسد الْخَبَر كَمَا ذكره الشَّارِح قلت: الْخَبَر يقدر قبلهَا وَلَيْسَت حَالا من زيد. وَالتَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور: ضربي زيدا إِذا كَانَ قَائِما فَالْخَبَر زمَان مُضَاف إِلَى فعل صَاحبهَا الْمُسْتَتر فِي كَانَ.
وَعند الْأَخْفَش: ضربي زيدا ضربه قَائِما. فَالْخَبَر ضربه الْمَحْذُوف وصاحبها الْهَاء. فَلَيْسَتْ الْحَال فِي التَّقْدِيرَيْنِ من ذيول الْمصدر الْمَذْكُور. فَظهر وَجه اعْتِرَاض الشَّارِح الْمُحَقق.
هَذَا. وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت فِي بَاب تَسْمِيَة الْحُرُوف والكلم الَّتِي تسْتَعْمل وَلَيْسَت ظروفاً وَلَا أَسمَاء وَلَا أفعالاً.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي إِعْرَاب لَيْت وتأنيثها لِأَنَّهُ جعلهَا اسْما للكلمة وَأخْبر عَنْهَا كَمَا يخبر عَن الِاسْم الْمُؤَنَّث.
والبيتان الْمَذْكُورَان أَولا من تِسْعَة أَبْيَات لأبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ َ رثى بهَا مُسَافِرًا الْمَذْكُور. وبعدهما:
стр. 5175
(أَنا حاميك مثل آبَائِي الزه ... ر لآبائك الَّتِي لَا تهون)
(ميت صدق على هيالة أمسي ... ت وَمن دون ملتقاك الْحجُون)
(بورك الْمَيِّت الْغَرِيب كَمَا بو ... رك نضح الرُّمَّان وَالزَّيْتُون)
(كنت لي عدَّة وفوقك لَا فو ... ق فقد صرت لَيْسَ دُونك دون)
(كنت مولى وصاحباً صَادِق الخب ... رة حَقًا وخلةً لَا تخون)
(فَعَلَيْك السَّلَام مني كثيرا ... أنفدت ماءها عَلَيْك الشؤون)
هَذَا مَا فِي ديوَان أبي طَالب. وروى صَاحب الأغاني مَا بعد الْبَيْت الأول كَذَا:
(رَجَعَ الركب سَالِمين جَمِيعًا ... وخليلي فِي مرمس مدفون))
(بورك الْمَيِّت الْغَرِيب كَمَا بو ... رك غُصْن الريحان وَالزَّيْتُون)
(ميت صدق على هبالة قد حا ... لت فياف من دونه وحزون)
(مَدَرَة يدْفع الْخُصُوم بأيد ... وبوجه يزينه الْعرنِين)
(كم خَلِيل رزئته وَابْن عَم ... وحميم قَضَت عَلَيْهِ الْمنون)
(فتعزيت بالتأسي وبالصب ... ر وَإِنِّي بصاحبي لضنين)
стр. 5176
وَنسب السُّهيْلي هَذَا الشّعْر لأبي سُفْيَان وَأورد بعد الْبَيْت الأول: بورك الْمَيِّت الْغَرِيب إِلَخ وَقَالَ: قَالَه فِي مُسَافر بن أبي عَمْرو بن أُميَّة وَاسم أبي عَمْرو ذكْوَان وَكَانَ مُسَافر مَاتَ فِي حب صعبة بنت الْحَضْرَمِيّ.
وَهَذَا بِخِلَاف مَا أوردهُ صَاحب الأغاني قَالَ: إِن مُسَافر بن أبي عَمْرو كَانَ من فتيَان قُرَيْش جمالاً وسخاء وشعراً عشق بنت عتبَة بن ربيعَة فعشقته واتهم بهَا فَحملت مِنْهُ فَلَمَّا بَان حملهَا أَو كَاد قَالَت: اخْرُج. فَخرج حَتَّى أَتَى الْحيرَة. ثمَّ إِنَّه ألْقى أَبَا سُفْيَان فَسَأَلَهُ عَن حَال قُرَيْش وَالنَّاس فَأخْبرهُ وَقَالَ فِيمَا قَالَه: وَتَزَوَّجت عِنْد بنت عتبَة. فدخله من ذَلِك مَا أعله حَتَّى استسقى بَطْنه فدعي لَهُ بالأطباء فَقَالُوا: لَا دَوَاء لَهُ غير الكي فأحمى الَّذِي يعالجه المكاوي فَلَمَّا صَارَت كالنار قَالَ: ادْع أَقْوَامًا يمسكونك. فَقَالَ مُسَافر: لست أحتاج إِلَى ذَلِك.
