Полный текст (5 658 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
وَالْبَيْت من أَبْيَات عشرَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لمجمع بن هِلَال. قَالَ: غزا مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن تيم الله يُرِيد بني سعد بن زيد مَنَاة فَلم يصب شَيْئا فَرجع من غزاته تِلْكَ فَمر بِمَاء لبني تَمِيم عَلَيْهِ نَاس من بني مجاشع فَقتل فيهم وَأسر فَقَالَ فِي
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما ... عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعُمر ينفع)
(مَضَت مائَة من مولدِي فنضيتها ... وَخمْس تبَاع بعد ذَاك وَأَرْبع)
(وخيل كأسراب القطا قد وزعتها ... لَهَا سبل فِيهِ الْمنية تلمع)
(شهِدت وغنم قد حويت وَلَذَّة ... أتيت وماذا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع)
(وعاثرة يَوْم الهييما رَأَيْتهَا ... وَقد ضمهَا من دَاخل الخلب مجزع)
(لَهَا غلل فالصدر لَيْسَ ببارح ... شجىً نشب وَالْعين بِالْمَاءِ تَدْمَع)
(تَقول وَقد أفردتها من حَلِيلهَا ... تعست كَمَا أتعستني يَا مجمع)
(فَقلت لَهَا: بل تعس أُخْت مجاشع ... وقومك حَتَّى خدك الْيَوْم أضرع)
(عبأت لَهُ رمحاً طَويلا وألة ... كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع)
(وكائن تركت من كَرِيمَة معشر ... عَلَيْهَا الخموش ذَات حزن تفجع)
قَالَ المرزوقي: قَوْله: إِن أمس مَا شَيخا مَا: زَائِدَة.
يَقُول: إِن صرت شَيخا طاعناً فِي السن هدفاً لسهامه فَذَلِك حق لِأَن من يعِيش يكبر وَمن
стр. 5112
يكبر يهرم وَطول الْعُمر لَا يجدي إِذْ كَانَ مؤداه إِلَى الضعْف وغايته الْمَوْت. وَمعنى عمرت: بقيت وحييت. والْعُمر: الْحَيَاة والبقاء.
وَقَوله: مَضَت مائَة يَقُول: أَتَت عَليّ مائَة سنة من ميلادي فألقيتها ورائي كَأَنِّي لبستها ثمَّ خلعتها واستتبعت بعْدهَا تسعا توالت. ويروى: فنضونها يُقَال: نضى ثَوْبه ينضو وينضي إِذا نَزعه لُغَتَانِ.
وَقَوله: وَخمْس تبَاع يُقَال: تبع تباعا فَهُوَ مصدر وصف بِهِ. وَيُقَال أَيْضا رميته بسهمين تباعا وَلَاء وتابع بَينهمَا تباعا.
وَقَوله: وخيل كأسراب ... إِلَخ تذكر بِمَا كَانَ مِنْهُ عِنْد تناهي عمره مَا كَانَ مِنْهُ فِي ريعان شبابه فَيَقُول: رب خيل تتوالى مبادرة إِلَى الْمُلْتَقى
وتسترسل استرسال فرق القطا عِنْد)
اندفاعها للورد أَنا بعثتها وَلها عَارض يمطر بِالْمَوْتِ ويلمع. والسبل: الْمَطَر. ووزعتها يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ كففتها عَن التعجل وَيجوز أَن يكون قسمتهَا للتعبية أَو للغارة لِأَنَّهُ يُقَال: وزعت الشَّيْء ووزعته جَمِيعًا. وعَلى الْوَجْهَيْنِ فتدبيرها كَانَ إِلَيْهِ.
وَجُمْلَة قد وزعتها: من صفة الْخَيل لِأَن جَوَاب رب فِيمَا بعده. وَلها سبل فِي مَوضِع الْحَال وَفِيه الْمنية من صفة السبل وتلمع حَال من الْمنية وَالْعَامِل مَا يدل عَلَيْهِ الظّرْف.
وَقَوله: شهِدت وغنم ... إِلَخ يَقُول: رب خيل على هَذِه الصّفة حضرتها مُدبرا لَهَا وَرب غنيمَة تغنمتها وَرب لَذَّة أتيتها. ثمَّ أقبل كالملتفت فَقَالَ: وَمَا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع بِهَذِهِ الْأَشْيَاء.
стр. 5113
ووَقَوله: وعاثرة يَوْم ... إِلَخ يَقُول: رب امْرَأَة فِي هَذَا الْيَوْم لتمكن الْخَوْف مِنْهَا وتملك الْجزع قَلبهَا رَأَيْتهَا تعثر لوجهها مَخَافَة السباء وَقد ضمهَا مجزع أَي: استولى عَلَيْهَا الْخَوْف والقلق.
وَقَوله: من دَاخل الخلب بَين بِهِ منشأ الْجزع ومقره. والخلب: حجاب الْقلب.
وَقَوله: لَهَا غلل فِي الصَّدْر. . إِلَخ الْجُمْلَة صفة لعاثرة. والغلل بِفتْحَتَيْنِ أَصله المَاء الْجَارِي بَين الشّجر فاستعاره لما تداخلها من الشجا.
وروى: غلل بِالضَّمِّ: جمع غلَّة. وَلَو كَانَ كَذَا لقَالَ لَيست ببارحة. والبارح: الزائل. وَمَوْضِع قَوْله شجاً نشب رفع على الْبَدَل من غلل. وَيُرِيد بنشب أَنه علق بِهِ كَمَا ينشب الصَّيْد فِي الحبالة.
وَقَوله: تَقول وَقد أفردتها. . إِلَخ تَقول جَوَاب رب. وَالْمرَاد: رب عاثرة هَذِه صفتهَا فِي يَوْم الهييما قَالَت لي بعد أَن سبيتها وَفرقت بَينهَا وَبَين زَوجهَا
بِالْقَتْلِ: سَقَطت لوجهك وَلَا انتعشت من عثرتك يَا مجمع.
وَقَوله: فَقلت لَهَا ... إِلَخ يَقُول: أجبتها بِأَن قلت: بل التعس لَك ولقومك حِين ضيعوك وفعلوا مَا أدّى وباله إِلَى أَن صَار خدك الْيَوْم ضارعاً. وبل للإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي.
وأجرى تعساً فِي الْإِضَافَة مجْرى ويل وَذَاكَ أَن المصادر الَّتِي اشتق الْأَفْعَال مِنْهَا إِذا دعِي بهَا وَمَا لم يشتق الْفِعْل مِنْهُ وَهُوَ ويل وويح وويس إِذا كَانَ مَعهَا اللَّام رفعت وَصَارَت بِاللَّامِ جملا. وَإِذا أفردت عَن اللَّام أضيفت ونصبت.
стр. 5114
تَقول: ويل لزيد وويح لعَمْرو فَترفع وويل زيد وويح عَمْرو فتنصب.
وَهَذَا الشَّاعِر قَالَ: بل تعس أُخْت مجاشع فأجراه مجْرى ويل وَالْفِعْل مِنْهُ يشتق مِنْهُ. ومجاشع:)
قَبيلَة يُقَال: أُخْت مجاشع كَمَا يُقَال: يَا أَخا بكر وَيَا أَخا تَمِيم. وأضرع بِمَعْنى ضارع.
والضراعة: الانسفال فِي خضوع.
وَقَوله: عبأت لَهُ. . إِلَخ أَخذ يبين كَيفَ تمكن من قتل زَوجهَا. وَيُقَال: عبأت الْخَيل وعبأتها إِذا هيأتها للحرب وعبيتها أَيْضا. وَالْمرَاد هيأت لَهُ رمحاً طَويلا وسناناً لماعاً براقاً كَأَنَّمَا يعلى بِهِ نَار إِذا أشرع لِلطَّعْنِ. والألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام تسْتَعْمل فِي الْحَرْب وتشهر بهَا. وأصل الأليل البريق وَالْمرَاد بهَا هُنَا السنان.
وَفِي لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مكرم: الألة: الحربة الْعَظِيمَة النصل سميت بذلك لبريقها ولمعانها. وَفرق بَعضهم بَين الألة والحربة فَقَالَ: الألة كلهَا حَدِيدَة والحربة بَعْضهَا خشب وَبَعضهَا حَدِيد وَالْجمع أل بِحَذْف الْهَاء والإل ككتاب
والأل أَيْضا: مصدر أَله يؤله أَلا: طعنه بالألة. وتشرع من وَقَوله: وكائن تركت. . إِلَخ نبه بِهَذَا الْكَلَام على أَن مَا حَكَاهُ من حَدِيث العاثرة لم يكن بدعاً مِنْهُ بل ذَلِك دأبه مَعَ أَمْثَالهَا. وكائن: لُغَة فِي كأين بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى كم للتكثير.
يَقُول: كم امْرَأَة كَانَت كَرِيمَة عشيرتها تركتهَا وَهِي تخمش وَجههَا وتتفجع جزعاً على قيمها من بعل أَو أَخ أَو ابْن. والخمش فِي الْوَجْه وَفِي سَائِر الْبدن مثل الخدش.
стр. 5115
وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من جمع يجمع تجميعاً. وَهُوَ شَاعِر جاهلي أوردهُ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي المعمرين وَنسبه كَذَا.
قَالُوا: وعاش مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن هِلَال بن تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. عَاشَ مائَة سنة وتسع عشرَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما ... عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعَيْش ينفع)
إِلَى آخر الأبيات.
وَأنْشد بعده:
(أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما نزل برحالنا وَكَأن قد)
على أَن كَأَن الْمُهْملَة لفظا يَجِيء بعْدهَا جملَة خَبرا وَهِي هُنَا محذوفة وَالتَّقْدِير: قد زَالَت بهَا.
وَجَاز حذفهَا لدلَالَة قَوْله: لما تزل برحالنا. وَاسْمهَا الْمَحْذُوف عِنْد الشَّارِح ضمير الشَّأْن. وَالْأولَى جعله ضمير الركاب لما تقدم وَهِي الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا الْوَاحِدَة رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من)
لَفظهَا. وأزف بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الزَّاي بِمَعْنى قرب ودنا. وروى بدله: أفد بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والترحل: الرحيل. ولما نَافِيَة بِمَعْنى لم وتزل بِضَم الزَّاي من زَالَ يَزُول بِمَعْنى ذهب وانفصل.
يُقَال: زَالَ عَن مَوْضِعه يَزُول زوالاً. وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف فَيُقَال: أزلته وزولته. وَالْبَاء للمعية. والرّحال بِالْحَاء الْمُهْملَة: جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء
стр. 5116
للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن وَمَا يستصحبه الْمُسَافِر من الْمَتَاع والأثاث. وَغير هُنَا للاستثناء الْمُنْقَطع.