فَجعل يضع المكاوي عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى جلده ضرط الطَّبِيب فَقَالَ مُسَافر: العير يضرط والمكواة فِي النَّار فَذَهَبت مثلا. فَلم يَزْدَدْ إِلَّا ثقلاً فَخرج يُرِيد مَكَّة فَلَمَّا انْتهى إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ: هبالة مَاتَ فَدفن بهَا ونعي إِلَى قُرَيْش فَقَالَ أَبُو طَالب هَذَا الشّعْر.
وَقَالَ النَّوْفَلِي فِي خَبره: وحَدثني أَنه إِنَّمَا ذهب مُسَافر إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر يتَعَرَّض لإصابة مَال ينْكح بِهِ هنداً فَأكْرمه النُّعْمَان واستظرفه ونادمه وَضرب عَلَيْهِ قبَّة من أَدَم. وَكَانَ الْملك إِذا فعل بِرَجُل عرف قدره مِنْهُ ومكانه عِنْده.
وَقدم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فِي بعض تجاراته فَسَأَلَهُ مُسَافر عَن حَال النَّاس بِمَكَّة
فَذكر أَنه تزوج هنداً فاضطرب مُسَافر واعتل حَتَّى مَاتَ. قَالَ بعض النَّاس: إِنَّه استسقى بَطْنه فكوي فَمَاتَ بِهَذَا السَّبَب.
стр. 5177
ثمَّ أورد صَاحب الأغاني حِكَايَة هِنْد بنت عتبَة وطلاقها من زَوجهَا الْفَاكِه بن الْمُغيرَة)
وَتَزَوجهَا بِأبي سُفْيَان. انْتهى.
وَكَذَا أورد الْحِكَايَة الْمفضل بن سَلمَة فِي كتاب الفاخر قَالَ: روى أَبُو الْحسن الدِّمَشْقِي أَن مُسَافر بن أبي عَمْرو بن أُميَّة بن عبد شمس كَانَ يهوى هنداً بنت عتبَة وَكَانَت تهواه فَقَالَت لَهُ: إِن أَهلِي لَا يزوجونني مِنْك لِأَنَّك مُعسر فَلَو وفدت إِلَى بعض الْمُلُوك لَعَلَّك تصيب مَالا. فَرَحل إِلَى الْحيرَة وافداً إِلَى النُّعْمَان فَبينا هُوَ مُقيم عِنْده. إِذْ قدم عَلَيْهِ قادم من مَكَّة فَسَأَلَهُ عَن خبر أهل مَكَّة بعده فَأخْبرهُ بأَشْيَاء كَانَ فِيهَا أَن أَبَا سُفْيَان تزوج هنداً. فطعن من الْغم فَأمر النُّعْمَان بن أَن يكوى فَأَتَاهُ الطَّبِيب بمكاويه فَجَعلهَا فِي النَّار ثمَّ وضع مكواة مِنْهَا عَلَيْهِ وعلج من علوج النُّعْمَان وَاقِف فَلَمَّا رَآهُ يكوى ضرط فَقَالَ مُسَافر: قد يضرط العير والمكواة فِي النَّار. وَيُقَال إِن الطَّبِيب ضرط. انْتهى.
وَأثْنى عَلَيْهِ الزبير بر بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش قَالَ: كَانَ أزواد الركب من قُرَيْش ثَلَاثَة: مُسَافر بن أبي عَمْرو بن أُميَّة وَزَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى وَأَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَإِنَّمَا قيل لَهُم أزواد الركب لأَنهم كَانُوا إِذا سافروا لم يتزود مَعَهم أحد.
وَقَوله: أَي شَيْء دهاك من دهاه الْأَمر يدهاه دهياً إِذا نزل بِهِ مَا لَا يُطيق
دَفعه بَغْتَة. وَمِنْه الداهية وَهِي النائبة والنازلة. وغاله غولاً إِذا أهلكه على غَفلَة. وَالِاسْم الغيلة بِالْكَسْرِ.
والمرأى بِفَتْح الْمِيم: المنظر الْحسن. والمنون بِفَتْح الْمِيم: الْمَوْت.