وَالْمعْنَى قرب الارتحال لَكِن إبلنا لم تذْهب بمتاعنا إِلَى الْآن مَعَ عزمنا على الرحيل وَكَأَنَّهَا ذهبت. فجملة قد زَالَت بهَا المحذوفة فِي مَحل رفع خبر لكأن. وقد تروى بِكَسْر دالها للروي وبتنوينه للترنم أَي: لقطعه فَإِن الترنم هُوَ التَّغَنِّي والتغني يحصل بِأَلف الْإِطْلَاق لقبولها لمد الصَّوْت فِيهَا فَإِذا أنشدوا وَلم يترنموا جاؤوا بِهَذَا التَّنْوِين.
وبهذين الْوَجْهَيْنِ أوردهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي.
وَنقل ابْن الملا فِي شَرحه عَن ابْن جني فِي الخصائص أَن الرِّوَايَة هُنَا قدي بِمَعْنى حسبي وَالْيَاء ضمير لَا حرف إِطْلَاق. وَعَلِيهِ يكون خبر كَأَن مُفردا
لَا جملَة وَيكون اسْمهَا ضمير الترحل أَي: كَأَنَّهُ قدي أَي: كَأَن ذَلِك الترحل حسبي.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني تقدم فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(تمشي بهَا الدرماء تسحب قصبها ... كَأَن بطن حُبْلَى ذَات أونين متئم)
стр. 5117
على أَن كَأَن إِذا وَقع بعْدهَا مُفْرد فاسمها يكون غير ضمير شَأْن. وَالتَّقْدِير: كَأَن بَطنهَا بطن حُبْلَى. وَإِنَّمَا عدل عَن ضمير الشَّأْن لِأَن خَبره لَا يكون إِلَّا جملَة.
وَهَذَا الْبَيْت ثَانِي بَيْتَيْنِ أوردهما ابْن دُرَيْد عَن أبي عُثْمَان سعيد بن هَارُون الأشنانداني فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: أَنْشدني لرجل من بني سعد بن زيد مَنَاة:
(وخيفاء ألْقى اللَّيْث فِيهَا ذراعه ... فسرت وَسَاءَتْ كل ماش ومصرم)
تمشي بهَا الدرماء تسحب قصبها ... ... ... ... ... الْبَيْت خيفاء: رَوْضَة فِيهَا رطب ويبيس وهما لونان: أَخْضَر وأصفر. وكل لونين خيف وَبِه سمي الْفرس إِذا كَانَت إِحْدَى عينيها كحلاء وَالْأُخْرَى زرقاء. وَسمي الْخيف خيفاً لِأَن فِيهِ حِجَارَة سُودًا وبيضاً.
-
وَقَوله: ألْقى اللَّيْث فِيهَا ذراعه يَقُول: مطرَت بِنَوْء الذِّرَاع وَهِي ذِرَاع الْأسد فسرت الْمَاشِي أَي: صَاحب الْمَاشِيَة وَسَاءَتْ المصرم: الَّذِي لَا مَال لَهُ لِأَن الْمَاشِي يرعيها مَاشِيَته والمصرم يتلهف على مَا يرى من حسنها وَلَيْسَ لَهُ مَا يرعيها.
وَقَوله: تمشي بهَا الدرماء يَعْنِي الأرنب وَإِنَّمَا سميت الدرماء لتقارب خطوها وَذَلِكَ لِأَن الأرانب تدرم درماً تقَارب خطوها وتخفيه لِئَلَّا يقص
стр. 5118
أَثَرهَا فَيُقَال: درماء. وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: دارمة.
وَقَوله: تسحب قصبها وَهَذَا مثل. والْقصب: المعى مَقْصُور وَالْجمع أقصاب.
وَإِنَّمَا أَرَادَ بالقصب الْبَطن بِعَيْنِه واستعاره. يَقُول: فالأرنب قد عظم بَطنهَا من أكل الْكلأ وسمنت فَكَأَنَّهَا حُبْلَى. والأونان: العدلان.
يَقُول: كَأَن عَلَيْهَا عَدْلَيْنِ لخُرُوج جنبيها وانتفاجهما. وَيُقَال: أون الْحمار وَغَيره إِذا شرب حَتَّى ينتفخ جنباه. انْتهى.
ونقلته من نُسْخَة بِخَط أبي الْفَتْح عُثْمَان بن جني وَعَلَيْهَا خطّ أبي عَليّ الْفَارِسِي فِي أَولهَا وَآخِرهَا بِالْإِجَازَةِ لَهُ وَرَوَاهَا عَن ابْن دُرَيْد عَن الأشنانداني. وَكَذَا شرحهما عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة.)
وَقَوله: فِيهَا رطب ويبيس الرطب بِضَم الرَّاء: المرعى الْأَخْضَر من بقول الرّبيع.
وَبَعْضهمْ يَقُول: الرّطبَة كغرفة: الخلا وَهُوَ الغض من الْكلأ. واليبيس من النَّبَات على فعيل: مَا يبس مِنْهُ. والنوء: سُقُوط نجم من الْمنَازل فِي الْمغرب مَعَ الْفجْر وطلوع رقيبه من
الْمشرق يُقَابله من سَاعَته إِلَى ثَلَاثَة عشر يَوْمًا. وَهَكَذَا كل نجم مِنْهَا إِلَى انْقِضَاء السّنة.
وَكَانَت الْعَرَب تضيف الأمطار والرياح وَالْحر وَالْبرد إِلَى السَّاقِط مِنْهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِلَى الطالع مِنْهَا فِي سُلْطَانه فَتَقول: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا. وذراع الْأسد: كوكبان نيران ينزلهما الْقَمَر.
وَاللَّيْث من أَسمَاء الْأسد. والْمَاشِيَة: المَال من الْإِبِل وَالْغنم وَبَعْضهمْ يَجْعَل الْبَقر من الْمَاشِيَة. وَمَشى
стр. 5119
الرجل وأمشى إِذا كثرت مَاشِيَته. والمصرم: اسْم فَاعل من أَصْرَم الرجل أَي: افْتقر. وتمشي بتَشْديد الشين الْمَكْسُورَة: مُبَالغَة تمشي. وَضمير بهَا لخيفاء والدرماء بِالدَّال وَجُمْلَة تسحب: حَال من الدرماء. والْقصب بِضَم الْقَاف وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة: اسْم فَرد كعسر.
فِي الصِّحَاح: هُوَ المعى يُقَال هُوَ يجر قصبه. وَذَات: صفة أولى لحبله ومتئم: صفة ثَانِيَة. والأون بِفَتْح الْألف وَسُكُون الْوَاو فِي الصِّحَاح: هُوَ أحد جَانِبي الخرج. تَقول: خرج ذُو أونين وهما كالعدلين.
وَمِنْه قَوْلهم: أون الْحمار إِذا أكل وَشرب وامتلأ بَطْنه وامتدت خاصرتاه فَصَارَ مثل الأون. والانتفاج بِالْجِيم: الِارْتفَاع يُقَال: انتفج جنبا الْبَعِير أَي: ارتفعا. ومتئم: اسْم فَاعل من أتأمت الْمَرْأَة كأفعلت إِذا وضعت اثْنَيْنِ فِي بطن فَهِيَ متئم فَإذْ كَانَ ذَلِك عَادَتهَا فَهِيَ متآم كمفعال. والولدان توأمان يُقَال: هَذَا توأم هَذَا على فوعل وَهَذِه توأمة هَذِه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(وَيَوْما توافينا بِوَجْه مقسم ... كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم)
стр. 5120
أما الرّفْع فَيحْتَمل أَن تكون ظَبْيَة مُبْتَدأ وَجُمْلَة تعطو: خَبره وَهَذِه الْجُمْلَة الاسمية خبر كَأَن وَاسْمهَا ضمير شَأْن مَحْذُوف. وَيحْتَمل أَن تكون ظَبْيَة خبر كَأَن وتعطو صفته وَاسْمهَا مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الْمَرْأَة لِأَن الْخَبَر مُفْرد.
هَذَا تَقْرِير كَلَامه على وَجه الرّفْع. وَيرد على الْوَجْه الأول انه لَا يَصح الِابْتِدَاء بظبية لما تقدم فِي قَوْله: كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ الظَّاهِر وَهُوَ كَلَام سِيبَوَيْهٍ كَمَا تقدم. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع ظَبْيَة على الْخَبَر وَحذف الِاسْم وَالتَّقْدِير: كَأَنَّهَا ظَبْيَة. وَكَذَا قَالَ ابْن الشجري وَابْن يعِيش وَغَيرهم.
-
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم: وَفِيه شذوذ لكَون الْخَبَر مُفردا مَعَ حذف الِاسْم.
وَقَالَ ابْن الملا فِي شرح الْمُغنِي: توافينا إِمَّا بِلَفْظ الْغَيْب أَو بِلَفْظ الْخطاب للْمَرْأَة على مَا صرح بِهِ الْعَيْنِيّ فَيكون التَّقْدِير فِي حذف الِاسْم على الِاحْتِمَالَيْنِ: كَأَنَّهَا أَو كَأَنَّك. هَذَا كَلَامه.
وَمَا نَقله عَن الْعَيْنِيّ لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا قَالَ توافينا فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فِيهِ وَهُوَ الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي يمدحها.
وَقَول الشَّارِح: ويروى بِنصب ظَبْيَة على إِعْمَال كَأَن هَذَا الإعمال مَعَ التَّخْفِيف خَاص بضرورة كَأَن وريديه وشاءا خلب وَعَلِيهِ يكون جملَة تعطو: صفة ظَبْيَة وَلَا يجوز أَن تكون خبر كَأَن كَمَا جوزه الْعَيْنِيّ وَاقْتصر عَلَيْهِ السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي وَإِن جَازَ الْإِخْبَار عَن
стр. 5121
النكرَة فِي بَاب إِن لما قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر الْبَاب لِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر الْإِخْبَار عَن الظبية بِمَا ذكر وَإِنَّمَا مُرَاده تَشْبِيه الْمَرْأَة بالظبية فَالْخَبَر مَحْذُوف قدره ابْن النَّاظِم ظرفا قَالَ: وَالتَّقْدِير: كَأَن مَكَانهَا ظَبْيَة.