стр. 5178
وَقَوله: أَنا حاميك. . إِلَخ حماه يحميه إِذا دفع عَنهُ مَا يكره من سوء الْمقَال. والزهر: جمع أَزْهَر وَهُوَ الْأَبْيَض يُرِيد بِهِ النقي من الذَّم وَالْعَيْب. وَاللَّام بِمَعْنى من أجل.
وتهون: مضارع هان هونا بِالضَّمِّ إِذا ذل وحقر. والمهانة: الذل والضعف.
وَقَوله: ميت صدق. . إِلَخ قَالَ الصَّاغَانِي: كل مَا نسب إِلَى الصّلاح وَالْخَيْر أضيف إِلَى الصدْق فَقيل: رجل صدق وصديق صدق.
قَالَ تَعَالَى: وَلَقَد بوأنا بني إِسْرَائِيل مبوأ صدق أَي: أنزلناهم منزلا صَالحا. وتبالة بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة بعْدهَا مُوَحدَة: اسْم قَرْيَة بِالطَّائِف.
وَقَالَ أَبُو هفان: تبَالَة عرض من أَعْرَاض مَكَّة. وأمسيت بِالْخِطَابِ. والحجون بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم: جبل مشرف بِمَكَّة.)
وَقَوله: بورك الْمَيِّت. . إِلَخ جملَة دعائية. وَالْبركَة: الزِّيَادَة. والنضح بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا حاء مُهْملَة قَالَ أَبُو هفان: النَّضْح: الْقَلِيل والنضخ: الْكثير.
فِي الصِّحَاح: الْأَصْمَعِي: نضح الشّجر إِذا تفطر ليخرج ورقه. وَأَرَادَ بِهِ اسْم الْمَفْعُول أَي: الْفُرُوع المنشقة عِنْدَمَا يخرج. وَالزَّيْتُون: مَعْطُوف على نضح.
-
وَقَوله: كَانَ مِنْك الْيَقِين ... إِلَخ قَالَ أَبُو هفان: يَقُول: لَا أصدق بِالْيَقِينِ فِي موتك استعظاماً لمَوْته. ورجمتك بتَشْديد الْجِيم: مُبَالغَة رجمه بِالْغَيْبِ أَي: ظن فِيهِ من غير دَلِيل.
стр. 5179
وَقَوله: كنت مولى. . إِلَخ قَالَ أَبُو هفان: الْمولى: ابْن الْعم. والخلة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: الصّديق وَأَصله الْمصدر أطلق مُبَالغَة.
وَقَوله: فَعَلَيْك السَّلَام. . إِلَخ هَذَا سَلام مُودع. وأنفدت بِالدَّال الْمُهْملَة بِمَعْنى أفنت.
وماءها: مفعول مقدم. والشؤون: مواصل قبائل الرَّأْس وملتقاها وَمِنْهَا تَجِيء الدُّمُوع.
وَقَوله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: فِي مرمس مدفون المرمس كالمدفن وزنا وَمعنى.
وَقَوله: مدره يدْفع. . إِلَخ المدره بِكَسْر الْمِيم وَآخره هَاء قَالَ الْجَوْهَرِي: درهت عَن الْقَوْم: دفعت عَنْهُم مثل درأت وَهُوَ مبدل مِنْهُ. والمدره: زعيم الْقَوْم والمتكلم عَنْهُم. وَالْأَيْدِي: جمع يَد وَهِي الْقُوَّة.
ومسافر الْمَذْكُور مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة أبي طَالب فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين.
-
وَأنْشد بعده: على أَنه يجوز فِي بَاب إِن الْإِخْبَار عَن نكرَة بنكرة كَمَا فِي هَذَا المصراع. وَتَمَامه: فَهَل عِنْد رسم دارس من معول وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد السبعمائة.
стр. 5180
وَأنْشد بعده: أظبي كَانَ أمك أم حمَار على أَنه يجوز فِي بَاب كَانَ الْإِخْبَار عَن النكرَة بالمعرفة كَمَا فِي هَذَا المصراع. وَهُوَ عجز وصدره: فَإنَّك لَا تبالي بعد حول وَتقدم شَرحه هُنَاكَ فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.)
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(فليت كفافاً كَانَ خبرك كُله ... وشرك عني مَا ارتوى المَاء مرتوي)
على أَنه يجوز أَن يكون كفافاً اسْم لَيْت وَجُمْلَة كَانَ: خَبَرهَا وَاسْمهَا الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهَا الرَّاجِع إِلَى كفاف وخبرها خيرك بِالنّصب فَيكون اسْم كَانَ أَيْضا نكرَة كاسم لَيْت لكَونه رَاجعا إِلَى كفاف.