وَقدره الأعلم وَابْن الشجري وَابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَابْن يعِيش وَغَيرهم ضميرها أَو اسْم إشارتها وَالتَّقْدِير: كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم هِيَ أَو هَذِه الْمَرْأَة. قَالَ ابْن هِشَام: وَهَذَا إِنَّمَا يَصح على جعل الْمُشبه مشبهاً بِهِ وَبِالْعَكْسِ لقصد الْمُبَالغَة.)
وَمن روى بجر ظَبْيَة فعلى أَن أَن زَائِدَة بَين الْجَار وَالْمَجْرُور وَالتَّقْدِير: كظبية. وعد ابْن عُصْفُور زِيَادَة أَن هُنَا من الضرائر الشعرية. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي المغمي: هُوَ نَادِر.
وَقد أورد الْمبرد هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي الْكَامِل قَالَ: حَدثنِي التوزي عَن أبي زيد قَالَ: سَمِعت الْعَرَب تنشد هَذَا الْبَيْت فتنصب الظبية وترفعها وتخفضها:
أما رَفعهَا فعلى الضَّمِير يُرِيد: كَأَنَّهَا ظَبْيَة. وَهَذَا شَرط أَن وَكَأن إِذا خففتا إِنَّمَا هُوَ على حذف الضَّمِير. وعَلى هَذَا: علم أَن سَيكون مِنْكُم.
وَمن نصب فعلى غير ضمير واعملها مُخَفّفَة عَملهَا مثقلة لِأَنَّهَا تعْمل لشبهها بِالْفِعْلِ فَإِذا خففت عملت عمل الْفِعْل الْمَحْذُوف كَقَوْلِك: لم يَك زيد مُنْطَلقًا.
فالفعل إِذا حذف يعْمل عمله تَاما فَيصير التَّقْدِير: كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم هَذِه الْمَرْأَة وَحذف الْخَبَر لما تقدم من ذكره.
وَمن قَالَ: كَأَن ظَبْيَة جعل أَن زَائِدَة وأعمل الْكَاف أَرَادَ: كظبية وَزَاد أَن. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت اخْتلف فِي قَائِله: فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ لِابْنِ صريم الْيَشْكُرِي. وَكَذَا قَالَ النّحاس والأعلم.
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: هُوَ لأرقم الْيَشْكُرِي. وَقَالَ
стр. 5122
أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه عَلَيْهَا: هُوَ لراشد ببن شهَاب الْيَشْكُرِي. وَلم يرو الْمفضل هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته.
أَقُول: رَأَيْت القصيدة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا لراشد وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْبَيْت وَلَا الأبيات الْآتِيَة.
وَقَالَ ابْن المستوفي: هُوَ لِابْنِ أَصْرَم الْيَشْكُرِي. وَوَجَدته لعلباء بن أَرقم الْيَشْكُرِي.
وَقَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَة الصِّحَاح: هُوَ لباغت بن صريم وَيُقَال: لعلباء بن أَرقم الْيَشْكُرِي قَالَه فِي امْرَأَته وَهُوَ الصَّحِيح. وَبعده:
(وَيَوْما تُرِيدُ مالنا مَعَ مَالهَا ... فَإِن لم ننلها لم تنمنا وَلم تنم)
(فَقلت لَهَا: إِلَّا تناهي فإنني ... أَخُو الشَّرّ حَتَّى تقرعي السن من نَدم)
انْتهى.
وَضبط ابْن هِشَام باغتاً فَقَالَ: هُوَ مَنْقُول من بغته بِالْأَمر إِذا فاجأه بِهِ. وَنَقله الْعَيْنِيّ عَنهُ وَلم يزدْ عَلَيْهِ.
وَنسب ابْن الملا إِلَى الْعَيْنِيّ شَيْئا لم يقلهُ قَالَ: قَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بالثاء الْمُثَلَّثَة.)
وَقَوله: وَيَوْما توافينا ... إِلَخ يَوْم: ظرف مُتَعَلق بتوافينا وَلَا يجوز أَن يجر بِجعْل الْوَاو وَاو رب لِأَنَّهُ لم يرد إنْشَاء التكثير أَو التقليل وَإِنَّمَا أخبر عَن أحوالها فِي الْأَيَّام.
وَلم يتَنَبَّه لَهُ الْعَيْنِيّ وَله الْعذر لِأَنَّهُ لم يقف على مَا بعده فَقَالَ: وأنشده بعض شرَّاح الْمفصل بِالْجَرِّ وَقَالَ: الْوَاو فِيهِ وَاو رب. وتوافينا: تَأْتِينَا يُقَال: وافيته موافاة: إِذا أَتَيْته.
стр. 5123
وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ: الموافاة: هِيَ الْمُقَابلَة بِالْإِحْسَانِ وَالْخَيْر والمجازاة الْحَسَنَة. وفاعل توافينا ضمير الْمَرْأَة الَّتِي يمدحها وَالْبَاء فِي قَوْله: بِوَجْه بِمَعْنى مَعَ. هَذَا كَلَامه.
قَالَ الأعلم: الْمقسم: المحسن وَأَصله من القسمات وَهِي مجاري
الدُّمُوع وأعالي الْوَجْه وَيُقَال لَهَا أَيْضا: التناصف لِأَنَّهَا فِي منتصف الْوَجْه إِذا قسم وَهِي أحسن مَا فِي الْوَجْه وأنوره فينسب إِلَيْهِ الْحسن فَيُقَال لَهُ: القسام لظُهُوره هُنَاكَ وتبينه. انْتهى.
وَقَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: زعم أَبُو عُبَيْدَة أَن القسمات مجاري الدُّمُوع واحدتها قسْمَة بِكَسْر السِّين فيهمَا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي القسمات: أعالي الْوَجْه. وَلم يُبينهُ بِأَكْثَرَ من هَذَا. وَقَول أبي عُبَيْدَة مشروح.
وَيُقَال من هَذَا: رجل قسيم وَرجل مقسم وَوجه قسيم وَوجه مقسم. وَأنْشد الْبَيْت.
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: يَقُولُونَ قسيم وسيم. فالقسيم: الْحسن الْجَمِيل. والقسام: الْحسن وَالْجمال.
وَأنْشد يَعْقُوب بن السّكيت: يسن على مراغمها القسام
стр. 5124
وَقَالَ العجاج:
وَرب هَذَا الْبَلَد الْمقسم أَي: المحسن. وَقَالَ أَرقم الْيَشْكُرِي. وَأنْشد الْبَيْت مَعَ الْبَيْت الَّذِي بعده فَقَط ثمَّ قَالَ: والوسيم: الْحسن الْجَمِيل أَيْضا. والميسم: الْحسن وَالْجمال. انْتهى.
وَفرق بَينهمَا الثعالبي فِي فَقَالَ: إِن الْمَرْأَة إِذا كَانَ حسنها فائقاً كَأَنَّهُ قد وسيم فَهِيَ وسيمة فَإِذا قسم لَهَا حَظّ وافر من الْحسن فَهِيَ قسيمة. وتعطو فسره الْمبرد قَالَ: تعطو: تنَاول يُقَال: عطا يعطو إِذا تنَاول. وأعطيته: ناولته.
وَعَلِيهِ لابد من تَضْمِينه معنى تميل لتعديه بإلى. وَفِي الْقَامُوس: العطو: التَّنَاوُل وَرفع الرَّأْس وَالْيَدَيْنِ وظبي عطو مُثَلّثَة وكعدو: يَتَطَاوَل إِلَى الشّجر ليتناول مِنْهُ. انْتهى. وَعَلِيهِ فَلَا)
تضمين. ووارق: لُغَة فِي مُورق فَإِن يُقَال: ورق الشّجر يرق وأورق يورق وورق توريقاً إِذا خرج ورقه. وَرُوِيَ بدله: إِلَى ناضر السّلم من النضارة وَهِي الْحسن. وَأَرَادَ بِهِ خضرته. وَالسّلم بِفتْحَتَيْنِ: ضرب من شجر الْبَادِيَة يعظم وَله شوك واحدته سَلمَة. وَقَالَ الْمبرد: السّلم شجر بِعَيْنِه كثير الشوك
стр. 5125
فَإِذا أَرَادوا أَن يحتطبوه شدوه ثمَّ قطعوه. وَمن ذَلِك قَول الْحجَّاج: وَالله لأحزمنكم حزم السلمة.
وَقَوله: وَيَوْما تُرِيدُ مالنا ... إِلَخ مَا: مَوْصُولَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاللَّام مَفْتُوحَة فيهمَا أَي تطلب مَا فِي أَيْدِينَا من المَال مَعَ مَا فِي يَدهَا من المَال فَإِن
لم نعطها مطلوبها آذتنا وكلمتنا بِكَلَام يمنعنا النّوم وَلم تنم هِيَ لتحزننا.
قَالَ ابْن السيرافي: يُرِيد أَنه يسْتَمْتع بحسنها يَوْمًا وتشغله يَوْمًا آخر بِطَلَب مَاله فَإِن منعهَا آذته وكلمته بِكَلَام يمنعهُ من النّوم. والخصوم: جمع خصم وَهُوَ مصدر إِي: فِي مخاصمات وَهُوَ منون. وعرامة بِالنّصب وَهِي مصدر عرم يعرم من بَابي نصر وَضرب وعرامة بِالْفَتْح وَهِي والمآلي: جمع مئلاة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: والمئلاة بِالْهَمْز على وزن المعلاة: الْخِرْقَة الَّتِي تمسكها الْمَرْأَة عِنْد النوح وتشير بهَا وَالْجمع المآلي.
وَرَأَيْت فِي كتاب النِّسَاء الناشزات تأليف أبي الْحسن الْمَدَائِنِي قَالَ: كَانَت امْرَأَة علياء بن أَرقم الْيَشْكُرِي قد فركته فَقَالَ:
(أَلا تلكم عرسي تصد بوجهها ... وتزعم فِي جاراتها أَن من ظلم)
(أَبونَا وَلم أظلم بِشَيْء عَلمته ... سوى مَا ترَوْنَ فِي القذال من الْقدَم)
...
стр. 5126
(نظل كأنا فِي خصوم عرامة ... تسمع جيراني التألي وَالْقسم)
فيوماً تُرِيدُ مالنا مَعَ مَا لَهَا ... ... . إِلَى آخر الأبيات وَكَذَا رَأَيْت فِيمَا كتبه ابْن السَّيِّد على كَامِل الْمبرد إِلَّا أَنه قَالَ: لعلباء بن أَرقم الْعجلِيّ. وَكَأَنَّهُ تَحْرِيف من النَّاسِخ.
وَرُوِيَ الْبَيْت الثَّانِي كَذَا: سوى مَا أبانت فِي القذال من الْقدَم وَمن نسب إِلَيْهِم هَذَا الشّعْر كلهم شعراء جاهليون. وَأنْشد بعده)
-
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(فلست بآتيه وَلَا أستطيعه ... ولاك اسْقِنِي إِن كَانَ ماؤك ذَا فضل)
على أَن حذف النُّون من لَكِن لالتقاء الساكنين ضَرُورَة تَشْبِيها بِالتَّنْوِينِ أَو بِحرف الْمَدّ واللين وَمن حَيْثُ كَانَت سَاكِنة وفيهَا غنة وَهِي فضل صَوت فِي الْحَرْف كَمَا أَن حرف الْمَدّ واللين سَاكن وَالْمدّ فضل صَوت.
وَكَذَا أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب ضَرُورَة الشّعْر من أول كِتَابه قَالَ الأعلم: حذف النُّون لالتقاء الساكنين ضَرُورَة لإِقَامَة الْوَزْن وَكَانَ وَجه الْكَلَام أَن يكسر لالتقاء الساكنين شبهها فِي الْحَذف بِحرف الْمَدّ واللين إِذا سكنت وَسكن
стр. 5127
مَا بعْدهَا نَحْو: يَغْزُو الْعَدو وَيَقْضِي الْحق ويخشى الله وَمِمَّا اسْتعْمل محذوفاً نَحْو: لم يَك وَلَا أدر. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للنجاشي الْحَارِثِيّ.
وَقَبله:
(وَمَاء كلون الْغسْل قد عَاد آجناً ... قَلِيل بِهِ الْأَصْوَات فِي بلد مَحل)
(وجدت عَلَيْهِ الذِّئْب يعوي كَأَنَّهُ ... خليع خلا من كل مَال وَمن أهل)
(فَقلت لَهُ: يَا ذِئْب هَل لَك فِي فَتى ... يواسي بِلَا من عَلَيْك وَلَا بخل)
(فلست بآتيه وَلَا أستطيعه ... ولاك اسْقِنِي إِن كَانَ ماؤك ذَا فضل)
(فَقلت عَلَيْك الْحَوْض إِنِّي تركته ... وَفِي صغوه فضل القلوص من السّجل)
(فطرب يستعوي ذئاباً كَثِيرَة ... وعديت كل من هَوَاهُ على شغل)
وَهَذِه الْقطعَة أوردهَا ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي والشريف المرتضى فِي أَمَالِيهِ والشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته.
وَكَانَ النَّجَاشِيّ عرض لَهُ ذِئْب فِي سفر لَهُ فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَام وَقَالَ لَهُ: هَل لَك ميل فِي أَخ يَعْنِي نَفسه يواسيك فِي طَعَامه بِغَيْر من وَلَا بخل فَقَالَ لَهُ الذِّئْب: قد دعوتني إِلَى شَيْء لم يَفْعَله السبَاع قبلي من مؤاكلة بني آدم وَهَذَا لَا يمكنني فعله وَلست بآتيه وَلَا أستطيعه وَلَكِن إِن كَانَ فِي مائك الَّذِي مَعَك فضل عَمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ فاسقني مِنْهُ.
وَهَذَا الْكَلَام وَضعه النَّجَاشِيّ على لِسَان الذِّئْب كَأَنَّهُ اعْتقد فِيهِ أَنه لَو كَانَ مِمَّن يعقل أَو يتَكَلَّم لقَالَ هَذَا القَوْل. وَأَشَارَ
стр. 5128
بِهَذَا إِلَى تعسفه للفلوات الَّتِي لَا مَاء فِيهَا فيهتدي الذِّئْب إِلَى)
مظانه فِيهَا لاعتياده لَهَا.
وَالْغسْل بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مَا يغسل بِهِ الرَّأْس من سدر وخطمي وَنَحْو ذَلِك. يُرِيد أَن ذَلِك المَاء كَانَ متغير اللَّوْن من طول الْمكْث مخضراً ومصفراً وَنَحْوهمَا. والآجن بِالْمدِّ وَكسر وَقَوله: قَلِيل بِهِ الْأَصْوَات يُرِيد أَنه قفر لَا حَيَوَان فِيهِ والْبَلَد: الأَرْض وَالْمَكَان والْمحل: الجدب وَهُوَ انْقِطَاع الْمَطَر ويبس الأَرْض من الْكلأ والخليع: الَّذِي خلعه أَهله لجناياته وتبرؤوا مِنْهُ. وعَلَيْك: اسْم فعل بِمَعْنى الزم والحوض مَفْعُوله. والصغو بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وسكرها وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الْجَانِب المائل. والسّجل بِفَتْح
السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: الدَّلْو الْعَظِيمَة. وطرب فِي صَوته بِالتَّشْدِيدِ: رجعه ومدده. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والنَّجَاشِيّ اسْمه قيس بن عَمْرو بن مَالك من بني الْحَارِث بن كَعْب. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ النَّجَاشِيّ فَاسِقًا رَقِيق الْإِسْلَام وَمر فِي شهر رَمَضَان بِأبي سمال الْأَسدي بِالْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول فِي رُؤُوس حملان فِي كرش فِي تنور قد أينع من أول اللَّيْل إِلَى آخِره.
قَالَ: وَيحك فِي شهر رَمَضَان تَقول هَذَا قَالَ: مَا شهر رَمَضَان وشوال إِلَّا سَوَاء. قَالَ: فَمَا تسقيني عَلَيْهِ قَالَ: شرابًا كَأَنَّهُ الورس يطيب النَّفس وَيجْرِي فِي الْعِظَام ويسهل الْكَلَام.
ودخلا الْمنزل فأكلا وشربا فَلَمَّا أَخذ فيهمَا الشَّارِب تفاخرا وعلت أصواتهما فَسمع جَار لَهما فَأتى عَليّ بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْ
стр. 5129
هـ فَأخْبرهُ فَأرْسل فِي طلبهما. فَأَما أَبُو سماك فَإِنَّهُ شقّ الخص فهرب وَأخذ النَّجَاشِيّ فَأتي بِهِ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ: وَيحك ولداننا صِيَام وَأَنت مفطر فَضَربهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وزاده عشْرين سَوْطًا فَقَالَ: مَا هَذِه العلاوة يَا أَبَا الْحسن قَالَ: هَذِه لجراءتك على الله فِي شهر رَمَضَان. ثمَّ رَفعه للنَّاس فِي تبان. فهجا أهل الْكُوفَة فَقَالَ:
(إِذا سقى الله قوما صوب غادية ... فَلَا سقى الله أهل الْكُوفَة المطرا)
(التاركين على طهر نِسَاءَهُمْ ... والناكحين بشطي دجلة البقرا)
وَمن جيد شعره فِي مُعَاوِيَة:
(يَا أَيهَا الْملك المبدي عداوته ... روئ لنَفسك أَي الْأَمر تأتمر)
(وَمَا شَعرت بِمَا أضمرت من حنق ... حَتَّى أَتَتْنِي بِهِ الأنباء وَالنّذر)
(فَإِن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يَديك فَإِن الْمجد مبتدر))
(وَاعْلَم بِأَن عَليّ الْخَيْر من بشر ... شم العرانين لَا يعلوهم بشر)
(نعم الْفَتى هُوَ إِلَّا أَن بَيْنكُمَا ... كَمَا تفاضل نور الشَّمْس وَالْقَمَر)
...
стр. 5130
(وَمَا أَظُنك إِلَّا لست منتهياً ... حَتَّى يمسك من أظفارهم ظفر)
(إِنِّي امْرُؤ قَلما أثني على أحد ... حَتَّى أرى بعض مَا يَأْتِي وَمَا يذر)
(لَا تحمدن أمرأً حَتَّى تجربه ... وَلَا تذمن من لم يبله الْخَبَر)
انْتهى.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(لعاء الله فَضلكُمْ علينا ... بِشَيْء أَن أمكُم شريم)
على أَن لعاء لُغَة فِي لَعَلَّ كَمَا فِي الْبَيْت. وَلم أر من أنْشدهُ كَذَا إِلَّا ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ: إِنَّمَا حذفت اللَّام الأولى من لَعَلَّ كثيرا فِي أشعارهم لكثرتها فِي استعمالهم وَلِهَذَا تلعبت الْعَرَب بِهَذِهِ الْكَلِمَة فَقَالُوا: لَعَلَّ ولعلن وَلعن بِالْعينِ غير الْمُعْجَمَة.
قَالَ الراجز:
(حَتَّى يَقُول الراجز الْمنطق ... لعن هَذَا مَعَه مُعَلّق)
ولغن بالغين الْمُعْجَمَة. وأنشدوا:
(أَلا يَا صَاحِبي قفا لغنا ... نرى العرصات أَو أثر الْخيام)
стр. 5131
ورعن وَعَن وغن ولغل وغل ولعاء. قَالَ الشَّاعِر:
(لعاء الله فَضله عَلَيْكُم ... بِشَيْء أَن أمكُم شريم)
وَقَالَ الآخر: فَلَمَّا كثرت هَذِه الْكَلِمَة فِي استعمالهم حذفوا اللَّام. وَكَانَ حذف اللَّام أولى من الْعين وَإِن كَانَ أبعد من الطّرف لِأَنَّهُ لَو حذف الْعين لَأَدَّى إِلَى اجْتِمَاع ثَلَاث لامات. انْتهى.
-
والهمزة من لعاء مَفْتُوحَة كَمَا فِي لَعَلَّ. وَلَفظ الْجَلالَة فِي الْبَيْتَيْنِ مَنْصُوبَة على إِعْمَال لعاء عمل إِن. وَلَا يجوز جرها فَإِن الجارة إِنَّمَا هِيَ: لَعَلَّ وعل بِفَتْح لامهما وكسرهما.
وَالْمَشْهُور فِي إنشاد هَذَا الْبَيْت: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ علينا)
وَكَذَا أنْشدهُ ابْن السّكيت بِكَسْر لَام لَعَلَّ وجر الْجَلالَة وَكَذَا رَوَاهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني وَابْن النَّاظِم وَابْن عقيل وَابْن هِشَام فِي شروحهم الألفية.
واللغات الْعشْرَة الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح الْمُحَقق غير لعاء ذكرهَا ابْن مَالك فِي التسهيل وَزَاد عَلَيْهَا الْمرَادِي فِي الجنى الداني لُغَة أُخْرَى وَهِي رعل
стр. 5132
بالراء بدل اللَّام الأولى.
وَأورد ابْن الْأَنْبَارِي فِي لغاتها لعلن بإبدال اللَّام الثَّالِثَة نوناً. وَأَرَادَ صَاحب الْقَامُوس أَيْضا فِي لغاتها لون بِفَتْح اللَّام وَالْوَاو وَتَشْديد النُّون الْمَفْتُوحَة فَتَصِير لغاتها أَربع عشرَة لُغَة.