وَهَذَا كَمَا قدمه فِي بَاب النكرَة والمعرفة وَفِي بَاب كَانَ: أَن الضَّمِير الْعَائِد إِلَى نكرَة نكرَة. وَهَذَا مَذْهَب بعض النَّحْوِيين. وَعند الْجُمْهُور معرفَة مُطلقًا.
وَقد تكلم على هَذَا الْبَيْت أَبُو عَليّ فِي تَذكرته وتلميذه أَبُو طَالب الْعَبْدي وَابْن الشجري فِي مجلسين من أَمَالِيهِ ولخص مِنْهَا ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ وَأَبُو حَيَّان فِي تَذكرته وَغَيرهم.
وَلم يذكر
стр. 5181
أحد مِنْهُم رِوَايَة نصب خيرك إِلَّا صَاحب اللّبَاب قَالَ فِيمَا علقه عَلَيْهِ: ذكر عبد القاهر فِي هَذَا الْبَيْت وَجها آخر يُخرجهُ عَمَّا نَحن فِيهِ من إِضْمَار الشَّأْن: أَن كفافاً اسْم لَيْت وَفِي كَانَ ضَمِيره وخيرك مَنْصُوب بالخبرية. وَكَذَا شرك على معنى: فليت شَيْئا مكفوفاً كَانَ هُوَ خيرك كُله وشرك. انْتهى.
وَأفَاد فائدتين: إِحْدَاهمَا: أَن قَوْله: وشرك مَنْصُوب فِي رِوَايَة نصب خيرك وَالثَّانيَِة: أَن كفافاً مصدر مؤول باسم الْمَفْعُول على تَقْدِير مَوْصُوف.
وَفِي مسَائِل الْخلاف لِابْنِ الْأَنْبَارِي مَا يُشِير إِلَى رِوَايَة النصب أَيْضا وَلَكِن
الْمَعْنى عَلَيْهَا يكون على الْقلب كَمَا يشْهد بِهِ الذَّوْق السَّلِيم. وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يكون عني مُتَعَلقا بِمَحْذُوف على أَنه حَال من شَرّ أَي: حَال كَونه مُنْفَصِلا عني.
وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بالضمير فِي كَانَ الْعَائِد على كفاف كَمَا ذكرُوا أَن الظّرْف يتَعَلَّق بالضمير فِي قَوْله:
(وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتم ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المرجم)
وَلَا بكفاف الْمَذْكُور أَيْضا لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يعْمل بعد مُضِيّ خَبره وَيكون مرتوي فَاعل ارتوى)
وَالْمَاء: مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية أَي: مُدَّة دوَام المرتوي بِالْمَاءِ.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَإِن رُوِيَ بِرَفْعِهِ أَي: بِرَفْع خيرك فاسم لَيْت ضمير شَأْن مَحْذُوف.
وَهَذَا على مَا تقدم مِنْهُ قَرِيبا من أَن أَسمَاء هَذِه الْحُرُوف لَا يجوز حذفهَا فِي الشّعْر إِلَّا إِذا كَانَت ضمائر الشَّأْن. وَهُوَ مَذْهَب صَاحب اللّبَاب قَالَ: وَلَا يحذف اسْمهَا إِلَّا إِذا كَانَ ضمير الشَّأْن.
وَكَذَا قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على هَذَا الْبَيْت.
стр. 5182
وَجوز غَيرهم أَن يكون الْمَحْذُوف ضمير الْمُخَاطب. قَالَ ابْن الشجري فِي الْمجْلس الأول وَهُوَ الْمجْلس الثَّامِن وَالْعشْرُونَ وَتَبعهُ ابْن هِشَام: إِن اسْم لَيْت ضمير مَحْذُوف. وَحذف هَذَا النَّحْو مِمَّا فَإِن شِئْت قدرته ضمير الشَّأْن والْحَدِيث وَإِن شِئْت قدرته ضمير الْمُخَاطب. وكفافاً مَعْنَاهُ كافاً وَهُوَ خبر كَانَ وخيرك اسْمهَا وَالْجُمْلَة خبر اسْم لَيْت.