وَقد اخْتلف أهل المصرين فِي اللُّغَة الْأَصْلِيَّة: فَقَالَ البصريون: الأَصْل عل. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الأَصْل لَعَلَّ.
وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي دَلِيل الْفَرِيقَيْنِ وَرجح قَول الْكُوفِيّين. وَلَا بَأْس بإيراده مُخْتَصرا قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن اللَّام الأولى فِي لَعَلَّ أَصْلِيَّة وَقَالُوا: لِأَنَّهَا حرف وحروف الْجَرّ كلهَا أَصْلِيَّة لِأَن حُرُوف الزِّيَادَة تخْتَص بالأسماء وَالْأَفْعَال. وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَن اللَّام خَاصَّة لَا تكَاد تزاد بِمَا تجوز فِيهِ الزِّيَادَة إِلَّا شاذاً نَحْو: زيدل وعبدل وفحجل فِي كَلِمَات مَعْدُودَة.
وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة: وَقَالُوا: لأَنا وجدناهم يستعملونها كثيرا عَارِية
عَن اللَّام وَلِهَذَا حكمنَا بِزِيَادَة اللَّام فِي: عبدل وَنَحْوه لِأَن عبدا أَكثر اسْتِعْمَالا مِنْهُ.
وَالَّذِي يدل على زيادتها أَنَّهَا مَعَ أخواتها إِنَّمَا عملت النصب وَالرَّفْع لشبهها بِالْفِعْلِ لِأَن أَن: مثل مد وليت مثل لَيْسَ وَلَكِن أَصْلهَا كن ركبت مَعهَا لَا كَمَا ركبت لَو مَعَ لَا وَكَأن أَصْلهَا أَن أدخلت عَلَيْهَا كَاف التَّشْبِيه.
فَلَو قُلْنَا إِن لَعَلَّ أَصْلِيَّة لَأَدَّى ذَلِك إِلَى أَن لَا تكون على وزن من الْأَفْعَال الثلاثية والرباعية.
стр. 5133
وَالصَّحِيح مَذْهَب الْكُوفِيّين.
وَقَول الْبَصرِيين: إِنَّا وجدناهم يستعملون لَعَلَّ بِغَيْر لَام فجوابهم: إِنَّمَا حذفت كثيرا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال.
وَأما قَوْلهم: لما وجدناهم يستعملونها مَعَ حذف اللَّام فِي معنى إِثْبَاتهَا دلّ على أَنَّهَا زَائِدَة كَلَام عبدل فجوابهم: أَن هَذَا إِنَّمَا يعْتَبر فِيمَا يجوز أَن يدْخل فِيهِ حُرُوف الزِّيَادَة. وَأما الْحُرُوف فَلَا يجوز أَن يدْخل فِيهَا حُرُوف الزِّيَادَة.
وَأما قَوْلهم: إِن هَذِه الْحُرُوف إِنَّمَا عملت لشبه الْفِعْل فجوابهم: أَنا لَا نسلم أَنَّهَا إِنَّمَا عملت لشبه)
الْفِعْل فِي لَفظه فَقَط وَإِنَّمَا عملت لِأَنَّهَا أشبهته لفظا وَمعنى من عدَّة وُجُوه: أَحدهَا: أَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْم كَمَا أَن الْفِعْل يَقْتَضِيهِ.
وَالثَّانِي: أَن فِيهَا معنى الْفِعْل فَإِن وَأَن بِمَعْنى أكدت. وَكَأن بِمَعْنى شبهت وَلَكِن بِمَعْنى استدركت وليت بِمَعْنى تمنيت وَلَعَلَّ بِمَعْنى ترجيت. وَأَنَّهَا مَبْنِيَّة على الْفَتْح كالماضي.
وَهَذِه الْوُجُوه من المشابهة بَين لَعَلَّ وَالْفِعْل لَا تبطل بِأَن لَا تكون على وزن من أوزانه وَهِي كَافِيَة فِي إِثْبَات عَملهَا بِحكم المشابهة. انْتهى.
-
وَقَول الشَّاعِر: لعاء الله فَضلكُمْ علينا جملَة فَضلكُمْ: فِي مَوضِع رفع خبر للعاء بِمَعْنى لَعَلَّ. وَأما على رِوَايَة: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ بجر الْجَلالَة فَلَعَلَّ حرف جر لَا يتَعَلَّق بِشَيْء لِأَنَّهُ يشبه الزَّائِد وَلَفظ الْجَلالَة فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ منع
стр. 5134
رَفعه حَرَكَة الْجَرّ وَجُمْلَة فَضلكُمْ: خبر الْمُبْتَدَأ. والشريم وَكَذَلِكَ الشروم: الْمَرْأَة المفضاة وَهِي الَّتِي صَار مسلكاها وَاحِدًا.
وَالْبَيْت لم أَقف على تتمته وَلَا على قَائِله. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
فَقلت: ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت جهرةً لَعَلَّ أبي المغوار مِنْك قريب على أَن لَعَلَّ فِي لُغَة عقيل جَارة كَمَا فِي الْبَيْت. وَلَهُم فِي لامها الأولى الْإِثْبَات والحذف وَفِي الثَّانِيَة الْفَتْح وَالْكَسْر.
قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: حكى أَبُو زيد أَن لُغَة عقيل لَعَلَّ زيد منطلق بِكَسْر اللَّام الْآخِرَة من لَعَلَّ وجر زيد.
قَالَ كَعْب بن سعد الغنوي:
(فَقلت ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت ثَانِيًا ... لَعَلَّ أبي المغوار ... ... الْبَيْت)
وَقَالَ أَبُو الْحسن: ذكر أَبُو عُبَيْدَة أَنه سمع لَام لَعَلَّ مَفْتُوحَة فِي لُغَة من يجر فِي قَول الشَّاعِر: انْتهى.
стр. 5135
وَنقل ابْن مَالك وَغَيره اللغتين الْأُخْرَيَيْنِ فِي عل كَمَا نقل الشَّارِح الْمُحَقق. وَعقيل بِالتَّصْغِيرِ: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء ابْن قيس بن عيلان بن مُضر. كَذَا فِي جمهرة الْكَلْبِيّ.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَهِي مشكلة لِأَن جرها عمل مُخْتَصّ بالحروف ... إِلَخ أَقُول: لَا إِشْكَال فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة بوضعين: فَهِيَ مَوْضُوعَة عِنْد قوم لعمل النصب
وَالرَّفْع مَعًا وَعند قوم أخر لعمل الْجَرّ كوضع لفظ لأمرين مُخْتَلفين. فعملهما للرفع والجر بوضعين لَا بِوَضْع وَاحِد خلافًا للشَّارِح فِي قَوْله: وَكَون حرف عَامل عمل الْحُرُوف وَالْأَفْعَال فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا لم يثبت.
وَإِن أَرَادَ من الْحَالة الْوَاحِدَة كَونهَا لِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ الترجي فِي العملين فَلَا بدع وَلها نَظَائِر مِنْهَا: خلا وَعدا وحاشا فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهَا تكون تَارَة فعلا فَترفع وتنصب وَتارَة حرفا فتجر وَالْمعْنَى فِي العملين وَاحِد.
وَإِن أَرَادَ الحرفية فِي العملين فَمَمْنُوع أَيْضا فَإِن لات تعْمل عمل لَيْسَ وَتَكون حرف جر أَيْضا وَهِي حرف فِي العملين.
بل فِي عمل لَعَلَّ الْجَرّ إدخالها فِي قَوْلهم: مَا اخْتصَّ بقبيل وَلم يكن كالجزء مِنْهُ حَقه أَن يعْمل الْعَمَل الْخَاص بِهِ. فَفِيهِ مُرَاجعَة أصل مرفوض. وَإِنَّمَا خرجت مَعَ أخواتها عَن هَذَا الأَصْل لشبهها)
بِالْفِعْلِ وَلذَلِك قَالَ الْجُزُولِيّ: وَقد جروا بلعل منبهة على الأَصْل.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَأَيْضًا الْجَار لَا بُد لَهُ من مُتَعَلق وَلَا مُتَعَلق هَا هُنَا. . إِلَخ أَقُول: هِيَ من جملَة حُرُوف جر لَا تتَعَلَّق بِشَيْء.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: اعْلَم أَن مجرور لَعَلَّ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ لتنزيل لَعَلَّ منزلَة الْجَار الزَّائِد فِي نَحْو: بحسبك دِرْهَم بِجَامِع مَا بَينهمَا من عدم التَّعَلُّق بعامل.
وَقَوله:
стр. 5136
قريب خبر ذَلِك الْمُبْتَدَأ. وَمثله لولاي لَكَانَ كَذَا على قَول سِيبَوَيْهٍ إِن لَوْلَا جَارة وقولك: رب رجل يَقُول ذَلِك وَنَحْوه. انْتهى. وَقد ذكر فِي الْبَاب الثَّالِث مِنْهُ الْحُرُوف الَّتِي لَا تتَعَلَّق بِشَيْء قَالَ: يَسْتَثْنِي من قَوْلنَا: لَا بُد لحرف الْجَرّ من مُتَعَلق سِتَّة أُمُور: أَحدهَا: الْحَرْف الزَّائِد كالباء وَمن فِي قَوْله: وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وهَل من خَالق غير الله.
وَذَلِكَ لِأَن معنى التَّعَلُّق الارتباط الْمَعْنَوِيّ. وَالْأَصْل أَن أفعالاً قصرت عَن الْوُصُول إِلَى الْأَسْمَاء فأعينت على ذَلِك بحروف الْجَرّ وَالزَّائِد إِنَّمَا
دخل فِي الْكَلَام تَقْوِيَة لَهُ وتوكيداً وَلم يدْخل للربط.
الثَّانِي: لَعَلَّ فِي لُغَة عقيل لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْحَرْف الزَّائِد. أَلا ترى أَن مجرورها فِي مَوضِع رفع لَعَلَّ أبي المغوار مِنْك قريب وَلِأَنَّهَا لم تدخل لتوصيل عَامل بل لإِفَادَة معنى التوقع. ثمَّ إِنَّهُم جروا بهَا منبهةً على أَن الأَصْل فِي الْحُرُوف المختصة بِالِاسْمِ أَن تعْمل الْإِعْرَاب الْمُخْتَص بِهِ كحروف الْجَرّ.
الثَّالِث: لَوْلَا فِيمَن قَالَ: لولاي ولولاك ولولاه على قَول سِيبَوَيْهٍ: أَن لَوْلَا جَارة للضمير فَإِنَّهَا أَيْضا بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي أَن مَا بعْدهَا مَرْفُوع الْمحل بِالِابْتِدَاءِ فَإِن لَوْلَا الامتناعية تستدعي جملتين كَسَائِر أدوات التَّعْلِيق.
стр. 5137
وَالرَّابِع: رب فِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته أَو لقِيت لِأَن مجرورها مفعول فِي الثَّانِي ومبتدأ فِي الأول أَو مفعول على حد: زيدا ضَربته وَيقدر الناصب بعد الْمَجْرُور لَا قبل الْجَار لِأَن رب لَهَا الصَّدْر من بَين حُرُوف الْجَرّ وَإِنَّمَا دخلت فِي المثالين لإِفَادَة التكثير أَو التقليل لَا لتعدية عَامل.
الْخَامِس: كَاف التَّشْبِيه قَالَه الْأَخْفَش وَابْن عُصْفُور مستدلين بِأَنَّهُ إِذا قيل: زيد كعمرو فَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق اسْتَقر فالكاف لَا تدل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فعلا مناسباً للكاف وَهُوَ أشبه فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ. وَالْحق أَن جَمِيع الْحُرُوف الجارة الْوَاقِعَة فِي مَوضِع الْخَبَر وَنَحْوه تدل على الِاسْتِقْرَار.)
السَّادِس: حُرُوف الِاسْتِثْنَاء وَهِي: خلا وَعدا وحاشا إِذا خفضن فَإِنَّهُنَّ لتنحية الْفِعْل عَمَّا دخلن عَلَيْهِ كَمَا أَن إِلَّا كَذَلِك وَذَلِكَ عكس معنى التَّعْدِيَة وَهُوَ إِيصَال معنى الْفِعْل إِلَى الِاسْم.
انْتهى بِاخْتِصَار.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق وَفِي الْبَيْت الَّذِي أنشدناه: إِن رُوِيَ بِفَتْح اللَّام الْأَخِيرَة
يحْتَمل أَن يُقَال: اسْم لَعَلَّ وَهُوَ ضمير الشَّأْن مُقَدّر ... إِلَخ وَيكون لأبي المغوار خبر مقدم وَقَرِيب: مُبْتَدأ مُؤخر بِتَقْدِير مَوْصُوف ومنك حَال من ضمير قريب وَالْجُمْلَة: خبر ضمير الشَّأْن. وَهَذَا قَول ابْن عُصْفُور قَالَ فِي شرح الْجمل: وَاسْتدلَّ الَّذِي ذهب إِلَى أَن لَعَلَّ مَفْتُوحَة اللَّام من حُرُوف الْخَفْض بقوله: لَعَلَّ أبي المغوار.
وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ عِنْدِي لإنه قد اسْتَقر فِي لَعَلَّ الْمَفْتُوحَة اللَّام أَن تنصب وترفع فَإِن أمكن إبقاؤها على مَا اسْتَقر فِيهَا كَانَ أولى. وَقد أمكن ذَلِك بِأَن يكون اسْم لَعَلَّ ضمير الشَّأْن محذوفاً يُرِيد لَعَلَّه على حد حذفه فِي قَول الآخر: ...
стр. 5138
(إِن من لَام فِي بني بنت حسا ... ن ... ... ... ... الْبَيْت)
وَيكون أبي المغوار مخفوضاً بِحرف جر مَحْذُوف لفهم الْمَعْنى تَقْدِيره: لَعَلَّ لأبي المغوار مِنْك جَوَاب قريب.
وَنَظِيره قَول الآخر: لاه ابْن عمك يُرِيد: لله ابْن عمك وَيكون قريب صفة مَوْصُوف مَحْذُوف.
وَحمله على هَذَا أولى وَإِن كَانَ فِيهِ ضرورتان: حذف ضمير الشَّأْن وَحذف حرف الْجَرّ وإبقاء عمله.
وَاسْتدلَّ الَّذِي ذهب إِلَى أَن لَعَلَّ الْمَكْسُورَة اللَّام حرف جر بقوله: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ علينا ... ... ... . الْبَيْت بخفض اسْم الله. وَهَذَا عِنْدِي يَنْبَغِي أَن يحمل على ظَاهره لِأَنَّهُ لم يسْتَقرّ فِي الْمَكْسُورَة اللَّام عمل النصب وَالرَّفْع. انْتهى كَلَامه.
-
وَكَأَنَّهُ لم يبلغهُ فتح لَام الجارة عَن أبي عُبَيْدَة كَمَا نَقَلْنَاهُ.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز أَن يُقَال: ثَانِي لامي لَعَلَّ مَحْذُوف ... إِلَخ هَذَا القَوْل وَمَا بعده فِي رِوَايَة كسر اللَّام للفارسي قَالَ فِي كتاب الشّعْر فِي بَاب مَا لحق الْحُرُوف من الْحَذف: يجوز تَخْفيف لَعَلَّ كَمَا يُخَفف أَن وَكَأن. وعَلى التَّخْفِيف يعلم مَا أنْشدهُ أَبُو زيد:)
لَعَلَّ أبي المغوار إِن فتحت اللَّام أَو كسرت فَوجه الْكسر ظَاهر. وَأما الْفَتْح فَلِأَن لَام الْجَرّ يفتحها قوم مَعَ الْمظهر كَمَا تفتح
стр. 5139
مَعَ الْمُضمر فَإِنَّمَا خفف لَعَلَّ وأضمر فِيهِ الْقِصَّة والْحَدِيث كَمَا أضمر فِي إِن وَأَن وَالتَّقْدِير: لَعَلَّه لأبي المغوار قريب أَي: جَوَاب قريب فَأَقَامَ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل وتأوله الْفَارِسِي على تَخْفيف لَعَلَّ وَأَن فِيهَا ضمير الشَّأْن ووليها فِي اللَّفْظ لَام الْجَرّ مَفْتُوحَة ومكسورة. فالجر بِاللَّامِ وَلَعَلَّ على أَصْلهَا. انْتهى.
وَكَذَا لِابْنِ هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: وَزعم الْفَارِسِي أَنه لَا دَلِيل فِي ذَلِك لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الأَصْل لَعَلَّه لأبي المغوار جَوَاب قريب فَحذف مَوْصُوف قريب وَضمير الشَّأْن وَلَام لَعَلَّ الثَّانِيَة تَخْفِيفًا وأدغمت الأولى فِي لَام الْجَرّ وَمن ثمَّ كَانَت مَكْسُورَة.
وَمن فتح فَهُوَ على لُغَة من يَقُول: المَال لزيد بِالْفَتْح. وَهَذَا تكلّف كثير. وَلم يثبت تَخْفيف لَعَلَّ.
انْتهى.
وَقَالَ الْمرَادِي فِي الجنى الداني: وَهَذَا التَّخْرِيج ضَعِيف من أوجه: أَحدهَا: أَن تَخْفيف لَعَلَّ لم يسمع فِي غير هَذَا الْبَيْت.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تعْمل فِي ضمير الشَّأْن.
وَالثَّالِث: أَن فتح لَام الْجَرّ مَعَ الظَّاهِر شَاذ. انْتهى.
-
وَقد أَخذ ابْن الشجري قَول الْفَارِسِي وَتصرف فِيهِ وَلم يعْتَبر ضمير الشَّأْن قَالَ فِي أَمَالِيهِ: سَأَلَني حبشِي بن مُحَمَّد بن شُعَيْب الوَاسِطِيّ عَن قَول كَعْب بن سعد: لَعَلَّ أبي المغوار فأجبت بِأَنَّهُ أَرَادَ لَعَلَّ لأبي المغوار مِنْك مَكَان قريب فَخفف لَعَلَّ وألغاها كَمَا يلغون إِن وَأَن
стр. 5140
وَلما حذف اللَّام المتطرفة بَقِي لَعَلَّ سَاكن اللَّام فأدغمها فِي لَام الْجَرّ لاستثقال الكسرة على المضاعف. وَالْقِيَاس فِي الْخط أَن تكْتب مُنْفَصِلَة من لَعَلَّ. انْتهى كَلَامه.
وَقيل جر أبي المغوار على الْحِكَايَة نَقله الْمرَادِي. وَهَذَا كُله تكلّف. وَإِذا صحت اللُّغَة بِنَقْل الْأَئِمَّة كَأبي زيد وَالْفراء فَلَا معنى لتأويل بعض شواهدها.
قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: والجر بلعل ثَابِتَة الأول أَو محذوفته مَفْتُوحَة الآخر أَو مكسورته لُغَة عقيلية. انْتهى.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: نقل عَن الْأَخْفَش أَنه سمع من الْعَرَب فتح لَام الْجَرّ إِلَخ نقل هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة)
إِنَّمَا هُوَ فِي لَام كي لَا فِي اللَّام الدَّاخِلَة على الِاسْم الْمظهر كَمَا يَأْتِي نَقله عَن الْفَارِسِي فِي شرح الْبَيْت الْآتِي.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي هَذِه الرِّوَايَة أَن يُقَال: الأَصْل لعاً. . إِلَخ رِوَايَة فِي الْبَيْت أثبتها أَبُو زيد فِي نوادره. قَالَ: ويروى: لعاً لأبي المغوار قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نوادره: فلعاً على هَذِه الرِّوَايَة رفع بِالِابْتِدَاءِ وَلأبي المغوار الْخَبَر ولعاً مَقْصُور مثل عَصا وَهِي كلمة تستعملها الْعَرَب عِنْد العثرة والسقطة.
وَيَقُولُونَ: لعاً لَك أَي: أنهضك الله. وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَفِيهِ معنى الدُّعَاء. أَلا
ترى أَن الْقَائِل إِذا قَالَ الْحَمد لله وَمَا أشبهه فَهُوَ وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَفِيهِ معنى الْفِعْل يُرِيد: أَحْمد الله. وعَلى هَذَا يجْرِي الْبَاب كُله.
قَالَ الْأَعْشَى:
(بِذَات لوث عفرناة إِذا عثرت ... فالتعس أدنى لَهَا من أَن أَقُول لعا)
стр. 5141
يَقُول: أَدْعُو عَلَيْهَا أَحْرَى من أَن أَدْعُو لَهَا. ثمَّ اتَّسع هَذَا فَصَارَ مثلا حَتَّى يُقَال لكل منكوب: لعاً ولعاً لَهُ. انْتهى.