وَالتَّقْدِير على الأول فليته كَانَ خيرك كفافاً وَلَا يحْتَاج إِلَى الضَّمِير الرابط لِأَن الْجُمْلَة نَفسهَا هِيَ الشَّأْن. وعَلى التَّقْدِير الثَّانِي: فليتك كَانَ كفافاً خيرك والعائد على اسْم لَيْت الْكَاف من خيرك. وَمثله فِي حذف الضَّمِير على التَّقْدِيرَيْنِ قَول الآخر:
(فليت دفعت الْهم عني سَاعَة ... فبتنا على مَا خيلت ناعمي بَال)
أَرَادَ: فليته أَو فليتك. انْتهى.
وَظَاهر كَلَام هَؤُلَاءِ أَنه لَا يجوز جعل كفافاً اسْم لَيْت مَعَ رِوَايَة الرّفْع. وَهُوَ مُسلم إِن كَانَت كَانَ تَامَّة.
قَالَ ابْن الشجري وَتَبعهُ ابْن هِشَام: فَإِن قلت: هَل يجوز أَن ينصب بليت وَتجْعَل كَانَ مستغنية بمرفوعها بِمَعْنى حدث وَوَقع ويخبر بِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ كَانَ وفاعلها عَن كفاف.
فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك لَا يَصح لخلو الْجُمْلَة عَن عَائِد. فَلَو قلت: لَيْت زيدا قَامَ عَمْرو لم يجز لعدم ضمير فِي اللَّفْظ وَفِي التَّقْدِير.
فَإِن قلت: إِلَيْهِ أَو مَعَه أَو نَحْو ذَلِك صَحَّ الْكَلَام. انْتهى.
وَأما إِن كَانَت نَاقِصَة فَجَائِز. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: يَصح جعل كفافاً اسْم لَيْت وخيرك اسْم كَانَ وتضمر الْخَبَر عَائِدًا على كفافاً وَالتَّقْدِير:
стр. 5183
كَأَنَّهُ خيرك. وَنَظِيره أحد قولي سِيبَوَيْهٍ فِي: إِن أفضلهم كَانَ زيد.
وَمنع الْفَارِسِي من هَذَا فِي التَّذْكِرَة وَقَالَ: لقبح الِابْتِدَاء بالنكرة وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بعده فِي الْجُمْلَة ذكر)
يعود عَلَيْهِ وَلَا هُوَ هِيَ. وَيَا لَهَا من غَفلَة من إِمَام حبر. وإضمار خبر كَانَ لَا يُحْصى وحذفه كحذف سَائِر الضمائر إِذا كَانَ فِي حكم الْمَوْجُود مثل إِن زيدا ضرب عَمْرو وَإِن كَانَ ضَعِيفا.
فَأَما نصب هَذِه الْحُرُوف الْمُنْكَرَات فَلَا ينْحَصر. انْتهى.
وَقد تبع ابْن الْحَاجِب أَبَا عَليّ فَقَالَ فِي أَمَالِيهِ: وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون كفافاً اسْما لليت لِأَنَّهُ نكرَة: فَلَا يصلح وَلَو صلح لم يستقم الْمَعْنى لِأَن قَوْله: كَانَ خيرك وَمَا بعده لَا يصلح خَبرا. انْتهى.
وَقَول الشَّارِح: وَقَوله خيرك وشرك اسْم كَانَ وكفافاً خَبَرهَا وَلم يثن لكَونه مصدرا فِي الأَصْل.
مثله لِابْنِ الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ قَالَ: كفافاً خبر عَن
الْخَيْر وَالشَّر مَعًا أَي: لَيْت خيرك وشرك بِالنِّسْبَةِ إِلَيّ لَا يفضل أَحدهمَا عَن الآخر لِأَن الكفاف هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ فضل.
يُرِيد: إِن شرك زَائِد على خيرك فَأَنا أَتَمَنَّى لَو كَانَ غير زَائِد. انْتهى.
وَفِيه رد على ابْن الشجري فِي زَعمه أَن كفافاً إِنَّمَا هُوَ خبر خيرك وَخبر شرك مَحْذُوف مَدْلُول وَقَالَ فِي الْمجْلس الثَّانِي وَهُوَ الْمجْلس السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ: وَمن روى: وشرك رَفعه بالْعَطْف على خيرك فَدخل فِي حيّز كَانَ فَغير أبي عَليّ يقدر خبر كَانَ الْمُضمر محذوفاً دلّ عَلَيْهِ خبر كَانَ الْمظهر وَيقدر الْمَحْذُوف بِلَفْظ الْمَذْكُور وَهُوَ الْقيَاس. وَنَظِير ذَلِك قَوْله: ...