وَلكَون لعاً فِي معنى الدُّعَاء أَي: انْتَعش بِالْفِعْلِ الْمَاضِي على وَجه الدُّعَاء. يُقَال: انْتَعش العاثر من عثرته أَي: نَهَضَ. ونعشه الله وأنعشه: أَقَامَهُ. وتنوينه للتنكير كَمَا فِي صه. وَهُوَ مَبْنِيّ على السّكُون وَإِنَّمَا جَازَ الِابْتِدَاء بِهِ مَعَ التنكير لِأَنَّهُ فِي معنى الدُّعَاء.
قَالَ ابْن هِشَام فِي بحث مسوغات الِابْتِدَاء بالنكرة: السَّابِع أَن تكون فِي معنى الْفِعْل وَهَذَا شَامِل لنَحْو: عجب لزيد. وضبطوه بِأَن يُرِيد بهَا التَّعَجُّب. ولنحو: سَلام على آل ياسين وويل لِلْمُطَفِّفِينَ. وضبطوه بِأَن يُرَاد بهَا الدُّعَاء. انْتهى.
وَلَا يجوز أَن تكون اللَّام للتبيين وَهِي مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف استؤنف للتبيين مَعَ رفع لعاً. قَالَ ابْن هِشَام فِي بحث اللَّام المبينة: وَمِثَال المبينة للفاعلية تَبًّا لزيد وويحاً فَإِنَّهُمَا
فِي معنى خسر وَهلك.
فَإِن رفعتهما بِالِابْتِدَاءِ فَاللَّام ومجرورها خبر ومحلهما الرّفْع وَلَا تَبْيِين لعدم تَمام الْكَلَام. انْتهى.
وَمِنْه يظْهر سُقُوط قَول ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: لعاً مُبْتَدأ وَقَوله: لأبي المغوار فِي مَوضِع الصّفة لَهُ وَقَرِيب: خبر الْمُبْتَدَأ. وَإِنَّمَا اضْطر إِلَى جعل لأبي المغوار صفة)
لتنكير الْمُبْتَدَأ مَعَ أَنه لَيْسَ الْمَعْنى على الْإِخْبَار بِالْقربِ عَن لعا وَإِنَّمَا قريب خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف هُوَ ضمير أبي المغوار. وَالْجُمْلَة استئنافية فِي مقَام الْعلَّة لقَوْله: ارْفَعْ الصَّوْت.
وَنقل أَبُو زيد فِي نوادره عَن أبي عَمْرو أَنه رَوَاهُ: لَعَلَّ أَبَا المغوار مِنْك قريب بِالنّصب.
стр. 5142
هَذَا. وَالْبَيْت من قصيدة مرثية جَيِّدَة لكعب بن سعد الغنوي رَوَاهَا القالي فِي أَمَالِيهِ وَمُحَمّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب قَالَ: رثى بهَا كَعْب أَخَاهُ شبيباً.
وَقَالَ القالي: قَرَأت على أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد هَذِه القصيدة فِي شعر كَعْب الغنوي وأملاها علينا أَبُو الْحسن الْأَخْفَش قَالَ: قرئَ على أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الْأَحول وَمُحَمّد بن يزِيد وَأحمد بن يحيى.
قَالَ: وَبَعض النَّاس يروي هَذِه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي وَبَعْضهمْ يَرْوِيهَا بأسرها لسهم الغنوي وَهُوَ من قومه وَلَيْسَ بأَخيه.
وَبَعْضهمْ يروي شَيْئا مِنْهَا لسهم. والمرثي بِهَذِهِ القصيدة يكنى أَبَا المغوار واسْمه هرم وَبَعْضهمْ يَقُول: اسْمه شبيب ويحتج بِبَيْت رُوِيَ فِي هَذِه القصيدة.
أَقَامَ وخلى الظاعنين شبيب وَهَذَا الْبَيْت مَصْنُوع وَالْأول أصح لِأَنَّهُ رَوَاهُ ثِقَة. وأولها فِي رِوَايَة الْجَمِيع:
(تَقول سليمى مَا لجسمك شاحباً ... كَأَنَّك يحميك الشَّرَاب طَبِيب)
(فَقلت وَلم أعي الْجَواب لقولها ... وللدهر فِي صم السَّلَام نصيب)
(تتَابع أَحْدَاث تخرمن إخوتي ... وشيبن رَأْسِي والخطوب تشيب)
(لعمري لَئِن كَانَت أَصَابَت مُصِيبَة ... أخي والمنايا للرِّجَال شعوب)
(لقد عجمت مني الْحَوَادِث ماجداً ... عروفاً لريب الدَّهْر حِين يريب)
(وَقد كَانَ: أما حلمه فمروح ... علينا وَأما جَهله فعزيب)
(فَتى الْحَرْب إِن حَارَبت كَانَ سمامها ... وَفِي السّلم مفضال الْيَدَيْنِ وهوب)
(هوت أمه مَاذَا تضمن قَبره ... من الْجُود وَالْمَعْرُوف حِين يثيب)
(جموع خلال الْخَيْر من كل جَانب ... إِذا جَاءَ جياء بِهن ذهوب)
...
стр. 5143
(هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح غادياً ... وماذا يرد اللَّيْل حِين يؤوب)
(مغيث مُفِيد الفائدات معود ... لفعل الندى والمكرمات كسوب))
(غنينا بِخَير حقبةً ثمَّ جلحت ... علينا الَّتِي كل الْأَنَام تصيب)
(وَلَو كَانَ حَيّ يفتدى لفديته ... بِمَا لم تكن عَنهُ النُّفُوس تطيب)
(بعيني أَو يمنى يَدي وإنني ... ببذل فدَاه جاهداً لمصيب)
(فَإِن تكن الْأَيَّام أحسن مرّة ... إِلَيّ فقد عَادَتْ لَهُنَّ ذنُوب)
(أخي كَانَ يَكْفِينِي وَكَانَ يُعِيننِي ... على نائبات الدَّهْر حِين تنوب)
(عَظِيم رماد الْقَوْم رحب فناؤه ... إِلَى سَنَد لم تحتجنه غيوب)
(حَلِيم إِذا مَا الْحلم زين أَهله ... مَعَ الْحلم فِي عين الْعَدو مهيب)
(إِذا مَا تراءاه الرِّجَال تحفظُوا ... فَلم ينطقوا العوراء وَهُوَ قريب)
(أخي مَا أخي لَا فَاحش عِنْد بَيته ... وَلَا ورع عِنْد اللِّقَاء هيوب)
(على خير مَا كَانَ الرِّجَال خلاله ... وَمَا الْخَيْر إِلَّا قسْمَة وَنصِيب)
(حَلِيف الندى يَدْعُو الندى فَيُجِيبهُ ... قَرِيبا ويدعوه الندى فيجيب)
(هُوَ الْعَسَل الماذي لينًا وشيمةً ... وَلَيْث إِذا يلقى الْعَدو غضوب)
(حَلِيم إِذا مَا سُورَة الْجَهْل أطلقت ... حبى الشيب للنَّفس اللجوج غلوب)
...
стр. 5144
(كعالية الرمْح الرديني لم يكن ... إِذا ابتدر الْخَيْر الرِّجَال يخيب)
(حبيب إِلَى الزوار غشيان بَيته ... جميل الْمحيا شب وَهُوَ أديب)
(كَأَن بيُوت الْحَيّ مَا لم يكن بهَا ... بسابس لَا يلقى بِهن عريب)
(وداع دَعَا يَا من يُجيب إِلَى الندى ... فَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب)
(فَقلت ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت دَعْوَة ... لَعَلَّ أَبَا المغوار مِنْك قريب)
(يجبك كَمَا قد كَانَ يفعل إِنَّه ... مُجيب لأبواب الْعَلَاء طلوب)
(فَإِنِّي لباكيه وَإِنِّي لصَادِق ... عَلَيْهِ وَبَعض الْقَائِلين كذوب)
(إِذا ذَر قرن الشَّمْس عللت بالأسى ... ويأوي إِلَيّ الْحزن حِين تغيب)
وَهَذَا آخر القصيدة وحذفت مِنْهَا أبياتاً كَثِيرَة.
وَقَوله: هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح الْبَيْت قَالَ القالي: أَي هَلَكت أمه كَأَنَّهَا انحدرت إِلَى الهاوية.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فأمه هاوية على أَنه من قَوْلهم: إِذا دعوا على)
الرجل بالهلكة لِأَنَّهُ إِذا هلك هوت أمه كَمَا فِي الْبَيْت.
وَالْمرَاد لَيْسَ الدُّعَاء بالوقوع بل التَّعَجُّب والمدح كَقَوْلِهِم: قَاتله الله مَا أفصحه يَعْنِي أَنه مُسْتَحقّ لِأَنَّهُ يحْسد ويدعى عَلَيْهِ
стр. 5145
بِالْهَلَاكِ. وَمَا: نكرَة مَوْصُوفَة أَي: أَي شَيْء يبْعَث الصُّبْح مِنْهُ حِين يَغْدُو إِلَى الْحَرْب وَأي شَيْء يرد اللَّيْل مِنْهُ حِين يرجع إِلَى أَهله. وَفِيه معنى التَّجْرِيد.
وَقَوله: وداع دَعَا يَا من يُجيب الْبَيْت الْوَاو وَاو رب. والداعي هُنَا السَّائِل ويجيب من أَجَابَهُ أَي رد جَوَابه ومفعوله مَحْذُوف أَي: يُجيب الدَّاعِي.
والندى: الْغَايَة وَبعد ذهَاب الصَّوْت والجود. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَقَوله: فَلم يستجبه أوردهُ ابْن قُتَيْبَة فِي الْأَفْعَال الَّتِي تتعدى تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِاللَّامِ من أدب الْكَاتِب قَالَ: يُقَال: استجبتك واستجبت لَك.
قَالَ شَارِحه ابْن السَّيِّد: كَذَلِك قَالَ يَعْقُوب وَمن كِتَابه نقل ابْن قُتَيْبَة أَكثر مَا أوردهُ هُنَا. وَقد يُمكن أَن يُرِيد فَلم يجبهُ.
وَيدل على ذَلِك أَنه قَالَ: مُجيب وَلم يقل مستجيب فَيكون الشَّاعِر قد أجْرى استفعل مجْرى أفعل كَمَا يُقَال اسْتخْلف لأَهله بِمَعْنى أخلف واستوقد بِمَعْنى أوقد.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم على أَن الاستجابة تتعدى بِنَفسِهَا كَمَا فِي الْبَيْت وباللام كَمَا فِي الْآيَة. واستجاب لَهُ أَكثر شيوعاً من استجابة. هَذَا فِي التَّعْدِيَة إِلَى الدَّاعِي.
-
وَأما إِذا عدي إِلَى الدُّعَاء فبدون اللَّام أَكثر شيوعاً نَحْو: اسْتَجَابَ الله دعاءه. وَلِهَذَا قَالَ فِي سُورَة الْقَصَص: الْبَيْت على حذف مُضَاف أَي: لم يستجب دعاءه. وَالْمعْنَى رب دَاع دَعَا هَل من أحد يمنح المستمنحين فَلم يجبهُ أحد.
وَقَوله: فَقلت ادْع أُخْرَى أَي: دَعْوَة أُخْرَى. وَقَوله: لَعَلَّ أبي المغوار هَذَا الترجي من شدَّة ذُهُوله من عظم مصابه بأَخيه.
стр. 5146
وَكَعب بن سعد الغنوي شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة)
(لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا ... جهاراً من زُهَيْر أَو أسيد)
على أَنه تتعذر هُنَا تِلْكَ التخريجات الْمُتَقَدّمَة فِي الْبَيْت قبله. فَيتَعَيَّن كَون لَعَلَّ فِيهِ حرف جر وَلَفظ الْجَلالَة مجروراً بِهِ.
وَلَا يَصح أَن يَدعِي أَن الأَصْل لعاً لله وَهُوَ ظَاهر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
وَلَا يُمكن أَن يُقَال تَقْدِيره: لَعَلَّه لله يمكنني بِتَقْدِير ضمير الشَّأْن وجر الْجَلالَة إِمَّا بلام مقدرَة كَمَا قَالَ ابْن عُصْفُور وَإِمَّا بِاللَّامِ المدغمة فِي لَام لَعَلَّ المخففة كَمَا قَالَ أَبُو عَليّ سَوَاء كَانَت لَام لَعَلَّ مَكْسُورَة أم مَفْتُوحَة فِي لَعَلَّ الله فَإِن ذَلِك لَا وَجه لَهُ لَا معنى وَلَا صناعَة.
-
أما الأول فَظَاهر. وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون لله خير ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ لَيْسَ بجملة إِذْ لم يَقع خبر الْمُبْتَدَأ.
فَإِن قلت: قدر لَهُ مُبْتَدأ نَحْو: الْقُدْرَة لله. قُلْنَا: يجب التَّصْرِيح بجزأي الْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا لضمير الشَّأْن وَلَا يجوز حذف أَحدهمَا.
فَإِن قلت: قدره مَعَ مُتَعَلّقه جملَة. قُلْنَا: فَاعله مَجْهُول وَلَا يَصح أَن يكون يمكنني خَبره لِأَنَّهُ يبْقى لله غير مُتَعَلق بِشَيْء إِذا لَا معنى لتَعَلُّقه بِهِ.
стр. 5147
وَالْعجب من أبي عَليّ فِي تجويزه الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْمسَائِل البصرية قَالَ: أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يفتحون اللَّام الَّتِي فِي مَكَان كي.
وَزعم خلف الْأَحْمَر أَنَّهَا لُغَة لبني العنبر. وَقد سَمِعت أَنا ذَلِك من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَن أَصْلهَا الْفَتْح وَكسرت فِي الْإِضَافَة للفصل بَينهَا وَبَين لَام الِابْتِدَاء. وأحفظ فِي كتاب أبي الْحسن:
(تواعدوني ربيعَة كل يَوْم ... لأهلكها وأقتني الدجاجا)
لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ أَبُو عَليّ: يكون هَذَا على إِضْمَار الحَدِيث فِي لَعَلَّ مُخَفّفَة كإضماره فِي إِن وأضمر مُبْتَدأ والظرف فِي مَوضِع الْخَبَر ويمكنني: حَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّ الْقِصَّة الْأَمر لله مُمكنا لي.
وَإِن شِئْت جعلت يمكنني فِي مَوضِع خبر لَعَلَّ وأضمرت الحَدِيث كَأَنَّهُ قيل: لَعَلَّه يمكنني الْأَمر لله أَي: لقُوَّة الله. هَذَا كَلَامه.
وَنَقله ابْن السَّيِّد فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي وَلم يتعقبه بِشَيْء. وَفِيه نظر من وُجُوه:)
أما أَولا: فَلِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة لذكر فتح لَام كي هُنَا فَإِن اللَّام الَّتِي ادَّعَاهَا دَاخِلَة على الِاسْم الصَّرِيح لَا على الْفِعْل.
-
وَأما ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَا يجوز حذف أحد جزأي الْجُمْلَة كَمَا تقدم.
وَأما ثَالِثا: فَلِأَنَّهُ قدر ليمكنني فَاعِلا وَهَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف
стр. 5148
فِيهَا. وَإِن أَرَادَ أَنه تَفْسِير الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يمكنني الْعَائِد إِلَى ضمير الشَّأْن فَفِيهِ أَن شَرط ضمير الشَّأْن أَن لَا يعود إِلَيْهِ ضمير من جملَة خَبره.
وَأما رَابِعا: فَلِأَنَّهُ قدر مُضَافا بعد اللَّام وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ بعد هَذَا: فَإِن قلت فَهَل يجوز فِي لَعَلَّ فِيمَن خفف أَن يدخلهَا على الْفِعْل بِلَا شريطة إِضْمَار الْقِصَّة كَمَا جَازَ ذَلِك فِي إِن إِذا خففت أَن تدخل على الْفِعْل نَحْو: إِن كَاد ليضلنا قلت: يَنْبَغِي عِنْدِي أَن يبعد إِدْخَال لَعَلَّ على الْفِعْل.
أَلا ترى أَن إِن لَا معنى فِيهَا إِلَّا التَّأْكِيد وَمَعَ ذَلِك فقد أعملت مُخَفّفَة فِي الِاسْم وَنصب بهَا.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَت لَعَلَّ أشبه بِالْفِعْلِ للمعنى الَّذِي لَهَا وَجب أَن لَا تكون إِذا خففت إِلَّا على شريطة الْإِضْمَار إِذا أدخلت على الْفِعْل. ويؤكد ذَلِك أَن الْمَفْتُوحَة المخففة.
أَلا ترى أَنَّهَا لَا تخفف إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث. وَكَذَلِكَ كَأَن فِي قَوْله: كَأَن ثدياه حقان على أَن كَأَن إِنَّمَا هِيَ أَن أدخلت الْكَاف عَلَيْهَا. فَإِذا لم تكن إِن إِلَّا على شريطة إِضْمَار فِيهَا وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن قَوْله: لَعَلَّ أبي المغوار وَلَعَلَّ الله يمكنني إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث وَمَا بعده فِي مَوضِع الْخَبَر. هَذَا كَلَامه.
وبناؤه على غير أساس فَإِنَّهُ لم يثبت تَخْفيف لَعَلَّ فِي مَوضِع وَإِنَّمَا كَلَامه هَذَا بِمُجَرَّد توهم تخفيفها. وَالله أعلم.
وَالْبَيْت من قصيدة لخَالِد بن جَعْفَر. وَهَذِه أَبْيَات من أَولهَا
стр. 5149
:
(أريغوني إراغتكم فَإِنِّي ... وحذفة كالشجا تَحت الوريد)
(لَعَلَّ الله يقدرني عَلَيْهَا ... جهاراً من زُهَيْر أَو أسيد)
الإراغة بالراء الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة: الطّلب.
فِي الصِّحَاح: أريغوني إراغتكم أَي: اطلبوني طلبتكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وحذفة بِضَم الْحَاء)
الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء: اسْم فرس الشَّاعِر وَهُوَ جَعْفَر بن خَالِد.
والشجا بِفَتْح الشين وَالْجِيم: مَا ينشب فِي الْحلق من عظم أَو غَيره. شبه نَفسه بالشجا.
ومقربة: مفعول: أريغوني. والمقرب من الْخَيل على اسْم الْمَفْعُول من الإقراب والتقريب: الَّذِي يدنى وَيكرم وَالْأُنْثَى مقربة وَلَا تتْرك أَن ترود.
قَالَ ابْن دُرَيْد: إِنَّمَا يفعل ذَلِك بالإناث لِئَلَّا يقرعها فَحل لئيم. والإلحاف التغطية. والجليد: الصقيع يُرِيد: فِي شدَّة الْبرد.
وَزُهَيْر هُوَ ابْن جذيمة بن رَوَاحَة الْعَبْسِي. وَأسيد هُوَ أَخُو زُهَيْر وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين. وَضمير عَلَيْهَا رَاجع إِلَى مقربة.
وَسبب الشّعْر هُوَ مَا رَوَاهُ صَاحب الأغاني وَالسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ قَالَا: إِن هوَازن لَا ترى زُهَيْر بن جذيمة إِلَّا رَبًّا وهوازن يَوْمئِذٍ لَا خير فِيهَا وَلم
تكْثر
стр. 5150
عَامر بن صعصعة بعد فهم أذلّ من يَد فِي رحم إِنَّمَا هم رعاء الشَّاء فِي الْجبَال وَكَانَ زُهَيْر يعشرهم فَكَانَ إِذا كَانَ سوق فَجَاءَت عَجُوز من هوَازن بِسمن فِي نحي واعتذرت إِلَيْهِ وَشَكتْ السنين الَّتِي تَتَابَعَت على النَّاس فذاقه فَلم يرض طعمه فَدَفعهَا بقوس كَانَت فِي يَده فَسَقَطت فبدت عورتها فَغضِبت من ذَلِك هوَازن وحقدته إِلَى مَا كَانَ فِي صدرها من الغيظ وَكَانَت قد كثرت عَامر.
فآلى خَالِد بن جَعْفَر فَقَالَ: وَالله لأجعلن ذراعي وَرَاء عُنُقه حَتَّى أقتل أَو أقتل. وَفِي ذَلِك قَالَ هَذَا الشّعْر.
وَاتفقَ نزُول زُهَيْر بِالْقربِ من أَرض بني عَامر وَكَانَت تماضر بنت عَمْرو بن الشريد امْرَأَة زُهَيْر بن جذيمة وَأم وَلَده فَمر بِهِ أَخُوهَا الْحَارِث بن عَمْرو فَقَالَ زُهَيْر لِبَنِيهِ: إِن الْحمار طَلِيعَة عَلَيْكُم فَأَوْثقُوهُ. فَقَالَت أُخْته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه ثمَّ حلبوا لَهُ وطباً من لبن وَأخذُوا مِنْهُ يَمِينا أَن لَا يخبر عَنْهُم فَخرج حَتَّى أَتَى بني عَامر فَأخْبرهُم فَركب خَالِد بن جَعْفَر وحندج
следующие страницы →