стр. 5184
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف)
أَرَادَ: نَحن بِمَا عندنَا راضون. انْتهى.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
وتنبه الدماميني من كَلَام الشَّارِح فَقَالَ مُعْتَرضًا عَلَيْهِ: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَإِن كفافاً يَصح كَونه خَبرا عَنْهُمَا إِذْ هُوَ صَالح للإخبار عَن الِاثْنَيْنِ وَغَيرهمَا.
وَقَول الشَّارِح: وعني مُتَعَلق بكفافاً لِأَنَّهُ خبر كَانَ فَهُوَ مُتَأَخّر فِي التَّقْدِير إِلَى جنبه وَالْمعْنَى عَلَيْهِ.
-
وَقَوله: وَالْمَاء على هَذَا الْوَجْه مَنْصُوب على وَجه أَن يكون كفافاً خَبرا عَنْهُمَا. أَي: وَيكون مرتوي فَاعل ارتوى وَهُوَ مُطَاوع أرويته ورويته من المَاء فارتوى مِنْهُ وتروى.
يُقَال: رُوِيَ من المَاء بِكَسْر الْوَاو إِذا شبع مِنْهُ يرْوى بِفَتْحِهَا رياً وَالِاسْم الرّيّ بِالْكَسْرِ فَهُوَ رَيَّان وَالْمَرْأَة ريا كغضبان وغضبى. ويعدى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف كَمَا تقدم. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وَقَالَ ابْن الشجري: ارتوى بِمَعْنى رُوِيَ جَاءَ افتعل بِمَعْنى فعل كَقَوْلِهِم: رقي وارتقى. وَمثله)
من الصَّحِيح خطف واختطف. انْتهى.
وَنصب المَاء بِنَزْع الْخَافِض. قَالَ ابْن الشجري: يُقَال: ارتويت مِنْهُ أَو بِهِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِح بقوله: أَي: مَا ارتوى من المَاء مرتو. وَالْمرَاد من هَذَا التَّأْبِيد كَقَوْلِه تَعَالَى: خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض الْآيَة.
стр. 5185
قَالَ ابْن الشجري: وَأما نصب المَاء فبتقدير حذف الْجَار أَي: مَا ارتوى من المَاء أَو بِالْمَاءِ. وَحذف الْجَار وإيصال الْفِعْل إِلَى الْمَجْرُور بِهِ مِمَّا كثر اسْتِعْمَاله فِي الْقُرْآن وَالشعر. فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا أَرَادَ من قومه. وَمن حذف الْبَاء قَوْله تَعَالَى: إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه أَي: يخوفكم بأوليائه فَلذَلِك قَالَ: فَلَا تخافوهم.
وَقَول الشَّارِح: وَقيل شرك مرتو بِتَقْدِير مرتوياً إِلَى آخِره. هَذَا قَول أبي عَليّ فِي تَذكرته فَيكون على قَوْله: كفافاً خَبرا لقَوْله: خيرك فَقَط على معنى أَنه مَا بلغ ذَلِك إِلَى أَن يكون فِيهِ كفاف كَمَا تَقول: لَيْت نَفَقَتك كفافاً أَي: ليتها مِقْدَار الْحَاجة.
تُرِيدُ أَنَّهَا انقص فَكَذَلِك هَاهُنَا وَيكون الْعَطف على الأول من عطف مُفْرد على مُفْرد شَاركهُ فِي خَبره. وعَلى قَول أبي عَليّ من عطف الْجمل أخبر عَن كل مُفْرد مِنْهُمَا بِخَبَر خَاص.
-
قَالَ ابْن الشجري: وَأما قَوْله وشرك فَمن رَفعه فبالعطف على اسْم كَانَ ومرتوي فِي رَأْي أبي عَليّ خَبره. وَكَانَ حق مرتوي أَن ينْتَصب لِأَنَّهُ مَعْطُوف على كفافاً كَمَا تَقول: كَانَ زيد جَالِسا وَبكر قَائِما تُرِيدُ: وَكَانَ بكر قَائِما فَكَأَنَّهُ قَالَ: ليتك أَو لَيْت الشَّأْن كَانَ خيرك كفافاً وَكَانَ شرك مرتوياً عني.
وأسكن يَاء مرتوي فِي مَوضِع النصب لإِقَامَة الْوَزْن كَقَوْل بشر: كفى بالنأي من أَسمَاء كَافِي وَكَانَ حَقه: كَافِيا.
следующие страницы →